الأنوار اللوامع في شرح مفاتيح الشرائع - ج10-2

- الشيخ حسين آل عصفور المزيد...
413 /
3

الجزء العاشر- القسم الثاني

[تتمة الباب الثاني من كتاب حقوق الزوجية]

القول في الظهار

و حيث انتهى القول في الخلع و المبارأة من أنواع الفسخ أخذ في القول في الظّهار و أحكامه و حيث أنه في الحقيقة ليس بفسخ و لا طلاق عندنا و إنّما ذكر في هذا المجال لأنه مما لا يترتب عليه ذلك بعد إيقاف الزوج عند الحاكم الشرعي و إلزامه بعد ثلاثة أشهر بالرجوع و التكفير و الطلاق جعل أحد الأسباب المزيلة للنكاح كالإيلاء و سيجيء بيان ذلك و قد قال اللّه تعالى في بيان حكمه «وَ الَّذِينَ يُظٰاهِرُونَ مِنْ نِسٰائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمٰا قٰالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّٰا» و قد جاء في بيانها و سبب نزولها أخبار عديدة.

منها صحيح أبان كما في الفقيه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و صحيح حمران عن أبي جعفر (عليه السلام) كما في الكافي و التهذيب و تفسير القمي و ما جاء في تفسير النعماني بإسناده إلى علي (عليه السلام) كما في رسالة المحكم و المتشابه للمرتضى حيث قال في الأوّل: «كان رجل على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقال له أوس بن الصامت و كان تحته امرأة يقال لها خولة بنت المنذر فقال لها ذات يوم: «أنت عليّ كظهر أمي» ثمّ ندم فقال: «أيّتها المرأة ما أظنك إلا و قد حرمت عليّ» فجاءت إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقالت: يا رسول اللّه إنّ زوجي قال لي أنت عليّ كظهر أمي- و كان هذا القول فيما مضى يحرم المرأة على زوجها- فقال لها رسول (صلّى اللّه عليه و آله): «ما أظنك إلا

4

و قد حرمت عليه» فرفعت المرأة يدها إلى السماء فقالت: «أشكو إلى اللّه فراق زوجي» فأنزل اللّه: «يا محمد قَدْ سَمِعَ اللّٰهُ قَوْلَ الَّتِي تُجٰادِلُكَ فِي زَوْجِهٰا» الآيتين ثمّ أنزل اللّه عزّ و جلّ الكفّارة في ذلك ثمّ قال وَ الَّذِينَ يُظٰاهِرُونَ مِنْ نِسٰائِهِمْ الآية.

و في الثاني قال أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: إنّ امرأة من المسلمين أتت رسول اللّه «(صلّى اللّه عليه و آله)» فقالت: يا رسول اللّه إن فلانا زوجي قد نثرت له بطني و أعنته على دنياه و آخرته فلم ير مني مكروها و أنا أشكوه إلى اللّه و إليك قال: فما تشكينه؟ قالت: إنّه قال لي اليوم «أنت عليّ حرام كظهر أمي» و قد أخرجني من منزلي فأنظر في أمري فقال رسول اللّه «(صلّى اللّه عليه و آله)»: ما أنزل اللّه عليّ كتابا أقضي به بينك و بين زوجك و أنا أكره أن أكون من المتكلّفين فجعلت تبكي و تشتكي ما بها إلى اللّه و إلى رسوله و انصرفت، فسمع اللّه محاورتها لرسوله و ما شكت فأنزل اللّه عزّ و جلّ بذلك قرآنا «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ قَدْ سَمِعَ اللّٰهُ و ساق الحديث في حكاية القصة إلى أن قال: «فإنّك قد قلت منكرا من القول و زورا قد عفى اللّه عنك و غفر لك فلا تعد» فانصرف الرجل و هو نادم على ما قال لامرأته و كره اللّه ذلك للمؤمنين بعد فأنزل اللّه عزّ و جلّ الَّذِينَ يُظٰاهِرُونَ مِنْ نِسٰائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمٰا قٰالُوا- يعني ما قال الرجل الأوّل لامرأته أنت عليّ حرام كظهر أمي قال: فمن قالها بعد ما عفا اللّه و غفر للرجل الأوّل فإن عليه تحرير رقبة من قبل أن يتماسّا- يعني مجامعتها- ذٰلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَ اللّٰهُ بِمٰا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ شَهْرَيْنِ مُتَتٰابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّٰا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعٰامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً، فجعل اللّه عقوبة من ظاهر بعد النهي هذا.

5

و في الثالث بعد أن ذكر القصة على الوجه المذكور و نزلت هذه الآية قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): قولي لأوس زوجك يعتق نسمة قالت: و أنّى له ذلك و اللّه ما له خادم غيري فقال: فيصوم شهرين متتابعين قالت: إنّه شيخ كبير لا يقدر على الصيام قال: فمريه أن يتصدّق على ستين مسكينا قال: و أنّى له الصدقة فو اللّه ما بين لابتيها أحوج منّا قال: «قولي له فليمضي إلى أم المنذر فليأخذ منها شطر و سق تمر فليتصدق على ستين مسكينا» و ليس بين الأخير و الأولين منافاة لأنه وقع على سبيل الاستحباب و لذا تبرّع عليه بما يتصدّق به.

و في صحيح حمران ما يدفع الإشكال و الإغماض عن قوله «ثُمَّ يَعُودُونَ لِمٰا قٰالُوا» فإن أكثر المفسرين [على] أن «ما» واقعة على الزوجة المظاهرة فيكون الكفّارة مترتبة على الرجعة إليها و إرادة مجامعتها.

مفتاح [790] في تعريف الظّهار و حكمه]

و لما كان هذا القول مشتملا على مفاتيح متعددة قد احتوت على أحكامه و بيان صيغته و حقيقته شرعا بدأ منها ب مفتاح في بيان الظّهار الشرعي و أنّه مشتق من الظهر و هذا الاشتقاق لبيان المناسبة لأنه موضع الركوب من الدابة كما قال: اللّه تعالى لِتَسْتَوُوا عَلىٰ ظُهُورِهِ و كانت المرأة مركوب الزوج فالمناسبة ظاهرة

و موضع الوفاق و مورد النصوص من صيغ الظّهار

هو أن يقول: «أنت» بضمير المخاطبة عند ظهور المظاهرة و خطابها أو هذه عند الإشارة إليها أو فلانة عند إرادة العلميّة المشخّصة لها أو نحو ذلك مما

6

يعينها و يشخّصها و لو بالإضافة و عليّ بصيغة المتكلم أو «منّي» كذلك أو «عندي» و ما شابه ذلك مما يصلح أن يكون صلة متعلّقة به و ما شابه ذلك في الصّلات كظهر أمي بكاف التشبيه و هو في موضع الخبر عن المبتدأ المذكور المعبّر عنه بأحد الألفاظ المذكورة المشخّصة لها أو «مثل ظهر أمّي» لصراحتها في التشبيه و هذه الصيغة المتفق عليها بينهم بغير إشكال إذ لا خلاف في صحتها لورود أكثر الأخبار بها أو يضيف إليها لفظ حرام بحيث يجعله هو الخبر قبل قوله «كظهر أمي» كما في الصحيح المتقدّم ذكره في لفظ الآية و هو صحيح حمران حيث قال فيه كما سمعت هذه اللفظة قبل «كظهر أمي» إذ حكت ذلك لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أما باقي أخبار الباب فخالية عنها مقتصرة علي الصيغة المجرّدة المتفق عليها و لم ينقل هنا خلافا لأحد إلا للشيخ حيث منع من ذلك و لا وجه له و لا مستند على المنع سيّما بعد ورود ذلك النص المعبّر بها و تقرير الحكم عليها من النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و قد وقع الخلاف بين الأصحاب في وقوعه بالصيغة المذكورة مع حذف تلك الصلة لعدم الحاجة إليها و إنما ذكرت كذلك تأكيدا و من جهة ورود الأخبار بذكرها لم نقف عليه بدونها فكان في المسألة قولان لكن الأشهر عدم الفرق بين الذكر و الحذف و في التحرير للعلامة استشكل الوقوع من حذف الصلة لما ذكرنا من الوارد عنهم (عليهم السلام) مصرح بذكر الصلة و كذا وقع الخلاف فيما لو أشبهها بامرأة غير الأم من المحارم النسبيّة أو السببيّة المؤبدة تحريما خلاف قد انتهى ذلك الخلاف إلى أقوال شتّى متفرقة أصحها هو الوقوع مطلقا و تفصيل تلك الأقوال أن القول

7

المذكور في العبارة من وقوعه مطلقا هو الأشهر لاشتراك الجميع في تحريم الظهر كالأم.

و للصحيح المروي عن زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الظهار فقال: هو من كلّ ذي محرّم أم أو أخت أو عمة أو خالة و لا يكون الظهار في يمين» الخبر، و مثله حسن جميل بن درّاج قال:

قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يقول لامرأته أنت عليّ كظهر عمته أو خالته؟ قال: هو الظّهار.

و الثاني قول الشيخ في الخلاف و ابن إدريس لا يقع بغير الأم مطلقا لأنّ القرآن ظاهر دلالة و نزولا إنّما جاء بالأم و أما ما جاء في الصحيح المتقدّم فمعارض بما جاء في الصحيح الآخر و هو صحيح سيف التمار عن الصادق (عليه السلام) قال: قلت لرجل يقول لامرأته «أنت عليّ كظهر أختي أو عمّتي أو خالتي» فقال: إنّما ذكر اللّه تعالى الأمهات و إنّ هذا لحرام ف إن قوله (عليه السلام) «إنما ذكر اللّه الأمهات» مشعر أنّ الظّهار لا يكون إلا بالأمّهات لمكان الحصر و الأصل و لضعف التشبيه لأنّ الرضاع مكتسب فلا يساوي النسب في القوة و إن أثبت الأمومة و لذلك لا تتعلق به النفقة و الميراث و الحضانة و أجيب بأنه لا دلالة فيه سيّما الصحيح على نفيه مع أنّه قد أجاب بالتحريم فلو لا دخوله في ذلك لما كان حراما.

و أما تخصيص الأم بالذكر

في الآية فلا ينفي غيرها كما لا يدل على ثبوته و نحن أثبتناه بالأخبار الصحيحة لا بالآية و كذا عدم ذكر غير الأمهات في رواية سيف لا تدل على نفيه مع إجابته بالتحريم و لعل السائل قد استفاد مقصوده منه إذ ليس في السؤال ما يدل على موضع الحاجة.

8

و أما ما قيل من أنّ الظّهار سببه التشبيه بالنسب لا نفس السبب فلا يلزم من كون التشبيه بالنسب سببا في التحريم كون التشبيه بالرضاع سببا فيه فلا دلالة في قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب عليه» ففيه أنّ «من» في هذا الخبر إمّا تعليليّة مثلها في قوله تعالى «مِمّٰا خَطِيئٰاتِهِمْ أُغْرِقُوا» أو بمعنى الباء كما في قوله تعالى «يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ» و التقدير يحرم لأجل الرضاع أو بسببه ما يحرم لأجل النسب أو بسببه و كلاهما مفيد للمطلوب لأن التحريم في الظّهار بسبب النسب ثابت في الجملة بالنص و الفتوى فيثبت بسبب الرضاع لذلك و ربما قيل بالتفصيل و الفرق بين المحرمات المؤبدة بالنسب و المؤبدة بالرضاع و الشيخ في المبسوط أنكر الفرق و ساوي بينهنّ و قال: و هو الذي يقتضيه مذهبنا لذلك الحديث النبوي.

و في حكم الرضاعيات المحرمة بالمصاهرة

على المشهور للاشتراك في العلة، و أمّا المحرمات لا على التأبيد كأخت الزوجة فلا خلاف في عدم وقوع الظّهار بهنّ و على القول بقصر التحريم على الأم ففي تعدّيه إلى الجدّة مطلقا وجهان من أنّها أم و من ثمّ حرمت لقوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ و الأصل في الاستعمال الحقيقة و لأن الجدّات لأب أمهات ولدته و يشاركن الأم في حصول البر و سقوط القصاص و لزوم النفقة و من جواز سلبها عنها فيقال: ليست أمي بل أمّ أبي أو أم أمي و لقوله تعالى إِنْ أُمَّهٰاتُهُمْ إِلَّا اللّٰائِي وَلَدْنَهُمْ و هي مفيدة للحصر و لكن قد يدعي في هذه كونها ولدته و لو بواسطة و على القول بتعدّي التحريم إلى غير الأم يتعدّى التحريم إلى الجدّة بطريق أولى و إنّما تظهر فائدة هذا الخلاف على القول بعدم التعدّي و أيضا إن ظاهر القائلين بالتعدّي إلى المحرمات

9

الرضاعيّة عدم الفرق بين من لم تزل محرّمة بالرضاع كجدة الرضاع التي أرضعت أباه و أمه و أخته من الرضاع المولودة بعد أن ارتضع و بين من كانت تحل له ثمّ حرمت عليه كالتي أرضعته فصارت امّا، و كأمّها المولودة قبل أن يرتضع فالتشبيه بالجميع يفيد التحريم لعموم الأدلة و إن كان القسم الأوّل أقوى تحريما من الثاني و ربما فرّق بين الأمرين و خصّ التحريم بالقسم الأوّل و عموم الأدلة تدفعه و على هذا فمواضع الخلاف في هذه المسألة متعددة.

الأوّل: اقتصار الظّهار على التشبيه بالأم النسبيّة.

الثاني: تعديته إلى الأم من الرضاع لا غير.

الثالث: إلحاق الجدات بها لا غير.

الرابع: إلحاق محارم النسب بها لا غير.

الخامس: إلحاق محارم الرضاع بهنّ لا غير.

السادس: إلحاق محارم المصاهرة أيضا.

و بهذا يظهر لك ما في عبارة المحقق في شرائعه من القصور حيث قال: و لو يشبهها بظهر إحدى المحرمات نسبا أو رضاعا فيه روايتان و في التعدّي عن الأم قولان أحدهما قصره على الأم مطلقا و الثاني تعديه إلى المحرّمات بالنسب و الرضاع مطلقا.

و التي تشهد بالتعدي من الروايات صحيح جميل بن درّاج المتقدّم ذكره و صحيح زرارة و مرسلة يونس حيث قال فيه «و كذلك إذا هو قال كبعض المحارم فقد لزمته الكفّارة» و لا معارض لهذه الأخبار في الحقيقة فالقول بمضمونها هو الأصح و كذا لو وقع الخلاف فيما شبهها بكلّها أو بغير الظهر من أعضائها أو شبّه عضوا منها بكلّها أو

10

بأحد أعضائها فإنها مخالفة للصيغة الأصليّة التي فسرت آية النزول ف انتهى الخلاف إلى أقوال أحدهما العدم مطلقا و ذلك ل أنّ عدم الوقوع مطلقا هو الأصل حيث أن الظّهار على خلاف الأصل و حينئذ فيجب قصر الحكم على محل الوفاق و الإجماع و كذلك ب النظر إلى الاشتقاق و لهذا سمّي بالظهار و ما ذلك إلا باشتماله على ذكر الظهر حذرا من التجوّز في التسمية مع كون الأصل في الاستعمال الحقيقة و هذا القول مرتضى المرتضى حتى جعله في الانتصار مما انفردت به الإماميّة.

و قد تبعه عليه المتأخرون و أيّد ذلك أيضا بصحيح زرارة المتقدّم و بصحيح جميل حيث قال في المتقدّم بعد أن سأله عن كيفيّته أقول «أنت عليّ حرام مثل ظهر أمي».

و في الثاني عن الصادق (عليه السلام) و قد قال له الرجل يقول لامرأته أنت عليّ كظهر عمّتي أو خالته؟ قال: هو الظهار.

و كلاهما يدلان على الحصر و أن المعنى ذلك لا غير و الثاني الوقوع لكن بغير الظهر من أعضائها لا بكلّها و ل ذلك قصروا الوقوع في الثاني و هو كونه بغير الظهر من أعضائها خاصة دون باقي الأقسام المذكورة حيث جاء الخبران بذلك و أراد بالخبرين مرسل يونس عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و الثاني خبر سدير عنه (عليه السلام) أيضا.

حيث قال في الأوّل: «سألته عن رجل قال لامرأته أنت عليّ حرام كظهر أمي أو كيدها أو كبطنها أو كفرجها أو ككتفها أو ككعبها ذلك الظّهار و هل يلزمه فيه ما يلزم المظاهرة؟ قال: إذا ظاهر من امرأته فقال هي عليه كظهر أمه أو كيدها أو كرجلها أو شعرها أو كشيء منها ينوي بذلك

11

التحريم فقد لزمه الكفّارة في كلّ قليل منها أو كثير. و في الثاني قال: قلت له الرجل يقول لامرأته أنت عليّ كشعر أمي أو ككفها أو كبطنها أو كرجلها؟ قال: ما عنى به إن أراد به الظّهار فهو الظّهار و هما الحجّة في ذلك مع دعوى الشيخ في الخلاف الإجماع عليه من الإماميّة و قد تبعه عليه القاضي و ابن حمزة و قبله الصدوق في المقنع و هو معارض ب إجماع مثله من السيد في كتابه الانتصار فيكون الإجماع منقولا في خلافه و أما الاعتبارات القياسيّة فهي غير مؤيدة و لا مسموعة في مثله لأنّ الظّهار على خلاف الأصل، فقياس هذه الأعضاء على الظّهر المتفق عليه للمشاركة في التحريم اعتبارات مجرّدة لا تقوم بها حجّة مع أنّ الخبرين ضعيفان كما سمعت لاشتمال الأوّل على الإرسال، و الثاني على جماعة من الضعفاء و هو سهل بن زياد و غياث و محمد بن سليمان و سهل غال ضعيف و غياث تبري و محمد بن إسماعيل ضعيف أو مشترك بينه و بين الثقة و كذلك أبوه و حال سدير لا يزيد عن مرتبة الضعيف إلا بيسير فسقط اعتبار الخبرين.

و أما تشبيه الجملة بالجملة

كقوله «أنت عليّ كأمي أو بدنك عليّ كبدن أمي أو جسمها» أو نحو ذلك ففيه قولان مبنيّان على السابق فالشيخ حكم بوقوعه لأن صحته بتلك الأجزاء يستلزم صحته مع تشبيهها بنفسها بطريق أولى لاشتمالها على تلك الأجزاء و زيادة و لاشتمال جملها على ظهرها الذي هو مورد النص فيدل عليه تضمنا و ذهب الأكثر إلى عدم الوقوع بذلك لفوات الشرط و التشبيه بالظهر كما قد علم من السابق و محل الخلاف ما إذا لم يقصد بذلك التشبيه بها في الكرامة و التعظيم و إلا

12

لم يقع قولا واحدا و أجابوا عن تلك الأدلّة بأن الأسباب الشرعيّة لا تقاس و يمنع الأصل و الأولوية و يمنع دخول الظّهر في قوله «أنت كأمي» و جاز أن يكون لتخصيصه فائدة باعثة على الحكم.

و أما تشبيه بعض أجزاء الزوجة بظهر الأم

كقوله «يدك أو رأسك أو فرجك كأمّي» فهو صحيح أيضا عند الشيخ بطريق أولى و الأصح العدم لما ذكرناه و كذا الكلام فيما لو شبّه الجزء بالجزء كقوله «يدك عليّ كيد أمي» و صححه الشيخ أيضا مع قصد الظّهار و دليله مأخوذ من السابق و الأصح العدم، و أيضا لو شبّهها يعني الزوجة في صورها الست بغير الام من المحارم فإن وقع بين الجملة و الظهر مشبها به فقد تقدّم حكمه و أنّ الأقوى صحته و إن وقع بينها و بين جزء من المحارم غير المحارم فقد قال المحقق أنّه لا يقع قطعا و هو يؤذن بعدم الخلاف.

و قال: العلامة في المختلف: إنّ بعض علمائنا قال بوقوعه و آخرون بعدمه و كذا نقل الخلاف ابن إدريس و الأصح عدم الوقوع أيضا و التقريب ما وقع بين الجملة و الجملة بغير لفظ الظهر فالقولان و أولى بالوقوع هنا في السابق و الأصح العدم و كذا في باقي الصور بطريق أولى و لو قال «أنت عليّ كظهر أبي أو أخي» لم يقع الظّهار و لم يكن شيئا مذكورا و كذا لو قالت هي جميع الصيغ المتقدّمة كان لاغيا فلا يفيد قولها التحريم و لا يلزم به شيئا إجماعا منا فإن الحكم مختص بالرجال كالطلاق.

و يؤيّده ما في الخبر الذي رواه السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) كما في الكافي و الفقيه قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: لو قالت «زوجي عليّ حرام كظهر أمي» فلا كفّارة

13

عليها و ما ذلك إلا لصدوره منها و إلا فالصيغة متفق عليها وقوعا عند صدورها من الزوج و لا بدّ من قصد الظّهار محضا بتلك الصيغ فلو جعله يمينا بأي صيغة كأن يجعله جزاء على فعل أو ترك قصدا للزجر كما لو كان الفعل محرّما أو البعث على الفعل كما لو كان راجحا وقع لاغيا، و لم يقع و لا اليمين المتعلّقة به للمعتبرة المستفيضة منها في الصحيح عن زرارة حيث قال فيه و لا يكون الظّهار في يمين.

و في صحيح حمران المتقدّم عن أبي جعفر (عليه السلام) في نزول الآية كما في الفقيه و الكافي قال: و لا يكون ظهار في يمين و لا إضرار و لا في غضب.

و في صحيح صفوان عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يصلّي الصلاة أو يتوضأ فيشك فيها بعد ذلك فيقول «إن أعدت الصلاة أو أعدت الوضوء امرأته عليه كظهر امه أو يحلف على ذلك بالطلاق؟ فقال: هذا من خطوات الشيطان ليس عليه شيء.

و في موثّقة ابن بكير و قد مرّ ذكرها في النكاح قال: تزوّج حمزة بن حمران بابنة بكير فلما كان في الليلة التي أدخل بها عليه قلن له النساء: أنت لا تبالي بالطلاق و هو ليس عندك بشيء و ليس تدخلها حتى تظاهر من أمهات أولادك قال: ففعل فذكر ذلك لأبي عبد اللّه (عليه السلام) فأمره أن يقربهنّ.

و في موثق آخر له في هذه القصة قال له النساء: «لسنا ندخلها عليك حتى تحلف لنا و لسنا نرضى أن تحلف بالعتق لأنّك لا تراه شيئا و لكن أحلف لنا بالظهار و ظاهر من أمهات أولادك و جواريك» فظاهر منهنّ ثمّ

14

ذكر ذلك لأبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال: ليس عليك شيء ارجع إليهنّ.

و في موثقة ابن فضال عن عطيّة بن رستم قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن رجل يظاهر من امرأته؟ قال: إن كان في يمين فلا شيء عليه.

و خبر القاسم بن محمد الزيات كما في الكافي و التهذيب قال:

قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): إني ظاهرت من امرأتي؟ فقال كيف قلت؟: قال: قلت «أنت عليّ كظهر أمي إن فعلت كذا و كذا» فقال: لا شيء عليك و لا تعد.

و في مرسل ابن بكير عن رجل من أصحابنا قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): إنّي قلت لامرأتي: «أنت عليّ كظهر أمي إن خرجت من باب الحجرة» فخرجت؟ فقال: ليس عليك شيء فقلت: إنّي قادر على أن أكفر رقبة أو رقبتين؟ قال: ليس عليك شيء قويت أو لم تقو.

و مثله موثق ابن فضال كما في الفقيه، و هذه الأخبار الأخيرة يمكن فساد الظّهار فيها لجعله يمينا أو لتعليقه على شرط و سيأتي ذكره و يدل عليه منها أيضا الخبر الحسن أو الموثق عن عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا طلاق إلا ما أريد به الطلاق، و لإظهار إلا ما أريد به الظّهار و المراد منه ما قاله المصنّف في كتاب الوافي في بيان هذا الحديث: «أنه لا يكون طلاق و لا ظهار إلا أن يكون مقصود المتكلم من الصيغة أن يحرّم امرأة على نفسه و يفرّق بينها و بينه لا أن مقصوده شيء آخر فيحلف عليه بالطلاق أو الظّهار كأن يقول «إن فعل كذا فامرأته طالق أو هي كظهر امه» فإنّ المقصود من مثل هذا الكلام إنّما هو ترك ذلك الفعل لا الطلاق و تحريم المرأة بل ربّما يفهم منه إرادة الطلاق

15

و عدم التحريم كما هو ظاهر و لهذا لا يقع طلاق و لإظهار عند أصحابنا و هذا معنى قولهم (عليهم السلام) فيما مرّ «لإظهار في يمين» و ما في معناه من أبطال الظّهار المعلّق فإنّهم (عليهم السلام) يردّون بذلك على المخالفين القائلين بجواز اليمين بالطلاق و العتاق و الظهار و نحوها.

نعم حكم الظّهار نفسه حكم اليمين في وجوب الكفّارة فيه

و إطلاق لفظ الحنث على المخالفة فيه و غير ذلك و إن لم يذكر اسم اللّه فيه» انتهى.

و في موثقة عمار على ما رواها المحمّدون الثلاثة في كتبهم الأربعة قال: سألته عن الظّهار الواجب، قال: «الذي يريد به الرجل الظّهار بعينه» و عنى ب«الواجب» الثابت و هو الذي يقع و يصح و تترتّب عليه أحكامه و ب«الذي يريد الظّهار بعينه» ما حققه المصنّف في بيانه المذكور و ل لمانع من جعل الظّهار يمينا كما هو المشهور التعلّق بأخبار النهي عن اليمين بغير اللّه و هي مستفيضة قد مرّت في مباحث اليمين و لم يخالف في مضمونها إلا الإسكافي عملا ببعض الأخبار المحمولة على التّقيّة.

و منها خبر عبد الرحمن بن الحجاج حيث سأله صفوان عن الظهار قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: إذا قال الرجل لامرأته «أنت عليّ كظهر أمي» لزم الظّهار؟ قال لها: دخلت أم لم تدخلي خرجتي أم لم تخرجي أو لم يقل لها شيئا فقد لزمه الظّهار.

و و قد اختلف الأصحاب أيضا في أنه هل يقع تعليقه بشرط و هو ما جاز وقوعه و عدم وقوعه أو صفة و هو ما تحقق وقوعه كطلوع الشمس قاصدا به الظهار المحض من دون قصد اليمين؟ أم لا؟ بل يقع باطلا حيثما علّق ف [الأصح و عليه] أكثر المتأخرين نعم يصح للعمومات الواردة في مطلق الظّهار الشاملة للمنجّز و المعلّق بل

16

عموم الآية داخل فيها.

و ل خصوص الصحيحين المروي أحدهما عن حريز و الآخر عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) حيث قال في الأوّل: الظّهار ظهاران فأحدهما أن يقول «أنت عليّ كظهر أمي» ثمّ يسكت فذلك الذي يكفّر قبل أن يواقع فإذا قال «أنت عليّ كظهر أمي إن فعلت كذا و كذا» ففعل و حنث وجب عليه الكفّارة حين الحنث.

و في الثاني قال: الظهار ضربان أحدهما فيه الكفّارة قبل المواقعة و الآخر بعدها و الذي يكفّر قبل المواقعة الذي يقول: «أنت عليّ كظهر أمي» و لا يقول «إن فعلت كذا و كذا» و الذي يكفّر بعد المواقعة هو الذي يقول «أنت عليّ كظهر أمي إن قربتك».

و قد وقع في معناه آخر عن البجلي أيضا إلا أنه قال فيه: و الذي يكفّر بعد المواقعة هو الذي يقول: «أنت عليّ كظهر أمي إن قربتك» مقتصرا عليه و في صدره قال: «الظّهار على ضربين في أحدهما الكفّارة إذا قال: «أنت عليّ كظهر أمّي» و لا يقول «أنت عليّ كظهر أمي إن قربتك».

و قد ذكر أصحابنا في مؤلفاتهم خلافا مشهورا مستندا لجماعة من الأصحاب و قد نسبه المحقق للأكثر، و أمّا الأوّل فلجماعة منهم الشيخ و قبله الصدوق و اختاره ابن حمزة و المحقق في النافع و العلامة في كتبه، و أسنده في المسالك لأكثر المتأخرين كما وقع في عبارة المصنّف و استند المانع لأصالة بقاء الحل من الزوجيّة للشك في الصيغة مع التعليق و للخبرين المتقدّمين الذي روى أحدهما ابن بكير مرسلا

17

و الآخر القاسم بن محمد الزيّات و لخبر عطيّة بن رستم أيضا حيث قال فيها: «لا شيء عليك قويت أم لم تقو» إلا أنّ هذه الأخبار ضعيفة الإسناد بالاصطلاح الجديد كما ترى، و قد حملت الأولى على التّقيّة تارة و قيل أنّه لا يبعد أنّ يقال في وجه الجمع بينها القول بجواز تعليقه بالمقاربة و الوقاع و نحوهما خاصة مما يدل على إرادة تحريم امرأته على نفسه دون غير ذلك من التعليق مما يدل على أنّ مقصوده من ذلك التعليق و ترك ذلك الفعل لا تحريم المرأة على نفسه بالظهار و يكون ذلك توفيقا بين المعتبرة على وجه لا يستلزم طرح أحدها و قد حمله المصنّف في الوافي على التّقيّة حيث قال: و الأولى أنّ يحمل مثل هذه الأخبار على التّقيّة فكأنه (عليه السلام) قال: الظّهار ظهاران صحيح و فاسد، و أما قوله «فعليه الكفّارة بعد المواقعة» يعني به على رأي المخالفين و هذا هو الحمل الواضح المبين.

[فيما لو قيّده بمدّة]

و قد اختلف أيضا فيما لو قيّده بمدّة معيّنة و ذلك مما لا يناسب الإنشاءات و لا الإيقاعات كأن يظاهرها شهرا بأن يقول «أنت عليّ كظهر أمي شهرا» أو سنة أو يوما و هكذا ف في المسألة أقوال ثلاثة أحدهما الوقوع مطلقا، و ثانيها العدم مطلقا، و ثالثها الوقوع مع زيادة المدّة المقيّدة له عن مدّة التربّص و هي الثلاثة الأشهر المضروبة للمظاهر و عدم وقوعه إن كان بقدر تلك المدّة أو دونها و الأصح منها وقوعه مطلقا لاستكماله الشرائط و لعموم الآية المتقدّم ذكرها و القول بعدم الوقوع مطلقا للشيخ لما قلناه و لأنّه لم يؤبد التحريم فأشبه ما إذا أشبهها بامرأة لا تحرم عليه على التأبيد، و القول بالتفصيل للعلامة في المختلف لأنّ الظّهار يلزمه التربص مدّة ثلاثة أشهر من

18

حين الترافع و عدم الطلاق و هو يدل بالاقتضاء على أنّ مدّته تزيد عن ذلك و إلا لانتفى اللازم الدال على انتفاء الملزوم.

و أمّا ما تمسّك به الشيخ مما في الصحيح المروي عن سعيد الأعرج عن الكاظم (عليه السلام) في رجل ظاهر من امرأته يوما؟

قال: ليس عليه شيء حيث نفى أنّ يكون عليه شيء في جميع حالاته فيكون نفيا للظهار لنفي لوازمه فلا ينافيه لأنّ الظّهار بمجرده لا يوجب شيئا بمجرد صيغته و إن كان منكرا من القول و زورا و إنما تجب الكفّارة بعد انعقاده بالعود أو العزم عليه قبل انقضاء المدّة كما سيأتي بيانه و تحقيقه فإذا كان مقيّدا بيوم و لم يعد بل صبر يوما المقيّد له فليس عليه شيء لأنّه لم يعاوده في مدّة الظّهار مع أنه قد جاء في أصح النسختين من التهذيب في هذا الخبر في رجل ظاهر من امرأته فوفى بدل قوله «يوما» قال: ليس عليه شيء أي لم يقربها و ذلك واضح لأنّه قد أجتنبها حتى خرجت من حباله بالطلاق فلا يلزمه شيء من أحكام الظّهار.

و يؤيده الوقوع أيضا مقيّدا بمدّة ما روته العامة و بعض الخاصة من حديث سلمة بن صخر حين ظاهر من امرأته شهرا و كان شهر رمضان محرما بإظهاره الجماع في شهر رمضان و صورتها هكذا قال:

كنت امرءا قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري فلمّا دخل رمضان ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ شهر رمضان فرقا من أنّ يصيبني في ليلته شيء فإتباع في ذلك إلى أنّ يدركني النهار و أنا لا أقدر على أنّ انتزع فبينما هي تخدمني من الليل و تكشف لي منها فوثبت عليها فلمّا أصبحت غدوت على قومي فأخبرتهم خبري و قلت لهم: انطلقوا معي

19

إلى رسول (صلّى اللّه عليه و آله) فأخبروه بأمري فقالوا: و اللّه لا نفعل نتخوّف أنّ ينزل فينا قرآن أو يقول فينا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مقالة يبقى علينا عارها و لكن اذهب أنت و اصنع ما بدا لك فخرجت حتى أتيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فأخبرته خبري فقال لي: أنت بذاك؟ فقلت له: أنا بذاك فقال: أنت بذاك فقلت: أنا بذاك فقال: أنت بذاك فقلت: نعم أنا بذاك فأمضى في حكم اللّه عزّ و جلّ فأنا صابر له قال: «أعتق رقبة» فضربت صفحة رقبتي بيدي فقلت: لا و الذي بعثك بالحق ما أصبحنا نملك غيرها قال: فصم شهرين متتابعين قال: قلت:

يا رسول اللّه و هل أصابني ما أصابني إلا في الصوم قال: فتصدّق قال: قلت:

و الذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا و حشا ما لنا عشاء فقال: اذهب إلى صاحب صدقة بني رزين فقل له فليدفعها إليك فأطعم عنك وسقا من تمر ستين مسكينا ثمّ استعن بسائره عليكم و على عيالك قال: فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق و سوء الرأي و وجدت عند رسول اللّه السعة و البركة أمر لي بصدقتكم فادفعوها إليّ قال: فدفعوها إليه.

و في رواية اخرى أنّ النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أعطاه مكيلا فيه خمسة عشر صاعا فقال: أطعمه ستين مسكينا.

و وجه التوفيق فيها ما اشتملت عليه ف إنه قد أمره النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بتحرير رقبة لأنّها كفّارة مرتبة و تنقّل فيها إلى مراتبها شيئا فشيئا و ذلك دليل على وقوع الظّهار المؤقت، و حيث لم يستوف مدّته صابرا وقع عليه ما وقع من الكفّارة فهو ظاهر في صحة المؤقت فالقول بوقوعه مطلقا هو المعتمد كما هو ظاهر الأكثر و لا يقدح ضعف هذا الخبر لأنّ صحيح الأعرج صحيح من أقوى الحجج و قد أيّده

20

العمومات فجبر ضعف هذا الخبر.

مفتاح [791] [فيما يشترط في وقوع الظهار]

ثمّ إنّ المصنّف قد أتبع هذا المفتاح ب مفتاح فيما يشترط من الشرائط في وقوع الظّهار و صحته شرعا فقد ثبت أنه

[يشترط فيه ما يشترط في الطلاق]

يشترط فيه ما يشترط في الطلاق عند الإماميّة من كونها زوجة بالفعل و من حضور شاهدين عدلين يسمعان صيغة الظّهار حاضرين غير متفرقين و من عدم كونها أجنبيّة في تلك الحال و إن علّق ظهارها على الزوجيّة أو عدم كونها حائضا إلا أن يكون غير مدخول بها أو غائبا عنها زوجها أو في طهر الوقاع و ذلك مع حضور الزوج فيهما كما مرّ في الطلاق و كونه غير مكره عليه و لا ساه و لا غافل و لا مجنون و لا صغير إلى غير ذلك من الشرائط التي مرّ ذكرها ب الاتفاق و الإجماع من الإماميّة و المعتبرة المستفيضة في الكل الدالّة بعمومها و خصوصها.

ففي صحيحة حمران عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لا يكون ظهار في يمين و لا في إضرار و لا في غضب و لا يكون ظهارا إلا على طهر بغير جماع بشهادة شاهدين مسلمين» و مثله حسنه كما في الكافي.

و مرسل ابن فضال عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا يكون ظهار إلا على مثل موضع الطلاق.

و في صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث أنّه سأله: كيف الظّهار؟ فقال: يقول الرجل لامرأته و هي طاهر من غير

21

جماع «أنت عليّ حرام مثل ظهر أمي» و هو يريد بذلك الظّهار هكذا في التهذيب و الفقيه و رواه الكليني في الحسن و في صحيح حمران كما في تفسير القمي مثل ما في حسنه المتقدّم المروي في الكافي.

و في خبر حمزة بن حمران عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال: لا يكون ظهار إلا على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين.

إلى غير ذلك من الأخبار المشعرة بالمساواة للطلاق في الكل و قد اختلف في بعض الشرائط المخالفة لشرائط الطلاق مثل اشتراط الدخول في الظّهار أم لا؟ ففيه قولان للأصحاب أصحهما و عليه الأكثر حتى كاد يكون إجماعيا ذلك الاشتراط ل خصوص الصحاح الصراح في ذلك، مثل صحيح الفضيل بن يسار كما في الفقيه و الكافي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل مملك ظاهر من امرأته؟ فقال لي: لا يكون ظهار و لا إيلاء حتى يدخل بها.

و صحيحه الآخر كما في التهذيب قال: سألت أبا اللّه (عليه السلام) عن رجل مملك ظاهر من امرأته قال: لا يلزم، ثمّ قال: و قال لي: لا يكون ظهار و لا إيلاء حتّى يدخل بها.

و منها صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام) في غير المدخول بها أنّه لا يقع عليها إيلاء و لا ظهار، و صحيح حمران عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لا يكون ظهار إلا على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين مسلمين.

و صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) و قد سأله عن كيفيّته يعني الظّهار؟ قال: يقول الرجل لامرأته و هي طاهر في غير جماع «أنت عليّ كظهر أمي» و حينئذ فيجب العمل بهذا الأخبار لخصوصيّتها

22

و الخاص مقدّم على العام فتكون مقيّدة لعموم الآية و إطلاق الروايات.

و أمّا حجّة المخالف في هذه المسألة و هو المرتضى و ابن إدريس و المفيد قبلهما و جماعة قد ذهبوا إليه من المتأخرين فالتمسّك بعموم الآية و الطعن في هذه الأخبار و إن كانت خاصة لأنها من أخبار الآحاد التي لا توجب علما بها و لا عملا لما ثبت من عدم حجيّة خبر الواحد أصلا أو عدم تخصيص الكتاب به لأنّه الكتاب قطعي و هو ظنّي و إن عمل به و قد تكلّمنا عليه في كتب الأصول و نبّهنا على ضعف هذا الكلام لأنّ في ردّه هدما لكثير من الأحكام على أنّ خبر الواحد المطعون عليه بذلك ليست هذه الأخبار منه لدلالة القرائن على صحتها و إخراجها عن مرتبة الآحاد و إلحاقها بالمتواتر كما اعترف به المرتضى و ابن إدريس بل قد أدعيا تواتر أخبار الأصول الأربعمائة و إن كانت واردة بسند واحد و قد خصّصوا بها الكتاب في غير موضع كما وقع لأكثر أصحابنا فيجب هنا تقييد هذه العمومات كما وقع لهم في غيره وفاقا للمشهور و قد اختلف الأصحاب أيضا في وقوعه ب المرأة المستمتع بها لاختلاف الأخبار فيه حيث أن أكثرها مؤذن بأنه في الشرائط كالطلاق فلا يكون محلّه إلا الزوجة التي يقع بها الطلاق و المتمتع بها لا يقع بها طلاق كما تقدّم تقريره و من جهة إطلاق الزوجة عليها فتدخل في العموم كتابا و سنة و قد ذهب إلى إيقاع الظّهار بها الأكثر للعمومات المذكورة و لم يخص ههنا بمخصص.

و أمّا القائل بعدم وقوع الظّهار بها فجماعة منهم ابن إدريس لأصالة بقاء الحلّ، و لما ذكرناه من الأخبار الدالة على أنّ محلّه محلّ الطلاق و لأن المظاهر يلزم بالفيئة أو الطلاق و لا طلاق في المتعة و لا يجب لها الوطي

23

فيلزم بالفيئة مع أنّ إيجابها وحدها لا دليل عليه و إقامة هبة المدّة مقام الطلاق قياس و لأنّ أمره بأحد الأمرين موقوف على المرافعة المتوقفة على وجوب الوطي، و أجيب عن تلك الأخبار و عن هذه اللوازم بأنّها مخصوصة بظهار الزوجة الدائمة و إنّما تشاركها المستمتع [بها] في وجوب اعتزالها به فلا منافاة فيكون ما ذهب إليه الأكثر هو الأقوى و كذا في الموطوءة بالملك خلاف بينهم كالمستمتع بها و الأظهر و الأقوى ما عليه الأكثر من الوقوع للعموم في الكتاب و السّنّة و خصوص المعتبرة الصريحة في الخلاف الثاني و هو الأمة مثل صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن الظّهار على الحرّة و الأمة فقال: نعم.

و حسن حفص بن البختري عن الصادق و الكاظم (عليهما السلام) في رجل كان له عشر جوار و ظاهر منهن جميعا فقال: عليه عشر كفارات.

و موثقة إسحاق بن عمار عن الكاظم (عليه السلام) قال: في الرجل يظاهر من جاريته؟ قال: الحرّة و الأمة في هذا سواء.

و موثقة ابن أبي يعفور و حسنته قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل ظاهر من جاريته؟ قال: و هي مثل ظهار الحرّة.

و خبر الحسين بن مهران قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن رجل ظاهر من امرأته و جاريته ما عليه؟ قال: عليه لكلّ واحدة منهما كفّارة إلى غير ذلك من الأخبار الواردة في خصوص الأمة.

و مستند المخالف في المسألة و هو المفيد و المرتضى و ابن إدريس و جماعة من المتقدّمين ما مرّ من تلك الأخبار من أنّه لا يكون ظهار إلا على

24

مثل موقع الطلاق، و أنّ الظهار كان في الجاهليّة طلاقا و الطلاق لا يقع بها لأنّها مملوكة و هي لا يقع بها الطلاق، و أيضا المفهوم من النساء في الآية الزوجة و هي سبب النزول.

و برواية حمزة بن حمران عن الصادق (عليه السلام) فيمن يظاهر من أمته؟ قال: يأتيها و ليس عليه شيء و لاستصحاب النكاح حتى يثبت المزيل و هذا كلّه ضعيف سندا و دلالة.

أمّا الأوّل فلعمومه فلا يعارض الخاص، و الثاني لا حجّة فيه لأنّ ما في الجاهليّة قد نسخ و مع ذلك فقد نقل عنهم أنّهم يظاهرون من الأمة و يعتزل السيد فراشها، و أيضا كان الطلاق في الجاهليّة موجودا و السبب ليس مخصصا كما حقق في محلّه، و الرّواية ضعيفة السند أيضا فلا تعارض الصحاح و الأصل إنّما يتم مع وجود دليل مخرج عنه و أعلم أنّه على القول بوقوعه بها كما هو المشهور يجري فيها الخلاف السابق في اشتراط الدخول و عدمه لتناول الروايات الدالّة عليه لها كما تناولت الحرّة و توهّم اختصاص ذلك الخلاف بالحرّة ضعيف جدا بل باطل، و يتحقق الدخول بالوطي قبلا و دبرا صغيرة كانت أو كبيرة مجنونة أو عاقلة و كذا بالرتقاء و المريضة التي لا توطأ حال الظّهار مع وجوده قبله.

هذا على تقدير اشتراط الدخول، أمّا على القول بالعدم فدخول الجميع واضح

[يقع الظّهار من العبد]

و يقع الظّهار من العبد المملوك بجميع أقسامه قنا أو مدبرا أو مكاتبا بلا خلاف منّا و إن اختلفت العامة في ذلك للعموم في الآية و الرواية.

و خصوص الصحيح المروي عن جميل بن دراج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) كما في الفقيه و حسنه كما في الكافي عنه (عليه

25

السلام) و كذا في غيره كخبر الثمالي عنه (عليه السلام) قال:

سألته عن المملوك أ عليه ظهار؟ قال: نصف ما على الحرّ من الصوم و ليس عليه كفّارة صدقة و لا عتق و إنّما عليه صيام شهر.

و في رواية محمد بن حمران عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ما يقرب من ذلك و اختلف الأصحاب في وقوعه ممن ليس بمسلم و الأكثر منّا على وقوعه من الكافر بجميع أقسامه حربيّا أو دميّا أو ناصبيّا لعموم الآية و لم يذكروا خلافا لأحد إلا للشيخ و الإسكافي فإنهما منعا من ظهاره ل ما يترتب على الظّهار من الكفّارة و عدم صحة الكفّارة منه لأنّها عبادة لا تتحقق إلا بالقربة لما فيها من العتق و الصدقة و الصيام و هو استدلال ضعيف و ذلك لأنّه قادر على تحصيله بإسلامه فهو مكلّف كتكليف المسلم بالصّلاة المتوقفة على شرط الطهارة و هو غير متطهّر و هكذا سائر التكاليف الشرعيّة المشروطة بشرط.

و أورد على هذا بأنّ الذمي مقر على دينه فحمله على الإسلام لذلك بعيد و أنّ الخطاب بالعبادة البدنيّة لا يتوجّه على الكافر الأصلي و أجيب بأنّا لا نحمل الذمي على الإسلام و لا نخاطبه بالصوم و لكن نقول لا نمكّنك من الوطي إلا بهذا فإمّا أنّ يتركه أو يسلك طريق الحل.

[يصح ظهار الخصي و المجبوب]

و يصح ظهار الخصي و المجبوب إن بقي لهما ما يمكّنهما به الجماع المتحقق بإدخال الحشفة أو قدرها فظهارهما صحيح مطلقا لأنّهما حينئذ في معنى الصحيح.

أمّا إذا لم يمكنهما الإيلاج بني وقوع ظهارهما على أنّ الظّهار هل يختص تحريمه جميعه بالوطي أو يشمل جميع الاستمتاعات و سيأتي الكلام

26

فيه فإنّ حرّمنا الجميع صحّ ظهارهما أيضا لبقاء فائدة الظّهار بالامتناع عن الاستمتاع بغير الوطي، و إن قلنا باختصاصه بالوطي لم يقع منهما ظهار لعدم فائدته هذا كلّه إذا لم نشترط الدخول بالمظاهرة و إلا لم يقع منهما مطلقا حيث لا يتحقق منهما الدخول.

مفتاح [792] [في أحكام الظّهار]

[الظّهار محرّم]

ثمّ إنّ المصنّف قد أتبع هذا المفتاح ب مفتاح في بيان أنّ الظّهار و إن صححه الشارع و ألزم به لكنّه في الأصل محرّم و ليس بمباح لوصفه بالمنكر و الزور المحرمين كما في الآية النازلة فيه و هذا مما لا خلاف فيه إلا أنّه ربما قيل أنّه و إن كان محرّما إلا أنّه لا عقاب فيه لتعقبه بالعفو في الآية و هو قوله وَ إِنَّ اللّٰهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ و فيه نظر لأنّ هاتين الصفتين من صفاته تعالى على كلّ حال فلا يلزم من ذكرهما تعلّقهما بهذا النوع من المعصية و ذكره بعده لا يدل عليه فهو عفو غفور سواء عفى عن هذا الذنب أم لم يعف فالحق أنّ هذا العفو و المغفرة قد تعلقا بهذا الظّهار نظرا إلى أوّل مظاهرة كما فسّرته الأخبار و قد جاء في القرآن له نظائر كثيرة مثل قوله تعالى وَ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ فِيمٰا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَ لٰكِنْ مٰا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَ كٰانَ اللّٰهُ غَفُوراً رَحِيماً فالحق أنّه كغيره من الذنوب أمر عقابه راجع إلى مشيئة اللّه تعالى، و هذا القول ذكره المفسرون و لم ينبّهوا على قائله و على كلّ حال

[إذا أراد الوقاع فعليه الكفّارة من قبل أنّ يتماسّا]

ف إنّه إذا ظاهر مستكمل الشرائط و أراد الوقاع فعليه الكفّارة من قبل أنّ يتماسّا كما هو مصرّح به في الآية المذكورة.

27

و للصحيح المروي عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته متى تجب الكفّارة على المظاهر؟ قال: إذا أراد أنّ يواقع.

و صحيح جميل بن دراج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه سأله عن الظّهار متى يقع على صاحبه الكفّارة؟ فقال: إذا أراد أنّ يواقع امرأته.

و حسن حفص بن البختري قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

متى تجب الكفّارة على المظاهر؟ قال: إذا أراد أنّ يواقع.

و في صحيح علي بن مهزيار كما في الكافي قال: كتب عبد اللّه بن محمد إلى أبي الحسن (عليه السلام) «جعلت فداك إنّ بعض مواليك يزعم أنّ الرجل إذا تكلّم بالظهار وجبت عليه الكفّارة حنث أو لم يحنث و حنثه كلامه بالظهار و إنّما جعلت عليه الكفّارة و إلا فلا كفّارة عليه فوقع (عليه السلام) بخطه «لا تجب الكفّارة حتى يجب الحنث».

و مثله خبر عبد اللّه بن محمد كما في التهذيب قال: قلت له: إنّ بعض مواليك.» الحديث و المراد بوقوع الحنث إرادة الوقاع كما تقرر في الصحاح و غيرها و هذه المسألة ليست بإجماعيّة بل هي محل الخلاف و لهذا قال الإسكافي في مختصره الأحمدي إذا أقام على إمساكها بعد الظّهار بالعقد الأوّل زمانا و إن قلّ فقد عاد لما قال و هو المعني بالعود في الآية لأنّ العود إنّما هو المخالفة و هي متحققة بذلك و أجيب عن هذا الاستدلال بأن بقاءها بغير طلاق في عصمته بعقدها الأوّل لا ينافي تحريمها عليه بالظهار فلا مخالفة و إنّما ينافيه إرادة الاستمتاع و العزم عليه أو وقوعه نفسه و الثاني غير مراد قطعا بإجماعنا فتعيّن الأوّل و لقوله تعالى مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّٰا فلا يتوقّف على الجماع لأنّ قبليّة التماس ينافي تعلّقه به فتعيّن الأوّل بلا

28

كلام لنص الآية و دلالة الصحاح لكن هنا كلام و أقول في توجيهه أنّ بناء هذا الاستدلال و الجواب عنه على أنّ يكون المراد بالعود في الآية لما قال هي المخالفة أو إرادة الوطي بإضمار الإرادة في الآية كما هو المشهور بين فقهائنا تبعا ل أكثر المفسرين من علماء العامة لا يعتمد عليهم و فيه أيضا أنّه مع ما فيه من التكلّف الشديد تفسير بالرأي في متشابه الآيات و هذا مما لا يصح لخروجه عن الظاهر على أنّ المنقول عن أئمتنا (عليهم السلام) في تفسير الآية كما في صحيح حمران الوارد في بيانها عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) إنّ قوله «ثُمَّ يَعُودُونَ لِمٰا قٰالُوا» يعني به ما قال الرجل الأوّل لامرأته «أنت عليّ حرام كظهر أمي» قال: و من قالها بعد ما عفى اللّه و غفر للرجل الأوّل فإنّ عليه تحرير رقبة من قبل أنّ يتماسّا الآية يعني مجامعتها فجعل اللّه عزّ و جلّ عقوبة من ظاهر بعد النهي هذا و قال «ذٰلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ تِلْكَ حُدُودُ اللّٰهِ» فجعل اللّه هذا حدّ الظّهار، الحديث، و هو كما ترى نصّ في المطلوب و أنّ العقوبة إنّما توجهت للمظاهر الثاني، و أمّا الأوّل فقد عفى عنه و فيه تخرج الآية عن الإشكال في المعاودة و هنا أقوال أخر في بيان المعاودة و ترتّب الكفّارة إلا أنّها خارجة عن أقوالنا لأنّه لا خلاف بيننا في أنّ الكفّارة الواجبة في الظّهار تتعلّق بالعود لدلالة تلك الآية و ظهورها فيه.

و أمّا القول بأنّه الوطي نفسه فهو من مذاهب العامة و متفرداتهم نعم وقع الخلاف بيننا بعد تحقق العود هل يستقرّ الوجوب ب ه مرادا به إرادة الوطي أم معناه تحريم الوطي حتى يكفّر؟ قولان لأصحابنا إلا أنّ المشهور بينهم الثاني للصحيح المروي عن الحلبي عن الصادق

29

(عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يظاهر من امرأته ثمّ يريد أنّ يتم على طلاقها؟ قال: ليس عليه كفّارة قلت: إن أراد أن يمسّها؟ قال: «لا يمسّها حتى يكفّر» و قيل بالأوّل و إن لم يطأ لترتّبه على العود في ظاهر الآية بناءا على التفسير المشهور بالمخالفة المتحققة بذلك و قد أجيب عنه بأنّ المفهوم منه إنّما هو توقّف التماس عليها مع أنّها قد وقعت مقيّدة بقبليّة التماس التي هي من الأمور الإضافيّة النسبيّة التي لا تتحقق إلا بالمتضايفين كما قرر في محله، و أيضا إنّ ظاهر ذلك الصحيح و غيره مما ورد بمعناه أنّ جواز المس متوقف على التكفير فمتى لم يفعل لم يستقر عليه و إنّما يكون شرطا في جواز المس و هو المراد من الوجوب غير المستقر لا الوجوب بالمعنى المتعارف فما لم يحصل التماس لا يثبت الوجوب، و ذلك هو المراد من الوجوب غير المستقر قطعا و لا يرد ما قيل من أنّه يلزم من هذا عدم وجوبها لأنّ الواجب هو الذي لا يجوز تركه إلا إلى بدل و هذه الكفّارة قبل المسيس يجوز تركها مطلقا حيث يعزم على عدم المسيس إمّا مطلقا أو مع فعل ما يرفع الزوجيّة و يترتّب على ذلك أنّه لو أخرجها قبل المسيس لا تجزي لأنّها لم تجب و لأنّ نيّة الوجوب بها غير مطابقة و هذا المعنى الذي أطلقتموه عليه غير الوجوب بالمعنى المتعارف بل هو بالشرط أشبه لأنّ الأمر كما ذكروا إطلاق الوجوب عليها بهذا المعنى مجازي و لهذا قد نبهّوا عليه بقولهم «أنّه بمعنى تحريم الوطي حتى يكفّر» فهي شرط في جواز الوطي و إطلاق الواجب على الشرط من حيث أنّه لا بدّ منه في صحّة المشروط مستعمل كثيرا و منه وجوب الوضوء للصّلاة المندوبة و وجوب الترتيب في الأوّلين بمعنى الشرطيّة فيهما و أمّا نيّة الوجوب بالكفارة فجاز إطلاقها بهذا المعنى لأنّ

30

نيّة كلّ شيء بحسبه و لم نعتبر نيّة الوجه كما حققناه في أبواب العبادات لعدم الدليل عليه تخلّصا من الإشكال.

و تحريم الوطي بالظهار مما لا خلاف فيه

و في إلحاق تحريم ما دون الوطي كالقبلة و اللمس به قبلها قولان للاختلاف في تفسير المسيس في أنّه هل هو كناية عن الجماع أو عن كلّما استلزم المس و المباشرة لأنّه مماسّة حقيقة فيكون كناية عن جميع الاستمتاعات المحرمة على غير الزوج فبعضهم أخذ بالأوّل لأن المسيس في قوله تعالى مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّٰا حقيقة في تلاقي الأبدان لغة و الأصل عدم النقل و الاشتراك.

و قال بعضهم بالثاني لأنّ المسيس يطلق على الوطي في قوله تعالى مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ و الأصل في الإطلاق الحقيقة و أجيب باستلزامه النقل أو الاشتراك إذ لا خلاف في عموم معناه لغة فجاز استعماله في بعض أفراده مجازا و هو أولى منهما و كثيرا ما يعدل في القرآن عمّا يستهجن التصريح به إلى المجاز لذلك، و لأنّ مقتضى تشبيهها بالأم كون تحريمها على حدّ تحريمها إلى أن يكفّر، و هو متناول لغير الوطي من ضروبه، و يشكل بأنّ ذلك يقتضي تحريم النظر بشهوة و الآية لا تدل عليه و ظاهر بعض الأصحاب أنّه غير محرّم لعدم الدليل عليه و أنّ الكلام فيما له مدخل في مفهوم التماس لغة من ضروب الاستمتاع و بأنّها لم تخرج عن ملك الاستمتاع بالظهار فأشبه الصوم و الحيض و استصحاب الحل فيما عدى موضع الوفاق هو الوجه.

و أعلم أنّ تحريم المرأة شرعا تارة يختص بالوطي كحالة الحيض و الصوم و تارة يعم كحالة الإحرام و الاعتكاف و تارة وقع فيه الخلاف كحالة الاستبراء للأمة أو الظّهار و استمتاع المالك بالجارية المرهونة.

31

و ما استوجهناه من الجواز في الظّهار يمكن الاستدلال عليه بصحيحة الكنّاسي قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل ظاهر من امرأته ثمّ طلّقها تطليقة؟ فقال: إذا طلّقها تطليقة فقد بطل الطلاق و هدم الطلاق الظّهار قال: قلت: فله أن يراجعها؟ قال: نعم هي امرأته فإن راجعها وجب عليه ما يجب على المظاهر قبل أن يجامعها قلت: فإن تركها حتى يخلو أجلها و تملك نفسها ثمّ تزوّجها بعد هل يلزمه الظّهار قبل أن يمسّها؟

قال: لا قد بانت منه و ملكت نفسها، قلت: فإن ظاهر منها و لم يمسّها و تركها لا يمسّها إلا أنّه يراها متجردة من غير أنّ يمسّها هل يلزمه من ذلك شيء؟ فقال: «هي امرأته و ليس بمحرّم عليه مجامعتها و لكن يجب عليه ما يجب على المظاهر قبل أنّ يجامعها» و هي كما ترى ظاهر فيما قلناه و أنّ الجماع ليس بمحرّم مطلقا و إنّما المحرّم عليه إيقاعه قبل الكفّارة.

و أمّا المقدمات فلا مدخل لها في ذلك لأنّ المسيس المراد منه الجماع

[لو واقع قبل الكفّارة لزمته كفارتان]

و على كلّ حال لو واقع قبل الكفّارة لزمته بفعله كفارتان عقوبة على تلك المخالفة في المشهور للصحيحين المرويين عن الحلبي و أبي بصير و غيرهما من الأخبار كخبر الحسن بن زياد الصيقل و حسن حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و لم يذكروا هنا خلافا إلا للإسكافي ف أوجب واحدة خاصة ل إطلاق الآية و خصوص الحسن الذي رواه الحلبي و غيره و هو خبر زرارة حيث قال: في الأوّل سألت أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل ظاهر امرأته ثلاث مرّات؟ قال: يكفّر ثلاث مرّات قلت: فإن وقع قبل أن يكفّر؟ قال: يستغفر اللّه و يمسك حتى يكفّر.

و في الثاني عن أبي جعفر (عليه السلام): إنّ الرجل إذا ظاهر من

32

امرأته ثمّ غشيها قبل أن يكفّر فإنّما عليه كفّارة واحدة و يكف عنها حتى يكفّر.

و في خبر للصيقل أيضا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يظاهر من امرأته؟ قال: فليكفّر قلت: فإن واقع قبل أنّ يكفّر؟

قال: أتى حدا من حدود اللّه عزّ و جلّ فليستغفر اللّه و ليكف حتى يكفّر.

و حمل الإسكافي أخبار التعدد على الاستحباب جمعا بينها و بين تلك الأخبار الدالة على الاتحاد و هو ممكن لأنّ الأخبار المذكورة فيها إشعار بعدم الوجوب حيث أنّه لم يفته بالتعدّد إلا بعد معاودة و مراجعة لقوله في صحيحة الحلبي قلت: إن أراد أنّ يمسّها؟ قال: لا يمسّها حتى يكفّر قلت: فإن فعل فعليه شيء؟ قال: إي و اللّه إنّه لآثم ظالم قلت:

عليه كفّارة غير الأولى؟ قال: نعم يعتق أيضا رقبة.

و الشيخ في كتابي الأخبار قد حمل أخبار الواحدة في مقام الجمع بينها و بين أخبار التعدد على حالة الجهل لعدم العقوبة لمعذوريّة الجاهل.

و للصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «الظّهار لا يكون إلا على الحنث فإن حنث فليس له أنّ يواقع حتى يكفّر فإن جهل و فعل كان عليه كفّارة واحدة» و ليس ببعيد.

و قد حمل صحيحة زرارة قال: قلت: لأبي عبد اللّه (عليه السلام) رجل ظاهر ثمّ واقع قبل أن يكفّر؟ فقال: له أو ليس هكذا يفعل الفقيه.

و خبره أيضا قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) إنّي ظاهرت من أم ولدي ثمّ وقعت عليها ثمّ كفرت؟ فقال: «هكذا يصنع الرجل الفقيه إذا واقع كفّر» على ما لو كان الظهار مشروطا بالمواقعة فإنّ الكفّارة لا تجب بعد

33

الوطي فلو أنّه كفّر قبل الوقت لما كان مجزيا عما يجب عليه بعد الوطي و لكان يلزمه كفّارة أخرى عليه و ليس ذلك إلا بالمواقعة و لا يخفى عليك بعد هذه المحامل إلا ما نذر منها.

فالأولى حمل هذين الخبرين على التّقيّة نعم لو علّقه على الوقاع لكان الأمر كذلك كما دلّت عليه أخبار أخر.

مثل صحيح حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: الظّهار ظهاران فإحداهما أن يقول «أنت عليّ كظهر أمّي» ثمّ يسكت فذلك الذي يكفّر قبل أنّ يواقع فإذا قال «أنت عليّ كظهر أمي إن فعلت كذا و كذا» ففعل و حنث فعلية الكفّارة حين يحنث.

و صحيح البجلي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: الظّهار ضربان أحدهما فيه الكفّارة قبل المواقعة و الآخر بعدها و الذي يكفّر قبل المواقعة الذي يقول «أنت عليّ كظهر أمي» و لا يقول «إن فعلت بك كذا و كذا» و الذي يكفّر بعد المواقعة هو الذي يقول «أنت عليّ كظهر أمّي إن قربتك» و لا ريب في عدم التعدد مع الجهل و النسيان و هذا لمكان المعذوريّة فلا تجب به الكفّارة و اختلف في تكرر الكفّارة بتكرر الوطي و الأكثر على تكررها للنصوص المستفيضة الواردة في خصوص المسألة و الأخبار الدالة على لزوم الكفّارة بالوطي و بالعزم عليه قبل أن يوطئ و خصوص بعضها.

ف منها الحسن المروي عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا واقع المرّة الثانية قبل أن يكفّر فعليه كفّارة أخرى» و ليس في هذا اختلاف و لم ينقلوا هنا خلافا إلّا لابن حمزة في الوسيلة فيما إذا لم يكفّر عن الأوّل قبل إيقاع الثاني فإنّها لا تتكرر إلّا

34

بتخلّل الكفّارة بينهما بل يقع التداخل و النص المذكور و إطلاق الأخبار التي أشرنا إليها حجّة عليه فلا يقابل النصّ بالاجتهاد و الاعتبار كيف و قد قال (عليه السلام): «ليس في هذا اختلاف».

و يؤيّده أنّ كلّ واحد سبب للكفّارة و الأصل عدم تداخل المسبّبات عند تعدد الأسباب و هل تتكرر بتكرر الظّهار و لو من امرأة واحدة؟

فيه خلاف و الأكثر نعم مطلقا سواء كان تراخى أحدهما عن الآخر أم لا و سواء تعدّد المشبّه بها أم لا و سواء اختلف المجلس أو لم يختلف للمعتبرة الدالّة بإطلاقها و عمومها على ذلك.

مثل صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال:

سألته عن رجل ظاهر من امرأته خمس مرّات أو أكثر؟ قال: قال عليّ (عليه السلام): مكان كلّ مرّة كفّارة.

و حسنة الحلبي عن الصادق (عليه السلام) قال: سألته عن رجل ظاهر من امرأته ثلاث مرّات قال: يكفّر ثلاث مرّات.

و موثق أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) فيمن ظاهر من امرأته خمس عشرة مرّة قال: عليه خمس عشرة كفّارة.

و خبر أبي الجارود قال: سأل أبو الدرداء أبا جعفر (عليه السلام) و أنا عنده عن رجل قال لامرأته «أنت عليّ كظهر أمّي» مائة مرّة، فقال أبو جعفر (عليه السلام): يطيق لكلّ عتق نسمة؟ قال: لا، قال: فيطيق إطعام ستّين مسكينا مائة مرّة فقال: لا، قال: فيطيق صيام شهرين متتابعين مائة مرّة فقال: لا، قال: يفرّق بينهما.

و مرسل ابن المغيرة الصحيح ما قبله عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) فيمن ظاهر من امرأته خمس عشرة مرّة قال: عليه خمس عشرة كفّارة.

35

و في صحيح لمحمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

سألته عن رجل ظاهر من امرأته خمس مرّات ثمّ ذكر مثل ما في صحيحه المتقدّم و إن كان قد أسنده فيه إلى قول علي (عليه السلام) و لم يسنده في هذا الصحيح.

و مثله خبره كما في الفقيه و قال الشيخ في المبسوط لا تتكرر الكفّارة بتكرر الظّهار إلّا بشرط تراخي أحدهما عن الآخر بحيث يكون بينهما مدّة أو تواليهما من غير أن يقصد به تأكيدا و إلّا يكن كذلك بحيث لا تراخي و لا توالي من غير قصد التأكيد، و إنّما قصد به التأكيد ف الكفّارة واحدة و ذهب الإسكافي في مختصره الأحمدي أنّ التكرر مشروط بشرط هو تعدد المشبّه بها كالأم و الأخت و نحوهما إلا أن يتخلّل التكفير بينهما ف تتكرر مطلقا لمكان التكفير في جميع مراتبه.

و ربما قيل أنّه لا تتكرر إلّا بشرط اختلاف المجلس بحيث يقع الثاني في مجلس غير الأوّل و هذا القول نقله الشيخ في المبسوط عن بعض علمائنا و لم ينبّه على قائله و قد استوجهه شهيد المسالك.

و قد استؤنس له في الاستدلال ب الخبر الدال على الاكتفاء بالواحدة إذا تكررت في المجلس الواحد و هو خبر عبد الرحمن بن الحجّاج عن الصادق (عليه السلام) في رجل ظاهر من امرأته أربع مرّات في مجلس واحد قال: عليه كفّارة.

و الشيخ قد حمل هذا الخبر على أنّ عليه كفّارة واحدة في الجنس لا تختلف كما تختلف الكفارات فيما عدا الظّهار، و ليس المراد أنّ عليه

36

كفّارة واحدة عن المرّات الكثيرة.

و لا يخفى بعد هذا التأويل في الغاية، و الذي ينبغي في هذا المقام بل في مقام الجمع بين هذه الأخبار أنّ يؤيّد ما ذهب إليه هذا القائل بحمل أخبار القول الأوّل بإطلاقها و تقييد خبر ابن الحجّاج على اختلاف المجلس كما استوجهه ثاني الشهيدين في المسالك.

و بالجملة فأقوى الأقوال مذهب الأكثر لتعدد أخباره و صراحتها و صحّة أسانيدها و إن كان هذا التأييد الأخير لا بأس به، و أمّا بقيّة الأقوال فلا مستند لها من الأخبار إلا أنّه إذا قصد التأكيد لم يوجب التعدّد مطلقا حيث أنّه لم يقصد ظهارا آخر و تقييد إطلاق تلك الأدلة به ليس ببعيد و لو ظاهر من نساء متعددة أزواج أو مماليك أو مختلفة بلفظ واحد ففي وجوب التعدّد بذلك في الكفّارة خلاف و هو قولان أشهرهما بين الأصحاب ذلك التعدد لوجود الظّهار في حقّهن لكلّ واحدة واحدة و إن كان اللفظ متحدا لأنّه يوجب الاشتراك في الظّهار و هو ما يوجب الكفّارة بالنص و الفتوى.

و للحسن المروي عن حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أو أبي الحسن (عليه السلام) في رجل كان له عشر جوار فظاهر منهنّ كلّهن جميعا بكلام واحد فقال: عليه عشر كفّارات.

و للحسن الآخر عن صفوان قال: سأل الحسين بن مهران أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن رجل ظاهر من أربع نسوة قال: يكفّر لكلّ واحدة منهن كفّارة، و سأله عن رجل ظاهر من امرأته و جاريته ما عليه؟

قال: عليه لكلّ واحدة منهما كفّارة عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستّين مسكينا.

37

و هذا الخبر من الحسن بإبراهيم بن هاشم و ليس من غيره كما توهمه عبارة المصنّف لأن قوله فيه عن صفوان قال: سأل الحسين بن مهران أبا الحسن الرضا (عليه السلام) لا يخرجه عن الحسن لاحتمال عدم المشافهة لسؤاله أو عدم نقل الثقة لأن ظاهر هذا الكلام القطع بسؤال الحسين للرضا (عليه السلام) فلا يعد في الضعيف لهذا التوهم و الاحتمال و إلّا لجرى هذا الاختلال في كثير من الصحاح المرويّة عن الآل و لم يذكر الأصحاب هنا خلافا إلّا للإسكافي و هو القول المقابل لقول المشهور مستندا في الوحدة إلى الاعتبار المجرد لأنّها كلمة واحدة تقتضي مخالفتها الكفّارة سواء تعلّقت بواحدة أو أكثر و ذلك لأنّ الظّهار كاليمين عنده و للخبر الذي رواه الصدوق في الفقيه و الشيخ في التهذيب في الموثق عن غياث بن إبراهيم عن جعفر بن علي (عليه السلام) في رجل ظاهر من أربع نسوة قال: عليه كفّارة واحدة.

و قد حمله الشيخ في التهذيبين على الوحدة الجنسيّة بمعنى أنّه لا يجب لبعضهن العتق و لبعضهن الصوم أو الإطعام و بعده غير خفيّ، فالأولى حمله على التّقيّة لأنّه من مشهورات أقوال العامة.

و أما قول المصنّف في الوافي بعد ذكره لجمع الشيخ في كلّ من المسألتين: و الأولى أن يقال في كلّ من المسألتين روايتان أو يحمل إحداهما في كلّ منهما على التّقيّة ففيه من الإيهام و الاشتباه في كلّ من الجانبين مما لا يخفى لأنّ رواية غياث بن إبراهيم لا تعارض الحسنين مع قربها من التّقيّة و لأنّ الظّهار ممّا غلّب فيه جانب اليمين على الطلاق عندهم و لهذا عدّوه في صيغ اليمين.

[اختلف الأصحاب فيما لو علّق الظّهار بالوقاع]

و قد اختلف الأصحاب فيما لو علّق الظّهار بالوقاع بحيث

38

قال: «إن واقعتك فأنت عليّ كظهر أمّي» في أنّه هل يجب بوقاعه الأوّل الكفّارة أم لا فلا تجب تلك الكفّارة للظهار إلّا بعده حيث أنّ الظّهار معلّق إيقاعه على الوقاع فلا يتحقق إلّا بعده فلا تجب إلّا للوقاع الثاني و هذا مبني على جواز تعليقه كما مرّ و لم يذكر الأصحاب هنا خلافا إلّا للشيخ في كتابي الأخبار فأوجبها بنفس الوقاع الأوّل و لم يلتفت إلى التعليق و هو بعيد جدّا لأنّ الشيخ لم يجوّز التعليق فيه مطلقا فلا ينعقد الظّهار أصلا.

و على تقدير انعقاده معلّقا في هذه الصورة فلا يتحقق إلا بتحقق شرطه و لا تتحقق كفارته إلّا بعد تحققه إذا واقع.

و قد دلّت عليه أخبار عديدة أشرنا فيما سبق إلى بعضها، فمنها:

صحيح البجلي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، و منها: صحيح حريز، و منها: صحيح البجلي الآخر حيث قال في الأوّل: الظّهار ضربان أحدهما فيه الكفّارة قبل المواقعة و الآخر بعدها و الذي يكفّر قبل المواقعة الذي يقول «أنت عليّ كظهر أمّي» و لا يقول: «إن فعلت بك كذا و كذا» و الذي يكفّر بعد المواقعة هو الذي يقول «أنت عليّ كظهر أمّي قربتك».

و مثله الصحيحان الآخران و قد عمل بهذه الأخبار الشيخ في التهذيبين من صحّة الظهارين و أوجب الكفّارة فيهما قبل المواقعة، و قد ضعّفه المصنّف في الوافي فقال بعد ذلك: و الأولى أن يحمل مثل هذه الأخبار على التّقيّة فكأنّه (عليه السلام) قال: الظّهار ظهاران صحيح و فاسد، و أمّا قوله: فعليه الكفّارة بعد المواقعة يعني به على رأي المخالف.

و قد جاء في موثقة البجلي قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: إذا حلف الرجل بالظّهار فحنث فعليه الكفّارة قبل أن يواقع فإن

39

كان منه الظّهار في غير يمين فإنّما عليه الكفّارة بعد ما يواقع و هو خلاف الأخبار المتكثّرة.

و قد ردّه محدّث الكافي نقلا عن معاوية بن حكيم الراوي لهذا الخبر لأنّ أصحابنا رووا أنّ الأيمان لا يكون إلّا باللّه و كذلك نزل به القرآن، فالخبر يجب حمله على تقدير صحّته على التّقيّة لموافقته لمذهب العامة في المسألتين معا و لا تسقط هذه الكفّارة ب إيقاع الطلاق بعد الظّهار و ذلك لبقاء أثره بإيقاع الرجوع بعد الطلاق لأنّها ما دامت في العدّة الرجعيّة فهي زوجة.

نعم إذا تركها إلى أن تخرج من حباله ثمّ تزوّجها بعقد جديد بعد البينونة منه كان ذلك نكاحا جديدا لم يتعلّق به الظّهار و إنّما تعلّق بالنكاح الذي قد أزيل بالطلاق مع الخروج من العدّة ف سقطت الكفّارة عند الأكثر للصحيح المروي عن جميل بن درّاج كما في الفقيه و من الحسن كما في الكافي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و قد سأله عن الظّهار قال: قلت: فإن طلّقها قبل أن يواقعها أ عليه كفّارة؟ قال:

لا، سقطت الكفّارة عنه.

و مثله حسن جميل و ابن بكير و حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: المظاهر إذا طلّق سقطت عنه الكفّارة إلّا أنّ هذا الطلاق لا يكون مسقطا لها إلا بعدم المراجعة كما في الصحيح المروي عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل ظاهر من امرأته ثمّ طلّقها قبل أن يواقعها فبانت منه أ عليه كفّارة؟ قال: لا.

و صحيح الخرّاز عن بريد الكناسي قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل ظاهر من امرأته ثمّ طلّقها تطليقة، فقال: إذا طلّقها

40

تطليقة فقد بطل الظّهار و هدم الطلاق الظّهار قال: فقلت له: فله أن يراجعها؟ قال: نعم هي امرأته فإن راجعها وجب عليه ما يجب على المظاهر من قبل أن يتماسّا قلت: فإن تركها حتى يخلو أجلها و تملك نفسها ثمّ تزوّجها بعد هل يلزمه الظّهار قبل أن يمسّها؟ قال: لا، قد بانت منه و ملكت نفسها- الحديث.

و صحيح الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يظاهر من امرأته يريد أن يتم على طلاقها قال: ليس عليه كفّارة قلت: إن أراد أن يمسّها قال: لا يمسّها حتى يكفّر.

و في صحيح معاوية بن عمّار عن أحدهما (عليهما السلام) قال:

سألته عن رجل ظاهر من امرأته ثمّ طلّقها قبل أن يواقعها عليه كفّارة؟

قال: لا.

و لم يذكروا هنا خلافا إلّا لأبي الصلاح الحلبي و لسلّار الديلمي فأوجبا الكفّارة أيضا بالنكاح الثاني بعد البينونة بالأولى للحسن الذي رواه علي بن جعفر بل الصحيح على الصحيح عن أخيه موسى (عليه السلام) عن رجل ظاهر من امرأته ثمّ طلّقها بعد ذلك بشهر أو شهرين فتزوّجت ثمّ طلّقها الذي تزوّجها فراجعها الأوّل هل عليه فيها الكفّارة للظهار الأوّل؟ قال: نعم عتق رقبة أو صوم أو صدقة و هو على ما فيه من الإجمال في الصدقة و الصوم و كونه على سبيل التخيير بينها حمله على الاستحباب ممكن و إن كان الأولى ما ذهب إليه الشيخ في التهذيبين من حمله على التّقيّة و اختاره المصنّف في الوافي لأنّه مذهب العامة.

و كذا يجب حمل كلّ خبر وافقه في هذا المضمون و كذا

41

الحكم المذكور ثابت في الأمة لو ملكها المظاهر بعد المظاهرة بل هذا أولى بالسقوط لاختلاف جنس الحلّية لكون الأوّل بالتزويج و الثاني بالملك إلّا أنّ المسألة غير منصوصة بالخصوص.

و هذه المسألة موردها فيما إذا كانت الزوجة المظاهر منها أمة فابتاعها الزوج المظاهر من مولاها فإنّه يبطل العقد لما تقدّم من أنّ البضع لا يستباح بسببين، و السبب الطارئ أقوى و العقد لا يجامع ملك اليمين فزال التحريم المرتّب على العقد و استباحها بالملك و في معناه ما لو اشتراها غيره ثمّ فسخ النكاح و زوّجه إيّاها بعقد مستأنف و لا تتوقف صحة العقد على الاستبراء و لا الاعتداد لأنّ الماء لواحد، و مثله ما لو طلّقها بائنا ثمّ تزوّجها في العدّة و بهذا تحصل الحيلة على إسقاط حكم الظّهار بغير تكفير و لو قلنا بوقوعه بملك اليمين فظاهر من أمته ثمّ باعها من غيره بطل حكم الظّهار فإن اشتراها منه لم يعد كما لو طلّق بائنا ثمّ تزوّجها و أولى منه ما لو أعتقها ثمّ تزوّجها لاختلاف السبب كما مرّ و لو ظاهر زوجته الأمة و عاد ثمّ قال لمالكها: «أعتقها عن ظهاري» ففعل وقع عتقها عن كفارته و انفسخ النكاح بينهما و لو ظاهر من زوجته الذمّية و عاد ثمّ نقضت المرأة العهد فاسترقت فملكها الزوج و أسلمت فأعتقها عن كفّارة ظهاره أو غيرها جاز.

مفتاح [793] في ذكر أحكام كفّارة الظهار

ثمّ إنّ المصنّف قد أتبع هذا المفتاح ب مفتاح قد بيّن فيه بقيّة أحكام الكفّارة حيث قد مضى بيان تلك الكفّارة و أحكامها في مفاتيح الصيام و حينئذ نقول هنا في استدراك بقيّة أحكامها

[بطلان التتابع في صيام الشهرين في هذه الكفّارة]

إن

42

المشهور بين الأصحاب حتى كاد يكون إجماعيّا بطلان التتابع في صيام الشهرين في هذه الكفّارة بالوطي من المظاهر سواء وقع نهارا أم ليلا قبل مضي شهر و يوم أم بعده و إنّما خالف فيه محمد بن إدريس الحلّي في السرائر فلم يبطله به و إن أثم بفعله فيتمّ صومه و عليه بعد ذلك كفّارة أخرى للوطي حيث فعله قبل أن يكفّر و هذا هو القول الأصح وفاقا ل لعلامة في القواعد و للشهيد الأوّل في الدروس لانطباق الأخبار عليه لصدق المجامعة منه قبل التكفير فلا يبطل ذلك الجماع هذه الكفّارة إلّا إذا وقع نهارا عامدا و لا فرق في وجوب تقديم الكفّارة المتّفق عليها بين خصالها الثلاث لعموم تلك النصوص التي قد سمعتها و أنّه متى جامع قبل تحققها وجبت عليه كفارتان و ذلك يكون تحقيقا للبدليّة حيث أنّ كفّارة الظّهار مرتبة و لم يذكر الأصحاب هنا خلافا لأحد إلّا للإسكافي في الإطعام حيث يكون فرضه لعدم اشتراط القبليّة فيه في صريح الآية بخلاف الصوم و العتق أخويه و هو استدلال ضعيف لأنّ الآية قد فسرتها الأخبار بوجه عام في جميع خصال الكفّارة و لهذا أمرت الأخبار الحاكية لنزول الآية أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أمر ذلك بالصدقة و الإطعام حتى يجامع ثمّ أنّه إذا عجز عن الخصال الثلاث و إبدالها من الصوم ثمانية عشر يوما كما هو مختار الشيخ في الفقيه أو يتصدّق بما يطيق كما عليه ابنا بابويه أو يصوم ثمانية عشر يوما فإن عجز تصدّق عن كلّ يوم بمدّين من طعام.

و يدل على الأوّل خبر أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) قال:

سألته عن رجل ظاهر من امرأته فلم يجد ما يعتق و لا ما يتصدق و لا يقوى

43

على الصيام قال: يصوم ثمانية عشر يوما لكل عشرة مساكين ثلاثة أيّام.

و أمّا التصدّق بما يطيق فلم يأت في كفّارة الظّهار، و إنّما جاء في كفّارة شهر رمضان كما في صحيح عبد اللّه بن سنان، و قد مرّ ذلك كلّه محقّقا.

و بالجملة: أنّه لا يجب عليه سوى الاستغفار ف يحل له بعده المجامعة فإنّ البدليّة فيه متحقّقة للأخبار الكثيرة الدالة بعمومها و خصوصها كما مرّ لكن في الاجتزاء به في الظّهار مع سقوط الكفّارة رأسا أم مع وجوبها إذا وجد و قدر عليها بعد أم تحريمها عليه حتى يجد و يكفّر؟ خلاف قد انتهى إلى أقوال ثلاثة:

(أوّلها) ما ذكره المصنّف من إجزاء الاستغفار مطلقا و هو مذهب ابن إدريس في السرائر، (و ثانيها) للشيخ و هو إجزاء الاستغفار بعد العجز لكن تجب الكفّارة بعد القدرة، (و ثالثها) للشيخ أيضا، و المفيد و ابن الجنيد و هو أنّه لا بدل لها أصلا، بل يحرم عليه وطئها إلى أن يؤدي الواجب منها و هذا هو الذي يقتضيه نصّ القرآن.

إلّا أنّ هذه الأقوال لها أخبار بالخصوص لكنها غير نقيّة السند في الاصطلاح الجديد و إن كانت صحيحة باصطلاح القدماء إلّا أنّ أقربها و أحوطها الأخير و هو استمرار التحريم حتى يجد السبيل إلى الكفّارة أخذا بظاهر القرآن كما سمعت.

و حديث سلمة بن صخر المروي من الفريقين حيث أمره النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بالخصال و أمره مع إقراره بالعجز أن يأخذ من الصدقة و يكفّر و لو كان الاستغفار للعاجز كافيا لأمره به و حيث لم يأمره بالاستغفار مع عجزه عن غيره لم يكن واجبا.

44

و صريح الخبر الذي رواه أبو بصير عن الصادق (عليه السلام) و هو مروي في التهذيب من الصحيح و لكن المصنّف نقله من الكافي و فيه ضعف و إرسال قال: كلّ من عجز عن الكفّارة التي تجب عليه من صوم أو عتق أو صدقة في يمين أو نذر أو قتل أو غير ذلك ما يجب على صاحبه فيه الكفّارة فالاستغفار له كفّارة ما خلا يمين الظّهار ف إنّه إذا لم يجد ما يكفّر حرمت عليه أن يجامعها و فرّق بينهما إلّا أن ترضى المرأة بأن يكون معها و لا يجامعها و احتج العلّامة في المختلف للاجتزاء بالاستغفار بعد العجز عن الخصال الثلاث بأصالة براءة الذمة و إباحة الوطي و إيجاب الكفّارة مع العجز تكليف بغير المقدور فيكون مدفوعا و بمعتبرة إسحاق بن عمار عن الصادق (عليه السلام) قال: إنّ الظّهار إذا عجز صاحبه عن الكفّارة فليستغفر ربه و لينو أن لا يعود قبل أن يواقع ثمّ ليواقع و قد أجزي ذلك عنه من الكفّارة فإذا وجد السبيل إلى ما يكفّر به يوما من الأيام فليكفّر و إن تصدّق بكفّه و أطعم نفسه و عياله فإنّه يجزيه إذا كان محتاجا و إن لم يجد ذلك فليستغفر ربّه و ينوي أن لا يعود فحسبه ذلك و اللّه كفّارة.

و أجيب عن ذلك بأنّ أصالة البراءة و إباحة الوطي انقطعا بالظهار فإنّه حرم الوطي بإجماع المسلمين و أوجب الكفّارة مع العود فإسقاطهما بعد ذلك يحتاج إلى الدليل، و من العجب من هذا الفاضل مثل هذا الاستدلال.

و أمّا الرواية المعتبرة فهي لا تخلو من اضطراب في الدلالة لتضمّن صدرها وجوب الكفّارة إذا قدر عليها بعد الاستغفار و آخرها عدمه مع كون العمل بمضمونها موقوفا على قبول الموثق خصوصا مع معارضة

45

القرآن و ما هو أقوى سندا و دلالة و هو صحيح أبي بصير المتقدّم، و العلامة كالشيخ لا ينضبط مذهبه في العمل بالرواية الموثقة ففي أصول الفقه اشترط في الراوي الإيمان و العدالة و في فروع الفقه له آراء متعدّدة فمنها قبول الموثق كما هنا بل ما هو بأدنى مرتبة منه.

و قد احتج الشيخ على إيجاب ثمانية عشر يوما بدلا مع العجز عن الخصال الثلاث بخبر وهب بن حفص عن أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) قال: سألته عن رجل ظاهر من امرأته فلم يجد ما يعتق و لا ما يتصدّق و لا يقوى على الصيام؟ قال: يصوم ثمانية عشر يوما لكلّ عشرة مساكين ثلاثة أيام.

و قد تقدّم الكلام على هذه الرواية و قد ضعّف سندها بوهيب و اشتراك أبي بصير و الجواب عن هذا التضعيف أيضا، و أمّا ما قيل في جوابه أنّ إثبات بدل الواجب للآية بنصّ متأخّر يوجب النسخ فضعيف على ما حقّق في محلّه، و أمّا بقيّة الأقوال فليس عليها دليل يعتدّ به.

و اعلم أنّ المراد بالاستغفار في هذا الباب و نظائره أن يقول: «أستغفر اللّه» مقترنا بالتوبة التي هي الندم على فعل الذنب و العزم على ترك المعاودة إلى الذنب أبدا و لا يجزيه اللفظ المجرّد عن ذلك، لأنّ اللفظ إنّما جعله الشارع كاشفا عمّا في القلب كما جعل الإسلام باللفظ كاشفا عن القلب و اللفظ كاف في البدليّة ظاهرا.

و أمّا فيما بينه و بين اللّه تعالى فإن كان لم يقترن بالتوبة التي هي من الأمور الباطنة لم يترتّب عليه أثر فيما بينه و بين اللّه تعالى بل كان الوطي معه كالوطي قبل التكفير فتجب عليه كفّارة أخرى في نفس الأمر و إن لم يحكم عليه بها ظاهرا.

46

مفتاح [794] في ذكر حكم الزوج بعد الظّهار]

ثمّ إنّ المصنّف أتبع هذا المفتاح ب مفتاح جعله كالخاتمة لهذا القول في بيان حكم المظاهر إن لم يرد الوقاع و لم تصبر المرأة على عدمه فإنّه إذا كان كذلك ترك ثلاثة أشهر بعد المرافعة للحاكم الشرعي فإن فاء و جامع وجب عليه ما يجب على المجامع في الظّهار من التكفير أوّلا و إلّا خيّر بين التكفير و الرجعة إليها أو الطلاق كذا في الخبر الذي رواه أبو بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل ظاهر من امرأته قال: إن أتاها فعليه عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستّين مسكينا و إلّا ترك ثلاثة أشهر فإن فاء و الّا أوقف حتّى يسأل: أ لك حاجة في امرأتك أو تطلقها» فإن فاء فليس عليه شيء و هي امرأة و إن طلّق واحدة فهو أملك برجعتها.

و قد زاد عليه الأصحاب في الفتوى لو امتنع بعد التخيير عنهما التضييق في المطعم و المشرب كما وقع في الإيلاء بعد الأربعة و يلزم بذلك حتى يختار أحدهما و جعلوا ابتداء المدّة المضروبة و هي الثلاثة الأشهر من حين المرافعة إلى الحاكم و لم يذكروا فيه خلافا بل ظاهرهم الاتّفاق على هذا الحكم و قد استشكله الشهيد الثاني في المسالك من جهة هذا الإطلاق بما إذا لم يفت شيء من حقوقها كما إذا رافعته للحاكم الشرعي عقيب الظّهار بلا فصل بحيث لا يفوت لها الواجب من الوطي بعد المدّة المضروبة حيث لم تمض الأربعة

47

الأشهر المضروبة لوجوب الجماع عليه لها فلا حقّ لها مناسب لهذا المقام سوى الجماع فإنّ سائر الحقوق للزوجة غير مناف للظهار و هو كلام متين واقع في محلّه و الرواية المذكورة ضعيفة السند و الأخذ بإطلاقها مشكل مع أنّها مجملة الإحكام إذ لا تعرّض فيها لتلك المرافعة و لا لابتداء تلك المدّة فإن صحّ الإجماع المذكور فهو الحجّة عند كلّ من قال بحجيّة الإجماع و إلّا فلا.

و بالجملة فهذا الحكم من الأحكام المشهورة بين أصحابنا فهو الجابر لضعف الخبر و المكمّل لأحكامه المجملة، و أمّا قياس الظّهار على الإيلاء فلا يتم، و تخصيص إطلاق هذا الخبر بحمله على ما لو كانت هناك أربعة أشهر حيث وقعت المرافعة بعد الظّهار بمدّة محصّلة للأربعة فمناف للفتوى أيضا و لظاهر الرواية.

القول في الإيلاء

و حيث قد انتهى القول في الظّهار شرع في القول في الإيلاء، و أصله اليمين مطلقا، و لكنه قد غلب شرعا على حلف الزوج الدائم على ترك وطي زوجته المدخول بها قبلا مطلقا أو زيادة عن أربعة أشهر للإضرار بها و هو من باب تسمية الجزئي باسم الكلي، و الأصل فيه ما قال اللّه عزّ و جلّ في كتابه لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسٰائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فٰاؤُ فَإِنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وَ إِنْ عَزَمُوا الطَّلٰاقَ فَإِنَّ اللّٰهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ و قد كان طلاقا في الجاهليّة كالظهار فغيّر الشارع حكمه و جعل له أحكاما خاصّة، فإن جمع شرائطه و إلّا فهو يمين يعتبر فيه ما يعتبر في اليمين، و يلحقه أحكامه.

48

ففي صحيح الحلبي كما في الفقيه و حسنه كما في الكافي قال:

سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يهجر امرأته من غير طلاق و لا يمين سنة لم يقرب فراشها؟ قال: ليأت أهله و قال: أيّما رجل آلى من امرأته و الإيلاء أن يقول: «لا و اللّه لا أجامعك كذا» و كذا يقول «و اللّه لأغيظنّك» ثمّ يغاضبها فإنّه يتربّص به أربعة أشهر ثمّ يؤخذ بعد الأربعة الأشهر فيوقف فإن فاء و الإيفاء أن يصالح أهله فإنّ اللّه غفور رحيم فإن لم يفيء جبر على أن يطلّق و لا يقع بينهم طلاق حتى يوقف و إن كان أيضا بعد الأربعة الأشهر يجبر على أن يفي أو يطلّق.

و في قوله: «و لا يقع بينهما طلاق حتى يوقف» أنّها لا تصير مطلّقة بمجرد الإيلاء بل لا بدّ من إيقاف و تطليق حتى تبين منه، و الأخبار في تفسير الآية كثيرة و سنذكرها في مضامين الأحكام لتكفّلها بها فلا حاجة إلى ذكرها هنا، و لهذا اكتفينا بذكر هذا الصحيح في بيان معناها.

مفتاح [795] [في ذكر تعريف الإيلاء]

و قد بدأ من هذا القول ب

[الإيلاء هو الحلف على ترك الوطي للزوجة]

مفتاح في بيان معني الإيلاء و هو كما سمعت الحلف من الزوج على ترك الوطي للزوجة و ما جرى مجراها من المتمتّع بها و ملك اليمين بالشرائط المخصوصة الآتي ذكرها مفصّلة و حيث أنّه يمين خاصة لا ينعقد إلّا ب ما تنعقد به اليمين من أسماء اللّه سبحانه لأنّه لا إشكال في أنّه ضرب من اليمين بقول مطلق، و قد غلب الإيلاء عليه، و قد سمعت في مباحث اليمين تلك الأسماء و يشترط مع ذلك التلفّظ به بأيّ لغة كانت

49

فلا يجزي غير اللفظ و لا بدّ مع ذلك من القصد إلى الإيلاء لأنّ العقود و الإيقاعات تابعة للقصود و إنّما أجزأ مطلق اللغات لاشتراكها في إفادة المعنى المقصود فلا تكفي النيّة من دون التلفّظ و لا العكس و هو مجرّد التلفظ بغير نيّة و قصد.

و كذا يشترط أن يكون اللفظ صريحا في متعلقة لغة كالإيلاج في الفرج أو عرفا كاللفظة المشهورة في ذلك ك«لا جامعتك» بصيغة الماضي أو «لا أجامعك» بصيغة المضارع مرادا به الحال و كذا «لا وطأتك و لا أدخلت فرجي في فرجك» و نحو ذلك من الصيغ الصريحة و لو عرفا فهذا مما لا خلاف فيه.

أمّا لو لم يكن صريحا مثل لا أجمع رأسي و رأسك في مخدّة بكسر الميم و فتح الخاء سمّيت بذلك لأنّها موضع الخدّ عند النوم أو نحو ذلك في عدم الصراحة ك «لا ساقفتك» بمعنى «لا أجتمع أنا و أنت تحت سقف» فهو مشتقّ من السقف كلّ ذلك مع النيّة و القصد ف هو موضع خلاف بين الأصحاب ففيه قولان الانعقاد و عدمه و المشهور العدم و هو قول الشيخ في الخلاف و ابن إدريس و العلامة لاحتمال هذه الألفاظ لغيره احتمالا ظاهرا فلا يزول بها الحل المتحقّق و لا ترتفع بها أصالته كما لا يقع الطلاق بالكنايات و إن قصده بها و الثاني مختار المبسوط و استحسنه المحقق و العلّامة في المختلف و هو ظاهر الحسن المروي عن بريد بن معاوية العجلي عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: إذا آلى الرجل أن لا يقرب امرأته و لا يمسّها و لا يجتمع رأسه و رأسها فهو في سعة ما لم تمض أربعة أشهر.

و في دلالته على الوقوع كما ادّعاه المصنّف و من حدي حدوه

50

نظر لاحتمال أن تكون الواو للجميع فيتعلّق الإيلاء بالجميع فلا يلزم تعلّقه بكلّ واحد فهي ليست بصريحة بل و لا ظاهرة مع أنّ توقفه على النيّة يدل على كونه كناية، و الكنايات لا تكفي عندنا مع أنّهم لم يجوّزوا غيرهما من الكنايات البعيدة في الإيلاء و إن نوى و كيف كان فلا ريب في وقوع اليمين بذلك و انعقادها به و أمثاله مع النيّة فيلحقه حكمه دون حكم الإيلاء و ذلك واضح لعموم اليمين فتقع حيث تستكمل شرائطها و إن لم يقع الإيلاء و كذا حكم سائر الألفاظ هنا حكم اليمين.

و في الحسن المتقدّم ذكره عن الحلبي كما في الكافي و هو من الصحيح كما في الفقيه و غيره كخبر أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: الإيلاء أن يقول: «لا و اللّه لا أجامعك» أو يقول «و اللّه لأغيظنّك» ثمّ يغاضبها، و في آخر و هو خبر بريد المتقدّم حيث قال فيه كما سمعت: إذا آلى الرجل أن لا يقرب امرأته و لا يمسّها و لا يجمع رأسه و رأسها فهو في سعة ما لم تمض أربعة أشهر.

و في حسنة بكير و العجلي عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام) أنّهما قالا: إذا آلى الرجل أن لا يقرب امرأته فليس لها قول و لا حقّ في الأربعة الأشهر و لا إثم عليه في كفّه عنها في الأربعة الأشهر.

و في صحيح الكناني قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل آلى من امرأته بعد ما دخل بها فقال: إذا مضت أربعة أشهر. و ساق الخبر إلى أن قال: و الإيلاء أن يقول لامرأته: «و اللّه لأغيظنّك و لأسؤنّك» ثمّ يهجرها و لا يجامعها.

و صحيح أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الإيلاء ما هو؟ فقال: هو أن يقول الرجل لامرأته: «و اللّه لا أجامعنّك كذا

51

و كذا» أو يقول: «و اللّه لأغيظنّك» و ظاهر هذه الأخبار بعد ضمّ بعضها إلى بعض هو أنّ المتيقّن من الإيلاء هو اللفظ الصريح و ما دلّ على الإكتفاء بدونه وقع تقيّة، إذ هو المشهور بينهم في الطلاق فضلا عن الإيلاء.

و قد اختلف الأصحاب في بعض شرائطه ك اشتراط تجريده عن التعليق على الشرط ففيه قولان و المشهور اعتبار هذا الشرط فلا يقع معلّقا كما تقدّم في نظائره و هو مذهب الشيخ في الخلاف و مذهب أتباعه و الحلّي و المحقّق و أحد قولي العلامة و قد نقل في الخلاف عليه الوفاق من الفرقة المحقّة مع أنّه في المبسوط ذهب إلى أنّ الأصح العدم كما مضى في نظائره لعدم الدليل عليه و للعموم و هو الذي استوجهه شهيد المسالك و العلّامة في المختلف قبله، و الظاهر أنّ الحامل للمتأخّرين على عدم القول به ما فهموه من أنّه إجماع و هو حجّة برأسه بخلاف ما هنا فإنّ الشيخ و إن ادعى الإجماع إلّا أنّ فساد هذه الدعوى أوضح القول بوقوعه، و الأخبار الخاصة مفقودة من الطرفين إلّا أنّ الأقوى عدم وقوعه معلّقا على شيء لأنّه عند تعليقه يقصد به اليمين كالظهار كما مرّ الكلام عليه.

[من شرائطه عندنا أن لا يقع إلّا في الإضرار]

و من شرائطه عندنا أن لا يقع إلّا في الإضرار فلو قصد به الإصلاح لم ينعقد فلا بدّ من قصد الإضرار بالمرأة بلا خلاف يعرف منّا للخبر الذي رواه السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

أتى رجل أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين إنّ امرأتي أرضعت غلاما و إنّي قلت: «و اللّه لا أقربك حتى تفطميه» قال: ليس في الإصلاح إيلاء.

و هذا الخبر و إن ضعف بالاصطلاح الجديد و ليس سواه في

52

الباب إلا أنّهم قد تلقّوه بالقبول لانجباره عندهم بالعمل و الشهرة بل بالإجماع فلو حلف المولى لصلاح اللبن حذرا من تطرّق الحمل فيفسده و نحوه كالمرض المانع من الجماع و ما يترتّب عليه من الغسل لم يقع إيلاء و كان كسائر الأيمان في الحكم كما هي القاعدة المقرّرة عند اختلال شرط من شرائط الإيلاء و كذا لو حلف أن لا يجامعها في الدبر كان يمينا لا إيلاء لعدم الإضرار فيه فلا ينعقد لعدم استكمال الشرائط حيث يكون مباحا و إلّا انعقد يمينا مطلقا لا إيلاء.

و بالجملة أنّه حيث يثبت الإضرار ينعقد إيلاء و حيث يكون فيه صلاح إنّما ينعقد يمينا و يشترط في انعقاده أيضا أن تكون المرأة المولى منها منكوحة بالعقد لا بالملك لظاهر قوله تعالى مِنْ نِسٰائِهِمْ فإنّ المراد بهنّ الأزواج و إن حملت في آية الظّهار على ما هو أعم لوقوع الخلاف في الإماء و إن كان الأقوى وقوع الظّهار بهنّ و لو بارتكاب المجاز لدلالة الأخبار هناك على ذلك فالاحتجاج بالآية ليس تامّا لأنّ التعبير بالنساء وقع هنا كما وقع في الظّهار فلا حجّة سوى الإجماع.

و ما رواه الحميري في قرب الإسناد في الصحيح عن البزنطي عن الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يولي من أمته فقال: لا كيف يولي و ليس لها طلاق.

و هذا الحديث مشعر بأن العلّة في انتفاء الإيلاء عن المملوكة هو عدم ترتّب الطلاق عليه حيث أنّه لا طلاق لها و الآية مشعرة بلزوم ترتّب الطلاق فينبغي الاحتجاج بالآية من هذه الجهة لا من حيث التعبير بالنساء، و كذا يشترط في المرأة أن تكون دائمة لأنّها المتبادر من النساء و لقوله بعده «وَ إِنْ عَزَمُوا الطَّلٰاقَ» و لا طلاق لها كما تقدّم و لعدم جواز