غنائم الأيّام في مسائل الحلال و الحرام - ج1

- الميرزا القمي المزيد...
584 /
23

مقدّمة التحقيق

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمدُ للّه ربّ العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، و باعثِ الرسل بما فيه حياةُ أهل الأرضين، و واهب مصابيح الظلم و مشكاة الديجور لعبادهِ الصالحين، حمداً لا انقطاع له و لا أمد كما هو أهله.

و نصلّي على خير خلقِهِ محمّد كما حَمَل وحيه، و بلّغ رسالاته، و أحلّ حلاله، و حرّم حرامه. و على الأوصياء من بعده، و مستودع علمه، و باب حِكمته، الناطقين بحجّته، و الداعين إلى شريعته.

و بعد، فإنّ فضيلة العلم و فضيلة حامليه لا تخفى على أحد، و قد قال تعالى هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لٰا يَعْلَمُونَ و إِنَّمٰا يَخْشَى اللّٰهَ مِنْ عِبٰادِهِ الْعُلَمٰاءُ.

و أيضاً لا يخفى شرفُ علم الفقه و أفضليّته، كما يُرشد إلى ذلك التأكيد عليه كلّ التأكيد في الآيات و الروايات، فقد قال تعالى فَلَوْ لٰا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ.

و أضف إلى ذلك أنّ فيه سعادة الدارين، فإنّ العُلوم و التجارب و الأبحاث الحديثة أثبتت و ما زالت تُثبت أرقاماً ذهبيّةً خالدةً في لوحة الإسلام العريقة، فقد رَسَمَ الإسلام

24

قبل ألف و أربعمائة عام المسير الذي أخذت تثبته التجارب و البحوث شيئاً فشيئاً، و ما زالت تبلغنا فوائد و حِكَم ما جاء به الإسلام من الأحكام من غرب الأرض و شرقها،، و ما زِلنا نشاهد الوثائق تلوَ الوثائق على صحّة ما نعتقده من تبعيّة أحكام الإسلام للمصالح و المفاسد العائدة إلى البشر. بل كان دأبُ النبيّ (ص) و الأئمّة المعصومين (ع) هو دعم التشريع ببيان بعض المصالح الدنيويّة التي توصّل البشر إليها اليوم، أو يمكن التوصّل إليها يوماً ما، فقد نصّ القرآن على أنّ مضارّ الخمر أكثر من منافعه، و قد باتَ هذا الشيء في أذهان مثقّفي الغرب و حافظي النّظم من الأُمور البديهيّة، و كذا فقد صار تجويز الزنا و اللواط عند مدّعي الحرّيّة كإرثه و وبالًا أورثَ عندهم الداء القاتل، بالإضافة إلى ضياع الأنساب و تفكّك المجتمعات، و غيرها مما لا يحصى.

هذا بالإضافة إلى ما في التزام الجوانب العباديّة و الامتثال أمام الخالق و الانصياع لأوامره و حمده و تسبيحه و ذكره من الاطمئنان الذي لا يمكن إدراكه بأيّ وسيلة أُخرى، أ لا بذكر الله تطمئن القلوب.

و نتيجة لوقوف الشارع و المتشرّعة يعني النبيّ و الأئمّة (ع) على عِظم خطر الفقه، و خطر تفويت مصالح الأحكام الشرعيّة، فقد بذلوا كلّ ما بوسعهم في سبيل نشر الأحكام الشرعيّة و تعليمها و الحثّ على تطبيقها، و لم يتردّدوا في التضحية في هذا السبيل، و أوقفوا أعمارهم الشريفة على ذلك.

و كان نتيجة كلّ ذلك الاهتمام و التأكيد أن قام رجال من ذوي العقول الشامخة و الآراء الصائبة بتعلّم فنون الفقه و تدوينه و استنباط أحكامه منذ بزوغ شمس الإسلام، و على مرّ العصور و الأعوام، حاملين أدواته عن السابقين إلى اللاحقين، فأبرموا بذلك عُقدة الدين القويم، و نفوا عنه تحريف الغالين، و عمّروا به أرجاء الأرضين.

و نتيجة ذلك الاهتمام و طرو بعض الظروف كغيبة الإمام أخذ الفقه يتطوّر على مرّ الأعصار، و صارت كيفيّة استنباط الأحكام و الفتيا بها تتغيّر بمرور الزمان، و ساعد على ذلك الابتعاد عن زمان صدور الأحكام و التعاليم السّامية.

25

تطوّر الفقه

إنّ مسألة تعلّم الأحكام و جمعها و تدوينها كانت من زمان النبيّ (ص)، و اشتدّت بعد لحوقه بالرفيق الأعلى، و قد تخرّج من مدرسة أهل البيت (ع) و على أيدي الأئمّة الأطهار (ع) عدّة من الفقهاء العظام، نظير عليّ بن أبي رافع الذي كان من خواصّ أمير المؤمنين (ع). و سعيد بن المسيّب، و القاسم بن محمّد بن أبي بكر، و هما من ثقاة عليّ بن الحسين (ع).

و كذا نظير زرارة بن أعين، و محمّد بن مسلم، و أبي بصير الأسدي، و جميل بن درّاج، و عبد الله بن مسكان من خِرّيجي مدرسة الإمام الباقر و الإمام الصادق (ع).

كما أجمع العلماء على فقاهة آخرين من تلاميذ الإمام موسى بن جعفر (ع)، نظير يونس بن عبد الرحمن، و صفوان بن يحيى، و محمّد بن أبي عمير، و غيرهم؛ و يعبّر عنهم بأصحاب الإجماع، و حالهم و فقاهتهم معلومة لكلّ من راجع كتب الحديث، و كان لأكثرهم كُتُب، إلّا أنّ كتبهم كانت مقصورة على نقل الروايات بأسنادها.

و هكذا فقد كانت عمليّة التفقّه بسماع كلام المعصوم، أو تلقّي الجواب منه بعد توجيه السؤال من دون بذل جهد، و كان الإفتاء بنقل نصّ الرواية مع الإسناد، و استمرّ على هذا الحال طول القرون الثلاثة الأُولى.

و لكن قُبيل و بعد غيبة الإمام الثاني عشر (عجّل اللّه تعالى فرجه) يعني أوائل القرن الرابع طرأ تغيير على كيفيّة الفُتيا، و حلّ محلّ تلك الطريقة طريقة جديدة، و هي إلقاء الأحكام إلى الناس بنصّ كلام الإمام من دون ذكر السند و الإمام المنقول عنه، أو نقل مضمونه بعد الترجيح و الجمع بين الأخبار، و بهذا تركَ الفقه قالب نقل الأخبار، و خرج بقالب الإفتاء.

و أوّل من فَتَحَ هذا الباب على مِصراعيه والد الشيخ الصدوق، فألّف كتاب

26

«الشرائع». و تبعهُ ولده الشيخ الصدوق، فألّف كتاب «المقنع» و كتاب «الهداية» على هذه الطريقة، و تبعهما الشيخ المفيد في كتاب «المقنعة»، و الشيخ الطوسي في كتاب «النهاية».

و لمّا كانت مُتون هذه الكتب و المؤلّفات هي نصوص الروايات، فلذلك صار البعض يعتمد عليها و يُعاملها معاملة الرواية عند إعواز النصوص.

و في مقابل هذه الطريقة خرج بعض الفقهاء بطريقة اخرى، و هي الاعتماد على القواعد الكليّة، الأُصوليّة و الفقهيّة، في استنباط الأحكام، و الخروج عن الأخبار، و أوّل من فتح هذا الباب القديمان: ابن أبي عقيل العماني، و ابن الجُنيد الإسكافي، فألّف الأوّل كتاب «المتمسّك بحبل آل الرسول»، و ألّف الثاني كتاب «تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة»، و كتاب «الأحمدي للفقه المحمّدي».

و كان ابن أبي عقيل من معاصري الشيخ الكليني المتوفّى عام 328، و إلّا فلم يُضبط عام وفاته في الكتب.

و اختار الشيخ الطوسي طريقة ثالثة تعدّ حدّا وسطاً بين الطريقتين، و هي الإفتاء بمضامين آيات الكتاب و الأخبار في أُمّهات المسائل و سمّاها الأُصول، و من ثم التفرّع على ما تقتضيه القواعد الكليّة و سمّاها الفروع، و قد سلك هذه الطريقة في كتاب المبسوط و كتاب الخلاف، بينما اختار طريقة القميين في كتاب النهاية، و قد ذكر ذلك كلّه الشيخ في مقدّمة المبسوط فراجعها.

و هذه الطريقة هي الطريقة التي سادَت من بعد الشيخ و غلبت، و إن كان لكلّ من الطرُقُ الأُخرى أتباعها.

حوزة قم

إن أوّل المعاهد هو مَعهَد الرسول الأعظم (ص)، و كان تلامذة هذا المعهد هم أصحابه، و بالخصوص أهل بيته، فكانوا يتلقّون الأحكام بالمشافهة من النبيّ (ص)،

27

فيسمعون منه آيات القرآن و يحفظونها، و يتعلمون منه أحكام دينهم، و ينقلونها إلى الآخرين.

و يتلوه معهد كلّ واحد من الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) بنفس الطريقة، و هكذا استمرّ هذا النحو إلى زمان الغيبة. فأخذت المعاهِد العلميّة تتأطّر في اجتماع مجاميع من العلماء و المتعلّمين في بلد يتدارسون فيه الأحكام الشرعيّة، و يزاولون عمليّة الاستنباط، و يُسمّى بالحوزة العلميّة.

فمن أوائل هذه الحوزات: هي حوزة قم المقدّسة، و تليها حوزة بغداد، و حوزة النجف الأشرف، و حوزة الحلة، و حوزة جبل عامل، و حوزة كربلاء و غيرها من الحوزات العلميّة.

و نخصّ الكلام في حوزة قم المقدّسة، و قبل بيان ما يتعلّق بالحوزة العلميّة نتعرّض جملةً إلى تاريخ مدينة قم و ما يختصّ بها.

ذكر أهل المعاجم و التواريخ بلدة قم، و صنّف الحسن بن محمّد بن الحسن القمي كتاباً سمّاه «تاريخ قم» تعرّض فيه لتاريخها و ما جرى عليها على مرّ العصور.

و ذكرها اليعقوبي في كتاب البلدان، و قال: مدينة قم الكبرى، و يقال لها منيجان، و هي جليلة القدر، و إلى جانبها مدينة يُقال لها كمندان، و لها وادٍ يجري فيه الماء بين المدينتين، و أهلها الغالبون عليها من مذحج، ثم من الأشعريين، و بها عجم قُدُم، و من الموالي يذكرون أنهم موالٍ لعبد الله بن العباس بن عبد المطلب، و ذكر حصونها و أبوابها و أنهارها و قنواتها ..

و ذكرها ياقوت الحموي في معجم البلدان، و قال: هي مدينة إسلاميّة مستحدثة لا أثر للأعاجم فيها، و أوّل من مصرها طلحة بن الأحوص الأشعري، و هي حسنة طيّبة، و أهلها كلّهم شيعة إماميّة، و كان بدء تمصيرها في أيام الحجّاج بن يوسف سنة 83 هجريّة، و ذلك أنّ عبد الرحمن بن محمّد بن الأشعث بن قيس كان أمير سجستان من جهة الحجاج، ثم خرج عليه، و كان في عسكره سبعة عشر نفراً من علماء التابعين

28

من العراقيين، فلما انهزمَ ابن الأشعث و رجع إلى كابل منهزماً كان في حملته إخوة يقال لهم عبد الله بن الأحوص، و عبد الرحمن و إسحاق و نعيم و غيرهم، و هم بنو سعد بن مالك بن عامر الأشعري، وقعوا إلى قم، و كان هناك سبع قرى، اسم إحداها كمندان، فنزل هؤلاء الإخوة على هذه القرى حتّى افتتحوها، و استولوا عليها، و استوطنوها، و اجتمع إليهم بنو عمهم، و صارت السبع قرى سبع محالّ بها.

و كان متقدّم هؤلاء الإخوة عبد الله بن سعد، و كان له ولد قد ربا بالكوفة، فانتقل منها إلى قم، و كان إماميّاً، فهو الذي نقل التشيّع إلى أهلها، فلا يوجد فيها سنيّ قط.

و من ظريف ما يُحكى: أنه وَليَ عليهم والٍ و كان سنيّاً متشدّداً، فبلغه عنهم أنهم لبُغضهم الخلفاء لا يوجد فيهم من اسمه أبو بكر و لا عمر، فجمعهم يوماً و قال لرؤسائهم: بلغني أنّكم تبغضون الخلفاء، و أنّكم لِبُغضكم إيّاهم لا تسمّون أولادكم بأسمائهم، و أنا أُقسم باللّه العظيم لئن لم تجيئوني برجلٍ منكم اسمه أبو بكر أو عمر، و يثبت عندي أنّه اسمه، لأفعلنّ بكم، و لاصنعنّ.

فاستمهلوه ثلاثة أيام، و فتّشوا مدينتهم و اجتهدوا فلم يروا إلّا رجلًا صعلوكاً حافياً عارياً أحول أقبح خلق الله منظراً اسمه أبو بكر، لأنّ أباه كان غريباً استوطنها فسمّاه بذلك، فجاؤوا به.

فشتمهم، و قال: جئتموني بأقبح خلق الله تتنادرون عليّ، و أمر بصفعهم، فقال له بعض ظرفائهم: أيّها الأمير اصنع ما شئت، فإنّ هواء قم لا يجيء منه من اسمه أبو بكر أحسن صورة من هذا، فغلبه الضحك و عفا عنهم. و نقل غير ذلك في وجه نزولهم قم و علّة المقاتلة.

و على أيّ حال فإنّ لبلدة قم تاريخاً عريقاً، و مفاخر كبيرة، و خدمات جليلة في مجال العلم و الفقه، فقد خرج منها علماء عظماء، و محدّثون كبار، قاموا بحفظ معالم الدين، و أسّسوا مسيرته الفقهيّة و أحكموها.

و قد جاء في فضل قم و أهلها أخبار كثيرة، ففي بعضها: «إنّ اللّه احتجّ ببلدة قم

29

على سائر البلاد، و بأهلها على جميع أهل المشرق و المغرب من الجنّ و الإنس، و لم يَدَع الله قم و أهله مستضعفاً، بل وفّقهم و أيّدهم، و إنّ البلايا مدفوعة عن قم و أهلها، و سيأتي زمان تكون قم و أهلها حجّة على الخلائق، و ذلك في زمان غيبة قائمنا (ع) إلى ظهوره، و لو لا ذلك لساخت الأرض بأهلها، و أنّ الملائكة لتدفع البلايا عن قم و أهله».

و في اخرى: «ستخلو كوفة من المؤمنين، و يأرز عنها العلم كما تأرز الحيّة في جحرها، ثم يظهر العلم ببلدة يقال لها قم، و تصير معدناً للعلم و الفضل حتّى لا يبقى في الأرض مستضعف في الدين، حتّى المخدّرات في الحجال، و ذلك عند ظهور قائمنا، فيجعل الله قم و أهله قائمين مقام الحجّة، و لو لا ذلك لساخت الأرض بأهلها، و لم يبقَ في الأرض حجّة، فيفيض العلم منها إلى سائر البلاد في المشرق و المغرب، فتتمّ حجّة الله على الخلق حتّى لا يبقى أحد على الأرض لم يبلغ إليه الدين و العلم، ثم يظهر القائم و يسير سبباً لنقمة اللّه و سخطه على العباد، لأنّ اللّه لا ينتقم من العباد إلّا بعد إنكارهم حجّة» و غيرها من الروايات.

و المستفاد من هذه الروايات أنّ قم هي مهد العلم بعد زمان الأئمّة المعصومين، و مع ذلك هي آخر مركز للعلم يحتجّ به اللّه تعالى على الخلائق، و ينتشر منه العلم إلى جميع أنحاء الأرض، و أنّ مركز العلم ينتقل في آخر الزمان من الكوفة إلى قم.

و كلّ ذلك قد تحقّق و شاهدناه بأُمّ أعيُننا، فإنّ أوّل الحوزات بعد الغيبة هي حوزة قم، و شاهدنا انتقال الحوزة في هذه الأزمنة من الكوفة إلى قم.

و هكذا كانت قم و على مرور الزمن مهد العلم، و يبرز بين الفترة و الأُخرى منها علماء عظام و تأسّست فيها مدارس.

و من هؤلاء المحدّثين و الفقهاء: أبو جرير، و زكريا بن إدريس، و زكريا بن آدم، و عيسى بن عبد الله، و إبراهيم بن هاشم، و ابنه عليّ بن إبراهيم المحدّث و المفسّر الكبير، و محمّد بن الحسن الصفّار، و عليّ بن إبراهيم القمي، و الشيخ الصدوق،

30

و القطب الراوندي، و الميرزا القمي.

و كان لإبراهيم بن هاشم الدَّور الكبير في نقلِ العُلوم إلى قم، فقد قيل: إنه أوّل من نشر أحاديث الكوفيين بقم، و كان شيخ القميين و وجههم، و قيل: إنه لَقِي الرضا (ع).

و كذا ابنه عليّ بن إبراهيم القمي صاحب التفسير، فإنّه من أجلّ رواة أصحابنا، و نقل المشايخ الثلاثة أكثر رواياتهم عنه، و نقل هو الكثير من رواياته عن أبيه، و كان في عصر الإمام العسكري (عليه السلام).

عليّ بن بابويه القمي

شيخ القميين في عصره، و فقيههم و متقدّمهم و ثقتهم، و بيته في قم من أعظم بيوت الشيعة، قد نَبَغَ منه جماعة كثيرة من أساطين العلم، و خرج منه عِدّة من روّاد الفضيلة و حملة الحديث و الفقه، و منهم ولده الشيخ الصدوق، و ابنه الأخر الحسين. و يكفي في تعريفه ما كتب إليه الإمام العسكري (ع) ما نصّه: يا شيخي و معتمدي و فقيهي.

ولد أبو الحسن عليّ بن بابويه في قم، و كانت ولادته أواسط القرن الثالث، و نشأ بها، و تتلمذَ على العشرات من مشايخها و غيرهم، منهم سعد بن عبد الله الأشعري القمي، و عليّ بن إبراهيم بن هاشم القمي صاحب التفسير، و أبو العباس عبد الله بن جعفر الحميري صاحب كتاب قرب الإسناد، و هو من الكتب المعتمدة عند الطائفة، و أبو جعفر محمَّد بن عليّ الشلمغاني، و القاسم بن محمّد بن إبراهيم النهاوندي وكيل الناحية، و الشيخ محمّد بن الحسن الصفّار.

و تتلمذ عليه و روى عنه في قم الكثير الذين صاروا من عظماء مؤلّفي الطائفة و علمائها، منهم جعفر بن محمّد بن قولويه القمي صاحب كامل الزيارات، و ولده الشيخ الصدوق الذي سنتكلّم عنه لاحقاً، و ولده الأخر الحسين، و أحمد بن داود

31

القمي، و الحسين بن الحسن بن محمّد بن موسى بن بابويه، و زيد بن محمّد بن جعفر المعروف بابن إلياس الكوفي، و غيرهم.

و أمّا عن رحلاته فقد قَدِمَ العراق حيناً، و اجتمع مع أبي القاسم الحسين بن روح، و سأله مسائل، و قدم مرّة أُخرى العراق سنة 328، و أجاز في تلك السنة العباس بن عمر.

و أما عن مصنفاته فقد قال ابن النديم في «الفهرست»، ص 277: قرأت بخط ابنه محمّد بن عليّ على ظهر جزء؛ قد أجزت لفلان بن فلان كتب أبي عليّ بن الحسين، و هي مائتا كتاب، و كتبي و هي ثمانية كتب، انتهى، فهذا يدلّ على أن للشيخ عليّ بن بابويه مائتي كتاب، و لكن لم يبيّن أكثرها في الفهارس، و لم يُنقل أسماء سوى عشرين منها، و لم يصل إلينا منها شيء سوى ما نقله عنها ولده في «الفقيه» و «المقنع»، و غيره كالعلامة و المحقّق، و أهمّ كتبه على ما يبدو كتاب «الشرائع» الذي تكلّمنا عنه سابقاً.

توفّي (رحمه الله) في سنة 329 و هي السنة التي تناثرت فيها النجوم بعد رجوعه من العراق إلى بلدته قم، و دفن بها، و قبره معروف فيها، و عليه قبّة عالية سامية، يزوره الصالحون، و يتبرّكون بصاحبه.

الشيخ الصدوق

حصن الشريعة، و جامع شتاتها، و حامل آياتها، و حافظ سنّتها، أوّل الأعلام بعد غياب الإمام، و السند المعتمد و البحر القمقام، جامع الحقائق، و غانم الدقائق، الفاتق الراتق، الذي لا يخفى مقامه العلمي، محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى القمي، المعروف بالشيخ الصدوق.

و ما ظنّك بمن ولد بدعوة الإمام المنجي، صاحب الزمان المهدي (عجّل اللّه فرجه) في بيت العلم و الفضيلة، و قد قال في حقّ أبيه: «سيولد له ولد مبارك ينفعه الله عز و جل به و بعده أولاد».

32

ولد في قم، و نشأ بها، و تتلمذ على أساتذتها، و تخرّج على مشايخها، و درّس فيها، ثم هاجر منها و جال في الأمصار، كنيشابور و مشهد و بغداد و مرو و الكوفة و مكة و همدان و ما وراء النهر و بلخ و سرخس و إيلاق و سمرقند و غيرها، فجمع الأحاديث، و سمع من الكثير، و روى و سمع على مشايخ كلّ بلدة، حتّى بلغ أساتذته و الراوي عنهم ما يقرب من ثلاثمائة عالم من الخاصّة و العامّة.

و القميّون من أساتذته منهم أحمد بن عليّ بن إبراهيم القمي، و أحمد بن يحيى العطّار الأشعري القمي، و جعفر بن الحسين بن عليّ بن شهريار القمي شيخ أصحابنا القميين، و أبو القاسم جعفر بن محمّد بن موسى بن قولويه القمي، و الحسن بن إبراهيم بن هاشم، و الحسن بن أبي عليّ أحمد بن إدريس الأشعري القمي، و الحسين ابن إبراهيم بن بابويه، و حمزة بن محمّد بن جعفر بن محمّد بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (ع)، و محمّد بن الحسن بن الوليد القمي و هو أبو جعفر شيخ القميين و فقيههم، و الشيخ نجم الدين أبو سعيد محمّد بن الحسن بن عليّ بن محمّد بن أحمد بن عليّ بن الصلت القمي، و محمّد بن ماجيلويه القمي، و محمّد بن يحيى بن عمران الأشعري، و غيرهم.

و أمّا تلامذته فهم كثير أيضاً، و من القميين منهم: جعفر بن أحمد بن عليّ أبو محمّد القمي، و أبو الحسن جعفر بن حسكة القمي، و الحسن بن الحسين بن عليّ ابن بابويه القمي، و أبو عليّ الحسن بن محمّد بن الحسن الشيباني القمي مؤلّف تاريخ قم، و الحسين بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي أخ الشيخ الصدوق، و أبو الحسن محمّد بن أحمد بن عليّ بن الحسن بن شاذان القمي، ابن أُخت أبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه مؤلّف كتاب إيضاح دفائن النواصب، و من غير القميين الرجالي المعروف الشيخ النجاشي.

و أما آثارة و مصنّفاته فقد تبلغ إلى ثلاثمائة مصنّف، أورد النجاشي نحو مائتين من كتبه و مصنّفاته، و ذكر الشيخ أربعين منها، و هي مصنّفات قيّمة في شتّى العلوم الدينيّة

33

و فنونها، و منها «من لا يحضره الفقيه» و الذي هو أحد الأُصول الأربعة المعتمدة اليوم، و منها الخصال، التوحيد، علل الشرائع، معاني الأخبار، الشرائع و غيرها.

و أما حياته فقد نَذَرَ الشيخ الصدوق نفسَهُ للدين و العلم، و وقف عُمره على جمع الأحاديث و التصنيف في الحديث و الفقه و غيرهما، و أدّت مساعيه إلى حِفظ كثير من الأحاديث من الضياع، فكان له بذلك حقّ عظيم على عاتق الطائفة.

و من جانب آخر فقد كان له اتّصال بالملك ركن الدولة البويهي الديلمي صار سبباً لبذر البذرات الأولى لانتشار التشيّع في إيران، و ذلك على أثر سعاية بعض المخالفين عليه و طعنهم على الشيعة، بعد أن بلغ صيت الشيخ الآفاق، و عُرفت فضائله و سجاياه الحسنة، و صار رئيساً لمذهب الشيعة الإماميّة، و وصل ذلك إلى الملك، فاستدعاه و طلب حضوره عنده، فلمّا حضرَ عظّمه و أجلسه إلى جَنبه و تلطّف به، و لما استوى المجلس قال له: إنّ أهل الفضل اختلفوا في أمر الشيعة و بعض معتقداتهم، و ساق الكلام في ما يذكر من القدح على مذهب الإماميّة، فأجاب الشيخ بأجوبة شافية، و أثبت أحقيّة المذهب ببراهين قاطعة و واضحة أثارت إعجاب الملك و الحاضرين، و اعترف بصحّتها المخالفون، و قد كتب تلميذه الشيخ جعفر بن محمّد الدوريستي رسالة في شرح مجلسه بحضرة رُكن الدولة، و أوردها التستري في مجالس المؤمنين، و الخوانساري في الروضات، و ذكر النجاشي مجالس أُخَر غير ذلك المجلس.

و مع ذلك فقد صار مرجعاً للفُتيا، حيث تواترت عليه المسائل من جميع الأطراف، و يُرشدك إلى ذلك ما ذكره النجاشي من كتبه المؤلّفة في جوابات المسائل، مثل كتاب جواب المسائل الواردة من واسط، و كتاب جواب المسائل الواردة من قزوين، و المسائل الواردة من مصر، و الواردة من البصرة، و الكوفة، و المدائن، و نيشابور، و غيرها.

و قد كانت ولادته في أوائل القرن الرابع و لم تُضبط، و ذكر النجاشي: أنّ عليّ ابن الحسين (رحمه الله) كتب إلى الصاحب (عليه السلام) يسأله الولد؟ فكتب إليه: قد دعونا لك بذلك، و ستُرزق ولدين ذكرين خيرين.

34

و كان ابن سورة يقول: كلّما روى أبو جعفر و أبو عبد الله ابنا عليّ بن الحسين شيئاً يتعجّب الناس من حفظهما و يقولون لهما: هذا الشأن خصوصيّة لكما بدعوةِ الإمام لكما، و هذا أمر مستفيض في أهل قم.

و أمّا وفاته، فقد توفّي سنة 381 هبالري، و قبره بالقرب من قبر عبد العظيم الحسني، و عليه قبّة عالية يزوره الناس و يتبرّكون به، و قد جدّد بناءه السلطان فتحعلي شاه في القرن الرابع عشر بعد ما ظهرت له كرامة في تلك الأيام ذكرها أصحاب المعاجم، فذكروا أنه ظهر في مرقده الشريف ثلمة و انشقاق من طغيان المطر، فلما فتّشوها و تتبّعوها بقصد إصلاح ذلك الموضع بلغوا إلى سردابة فيها مدفنه الشريف، فلمّا دخلوها وجدوا جثّته الشريفة هناك مسجّاة عارية غير بادية العورة، جسيمة وسيمة على أظفارها أثر الخضاب، و في أطرافها أشباه الفتائل من أخياط كفنه البالية على وجه التراب، فشاع هذا الخبر في مدينة طهران إلى أن وصل إلى سمع السلطان فتحعلي شاه، فحضرَ هناك بنفسه، و أرسل جماعة من أعيان البلدة و علمائهم إلى داخل تلك السردابة بعد ما لم يروا أُمناء دولته المصلحة في دخوله بنفسه إلى أن انتهى الأمر عنده من كثرة من دخل و أخبر إلى مرحلة عين اليقين، فأمر بسدّ تلك الثلمة و تجديد عمارة تلك البقعة.

القطب الراوندي

الشيخ الفاضل المتبحّر، و الفقيه المحدّث، و الشاعر الأديب، جامع الفضائل و المناقب قطب الدين أبو الحسين سعيد بن هبة الله الراوندي، المدفون في صحن فاطمة المعصومة، هو الأخر من العلماء المختصّين بالتمجيد و التقدير، و له مصنّفات جليلة، كالخرائج و الجرائح، و قصص الأنبياء، و فقه القرآن، و غيرها، و ينقل له كرامات آخرها أنه عند بناء صحن المعصومة الشريف انهدم قبره و ظهر بدنه الشريف طريّاً بعد سبعمائة عام و ليس فيه أقلّ تغيّر و كأنه نائم فيه.

35

الميرزا القمي

اسمه و لقبه

هو المحقّق الصمداني، و الفقيه المسلّم، و الأُصولي البارع، مقنّن القوانين، و عماد الأساطين، المجتهد المدقّق النبيه، مولانا الميرزا أبو القاسم ابن المولى محمّد حسن بن نظر عليّ الجيلاني الشفتي الجابلاقي القمي، المعروف بصاحب القوانين، و يعرف بالمحقّق القمي، و الفاضل القمي.

و إنّما عرف بالمحقّق لكثرة تحقيقاته، و كمال قُدرته على التصرُّف بأدوات الاستنباط في الأُصول و الفروع، و براعتهِ في جمعها و توجيهها بالاتّجاه المطلوب، فيجعل منها مصبّاً واحداً يروي عطش الظمآن في عالم الاستنباط، و يَلقي ستائر القدم و الزيف على سائر الاحتمالات.

فهو الجوّالة في عالم المعاني القُدسيّة بنفس زكيّة، و الرائد في سماء الأدلّة القطعيّة، و صاحب السطوة على أوهام المتوهّمين، و احتمالات المحتملين، و سادّ أبواب الجهل و الضلال.

فكم من باب سدّها بعد تأرجحها إلى آخر الدهر السحيق، و كم من ترددات أحكمها و صيّرها جزماً و يقيناً، و كم من زيف أبان زيفه و بطلانه بكتاب مُبين.

أقوال العلماء فيه

لقد أطنبَ العلماء في مدحه و الثناء عليه، و لكن أنقل لك جانباً مما قيل فيه، فقد قال السيد حسن الصدر في تكملة أمل الأمل و ما أحسن ما قال و أصوبه، قال: هو أحد أركان الدين، و العلماء الربّانيين، و الأفاضل المحقّقين، و كبار المؤسسين، و خلف السلف الصالحين؛ كان من بُحور العلم، و أعلام الفقهاء المتبحّرين، طويل الباع، كثير الاطّلاع، حسن الطريقة، معتدل السليقة، له غَور في الفقه و الأُصول مع تحقيقات

36

رائقة، و له تبحّر في الحديث و الرجال و التاريخ و الحكمة و الكلام، كما يظهر كلّ ذلك من مصنّفاته الجليلة، هذا مع ورع و اجتهاد و سداد و تقوى و احتياط، و لا شكّ في كونه من علماء آل محمّد و فقهائهم المقتفين آثارهم، و المهتدين بهُداهم، إلى آخر ما قال.

و قال المحدّث النوري في خاتمة المستدرك: العالم الكامل، المحقّق الجليل، الميرزا أبو القاسم بن المولى محمّد حسن الجيلاني، المتوطّن في دار الإيمان قم، صاحب الغنائم و القوانين، و قد أذعن ببلوغه الغاية في الدقّة و التحقيق في الفقه و الأُصول من عاصره و من تأخّر عنه من المشايخ و الفُحول، و كان مؤيّداً مسدّداً، كيّساً في دينه، فَطِناً في أُمور آخرته، شديداً في ذات اللّه، مجانباً لهواه، مع ما كان عليه من الرئاسة، و خضوع ملك عصره و أعوانه له.

و قال في قصص العلماء: عَلَم تدقيق، و علم تحقيق، علّامة فهّامة، مقنّن القوانين، و ناهِج مناهج الصدق و اليقين، قُدوة العلماء العاملين، و أُسوة الفقهاء الراسخين، و رئيس الدنيا و الدين، أزهد أهل زمانه، و أورع المتورّعين، و أعلم و أفقه المعاصرين، رئيس الإماميّة.

و قال تلميذه الشيخ أسدُ الله التستري صاحب المقابس: الشيخ المعظّم، العالم العلم المقدّم، مسهّل سبيل التدقيق و التحقيق، مبيّن قوانين الأُصول، و مناهج الفروع، كما هو به حقيق، المتسنّم ذروة المعالي بفضائله الباهرة، الممتطي صَهوةَ المجدِ بفواضله الزاهرة، بحر العلوم الغائصِ بالفوائد و الفرائد، الكاشف بفكره الثاقب عن عوالي الخرائد، شمس النجوم المشرقة بأنوار العوائد على الأماثل و الأماجد، و الأداني و الأباعد.

و قال في روضات الجنّات: كان (رحمه الله) محقّقاً في الأُصول و العربيّة، مدقّقاً في المسائل النظريّة، مؤيّداً من عند الله من بَدوِ أمره إلى النهاية، منتهياً إليه رئاسة الإماميّة بأجود العناية، و أحسن الكفاية، و شأنه أجلّ من أن يوصف بالبيان و التقرير، و أدقّ من أن يُعرف بالبنان و التحرير، و كان ورعاً جليلًا و جامعاً نبيلًا،

37

و بارعاً نِحريراً، و مقدّماً كبيراً، و أديباً ماهراً، و خطيباً باهراً، جميل السياق جليل الإشفاق، كثير الخشوع، غزير الدموع، دائم الأنين، وافر الحنين، باكي العينين، زاكي الملوين، حسن المفاكهة، طيّب المعاشرة، لطيف المحاورة، جيّد الخط و الكتابة بقسميها المشهورين، إلى أخره.

و هكذا ساق الكلام عنه و عن مؤلّفاته و أحواله و مدحه و الثناء و الإطراء عليه ما لم يذكره في أحد من العلماء العظام، و ليس هذا أوّل معجب به، و لا آخر مبهوت أمام جلالة قدره، فكم من كاتب تركَ عنانَ قلمه طاوياً الصفحات مسحوراً ببهائه، و كم من مُظهر للعجزِ عن إدراك فضائله، و كم من مُدافع عن حريم قوانينه، فقد كتب صاحب قصص العلماء تعليقة على القوانين دافَعَ فيها عن الميرزا، و فنّد إيرادات الموردين و سمّاها المحاكمات.

و قد ذكره (قدس سره) خصيمه القلبي و عنيده الواقعي محمّد بن عبد النبيّ النيشابوري الأخباري، الذي جعله في عداد أصحاب الرأي و أهل الاجتهاد بالباطل، و عبّر عنه و عن أتباعه و أوليائه بالبقاسمة، كما عن صاحب الرياض و أصحابه بالأزارقة، و عن الشيخ جعفر و قومه بالامويّة لا أفلحه الله فيما قال و فعل، و لا عاجله إلّا بالخوف و الوجل قال في رجاله الكبير عند بلوغه إلى ترجمة هذا النحرير: أبو القاسم بن الحسن الجيلاني أصلًا، الجابلقي مولداً و منشأً، القمي جواراً، فقيه أُصولي مجتهد مصوّب، له كتاب القوانين في أُصول الفقه، و كتاب مُرشد العوام في الفقه بالفارسيّة، معاصر يروي عن شيخنا محمّد باقر البهبهاني «مع» انتهى، و «مع» تعني عنده معتبر الحديث، و لعلّه عنى بمصوّب هو قوله بحجيّة مطلق الظن، و إلّا فالميرزا القمي من القائلين بالتخطئة.

و قال في معجم المؤلّفين: أبو القاسم بن محمّد حسن الجيلاني الشفتي القمي، فقيه، أُصولي شاعر، ولد في جابلاق من أعمال رشت، و هاجر إلى العراق فمكث في كربلاء مدّة طويلة، ثم انتقل إلى أصفهان، ثم إلى شيراز، ثم إلى قم و توفّي بها،

38

و دفن في مقبرتها الشهيرة بشيخون ..

و قال الزركلي: أبو القاسم بن محمّد حسن القمي فقيه من علماء الإماميّة يلقّب بالميرزا القمي، أصله من بلدة رشت بايران، و مولده في قرية من توابع قم، و وفاته بقم، له مؤلّفات كثيرة بالعربيّة و الفارسيّة إلى أن قال و رسائل كثيرة جدّاً قيل: إنّها تناهز الألف في مباحث شتّى.

مولده

كان والد الميرزا القمي من أهل شَفت من أعمال مدينة رشت من محافظة جيلان في شمال إيران، فهاجر إلى أصفهان للتلمّذ على يد ميرزا حبيب الله و ميرزا هداية الله، و عندها سافر هذان العالمان بأمر السلطان للتبليغ و القضاء و الحكم إلى جابلاق بجيم فارسيّة و باء فارسيّة مضمومة و هي ناحية مشتملة على ثلاثمائة قرية من توابع دار السرور التابعة لبروجرد، فسافر والد الميرزا القمي هو و زوجته بنت ميرزا هداية الله معهما أيضاً، فولد له الميرزا القمي هناك حوالي عام 1152 ه، و في عام ولادته أقوال أُخر فقيل: إنه ولد عام 1150 ه، أو 1151 ه، أو 1153 ه.

حياته

ولد الميرزا القمي في جابلاق التي هي من أعمال دار السرور كما بيّنا فأخذ يرتفع على أقرانه في الفهم و الإدراك، حتّى إذا بلغ مبلغ الرجال، و فرغ من تشييد مقدّمات الكمال، اشتغل في علوم العربيّة على والده الذي هو أحد العلماء و الفضلاء، و له تأليفات، و مشهور بالزهد و العبادة.

ثم انتقل إلى بلدة خونسار في زمن رئاسة المحقّق الأمير السيد حسين الخونساري جدّ صاحب الروضات، فاشتغل عليه في تلك البلدة عدّة سنين في الفقه و الأُصول القديمة دون الجديدة، و كان السيد حسين من أعاظم الفقهاء في ذلك العصر، و من

39

مشايخ الإجازة، و له رسالة في علم الرجال، فأجازه، و تزوّج الميرزا القمي بأُخته السعيدة من شدّة اتّصاله به، ثم ترخّص من عنده في التوجّه إلى العتبات العاليات في العراق.

فانتقل إلى النجف الأشرف حيث الأُستاذ الأكبر الوحيد البهبهاني، فاشتغل عليه سنوات عديدة إلى أن بلغ في حضرته غاية من الغايات، و نهاية من الدرايات. و قيل: إنّ الوحيد البهبهاني في أوائل الأمر كان يصلّي بالأُجرة و يدفع ما يأخذه من هذا الطريق إلى الميرزا القمي الذي بلغ الغاية في الفقر و الفاقة، ليُدير بها معاشه، و يحصل له فراغ البال عند الاشتغال بطلب العلم، ثم إنه (قدس سره) أجاز له في الرواية و الاجتهاد، و معروف أنّ الميرزا القمي جاء بعد وفاة الوحيد البهبهاني بكربلاء إلى باب بيت الوحيد أوّلًا فقبّلها، و بعدها ذهب إلى زيارة الإمام الحسين (ع).

و قيل: إنّه دخل النجف و لم يناهِز العشرين عاما، و يستفاد ذلك من بعض إشعاره بالفارسيّة، و الذي جاء فيه:

.. بهر زماني كه شدم داخل فيض * * * عقل فتا «به جنان قاسم حي هشت قدم»

و كتب بعده: يوجد نكتة في تضمين كلمة «حي» فلا يُعترض على ذلك.

و حساب جملة «به جنان ..» الذي هو تاريخ وروده النجف 1174 ه، و حساب كلمة «حي» 18، فيكون دخوله النجف في عام 1174 ه، عند ما كان عمره 18 سنة، و في هذه السنة شرع بالاشتغال عند الأُستاذ الأكمل الوحيد البهبهاني، و هذه الفترة هي الفترة التي استفاد فيها أعظم الاستفادة، و تحمّل فيها القسط الأوفى من العلم و الترقّي فكانت منعطفاً كبيراً في حياته العلميّة.

و بعد أن أخذ قسطاً وافياً من العلوم، و بلغ مرتبة عالية في أنواع الفنون عاد إلى إيران إلى موطن أبيه (درّ باغ) و هي قرية من قرى جابلاق.

و لكن لما كانت هذه القرية صغيرة و أسباب المعاش فيها محدودة، انتقل منها إلى

40

قرية (قلعة بابو) من قرى جابلاق، و صار المتكفّل باموره الحاج محمّد سلطان من أعيان جابلاق و أرباب الثروة و التديّن، و أحبّ الميرزا و أعانه. و قرأ عليه هناك رجلان، أحدهما ميرزا هداية أخو الحاج محمّد سلطان، و الآخر عليّ دوستخان ابن الحاج طاهر خان، فقرءا عليه في النحو و المنطق، في شرح الجامي و حاشية ملا عبد الله، و لم يكن أهل تلك القرية يعرفون قدره، بل إنّهم استخفّوا به.

و يذكر أنه كان في تلك القرية شيخ قرويّ ثَقُل عليه وجود الميرزا القمي، فأراد الاستخفاف به، فجمع أهل القرية و طلبوا حضور الميرزا، فقال هذا الشيخ لأهل القرية اطلبوا من الميرزا أن يكتب حيّة، فكلّموه في ذلك، فكتب الميرزا حيّة، و رسم ذلك الشيخ صورة حيّة، فأرى ذلك الشيخ أهل القرية الخطّين و قال لهم: انظروا أيّهما الحيّة، ما كتبت أنا أو ما كتب الميرزا؟ و لما كان أهل القرية أُميين لا يعرفون الكتابة رجّحوا ما رسمه الشيخ، فتأثّر الميرزا من ذلك.

فانتقل بعدها إلى أصفهان و أخذَ يدرّس في مدرسة (كاسهكران) مدّة من الزمان، فألحق به بعض علماء الدنيا أذى حسداً، لما رأى فيه من آثار الرشد.

فسافر إلى شيراز، و كان ذلك في أيام سلطنة كريم خان زند، فبقي هناك سنتين أو ثلاثاً، و أعانه الشيخ عبد المحسن أو ابنه الشيخ مفيد بمبلغ سبعين توماناً أو مائتي تومان على اختلاف الحكايتين، فرجع إلى أصفهان، و لم يكن عنده كتب، فاشترى بعض كتب الاستدلال و اللغة و الحديث، و يقال إن الكتب يومئذ كانت تباع بالوزن، فلما استوت كفّتا الميزان و من أجل ترجيح كفّة المبيع أضاف كتاب الروضة البهيّة إليها.

ثم رجع إلى قرية بابو، فاشتغل عليه بعض الطلاب في الفقه و الأُصول، و لكن لما كان البلد خالياً من العلماء و الفضلاء و الطلبة و أمر معاشه فيها ضيّقاً، و اتفق أن استخفّ به بعض أهل القرية أشدّ من السابق لا نتعرّض له، فبكى على أثر ذلك، و رفع يديه إلى السماء و قال: اللهم لا تقدّر ذلّي أكثر من ذلك.

فاتّفق أن طلب منه أهل قم الإقامة في بلدهم، فأجابهم إلى ذلك، و توطّن قماً،

41

و درّس بها و ألّف كثيراً من كتبه بها، حتّى أصبح من كبار المحققين و أفاضل المؤسسين، و أعاظم الفقهاء المتبحّرين، و الجامعين، المتفنّنين، و اشتهر أمره، و طارَ ذِكره، و لقّب بالمحقّق القمي، فتوجّهت الناس إليه، و كثُر الإقبال عليه، و رجع إليه بالتقليد، فنهض بأعباء الخلافة و الزعامة، قائماً بوظائف التصنيف و التأليف و التدريس، و قد تخرّج على يده جماعة من أقطاب العلماء و رجال الدين و العمد و الأركان لا يكاد يحصى عددهم، و يروي عنه جماعة من الأعاظم، و يأتي تفصيل ذلك.

كما و يعدّ الميرزا القمي حلقة الوصل بين تأسيس حوزة قم، و بين تجديد حياتها على يد الفقيه الشيخ عبد الكريم الحائري.

علوّ همّته

إنّ من جملة ما يُحكى عن علوّ همّته في أمر الدراسة و المطالعة في أيام الاشتغال بالتحصيل أنه كان إذا غلبه النوم في أواخر الليل، يضع سراجه تحت طاسة، ثم يضع يديه عليها و جبهته الشريفة عليهما و يكتحل عليه بشيء من النوم بقدر ما تسخن الطاسة من حرارة وهج السراج، فلا يطيق وضع يديه بعد ذلك عليها؛ فأعظم به من احتمال المرارة و الأذى، و مخالفة النفس و الهوى، في مقام تأييد الدين المبين، و المجاهدة في سبيل ربّ العالمين.

و نقل أيضاً أنّ الميرزا القمي لمّا عكفَ على تأليف كتاب القوانين المحكمة و من جرّاء شدّة تعمّقه و تفكّره في مسائله و بذل الجهد فيه أُصيب بعد فراغه منه في سمعه الشريف، و ابتلي بثقل السامعة، و ثقيل آفة الصمم دون الخفيف.

و يذكر أنه لمّا فرغ من كتاب القوانين ذهبوا بنسخة منه إلى حضرة مولانا السيد مهدي بحر العلوم في النجف الأشرف على مشرّفها السلام، فلمّا أن رآها المرحوم السيد و أحاط خُبراً ببعض مطاوي الكتاب بعد المطالعة و لم يعلم من هو مصنّفه، فقال لمن جاء بالنسخة: يا هذا لاحظت هذا الكتاب، و لم أدر ممن هو، إلّا أنّ صاحبه قد

42

أُصيب في بعض مشاعره لا محالة، أم لا بدّ له من آفة تنزل على سمعه أو بصره، فقيل له: بلى إنّه من تأليفات مولانا الميرزا القمي، و قد أُصيب بعد فراغه منه بثقل السامعة كما بيّنا، فتعجّب الحاضرون و السامعون من فراسة السيد بحر العلوم، بل كرامته.

الميرزا القمي و صاحب الرياض

كان بين الميرزا القمي و السيد عليّ صاحب الرياض و الذي هو الأخر من تلاميذ الوحيد البهبهاني و من انتهت إليه الزعامة الدينية في كربلاء مخالفات و منافرات كثيرة في كثير من المسائل العلميّة و غيرها، فكان الميرزا يرى حرمة الزبيب المغلي في المرق أو الطبيخ قبل ذهاب الثلثين، و يقول بنجاسته أيضاً، و لكن السيّد صاحب الرياض كان يحكم بحلّه و طهارته، فاتفق أنّ السيّد (رحمه الله) أضافه في سفر زيارة له بأرض الحائر المطهّر على مشرّفها السلام، فلمّا أُحضرت المائدة و بسطت ظروف الأطعمة، و مدّ مولانا الميرزا يده الشريفة إلى مطبوخ كان في جملة ما أُعدّ له من الغذاء، و وضع اللقمة في فمه، فأحسّ بوجود الزبيب المغلي في ذلك المطبوخ فتغيّر وجهه الشريف، و قام من فوره إلى الماء ليغسل به ما مسّه، و أقبل يُعاتب السيّد بقوله: مرحباً بإضافتك و إكرامك و إنعامك فقد أذيتنا و أطعمتنا النجاسة، و لم يقرّب بعد ذلك يده إلى الطعام، فأخذ السيّد يد الميرزا و قال له: إمّا أن تثبت لي حرمة ذلك، و إن لم تستطع فيجب عليك أن تأكله، ثم تبسّم السيّد، و أمر أن يؤتى بطعام آخر، فأكلا جميعاً.

و كان الشيخ الفقيه السيّد صدر الدين الموسوي العاملي يقول: إنّي في تلك الأيام كنت هناك، فكان صاحب الرياض يضيق عليه الأمر في المناظرة في مسائل الفقه و الأُصول حيثما يجده، فكان يقول لي تكلّم مع هذا الرجل يعني الميرزا فيما يريده من المسائل حتّى تعلم أنّه ليس بشيء، و إنّي أجِدُك أفضل منه يقيناً، أو ما يكون قريباً من هذا الكلام.

قال صاحب الروضات: لا يبعد كون اعتقاد صاحب الرياض في حقّه كذلك،

43

و ذلك لأنّ الميرزا كان قليل الحافظة جدّاً، و لا بدع له في ذلك، لما ورد في النبوي المشهور «إنّ أقلّ ما أُوتيت هذه الأُمة قلّة الحافظة».

و حُكي عنهما أيضاً أنّ في مجلس من مجالس الجدل بينهما، جعل السيد يتجلّد على الميرزا رافعاً صوته عليه، جاثياً إليه بركبتيه و يقول له: قل حتّى أقول، فأجابه الميرزا بصوتٍ منخفض: اكتب حتّى أكتب.

و قيل: إنّ أُصول السيد يرجح على فقهه، و هو مسلّم عند العرب و العجم، بل مطلق البلاد الإسلاميّة، بينما كان فقه الميرزا يرجح على أُصوله، و لكن اشتهر من تأليفهما ما هو العكس، فاشتهر كتاب السيد في الفقه يعني كتاب الرياض بينما كان كتاب القوانين للميرزا في الأُصول من الشهرة كالشمس في رائعة النهار.

و في الروضات نقل: أنّ صاحب القوانين كان أفضل من صاحب الرياض في الفقه، فاشتهر كتابه في الأُصول، و صاحب الرياض كان أفضل منه في الأُصول، فاشتهر كتابه في الفقه.

و قيل: إنّ وفاتهما كانت في عام واحد كما وقع نظير ذلك بالنسبة إلى الشاعرين المتخاصمين في حياتهما: الفرزدق و جرير، بل نظير ذلك التوافق في وفيات المتشاحنين.

و لمّا جاء السيد محمّد المجاهد ابن صاحب الرياض إلى قم و كان عالماً، فدعاه مع مجموعة من العلماء الميرزا القمي و كان قد كبر و صار شيخاً طاعناً، فلمّا جاؤا جرت بينه و بينهم مناقشات، فقال لهم: إنّما كان هدفي من إحضاركم هو امتحان نفسي و اختبارها، لأنّي قد كبرت و ضعفت قواي، فأحببت أن أتكلّم معكم حتّى أرى هل بقيت عندي ملكة الاستنباط و قوّة الاجتهاد أم ضعفت. فقال السيد محمّد المجاهد: إذا كانت ملكة الاستنباط هي هذه التي عندك، فأنا و أمثالي لا نملك ملكة الاستنباط إذن.

الميرزا القمي و فتحعلي شاه

كان ورود الميرزا القمي إلى قم أيام السلطان فتحعلي شاه القاجار، و كان السلطان

44

كثير العناية به، و كان يعظّمه أشدّ تعظيم، و يجلّه أكبر إجلال، و كان يكثر زيارته و الكلام معه، حتّى قيل: إنّه في بعض المرّات التي جاء فيها السلطان إلى قم، فاستقبله أهلها على بوّابة المدينة، و جاء الميرزا القمي لاستقباله أيضاً و هو راكب على حماره، و السلطان في موكبه و في عربته الملوكيّة، فنزل منها و لم يدع الميرزا القمي ينزل من حماره، بل أخذ زمامه و اقتاده إلى باب حرم المعصومة فاطمة بنت موسى بن جعفر (ع)، فلمّا سأله عن ذلك، أجابه بأنّه إنّما فعل ذلك لكي يعلم الناس قدر العلماء.

و لكن يبدو من جميع ما نقل أنّ الميرزا القمي كان يأخذ جانب الحذر و الاحتياط في التعامل مع النظام و السلطان، و ما زال يبتعد عنه، و يتخوّف من الخوض في دنياهم.

و كان فيما قال له في بعض المرّات: اعدل أيّها السلطان و لا تظلم لأنّي أتخوّف و من جرّاء محبّتي لك و مع الالتفات إلى قوله تعالى وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّٰارُ أن أستحقّ عذاب النار و غضب الجبار .. فأجابه السلطان: بأنه مع الأخذ بنظر الاعتبار ما ورد في الروايات: «أنّ من أحبّ حجراً حشره الله معه يوم القيامة» فإنّي أرجو و من جرّاء محبّتي إيّاك أن أحشر معك.

و أمسك الميرزا يوماً بلحية السلطان و هي طويلة تجوز محزمه و قال له: احذر أن تعمل ما يؤدّي إلى أن تحرق لحيتك هذه يوم القيامة بنار جهنم.

و نقل أنّهما دخلا معاً يوماً الحمام، فلم سلخا عنهما ثيابهما فقال له الميرزا: إنّا سوف نقبر أنا و أنت على هذا الحال، فإنّي سأصحب علمي، و ما الذي ستصحبه أنت معك، فتأثّر السلطان و امتعظ.

و طلب السلطان يوماً منه أن يزوج ابنه إحدى بنات السلطان، فلمّا انقضى المجلس تضرّع الميرزا إلى الله تعالى، و طلب منه أنّه إن كان لا بدّ من ذلك، و أنّ ابنه سيتزوّج بنت السلطان، فليقبض روحه حتّى لا يتحقّق ذلك، و بعد إتمام الدعاء غرق ابن الميرزا

45

في الماء و توفّي، و لم يكن له من الذكور غيره.

و إن صحّ ذلك، فإنّه يحكي عن عُمق النفرة من السلطان و ما يجري حوله، و أنّه إنّما فعل ذلك حتّى لا يتورّط هو و ابنه في دنياهم، و اختار بذلك البُعد عنهم.

و كما يظهر من مقدّمة كتابه هذا عدم ارتياحه مما يجري حوله، و قبح ذلك الزمان الذي يعيشه بغلبة أحزاب الشيطان، و رفع أعلام الجهل و الطغيان، و إدبار آيات العلم و العرفان، حتّى كاد أن يكون أيّام الجاهليّة، فانظر مقدّمة المؤلّف.

و انتهى المحدّث النوري إلى ما انتهيت إليه من حقيقة العلاقة التي كانت بين السلطان و الميرزا، فقال في خاتمة المستدرك: كان يعني الميرزا مؤيّداً مسدّداً، كيّساً في دِينه، فطناً في أُمور آخرته، شديداً في ذات الله، مجانباً لهواه، مع ما كان عليه من الرئاسة، و خضوع ملك عصره و أعوانه له، فما زاده إقبالهم إليه إلّا إدباراً، و لا توجّههم إليه إلّا فراراً.

و غاية ما ثبت من تعاطف الميرزا القمي مع البلاط هي فتواه بوجوب الدفاع مقابل هجمات الروس على إيران، كما يظهر من بعض كتبه في باب الجهاد.

كراماته

إن كرامات الميرزا القمي كثيرة و مشهورة، و قبره في مقبرة شيخان مقابل مقبرة زكريا بن آدم في قم يزوره العموم و يتبركون به، و خصوصاً أرباب الحوائج، و معروف أنّ الدعاء عند قبره و التوسّل به من أجل الظفَر بالحوائج و أداء الديون و غيرها مستجاب و مجرّب و ذائع.

و من الكرامات العجيبة المنقولة عنه: أنّه وجد شيخ من أهل قزوين معتكفاً عند قبر الميرزا و يقرأ القرآن و يبكي، فلمّا سُئل عن ذلك قال: إنّي متأثّر لأنّي ما عرفت قدر الميرزا القمي و منزلته إلا متأخّراً، و سرعان ما فقدته، فإنّي خرجت حاجّاً قبل وفاة الميرزا بعام، و قد سافرت بحراً، فاتفق أن رآني شخص و أنا أعدّ أموالي و أرتبها في

46

الحقيبة التي في محزمي، و بعد ساعة ارتفعت الأصوات و الضجيج في السفينة، فإذا بالرجل يدّعي أنه فقد محفظته و يعطي أوصاف محفظتي و يطلب من ربّان السفينة أن يفتّش المسافرين، فقرّر الربّان أنّه إذا وجدها عند أحد و لأجل مجازاته أن يلقيه في البحر، و بدأ بالتفتيش، فلم أجد بُدّاً و من أجل حفظ نفسي من أن ألقي تلك المحفظة في البحر، فأخذتها، و قلت: يا أمير المؤمنين، أنت أمين الله في أرضه خذ محفظتي، و ألقيتها في البحر.

و بعد تفتيش المسافرين جميعاً، التفت الربّان إلى ذلك المدّعى و قال له: ليس هناك ما تدّعي و تقول و قد فتّشنا جميع السفينة، فلما ذا تتهم الحجّاج، فتلكّأ لسانه و تغيّر لونه و عرفوا أنه كاذب و شرّير و سارق فأخذوه و ألقوه في البحر.

و على أثر ذلك واجهت المصاعب الكثيرة في سفري، و أتممت الحج بشق الأنفس.

و جئنا إلى العراق و دخلنا النجف الأشرف، فجئت إلى حرم أمير المؤمنين (ع) و قلت له: أعطني أمانتي التي أودعتكها في البحر، و أنا شديد الاحتياج إليها. فلمّا نمتُ تلك الليلة رأيته (ع) في المنام و قال لي: اذهب إلى قم و خذ محفظتك من الميرزا أبي القاسم القمي في قم، فلمّا استيقظت و فكّرت فيما رأيت و سمعت تعجّبت أنه كيف يكون ما ألقيته في بحر عمان عند الميرزا القمي و من هو الميرزا القمي؟! فجئت إلى الحرم الشريف و كرّرت المسألة و رأيت في ليلتها ما رأيت في الليلة السابقة، و كذا في الليلة الثالثة و لكن قلت له (ع) فيها: إنّي و بشِقّ الأنفس وصلت إلى النجف، فكيف أصل إلى قم، فقال (ع): اذهب إلى السوق الفلاني، و استلم من الصرّاف الفلاني عشرين ليرة.

فلما استيقظت ذهبت إلى ذلك السوق و وصلت إلى الصرّاف، و لكن كنت شاكّاً في أنه سيعطيني، فوقفت أمام محلّه مدّة، فالتفت إليّ و ناداني و قال لي: عندك حاجة؟ قلت: نعم، لي حوالة شفاهيّة، قال: كم قدرها؟ قلت: عشرون ليرة، قال: صحيح، هل أنت من أهل قزوين؟ قلت: نعم، فأعطاني العشرين ليرة، فسافرت بها

47

إلى قم.

فلمّا دخلتها سألت عن الميرزا القمي فدلّوني عليه، فجئت و كان مشغولًا بالتدريس، فلمّا انتهى الدرس طلبني و قال: أ لك حاجة؟ قلت: نعم، و ذكرت له ما جرى من أوّله إلى أخره، فقال الان أتيك بها، فنهض فأخرجها من بين كتبه و أعطاني إيّاها و قال لي: عدّ أموالك هل فيها نقص؟

فأخذتها و فتحتها فوجدتها و كما رتّبتها في السفينة، فقبّلت يده و خرجت من عنده.

و جئت إلى قزوين، فقصصت القصة على زوجتي و هي لا تصدّق، فأقسمت لها، و بعد أن أيقنت قالت: يا مسكين لماذا جئت إلى قزوين و لم تبقَ في خدمته و تستفيد من معنويّته، خذنا إلى قم هذه الساعة، و كن في خدمته، فقررت الانتقال إلى قم على أثر ذلك، فبِعتُ ما عندي في قزوين و جئت إلى قم، و حينما دخلنا قماً كانت و كأنها يوم عاشوراء، غارقة في الحزن و العزاء، فلمّا سألت عن ذلك قيل لي: إنّ الميرزا توفّي، فعهدت على نفسي أن لا افارق قبره ما دُمت حيّاً.

مشايخه

1- والده الملّا محمّد حسن الجيلاني الشفتي.

2- السيد حسين الخونساري جدّ صاحب الروضات.

3- الآقا محمّد باقر الوحيد البهبهاني.

4- الشيخ محمّد مهدي الفتوني النجفي.

5- الآقا محمّد باقر الهزارجريبي.

تلاميذه و الراوون عنه

1- الشيخ الميرزا أبو طالب بن أبي المحسن الحسيني القمي صهر الميرزا القمي

48

و تلميذه، و هو من العلماء العظام، و له كتاب في أجوبة المسائل على وزن جامع الشتات للميرزا القمي.

2- السيد أبو القاسم الخونساري شارح كتاب الدرّة للسيد بحر العلوم.

3- الشيخ أبو القاسم الكاشاني، الذي صار بعدها مرجع الأُمور بكاشان.

4- الآقا أحمد الكرمانشاهي، حفيد الوحيد البهبهاني، و حصلت له الإجازة من الميرزا، و هو مؤلّف المحموديّة في شرح الصمديّة، و نور الأنوار في شرح البسملة، و غيرهما.

5- الملّا أحمد النراقي صاحب المستند.

6- المولى أسد الله البروجردي، و هو أُستاذ الشيخ الأنصاري، و كان يعوّل على إجماعاته و يجعلها محصّلة.

7- الشيخ أسد الله الدزفولي الكاظمي صاحب مقابس الأنوار.

8- السيد إسماعيل الحسيني القمي المعروف بالواعظ.

9- الملّا عباس الكزازي العراقي.

10- السيد عبد الله شبر صاحب التفسير.

11- الآقا عليّ أشرف بن أحمد ابن المولى عبد النبيّ الطسوجي الاذربايجاني.

12- عليّ دوستخان ابن الحاج طاهر خان.

13- السيد محسن الأعرجي صاحب المحصول.

14- الميرزا عليّ رضا الحسيني صهره.

15- الميرزا محمّد الأخباري المقتول المعروف.

16- الميرزا محمّد إبراهيم بن عبد الفتاح الحسيني المرعشي النّسابة صاحب التأليف الرشيقة.

17- الشيخ محمّد إبراهيم الكلباسي الأصفهاني صاحب الإشارات، و الذي انتهت إليه الرئاسة في أصفهان.

49

18 السيد محمّد باقر الرشتي المعروف.

19- محمّد باقر الزرندي شارح بعض مباحث المعالم.

20- السيد محمّد باقر حجّة الإسلام الأصفهاني صاحب مطالع الأنوار في شرح الشرائع.

21- محمّد جعفر الكرمانشاهي البهبهاني، حفيد الوحيد البهبهاني 22- الشيخ محمّد جعفر الهمداني، الذي صدّق اجتهاده.

23- السيد محمّد جواد العاملي صاحب مفتاح الكرامة.

24- الشيخ محمّد حسين القمي صاحب توضيح القوانين.

25- الشيخ محمّد عليّ ابن الآقا محمّد باقر الهزارجريبي المازندراني النجفي.

26- السيد محمّد مهدي ابن السيد حسن ابن السيد حسين الموسوي الخونساري صاحب الرسالة المبسوطة المشهورة في أحوال أبي بصير.

27- الميرزا محمّد يوسف بن عبد الفتاح الطباطبائي الحسني جدّ صاحب أعيان الشيعة.

28- الميرزا هداية الله أخ الحاج محمّد سلطان.

مصنّفاته

1- القوانين المحكمة، طبع مراراً عديدة، و قد رزق هذا الكتاب حظّا وافراً، و لاقى قبولًا حسناً، حيث أصبح من الكتب الدرسيّة، و لم يستغن عن قراءته طالب إلى أن ألّف الخراساني الكفاية، فضعفت رغبة الناس به لطوله. و قد عنى بالقوانين جماعة، و علّقوا عليه التعاليق، و كتبوا عليه الحواشي، و كلّما اعترض عليه الرادّون زادوه شهرة و فخارا، و كلّما احتشد لحدّه الحادّون أفادوه منزلة و اعتباراً.

2- غنائم الأيّام، و يأتي الكلام عنه.

3- مناهج الأحكام، في الطهارة و الصلاة و كثير من أبواب المعاملات مطبوع.

50

4- شرح التهذيب للعلامة في الأُصول.

5- شرح شرح المختصر، في الأُصول أيضاً.

6- أجوبة المسائل الفقهيّة و غيرها، التي جُمعت و أُودعت في ثلاثة مجلدات، و طبعت تحت عنوان جامع الشتات.

7- معين الخواصّ، في فقه العبادات على نحو الاختصار بالعربيّة.

8- مُرشد العوام لتقليد غير اولي الأفهام، كسابقه إلّا أنه بالفارسيّة.

9- رسالة في الأُصول الخمسة الاعتقاديّة و العقائد الإسلاميّة الحقّة.

10- رسالة في قاعدة التسامح في أدلة السنن و الكراهة.

11- رسالة في جواز القضاء و التحليف بتقليد المجتهد.

12- رسالة في عموم حرمة الربا بالنسبة إلى سائر عقود المعاوضات.

13- رسالة مبسوطة في أبواب الفرائض و المواريث.

14- رسالة مبسوطة في القضاء و الشهادات، و هي في ثمانية آلاف بيتاً.

15- رسالة في أبواب الطلاق.

16- رسالة في الوقف.

17- رسالة في ردّ الصوفيّة و الغُلاة.

18- ديوان شعر بالفارسيّة و العربيّة، يقرب من خمسة آلاف بيت.

19- منظومة في علم المعاني و البيان.

20- تعليقة على شرح اللمعة لُاستاذه السيد حسين الخونساري.

21- رسالة في الشروط الفاسدة.

22- رسالة في معرفة من كان شيخاً للإجازة.

و قيل: إنّه وجد بخطّه ما يؤدّي أنه كتب أكثر من ألف رسالة في مسائل مخصوصة من العلوم.

51

غنائم الأيام

المعروف أنّ فقه الميرزا القمي يرجّح على أُصوله، و كان كتابه القوانين من الشهرة كالشمس في رائعة النهار، و هذا ممّا حثّنا على التطلّع على فقه الميرزا القمي، و كشف السرّ في متانته و أرجحيّته، فكانت فكرة تحقيق كتاب الغنائم وليدة هذا التفكّر، بالإضافة إلى كونه إحياءً للتراث.

و كما يظهر من مقدّمة هذا الكتاب أنّ كتابة الغنائم كانت بعد كتابة مناهج الأحكام المفصّل، و في أوج أيّام حياة الميرزا العلميّة، فكان عُصارة فقهه، و مظهر نهاية اقتداره.

ثم إنّ الميرزا و من خلال كتابه هذا يبدو من منطق الاقتدار على التصرّف في أدوات الاستنباط المتعارفة و غير المتعارفة، و لذا تراه يقول في بعض الأحيان بعد إتمام الاستدلال: كان هذا الكلام على ما جرى عليه القوم في الاستنباط، و يسنحني الان الكلام على طريق آخر، فتراه يترك الطريق المعهود في الاستنباط، و يدخل في تحقيق جامع شامل يبلغ جميع جوانب البحث، و يستقصي كلّ ما لا يدرك، خصوصاً في الموارد التي كثر فيها القيل و القال، و صارت مورداً للنزاع و الترديد.

ثم إنّ الكتب الفقهيّة المصنّفة و إلى هذا اليوم منها ما يعني بإيراد الفروع الأكثر، و منها ما يهتمّ بإيراد الأدلة العقليّة، و منها ما يهتمّ بإيراد الأدلّة النقليّة، و منها ما يهتمّ بنقل الأقوال، و غيرها.

و لكن ترى أنّ كتاب الغنائم جمع أكثر تلك الجوانب مع رعاية الاختصار، فإنّ كتاب الطهارة الذي صار في مجلد واحد جمع أكثر مما جمعه كتاب الطهارة من الحدائق من الفروع، و أشار إلى أكثر من الروايات الواردة في كتاب الطهارة من الحدائق المطبوع في خمسة مجلدات، مع أنّه تعرّض إلى الأدلّة العقليّة بما لا يقلّ عمّا في كتاب المستند و الجواهر، و لا يقاس به كتاب الرياض، و مع كلّ ذلك أشار فيه إلى

52

أقوال العلماء و الإجماعات المنقولة ممّا لا يُعهد في أكثر الكتب المذكورة.

و يمتاز كتاب الغنائم أيضاً بالدقّة في نقل الأقوال، فإنّا و من جرّاء عملنا في تحقيق كثير من الكتب الفقهيّة نجد أنّ المصنّف ينسب القول إلى كتاب لا نجده فيه، أو هو أحد محتملاته، و لكن ذلك لا نشاهده في كتاب الغنائم، و لذا لم نترك قولًا في مقام الاستخراج، إلّا ما لا نتوصّل إلى كتابه. و مع ذلك هو أوّل من أضاف أحاديث الفقه الرضوي و تفسير الإمام العسكري إلى أحاديث الاستدلال.

و من مختصّات فقهه هو الاعتماد على الشهرة، و همّه تقوية المشهور إلى آخر حدّ، و قد يخالف المشهور و يختار بعض الأقوال النادرة، و يكثر من بيان الأدلة عليها. و لم يعتمد في كتابه هذا على ما اختاره في الأُصول من حجيّة مطلق الظنّ، و تراه كثيراً ما يعتمد على العرف و المتفاهم العرفي، و لعلّه أوّل من فتح هذا الباب في كتب الاستدلال، و لم نعهد له سابق. و يفهم من دأبه أنّه كثير العناية بما يطرح من الإشكالات، فترى كتبه مشحونة بحواشي «منه» لدفع الإيرادات.

شعره و ما قيل فيه

كان للميرزا القمي قريحة شعريّة، و روح أدبيّة فيّاضة، و كان له ديوان شعر بالفارسيّة و العربيّة، فيه ما يقرب من خمسة آلاف بيت، و اخترنا من شعره ما وجد بخطّه في ترجمة شعر انشد بالعربيّة في الإمام الحسين (ع).

يا نهر الفرات أ يقضي السبط ظمآنا * * * و من مياهك تروى الإنس و الجانا

أى فرات آيا رود سبط پيمبر از جهان * * * تشنه و تو سير گردانى ز آبت انس و جان

هلّا طغوت بطوفان لتغرق * * * من طغوا عليه في كالدم طوفانا

53

پس چرا طوفان نكردى تا كنى غرق بلا * * * سركشانرا تا حد طوفانى ز خونها شد روان

هلّا تغيّرت مثل النيل حين غدا * * * دماً عبيطاً لمن عاد ابن عمرانا

پس چرا تو خون نگشتى چون حسين از تو نخورد * * * مثل رود نيل مصر اندر دهان قبطيان

و قال فيه السيد حسين البروجردي في نخبة المقال:

و ذو القوانين فريدة الزمن * * * بو القاسم الحبر المُبين ابن الحسن

و شيخه الفقيه بهبهاني * * * بعد وداع بان في الرضوانِ

و قال فيه آخر:

ليت ابن سينا درى إذ جاء مفتخراً * * * باسم الرئيس بتصنيف لقانون

إنّ الإشارات و القانون قد جُمعا * * * مع الشفا في مضامين القوانين

وفاته و مقبرته

المشهور أنّ وفاته كانت عام 1231 هجريّة، و لكن في الروضات بعد أن ذكر ذلك قال: إنّ وفاته كانت في العشرة المشئومة أوائل السبعين، و قيل في وفاته: «از اين جهان بجنان صاحب قوانين رفت» و مقتضى كون وفاته أوائل السبعين و حساب ما قيل

54

فيها هو كونها عام 1221 ه، لأن ولادته كانت عام 1152. و قيل: أنّه توفّي عام 1233 هجريّة.

و قيل: إنّ يوم وفاته كان على قم كيوم عاشوراء، من الحزن، و السواد، و العزاء.

و دفن في المقبرة الكبيرة في بلدة قم الطيّبة، و مرقده يُزار و يتبرّك به، و يقصده أرباب الحوائج، و يسمّى بمقبرة شيخان. و يراد بكلمة «شيخان» الشيخ ابن بابويه، و الشيخ الميرزا القمي.

و قال في قصص العلماء: كنت مُقيماً في قم، و كنت أشتغل بتدريس كتاب القوانين للميرزا في مقبرته، و أضع الكتاب بعد الدرس على القبر الشريف، و أكرم به من توفيق.

مصادر الترجمة

نجوم العلماء ريحانة الأدب آثار الحجّة نامه دانشوران روضات الجنات قصص العلماء أعيان الشيعة گنجينه دانشمندان ناسخ التواريخ قاجاريه الكرام البررة الفوائد الرضويّة مردان علم در ميدان عمل تكملة أمل الأمل وحيد بهبهاني رجال النجاشي فهرست الشيخ فهرست ابن النديم خاتمة المستدرك معجم المؤلّفين الأعلام المقابس، و غيره.

عملنا في التحقيق

اعتمدنا في تصحيح كتاب الغنائم على نسختين مخطوطتين و هما:

1 نسخة مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في النجف الأشرف التي أُهديت و لحسن الحظّ إلى مكتبة الإمام الرضا (ع) برقم «15161»، و التي كُتبت في حياة المصنّف و عليها حواشي «منه دام ظلّه» و بلاغات يحتمل أنّها كتبت حين قراءة المصنّف

55

لها، أو حينما قرأت عليه. و على أيّ حال فالنسخة صحيحة للغاية، سهّلت سبيل التحقيق، و هي المعتمد عليها، و كان عليها المعوّل في تحقيق كتاب الطهارة، و رمزنا لها برمز «م».

2 نسخة مكتبة السيد الزنجاني في زنجان التي تفضّل بها سماحته دعماً منه لعمليّة إعادة الحياة لتُراثنا المطمور، و هي أيضاً مكتوبة في حياة المصنّف، إلّا أنها لا تبلغ النسخة السابقة في الصحّة، و لكنها نعم العون، و رمزنا لها برمز «ز».

هذا مع الاعتماد على نسخ مخطوطة نُشير إليها في الأجزاء التالية، بالإضافة إلى النسخة الحجريّة التي لا تقصر عن النسخ المخطوطة.

و أما العمل، فبعد مقابلة النسخ بأكمل المقابلة، و التدقيق في الاختلافات، و تثبيتها على النسخة الحجريّة التي طبعت أوّلًا و قوبلت، قمنا بعمليّة الاستخراج و هي كالاتي:

1 استخراج الروايات، و كان دأبنا هو استخراج الروايات من كلّ المصادر المعتبرة بالإضافة إلى الوسائل، و لمّا لم يذكر الميرزا القمي نصوص الروايات في أغلب الأحيان حاولنا إيراد النصوص و محلّ الاستدلال في أغلب الموارد، سدّاً لهذه الخلّة التي يتضمّنها كتاب الغنائم و كتاب الرياض، مع تطعيم بعض الاستخراجات بالإشارة إلى نقاط الضعف في أسانيد الروايات من أجل استفادة القارئ.

2 استخراج الأقوال، و المراد بها الأعمّ من الأقوال الفقهيّة و اللغويّة و الأُصوليّة، و التفسيريّة، و غيرها، ساعين في العثور على أوّل القائلين عند عدم تعيينه، و من ثم تكثير المصادر من القائل المعيّن الواحد، أو الأكثر من الاثنين فيما لا يعيّن. هذا مع نقل عبارات القائلين فيما كان فيه توضيح أو تردد أو غيره.

3 تقويم النصّ، و هو تهذيب المتن من الأخطاء النحويّة و الإملائيّة و العلميّة إن وجدت، و اختيار النسخة الصحيحة أو الأصح من بين النسخ، مع ميلٍ منّا إلى ترجيح نسخة «م» في أغلب الأحيان، فكانت كالمعتمدة، و بذلك سلكنا حدّا وسطاً بين

56

التلفيق و اعتماد نسخة واحدة، و مع كلّ ذلك نشير الى اختلاف النسخ فيما يستوجب ذلك.

هذا بالإضافة إلى تطعيم الهامش بالتوضيحات، و إيراد حواشي المؤلّف على الكتاب و هي كثيرة و غنيّة، كلّ ذلك مع عمل المقوّم الأوّل من تقطيع المتن، و تزيينه بالفواصل الجميلة، و المفكّكة لعُقد المطالب.

4 صياغة الهامش بلا تطويل و لا تقتير، و إن كان الهامش ثقيلًا، لاحتشاد الروايات و الأقوال و حواشيه في الصفحات من جرّاء اختيار المصنّف الاختصار في الكلام.

5 المراجعة النهائيّة، و قد راجعنا الكتاب كرّات عديدة، لتجنّب الكبوَة، و ملاحقة ما زاغ عن البصر، و قد يتبقّى من الملاحظات ما يُغتفر، فإنّه من مقتضى طبع البشر.

و في الختام نتقدّم بالشكر الجزيل لمدير مكتب الإعلام الإسلامي فرع خراسان، سماحة الأكمل السيّد عباس الصالحيّ، فانّ تحقيق هذا الكتاب و كتاب تمهيد القواعد و طبعهما و نشرهما مرهون لإدارته الحكيمة و جهوده المتظافرة، فنسأل اللّه تبارك و تعالى أن يزيد في توفيقاته و توفيقات الإخوة مسئولي مركز التحقيقات في المكتب.

كما أتقدّم بالشكر و التقدير للإخوة الأماجد في قسم الكامبيوتر، و ندعو من الله التوفيق.

و آخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين/ 24 جمادى الثاني 1414 ه/ مشهد المقدّسة عباس تبريزيان.

57

مقدّمة المؤلّف

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

الحمدُ للّه الّذي أنقذنا من شَفا جُرف الهلكات بمتابعة أمثل الأديان. و أرشدنا إلى سبيل ارتقاء مدارج أعلى الغرفات باقتفاء أفضل الإنس و الجانّ. و أوضح محجّتنا في ظُلم الشبَه و الجهالة بإضاءة مصابيح آيات القرآن. و أفصحَ حجّتنا في مهاوي الشّكوك الفاسدة و الأوهام الكاسدة ببيانِ أهل العِصمة، و تبيان مهابط التّنزيل و الفرقان. (صلّى اللّه عليه و عليهم ، و على الأصحاب المرضيّين، صلاةً تُبلغنا إلى منتهى الرّضوان). و تُسكننا منازل القدس و بحابيح الجنان.

و بعد، فهذا يا إخواني ما سمح به قلم الاستعجال على صحائف المقال، و وَسَمَ به مياسم الفكر و الخيال على وجوه وحوش الفرص في تقاليب الأحوال.

فإنّي منذُ تعارفتُ مع الزّمان، فقد أخذني على طرف الخصام لدوداً، و صيّرني في بَوادي العطلة (1) و الحيرة هائماً كئوداً، و صار عليّ في هزيمة صفوف جيوش اجتهادي مجاهداً كدوداً. و كلّما صافيته بوجه الإقبال، أدبر عنّي بتخييب الآمال. و مهما وافيته بعرضِ المطالب في معرض النّوال، فجبّهني بالردّ و ناقضني ببلبال

____________

(1) في «م»: بواد العزلة.

58

البال. و متى عانقني بوجه الالتفات، فعضّني بضرس النّائبات. و حيثما ضيّفني ببسط موائد العطيّات، أطعمني بتشعّبات الأمراض (1)، و سقاني بمشارب الحسرات، فربّ فجيعة تدهش منها مشاعر الخواطر، و ربّ نزيلة ينهش قذى سمومها أناسيّ النّواظر (2).

و كم من ضَنَكٍ في العيش و ضيق في المعيشة؟ و كم من بائقة لا ترضى بصُحبتها العيشة؟

و مع ذلك فقد كنتُ أختلس من آناتِ غفلاته فُرَصاً، مع ما كنت أتجرّع من مشارب الإحَنِ و كؤوس المحنِ غُصصاً (3).

و كنتُ شَرعتُ في عنفوان الشّباب في استنباط المسائل من مأخذها، و أخذت في تأليف كتاب يحتوي على مهمّات مطالبها، و سمّيته كتاب مناهج الأحكام في مسائل الحلال و الحرام، و قصدت فيه بيان الأدلّة و الأقوال، و ذِكر ما تبتني عليه الأحكام على التّفصيل حسب ما اقتضاه الحال.

و عاقني عن ذلك بَوائق الزّمان و عَوائق الدّهر الخوّان، فربّما سوّلت لي الأيّام بمخائل تبدّل الحال بأرفه من الحال، و ربّما سوفتني النّفس بتأميل حصول الفراغ و الوقت الأمن من القلق و الزّلزال.

فاستصحبتني تلك الشّيمة إلى الحين، و قد جاوزت الان من الأربعين، و لم نكتب منه بالظنّ و التّخمين، إلّا مثل العشرة بالنّسبة إلى الستّين، على تفرّق في الأبواب، حسب ما ساعدتني الأسباب، و اتّفق لي سهولة جمع المسائل في ذلك الباب.

ثمّ قد رأيت ولّى الشّباب، و ألمّ المشيب، و ولّى وجه المحبوب، و تدلّت شدائد قهر

____________

(1) في «ز»: ببشعات الأعراض، و في «م»: بشبعات الأمراض، و نسخة في «ح»: بتشبّعات.

(2) أناسي جمع إنسان العين، و هو حدقتها المصباح المنير: 26.

(3) في «ز»، «ح»: قصصاً.

59

الرقيب، و طار غراب الأمل عن الهامة، و عشّش البُوم، و ذهب يُمن الأيّام بإدراج رياح الخيبة، و بقي منها الشؤم، و خِفت عدم مساعدة العمر و الأسباب لختم ذلك الكتاب، و سيّما مع قصور همم أهل الزّمان عن مراجعة مثله، و عدم إقبالهم إليه بسبب الإطناب، فأخذتُ في تأليف هذه العُجالة كهيئة العجلان، و اقتصرت فيه بأقلّ ما يقتضيه الوقت، و يساعدني الزّمان.

ثمّ اعلم يا أخي: إنّي لم أقصد من شكواي إلّا النّصح لك في عدم الاغترار، و إيّاك و أن تسوّف في طلب حصول الفراغ و تيسّر القرار، فإنّ الرّاحة لم تُخلق إلّا في الجنّة، و الفراغ و الاطمئنان لم يودعا في دار البلاء و المحنة، و اغتنم نَفَساً بعد نفس، و إن كنت في غاية اضطراب و وَجس، سيّما في مثل هذا الزّمان، الّذي غلبت عليه أحزاب الشّيطان، و رُفعت فيه أعلام الجهل و الطغيان، و ولّت عنه آيات (1)؛ العلم و العرفان، و استمرّت به تلك الشّيمة و السجيّة حتّى كاد أن تكون أيّام الجاهليّة.

هذا و إنّي كالايس من إتمام ما أنا فيه إلّا من رَوح اللّه، فكيف أقول برجاء إتمام الكتاب الكبير بعد ذلك إلّا أن يشاء الله.

فشرعت فيه بحول الله و قوّته، مستعيناً في إتمامه بعونه و منّه، و سمّيته كتاب «غنائم الأيّام في مسائل الحلال و الحرام».

و جعلته على أقسام أربعة، في كلّ قسم منها كتب.

____________

(1) في «ز»: رايات.

60

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

61

القسم الأوّل في العبادات

62

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

63

و هي: ما تحتاج صحّتها إلى النيّة. و المكلّف بها هو البالغ العاقل. و المندوب ليس بتكليف كما حُقّق في محلّه.

و عبادات الصبي المميّز (1) شرعية على الأقوى، لأنّ الأمر بالأمر أمر عُرفاً، و القرينة نافية للوجوب، فيبقى الاستحباب. و للزوم الظّلم عليه تعالى عن ذلك لو خلا عمله عن الثّواب.

و حجّة القائل بكونها تمرينيّة: كونه غير مكلّف، و خطاب الشّرع إنّما يتعلّق بالمكلّفين، و أنه لو كان الأمر بالأمر أمراً لكان قولك لآخر: «مر عبدك بالتّجارة» عدواناً.

و الجواب عن الأوّل: أنّ المندوب ليس بتكليف، و تحمّل مشقّة الندامة على ترك الفعل للحرمان عن ثوابه ليس مشقّة على الفعل المكلّف به، و هو المراد من ظاهر التكليف (2).

و عن الثاني: منع انحصار الحكم الشرعي فيه كما حُقّق في محلّه (3).

و عن الثّالث: بأنّ القرينة قائمة على كونه للإرشاد.

و أما استحباب تمرين الولي فلا إشكال فيه. و الأخبار في مبدئه مختلفة، محمولة على

____________

(1) المميّز ليست في «م».

(2) يعني أنّ المراد من التكليف هو تحميل مشقّة و كلفة الفعل المكلّف به على العبد دون مشقّة الندامة على فوت الثواب و أمثالها.

(3) انظر قوانين الأُصول: 155.

64

مراتب التأكيد.

ثمّ لا إشكال في اشتراط البلوغ و العقل في التكليف، للإجماع، و الأخبار (1)، و الاعتبار. و إنّما الإشكال في حدّ البلوغ، و له علامات:

الاولى: خروج المني مُعتاداً مُطلقاً للذكر و الأُنثى، بالإجماع، و الأخبار (2)، و قوله تعالى حَتّٰى إِذٰا بَلَغُوا النِّكٰاحَ (3) و لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ (4) و نحوهما مؤوّل بذلك، و لا يكفي الاستعداد.

و الثّانية: إنبات الشعر الخشِن على العانة، للإجماع، و الأخبار (5). و الحكم معلّق (6) عليه في الأخبار، فما ذهب إليه المشهور «من كونه علامة لسبق البلوغ، لأنّ الأحكام متعلّقة بالاحتلام، فلو كان غيره أيضاً بلوغاً لم يختصّ الحكم بذلك» (7) فيه ما فيه. و كما أنّ السّنّ مخصّص لذلك فكذلك الإنبات. مع أنّه منقوض بما لم تسبقه إحدى العلامات جزماً.

و أما شعر الإبط و الفخذ و غيرهما، فلم يعتبره الأصحاب. و في شعر اللحية قول بالبلوغ (8)، و يشعر به بعض الأخبار (9)، و لا يخلو من قوّة.

و الثّالثة: السنّ، و الأقوى إكمال خمس عشرة سنة للذّكر، و تسع للأُنثى. للأصل

____________

(1) الوسائل 1: 27 أبواب مقدّمة العبادات ب 3 4.

(2) الوسائل 1: 30 أبواب مقدّمة العبادات ب 4.

(3) النساء: 6.

(4) النور: 58.

(5) الوسائل 1: 30 أبواب مقدّمة العبادات ب 4.

(6) في «ح»: المعلّق.

(7) كفاية الأحكام: 112.

(8) المبسوط 2: 283، الروضة البهيّة 2: 145.

(9) الكافي 7: 197 ح 1، الوسائل 1: 30 أبواب مقدّمة العبادات ب 4 ح 2. و جاء فيه: أو يحتلم أو يشعر أو ينبت قبل ذلك.

65

و الأخبار المعتبرة (1)، و ظاهر دعوى الإجماع من كنز العرفان في الأوّل (2)، و صريحها في الثاني من ابن إدريس، حيث شنّع على القائل «بكون كمال العشر بلوغاً للأُنثى» بمخالفة الإجماع على التسع (3).

و قيل بإكمال أربع عشرة في الذّكر (4) لرواية غير واضحة (5)، و قيل بالدّخول فيه (6) لأخبار معتبرة الإسناد (7)، معارضة بأقوى منها.

و أمّا الحيض و الحمل فيثبت بهما البلوغ، للإجماع، و الأخبار.

و المشهور و المعروف من الأصحاب كونهما مع ذلك علامة لسبق البلوغ.

فإنّ الحيض لا يكون إلّا بإكمال التّسع بالإجماع، فإمكان الحيض موجب للحكم بكونه حيضاً كما سيأتي، و الحكم بكونه حيضاً دليل على سبق إكمال التّسع، لأنّ الحيض لا يكون إلّا بعد إكماله. لا أنّه لا يجوز الحكم بالحيض إلّا بعد العلم بإكماله حتّى يلزم الدّور، فالكلام فيما جهل السنّ و حكم بكون الدم حيضاً مع إمكانه.

و أمّا الحمل فلأنّه مسبوق بالإنزال.

و يَرِد على الأوّل أنّهما قد يتقارنان في الوجود.

و على الثاني مضافاً إلى ذلك أنّ الإنزال الذي هو نفس البلوغ: هو الخروج من الفرج، لا النّزول في الرّحم، و لا الاستعداد كما مرّ، إلّا أن يقال بعدم إمكان الحمل قبل

____________

(1) الوسائل 1: 30 أبواب مقدّمة العبادات ب 4.

(2) كنز العرفان 2: 102.

(3) السرائر 1: 367 كتاب الصيام، نقل عن الشيخ في المبسوط القول بعشر سنين، و عن نهايته القول بتسع سنين، و قال: و هو الصحيح لأنّه لا خلاف بينهم أنّ حدّ بلوغ المرأة تسع سنين.

(4) نقله عن ابن الجنيد في المختلف (الطبعة الحجريّة): 423.

(5) المختلف (الطبعة الحجريّة): 423.

(6) من لا يحضره الفقيه 4: 164، المدارك 6: 159، و انظر مفتاح الكرامة 5: 239.

(7) التهذيب 2: 380 ح 1588، الخصال: 495 ح 4، تفسير العياشيّ 2: 291 ح 71، الوسائل 1: 32 أبواب مقدّمة العبادات ب 4 ح 12، مستدرك الوسائل 1: 87 أبواب مقدّمة العبادات ب 4 ح 8.

66

إكمال التسع، فهو أيضاً مسبوق به، فحينئذٍ يَرِدُ عليه إمكان المقارنة في الوجود بالنسبة إلى بلوغ التسع.

و يمكن الاعتذار عن ذلك: بأنّ السبق أعمّ من السبق بالعِلّيّة كحركة اليد و المفتاح، فحينئذٍ يبقى النزاع بلا فائدة يعتدّ بها.

و الفائدة الّتي ذكروها هي صحّة العقد منها إذا وقع متّصلًا بالحيض و انعقاد النُّطفة، و قلّ ما يحصل العلم بذلك، و لعلّ نظرهم إلى ترجيح الظاهر على الأصل، و هو وَجيه.

ثم إنّ الأخبار الكثيرة المختلفة في وجوب الصلاة بالستّة و الثمانية و التسعة للذكَر، و بحصول خمسة أشبار، و حصول البلوغ بالعشر إذا كان بصيراً، محمولة في العبادات على التمرين و مراتبه. و قد يُعمل على بعضها في غير العبادات، كالوصايا و الحدود، كما يجيء في أبوابها، و الظاهر أنّها من باب الوضع، لا أنّ البلوغ و التكليف يختلف بحسب الموارد. و أمّا العبادات فالأقوال في ثبوت الأحكام فيها منحصرة فيما ذكرنا، فلنشرع في العبادات مقدّماً للأهمّ.

67

كتاب الطهارة

و هو يستدعي رسم مقدّمة و فصول

68

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

69

أما المقدّمة

فالطهارة في اللغة: النَّظافة و النزاهة، و في الاصطلاح: اسم للوضوء و الغسل و التيمّم.

و الأظهر أنّها حقيقة فيما يُبيح الصلاة منها، بل ما لا يجامع (1) الحدث الأكبر على إشكال، للتبادر، و صحّة السلب عن غيرها.

بل الظاهر كونها حقيقة شرعيّة في ذلك أيضاً، سيّما في زمان الصادقين و من بَعدهما (عليهم السلام)، للاستقراء، و نفي اسم الطهارة عن وضوء الحائض في بعض الأخبار.

و الأظهر كونها حقيقة في إزالة الخبث أيضاً، فتكون مشتركة.

ثمّ على الأوّل: الأظهر كونها مشكّكة، لا مشتركة بين الثلاثة، و لا متواطِئة، و لا حقيقة في المائيّة مجازاً في الترابيّة.

و كلّ منها ينقسم إلى واجب و ندب:

فالواجب من الوضوء ما كان لصلاة واجبة، أو طواف واجب، أو لمسّ كتابة القرآن إن وجب.

____________

(1) في «ز»: ما يجامع.

70

و الغسل يجب لهذه، و لدخول المسجدين، و المكث في سائر المساجد إن وجبا، و لقراءة العزائم كذلك.

و أما التيمّم، فيجب لما تجب فيه الطهارتان، و في بعض مواضع أُخر يأتي تفصيلها. و قد تجب الثلاثة بنذر و شبهه.

71

الفصل الأوّل في الوضوء

و فيه مقاصد

72

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}