مبلغ النظر في حكم قاصد الأربعة

- السيد بحر العلوم المزيد...
102 /
333

[المدخل]

و قد صنّف الاستاذ الشريف (أدام اللّٰه سبحانه حراسته) في ذلك رسالة سمّاها «مبلغ النظر في حكم قاصد الأربعة من مسائل السفر» قد بلغ فيها أبعد الغايات نثر فيها من الفرائد ما رصّع به تيجان الفوائد فكانت بالنسبة إلى كتب القوم آية من الآيات، و قد انبأت عن بحر علمٍ موّاج لا ينتهي و لكلّ بحرٍ ساحل و سراج فضلٍ وهّاج أضاءت به علوم الأواخر و الأوائل، و ها أنا إذ أتلوها عليك و أهدي نور حدائق تلك التحقيقات إليك، فسرّح الطرف في رياضها و أورد قلبك الصادي من حياضها.

[أقوال العامة في المسافة الشرعية]

قال (دام ظلّه العالي) بعد الخطبة: أجمع عامّة الفقهاء عدا من شذّ من فقهاء العامّة على أنّ الترخّص في السفر بالقصر و الإفطار مشروط بمسافة محدودة يحصل منها النائي عن الوطن و ما في حكمه ممّا يجب فيه الإتمام و الصيام، فلا رخصة في القليل كالميل و الميلين و إن بلغ بكثرة التردّد مبلغ السفر.

و اكتفى داود (1) بمسمّى السفر و الضرب في الأرض و سوّى بين القليل و الكثير في ثبوت التقصير، و اختلف سائر الجمهور في تحديد المسافة، فذهب أبو حنيفة و أصحابه و الثوري و النخعي و ابن حي و سعيد بن جبير و سويد بن غفلة و ابن مسعود إلى أنّه (أنَّها خ ل) أربعة و عشرون فرسخاً هي اثنان و سبعون ميلًا مسيرة ثلاثة أيّام (2) بسير الإبل و مشي الأقدام لما رووه [1] (3) من «أنّ المقيم يوماً و ليلة

____________

[1] كذا وجد.

____________

(1) المجموع: في صلاة المسافر ج 4 ص 325.

(2) المبسوط للسرخسي: في صلاة المسافر ج 1 ص 235، و المجموع: في صلاة المسافر ج 4 ص 325.

(3) المبسوط للسرخسي: في صلاة المسافر ج 1 ص 235.

334

و المسافر ثلاثة أيّام بلياليها» [1] و هو مع بطلانه خلاف المطلوب، و المنقول عن أكثرهم (1) دخول الليالي كما في الخبر. و المراد ما يشمل الحلّ و الارتحال لا اتصال السير ليلًا و نهاراً و إلَّا لضوعفت المسافة بالفراسخ و الأميال. و لأبي حنيفة قول آخر (2) أنّه يومان و أكثر اليوم الثالث حكاه السمرقندي في «تحفته».

و قال الشافعي و مالك و أحمد و إسحاق و الليث بن سعد و أبو ثور مسير يومين ستّة عشر فرسخاً هي ثمانية و أربعون ميلًا (3)، و هي إحدى الروايتين عن ابن عبّاس و ابن عمر لما روي (4) أنّه (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: «يا أهل مكّة لا تقصّروا في أدنى من أربعة برد من مكّة إلى عسفان» رفعه ابن خزيمة و صحّحه، و المعروف عندهم أنّه أثر موقوف على الصحابيين المذكورين لا خبر مرفوع، و للشافعي (5) قول ثانٍ هو ستّة و أربعون ميلًا، و ثالث و هو ما تجاوز الأربعين، و رابع و هو مسيرة يوم و ليلة، و به اجتزى مالك (6) عند عدم ضبط الأميال لقوله عليه الصلاة و السلام (7) «لا يحلّ لامرأة تؤمن باللّٰه و اليوم الآخر أن تسافر يوماً و ليلة ليس معها محرم».

و قال الأوزاعي: إنّه مسيرة يوم تامّ و حكاه عن عامّة العلماء، و هو إحدى الروايتين عن أنس (8) و الرواية الاخرى (9) عن ابن عبّاس و ابن عمر، و به قال

____________

[1] إنّ هنا سقطاً (كذا بخطّ الشارح (قدس سره)).

____________

(1) منهم المبسوط للسرخسي: في صلاة المسافر ج 1 ص 235.

(2) المجموع: في صلاة المسافر ج 4 ص 325، و المبسوط للسرخسي: في صلاة المسافر ج 1 ص 236.

(3) المجموع: في صلاة المسافر ج 4 ص 322، و المغني المحتاج: في صلاة المسافر ج 1 ص 266، و بداية المجتهد: في صلاة المسافر ج 1 ص 171.

(4) السنن الكبرى: في السفر الّذي لا تقصّر في مثله الصلاة ج 3 ص 137.

(5) المغني المحتاج: في صلاة المسافر ج 1 ص 266، و المجموع: في صلاة المسافر ج 4 ص 423.

(6) المجموع: في صلاة المسافر ج 4 ص 325.

(7) السنن الكبرى: في حجّة من قال لا تقصر الصلاة في أقلّ من ثلاثة أيّام ج 3 ص 139.

(8) المجموع: في صلاة المسافر ج 4 ص 325، و المغني لابن قدامة: في صلاة المسافر ج 2 ص 92.

(9) المغني لابن قدامة: في أحكام قصر الصلاة في السفر ج 2 ص 91، و المبسوط للسرخسي: في صلاة المسافر ج 1 ص 235، و حلية العلماء: ج 2 ص 193.

335

الزهري إلَّا أنّه حدّ مسير اليوم التامّ بثلاثين ميلًا و احتجّ بما روي عنهما أنّهما كانا يقصّران في ثلاثين ميلًا عشرة فراسخ.

و في «شرح الجُمل (1)» للقاضي ابن البرّاج عن الأوزاعي عن أنس أنّه كان يقصّر فيما بينه و بين خمسة فراسخ، و هذه هي الرواية الاخرى عنه.

و في «شرح السنّة (2)» للحسين بن مسعود عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد التقصير بمثل عرفة عن مكّة، و في معناه التحديد بالروحة كما ذهب إليه بعضهم (3). و حكي (4) عن دحية الكلبي القول بفرسخ، و إليه يرجع قول داود. و رووا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه خرج إلى النخيلة فصلّى بهم الظهر ركعتين ثمّ رجع من يومه (5) و عن النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) أنّه خرج ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ و صلّى ركعتين. هذه (6) جملة أقوال القوم و رواياتهم.

[أقوال أصحابنا في المسافة الشرعية]

و أمّا أصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم) فقد أطبقوا على إيجاب القصر في بريدين ثمانية فراسخ هي أربعة و عشرون ميلًا. و حكى إجماعهم على ذلك الشيخ و القاضي و السيّدان و الحلّيون الثلاثة في «الانتصار (7) و الخلاف (8) و شرح الجُمل (9) و الغنية (10) و السرائر (11)

____________

(1) شرح جُمل العلم و العمل: في صلاة المسافر ص 139.

(2) نقله عنه المجلسي في بحار الأنوار: ج 89 ص 15.

(3) المجموع: في صلاة السفر ج 4 ص 325.

(4) الحاكي ابن قدامة في المغني: في حكم القصر فيما هو أقلّ من يوم ج 2 ص 93.

(5) رواه المغني لابن قدامة: في حكم القصر فيما هو أقلّ من يوم ج 2 ص 92.

(6) نقله المغني لابن قدامة: في تحرير المسافة للقصر ج 2 ص 94، و صحيح مسلم: كتاب المسافرين و قصرها ح 12 ج 1 ص 481.

(7) الانتصار: في مسافة التقصير ص 159.

(8) الخلاف: في صلاة السفر ج 1 ص 568 مسألة 320.

(9) شرح جُمل العلم و العمل: في صلاة المسافر ص 139.

(10) غنية النزوع: في أقسام الصلاة ص 74.

(11) السرائر: في أحكام صلاة المسافر ج 1 ص 329.

336

و المعتبر (1) و التذكرة (2)» و ظاهر «المنتهى (3)» و قد تواتر النقل به عن أهل البيت (عليهم السلام).

و في معنى الثمانية مسير اليوم المعتدل بالسير المعتدل كسير الأثقال و الإبل القطار كما نصّ عليه الأكثر (4) و دلّت عليه النصوص (5) و ما ورد بخلاف ذلك من التحديد بما دون الأربعة كالفرسخ (6) أو بما فوق الثمانية كالبرد (7) و اليوم و الليلة (8) و اليومين (9) فمؤوّل أو متروك بالشذوذ أو محمول على التقية لموافقته لأقوال العامّة.

و للعلّامة (قدس سره) في «التحرير (10)» قول بالقصر للمتردّد ثلاثاً في ثلاثة فراسخ إذا لم يبلغ في رجوعه الأوّل سماع الأذان أو مشاهدة الجدران أخذاً من التلفيق الوارد في الأربعة، و هو شاذّ ضعيف منقوض بما دون الثلاثة كالفرسخ و الميل فما دونه، و مع ذلك فهو خلاف ما نصّ عليه في «القواعد (11) و المنتهى (12) و التذكرة (13)» من وجوب الإتمام في الفرض المذكور. و به صرّح جماعة من الأصحاب منهم المحقّقان الحلّي (14) و الكركي (15) و الشهيدان (16)

____________

(1) المعتبر: في صلاة المسافر ج 2 ص 465.

(2) تذكرة الفقهاء: في صلاة المسافر ج 4 ص 369.

(3) منتهى المطلب: في صلاة المسافر ج 1 ص 389 س 17.

(4) منهم المحقّق في المعتبر: في صلاة المسافر ج 2 ص 467، و العلّامة في تذكرة الفقهاء: في صلاة المسافر ج 4 ص 370، و السيّد في مدارك الأحكام: في صلاة المسافر ج 4 ص 431.

(5) وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب صلاة المسافر ج 1 ح 5 و 2 و 15 ص 490 493.

(6) وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب صلاة المسافر ح 10 و 14 ج 5 ص 501، و 502.

(7) وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب صلاة المسافر ح 10 و 5 و 9 ج 5 ص 491 و 492.

(8) وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب صلاة المسافر ح 10 و 5 و 9 ج 5 ص 491 و 492.

(9) وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب صلاة المسافر ح 10 و 5 و 9 ج 5 ص 491 و 492.

(10) تحرير الأحكام: في صلاة المسافر ج 1 ص 333 من الطبع الجديد.

(11) منتهى المطلب: في صلاة المسافر ج 1 ص 390 س 24.

(12) منتهى المطلب: في صلاة المسافر ج 1 ص 390 س 24.

(13) تذكرة الفقهاء: في صلاة المسافر ج 4 ص 373.

(14) شرائع الإسلام: في صلاة السفر ج 1 ص 132.

(15) جامع المقاصد: في صلاة السفر ج 2 ص 511، و فوائد الشرائع: ص 61 س 16 (مخطوط في مكتبة المرعشي برقم 6584).

(16) الدروس الشرعية: في صلاة المسافر ج 1 ص 209، مسالك الأفهام: في صلاة المسافر ج 1 ص 340.

337

و أبو العبّاس (1) و الصيمري (2) و هو قضية فتوى الباقين (3). و في «التعليقات الكركية (4) على الشرائع» نفي الخلاف في ذلك ظاهراً. و في «التذكرة (5)» و إنّما يجب التقصير في ثمانية فراسخ، فلو قصد الأقلّ لم يجز التقصير إجماعاً إلَّا في رواية لنا أنّه يثبت في أربعة فراسخ (6). و كأنّه أراد الإجماع على نفي التقصير فيما دون الثمانية من غير رجوع بقرينة إسناد الأربعة إلى الرواية، مع تصريحه فيها بالقصر إذا رجع، فلا ينافي ما صار إليه في «التحرير».

و أمّا الأربعة المقصودة بالبحث في هذا المقام و هي معترك الأفهام و محطّ أنظار علمائنا الأعلام ففي وجوب القصر فيها مطلقاً تعييناً أو تخييراً أو لمريد الرجوع مطلقاً على التعيين مع تعيين الإتمام لغيره أو التخيير بينه و بين القصر أو لمريد الرجوع ليومه على التخيير فيتعيّن الإتمام لغيره أو التعيين فيتمّ غيره أو يتخيّر أو المنع من القصر مطلقاً خلاف، منشأه اختلاف الأخبار عن الأئمّة الأطهار (صلوات اللّٰه عليهم) آناء الليل و أطراف النهار.

و هذا كلامه في الرسالة و قد أمرنا يوم كتب ذلك أن نكتب أقوال الأصحاب مفصّلة فتتبّعت أقوال الأصحاب في ذلك و عرضتها عليه دام ظلّه في و رقة صغيرة، فنحن نفرغ ذلك الآن في هذا المقام خوفاً من الضياع و إذا انتهى نعود إلى كلامه الشريف في الرسالة من دون زيادةٍ و نقصان و إذا كتب دام ظلّه في آخر الرسالة الأقوال على التفصيل نقابل بين النقلين و نكتب ما كان من زيادة و نقصان و باللّٰه التوفيق.

____________

(1) الموجز الحاوي (الرسائل العشر): في مسائل القصر و التمام ص 119.

(2) كشف الالتباس: في مسائل التمام و القصر ص 193 س 18 (مخطوط في مكتبة ملك برقم 2733).

(3) منهم الأردبيلي في مجمع الفائدة و البرهان: في صلاة المسافر ج 3 ص 366، و السيّد في مدارك الأحكام: في صلاة المسافر ج 4 ص 438، و الفخر في إيضاح الفوائد: في صلاة السفر ج 1 ص 161.

(4) فوائد الشرائع: في صلاة المسافر ص 61 س 16 17 (مخطوط في مكتبة المرعشي برقم 6584).

(5) تذكرة الفقهاء: في صلاة السفر ج 4 ص 369.

(6) وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب صلاة المسافر ح 5 ج 5 ص 495.

338

قلت: أمّا وجوب القصر في الأربعة مطلقاً تعييناً فقد نسبه جماعة (1) من متأخّري المتأخّرين إلى الكليني لأن كان قد اقتصر على أخبار الأربعة، و نسبه في «الحدائق (2)» إلى بعض المتأخّرين.

و أمّا وجوبه فيها تخييراً مطلقاً فقد نسب (3) إلى الكليني، و هو الظاهر من «التهذيب (4)» بل كاد يكون صريحاً فيه، و خيرة «المدارك (5) و المنتقى (6)». و في «الروض (7)» أنّه أوجه. و نقل في «المدارك (8)» عن جدّه القول به.

و أمّا وجوبه على مريد الرجوع ليومه تخييراً فقد نقل في «الذكرى (9) و الروض (10) و الرياض (11)» و غيرها (12) أنّه خيرة الشيخ في «التهذيب» و نقله في «الذكرى (13)» عن المبسوط و الصدوق في كتابه الكبير. و عبارة «المبسوط» صريحة في المشهور كما يأتي، و قد عرفت حال ما في «التهذيب» و يأتي ما في «الفقيه»

____________

(1) منهم الحسن في منتقى الجمان: في الصلاة في السفر ج 2 ص 171، و السبزواري في ذخيرة المعاد: في صلاة المسافر و كيفيتها ص 405 س 44، و البهبهاني في مصابيح الظلام: في المسافة المعتبرة في التقصير ج 1 ص 149 س 22.

(2) الحدائق الناضرة: في المسافة الّتي يجب فيها القصر ج 11 ص 316.

(3) لم نعثر على مَنْ نسب هذا القول إلى الكليني فيما بأيدينا من الكتب صريحاً إلَّا ما ربما يستظهر من البهبهاني في المصابيح من نسبته إلى الصدوق و الكليني و ما هو ظاهر الحدائق من نقل نسبته إليه من بعض مشايخه المحقّقين، فراجع المصابيح: ج 1 ص 149 و الحدائق: ج 11 ص 316.

(4) تهذيب الأحكام: في صلاة السفر ذيل ح 496 ج 3 ص 208.

(5) مدارك الأحكام: في صلاة السفر ج 4 ص 437.

(6) منتقى الجمان: في الصلاة في السفر ج 2 ص 173.

(7) روض الجنان: في صلاة السفر ص 384 س 8 9.

(8) مدارك الأحكام: في صلاة السفر ج 4 ص 437.

(9) ذكرى الشيعة: في صلاة السفر ج 4 ص 293.

(10) روض الجنان: في صلاة السفر ص 384 س 9.

(11) رياض المسائل: في صلاة المسافر ج 4 ص 411.

(12) كمدارك الأحكام: في صلاة المسافر ج 4 ص 434.

(13) ذكرى الشيعة: في صلاة السفر ج 4 ص 293.

339

إن أراده بالكتاب الكبير. و قد قوّى هذا القول في «الذكرى (1)» و نسبه في «الروض (2) و الروضة (3)» إلى الشهيد فيها، و نقله في «الحدائق (4)» عن المفيد و الصدوقين.

و أمّا وجوبه على مريد الرجوع ليومه على التعيين فهو مذهب الأكثر كما في «المعتبر (5) و المنتهى (6) و التنقيح (7) و الروضة (8) و الدرّة و تعليق النافع و مجمع البرهان (9)» و المشهور كما في «الحدائق (10)» و بين المتأخرين كما في «الروض (11) و المصابيح (12)» و الأشهر كما في «الرياض (13)» و هو خيرة «الهداية (14) و الأمالي (15) و الفقيه (16) و المقنع (17)

____________

(1) ذكرى الشيعة: في صلاة السفر ج 4 ص 294.

(2) روض الجنان: في صلاة المسافر ص 384 س 10.

(3) الروضة البهية: في صلاة المسافر ج 1 ص 780.

(4) الموجود في الحدائق هو نقل التخيير عن العلمين فيما إذا لم يرد الرجوع من يومه كما كان هو أحد القولين المسبوقين إلى الكليني فيما تقدّم لا فيما إذا أراد الرجوع من يومه فإنّه قال بعد نقل المشهور: ثانيهما ما ذهب إليه الصدوق في الفقيه حيث قال: إذا كان سفره أربعة فراسخ و أراد الرجوع من يومه فالتقصير عليه واجب، و إن كان سفره أربعة فراسخ و لم يرد الرجوع من يومه فهو بالخيار إن شاء أتمّ و إن شاء قصّر. و نحوه قال الشيخ المفيد و نقله الأصحاب عن والد الصدوق أيضاً، انتهى. راجع الحدائق: ج 11 ص 313.

(5) المعتبر: في صلاة القصر ج 2 ص 467.

(6) منتهى المطلب: في صلاة المسافر ج 1 ص 390 س 17.

(7) التنقيح الرائع: في صلاة المسافر ج 1 ص 285.

(8) الروضة البهية: في صلاة المسافر ج 1 ص 780.

(9) مجمع الفائدة و البرهان: في صلاة المسافر ج 3 ص 360.

(10) الحدائق الناضرة: في المسافة الّتي يقصّر فيها ج 11 ص 313.

(11) روض الجنان: في صلاة المسافر ص 383 السطر الأخير.

(12) مصابيح الظلام: في المسافة المعتبرة في التقصير ج 1 ص 149 س 7 (مخطوط في مكتبة الگلپايگاني).

(13) رياض المسائل: في شرائط التقصير ج 4 ص 409.

(14) الهداية: في صلاة المسافر ص 142.

(15) أمالي الصدوق: المجلس الثالث و التسعون ص 514.

(16) من لا يحضره الفقيه: في صلاة المسافر ذيل ح 1268 ج 1 ص 436.

(17) المقنع: في الصلاة في السفر ص 125.

340

و جُمل العلم و العمل (1) و النهاية (2) و المبسوط (3)» في كتاب الصلاة فيهما و «المراسم (4) و الوسيلة (5) و السرائر (6) و إشارة السبق (7) و الشرائع (8) و النافع (9) و المعتبر (10) و المنتهى (11) و التذكرة (12) و التبصرة (13) و نهاية الإحكام (14) و التحرير (15) و الإرشاد (16) و المختلف (17) و القواعد (18) و الدروس (19) و البيان (20) و التنقيح (21) و الهلالية و المقتصر (22) و المهذّب (23) و الموجز (24)

____________

(1) جُمل العلم و العمل (رسائل الشريف المرتضى: ج 3) في صلاة السفر ص 47.

(2) النهاية: في الصلاة في السفر ص 122.

(3) المبسوط: في صلاة المسافر ج 1 ص 141.

(4) المراسم: في صلاة المسافر ص 75.

(5) الوسيلة: في بيان صلاة السفر ص 108.

(6) السرائر: في أحكام صلاة المسافر ج 1 ص 329.

(7) إشارة السبق: كتاب الصلاة ص 87.

(8) شرائع الإسلام: في صلاة المسافر ج 1 ص 132.

(9) المختصر النافع: في صلاة المسافر ص 50.

(10) المعتبر: في صلاة المسافر ج 2 ص 467.

(11) منتهى المطلب: في صلاة المسافر ج 1 ص 390 س 16.

(12) تذكرة الفقهاء: في صلاة السفر ج 4 ص 372.

(13) تبصرة المتعلّمين: في صلاة المسافر ص 41.

(14) نهاية الإحكام: في صلاة المسافر ج 2 ص 169.

(15) تحرير الأحكام: في صلاة المسافر ج 1 ص 333.

(16) إرشاد الأذهان: في صلاة السفر ج 1 ص 274.

(17) مختلف الشيعة: في صلاة السفر ج 3 ص 101.

(18) قواعد الأحكام: في صلاة السفر ج 1 ص 324.

(19) الدروس الشرعية: في صلاة المسافر ج 1 ص 209.

(20) البيان: في شرائط تحقّق السفر ص 155.

(21) التنقيح الرائع: في صلاة المسافر ج 1 ص 285.

(22) المقتصر: كتاب الصلاة ص 95.

(23) المهذّب: في صلاة المسافر ج 1 ص 106.

(24) الموجز الحاوي (الرسائل العشر): في مسائل القصر و التمام ص 119.

341

و غاية المرام (1) و الكركية في شرح الألفيّة (2) و تعليق الإرشاد (3) و فوائد الشرائع (4) و جامع المقاصد (5) و الجعفرية (6) و الغرية و إرشاد الجعفرية (7) و تعليق النافع و الميسية و المسالك (8) و المقاصد العلية (9) و الجواهر المضيئة و الدرّة السنية و المصابيح (10) و الرياض (11)» و مال إليه أو قال به في «مجمع البرهان (12)» و قوّاه في «المدارك (13)» و نقله جماعة (14) عن المفيد و السيّد، و نقل (15) عن ظاهر القاضي. و في «المصابيح (16)» أنّه مذهب الشيخ في «كتابي الأخبار» و مذهب الكليني (17)، و استنهض على ذلك شواهد

____________

(1) غاية المرام: في صلاة السفر ج 1 ص 229.

(2) شرح الألفية (رسائل المحقّق الكركي: ج 3) في السفر ص 249.

(3) حاشية إرشاد الأذهان: في صلاة السفر ص 43 س 8 (مخطوط في مكتبة المرعشي برقم 79).

(4) فوائد الشرائع: في صلاة المسافر ص 60 س 15 (مخطوط في مكتبة المرعشي برقم 6584).

(5) جامع المقاصد: في صلاة السفر ج 2 ص 511.

(6) الرسالة الجعفرية (رسائل المحقّق الكركي: ج 1) في صلاة السفر ص 122.

(7) المطالب المظفّرية: في صلاة السفر ص 144 س 10 (مخطوط في مكتبة المرعشي برقم 2776).

(8) مسالك الأفهام: في صلاة المسافر ج 1 ص 339.

(9) المقاصد العلية: في أحكام القصر ص 213.

(10) مصابيح الظلام: في المسافة المعتبرة في التقصير ج 1 ص 149 س 8 (مخطوط في مكتبة الگلپايگاني).

(11) رياض المسائل: في شرائط التقصير ج 4 ص 409.

(12) مجمع الفائدة و البرهان: في صلاة المسافر ج 3 ص 360.

(13) مدارك الأحكام: في صلاة المسافر ج 4 ص 437.

(14) منهم البحراني في الحدائق الناضرة: في المسافة الّتي توجب القصر ج 11 ص 313، و البهبهاني في مصابيح الظلام: في المسافة المعتبرة في التقصير ج 1 ص 149 س 8 و 12 (مخطوط في مكتبة الگلپايگاني)، و السيّد في مدارك الأحكام: في صلاة المسافر ج 4 ص 434.

(15) نقله عنه العلّامة في مختلف الشيعة: في صلاة السفر ج 3 ص 101.

(16) مصابيح الظلام: في المسافة المعتبرة في التقصير ج 1 ص 149 س 14 و 22 (مخطوط في مكتبة الگلپايگاني).

(17) تقدّم منّا في ص 338 هامش 3 أنه يمكن استظهار القول بالتخيير مطلقاً في المقام للكليني من كلام المصابيح، فراجع.

342

من الاعتبار. و هو الموجود في «الفقه المنسوب إلى مولانا الرضا (عليه السلام) (1)».

هذا و في «الذكرى» و كذا إذا أراد الرجوع لليلته أو يومه و ليلته مع اتصال السير (2). و وافقه على ذلك المحقّق الثاني في خمسة من كتبه (3) و تلميذاه (4) و الشهيد الثاني (5) و الصيمري (6) و المقداد (7)، و نسبه إلى المشهور في «الروضة (8)» و إلى الأكثر في «التنقيح (9)». و في «الرياض (10)» لا خلاف فيه عند من تأخّر. و في «تعليق الشرائع (11)» يشكل إذا كان أوّل سيره ليلًا، و قال في غيره (12) و تبعه صاحب «الغرية» و غيره (13) لليلته أو يومه إذا كان ابتداء السير أوّل الليل. و في «البيان (14) و الهلالية» الاقتصار على ليلته. و في «المسالك» لو كان الخروج في بعض النهار و أراد إنهاءَه

____________

(1) فقه الإمام الرضا (عليه السلام): في صلاة المسافر و المريض ص 159.

(2) ذكرى الشيعة: في شروط القصر ج 4 ص 311.

(3) جامع المقاصد: في صلاة المسافر ج 2 ص 511، و حاشية إرشاد الأذهان: في صلاة السفر ص 43 س 8 9 (مخطوط في مكتبة المرعشي برقم 79)، و الرسالة الجعفرية (رسائل المحقّق الكركي: ج 1) في صلاة السفر ص 122، فوائد الشرائع: في صلاة المسافر ص 60 س 14 16 (مخطوط في مكتبة المرعشي برقم 6584) و شرح الالفيّة (رسائل المحقّق الكركي: ج 3) في السفر ص 249.

(4) المطالب المظفّرية: في صلاة السفر ص 144 س 14 (مخطوط في مكتبة المرعشي برقم 2776).

(5) مسالك الأفهام: في صلاة المسافر ج 1 ص 339.

(6) كشف الالتباس: في مسائل القصر و التمام ص 193 س 10 (مخطوط في مكتبة ملك برقم 2733).

(7) التنقيح الرائع: في صلاة المسافر ج 1 ص 285.

(8) الروضة البهية: في صلاة المسافر ج 1 ص 780.

(9) التنقيح الرائع: في صلاة المسافر ج 1 ص 285.

(10) رياض المسائل: في شرائط التقصير ج 4 ص 409.

(11) لم نعثر عليه في تعليق الشرائع، و لكنه موجود في حاشيته على إرشاد الأذهان: في صلاة السفر ص 43 س 9 (مخطوط في مكتبة المرعشي برقم 79).

(12) فوائد الشرائع: في صلاة المسافر ص 60 س 16 (مخطوط في مكتبة المرعشي برقم 6584).

(13) المطالب المظفّرية: في صلاة السفر ص 144 س 15 (مخطوط في مكتبة المرعشي برقم 2776).

(14) البيان: في شرائط تحقّق القصر ص 155.

343

في اليوم الثاني بحيث يجتمع من الجميع يوم و ليلة فظاهر الأصحاب عدم الترخّص (1)، انتهى.

و أمّا إذا لم يرد الرجوع ليومه فالأصحاب مطبقون إلَّا من شذّ (2) على عدم وجوب التقصير لكنّهم اختلفوا، فالشيخان و سلّار و أتباعهم على أنّه يتخيّر كما في «كشف الرموز (3)». و في «الرياض (4)» أنّه المشهور بين المتقدّمين، و ظاهر «الأمالي (5)» أنّه من دين الإمامية، و نسبه في «المنتهى (6)» إلى التهذيب. و في «الذكرى (7)» إلى المفيد و ابن بابويه. قلت: هو خيرة «الفقه المنسوب إلى مولانا الرضا (عليه السلام) (8) و الأمالي (9) و الفقيه (10) و الهداية (11) و النهاية (12) و المبسوط (13)» في كتاب الصلاة فيهما، قالوا جميعاً: إن شاء أتمّ و إن شاء قصّر.

و قد يظهر من هذه العبارة قصر الصلاة خاصّة لكنّ الأكثر كما في «المنتهى (14) و الدرّة» على التخيير في الصلاة و الصوم. و تمام الكلام في ذلك مذكور في المطلب الثالث في الأحكام فإنّا قد أسبغناه و استوفيناه. و قال في «الوسيلة»: إذا أراد

____________

(1) مسالك الأفهام: في صلاة المسافر ج 1 ص 339.

(2) كقول ابن أبي عقيل نقله عنه العلّامة في مختلف الشيعة: في صلاة السفر ج 3 ص 102.

(3) كشف الرموز: في صلاة المسافر ج 1 ص 226.

(4) رياض المسائل: في شرائط التقصير ج 4 ص 411.

(5) الأمالي للصدوق: المجلس 93 ص 514.

(6) منتهى المطلب: في صلاة المسافر ج 1 ص 390 س 20.

(7) ذكرى الشيعة: في صلاة السفر ج 4 ص 292.

(8) فقه الإمام الرضا (عليه السلام): في صلاة المسافر و المريض ص 161.

(9) الأمالي للصدوق: المجلس 93 ص 514.

(10) من لا يحضره الفقيه: في صلاة المسافر ذيل ح 1268 ج 1 ص 436.

(11) الهداية: في صلاة المسافر ص 142.

(12) النهاية: في صلاة السفر ص 122.

(13) المبسوط: في صلاة المسافر ج 1 ص 141.

(14) منتهى المطلب: في صلاة المسافر ج 1 ص 390 س 17.

344

الرجوع ليومه قصّر، و إن أراد من غده كان مخيّراً بين القصر و الإتمام في الصلاة دون الصوم، و إن لم يرد الرجوع أتمّ (1)، انتهى فليلحظ ذلك. و في «المراسم» إن كان يرجع من غده فهو مخيّر بين القصر و الإتمام (2).

هذا و المشهور بين المتأخّرين أنّه يتمّ و هو المنقول (3) عن السيّد و لم أجده فيما حضرني من كتبه و عن ظاهر القاضي (4). و نسبه في «الذكرى (5)» إلى الأكثرين. و في «الميسية» أنّه أشهر. و في «الرياض (6)» أنّه المشهور بين المتأخّرين و هو خيرة «السرائر (7) و كشف الرموز (8) و النافع (9) و المنتهى (10) و التذكرة (11) و المختلف (12) و البيان (13) و المهذّب البارع (14) و المقتصر (15) و الموجز الحاوي (16) و غاية المرام (17) و التنقيح (18) و الدرّة و الغرية و الجواهر المضيئة» و ظاهر «الشرائع (19)

____________

(1) الوسيلة: في بيان أحكام صلاة السفر ص 108.

(2) المراسم: في صلاة المسافر ص 75.

(3) نقله عنهما العلّامة في مختلف الشيعة: في صلاة السفر ج 3 ص 101.

(4) نقله عنهما العلّامة في مختلف الشيعة: في صلاة السفر ج 3 ص 101.

(5) ذكرى الشيعة: في صلاة السفر ج 4 ص 292.

(6) رياض المسائل: في أحكام القصر ج 4 ص 446.

(7) السرائر: في أحكام صلاة المسافر ج 1 ص 329.

(8) كشف الرموز: في صلاة المسافر ج 1 ص 226.

(9) المختصر النافع: في صلاة المسافر ص 51.

(10) منتهى المطلب: في صلاة المسافر ج 1 ص 390 س 20 21.

(11) تذكرة الفقهاء: في صلاة السفر ج 4 ص 373.

(12) مختلف الشيعة: في صلاة السفر ج 3 ص 102.

(13) البيان: في شرائط تحقّق القصر ص 155.

(14) المهذّب البارع: في صلاة المسافر ج 1 ص 491.

(15) المقتصر: كتاب الصلاة ص 95.

(16) الموجز الحاوي (الرسائل العشر): في مسائل القصر و التمام ص 119.

(17) غاية المرام: في صلاة السفر ج 1 ص 229.

(18) التنقيح الرائع: في صلاة المسافر ج 1 ص 286.

(19) شرائع الإسلام: في صلاة المسافر ج 1 ص 135.

345

و المعتبر (1) و الدروس (2)» التوقّف، و قد يقال (3): إنّه ظاهر «النافع».

و في «السرائر» الإجماع على جواز التمام و حصول البراءة به بلا خلاف (4). و في «المختلف (5)» و غيره (6) أنّ الإتمام أحوط، و لا يتمّ الاحتياط إلَّا بالإجماع على جواز التمام، لأنّه الأخذ بالأوثق و لا يكون إلَّا حيث لا يكون خلاف. و أظهر من ذلك ما في «نتائج الأفكار» للشهيد الثاني حيث قال في أثناء كلام له: لزم كون قاصد نصف مسافة مع نيّة العود على غير الطريق الأوّل يخرج مقصّراً مع عدم العود ليومه و هو باطل إجماعاً (7). و في «مجمع البرهان» العلم بعدم القول بالوجوب الحتمي (8)، فأين يقع قول العماني (9)، و هو لشذوذه و عدم الاحتفال به لم ينقل الجمّ الغفير من الأساطين خلافه، هذا كلّه مضافاً إلى ما في «الأمالي (10)» من ظهور دعوى الإجماع. و لم يعلم موافقة صاحب «البشرى» للعماني، و الّذي نقل (11) عنه أنّ غير مريد الرجوع يقصّر، على أنّه قد يظهر من كلام الناقل عنه أنّه كالمتوقّف في التخيير أو متوقّف، و الموافق له صاحب «الماحوزية و الوسائل (12) و الحدائق (13)

____________

(1) المعتبر: في صلاة المسافر ج 2 ص 468.

(2) الدروس الشرعية: في صلاة المسافر ج 1 ص 209.

(3) كشف الرموز: في صلاة المسافر ج 1 ص 226.

(4) السرائر: في أحكام صلاة المسافر ج 1 ص 329.

(5) مختلف الشيعة: في صلاة السفر ج 3 ص 103.

(6) كرياض المسائل: في أحكام القصر ج 4 ص 450.

(7) نتائج الأفكار (رسائل الشهيد الثاني): في صلاة المسافر ص 172.

(8) مجمع الفائدة و البرهان: في صلاة المسافر ج 3 ص 361.

(9) نقله عنه العلّامة في مختلف الشيعة: في صلاة السفر ج 3 ص 102.

(10) أمالي الصدوق: المجلس 93 ص 514.

(11) نقله عنه الآبي في كشف الرموز: في صلاة المسافر ج 1 ص 226.

(12) وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب صلاة المسافر ج 5 ص 502.

(13) الحدائق الناضرة: في صلاة المسافر ج 11 ص 314 315.

346

و المفاتيح» (1) على أنّ صاحب «الحدائق» احتمل أن يكون قوله قولًا آخر (2)، و ظاهر «المفاتيح و الماحوزية» المخالفة للمنقول من عبارته، على أنّ أقصى ذلك النقل عنه و عن البشرى و ليس النقل كالعيان. و في «الذخيرة (3) و الكفاية (4)» الميل إليه، على أنّه مخالف فيما مال إليه «للمفاتيح و الحدائق».

و أمّا المنع مطلقاً فلم أجد مصرّحاً به، و من الغريب أنّ صاحب «الماحوزية» نسبه إلى الأكثر.

هذا تمام ما كتبناه ذلك اليوم و لم نعاوده بالنظرة مرّة اخرى.

[التحقيق في المسألة]

و لنرجع إلى «الرسالة» فقد قال (أدام اللّٰه تعالى حراسته) بعد قوله اختلاف الأخبار عن الأئمّة الأطهار (صلوات اللّٰه عليهم) ما نصّه: و هي أقسام:

أوّلها: النصوص المستفيضة (5) الدالّة على تحديد مسافة القصر بثمانية فراسخ و ما في معناها من الأميال و البريدين و مسير اليوم، نحو ما رواه الصدوق طاب ثراه في الصحيح عن زرارة و محمّد بن مسلم و صحّته بطريقة إلى الأوّل عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سافر رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) إلى ذي خشب و هي مسيرة يوم من المدينة، يكون إليها بريدان، أربعة و عشرون ميلًا فقصّر و أفطر فصار سنّة (6).

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في كم يقصّر الرجل؟ قال: في بياض يوم أو بريدين، قال: خرج رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) إلى ذي خشب فقصّر. فقلت: و كم ذي خشب؟ فقال: بريدان (7). قوله «و كم ذي خشب» هكذا فيما وجدناه و هو على الحكاية، و «خشب» كجنب واد بالمدينة، قاله في

____________

(1) مفاتيح الشرائع: في أحكام المسافر ج 1 ص 25.

(2) الحدائق الناضرة: في صلاة المسافر ج 11 ص 315.

(3) ذخيرة المعاد: في صلاة المسافر ص 406 س 30.

(4) كفاية الأحكام: في صلاة السفر ص 32 س 35.

(5) وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب صلاة المسافر ج 5 ص 490.

(6) من لا يحضره الفقيه: الصلاة في السفر ضمن ح 1265 ج 1 ص 434.

(7) تهذيب الأحكام: ب 57 في حكم المسافر و المريض .. ح 26 ج 4 ص 224.

347

«القاموس (1)». و في «النهاية (2)» أنّه بضمّتين وادٍ على مسيرة ليلة من المدينة له ذكر في الحديث و المغازي، قال: و يقال له ذي خشب. و في «الطراز» نحو ذلك.

و في الصحيح عن أبي ولّاد الخزّاز عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سألته عن التقصير قال: في بريدين أو بياض يوم (3).

و في الصحيح عن عليّ بن يقطين قال: سألت أبا الحسن الأوّل (عليه السلام) عن الرجل يخرج في سفره و هو مسيرة يوم، قال: يجب عليه التقصير إذا كان مسيرة يوم و إن كان يدور في عمله (4). و في الحديث وجوه أوجهها أنّ مسير اليوم يوجب التقصير و إن قطعه المسافر في أكثر من يوم، و معنى «يدور في عمله» يسعى في مشاغله، و قيل: المراد الحركة الدورية حول البلد، و الملفّقة من الذهاب و الإياب أو السير في عرض المسافة أو خصوص الاشتغال بالضياع و الأعمال، و في الجميع بُعد.

و في الموثّق عن عيص بن القاسم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سألته عن التقصير في الصلاة فقلت له: إنّ لي ضيعة قريبة من الكوفة و هي بمنزلة القادسية من الكوفة، فربّما عرضت لي الحاجة انتفع بها أو يضرّني القعود عنها في رمضان فأكره الخروج إليها لأنّي لا أدري أصوم أو أفطر، فقال: فاخرج و أتمّ الصلاة و صم فإنّي قد رأيت

____________

(1) القاموس المحيط: ج 1 ص 62 مادّة (الخشب».

(2) النهاية: ج 2 ص 32 مادّة «خشب».

(3) الرواية المشار إليها رواها في الوسائل و غيره عن أبي أيّوب و الشارح بدّل أبا أيّوب بأبي ولّاد و أضاف إليه الخزّاز بظنّه، و لكنّا لم نقف في كتب الرجال و الأخبار على رواية رواها ابن أبي عمير عن أبي ولّاد الملقّب بالخزّاز و إنّما هو يروي عن أبي أيّوب المكنّى بالخزّاز أو الخزّاز، مع أنّ الرواية كما قلنا مرويّة في الوسائل و غيره عن أبي أيّوب الظاهر أنّه الخزّاز، و هذا هو الصحيح، و أمّا أبو أيّوب الخزّاز فهل هو إبراهيم بن زياد أو إبراهيم بن عثمان أو إبراهيم بن عيسى؟ اختلافٌ، و قد وقع تحقيق في ذلك في تنقيح المقال و لكنه لم يضئ لنا بتحقيقه طريقاً و لا أغنانا به عن جوع، فراجع تنقيح المقال: المجلّد الأوّل ترجمة أبي أيّوب و وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب صلاة المسافر ح 7 ج 5 ص 492.

(4) وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب صلاة المسافر ح 16 ج 5 ص 493.

348

القادسية. فقلت: فكم أدنى ما يقصّر فيه الصلاة؟ قال: جرت السنّة ببياض يوم. فقلت: إنّ بياض اليوم مختلف، فيسير الرجل خمسة عشر فرسخاً في يوم و يسير الآخر أربعة فراسخ و خمسة فراسخ في يوم. فقال: إنّه ليس إلى ذلك ينظر أما رأيت سير هذه الأثقال بين مكّة و المدينة، ثمّ أومأ بيده أربعة و عشرين ميلًا يكون ثمانية فراسخ (1).

و القادسية في العراق موضعان: أحدهما قرية كبيرة في نواحي دجيل قرب سامرا، و الاخرى ضيعة قريبة من الكوفة آخر أرض العرب و أوّل حدّ العراق من جهة الجنوب و بها كانت الواقعة المشهورة بين المسلمين و الفرس. قيل: إنّ إبراهيم الخليل (عليه السلام) مرّ بها فوجد فيها عجوزاً فغسلت رأسه فقال: قدّست من أرض، و دعا أن تكون محلّة للحجاج فصارت منزلًا و سمّيت القادسية، و لها آثار باقية إلى الآن، و بينها و بين أرض الغري نحو من أربعة فراسخ، فيكون بينها و بين الكوفة خمسة فراسخ خمسة عشر ميلًا كما نصّ عليه في «المغرب» و هي المرادة في الحديث و هو صريح في أنّها دون الثمانية من الكوفة. و في «الطراز و المصباح المنير (2) و تقويم البلدان» بينها و بين الكوفة خمسة عشر فرسخاً و هو غريب (3).

و في الموثّق عن سماعة قال: سألته عن المسافر في كم يقصّر الصلاة؟ فقال: في مسيرة يوم و ذلك بريدان و هما ثمانية فراسخ. قال: قال: و من سافر فقصّر الصلاة و أفطر إلَّا أن يكون رجلًا مشيّعاً لسلطان جائر أو خرج إلى صيد أو إلى قرية له يكون مسيرة يوم يبيت إلى أهله لا يقصّر و لا يفطر (4).

و في الموثّق عن عمّار الساباطي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل

____________

(1) وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب صلاة المسافر صدر ح 4 ج 5 ص 521، و في ب 1 ذيل ح 15 ص 493.

(2) المصباح المنير: ص 492 مادّة «قدس».

(3) بل هذا هو الأقرب و الأوفق لما ورد في كتب المقاتل، حيث ورد فيها أن القادسية اسم آخر لكربلاء و المسافة الواقعة بينها و بين الكوفة ما في هذه الكتب المذكورة، فراجع و تأمّل.

(4) وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب صلاة المسافر صدر ح 8 ج 5 ص 492، و في ب 8 ذيل ح 4 ص 510.

349

يخرج في حاجة فيسير في خمسة فراسخ أو ستّة فراسخ فيأتي قرية فينزل فيها ثمّ يخرج منها فيسير خمسة فراسخ اخرى أو ستّة لا يجوز ذلك ثمّ ينزل في ذلك الموضع، قال: لا يكون مسافراً حتّى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ فليتمّ الصلاة (1).

و عن عبد اللّٰه بن يحيى الكاهلي في الحسن به قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول في التقصير في الصلاة: بريد في بريد أربعة و عشرون ميلًا، ثمّ قال: إنّ أبي (عليه السلام) كان يقول: إنّ التقصير لم يوضع على البغلة السفواء و الدابّة الناجية و إنّما وضع على سير القطار (2). و السفواء بالسين المهملة بعدها الفاء السريعة و كذا الناجية، و ربّما خصّت بالناقة، و ليس بين القولين كمال التناسب و كأنّه سقط من البين حديث مسير اليوم.

و ما رواه الصدوق في «الفقيه (3) و العيون (4) و العلل (5)» في الحسن عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) قال: و إنّما وجب التقصير في ثمانية فراسخ لا أقلّ من ذلك و لا أكثر، لأنّ ثمانية فراسخ مسير يوم للعامّة و القوافل و الأثقال، فوجب التقصير في مسيرة يوم، و لو لم يجب في مسيرة يوم لما وجب في مسيرة ألف سنة، و ذلك لأنّ كلّ يوم يكون بعد هذا اليوم فهو نظير هذا اليوم، فلو لم يجب في هذا اليوم لما وجب في نظيره إذ كان نظيره مثله لا فرق بينهما.

و في «العيون» في الحسن عن الفضل عن الرضا (عليه السلام) في كتابه إلى المأمون: و التقصير في ثمانية فراسخ و ما زاد، و إذا قصّرت أفطرت (6).

____________

(1) وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب صلاة المسافر ح 3 ج 5 ص 504.

(2) وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب صلاة المسافر ح 3 ج 5 ص 491.

(3) من لا يحضره الفقيه: في صلاة المسافر ح 1318 ج 1 ص 454.

(4) عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ب 34 في علّة التقصير ثمانية فراسخ ح 2 ج 2 ص 113.

(5) علل الشرائع: 266 ضمن ح 9 (طبع دار التراث).

(6) عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ب 35 فيما كتبه الرضا (عليه السلام) للمأمون .. ح 1 ج 2 ص 123.

350

و في «الخصال» عن سليمان بن مهران عن الأعمش عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: التقصير في ثمانية فراسخ و هو بريدان، و إذا قصّرت أفطرت، و من لم يقصّر في السفر لم تجز صلاته، لأنّه قد زاد في فرض اللّٰه عزّ و جلّ (1).

و روى الكشّي في «كتاب الرجال» عن محمّد بن مسلم قال: قال النبيّ (صلى الله عليه و آله): التقصير يجب في بريدين .. الحديث (2).

و مقتضى هذه النصوص انتفاء التقصير في الأربعة مطلقاً لمريد الرجوع و غيره، فإنّ الثمانية فيها هي الثمانية الواقعة في الذهاب، و صحيحة زرارة صريحة في ذلك، و كذا صحيحة أبي بصير و موثّقة عمّار، و يقرب منها سائر الأخبار، فإنّ المتبادر منها خصوص الثمانية الذهابية، و مع ظهوره بالوجدان و العرض على الأذهان قد يعلّل بأنّ المعقول من تحديد المسافة بها وقوعها بين البلد و المقصد فلا تكون إلَّا ذهابية، و أنّ المعروف من السفر هو الإبعاد عن الوطن، و نحوه فتكون الفراسخ المأخوذة في تحديده موضوعة على التباعد لا التقارب، و أنّ حقيقة العدد يقتضي تغاير المعدودات بالذات دون الاعتبار، و التغاير مع التلفيق اعتباري محض إذا كان العود على طريق الذهاب كما هو الغالب و مطلقاً بناءً على أنّ الفراسخ الواقعة في عرض المسافة المنتهية إلى البلد متّحدة عرفاً، و المراد بالذهاب مطلق الحركة الامتدادية، سواء كانت من البلد أو غيره و لا يختص الذهاب بالمسافرة من البلد كما لا يختصّ الإياب بالعود إليه، فإنّ الذهاب و الإياب أمران إضافيان يختلفان باختلاف ما اضيف إليه و يصدق كلّ منهما بالقياس إلى البلد و المقصد، و منه يظهر عموم التحديد الواقع في هذه النصوص و غيرها للمسافة المبتدأة من البلد و غيره مع وجود القاطع من دون استعانة بالإجماع على عدم الفرق.

____________

(1) الخصال: أبواب المائة فما فوقه ح 9 ص 604.

(2) رجال الكشّي: ج 1 ص 389 ح 279.

351

و ثانيها: الروايات الواردة بتحديد المسافة بالأربعة و البريد و ما في معناهما، نحو ما رواه الشيخ في الصحيح (1) الواضح و ثقة الإسلام الكليني في الصحيح (2) على الأصحّ عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: التقصير في بريد و البريد أربعة فراسخ.

و ما رواه الشيخان (3) في الصحيح على الأصحّ عن أبي أيّوب الخزّاز قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): أدنى ما يقصّر فيه المسافر؟ فقال: بريد.

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن إسماعيل بن الفضل الهاشمي قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن التقصير، فقال: في أربعة فراسخ (4). و في الطريق محمّد بن النعمان و هو محمّد بن عليّ بن النعمان الأحول مؤمن الطاق فإنّه يضاف إلى أبيه و إلى جدّه كما يظهر من «رجال الشيخ» (5) و غيره (6)، فيكون الحديث صحيحاً كما وصفناه. و في «المنتقى (7)» أنّه صحيح على المشهور و لعلّه باعتبار إسماعيل بن الفضل راوي الحديث فإنّ الأصل في توثيقه الشيخ (8)، و تبعه العلّامة (9) في ذلك، و كلام النجاشي (10) في الحسين بن محمّد بن الفضل ليس صريحاً في توثيقه، و قد حكى الكشّي (11) توثيقه عن عليّ بن الحسين بن فضّال لكنّه فطحيّ المذهب فلم تثبت تزكيته بشهادة عدلين، و أمّا باقي السند فمن رجال الصحيح عند الكلّ.

____________

(1) تهذيب الأحكام: ب 56 في حكم من أفطر يوماً .. ح 28 ج 4 ص 223.

(2) الكافي: في حدّ المسير الّذي تقصّر فيه الصلاة ح 1 ج 3 ص 432.

(3) الشيخ الطوسي في تهذيب الأحكام: ب 23 من أبواب الصلاة في السفر ح 4 ج 3 ص 207، و الشيخ الكليني في الكافي: في حدّ المسير الّذي تقصّر فيه الصلاة ح 2 ج 3 ص 432.

(4) تهذيب الأحكام: ب 23 في أبواب الصلاة في السفر ح 9 ج 3 ص 208.

(5) رجال الطوسي: في أصحاب الصادق (عليه السلام) ص 302 رقم 355.

(6) رجال النجاشي: ص 335 الرقم 886.

(7) منتقى الجمان: الصلاة في السفر ج 2 ص 191.

(8) رجال الطوسي: 124 الرقم 1245.

(9) رجال العلّامة الحلّي: ص 7 ب 2 الرقم 1.

(10) رجال النجاشي: ص 56 الرقم 131.

(11) رجال الكشي: ص 218 الرقم 393.

352

و في الصحيح عن أبي اسامة زيد الشحّام قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: يقصّر الرجل في مسيرة اثني عشر ميلًا (1).

و عن عبد اللّٰه بن بكير في الموثّق قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن القادسية أخرج إليها أتمّ أم اقصّر؟ قال: و كم هي؟ قلت: هي الّتي رأيت، قال: قصّر (2).

و عن أبي الجارود قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): في كم التقصير؟ فقال: في بريد (3).

و ما رواه الكليني عن محمّد بن يحيى الخزّاز عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: بينا نحن جلوس و أبي عند والٍ لبني اميّة على المدينة إذ جاء أبي فجلس فقال: كنت عند هذا قبيل فسألهم عن التقصير، فقال قائل منهم: ثلاث، و قال قائل منهم: يوماً و ليلة، و قال قائل منهم: روحة، فسألني فقلت: إنّ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) لمّا نزل عليه جبرائيل بالتقصير قال له النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم): في كم ذاك؟ فقال: في بريد. قال: و أيّ شيء البريد؟ قال: ما بين ظلّ عير إلى فيء و عير، ثمّ عبرنا زماناً ثمّ رأى بنو اميّة يعملون أعلاماً على الطريق و أنّهم ذكروا ما تكلّم به أبو جعفر (عليه السلام)، فذرعوا ما بين ظلّ عير إلى فيء و عير ثمّ جزّءوه إلى اثني عشر ميلًا فكان ثلاثة آلاف و خمسمائة ذراع كلّ ميل فوضعوا الأعلام، فلمّا ظهر بنو هاشم غيّروا أمر بني اميّة غيرةً لأنّ الحديث هاشمي فوضعوا إلى جنب كلّ علم علماً (4).

و روى ذلك الصدوق في «الفقيه» باختصار و في آخره «ثمّ جزّءوه على اثني عشر ميلًا فكان كلّ ميل ألفاً و خمسمائة ذراع و هو أربعة فراسخ (5). و فيه إسقاط و تصحيف و إسقاط للقطع بزيادة الميل على هذا المقدار، و أمّا التحديد بثلاثة آلاف

____________

(1) وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب صلاة المسافر ح 3 و 7 و 6 ج 5 ص 494 496.

(2) وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب صلاة المسافر ح 3 و 7 و 6 ج 5 ص 494 496.

(3) وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب صلاة المسافر ح 3 و 7 و 6 ج 5 ص 494 496.

(4) الكافي: في حدّ المسير الّذي تقصّر فيه الصلاة ح 3 ج 3 ص 432.

(5) من لا يحضره الفقيه: في صلاة المسافر ح 1302 ج 1 ص 447 449.

353

و خمسمائة فقد قال به جماعة (1)، و صحّحه ابن عبد البرّ (2)، و ذكر غيره (3) أنّه المطابق لتحديد ما بين مكّة و منى و المزدلفة و عرفة و ما بين مكّة و التنعيم و المدينة و قبا.

و المعروف بين الفقهاء (4) و المحدّثين (5) و أهل اللغة (6) أنّ الميل أربعة آلاف ذراع و قيل (7): ثلاثة آلاف ذراع. و هو قول قدماء أهل الهيئة. قال في «المصباح المنير» و الخلاف بينهما لفظي فإنّهم اتفقوا على أنّ مقداره ستّ و تسعون ألف إصبع و الإصبع ستّ شعيرات بطن كلّ واحدة إلى ظهر الاخرى و لكن القدماء يقولون: إنّ الذراع اثنان و ثلاثون إصبعاً و المحدّثون أربعة و عشرون إصبعاً، فإذا قسّم الذراع على رأي القدماء كان كلّ ذراع اثنين و ثلاثين كان المتحصّل ثلاثة آلاف ذراع، و إذا قسّم على رأي المحدّثين أربعاً و عشرين إصبعاً كان أربعة آلاف ذراع (8). هذا كلامه و بمثله يمكن رفع الخلاف بينهما و بين التحديد بثلاثة آلاف و خمسمائة، فيكون المرجع في الجميع إلى شيءٍ واحد هو ستّ و تسعون ألف إصبع.

و عير كطير و وعير كزبير جبلان بالمدينة واقعان في جهتي المشرق و المغرب و عير و يقال عاير هو الشرقي منهما، و الغربي و عير، و لذا قال (عليه السلام): «ما بين ظلّ عير إلى فيء و عير» (9) فإنّ الفيء هو الظلّ الحادث من فاء إذا رجع. و في مرسلة ابن

____________

(1) منهم البحراني في الحدائق الناضرة: في المسافة الّتي توجب القصر ج 11 ص 302، و الشهيد الأول في ذكرى الشيعة: في صلاة المسافر ج 4 ص 311.

(2) نقل عنهما بحر العلوم في مصابيح الأحكام: في صلاة المسافر ص 82 س 20 (مخطوط في مكتبة المرعشي برقم 7008).

(3) نقل عنهما بحر العلوم في مصابيح الأحكام: في صلاة المسافر ص 82 س 20 (مخطوط في مكتبة المرعشي برقم 7008).

(4) منهم العلّامة في تذكرة الفقهاء: في صلاة السفر ج 4 ص 371، و السيّد في رياض المسائل: في شرائط التقصير ج 4 ص 406.

(5) نقل عنهم الفيروزآبادي في القاموس المحيط: ج 4 ص 52 مادّة «مال» و نقل منهم الفيّومي في المصباح المنير: ج 2 ص 588 مادّة «مال».

(6) كالفيروزآبادي في القاموس المحيط: ج 4 ص 53 مادّة «مال».

(7) المصباح المنير: ج 2 ص 588 مادّة «مال».

(8) المصدر السابق.

(9) وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب صلاة المسافر ح 12 و 13 ج 5 ص 497.

354

أبي عمير (1) «فإذا طلعت الشمس وقع ظلّ عير إلى ظلّ و عير» و المراد بما بين الظلّين ما بين الجبلين. و إنّما عبّر بالظلّ للتنبيه على أنّ الحدّ هو ما بين الطرفين الداخلين اللّذين هما مبدأ الظلّ فهو تأكيد لمقتضى البينيّة الظاهرة في ذلك. و أمّا منتهى الظلّ فهو غير منضبط بل غير متناهٍ في بعض الأوقات، فلا يصحّ التحديد به.

و ظاهر هذه الروايات ثبوت التقصير في الأربعة مطلقاً لمريد الرجوع و غيره فهي مع النصوص المتقدّمة (2) على طرفي نقيض، و غلبة رجوع المسافر لا تقتضي إناطة الحكم به حتّى يكون التحديد بالأربعة تحديداً بالثمانية الملفّقة، و لو لا ما يأتي من أخبار الرجوع لما فهمت الثمانية من الأربعة قطعاً كما لا تفهم الستّة عشر من الثمانية.

و روى الشيخ في الصحيح عن عمران بن محمّد قال: قلت لأبي جعفر الثاني (عليه السلام): جعلت فداك إنّ لي ضيعة على خمسة عشر ميلًا خمسة فراسخ، ربّما خرجت إليها فاقيم فيها ثلاثة أيّام أو خمسة أيّام أو سبعة أيّام فأتمّ الصلاة أم اقصّر؟ فقال: قصّر في الطريق و أتمّ في الضيعة (3). و هذا صريح في الاكتفاء بخمسة فراسخ مع انقطاع السفر بالضيعة.

و يعارضه بالخصوص ما رواه في الموثّق عن عبد اللّٰه بن بكير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في الرجل يخرج من منزله يريد منزلًا له آخر أو ضيعة له اخرى، قال: إن كان بينه و بين منزله أو ضيعته الّتي يؤمّ بريدان قصّر و إن كان دون ذلك أتمّ (4).

و ثالثها: الأخبار الدالّة على وجوب التقصير لمريد الأربعة أو البريد بشرط الرجوع مطلقاً سواء كان الرجوع ليومه أو بعد ذلك، مثل ما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن التقصير، قال: بريد ذاهب و بريد

____________

(1) وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب صلاة المسافر ح 12 و 13 ج 5 ص 497.

(2) تقدّم في ص 346 350.

(3) تهذيب الأحكام: ب 23 في صلاة السفر ح 18 ج 3 ص 210.

(4) تهذيب الأحكام: ب 57 في حكم المسافر و المريض في الصيام ح 23 ج 4 ص 221.

355

جائي، و كان رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) إذا أتى ذباباً قصّر و ذباب على بريد، و إنّما فعل ذلك لأنّه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ (1).

و قد يناقش في صحّة الحديث بأنّ الصدوق ذكر في مشيخة الفقيه أنّ كلّ ما رواه عن محمّد بن حمران أو جميل بن درّاج فقد رواه عن أبيه عن سعد بن عبد اللّٰه عن يعقوب بن يزيد عن محمّد بن أبي عمير عن محمّد بن حمران و جميل بن درّاج (2)، و هذا إنّما يقتضي صحّة طريقه إليهما مجتمعين لا منفردين، و قد أفرد لمحمّد بن حمران (3) بخصوصه سنداً، فيكون طريقه إلى جميل و حده مجهولًا.

و فيه أنّ الظاهر كون السند المذكور طريقاً إلى كلّ منهما اجتمعا أو افترقا، فيكون للجميع دون المجموع و لذا اتفق الكلّ على عدّ طريقه إلى جميل صحيحاً. و محمّد بن حمران المقرون بجميل هو محمّد بن حمران النهدي كما يدلّ عليه التصريح في بعض المواضع. و لعلّ الّذي أفرد له السند هو غير النهدي فلا يلزم التكرار و لا اعتبار الاجتماع. و في قوله (عليه السلام): «بريد ذاهب و بريد جائي» مجاز في الإسناد أو الكلمة أو الحذف، و «جائي» بإثبات الياء فيما وجدناه من النسخ و مقتضى الرسم حذفها، و كأنّه (عليه السلام) وقف عليها بإشباع الكسرة فجعلت الياء علامة لذلك.

و «ذباب» بالذال المعجمة المضمومة على اسم الحيوان المعروف جبل بالمدينة كما في «القاموس (4) و الطراز و المجمع (5)» و غيرها (6). و هو بالكسر و الإهمال موضع بالحجاز قاله في «القاموس (7)» و عليه ضبط الحديث في

____________

(1) من لا يحضره الفقيه: في صلاة المسافر ح 1303 ج 1 ص 449. هذا و لكن في الوسائل رواها عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) فراجع الوسائل: ج 5 ص 498.

(2) من لا يحضره الفقيه (المشيخة): ج 1 ص 430 431.

(3) المصدر السابق ص 489 490.

(4) القاموس المحيط: ج 1 ص 68 مادّة «ذَبَّ».

(5) مجمع البحرين: ج 2 ص 58 مادّة «ذبب».

(6) كالفائق في غريب الحديث: ج 2 ص 5 مادّة «ذبذب».

(7) القاموس المحيط: ج 1 ص 65 مادّة «دَبَّ».

356

«المنتقى (1)» و هو بعيد.

و الحديث دليل اشتراط الرجوع و عدم اشتراط الرجوع ليومه.

و التقريب في الأوّل من وجهين:

أحدهما: قوله (عليه السلام) «بريد ذاهب و بريد جائي» في جواب السؤال عن التقصير، و المراد الاستفهام عن مسافة القصر، فإنّ الظاهر منه تحديد المسافة بمجموع البريدين من باب تحديد المركّب بأجزائه كما يقال: السكنجبين خلّ و عسل و البيت سقف و جدران و الكرّ ألف و مائتا رطل و الوضوء غسلتان و مسحتان إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة الشائعة في اللغة و العرف و الشرع، و ليس المراد أنّ المسافة كلّ من بريدي الذهاب و الإياب على أن يكون تحديداً للماهية بأقسامها كما في قولهم: الكلمة اسم و فعل و حرف و الطهارة و ضوء و غسل و تيمّم إذا قصد بهما الرسم دون التقسيم، فإنّه مع كونه قليلًا محتاجاً إلى التأويل إنّما يحسن في التعريف بالأنواع المعروفة المتميّزة كما في المثالين المذكورين، و أفراد المسافة باعتبار الذهاب و الإياب ليست كذلك فإنّها غير معروفة و لا متميّزة بنفسها و إنّما هي أفراد اعتبارية، فالترديد يغني عنها لانسحابه في جميع أفراده و ليس للتعرّض لها بالخصوص فائدة يعتدّ بها، فتعيّن أن يراد بالكلام معناه الظاهر المتبادر و هو التلفيق الملزوم لاشتراط الرجوع.

و ثانيهما: قوله (عليه السلام) «و إنّما فعل ذلك لأنّه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ» فإنّ هذا التعليل قاضٍ بأنّ المسافة الموجبة للقصر هي البريدان ثمانية فراسخ و أنّ التقصير في الأربعة إنّما وجب لصيرورتها بالرجوع ثمانية أو في قوتها في إيجاب القصر، فالعلّة مناط الحكم على ما هو الأصل في العلل و ليست بمجرّد التقريب كتعليل القصر بالمشقّة كما قد يتوهّم حتّى يجوز تخلّف الحكم عنها بأن يثبت القصر في الأربعة و إن لم يقصد الرجوع، لأنّ الأربعة لو كانت مسافة بنفسها

____________

(1) منتقى الجمان: في صلاة السفر ج 2 ص 171 172.

357

لا باعتبار الرجوع لكان التحديد بالثمانية ساقطاً (ظ) من أصله، فلا يصحّ التعليل بها لا تحقيقاً و لا تقريباً، فإنّ التقريب لا يكون إلَّا بأمرٍ ثابت.

و أمّا الثاني فالوجه فيه إطلاق المجيء و الرجوع المتناول للقسمين مع شيوع الرجوع لغير اليوم فلا يختصّ باليوم، و أنّ الرجوع الواقع في التعليل لو قيّد بخصوص اليوم لكان المعنى لأنّه لو رجع ليومه كان سفره بريدين ثمانية فراسخ، و مفاده أنّه لو رجع لغيره لم يكن كذلك، و هو فاسد فإنّ الثمانية حاصلة على التقديرين، فيمتنع تخصيصها بالأوّل. و أيضاً فالظاهر من قوله (عليه السلام) «و كان رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) إذا أتى ذباباً قصّر» أنّ ذلك كان يقع منه و يتكرّر، و من المستبعد أن يكون رجوعه منه ليوم الذهاب دائماً بحيث لم يتفق له غير ذلك أصلًا، مضافاً إلى بعد الرجوع لليوم من أصله خصوصاً من مثله (صلى الله عليه و آله و سلم). و قد اتضح بما قرّرناه دلالة الحديث على المطلبين معاً، بل كاد يكون نصّاً فيهما صريحاً.

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن وهب قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): أدنى ما يقصّر فيه المسافر الصلاة؟ فقال: بريد ذاهباً و بريد جائياً (1). و التقريب فيه من تبادر التلفيق و إطلاق المجيء كما ظهر ممّا سبق.

و إنّما كان ذلك أدنى ما يقصّر فيه الصلاة لأنّ حدّ التقصير بريدان أو بريد ذاهباً و بريد جائياً، و الثاني أقلّ الحدّين، لأنّ التلفيق لا يخرج البريد عن كونه بريداً، و لأنّ حدّ القصر و هو ما يتحقّق فيه ذلك ثمانية فراسخ، و الثمانية الملفّقة داخلة في مطلق الثمانية فيكون من جملة الأقلّ، و إنّما اقتصر عليها لأنّ ثبوت التقصير فيها يستلزم ثبوته في الثمانية الامتدادية بخلاف العكس.

و احتجّ الشيخ (2) و جماعة (3) بهذا الحديث على اشتراط الرجوع ليومه و هو غير

____________

(1) تهذيب الأحكام: في الصلاة في السفر ح 496 ج 3 ص 208.

(2) تهذيب الأحكام: ب 23 في الصلاة في السفر ذيل ح 4 ج 3 ص 207.

(3) منهم العلّامة في مختلف الشيعة: في صلاة المسافر ج 3 ص 104، و الشهيد الأوّل في الذكرى: في صلاة السفر ج 4 ص 311، و الشهيد الثاني في الروض: في صلاة السفر ص 383 س 27.

358

ظاهر إلَّا أن يدّعى تبادر الإسراع في الرجوع من اسلوب الكلام فيتمّ بضميمة الإجماع، و توجّه المنع إليه ظاهر.

و ما رواه الصدوق في «العيون (1) و العلل (2)» في الحسن عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) قال: فإن قال: فلم وجبت الجمعة على مَن يكون على فرسخين لا أكثر من ذلك؟ قيل: لأنّ ما يقصّر فيه الصلاة بريدان ذاهباً أو بريد ذاهباً و بريد جائياً و البريد أربعة فراسخ، فوجبت الجمعة على مَن هو على نصف البريد الّذي يجب فيه التقصير، و ذلك لأنّه يجيء فرسخين و يذهب فرسخين و هو نصف طريق المسافر. و هذا نصّ صريح في اشتراط الرجوع و إرادة التلفيق، فإنّ المعادل لبريدي الذهاب هو مجموع بريدي الذهاب و الإياب لا كلّ منهما، إذ لو حصلت المسافة بأحدهما لم يكن للزائد تأثير في وجوب التقصير و هو خلاف ما دلّ عليه النصّ. و أمّا دلالته على عدم اشتراط الرجوع ليومه فلإطلاق المجيء و غلبة الرجوع لغير اليوم، و اقتران المسافة الملفّقة في الحديث بالمسافة الامتدادية الّتي لا يشترط قطعها في يوم واحد إجماعاً، و لدلالة ظاهر التعليل فإنّ الأربعة الملفّقة الّتي جعلت نصف طريق المسافر لا يجب قطعها في يوم فكذا الثمانية الملفّقة الّتي هي مسافة القصر، لأنّ إطلاق المعلول يستلزم إطلاق علّته و إلَّا لكان تعليلًا بالأخصّ.

و ما رواه الشيخ عن سليمان بن حفص المروزي في الحسن به قال: قال الفقيه (عليه السلام): التقصير في الصلاة بريدان أو بريد ذاهباً و بريد جائياً، و البريد ستّة أميال و هو فرسخان، فالتقصير في أربعة فراسخ، فإذا خرج الرجل من منزله يريد اثني عشر ميلًا و ذلك أربعة فراسخ ثمّ بلغ فرسخين و بنيّته الرجوع أو فرسخين

____________

(1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام): باب 34 في علّة قصر الصلاة في السفر ح 1 ج 2 ص 112.

(2) علل الشرائع: ب 182 علل الشرائع ضمن ح 9 ص 266.

359

آخرين قصّر، و إن رجع عمّا نوى عند بلوغ فرسخين و أراد المقام فعليه التمام، و إن كان قصّر ثمّ رجع عن نيّته أعاد الصلاة (1). و الفراسخ و الأميال في هذا الحديث محمولة على الخراسانية بقرينة الراوي و امتناع الحمل على المعروف منهما، فالفرسخان أربعة فراسخ و الأربعة ثمانية و كذا الأميال على التضعيف. و الوجه فيه نحو ما مرّ في حسنة الفضل.

و قوله (عليه السلام) «أو فرسخين آخرين» منصوب بفعل محذوف مسبوك بأن بمعنى المصدر أو مجرور بمضاف مقدّر على خلاف القياس، و المحذوف فعلًا أو اسماً معطوف على الرجوع. و المعنى: و نيّة الرجوع أو ذهاب فرسخين على أن يكون عدولًا من الذهاب إلى الإياب أو من الذهاب المقصود أوّلًا إلى ذهاب آخر أو عدولًا من العزم على المضي إلى التردّد بينه و بين الرجوع، و لا يلائمه التنكير في فرسخين الظاهر في مغايرتهما للفرسخين المقصودين في ضمن الأربعة المتقدّمة، و قد يحمل على المتردّد بين الرجوع و قطع فرسخين آخرين في جهة الذهاب فتدفع الحزازة المذكورة، و على التقادير فالحكم بالتقصير لتحقّق المسافة الّتي هي بريدان أو بريد ذاهباً و بريد جائياً كما دلّ عليه تفريع قوله «فإذا خرج الرجل من منزله» على ما سبق من التحديد، و بذلك تتأكّد الدلالة في الحديث على كلا المطلبين كما هو ظاهر.

و أمّا ما تضمّنه الحديث من الأمر بإعادة الصلاة إذا رجع عمّا نوى فهو محمول على الندب جمعاً بين الأخبار كما هو المشهور.

و في المرسل عن صفوان قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن رجل خرج من بغداد يريد أن يلحق رجلًا على رأس ميل، فلم يزل يتبعه حتّى بلغ النهروان و هي أربعة فراسخ من بغداد، أ يفطر إذا أراد الرجوع أو يقصّر؟ قال: لا يقصّر و لا يفطر، لأنّه خرج من منزله و ليس يريد السفر ثمانية فراسخ، و إنّما خرج يريد أن يلحق

____________

(1) تهذيب الأحكام: ب 57 في حكم المسافر و المريض في الصيام ح 39 ج 4 ص 226.

360

صاحبه في بعض الطريق فتمادى به السير إلى الموضع الّذي بلغه، و لو أنّه خرج من منزله يريد النهروان ذاهباً و جائياً لكان عليه أن ينوي من الليل سفراً و الإفطار، فإن هو أصبح و لم ينو السفر فبدا له من بعد أن أصبح في السفر قصّر و لم يفطر يومه ذلك (1). و هذا الخبر كسابقيه صريح في عدم حصول المسافة بالأربعة وحدها، فإنّه (عليه السلام) منع من القصر و الإفطار في الرجوع مع بلوغه أربعة فراسخ بالفرض، و قد علّله بانتفاء القصد إلى السفر الّذي هو ثمانية فراسخ، و هذا يقضي أن يكون أمره بهما إذا قصد الأربعة ذاهباً و جائياً لدخولها حينئذٍ في الثمانية أو مساواتها لها في الحكم، فلا يشترط وقوعها في يوم واحد كما لا يشترط ذلك في الثمانية، و بهذا الاعتبار يقوّى دلالة إطلاق المجيء على عدم اشتراط الرجوع ليومه بل كان يلحق بالنصّ.

و ما دلّ عليه الحديث من اشتراط تبييت النيّة في جواز الإفطار هو أحد الأقوال في المسألة لكنّه خلاف المختار، و الأظهر التفصيل بالخروج قبل الزوال و بعد الزوال، و لا يمنع ذلك من الاستدلال به على المدّعى لانفكاك الحكمين في الخبر و عدم توقّف أحدهما على الآخر كما يظهر بالتدبّر.

و ما رواه الحسن بن عليّ بن شعبة في «تحف العقول» عن الرضا (عليه السلام) في كتابه إلى المأمون قال: و التقصير في أربعة فراسخ بريد ذاهباً و بريد جائياً اثني عشر ميلًا و إذا قصّرت أفطرت (2). و الوجه فيه معلوم ممّا تقدّم، و لا ينافيه الحكم بالتقصير في أربعة فراسخ و لا تعقيبه بكونه اثني عشر ميلًا فإنّ الرجوع لا يخرج الأربعة عن حقيقتها كما عرفت بل هي أربعة قد صارت ثمانية بنوع من الاعتبار.

و ما رواه صاحب «دعائم الإسلام» و هو القاضي نعمان المصري من أصحابنا

____________

(1) رواه في الوسائل مقطّعاً و في التهذيب كاملًا، فراجع وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب صلاة المسافر ح 8 ج 5 ص 496، و التهذيب: ج 4 ص 225.

(2) تحف العقول: ما روي عن الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليهما السلام) ص 417.

361

الإمامية في كتابه المذكور عن أبي جعفر محمّد بن عليّ (عليهما السلام) قال: يقصّر الصلاة في بريدين ذاهباً و راجعاً (1). قال القاضي: يعني إذا كان خارجاً إلى سفر مسيرة بريد و هو يريد الرجوع قصّر و إن كان يريد الإقامة لم يقصّر حتّى تكون المسافة بريدين.

و ما رواه البرقي في «المحاسن (2)» و الصدوق في «العلل (3)» بإسناده عنه عن إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قوم خرجوا إلى سفر، فلما انتهوا إلى الموضع الّذي يجب فيه التقصير قصّروا من الصلاة فلمّا صاروا على فرسخين أو ثلاثة فراسخ أو أربعة فراسخ تخلّف عنهم رجل لا يستقيم لهم سفرهم إلَّا به، فأقاموا ينتظرون مجيئه إليهم و هم لا يستقيم لهم السفر إلَّا بمجيئه إليهم و أقاموا على ذلك أيّاماً لا يدرون هل يمضون في سفرهم أو ينصرفون، هل ينبغي لهم أن يتمّوا الصلاة أو يقيموا على تقصيرهم؟ قال: إن كان بلغوا مسيرة أربعة فراسخ فليقيموا على تقصيرهم أقاموا أو انصرفوا، و إن كانوا ساروا أقلّ من أربعة فراسخ فليتمّوا الصلاة ما أقاموا، فإذا مضوا فليقصّروا. ثمّ قال: هل تدري كيف صار هكذا؟ قلت: لا. قال: لأنّ التقصير في بريدين، و لا يكون التقصير في أقلّ من ذلك، فلمّا كانوا ساروا بريداً و أرادوا أن ينصرفوا كانوا قد ساروا سفر التقصير، و إن كانوا قد ساروا أقلّ من ذلك لم يكن لهم إلَّا إتمام الصلاة. قلت: أ ليس قد بلغوا الموضع الّذي لا يسمعون فيه أذان مصرهم الّذي خرجوا منه؟ قال: بلى إنّما قصّروا في ذلك الموضع لأنّهم لم يشكّوا في مسيرهم و أنّ السير سيجد بهم من السفر فلمّا جاءت العلّة في مقامهم دون البريد صاروا هكذا.

و روى ذلك الكليني في «الكافي (4)» بإسناده إلى البرقي إلى قوله «فإذا مضوا فليقصّروا» و أسقط تمام الحديث، و هو موضع الدلالة على اشتراط الرجوع، حيث

____________

(1) دعائم الإسلام: في صلاة المسافر ج 1 ص 196.

(2) المحاسن: كتاب العلل ح 29 ص 312.

(3) علل الشرائع: ب 89 نوادر علل الصلاة ح 1 ص 367.

(4) الكافي: في حدّ المسير الّذي تُقصّر فيه الصلاة ح 5 ج 3 ص 433.

362

صرّح فيه بأنّ التقصير إنّما هو في البريدين و أنّه لا يكون في أقلّ من ذلك، فإذا ساروا بريداً و أرادوا أن ينصرفوا وجب عليهم القصر لحصول المسافة لهم بالتلفيق، و الحديث نصّ صريح في اشتراط الرجوع و عدم وقوعه في يوم الذهاب. أمّا الثاني فظاهر، لأنّ السائل قد أخذ في سؤاله أنّهم أقاموا ينتظرون الرجل الّذي لا يستقيم سفرهم إلَّا به أيّاماً لا يدرون هل يمضون في سفرهم أو ينصرفون، و قد أجاب (عليه السلام) بأنّهم إن كانوا قد بلغوا مسيرة أربعة فراسخ فليقيموا على تقصيرهم أقاموا أو انصرفوا، و لو كان الرجوع لليوم شرطاً لأمرهم بالإتمام للقطع بانتفاء الشرط في ذلك الفرض. و أمّا الأوّل فلأنّ تتمّة الحديث الموجودة في «المحاسن و العلل» دلّت على أنّ التقصير إنّما يكون في بريدين لا في أقلّ من ذلك، فإنّ القصر إنّما وجب عليهم إذا ساروا بريداً و أرادوا أن ينصرفوا لحصول الثمانية الّتي هي شرط فيه، و ما ذلك هنا إلَّا بالتلفيق بين الذهاب و الرجوع فكان الرجوع شرطاً.

و بيان ذلك: أنّهم إذا قطعوا أربعة فراسخ ثمّ تردّدوا في المضي و الانصراف كانوا على يقين من حصول المسافة و هي الثمانية، فإنّهم إذا مضوا فقد حصلت لهم بالذهاب و إذا انصرفوا فمجموع الذهاب و الإياب فهي حاصلة لهم على كلّ حال بخلاف ما إذا ساروا أقلّ من أربعة فإنّها إنّما تتحقّق على تقدير المضي و هو غير معلوم، فلا يحصل لهم العلم بالشرط. و إنّما اكتفى (عليه السلام) بتعليل القصر إذا ساروا أربعةً و أرادوا الانصراف لأنّ هذا هو المحتاج الى البيان لخفائه، و أمّا القصر على تقدير المضي فهو معلوم من وجوبه في ثمانية الذهاب، فالحديث بتتمّته المذكورة صريح الدلالة في اشتراط الرجوع، و أمّا بدونها فهو محتمل له، و لكون الأربعة مسافة بنفسها كما ذهب إليه الكليني (رحمه الله) و من ثمّ اقتصر في «الكافي» على صدر الحديث و هو القدر الّذي لا ينافي مذهبه، و قد توجّه دلالة الصدر بمعونة الأدلّة الدالّة على اشتراط الثمانية فإنّ الجمع بينها يقتضي اعتبار التلفيق في الأربعة كما هو المطلوب.

و كيف كان، فالتلفيق معتبر في هذا الحكم و لا ينافيه انتفاء العزم على الرجوع

363

من أوّل الأمر، لأنّ شرط الترخّص هو العزم على مطلق المسافة و الاستمرار على ذلك العزم و هما حاصلان هنا على تقديري الذهاب و الرجوع في ضمن الثمانية الذهابية أو الملفّقة، و لا يقدح العدول من إحداهما إلى الاخرى كما لا يقدح العدول من مسافة ذهابية إلى الاخرى مثلها.

و ما ذهب إليه بعضهم (1) من اشتراط العزم على مسافة مشخّصة بناءً على أنّ ذلك هو المعهود من أرباب القصود مردود بأنّ الثابت بالنصوص (2) و كلام الأصحاب (3) هو اشتراط العزم على المسافة الكلّية لا الشخصية، و التردّد بين الطرق و العدول من طريق إلى طريق أمر معهود كثير الوقوع من أرباب القصود، و متى تحقّقت المسافة بالثمانية الملفّقة كما هو رأي المعظم (4) جاز التردّد بين مسافتين ملفّقتين و العدول من إحداهما إلى الاخرى و من الملفّقة إلى الذهابية و بالعكس كما دلّ عليه النصّ و الحكم جارٍ فيه على قواعد الأصحاب. و قد صرّح الشيخ في «النهاية (5)» على هذا الفرع، و دلّ حديث المروزي المتقدّم (6) على أنّ المتردد أو ناوي الرجوع يقصّر إذا رجع و قد ذهب في سيره بريداً، و روى الشيخ في الصحيح عن أبي ولّاد (7) ما يدلّ على ذلك في ناوي الرجوع، و معلوم أنّ الحكم في ناوي الرجوع و منتظر الرفقة من باب واحد.

____________

(1) الدروس الشرعية: في صلاة المسافر ج 1 ص 209.

(2) وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب صلاة القصر ج 5 ص 503.

(3) منهم السيّد الطباطبائي في رياض المسائل: في شرائط القصر ج 4 ص 414، و البحراني في الحدائق الناضرة: في صلاة القصر ج 11 ص 327، و السيّد في مدارك الأحكام: في صلاة المسافر ج 4 ص 439.

(4) منهم السيّد الطباطبائي في رياض المسائل: في شرائط القصر ج 4 ص 410، و البحراني في الحدائق الناضرة: في صلاة القصر ج 11 ص 325، و الكاشاني في مفاتيح الشرائع: في المسافة المعتبرة في القصر ج 1 ص 25.

(5) النهاية: في صلاة السفر ص 122.

(6) تقدّم في ص 358 359.

(7) تهذيب الأحكام: ب 23 في صلاة السفر ح 62 ج 3 ص 221.

364

و أمّا ما قاله الأكثر من أنّ منتظر الرفقة إنّما يقصّر إذا قطع تمام المسافة ثمانية فراسخ فالظاهر أنّه مبنيّ على ما ذهبوا إليه من اشتراط الرجوع في يوم الذهاب، لعدم حصول هذا الشرط مع فرض الانتظار في الغالب، و لو فرض الانتظار وقتاً يتحقّق معه ذلك أو فرض العزم على الرجوع من غير انتظار وجب القصر لوجوب المقتضي و انتفاء المانع على هذا التقدير.

فالحديث لا يخالف المشهور إلَّا في عدم اعتبار الرجوع ليومه و سائر الأحكام المستفادة منه موافقة لمذهب الأصحاب و قواعدهم المقرّرة في هذا الباب، لكن يجب ارتكاب التقييد في موضعين منه، أحدهما: قوله «إن كانوا بلغوا مسيرة أربعة فراسخ فليقيموا على تقصيرهم أقاموا أو انصرفوا» فإنّه محمول على ما إذا لم يتحقّق منهم العزم على عشرة أيّام و لا التردّد في المحلّ ثلاثين يوماً، فإنّه إذا حصل أحدهما انقطع السفر به فوجب الإتمام في المحلّ و في العود لعدم بلوغه و حده حدّ المسافة. و ثانيهما: قوله (عليه السلام) في الصورة الثانية «فإذا مضوا فليقصّروا» فإنّه يُحمل على ما إذا كان الباقي مسافة و إلَّا لوجب الإتمام لانقطاع حكم السفر بالتردّد، فيحتاج عود القصر إلى مسافة متجدّدة، لأنّ الباقي لا يضمّ إلى الماضي مع وجود القاطع.

و قد ظهر بما ذكرناه في بيان هذه الأخبار دلالة الجميع نصّاً أو ظاهراً على اختلافها في مراتب الظهور على اشتراط الرجوع لمريد الأربعة و عدم اشتراط وقوعه في يوم الذهاب، و مقتضى ذلك وجوب التقصير فيها لمن أراد الرجوع مطلقاً سواء وقع الرجوع ليومه أم لا. و هذا إمّا لأنّ الثمانية الملفّقة داخلة في مطلق الثمانية الّتي جعلت حدّ التقصير كما هو الظاهر من صحيحة زرارة (1) و مرسلة صفوان (2) و رواية إسحاق بن عمّار (3) أو لأنّها في حكمها في إيجاب القصر و إن لم

____________

(1) تقدّم في ص 355.

(2) تقدّم في ص 359.

(3) تقدّم في ص 361.

365

تكن داخلة فيها بناءً على أنّ المراد بها خصوص الذهابية كما سبق بيانه في مدلول القسم الأوّل، و هذا هو المتّجه.

و يدلّ عليه مضافاً إلى ما تقدّم أنّه لو اريد بالثمانية ما يشمل الثمانية الملفّقة فإمّا أن يراد ما يعمّ جميع أقسام التلفيق و هو باطل، أو خصوص التلفيق من بريدي الذهاب و الرجوع دون غيره من الصوَر و هو تكلّف شديد، فإنّ إطلاق الثمانية على الأعمّ من الذهابية و خصوص هذا القسم من الملفّقة في غاية البُعد من إطلاق اللفظ، فالوجه حملها على الذهابية كما هو الظاهر، و إن وجب القصر في هذا النوع لمقتضى الأدلّة الدالّة على مساواته لها في الحكم. و يشهد له أيضاً ظاهر قول الرضا (عليه السلام) في حسنة الفضل بن شاذان (1) «لأنّ ما يقصّر فيه الصلاة بريدان ذاهباً أو بريد ذاهباً و بريد جائياً» و قول الفقيه العسكري (عليه السلام) في حسنة المروزي (2) «التقصير في الصلاة بريدان أو بريد ذاهباً و جائياً».

و على هذا فالموجب للقصر أحد الأمرين: من بريدي الذهاب و بريد الذهاب مع الإياب على سبيل منع الخلوّ.

و ليس المراد بالبريد و البريدين خصوص الأربعة و الثمانية من دون زيادة بل مطلق العددين بلا اشتراط الزيادة و لا عدمها، لأنّ التحديد للأقلّ و هو ينفي الناقص لا الزائد. فالثمانية الملفّقة هي مطلق الثمانية الحاصلة من تلفيق أربعة الذهاب و ما فوقها مع أربعة الرجوع كذلك كما أنّ الثمانية الذهابية هي مطلق الثمانية المتحقّقة في الثمانية و ما فوقها من الأعداد بالغ ما بلغ. فالسببان مجتمعان في قاصد الثمانية فصاعداً مع العود و يفترقان في مريد الثمانية كذلك بدون العود و في مريد الأربعة ممّا فوقها ما لم يبلغ الثمانية مع العود.

و لو خصّ العود في هذه الأخبار بالعود في يوم الذهاب لاختصّ التلفيق بما أمكن فيه العود ليومه فلا يعمّ ما فوق الثمانية و لا بعض المراتب النازلة عنها

____________

(1) تقدّم في ص 509 هامش 4.

(2) تقدّم في ص 509 هامش 5.

366

كالسبعة و نحوها إلَّا إذا اريد باليوم ما يشمل اليوم و الليلة فيتناول التلفيق الّذي يسعه مجموعهما و يخرج منه ما عدا ذلك. و هذا أيضاً من جملة الشواهد على عدم اشتراط الرجوع في اليوم، فإنّ ظاهر التحديد كما عرفت حصول المسافة بالأربعة و ما فوقها مطلقاً مع قصد العود و لا يستقيم ذلك مع الشرط المذكور. و لو اريد بالأربعة ما لا يبلغ الثمانية لحصول الاستغناء بها من التلفيق لم يتمش الاشتراط في بعض الأعداد المتوسطة خصوصاً ما قارب الثمانية، فإنّ الرجوع لليوم فيه بعيد الوقوع بل منتفٍ بالعادة على أكثر تفاسير القوم.

و المراد بالعود المشترط في الأربعة هو العزم على العود من دون إرادة القاطع كالإقامة و المرور بالوطن. أمّا اشتراط العزم فيدلّ عليه مضافاً إلى رواية صفوان المتقدّمة إجماع الفقهاء على اشتراط العزم في ثبوت الترخّص في السفر، و أنّ المسافة شرط فيه بالإجماع و النصوص، و ليس الشرط قطعها بالفعل و إلَّا لتأخّر التقصير عنه و هو باطل بالضرورة، فيتعيّن أن يكون الشرط هو العزم. و أمّا اشتراط انتفاء إرادة القاطع فلانقطاع السفر به في الأثناء فلا يضمّ الباقي إلى الماضي. و هو أيضاً موضع وفاق بين الأصحاب، و لا يختصّ بصورة التلفيق بل يعمّ مطلق السفر. و يشهد له هنا أنّ هذه الأخبار قد دلّت على اشتراط الرجوع، و المراد به إمّا مطلق الرجوع أو خصوص الرجوع قبل القاطع، و الأوّل أمر ثابت معلوم التحقّق من فرض كونه مسافراً خارجاً عن وطنه، فإنّ مثله لا ينفكّ عن العود، فلا فائدة في اشتراطه، فوجب أن يكون المراد به الثاني و هو المطلوب.

و رابعها: الأحاديث الدالّة على وجوب القصر في الأربعة لمن لا يريد الرجوع ليومه كأهل مكّة إذا ذهبوا إلى عرفات، نحو ما رواه ثقة الإسلام الكليني في الصحيح على الأصح عن الحلبي عن أبي عبد اللّٰه، (عليه السلام) قال: إنّ أهل مكّة إذا خرجوا حجّاجاً قصّروا و إذا زاروا و رجعوا إلى منازلهم أتمّوا (1). و المعنى أنّ أهل

____________

(1) الكافي: كتاب الحجّ في الصلاة في مسجد منى .. ح 2 ج 4 ص 518.

367

مكّة إذا قصدوا زيارة البيت و رجعوا إليها لإتمام المناسك أتمّوا الصلاة، سواء زاروا البيت أم لم يزوروا، و سواء دخلوا منازلهم الّتي هي دورهم و مساكنهم أم لم يدخلوا، و ليس المراد توقّف الإتمام على حصول الزيارة و دخول المسكن، للإجماع على انقطاع السفر بدخول المنزل و عدم توقّفه على زيارة البيت، و لأنّ الإتمام في المسجد جائز للمسافر على الأظهر الأشهر فكيف بالحاضر، و لأنّ الظاهر رجوع حكم التمام للمسافر بالوصول إلى حدّ الترخّص فضلًا عن البلد. و لعلّ المراد بالمنزل هنا ما يشمل البلد و حدوده القريبة منه توسّعاً، لكثرة استعماله في المعنى الأعمّ عرفاً. و قصد الزيارة و إن لم يكن شرطاً في الإتمام كنفس الزيارة إلَّا أنّه توطئة لقوله «و رجعوا إلى منازلهم» و المراد التنصيص على وجوب الإتمام عليهم إذا رجعوا بهذا القصد و إن وجب في غيره أيضاً، و في الحديث الآتي ما يشعر بذلك.

و ما رواه الشيخ (1) في الصحيح الواضح و الكليني (2) في الصحيح على الأصحّ عن معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: إنّ أهل مكّة إذا زاروا البيت و دخلوا منازلهم أتمّوا و إذا لم يدخلوا منازلهم قصّروا» و توجيه الحديث معلوم ممّا سبق.

و ما رواه الشيخ (3) و الصدوق (4) في الصحيح و الكليني (5) مرسلًا عن معاوية بن عمّار قال قلت. لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): إنّ أهل مكّة يتمّون الصلاة بعرفات؟ قال: ويلهم أو ويحهم أيّ سفر أشدّ منه لا تتمّ. و روي «لا يتمّوا» و الصيغة و المعنى على الثاني نهي أهل مكّة عن الإتمام بعرفات و على الأوّل نهي غيرهم عن مثله أو عنه إذا انقطع سفرهم بالإقامة أو نحوها، أمّا بدونه فالتقصير ثابت باستمرار السفر من

____________

(1) تهذيب الأحكام: ب 26 في الزيادات في فقه الحجّ ح 389 ج 5 ص 488.

(2) الكافي: كتاب الحجّ في الصلاة في مسجد منى .. ح 1 ج 4 ص 518.

(3) تهذيب الأحكام: ب 23 في الصلاة في السفر ح 16 ج 3 ص 210.

(4) من لا يحضره الفقيه: في صلاة المسافر ح 1301 ج 1 ص 447.

(5) الكافي: كتاب الحجّ في الصلاة في مسجد منى ح 15 ج 4 ص 519.

368

دون تأثير لهذا المسير، و صيغة الإفراد تحتمل مع ذلك النهي و النفي و البناء للمعلوم و للمجهول لكن ذلك على تقدير الغيبة.

و الترديد في قوله: «ويلهم أو ويحهم» من الراوي، و اختلف في معناهما، فقال الجوهري (1) و ابن الأثير (2) و صاحب «القاموس (3)» و غيرهم (4) «ويل» كلمة عذاب و «ويح» كلمة رحمة، و عليه ورد الاستعمال الكثير الشائع، و ربّما استعمل كلّ منهما بمعنى الآخر. و قيل (5): هما بمعنى واحد فيكونان للذمّ و الدعاء بالعذاب. و عن سيبويه (6): «ويح» زجر لمن أشرف على الهلكة و «ويل» لمن وقع فيها، و قد يجيء «ويح» للمدح و التعجّب و منه قول أمير المؤمنين (عليه السلام): ويح ابن عبّاس كأنّه ينظر إلى الغيب من وراء ستر خفي. و من الترحّم قول النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) في عمّار: ويح ابن سمية تقتله الفئة الباغية. و روي «ويس ابن سمية» و هو بمعنى «ويح» كما أنّ «ويباً» بمعنى «ويل». و الأصل في الجميع «و ي» الحق بها اللام و الحاء و السين و الياء (7).

و «ويح» هنا تحتمل الوجوه عدا المدح، و على الاحتمالات فمقتضاها المنع من الإتمام و الردع عنه. و قد يظنّ أنّها إذا كانت للترحّم دلّت على الرخصة و هو وهمٌ فاسد، فإنّ المقصود التلهّف و التحسّر على ما فاتهم من الحقّ و الترحّم فيه من رحمة العالم للجاهل و معناه التخطئة لا التصويب.

و قوله (عليه السلام) «أيّ سفر أشدّ منه» إمّا أن يراد به أنّه من أشدّ الأسفار لاشتماله على التكاليف و المشاقّ فيدلّ على اعتبار الرجوع، أو أنّه سفر كسائر الأسفار فإنّ

____________

(1) الصحاح: ج 5 ص 1846 مادّة «ويل» و ج 1 ص 417 مادّة «ويح».

(2) النهاية لابن الأثير: ج 5 ص 236 مادّة «ويل»، و ج 5 ص 235 مادّة «ويح».

(3) القاموس المحيط: ج 4 ص 67 مادّة «الويل»، و ج 1 ص 256 مادّة «ويح».

(4) مجمع البحرين: ج 5 ص 496 مادّة «ويل»، و ج 2 ص 425 مادّة «ويح».

(5) نقل القيل الجوهري في الصحاح: ج 1 ص 417 مادّة «ويح».

(6) نقله عنه الطريحي في مجمع البحرين: ج 2 ص 425 مادّة «ويح».

(7) راجع النهاية لابن الأثير: ج 5 ص 335 «باب الواو مع الياء»، و الطريحي في مجمع البحرين: ج 2 ص 425 مادّة «ويح».

369

السفر البريد إمّا مطلقاً أو مع الرجوع، و البرد متساوية في الشدة من جهة المسافة، و ما من بريد أشدّ من بريد و هذا الوجه.

و ما رواه الشيخ في الصحيح أو الموثّق بالحسن بن عليّ بن فضال و الأصحّ الأوّل عن معاوية بن عمّار قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): في كم اقصّر الصلاة؟ قال: في بريد، ألا ترى أنّ أهل مكّة إذا خرجوا إلى عرفة كان عليهم التقصير (1). و في الحديث دلالة واضحة على أنّ عرفة على بريد من مكّة لا أقلّ و لا أكثر، فإنّها لو كانت أقلّ لم يجز فيها التقصير و لو كانت أكثر لاحتمل استناد القصر إلى الزائد فلا يصحّ الاستشهاد و الاستدلال به على التقصير في بريد. و يدلّ على ظهور الحكم بالتقصير للذاهب إلى عرفات في ذلك العصر، و الظاهر أنّه لاستشهاد الحكم به عن النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) كما يشعر به الحديث الآتي.

و ما رواه الشيخ عن إسحاق بن عمّار قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): في كم التقصير؟ قال: في بريد، ويحهم كأنّهم لم يحجّوا مع رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) فقصّروا (2). و هذا كسابقه في الدلالة على أنّ عرفة على بريد من مكّة أربعة فراسخ دون زيادة و لا نقصان. و قوله (عليه السلام) «ويحهم» أي ويح أهل مكّة أو ويح المتمّين بعرفات كأنّهم أي كأنّ [1] أو بقيّة الصحابة منهم لم يحجّوا مع رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) فقصّروا في عرفات تأسّياً به (صلى الله عليه و آله) حيث قصّر.

و فيه إشكال فإنّه (عليه السلام) كان مسافراً حين خرج من المدينة و استمرّ سفره حتّى ذهب إلى عرفات، فكان قصره مستنداً إلى سفره الطويل الّذي هو أضعاف المسافة لا إلى إنشائه السفر إليها من مكّة. فلا يتمّ الاستشهاد بفعله على أهل مكّة الخارجين من أوطانهم إلَّا إذا ثبت انقطاع سفره بالعزم على الإقامة في مكّة قبل مسيره إلى عرفات أو ببقاء ملكه السابق الّذي استوطنه و هو فيها.

____________

[1] كذا وجد، و لعلّ أصل العبارة أي كأنّ أهل مكّة فلتراجع (مصحّحه).

____________

(1) تهذيب الأحكام: ب 23 في الصلاة في السفر ح 8 و 11 ج 3 ص 208 209.

(2) تهذيب الأحكام: ب 23 في الصلاة في السفر ح 8 و 11 ج 3 ص 208 209.

370

و ينافي الأوّل أنّه قد ثبت بالأخبار و نصّ (1) أهل السِير و الآثار أنّ خروجه من المدينة لحجّة الوداع كان يوم السابع و العشرين من ذي القعدة، فإنّ هذا يقتضي أن يكون دخوله إلى مكّة في أثناء العشر من ذي الحجّة و لا يتمّ معه الإقامة، و في صحيحة معاوية بن عمّار (2) أنّه خرج في أربع بقين من ذي القعدة و انتهى إلى مكّة في سلخ أربع من ذي الحجّة، فيكون مكثه في مكّة ثلاثة أيّام قبل التروية.

و ينافي الثاني ما روي (3) «أنّ عقيلًا عمد إلى دور بني هاشم في مكّة فباعها بعد أن هاجر النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) إلى المدينة». و في «السيرة الحلبية (4)» و غيرها (5) «أنّ اسامة ابن زيد قال للنبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) يوم الفتح: أ تنزل غداً في دارك يا رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم)؟ فقال: و هل ترك لنا عقيل من دار» و ظاهره أنّه قد أجاز ما صنعه عقيل تكرّماً. و يستفاد منه صحّة بيع الفضولي إذا تعقّبه الإجازة و لو كان غصباً.

و قد ظهر من ذلك أنّ سفره (عليه السلام) لم ينقطع بشيء من القواطع، فلا يكون قصره لوجوب التقصير على ناوي الإقامة و مَن في حكمه إذا خرج إلى ما دون المسافة كما ذهب إليه جماعة (6) من الأصحاب، فلا يدلّ على كون عرفة على حدّ التقصير.

____________

(1) لم نعثر على هذا النصّ لا في الأخبار و لا في السير و إنّما الّذي نصّت عليه الأخبار قولان: الأوّل هو الخامس و العشرين من ذي القعدة كما رواه في البحار ج 21 ص 384 عن الإرشاد، و حكاه ابن الأثير في كامله: ج 2 ص 302، و ابن هشام في سيرته: ج 4 ص 183، و الحلبي في سيرته: ج 3 ص 257. و الثاني هو السادس و العشرين من ذي القعدة كما رواه في البحار ج 21 ص 390 و 395 أيضاً عن الكافي بسندين معتبرين و قد رواه الحلبي أيضاً في سيرته قولًا. نعم جاءت هذه النقلة ببعض العبارة الّتي ذكرها الشارح في مصابيح الطباطبائي (بحر العلوم) ص 87 س 16 فلعلّ الشارح نقلها عنه من دون إشارة إلى أنّها عبارة غيره كما هو دأبه في نقل الأقوال و الآثار، فراجع.

(2) وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب أقسام الحجّ ح 4 ج 8 ص 151.

(3) أخبار مكّة: في ذكر منزل النبيّ (صلى الله عليه و آله) عام الفتح بعد الهجرة ج 2 ص 161.

(4) السيرة الحلبية: ج 3 ص 85.

(5) أخبار مكّة: في ذكر منزل النبيّ (صلى الله عليه و آله) عام الفتح بعد الهجرة ج 2 ص 161.

(6) منهم الكاشاني في الوافي: باب تحرم الإقامة .. ج 7 ص 154، و البهبهاني في المصباح: في صلاة المسافر ج 1 ص 157 س 9. و نسبت إلى فخر المحقّقين كما في الرياض: ج 4 ص 462.

371

و الوجه في الحديث حمله على حجّتهم مع النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) حال إقامته بمكّة قبل الهجرة دون حجّة الوداع، فقد جاء في عدّة أخبار (1) أنّه حجّ بها قبل أن يهاجر عشر حجج أو عشرين حجّة و أنّه حجّ من المدينة حجّة واحدة هي حجّة الوداع، و في بعضها (2): «و لم يحجّ حجّة الوداع إلَّا و قد حجّ قبلها» أو يحمل على أنّه (عليه السلام) أمر أهل مكّة في حجّة الوداع بالتقصير، فكان وجوب التقصير عليهم لأجل أمره لا للتأسّي.

و معنى قوله (عليه السلام) «كأنّهم لم يحجّوا مع رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) فقصّروا» أنّهم لم يحجّوا معه فقصّروا امتثالًا لأمره إيّاهم لا اتّباعاً لما فعله من القصر. و في كلا الوجهين بُعدٌ لكن لا مندوحة عنهما في رفع الإشكال.

و ما رواه المفيد في «المقنعة» في باب زيادات فقه الحجّ في جملة أخبار رواها و اعتمدها في الباب قال: قال (عليه السلام): ويلٌ لهؤلاء القوم الّذين يتمّون الصلاة بعرفات أما يخافون اللّٰه؟ فقيل له: فهو سفر؟ فقال: و أيّ سفر أشدّ منه (3).

فهذه الأحاديث كما ترى دلّت على وجوب التقصير على أهل مكّة إذا ذهبوا إلى عرفات بطرق متعدّدة و وجوه معتمدة من الأمر بالتقصير و النهي عن الإتمام و التوبيخ عليه و الدعاء عليهم بالويل و تخطئتهم بالفعل و قوله (عليه السلام) «أما يخافون اللّٰه، و كأنّهم لم يحجّوا مع رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم)، و أيّ سفر أشدّ منه» و قد اجتمع في جملة منها وجهان ممّا ذكر و أكثر، و في البعض بلاغ في تأدية المطلب و توفية المقصد، و هي مع ذلك صحيحة الإسناد و معتضدة بقرينة الاعتماد.

و معلوم أنّ المسافة ما بين مكّة و عرفة لا تبلغ ثمانية فراسخ كما تشهد به المشاهدة و العيان فضلًا عن المساحة و الامتحان و لا ينقص عن الأربعة، لأنّ

____________

(1) وسائل الشيعة: ب 45 من أبواب وجوب الحجّ و شرائطه ح 5 و 6 و 7 ج 8 ص 88.

(2) المصدر السابق: ح 19 ج 8 ص 91 و ج 11 ص 89.

(3) المقنعة: باب 9 من الزيادات في فقه الحجّ ص 448.

372

النصوص دلّت على التقصير في هذا المسير، و لو كان دون البريد لما جاز القصر فيه بالإجماع، بل الظاهر أنّ المسافة بينهما بريد أربعة فراسخ من دون زيادة و لا نقصان كما تقتضيه روايتا عمّار المتقدّمتان (1).

و ينصّ عليه ما في «القاموس (2)» أنّ عرفات موقف الحاج على اثني عشر ميلًا من مكّة. و صرّح الأزرقي في «تاريخ مكّة (3)» بتحديد المسافة بالاثني عشر و عيّن مواضع الأميال و بيّن أعلامها لكنّه جعلها من المسجد الحرام إلى موقف الإمام بعرفات، و قال: إنّ ما بينهما بريد سواء لا يزيد و لا ينقص. و هذا يعطي أنّ المسافة بين بلدة مكّة المشرّفة و موقف الحاج دون البريد، و لا التفات إلى ذلك بعد ما سمعت من النصوص و لا إلى ما يقال: إنّ ما بين موقف الحجيج من عرفة إلى مكّة نحو من تسعة أميال كما حكاه الفيّومي في «المصباح المنير (4)». نعم ما بين عرفة من جهة بئر المجاز و هي أبعد حدودها عن الموقف في المعروف ما يقرب من تلك المسافة. و لعلّ المراد بالموقف في كلام هذا القائل ما يصحّ فيه الوقوف لا الموقف المعروف، فيرتفع الخلاف. و الحكم بالقصر في الروايات قاضٍ بإرادة الموقف المعهود و أنّه من مكّة على رأس البريد، فلا إشكال.

و إيجاب القصر في هذه الروايات على أهل مكّة في خروجهم إلى عرفات يدلّ على وجوب التقصير في بريد لمريد الرجوع لا ليومه، لأنّ المراد بخروجهم إليها خروجهم حجّاجاً كما وقع التصريح في بعضها (5)، و دلّ عليه شاهد الحال في سائرها.

و الخروج بهذا القصد لا يتأتّى معه الرجوع لليوم إذا كان على الوجه المعهود

____________

(1) لم يتقدّم من عمّار إلَّا رواية واحدة في ص 348 و هو غير مرتبط بالمقام، و الظاهر أنّ هنا سقطاً و هو لفظ «معاوية» فالصحيح: معاوية بن عمّار المتقدّمان، و هما اللذان تقدّما في ص 367.

(2) القاموس المحيط: ج 3 ص 173 مادّة «عرفة».

(3) أخبار مكّة: في عدد الأميال من المسجد الحرام إلى موقف الإمام بعرفة ج 2 ص 190.

(4) المصباح المنير: ص 405 مادّة «عرفة».

(5) وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب صلاة المسافر ح 8 ج 5 ص 500.

373

من خروج الحاجّ يوم التروية، سواء رجعوا يوم العيد أو من غده أو أخّروا الرجوع إلى النفر الأوّل أو الثاني إذا كانوا قارنين أو مفردين الحجّ فرضاً أو نفلًا، فإنّ رجوعهم يكون على الأوّل لليلتين أو ثلاث ليالٍ و نحوٍ من يومين أو ثلاثة و على الثاني لأربع ليالٍ أو خمس و نحوهنّ من الأيّام.

و كذا لو اتفق لبعضهم تأخير الخروج إلى يوم عرفة على خلاف المعهود و ترك المبيت بمنى لعدم وجوبه مع قصد الرجوع بعد العيد، فإنّ أقلّ العود معه ليلتان و نحوٍ من يومين. أمّا إذا أخّر الخروج إلى يوم عرفة و عجّل بالرجوع يوم العيد و هو أدنى الفروض المتصوّرة، فإن اريد باليوم بياض النهار أو مقدار اليوم أو الليلة امتنع الرجوع لليوم، و كذا لو اريد به مجموع اليوم و الليلة و قيل بوجوب استيعاب الوقوف بعرفة من الزوال إلى الغروب، إذ لا بدّ حينئذٍ من المباكرة إلى عرفات صبيحة يوم عرفة لإدراك الزوال في الموقف، و هذا مع ليلة النحر و المقدار المشغول من يومه بالعود إلى منى و أعمالها و العود إلى مكّة يزيد على اليوم و الليلة، و لو فسّرنا اليوم بالمجموع و لم نوجب الاستيعاب كان الرجوع لليوم في حيّز الإمكان إلَّا أنّ ذلك لم يكد يحصل لأحد إلَّا بعسرٍ و كبد. و لو اريد بالرجوع ليومه الأخذ في الرجوع قبل انقضائه إذا [1] أمكن ذلك ما لم يقصد باليوم بياض النهار و سهل الأمر على بعض الوجوه لكنّهم لا يقولون به بل يوجبون الانتهاء إلى المحلّ الّذي خرج منه قبل الانقضاء.

و هذه الفروض مع عدم استحبابها على جميع الوجوه الآتية في معنى الرجوع لليوم نادرة الوقوع مخالفة للمعهود من طريقة الحاج، فلا تحمل عليها هذه الأخبار. و من المعلوم أنّ النكير الواقع فيها على أهل مكّة في إتمامهم الصلاة بعرفات إنّما وقع على الجمّ الغفير و السواد الأعظم دون النادر الّذي يشكّ في وجوده بل في إمكانه و لا أقلّ من دخول مَن لم يرد الرجوع ليومه في هذه الأخبار

____________

[1] الظاهر أنّ في العبارة خللًا فلتراجع (مصحّحه).

374

و تناولها له من باب العموم حيث إنّه الفرد الغالب للمسير المذكور فلا يختصّ الحكم بغيره.

و إنّما أفردنا هذه الأحاديث عن أخبار القسم الثالث الدالّة على اشتراط الرجوع و عن روايات القسم الثاني الظاهرة في عدم اشتراطه لأنّ ما تضمّنته هذه الأحاديث من وجوب التقصير على أهل مكّة في خروجهم إلى عرفة و هو القدر المشترك بينها غير ظاهر في شيء من الأمرين المذكورين بل هو محتمل لهما، فإنّ الحكم بالتقصير عليهم يمكن استناده إلى الرجوع المتحقّق لهم في هذا السفر و إلى مجرّد حصول البريد و إن تحقّق الرجوع، فإنّ حصول الشيء غير اشتراطه، و من الجائز أن يكون وجوب القصر فيه لكونه فرداً من أفراد المسافة الموجبة للقصر لا لما اتفق معه من خصوصية الرجوع، و لذا أورد الكليني (رحمه الله) جملة من هذه الأخبار في «الكافي (1)» مع ذهابه إلى الأربعة المطلقة و تجريد كتابه من أخبار الرجوع بالمرّة، و ما ذلك إلَّا لأنّها لا تنافي مذهبه، بل لا يبعد استفادة الاكتفاء بالبريد كما ذهب إليه من صحيحة معاوية بن عمّار (2) الثالثة و رواية إسحاق بن عمّار (3) اللتين رواهما الشيخ حيث أطلق فيها البريد في جواب السؤال عن مسافة القصر و إن جعل التقصير على أهل مكّة شاهداً عليه، و كذا من سائر الأخبار لخلوّها عن الإشعار بمدخلية الرجوع حتّى قوله (عليه السلام) «و أيّ سفر أشدّ منه» (4) إذ لا يتعيّن أن يكون ذلك لأجل الرجوع المشتمل على التكاليف و المشاقّ، فهذه الأحاديث أقرب إلى مدلول القسم الثاني لكنها لا تبلغ حدّ الظهور فيه بحيث يصلح الاستناد إليها في إثباته، فكان إفرادها عنه و عن غيره هو الأولى.

و يتعلّق بهذا النوع من الأخبار روايتان:

الاولى: ما رواه الشيخ في «التهذيب» في باب زيادات فقه الحجّ عن حمّاد

____________

(1) الكافي: ح 1 5 ج 3 ص 432 433.

(2) تهذيب الأحكام: ب 23 من أبواب السفر ح 499 و 502 ج 3 ص 208 و 209.

(3) تهذيب الأحكام: ب 23 من أبواب السفر ح 499 و 502 ج 3 ص 208 و 209.

(4) وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب صلاة المسافر ح 1 ج 5 ص 499.

375

ابن حريز عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: من قدم مكّة قبل التروية بعشرة أيّام وجب عليه إتمام الصلاة و هو بمنزلة أهل مكّة، فإذا خرج إلى منى وجب عليه التقصير، فإذا زار البيت أتمّ الصلاة و عليه إتمام الصلاة إذا رجع إلى منى حتى ينفر (1). و حمّاد هذا هو حمّاد بن عيسى الجهني بقرينة روايته عن حريز، و لم يذكر الشيخ الطريق إليه في الكتاب، و له إليه في «الفهرست (2)» طرق لا تخلو عن ضعف أو جهالة، فالحديث ضعيف إلَّا أن يكون مأخوذاً من كتاب حمّاد و يكون الكتاب متواتر النسبة إليه فلا يتوقّف على الإسناد، و ما دلّ عليه من وجوب إتمام الصلاة على مَن قدم قبل التروية بعشرة أيّام ظاهر لحصول الإقامة القاطعة للسفر، و في بعض النسخ من قدم بعد الرؤية بعشرة و هو كذلك، لأنّه بفواته الحجّ يقيم في مكّة حولًا ليقضي ما فاته من الحجّ.

و الظاهر من قوله (عليه السلام) «و هو بمنزلة أهل مكّة» أنّ المقيم بمكّة بمنزلة أهلها في جميع الأحكام لا في خصوص الإتمام حال الإقامة، فيدلّ على إتمام المسافر إذا خرج في محلّ الإقامة إلى ما دون المسافة مطلقاً كما ذهب إليه بعض المتأخّرين (3) استناداً إلى هذا و مثله، و من قوله «فإذا خرج .. إلى آخر الحديث» أنّه تفريع على عموم المنزلة المذكورة، فتكون الأحكام الثلاثة المفصّلة فيه مترتّبة على ذلك و ناشئة منه.

و الترتيب في الحكم الأوّل و هو وجوب القصر على المقيم إذا خرج إلى منى في خروجه الأوّل واضح، فإنّ المراد به خروجه إليها بقصد الحجّ و المضي إلى

____________

(1) المصدر السابق: ح 3 ج 5 ص 499، و المذكور في التهذيب «بعد التروية» و هو غلط واضح، فإنّ الحكم الوارد في الخبر إنّما وقع للحاجّ لا لغيرهم، فراجع التهذيب: ب 26 من أبواب الزيادات ح 1742 ج 5 ص 488.

(2) الفهرست للطوسي: رقم 231 ص 61.

(3) منهم العلّامة في تذكرة الفقهاء: في السفر ج 4 ص 413، و الشهيد الثاني في مسالك الأفهام: في السفر ج 1 ص 350 351، و السيّد في المدارك: في صلاة المسافر ج 4 ص 481.

376

عرفات، و إذا وجب القصر بذلك على أهل مكّة لكونه سفراً وجب على المقيم أيضاً بل كان المقيم بهذا أولى. و أمّا الحكمان الآخران و هما وجوب الإتمام عليه إذا زار البيت و وجوبه إذا رجع إلى منى ففيهما إشكال، لأنّ حكم المقيم قد انتقض بسفره إلى عرفات كما اقتضاه وجوب القصر عليه في الفرع الأوّل، فلا يتعيّن عليه الإتمام بمكّة، و لا يجوز له ذلك إذا رجع إلى منى بخلاف أهل مكّة المتوطّنين بها، لأنّ سفرهم قد انقطع بالوصول إلى مكّة الّتي هي وطنهم، فكان الإتمام واجباً عليهم فيها و في منى لعدم بلوغها مسافة القصر، لأنّها على فرسخ من مكّة. و مع اختلاف أهل مكّة و المقيم بها في وجود القاطع و عدمه فلا تصحّ التسوية بينهما في الحكم و لا ينزّل أحدهما منزلة الآخر.

و الحديث من المشكلات، و جملة ما قيل أو يقال فيه وجوه ليس شيء منها بشيء:

الأوّل: إنّ وجه الإتمام في حقّ المقيم بمكّة و منى أنّ مكّة من مواضع التخيير و كذا منى، لأنّها من الحرم و التخيير يعمّ الحرم كلّه و لا يختصّ بالمسجد و لا بالبلد على ما ذهب إليه جماعة (1) من الأصحاب و دلّت عليه جملة من الأخبار (2). و الحديث و إن دلّ في ظاهره على وجوب الإتمام بها عيناً إلَّا أنّه محمول على التخيير و أفضلية التمام جمعاً بينه و بين ما دلّ على وجوب القصر.

و فيه: أنّ الكلام في الحكم المترتّب على المنزلة الثانية للمقيم باعتبار الإقامة و هو الوجوب العيني لا التخييري، و التخيير بين القصر و الإتمام في هذه المواطن ثبت للمسافر مطلقاً أقام فيها أم لم يقم، فلا تكون الإقامة مؤثّرة فيه، على أنّ الإتمام بمنى لو كان لثبوته في مطلق الحرم لثبت قبل النفر و بعده و في منى ذاهباً و راجعاً و في غيرها من مواضع الحرم كالمشعر و غيره، و المستفاد من النصّ

____________

(1) منهم الأردبيلي في مجمع الفائدة و البرهان: في السفر ج 3 ص 425، و السيّد في المدارك: في صلاة المسافر ج 4 ص 468، و السبزواري في الذخيرة: في السفر ص 413 س 30.

(2) وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب صلاة المسافر ح 1 و 24 ج 5 ص 543 و 548.

377

اختصاصه بمنى حال الرجوع كما يدلّ عليه مفهوم قوله (عليه السلام) «حتّى ينفر» و إطلاق قوله «فإذا خرج إلى منى وجب عليه التقصير».

الثاني: الإتمام بمكّة و منى لاختصاصهما بالتخيير من بين مواضع الحرم. و يدلّ عليه ما رواه الشيخ في الصحيح عن عليّ بن مهزيار قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) أنّ الرواية قد اختلفت عن آبائك في الإتمام و التقصير للصلاة في الحرمين، فمنها أن يأمر بتتميم الصلاة و لو صلاة واحدة، و منها أن يأمر بتقصير الصلاة ما لم ينو مقام عشرة أيّام، و لم أزل على الإتمام فيهما إلى أن صدرنا في حجّنا من عامنا هذا فإنّ فقهاء أصحابنا أشاروا عليَّ بالتقصير إذا كنت لا أنوي مقام عشرة أيّام، فصرت إلى التقصير، و قد ضقت بذلك حتّى أعرف رأيك؟ فكتب إليَّ بخطّه: قد علمت يرحمك اللّٰه فضل الصلاة في الحرمين على غيرهما فأنا أحبّ لك إذا دخلتهما أن لا تقصّر و تكثر فيهما الصلاة. فقلت له بعد ذلك بسنتين مشافهةً: إنّي كتبت إليك بكذا و أجبتني بكذا؟ فقال: نعم. فقلت: و أيّ شيء تعني بالحرمين؟ فقال: مكّة و المدينة و منى، إذا توجّهت من منى فقصّر الصلاة، فإذا انصرفت من عرفات إلى منى و زرت البيت و رجعت إلى منى فأتمّ الصلاة تلك الأيّام الثلاثة، و قال بإصبعه ثلاثاً (1). و هذا الحديث مع صحّته صريح في أنّ المسافر يتمّ الصلاة بمنى كما يتمّها بمكّة، و ظاهره اختصاص الإتمام بهما من بين مواضع الحرم كما قلنا.

و منى في قوله (عليه السلام) بمكّة و المدينة و منى» بالنون للمكان المعروف لا بالتاء للزمان كما يوجد في بعض النسخ و إلَّا لتوالي الشرطان و لم يلائم صدر الحديث آخره، و على الأوّل فالدلالة في الحديث من وجهين بخلاف الثاني فإنّها من وجه واحد و هو قوله «إذا توجّهت من منى .. إلى آخر الحديث».

و يتوجّه عليه أنّ الكليني (رحمه الله) روى هذا الحديث إلى قوله «مكّة و المدينة» (2)

____________

(1) تهذيب الأحكام: ب 26 في الزيادات ح 1487 ج 5 ص 428.

(2) الكافي: ح 8 ج 4 ص 525.

378

و لم يذكر «منى» و لا الكلام الّذي بعدها، و هو المناسب في تفسير الحرمين. و أمّا منى فإن قصد دخولها في الحكم لدخولها في الحرمين عمّ الحكم جميع مواضع الحرم و لم يناسب تفسيره ببعضها بل رجع هذا الوجه إلى الوجه الأوّل، و إن اريد تفسير الحرم بمكّة و منى خاصّة فهو شيء غريب غير معهود في الأخبار و لا في غيرها، فإنّه إمّا مطلق الحرم المعروف فيدخل فيه غير هذين الموضعين، أو خصوص البلد أو المسجد فتخرج عنه منى، و إن بني الكلام على دخولها في الحكم و خروجها عن الحرم بهذا التفسير على أن يكون «و منى» مثلهما أو نحو ذلك، فهو مع ما فيه من التكلّف يقتضي ثبوت التخيير في خمسة مواضع، و المعروف نصّاً و فتوى ثبوته في أربعة، و مع ذلك فالإتمام في مكّة و منى لأجل خصوصية المكان غير الإتمام اللازم من الإقامة و تنزيل المقيم بمنزلة أهل مكّة كما دلّ عليه الحديث فلا يتمّ التقريب.

الثالث: أن يكون الحكم بإتمام المقيم بمكّة و منى لخصوصية الإقامة الواقعة بمكّة لا لاقتضاء مطلق الإقامة له، و يشهد لذلك ما رواه الشيخ عن محمّد بن إبراهيم الحضيني قال: استأمرت أبا جعفر (عليه السلام) في الإتمام و التقصير، قال: إذا دخلت الحرمين فانو عشرة أيّام و أتمّ الصلاة. فقلت: إنّي أقدم مكّة قبل التروية بيوم أو يومين أو ثلاثة، قال: انو مقام عشرة أيّام و أتمّ الصلاة.

قال الشيخ: المعتمد عندي هو أنّه من حصل بالحرمين ينبغي له أن يعزم على مقام عشرة أيّام و يتمّ الصلاة (1) فيهما و إن كان يعلم أنّه لا يقيم أو يكون في عزمه الخروج من الغد، و يكون هذا ممّا يختصّ به هذان الموضعان و يتميّزان به من سائر البلاد، لأنّ سائر المواضع متى عزم الإنسان فيها على المقام عشرة أيّام وجب عليه الإتمام، و متى كان دون ذلك وجب عليه التقصير (2).

و الوجه في الحديث و في كلام الشيخ حملهما على أنّ من خصائص الحرمين

____________

(1) تهذيب الأحكام: ب 26 في الزيادات ح 1484 و ذيل ح 1483 ج 5 ص 427.

(2) تهذيب الأحكام: ب 26 في الزيادات ح 1484 و ذيل ح 1483 ج 5 ص 427.

379

أنّ الإقامة فيهما لا يشترط فيها التوالي، بل يصحّ و إن كانت أيّاماً متفرّقة بخلاف سائر البلدان، و بهذا يندفع التشنيع على الشيخ في كلامه المنقول و يرتفع الاستبعاد عن النصّ، فإنّ العزم على الإقامة ينافي العلم بعدم حصولها لا العلم بحصولها متفرّقة غير متوالية، و متى جازت الإقامة في مكّة مع عدم توالي العشرة كانت الإقامة مؤثّرة في الإتمام لمن عاد إليها و إن تخلّل السفر بينها و بين العود، و جاز تأثيرها في الإتمام بمنى فإنّه من أفراد خروج المقيم من محلّ إقامته إلى ما دون المسافة، فكان كخروجه قبل تخلّل السفر، و يبنى الحكم في ذلك على أنّ الخروج إلى ما دون المسافة لا يقطع الإقامة مطلقاً أو يجعل هذا أيضاً من خصائص المحلّ.

و يردّ عليه أنّ اختصاص الحرمين بما ذكر غير معروف و لا ثابت. و مقتضى النصوص و فتاوى الأصحاب اشتراط التوالي في الإقامة مطلقاً سواء في ذلك الحرمان و غيرهما، و رواية الحضيني مع شذوذها و عدم وضوح سندها ظاهرة في صحّة الإقامة بهما و إن علم عدم حصول العشرة متوالية أو غير متوالية، فحملها على عدم اشتراط التوالي و بناء هذا الوجه عليه وهنٌ على وهن.

الرابع: الحمل على إرادة إقامة مستأنفة بعد الرجوع كما هو الغالب من بقاء الحاجّ بمكّة بعد الحجّ عشرة أيّام أو أكثر، و لا ينافيه الخروج إلى منى، لأنّ الخروج إليها دون المسافة لا يهدم الإقامة. و على هذا يجب على المقيم أن يتمّ الصلاة بمكّة بعد رجوعه من عرفات و منى أيضاً بعد العود، و هو بناءٌ على أساسٍ منهدم، فإنّ الصحيح عدم صحّة الإقامة المصاحبة لنيّة الخروج إلى ما دون المسافة لمنافاتها التوالي المعتبر في الإقامة، و مع ذلك فالإشكال في الحديث باقٍ لم يندفع فإنّ المقيم إنّما نزّل فيه منزلة المتوطّن بالإقامة المفروضة فيه و هي الإقامة المتقدّمة على خروجه إلى عرفات، و لا يرتفع هذا الإشكال بفرض إقامة اخرى بعد الرجوع، لعدم ترتّب التنزيل عليها في النصّ، فاعتبارها على ما فيه من التكلّف ضائع لا أثر له.

380

الخامس: بناء الحديث على أنّ الرجوع ليومه شرط يعيّن القصر في البريد، و أنّ البريد مع فقد شرطه المذكور ليس سفراً فلا تنتقض الإقامة به كما لا تنتقض بما دونه، لاشتراكهما في كونهما خروجاً إلى ما دون المسافة الّتي يتعيّن فيها القصر و إن اختلفا في جواز القصر و عدمه، فيتعيّن على المقيم إتمام الصلاة بمكّة بعد الرجوع إليها من عرفات و كذا في منى بعد العود إليها من مكّة.

و فيه: منع توقّف السفر على تحتّم القصر، فقد يتحقّق مع جواز الإتمام كما في مواضع التخيير مع وجوبه كما في كثير السفر و العاصي بسفره، و أنّ الظاهر انتقاض الإقامة بالخروج إلى ما دون المسافة إمّا مطلقاً أو حال الرجوع فلا يجوز الإتمام بمكّة و منى للمقيم بعد العود من عرفات إلَّا لكونهما من مواطن التخيير، و لو كان حكم الإقامة باقياً في الخروج إلى ما دون المسافة لوجب الإتمام قبل السفر في منى و ظاهر الحديث اختصاصه بما قبل السفر.

السادس: إرجاع الضمائر في قوله «خرج و زار و رجع» إلى أهل مكّة دون المقيم، و الأحكام الثلاثة ثابتة لهم بلا إشكال و هو تكلّف شديد و تعسّف بعيد، فإنّ المقصود بيان حكم المقيم كما يدلّ عليه صدر الحديث و توحيد الضمائر و قوله «حتّى ينفر» مع أنّ عموم المنزلة الّذي هو منشأ الإشكال يقتضي ثبوت هذه الأحكام و غيرها للمقيم حيث جعل بمنزلتهم، فإرجاع الضمائر إليهم على ما فيه لا يجدي نفعاً في دفع المحذور.

و الوجه الحاسم لمادّة الإشكال صرف المنزلة عن ظاهرها الّذي هو العموم و حملها على أنّ المراد بيان كون المقيم بمكّة بمنزلة أهلها في وجوب الإتمام بها ما لم يخرج تأكيداً لما أفاد صدر الحديث، و يكون قوله (عليه السلام) «فإذا خرج .. إلى آخره» تفصيلًا لأحكام المقيم إذا خرج من مكّة و عاد إليها من دون قصد التفريع على ما تقدّم من المنزلة.

و على هذا، فلا دلالة في الحديث على بقاء حكم الإقامة للخارج إلى ما دون

381

المسافة كما قيل (1) لابتنائه على عموم المنزلة و لا على أنّ خروج المقيم إلى عرفات موجب للقصر، لاحتمال أن يكون الوجه في تقصيره انتقاض حكم الإقامة بالخروج إلى ما دون المسافة كما ذهب إليه الشيخ (2) و مَن وافقه (3) فإنّهم فرضوا المسألة في خروج المقيم بمكّة إلى عرفات و صرّحوا بوجوب القصر عليه ذهاباً و إياباً و في المقصد و فرّقوا في ذلك بين المقيم و المتوطّن، لكن ما ذهبوا إليه من إطلاق القصر في حقّ المقيم خلاف التحقيق فإنّ الأظهر وجوبه في الرجوع خاصّة دون الذهاب و المقصد، و به قال الشهيدان (4) و أكثر المتأخّرين (5)، و عليه يتوجّه دلالة الحديث على أنّ الخروج إلى عرفات سفر موجب للقصر حيث لم يفرّقا فيه بين حالتي الرجوع و غيره، و لو كان الوجه فيه خروجه إلى ما دون المسافة لوجب التفصيل.

و قد تبيّن من هذا و ما قبله أنّ الحديث دليل على أنّ الخروج من مكّة إلى عرفات سفر يجب به القصر على المتوطّن و المقيم سواء اريد بالمنزلة فيه العموم أو الخصوص. و هذا هو محلّ الحاجة إلى الحديث هنا.

و أمّا ما تضمّنه من إتمام المقيم إذا رجع من عرفة إلى مكّة فالوجه فيه على تخصيص المنزلة أنّ مكّة من مواضع التخيير و الأفضل فيها هو الإتمام، فيكون الأمر به محمولًا على الاستحباب أو الوجوب التخييري. و لا يتوجّه عليه ما سبق من الإيراد فإنّه مبنيّ على عموم المنزلة و المفروض حينئذٍ خلافه.

____________

(1) تقدّم القائل بذلك في ص 375 هامش 3.

(2) المبسوط: في صلاة المسافر ج 1 ص 138.

(3) كابن إدريس في السرائر: في أحكام صلاة المسافر ج 1 ص 345، و المحقّق في الشرائع: في صلاة المسافر ج 1 ص 136، و القاضي في المهذّب: ج 1 ص 102.

(4) البيان: في صلاة المسافر ص 160، و حاشية الإرشاد (غاية المراد) في صلاة المسافر ج 1 ص 225، و روض الجنان: ص 399 س 27.

(5) كابن فهد في الموجز الحاوي (الرسائل العشر): ص 121، و الكركي في جامع المقاصد: ج 2 ص 515، و السيّد في المدارك: ج 4 ص 481.

382

و أمّا الإتمام بمنى إذا عاد فهو محمول على التقيّة، لأنّه المعروف من فعل خلفائهم و امرائهم. و يدلّ عليه ما رواه الكليني (رحمه الله) في الصحيح على الأصحّ عن زرارة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: حجّ النبيّ (صلى الله عليه و آله) فأقام بمنى ثلاثاً يصلّي ركعتين، ثمّ صنع ذلك أبو بكر بمكّة ثمّ صنع ذلك عمر ثمّ صنع ذلك عثمان ستّ سنين ثمّ أكملها عثمان أربعاً فصلّى الظهر أربعاً ثمّ تمارض ليشدّ بذلك بدعته عنه، فقال للمؤذّن اذهب إلىٰ عليّ فقل له فليصلّ بالناس العصر، فأتى المؤذّن علياً (عليه السلام) فقال: إنّ أمير المؤمنين عثمان يأمرك أن تصلّي بالناس العصر، فقال: إذاً لا اصلّي إلَّا ركعتين كما صلّى رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم)، فذهب المؤذّن فأخبر عثمان بما قال عليّ (عليه السلام)، فقال: اذهب إليه و قل له: إنّك لست من هذا في شيء اذهب فصلّ كما تؤمر، فقال عليّ (عليه السلام): لا و اللّٰه لا أفعل، فخرج عثمان فصلّى بهم أربعاً، فلمّا كان من خلافة معاوية و اجتمع الناس عليه و قُتل أمير المؤمنين (عليه السلام) حجّ معاوية فصلّى بالناس بمنى ركعتين الظهر ثمّ سلّم، فنظرت بنو اميّة بعضهم إلى بعض و ثقيف و مَن كان من شيعة عثمان ثمّ قالوا: قد قضى على صاحبكم و خالف و أشمت به عدوّه، فقاموا فدخلوا عليه فقالوا: أ تدري ما صنعت ما زدت على أن قضيت على صاحبنا و أشمتّ به عدوّه و رغبت عن صنيعه و سنّته، فقال: ويلكم أما علمتم أنّ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) صلّى في هذا المكان ركعتين و أبو بكر و عمر و صلّى صاحبكم ستّ سنين كذلك فتأمروني أن أدع سنّة رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) و ما صنع أبو بكر و عمر و عثمان قبل أن يحدث؟ فقالوا: لا و اللّٰه ما نرضى عنك إلَّا بذلك، فقال: فأقيلوا فإنّي مشفّعكم و راجع إلى سنّة صاحبكم، فصلّى العصر أربعاً، فلم تزل الخلفاء و الامراء على ذلك إلى اليوم (1). فهذا الحديث ينادي بأنّ الإتمام بمنى حيث ورد في رواياتنا قد خرج مخرج التقيّة.

و فيه: مع ذلك دلالة على اختصاص التخيير بمكّة و عدم رجحان الإتمام في

____________

(1) الكافي: ح 3 ج 4 ص 518.