مصابيح الظلام - ج8

- الوحيد البهبهاني المزيد...
524 /
5

[تتمة فن العبادات و السياسات]

[تتمة كتاب مفاتيح الصلاة]

[تتمة الباب الثالث في أفعال الصلاة و أذكارها المتقدمة عليها و المقارنة لها و المتأخرة عنها]

[تتمة القول في السجود]

163- مفتاح [وجوب وضع المواضع السبعة على الأرض]

يجب وضع سبعة أعظم على الأرض: الجبهة، و الكفّين، و الركبتين، و إبهامي الرجلين، للصحاح (1)، و يكفي فيها المسمّى، وفاقا للأكثر (2)، للعمومات و المعتبرة المستفيضة الصريحة (3).

منها: «إذا مسّ شيء من جبهته الأرض فيما بين حاجبيه و قصاص شعره فقد أجزأ عنه» (4).

و أوجب الإسكافي تمام الجبهة (5)، للصحيح (6)، و حمل على الأفضليّة (7)، للجمع.

____________

(1) وسائل الشيعة: 5/ 459 الحديث 7077، 461 الحديث 7078، 6/ 343 الحديث 8134، 345 الحديث 8140 و 8141.

(2) تذكرة الفقهاء: 3/ 187، روض الجنان: 276، لاحظ! الحدائق الناضرة: 8/ 280.

(3) وسائل الشيعة: 6/ 355 الحديث 8170 و 8171، 356 الحديث 8173.

(4) وسائل الشيعة: 6/ 355 الحديث 8170.

(5) نقل عنه في ذكرى الشيعة: 3/ 392.

(6) وسائل الشيعة: 5/ 363 الحديث 6800.

(7) مدارك الأحكام: 3/ 405.

6

و الموثّق: «الجبهة إلى الأنف أيّ ذلك أصبت به الأرض أجزأك، و السجود عليه كلّه أفضل» (1).

و قيل: يجب وضع مقدار الدرهم منها (2) و لم نجد مستنده (3).

و يشترط في محلّها أن يكون طاهرا بالإجماع. و فيه نظر، لورود المعتبرة بجواز الصلاة في الأمكنة التي أصابها البول و المني إذا كانت يابسة (4)، من غير معارض، فإنّ مثل هذا الإجماع بانفراده لا يعتمد عليه إلّا أن يخصّص المعتبرة بإرادة ما عدا موضع الجبهة.

و أن يكون أرضا أو ما نبت منها غير مأكول و لا ملبوس عادة، للصحاح المستفيضة (5)، إلّا عند الضرورة فيسقط ذلك.

و في الخبر: فإن منعه الحرّ من السجود سجد على ثوبه و إلّا على كفّه (6).

و جوّز السيّد على القطن و الكتّان من غير ضرورة و لا تقيّة (7)، كما في الأخبار (8)، و هي معارضة بما هي أصحّ سندا منها (9).

____________

(1) وسائل الشيعة: 6/ 356 الحديث 8172.

(2) المقنع: 87، السرائر: 1/ 225، ذكرى الشيعة: 3/ 389.

(3) أمّا ما في الحسن: «إنّما سقط عن ذلك الأرض أجزأك مقدار الدرهم و مقدار الأنملة» [وسائل الشيعة:

6/ 356 الحديث 8174 مع اختلاف يسير] فلا يدلّ على ما ذهب إليه القائل، «منه (رحمه اللّه)».

(4) وسائل الشيعة: 3/ 453 الباب 30 من أبواب النجاسات.

(5) وسائل الشيعة: 5/ 343 الباب 1 من أبواب ما يسجد عليه.

(6) وسائل الشيعة: 5/ 351 الحديث 6765 نقل بالمضمون.

(7) رسائل الشريف المرتضى: 1/ 174.

(8) وسائل الشيعة: 5/ 348 الحديث 6756 و 6757، 351 الحديث 6767.

(9) وسائل الشيعة: 5/ 343 و 344 الحديث 6740 و 6742 و 6765، 346 الحديث 6751.

7

و لا يجوز على المعادن، للمعتبرة (1)، و في الأراضي المستحيلة كالجص و النورة و الخزف قولان، و الصحيح (2) في الجصّ يشعر بالجواز.

و يجوز على القرطاس قولا واحدا و ان تركّب ممّا لا يصحّ عليه، للصحاح المستفيضة (3).

نعم يكره على المكتوبة منه، كما في الصحيح (4).

____________

(1) وسائل الشيعة: 5/ 360 الباب 12 من أبواب ما يسجد عليه.

(2) وسائل الشيعة: 5/ 358 الحديث 6788.

(3) وسائل الشيعة: 5/ 355 الباب 7 من أبواب ما يسجد عليه.

(4) وسائل الشيعة: 5/ 356 الحديث 6783.

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

قوله: (يجب). إلى آخره.

____________

هذا هو المشهور، بل نقل في «التذكرة» إجماع الأصحاب عليه (1)، و كذلك نقل في «الذكرى» (2)، و عن المرتضى و ابن إدريس أنّهما جعلا عوض الكفّين المفصل عند الزندين (3)، فظاهر الصدوق وجوب الإرغام أيضا، لأنّه قال من تركه فلا صلاة له (4).

و يدلّ على المشهور صحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام): «أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) قال: السجود على سبعة أعظم: الجبهة، و اليدين، و الركبتين، و الإبهامين [من الرجلين] و ترغم بأنفك إرغاما، فأمّا الفرض فهذه السبعة و أمّا الإرغام [بالأنف] فسنّة من النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم )» (5).

و صحيحة حمّاد المشهورة: «أنّ الصادق (عليه السلام) لمّا علّم الصلاة سجد على الثمانية، السبعة الأعظم المذكورة و الأنف، قال: «سبعة منها فرض [يسجد عليها] و هي التي ذكرها اللّه عزّ و جلّ في كتابه، و قال وَ أَنَّ الْمَسٰاجِدَ لِلّٰهِ فَلٰا تَدْعُوا مَعَ اللّٰهِ أَحَداً (6) و هي الجبهة- [إلى أن] قال-: «و وضع الأنف على الأرض سنّة» (7).

و في «الغوالي» أنّه روى أنّ المعتصم سأل الجواد (عليه السلام) عن قوله تعالى

____________

(1) تذكرة الفقهاء: 3/ 184 المسألة 256.

(2) ذكرى الشيعة: 3/ 387.

(3) رسائل الشريف المرتضى: 3/ 32، السرائر: 1/ 225.

(4) من لا يحضره الفقيه: 1/ 205 ذيل الحديث 930، الهداية: 137.

(5) تهذيب الأحكام: 2/ 299 الحديث 1204، الاستبصار: 1/ 327 الحديث 1224، وسائل الشيعة:

6/ 343 الحديث 8134.

(6) الجنّ (72): 18.

(7) الكافي: 3/ 311 الحديث 8، وسائل الشيعة: 5/ 461 الحديث 7078.

10

..........

____________

وَ أَنَّ الْمَسٰاجِدَ؟ فقال (عليه السلام): «هي الأعضاء السبعة التي يسجد عليها» (1).

و هذه تدلّ على اشتهار كون السجود على الأعضاء السبعة، و مسلّميّته و مقبوليّته عند الكلّ، إلّا أنّه نقل في «المنتهى» أنّ أبا حنيفة اكتفى بالجبهة (2).

و في «الغوالي» أيضا: و قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ): «أمرت أن أسجد على سبعة آراب» أي أعضاء (3). و سيجيء أيضا ما يدلّ على ذلك.

و الكفّان يشملان الأصابع، و يكفي المسمّى لصدق الامتثال، و عدم معروفيّة خلاف من الفقهاء في ذلك، إلّا ما نقل عن «المنتهى» من أنّه قال: هل يجب استيعاب جميع الكفّ بالسجود؟ عندي فيه تردّد، و الحمل على الجبهة يحتاج إلى دليل، و لورود النصّ في خصوص الجبهة، و التعدّي يحتاج إلى دليل (4)، انتهى.

و فيه، أنّه لو تمّ لما انحصر إشكاله في الكفّ، بل سائر المساجد يصير حكمه حكم الكفّ.

و الأحوط بل الأظهر اعتبار باطن الكفّين، لكون ذلك هو المعهود من النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) و الأئمّة (عليهم السلام)، و المسلمين في الأعصار و الأمصار، و كونه المتبادر من الأخبار، و من فتاوى الأصحاب، بل صرّح العلّامة في «النهاية» و الشهيدان بعدم الإجزاء بالظاهر (5). و نقله في «الذكرى» عن الأكثر (6).

و في «الذخيرة»: و نقل في «النهاية» عن ظاهر علمائنا إلّا المرتضى،

____________

(1) عوالي اللآلي: 2/ 34 الحديث 86، وسائل الشيعة: 6/ 345 الحديث 8141.

(2) منتهى المطلب: 5/ 143، لاحظ! المغني لابن قدامة: 1/ 303 الفصل 718.

(3) عوالي اللآلي: 2/ 35 الحديث 87.

(4) نقل عنه في ذخيرة المعاد: 286، لاحظ! منتهى المطلب: 5/ 166.

(5) نهاية الإحكام: 1/ 488، ذكرى الشيعة: 3/ 392، البيان: 168، روض الجنان: 276.

(6) ذكرى الشيعة: 3/ 392.

11

..........

____________

وجوب تلقّي الأرض بباطن راحتيه (1)، و تنظّر فيه في «المنتهى» (2)، و جوّز المرتضى و ابن الجنيد و ابن ادريس إلقاء الزندين (3)، انتهى. و لم نعرف مأخذهم.

و المذكور، في عبارات الأكثر إبهامي الرجلين (4)، كما هو المذكور في النصّين (5)، و الأحوط و الأولى اعتبار رءوسهما، إذ لعلّه الأظهر من فعل الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) و الأئمّة (عليهم السلام)، و المتشرّعة، و من قولهم (عليهم السلام).

و استقرب في «المنتهى» جواز السجود على ظاهر الإبهامين (6)، و عن «المبسوط»: و إن وضع بعض أصابع رجليه أجزأه (7).

و عن ابن زهرة أنّه يسجد على أطراف القدمين (8)، و [عن] أبي الصلاح:

أطراف أصابع الرجلين (9).

و عن الشهيد تعيين الإبهامين (10)، كما هو الظاهر من الأكثر و من النصّين، بل في الصحيح (11) أنامل إبهامي الرجلين (12)، كما عرفت، و الظاهر الأنملة الفوقانيّة،

____________

(1) نهاية الإحكام: 1/ 490.

(2) منتهى المطلب: 5/ 166.

(3) ذخيرة المعاد: 286، لاحظ! رسائل الشريف المرتضى: 3/ 32، نقل عن ابن الجنيد في ذكرى الشيعة:

3/ 392، السرائر: 1/ 225.

(4) ذكرى الشيعة: 3/ 387، مدارك الأحكام: 3/ 403، ذخيرة المعاد: 285.

(5) وسائل الشيعة: 6/ 343 الحديث 8134 (بسندين).

(6) منتهى المطلب: 5/ 166.

(7) المبسوط: 1/ 112.

(8) غنية النزوع: 80.

(9) الكافي في الفقه: 119.

(10) ذكرى الشيعة: 3/ 387.

(11) في (ز 3): الحسن.

(12) وسائل الشيعة: 5/ 459 الحديث 7077.

12

..........

____________

فربّما يؤيّد ما ذكرنا من أولويّة اعتبار رءوسهما.

لكن قال: لو تعذّر السجود عليهما لعدمهما أو قصرهما، أجزأ على بقيّة الأصابع (1)، و استحسنه في «الذخيرة» (2).

و لعلّ المستند فيه ما هو مستند ابن زهرة (3)، من رواية الجمهور عن ابن عبّاس أنّه قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ): «أمرت بالسجود على سبعة أعظم: اليدين و الركبتين و أطراف القدمين و الجبهة» (4).

و في «الغوالي» عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ): «اسجدوا على سبعة: اليدين، و الركبتين، و أطراف أصابع الرجلين، و الجبهة» (5)، و هما مستندا أبي الصلاح أيضا (6).

و يعضده طريقة المسلمين في الأعصار و الأمصار من عدم رفعهم اليد عن القدمين في السجود، إن أمكن بالإبهام و إلّا فبالإصبع و إلّا فبأجزاء الأصابع، مع أنّ البراءة اليقينيّة موقوفة عليه.

مع أنّه روى في «الغوالي» عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) أنّه قال: «أمرت أن أسجد على سبعة أطراف: الجبهة، و اليدين، و الركبتين، و القدمين» (7)، و فيها أيضا عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ):

«إذا سجد العبد سجد معه سبعة: وجهه و كفّاه و ركبتاه و قدماه» (8).

فما استحسنه لا شبهة في حسنه، و المتبادر من السجود على الأعضاء

____________

(1) ذكرى الشيعة: 3/ 388.

(2) ذخيرة المعاد: 286.

(3) غنية النزوع: 80.

(4) صحيح مسلم: 1/ 297 الحديث 230 مع اختلاف يسير.

(5) عوالي اللآلي: 1/ 196 الحديث 5.

(6) لاحظ! الكافي في الفقه: 119.

(7) عوالي اللآلي: 2/ 219 الحديث 16.

(8) عوالي اللآلي: 1/ 197 الحديث 6، مستدرك الوسائل: 4/ 455 الحديث 5145.

13

..........

____________

المذكورة، أن يكون ثقل الجسد عليها و الاعتماد، فلو تحامل عنها لم يجز على ما صرّح به جماعة (1). و علّل بعدم حصول الطمأنينة.

هذا، مع أنّ البراءة اليقينيّة تتوقّف عليه لما ذكر، لكونه هو المعهود من المسلمين، بل و من الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) و الأئمّة (عليهم السلام) على الظاهر، فلو سجد على متخلخل من الصوف، أو القطن و أمثاله، وجب أن يعتمد عليه حتّى تثبت الأعضاء، و إن لم تثبت لم تصلّ عليه، و لا يجب المبالغة في الاعتماد بحيث يزيد على قدر ثقل الأعضاء و حصول الاستقرار و الطمأنينة، بل لا يحسن.

و الظاهر وجوب التجافي في بطنه على الأرض، و عدم جواز الإكباب على وجهه و يديه و رجليه و موضع جبهته، لعدم كونه سجدة.

و لو قطع بعض المساجد أصلا و رأسا، سقط وجوبه و أتى بما بقي، لما عرفت مكرّرا من قول الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ): «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم»، و قول علي (عليه السلام): «الميسور لا يسقط بالمعسور»، و «ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه» (2)، و الاستصحاب.

قوله: (للمعتبرة). إلى آخره.

هي صحيحة زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) قال: قلت له: الرجل يسجد و عليه قلنسوة أو عمامة، قال: «إذا مسّ شيء من جبهته الأرض فيما بين حاجبيه و قصاص شعره فقد أجزأ عنه» (3).

____________

(1) الدروس الشرعيّة: 1/ 180، البيان: 168، جامع المقاصد: 2/ 301، روض الجنان: 276.

(2) عوالي اللآلي: 4/ 58 الحديث 205 و 206 و 207 مع اختلاف يسير.

(3) من لا يحضره الفقيه: 1/ 176 الحديث 833، وسائل الشيعة: 6/ 355 الحديث 8170.

14

..........

____________

و مثلها رواية عن الباقر (عليه السلام) (1)، و صحيحة زرارة عن الصادق (عليه السلام) قال: «ما بين قصاص الشعر إلى طرف الأنف مسجد أيّ ذلك أصبت به الأرض أجزأك» (2).

و مثلها موثّقة (3) مروان بن مسلم، و عمّار الساباطي عنه (عليه السلام) (4)، و قريب منها رواية بريد عن الباقر (عليه السلام) (5)، و هي معتبرة.

و في صحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام) تجويز السجود على سواك و على عود (6).

و لا يخفى أنّ المراد بالمسمّى، المسمّى العرفي، أي مسمّى له اعتداد و مقدار معتدّ به في الجملة، فلا يكفي مقدار حبّة من خردل من التراب مثلا يكون على الفراش الصوف مثلا، و يضع الجبهة على الفراش المذكور، و على تلك الجهة التي عليه، بل لا بدّ أن يكون التراب عليه شيئا معتدّا به، بحيث يكون فردا متبادرا من المعتبرة المذكورة.

قوله: (و أوجب الاسكافي).

لم أجد نسبة هذا إليه في كتب العلّامة، و لا في «المدارك» و «الذخيرة» و غيرهما (7).

____________

(1) تهذيب الأحكام: 2/ 85 الحديث 313، وسائل الشيعة: 6/ 355 الحديث 8171.

(2) من لا يحضره الفقيه: 1/ 176 الحديث 837، وسائل الشيعة: 6/ 356 الحديث 8173.

(3) في (د 2): قويّة.

(4) من لا يحضره الفقيه: 1/ 176 الحديث 836، تهذيب الأحكام: 2/ 298 الحديث

1201، الاستبصار:

1/ 327 الحديث 1222، وسائل الشيعة: 6/ 356 الحديث 8173.

(5) تهذيب الأحكام: 2/ 298 الحديث 1199، الاستبصار: 1/ 326 الحديث 1221، وسائل الشيعة:

6/ 356 الحديث 8172.

(6) من لا يحضره الفقيه: 1/ 236 الحديث 1039، تهذيب الأحكام: 2/ 311 الحديث 1264، وسائل الشيعة: 5/ 364 الحديث 6802 و 6803.

(7) نقل عنه في ذكرى الشيعة: 3/ 392.

15

..........

____________

و المراد من الصحيحة، صحيحة علي بن جعفر، عن أخيه موسى (عليه السلام) قال:

سألته عن المرأة تطول قصّتها فإذا سجدت وقع بعض جبهتها على الأرض، و بعض يغطيه الشعر، هل يجوز ذلك؟ قال: «لا، حتّى تضع جبهتها على الأرض» (1)، و حملت على الاستحباب جمعا، و إن كان الحمل بعيد، أو تطرح لشذوذها.

و يمكن الحمل على أن طول القصّة ربّما يمنع من وقوع الجبهة على النهج المتعارف في السجود على الأرض، لأنّ القصّة شعر الناصية، فتأمّل! قوله: (و قيل يجب). إلى آخره.

القائل هو الصدوق في «الفقيه» و «المقنع» (2) و ابن إدريس (3)، و الشهيد في «الذكرى» بعد ما اختار المسمّى قال: الأقرب أن لا ينقص في الجبهة عن درهم لتصريح الخبر و كثير من الأصحاب (4)، انتهى.

فيظهر منه كثرة القائل، و مراده من الخبر حسنة زرارة- بإبراهيم- عن الباقر (عليه السلام) قال: «الجبهة كلّها من قصاص شعر الرأس إلى الحاجبين موضع السجود فأيّما سقط من ذلك إلى الأرض أجزأك مقدار الدرهم و مقدار طرف الأنملة» (5).

و فيه، أنّ هذه الحسنة مثل المعتبرة السابقة تدلّ على كفاية المسمّى المعتدّ به

____________

(1) قرب الإسناد: 224 الحديث 874، وسائل الشيعة: 5/ 363 الحديث 6800.

(2) من لا يحضره الفقيه: 1/ 175 ذيل الحديث 827، المقنع: 87.

(3) السرائر: 1/ 225.

(4) ذكرى الشيعة: 3/ 389.

(5) الكافي: 3/ 333 الحديث 1، وسائل الشيعة: 6/ 356 الحديث 8174.

16

..........

____________

عرفا على حسب ما عرفت، لقوله (عليه السلام): «و مقدار طرف الأنملة» سيّما بعد قوله (عليه السلام):

«فأيّما سقط من ذلك إلى الأرض أجزأك».

قوله: (و يشترط). إلى آخره.

أجمع الأصحاب على اشتراط طهارة موضع الجبهة، نقل الإجماع عليه المحقّق في «المعتبر» (1)، و العلّامة في «التذكرة» و «المنتهى» و «المختلف» (2)، و ابن زهرة في «الغنية»، و الشهيد في «الذكرى» (3).

و الباقون أفتوا كذلك، كما أنّ في باقي كتب هؤلاء أيضا كذلك، بل في «المعتبر» أنّ كلّ من اعتبر الطهارة في الصلاة اعتبر ذلك (4).

و غير خفيّ أنّ ذلك هو المدار في الأعصار و الأمصار عند المسلمين و فقهائهم، و ما مرّ في بحث مطهريّة الشمس من أنّ الراوندي و صاحب «الوسيلة» ذهبا إلى أنّ الشمس لا تطهر بل توجب صحّة السجدة خاصّة، غير مضرّ، و لذا اشترطا كون الجفاف بالشمس، و لم يجوّزوا بغير ذلك، بل و لا بمدخليّة الغير، و اشترطا طهارة موضع الجبهة و عدم نجاسته، و أنّه لو كان نجسا تبطل الصلاة بالسجود عليه (5).

نعم، ادّعيا أنّ الشارع جعل تجفيف الشمس بحكم التطهير للسجود عليه، و باقي الأصحاب أنكروا ذلك، و قد عرفت أنّ الحق مع الباقين.

____________

(1) المعتبر: 1/ 433.

(2) تذكرة الفقهاء: 2/ 400 المسألة 84، منتهى المطلب: 4/ 369، مختلف الشيعة: 2/ 114.

(3) غنية النزوع: 66، ذكرى الشيعة: 3/ 150.

(4) المعتبر: 1/ 433.

(5) نقل عن الراوندي في مختلف الشيعة: 1/ 482، الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 79.

17

..........

____________

و بالجملة، لا تأمّل لأحد في اشتراط طهارة موضع الجبهة، أو ما جعله الشارع في حكم الطاهر، لخصوص السجود إن ثبت، و إن لم يثبت فلا بدّ من الطهارة الواقعيّة البتّة، و لم يكف الطهارة الحكميّة، فعند القوم لمّا لم يثبت كون التجفيف المذكور في حكم التطهير شرعا، نقلوا الإجماع على التطهير الحقيقيّ و هما وافقاهم.

على أنّه مع عدم الثبوت يكون الشرط هو التطهير الحقيقي، إلّا أنّهما اعتقدا ثبوت الحكمي، فاشترطا الحقيقي أو الحكمي، فكما اشترطا الحقيقي في غير صورة تجفيف الشمس، كذا اشترطا الحكمي في صورة التجفيف حيث اشترطا كونه بخصوص الشمس، و بغير مدخليّة غيرها، كما أنّ النيّة شرطا في الصلاة قطعا.

مع أنّ أكثرهم اكتفوا بالاستدامة الحكميّة في باقي أجزاء الصلاة، مع اعتراف الكلّ بأنّ قصد القربة و التعيين شرط في كلّ جزء جزء، كما لا يخفى.

فما صدر من البعض من إنكار الإجماع، من جهة خروجهما فيه ما فيه، سيّما مع كونهما معلومي النسب، فكيف يضرّ خروجهما، و يمنع تحقّقه بمجرّد مخالفتهما؟

و مرّ في ذلك المبحث ما دلّ على الشرط المذكور، مضافا إلى الإجماعات المنقولة التي كلّ واحد منها جزء واحد حجّة يدلّ على حجّيته، مع كون العبادة توقيفيّة، و لفظها اسما للصحيحة، و الصادر من الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) و الأئمّة (عليهم السلام) و المسلمين في الأعصار و الأمصار، مع طهارة موضع الجبهة، إلى غير ذلك ممّا مرّ في مبحث وجوب السورة و غيره (1).

مع أنّ مستندهما أيضا يدلّ على الشرط المذكور، كما عرفت، و تمام الكلام مرّ في بحث مطهريّة الشمس (2).

____________

(1) راجع! الصفحة: 307 و 308 (المجلّد السابع) من هذا الكتاب.

(2) راجع! الصفحة: 216- 227 (المجلّد الخامس) من هذا الكتاب.

18

..........

____________

هذا، و نقل عن أبي الصلاح أنّه اعتبر طهارة المواضع السبعة (1)، و عن المرتضى أنّه اعتبر طهارة مكان المصلّي (2).

و لا شكّ فيه إذا كانت النجاسة تؤثّر في ثوب المصلّي أو جسده، حتّى قال فخر المحقّقين في شرح القواعد: الإجماع منّا واقع على اشتراط خلوّ المكان عن نجاسة متعدّية، و إن كانت معفوّا عنها في الثوب و البدن (3).

و أمّا إذا كانت يابسة و لا تؤثّر فيهما أصلا، فلم يظهر من دليل اشتراط الطهارة، مضافا إلى أنّ الإطلاقات تقتضي عدمه.

و كذا خصوص بعض الأخبار مثل كصحيحة زرارة، عن الباقر (عليه السلام): عن الشاذكونة تكون عليها الجنابة، أ يصلّي عليها في المحمل؟ قال: «لا بأس» (4).

و رواية ابن أبي عمير، عن الصادق (عليه السلام) أنّه يصلّي على الشاذكونة و قد أصابتها الجنابة؟ قال: «لا بأس» (5)، و المراد عدم وضع الجبهة عليها، لأنّها ليست ممّا أنبتت الأرض.

و يدلّ على ما ذكر أخبار اخر ظاهرة في عدم اشتراط طهارة موضع الجبهة أيضا (6)، إلّا أنّه خرج بأدلّته من الإجماعات و الأخبار الدالّة على اشتراط طهارته، و كذا الأدلّة الاخر.

____________

(1) نقل عنه العلّامة في مختلف الشيعة: 2/ 115، لاحظ! الكافي في الفقه: 140.

(2) رسائل الشريف المرتضى: 1/ 275.

(3) إيضاح الفوائد: 1/ 90.

(4) من لا يحضره الفقيه: 1/ 158 الحديث 739، تهذيب الأحكام: 2/ 369 الحديث 1537، الاستبصار:

1/ 393 الحديث 1499، وسائل الشيعة: 3/ 454 الحديث 4155.

(5) تهذيب الأحكام: 2/ 370 الحديث 1538، الاستبصار: 1/ 393 الحديث 1500، وسائل الشيعة:

3/ 454 الحديث 4156.

(6) لاحظ! وسائل الشيعة: 3/ 453 الباب 30 من أبواب النجاسات.

19

قوله: (و أن يكون أرضا). إلى آخره.

____________

أجمع الأصحاب على عدم جواز السجود على ما ليس بأرض و لا نباتها.

و حكى هذا الإجماع جماعة من الأصحاب (1)، و أطبق فتواهم عليه، و اتّفق الشيعة في الأعصار و الأمصار عليه عملا و قولا.

بل الظاهر كونه من ضروريّات مذهبهم و شعارهم، و أخبارهم في ذلك مستفيضة، و ستعرف بعضها، و المعروف منهم عدم جواز السجود على ما اكل أو لبس عادة، و إن كان ممّا أنبته الأرض، إلّا ما نقل عن المرتضى في «المسائل المصريّة» الثانية، من تجويزه السجود على القطن و الكتان على كراهية (2).

و استحسنه في «المعتبر» (3).

مع أنّه نقل عن السيّد أنّه ذهب في «الجمل» و «الانتصار» و «المصباح» و «المسائل المصريّة الثالثة» إلى المنع (4)، و نقل فيه إجماع الطائفة عليه.

و قال الصدوق في أماليه: من دين الإماميّة الإقرار بأنّه لا يجوز السجود إلّا على الأرض، أو على ما أنبتت الأرض إلّا ما اكل أو لبس (5)، و نقل الإجماع عليه العلّامة في «المختلف» (6).

و الظاهر كون الإجماعات المنقولة حقّا و واقعا، لاتّفاق الشيعة في الأعصار

____________

(1) المعتبر: 2/ 117، نهاية الأحكام: 1/ 360، جامع المقاصد: 2/ 158.

(2) نقل عنه العلّامة في مختلف الشيعة: 2/ 115.

(3) المعتبر: 2/ 119.

(4) نقل عن السيّد في مختلف الشيعة: 2/ 115، لاحظ! رسائل الشريف المرتضى (جمل العلم و العمل):

3/ 29، الانتصار: 38.

(5) أمالي الصدوق: 512.

(6) مختلف الشيعة: 2/ 116.

20

..........

____________

و الأمصار على الاحتراز عن السجود عليهما، مع عموم البلوى و شدّة الحاجة إلى السجود، و ما يصحّ السجود عليه، و غلبة تحقّق اللباسين مع المصلّي، و غلبة كونه في الفرش التي لا يصحّ السجود عليها، و غير الفرش ممّا هو مثلها في كون المصلّى فيه و لا يصحّ السجود عليه، و لذا يحتاج غالبا إلى تحصيل ما يصحّ أن يسجد عليه في وقت صلاته، في مثل الخمرة، أو التربة الحسينيّة، أو التراب، أو الحجر، أو الخشب، أو الحصير أو غير ذلك، بأن يقوم عليه و يسجد عليه، أو يقوم على غيره، و يضعه على ذلك الغير ثمّ يسجد عليه، كما هو العادة عند الشيعة، المشاهد المحسوس من طريقتهم.

فلو جاز السجود على القطن أو الكتان عندهم، مع غلبة وجودهما معهم سيّما القطن، لما اتّفقوا كلّ الاتّفاق على الاحتراز عن السجدة عليهما في جميع الأوقات و الأعصار، و قاطبة البلدان و الأمصار، مع إتعاب أنفسهم في تحصيل ما يصحّ السجود، أو الذهاب إليه و الوقوف عليه، و لما اقتصروا في جميع الأحوال و الأوقات على ما ذكر كلّ الاقتصار، و لما انحصر فيه تمام الانحصار، مع أنّه ربّما يشقّ التحصيل، أو يزيد التعب فيه، أو يحصل خوف من جهة التقيّة أو غيرها، أو ضرر كذلك، إلى غير ذلك.

مع أنّه معلوم عدم صدور ذلك عن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم )، و لا أحد من الأئمّة (عليهم السلام) و لو صدر لاشتهر كلّ الاشتهار و شاع و ذاع، لتوفّر الدواعي إليه، كما نبّهناك عليه.

مع أنّ العبادة توقيفيّة، و الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) قال: «صلّوا كما رأيتموني أصلّي» (1) إلى غير ذلك ممّا ذكرنا في بحث وجوب السورة و غيره.

و ممّا يؤكّد و يحقّق الإجماع المذكور، أنّ السيّد بنفسه اعترف بالإجماع،

____________

(1) عوالي اللآلي: 1/ 197 و 198 الحديث 8.

21

..........

____________

و أفتى بالمنع في سائر تصانيفه، و أنّ قوله بالجواز كان في «المسائل المصريّة الثانية»، و قوله بالمنع كان في سائر تصانيفه، و منها «المسائل المصرية الثالثة».

فظهر كلّ الظهور أنّه عدل عن القول بالتجويز، و ظهر على نفسه فساد ما أفتى به أوّلا، فالقول الذي قاله بنفسه عدل عنه و ظهر عليه فساده لا عبرة به.

و قال في «المختلف»: لنا أنّه قول علمائنا أجمع، فلا يعتدّ بخلاف السيّد المرتضى مع فتواه بالموافقة، لأنّ الخلاف الصادر منه إن وقع قبل موافقته اعتبرت موافقته، لأنّه يكون قد انعقد الإجماع بعد الخلاف، و إن وقع بعد الموافقة لم يعتدّ به، لأنّه صدر بعد الإجماع، و قول علمائنا حجّة، لأنّه إجماع لا يجوز مخالفته (1)، انتهى، فتأمّل! و يدلّ بعد الإجماع و فعل النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) و غيره، ممّا أشرنا إليه صحيحة هشام بن الحكم أنّه قال للصادق (عليه السلام): أخبرني عمّا يجوز السجود عليه و عمّا لا يجوز، قال: «السجود لا يجوز إلّا على الأرض أو ما أنبتت الأرض إلّا ما اكل أو لبس»، فقال له: جعلت فداك، ما العلّة في ذلك؟ قال: «لأنّ السجود خضوع للّه عزّ و جلّ فلا ينبغي أن يكون على ما يؤكل و يلبس، لأنّ أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون و يلبسون، و الساجد في سجوده في عبادة اللّه عزّ و جلّ، فلا ينبغي أن يضع جبهته [في سجوده] على معبود أبناء الدنيا الذين اغتروا بغرورها، و السجود على الأرض أفضل، لأنّه أبلغ في التواضع و الخضوع للّه عزّ و جلّ» (2).

و صحيحة حمّاد بن عثمان عن الصادق (عليه السلام) قال: «السجود على ما أنبتت

____________

(1) مختلف الشيعة: 2/ 116.

(2) من لا يحضره الفقيه: 1/ 177 الحديث 840، علل الشرائع: 341 الحديث 2، وسائل الشيعة: 5/ 343 الحديث 6740 و 367 الحديث 6810.

22

..........

____________

الأرض إلّا ما اكل أو لبس» (1).

هذا على ما في «الفقيه»، لكن الشيخ رواها بطريق فيه جهالة (2).

و حسنة زرارة- بإبراهيم- عن الباقر (عليه السلام) قال: قلت له: أسجد على الزفت يعني القير؟ قال: «لا، و لا على الثوب الكرسف» (3)، الحديث.

و قويّة الفضل بن عبد الملك- بالقاسم بن عروة- قال: قال الصادق (عليه السلام): «لا يسجد إلّا على الأرض أو ما أنبتت الأرض إلّا القطن و الكتان» (4).

حجّة المرتضى رواية داود الصرمي أنّه سأل أبا الحسن الثالث (عليه السلام): هل يجوز السجود على القطن و الكتّان من غير تقيّة؟ فقال: «جائز» (5).

و رواية حسن بن علي بن كيسان أنّه كتب إلى أبي الحسن الثالث (عليه السلام): هل يجوز السجود على القطن و الكتّان من غير تقيّة و لا ضرورة؟ فكتب إليّ: «ذلك جائز» (6).

و رواية ياسر الخادم قال: مرّ بي أبو الحسن (عليه السلام) و أنا اصلّي على الطبري و قد ألقيت عليه شيئا أسجد عليه، فقال لي: «ما لك لا تسجد عليه؟ أ ليس هو من

____________

(1) من لا يحضره الفقيه: 1/ 174 الحديث 826 الحديث، وسائل الشيعة: 5/ 344 الحديث 6741.

(2) تهذيب الأحكام: 2/ 234 الحديث 924.

(3) الكافي: 3/ 330 الحديث 2، تهذيب الأحكام: 2/ 303 الحديث 1226، الاستبصار: 1/ 331 الحديث 1242، وسائل الشيعة: 5/ 346 الحديث 6751.

(4) الكافي: 3/ 330 الحديث 1، تهذيب الأحكام: 2/ 303 الحديث 1225، الاستبصار: 1/ 331 الحديث 1241، وسائل الشيعة: 5/ 344 الحديث 6745.

(5) تهذيب الأحكام: 2/ 307 الحديث 1246، الاستبصار: 1/ 332 الحديث 1246، وسائل الشيعة:

5/ 348 الحديث 6756.

(6) تهذيب الأحكام: 2/ 308 الحديث 1248، الاستبصار: 1/ 333 الحديث 1253، وسائل الشيعة:

5/ 348 الحديث 6757 مع اختلاف.

23

..........

____________

نبات الأرض؟» (1).

و الجواب أنّ هذه الروايات ضعاف و شاذّة، و مع ذلك محمولة على التقيّة، و إن سأل الراوي عن حكم ذلك من غير تقيّة، لأنّ المعصوم (عليه السلام) لو أجاب الراوي بالمنع لاحترز عنه في مقام التقيّة أيضا، كما كان عادة جماعة من الشيعة، من غاية حرصهم على الحقّ ما كانوا يتفطّنون بمقام التقيّة، فكانوا يخالفون التقيّة فيقتلون أو يتضررون، كما هو العادة الآن بالنسبة إلى كثير من الشيعة، بل و غالبهم.

بل الظاهر أنّهم في السابق أيضا كانوا كذلك، مع أنّه ربّما كان نفس الفتوى تقيّة، لا أنّه اتّقاء، سيّما في جواب المكاتبة، لما بيّناه مرارا.

مع أنّ الطبري ربّما يكون المراد منه في الحديث المذكور الحصير الطبري، بل صرّح جدّي العلّامة بذلك (2)، و كذلك المحقّق مولانا مراد في «شرح الفقيه» و غيرهما (3).

و احتجّ أيضا أنّه لو كان محرّما، لجرى مجرى السجود على النجاسة. و معلوم أنّ هذا لا ينتهي إلى ذلك (4).

و فيه ما فيه، لكن في مقام التقيّة لو حصلت بالسجود على القطن أو الكتّان، يكون مقدّما على السجود على الصوف و ما ماثله، كما لا يخفى، فتأمّل جدّا.

فرع: المراد من المأكول العادي أن يطّرد، فلو أكل نادرا أو في محلّ الضرورة أو الحاجة لرفع المرض، كالعقاقير التي يجعل في الأدوية، كخشبة

____________

(1) من لا يحضره الفقيه: 1/ 174 الحديث 827، تهذيب الأحكام: 2/ 308 الحديث 1249، الاستبصار:

1/ 331 الحديث 1243، وسائل الشيعة: 5/ 348 الحديث 6755.

(2) روضة المتّقين: 2/ 177.

(3) مخطوط.

(4) لاحظ! مختلف الشيعة: 1/ 116.

24

..........

____________

الصندل و الخطمي و نحوهما، يصح السجود عليه، لأنّ الإطلاق ينصرف إلى الأفراد المتعارفة.

و أمّا مثل العنّاب و أمثاله، فإنّه من المأكول العادي، و إن كانوا يأكلونه للنفع الذي هو فيه غالبا، بل حريصون عليه. فيشمله العلّة المذكورة في صحيحة هشام (1)، كذلك الحال في مثل المنّ، و غيره من الأشياء اللذيذة المرغوبة التي لا يأكلونها إلّا دواء، أو حفظا للصحة، أو تحصيلا للقوّة.

و لو أكل الشيء في قطر دون قطر، ففيه وجهان: اطّراد المنع لصدق الأكل عادة عليه، و اختصاص كلّ قطر بمقتضى عادته، و الأوّل أقوى، لأنّ الحنطة و الشعير و التمر و أمثالها أيضا، ممّا يطّرد أكله في قطر دون قطر، و أولى و أظهر منها الأرز و أمثاله.

و لو أكل في حال دون حال، كقشور اللوز و أمثالها، يختص المنع بحالة الأكل، و كذلك الحال فيما شاع أكله في حال و ندر أكله في حال، كورق الكرم و أمثاله، و الأحوط ترك السجود عليه مطلقا.

و قس على المأكول حال الملبوس.

و لا يعتبر فيهما كونهما بحيث ينتفع بهما بالفعل، بل به أو بالقوّة القريبة من الفعل، كما لو توقّف الأكل على الطبخ و على الطحن، و أن يعجن ثمّ يخبز، إلى غير ذلك، بل ربّما يتوقّف على أفعال أو أحوال كثيرة.

و كذلك الحال في الملبوس، إذ ربّما يتوقّف على امور كالإخراج من القشر، ثمّ الحلج و الندف ثمّ الغزل ثمّ النسج ثمّ الخياطة، إلى غير ذلك من أمثال ما ذكر.

و عن العلّامة في «التذكرة» و «المنتهى»، تجويز السجود على الحنطة

____________

(1) راجع! الصفحة: 21 من هذا الكتاب.

25

..........

____________

و الشعير قبل الطحن.

و علّل في «المنتهى» بكونهما غير مأكولين (1)، و في «التذكرة» بأنّ القشر حائل بين الجبهة و المأكول (2).

و فيهما أنّ المتبادر من المأكول و الملبوس في المقام ما يشمل مثل الحنطة، سيّما بعد ملاحظة العلّة المذكورة، و القشر مأكول عادة، و داخل في المتبادر.

و يجوز السجود على الأجزاء المنفصلة من الأرض الغير المستحيلة، مثل المدر و التربة و الحجر و الحصى للإجماع، بل الضرورة من الدين و المذهب و الأخبار، هي كثيرة في الحصى و التربة الحسينيّة (3).

قوله: (إلّا عند الضرورة). إلى آخره.

هذا إجماعي، و يدلّ عليه العمومات في الصلاة، و عدم الحرج و العسر، فضلا عن الضرورة فإنّها تبيح المحذورات، و ما ورد من أنّ «الميسور لا يسقط بالمعسور» (4)، و أمثاله كما عرفت مرارا.

و الضرورة تشمل التّقيّة بالإجماع و الأخبار، مثل صحيحة علي بن يقطين، عن الكاظم (عليه السلام): عن الرجل يسجد على المسح و البساط، فقال: «لا بأس إذا كان في حال تقيّة» (5) إلى غير ذلك.

____________

(1) منتهى المطلب: 4/ 354.

(2) تذكرة الفقهاء: 2/ 437 المسألة 102.

(3) لاحظ! وسائل الشيعة: 5/ 361 الباب 13، 365 الباب 16 من أبواب ما يسجد عليه.

(4) عوالي اللآلي: 4/ 58 الحديث 205 مع اختلاف يسير.

(5) من لا يحضره الفقيه: 1/ 176 الحديث 831، تهذيب الأحكام: 2/ 307 الحديث

1245، الاستبصار:

1/ 332 الحديث 1244، وسائل الشيعة: 5/ 349 الحديث 6758.

26

..........

____________

لكن عرفت أنّ الأولى و الأحوط في مقام التقيّة السجود على القطن و الكتان إن تيسّر.

و من الضرورة أيضا الحر و البرد، كما ورد في الأخبار الكثيرة:

مثل صحيحة القاسم بن الفضيل عن الرضا (عليه السلام) أنّه قال له: الرجل يسجد على كمّه من أذى الحر و البرد؟ قال: «لا بأس به» (1).

و صحيحة محمّد بن القاسم قال: كتب رجل إلى أبي الحسن (عليه السلام): هل يسجد الرجل على الثوب يتّقي به وجهه من الحر و البرد و من الشيء يكره السجود عليه؟

فقال: «نعم لا بأس به» (2).

و كصحيحة أحمد بن عمر قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام): عن الرجل يسجد على كمّ قميصه من أذى الحرّ و البرد أو على ردائه إذا كان تحته مسح أو غيره ممّا لا يسجد عليه؟ فقال: «لا بأس به» (3) إلى غير ذلك.

و منها رواية أبي بصير عن الباقر (عليه السلام) قال: قلت له: أكون في السفر فتحضر الصلاة و أخاف الرمضاء على وجهي كيف أصنع؟ قال: «اسجد على بعض ثوبك» قال: ليس عليّ ثوب يمكنني أن أسجد على طرفه و لا ذيله، قال: «اسجد على ظهر كفيك فإنّها إحدى المساجد» (4).

____________

(1) تهذيب الأحكام: 2/ 306 الحديث 1241، الاستبصار: 1/ 333 الحديث 1250، وسائل الشيعة:

5/ 350 الحديث 6762.

(2) تهذيب الأحكام: 2/ 307 الحديث 1243، الاستبصار: 1/ 333 الحديث 1252، وسائل الشيعة:

5/ 350 الحديث 6764.

(3) تهذيب الأحكام: 2/ 307 الحديث 1242، الاستبصار: 1/ 333 الحديث 1251، وسائل الشيعة:

5/ 350 الحديث 6763.

(4) تهذيب الأحكام: 2/ 306 الحديث 1240، الاستبصار: 1/ 333 الحديث 1249، وسائل الشيعة:

5/ 351 الحديث 6765.

27

قوله: (و جوّز السيّد). إلى آخره.

____________

قد مرّ الكلام في ذلك مفصّلا (1).

قوله: (و لا يجوز على المعادن). إلى آخره.

هذا إجماعي، للإجماع على عدم جواز السجود إلّا على الأرض أو ما أنبتت، و المعادن ليست بأرض و لا ما أنبتته، إذ لا يطلقان عليها حقيقة، و لا تتبادر منهما بغير قرينة، سيّما بعد ملاحظة العلّة المذكورة في عدم جواز السجود على المأكول و الملبوس، فلاحظ و تأمّل! و يدلّ عليه الأخبار أيضا، مثل رواية يونس بن يعقوب عن الصادق (عليه السلام) قال: «لا تسجد على الذهب و لا على الفضّة» (2).

و صحيحة محمّد بن الحسين أنّ بعض أصحابنا كتب إلى الكاظم (عليه السلام) يسأله عن الصلاة على الزجاج، قال: فلمّا نفذ كتابي إليه تفكّرت و قلت: هو ممّا أنبتت الأرض، و ما كان لي أن أسأل عنه، فكتب إليّ: «لا تصلّ على الزجاج و إن حدّثتك نفسك أنّه ممّا أنبتت الأرض، و لكنّه من الملح و الرمل و هما ممسوخان» (3).

و حسنة محمّد بن عمرو بن سعيد، عن الرضا (عليه السلام) قال: «لا تسجد على القفر و لا على القير و لا على الصاروج» (4).

____________

(1) راجع! الصفحة: 19- 21 من هذا الكتاب.

(2) الكافي: 3/ 332 الحديث 9، تهذيب الأحكام: 2/ 304 الحديث 1229، وسائل الشيعة: 5/ 361 الحديث 6793.

(3) الكافي: 3/ 332 الحديث 14، تهذيب الأحكام: 2/ 304 الحديث 1231، وسائل الشيعة: 5/ 360 الحديث 6792.

(4) الكافي: 3/ 331 الحديث 6، تهذيب الأحكام: 2/ 304 الحديث 1228، الاستبصار: 1/ 334 الحديث 1254، وسائل الشيعة: 5/ 353 الحديث 6773 مع اختلاف يسير.

28

..........

____________

و المراد من القفر قفر اليهود، و يسمّى بالفارسيّة «موميائي»، دواء مشهور معروف للجرح و الكسر و أمثالهما.

و مرّ حسنة زرارة- بإبراهيم- عن الباقر (عليه السلام) المتضمّنة للنهي عن السجود على القير (1).

و ما ورد من جواز السجود على القير (2)- فمع عدم صحّة سندها، و معارضتها للأخبار المستفيضة بل المتواترة و الإجماع و غيرها ممّا مرّ- موافقته لرأي العامّة، فتعيّن حملها على التقيّة أو الضرورة.

مع أنّ المعهود الشائع المتعارف في العراق كون الصلاة على القير، و السجود عليه في السفن التي كانت في الفرات و الدجلة و غيرهما، و هي موضع التقيّة و الضرورة غالبا، على ما هو المعلوم من كون الشيعة في زمان صدور الروايات في غاية المزج و الاختلاط مع العامّة، في الحضر فضلا عن السفر، سيّما في السفن، بل الآن كاد أن تكون التقيّة مرتفعة في العراق، من جهة شدّة مراعاة حاكمهم لسلطان الشيعة، بل و شدّة تملّقهم لسلطان الشيعة، بل و حكّامهم و أكابرهم.

و مع ذلك قلّما يتأتى في السفر في تلك السفن خاليا عن التقيّة، و يشهد على ما ذكر صحيحة معاوية بن عمّار عن الصادق (عليه السلام): عن الصلاة في السفينة، فقال:

«تستقبل القبلة بوجهك ثمّ تصلي كيف دارت [تصلي قائما]، فإن لم تستطع فجالسا تجمع الصلاة فيها إن أرادوا و تصلّي على القير و القفر و تسجد عليه» (3).

و المراد من قوله (عليه السلام): «تجمع الصلاة إن أرادوا» أنّه تصلّي جماعة إن أرادوا

____________

(1) الكافي: 3/ 330 الحديث 2، تهذيب الأحكام: 2/ 303 الحديث 1226، الاستبصار: 1/ 331 الحديث 1242، وسائل الشيعة: 5/ 346 الحديث 6751.

(2) وسائل الشّيعة: 5/ 354 الحديث 6776 و 6777 و 6778 و 6779.

(3) تهذيب الأحكام: 3/ 295 الحديث 895، وسائل الشيعة: 5/ 506 الحديث 7182.

29

..........

____________

لظاهر العبارة، و لما يظهر من تتبّع الأخبار الواردة في هذا الباب، فتأمّل حتّى تجد الشهادة.

و قريب منها رواية إبراهيم بن ميمون أنّه قال للصادق (عليه السلام): نخرج إلى الأهواز في السفن فنجمع الصلاة فيها؟ قال: «نعم ليس به بأس»، قلت: و نسجد على ما فيها و على القير؟ قال: «لا بأس» (1).

و بملاحظة قوله: و نسجد على ما فيها، يظهر ظهورا تامّا كون المقام مقام تقيّة، لأنّ غالب ما فيها لا يجوز السجود عليه.

مع أنّ المعصوم (عليه السلام) أجاب بعدم البأس من دون استفصال و تقييد، و ممّا ذكر ظهر فساد حمل الخبرين المانعين على الكراهة، مع كونهما حسنة كالصحيحة، لأنّ حسن أحدهما بعلي بن إسماعيل الميثمي و حسن الآخر بإبراهيم بن هاشم، و منجبرتين بالشهرة، بل الإجماع و الأخبار و غيرها على ما عرفت.

قوله: (و في الأراضي). إلى آخره.

قال الشيخ في «النهاية»: و لا بأس بالسجود على الجصّ و الحجر و الخزف إلى أن قال: و لا يجوز السجود على الصهروج (2).

و قال في «المعتبر»- بعد أن منع من التيمّم على الخزف، لخروجه بالطبخ عن اسم الأرض-: و لا يعارض بجواز السجود [لأنّه قد يجوز السجود] على ما ليس بأرض كالكاغذ (3).

____________

(1) من لا يحضره الفقيه: 1/ 291 الحديث 1324، تهذيب الأحكام: 3/ 298 الحديث 908، وسائل الشيعة: 4/ 320 الحديث 5270.

(2) النهاية للشيخ الطوسي: 102.

(3) المعتبر: 1/ 375.

30

..........

____________

و فيه، أنّه إذا خرج عن اسم الأرض، فلا يصحّ السجود عليه و لا يجوز، لما مرّ من عدم جواز السجود على غير الأرض، الثابت من الإجماعات المنقولة (1)، بل الإجماع الواقعي، لو لم نقل ضروري المذهب.

و الأخبار الصحيحة و المعتبرة التي لا تأمّل لأحد في حجّيتها حتّى المحقّق، فإنّها مستنده في فتاويه، و جواز السجود على الكاغذ من الأدلّة التي ستعرفها، و لم يوجد خبر دالّ على جواز السجود على الخزف و لا دليل آخر.

و في «المدارك»: قد قطع الأصحاب بجواز السجود على الخزف، حتّى أنّ العلّامة في «التذكرة» استدلّ على عدم خروجه بالطبخ عن اسم الأرض بجواز السجود عليه (2). إلى أن قال: و الأولى اجتنابه لما ذكره المصنّف من خروجه بالطبخ عن اسم الأرض، و إن أمكن توجّه المنع إليه، فإنّ الأرض المحترقة يصدق عليها اسم الأرض عرفا.

و يمكن أن يستدلّ على الجواز أيضا بما رواه الشيخ، و الصدوق، في الصحيح عن الحسن بن محبوب عن أبي الحسن (عليه السلام) أنّه سأله عن الجصّ توقد عليه النار بالعذرة و عظام الموتى ثمّ يجصّص به المسجد أ يسجد عليه؟ فكتب بخطّه: «أنّ الماء و النار قد طهّراه» (3).

وجه الدلالة، أنّها تدلّ بظاهرها على جواز السجود على الجص، و الخزف في معناه، و يؤيّده الأخبار المتضمّنة لجواز السجود على القرطاس (4).

____________

(1) راجع! الصفحة: 19 من هذا الكتاب.

(2) لاحظ! تذكرة الفقهاء: 2/ 177 المسألة 298.

(3) الكافي: 3/ 330 الحديث 3، من لا يحضره الفقيه: 1/ 175 الحديث 829، تهذيب الأحكام: 2/ 235 الحديث 928، وسائل الشيعة: 5/ 358 الحديث 6788 مع اختلاف يسير.

(4) انظر! وسائل الشيعة: 5/ 355 الباب 7 من أبواب ما يسجد عليه.

31

..........

____________

و صحيحة معاوية بن عمّار الدالّة على جواز السجود على القير (1) انتهى (2).

ما ذكره من قطع الأصحاب محلّ نظر، إذ لم يظهر إلّا من بعضهم في بعض كتبه.

نعم، ربّما يظهر ممّا ذكر في «المعتبر» و «التذكرة» كونه مسلّما في نظرهما في الجملة في وقت كتابتهما ما ذكرا.

و هذا لا يقتضي المسلّميّة في الواقع عند الكلّ، فضلا عن قطعهم و لذا ترى المحقّق يظهر منه المنع في «الشرائع» و «النافع» (3).

و الشيخ جعل من الاستحالة المطهّرة صيرورة التراب خزفا (4)، و هذا صريح في عدم صدق الأرض عليه، ففي أيّ كتاب منه لم يستثن الخزف فيه يكون حاكما بالمنع.

بل العلّامة أيضا لا يظهر منه تجويزه في غير «التذكرة» حتّى «المنتهى» بل ربّما يظهر منه أيضا عدم تجويزه في باقي كتبه (5)، إلّا أن يقال: لما كان اعتقاده عدم الخروج عن اسم الأرض، لهذا لم يستثن.

لكن ذلك أيضا لا يخلو عن إشكال، لأنّ غير واحد من مقامات كتبه يقتضي التنبيه على عدم الخروج، و أنّه لذلك جائز، فلاحظ المقامات، فتأمّل جدّا.

و مع ذلك، هل يكون ذلك مقتضيا للحكم بقطعه؟ سلّمنا، كيف اقتضى ذلك

____________

(1) تهذيب الأحكام: 2/ 303 الحديث 1224، 3/ 295 الحديث 895، وسائل الشيعة: 5/ 354 الحديث 6778.

(2) مدارك الأحكام: 3/ 244 و 245 مع اختلاف يسير.

(3) شرائع الإسلام: 1/ 73، المختصر النافع: 27.

(4) الخلاف: 1/ 499 المسألة 239.

(5) نهاية الأحكام: 1/ 291، قواعد الأحكام: 1/ 29.

32

..........

____________

الحكم بقطع الكلّ؟

مع أنّ القدماء صرّحوا بعدم جواز السجود إلّا على الأرض أو ما أنبتت، و ادّعوا الإجماع، و كونه من دين الإماميّة، على حسب ما أشرنا إلى بعض كلماتهم (1)، بل المتأخّرون أيضا أفتوا كذلك، و ادّعوا الاجماع على ذلك.

و مع ذلك لا خفاء في خروج الخزف عن صدق اسم الأرض عليه حقيقة أو تبادرا من دون قرينة أصلا، إذ لا خفاء في عدم التبادر إلى الذهن الخالي عن القرينة و الغافل عن هذا النزاع و المعركة، بل من سماع مجرّد لفظ الأرض الخالي عن القرينة بالمرّة لا يتبادر إلى الذهن، الأجزاء المنفصلة من الأرض مثل الفردة من المدرة أو الحجر، أو الكفّ من التربة أو الحصى، فما ظنّك بالخزف؟

بل صرّح في «الذخيرة» بأنّه يجوز الصلاة على المنفصلة المذكورة، و إن لم يصدق عليها اسم الأرض، و صرّح في الخزف بأنّ الظاهر أنّه مستحيل عن الأرض، و أنّ اسم الأرض لا يصدق عليه (2).

و في «المدارك» أيضا اعترف بذلك كما ذكرنا (3) و مع جميع ما ذكر لم ير من الفقهاء أنّهم تعرّضوا لجواز السجود على الخزف، إلّا من قليل منهم في قليل من كتبه، فظاهر كلّ من لم يتعرّض عدم الجواز بلا تأمّل! على أنّه غاية ما يكون التأمّل في صدق اسم الأرض عليه بالنحو الذي ذكر، مع أنّه لا تأمّل في عدم الصدق، و عدم التبادر على حسب ما ذكر، فمع عدم تصريحهم بالجواز كيف يمكن الحكم بقطعهم بالجواز، لو لم نحكم بقطعهم بعدم الجواز؟

____________

(1) راجع! الصفحة: 19 من هذا الكتاب.

(2) ذخيرة المعاد: 241.

(3) مدارك الأحكام: 3/ 244.

33

..........

____________

على أنّه على فرض أنّهم رجّحوا عدم الخروج عن الاسم و جواز السجود، فكيف كانوا يحكمون بعدم جواز السجود على غير الأرض و جواز السجود عليه؟

و يكتفون بمجرّد هذا لبيان حكم جواز السجود على الخزف و يقنعون، مع كونه محلّ الإشكال و التأمّل، موقوفا على بذل جهد في الترجيح و اجتهاد في الحكم، و موقوفا على دليل، لأنّه ليس من البديهيّات، و النظري يحتاج إلى كسب و نظر؟

و كيف كانوا، لا يظهرون أنّهم رجّحوا التجويز، و أنّهم بسببه يحكمون بالجواز، مع أنّهم إن لم يظهروا هذا، فلا أقلّ من إظهارهم نفس التجويز و إفتائهم به، فإنّه أشكل من سائر مسائلهم الاجتهاديّة، و فتاواهم التي صرّحوا بها، و أنّهم ألّفوا كتبهم لأجل إظهارهم ما أفتوا في المسائل النظريّة، و الأحكام الغير الضروريّة، و لم يصنّفوا تصانيفهم في الفقه إلّا لما ذكر، فكيف كانوا في أشكل ممّا هو أشدّ إشكالا لم يظهروا أصلا لا نفس فتاواهم، و لا منشأها بوجه من الوجوه؟

و مع ذلك يكونون قاطعين بالجواز، و عدم الخروج عن المتبادر من لفظ الأرض الخالي عن القرينة، مع كونه أشكل النظريّات، و لو سلّمنا قطعهم بذلك إجماعا، لا جرم يكون ذلك، كما لا يخفى.

مع أنّه (رحمه اللّه) في كثير من المسائل اكتفى بقطع الأصحاب و جعله علّة حكمه، مثل ما فعل في نجاسة المني من كلّ حيوان له نفس سائلة، و غير ذلك ممّا لا يحصى كثرة، على أنّه (رحمه اللّه) كيف حكم أوّلا بالخروج عن اسم الأرض، و جعله علّة لحكمه بأولويّة الاجتناب، و ناقش فيه بلا فصل؟! مع أنّ صدق اسم الأرض على نفس الأرض المحترقة عرفا لو سلّم، لا يقتضي صدقه على الأجزاء المنفصلة المنطبخة، بحيث صارت خزفة و هل هذا إلّا إثبات اللغة بالقياس و اتّفق العامّة على فساده فضلا عن الخاصّة؟! مع أنّ صدق اسم الأرض على المحترقة عنها لا نسلّم كونه على سبيل

34

..........

____________

الحقيقة و المتبادر من لفظ الأرض الخالي عن القرينة بالمرّة، إذ الظاهر عدم تبادرها من مجرّد سماع لفظ الأرض مع كون الذهن خاليا عن المشائب سالما عن المعايب.

مع أنّه لو صدق عليها لصدق على المحترقة التي صارت رمادا أيضا، لعدم الفرق بينهما في الصدق المزبور، و لا شكّ في استحالة الرماد.

و أمّا دلالة الصحيحة، فقد مرّ الكلام فيها في مبحث المطهّرات، و مع ذلك اتّفق الأصحاب على عدم مطهريّة الماء بالنحو المذكور فيها و اتّفق المعظم على عدم مطهّريّة الطبخ المزبور.

و مع ذلك قوله (1): و الخزف في معناه أيضا، فيه ما فيه.

و مع ذلك دلالتها على جواز السجود محلّ تأمّل لأنّ عدوله (عليه السلام) عن الجواب بجواز السجود إلى الحكم بالتطهير ربّما لا يخلو عن دفاع من جهة التقيّة، فإنّ العامّة يجوّزون السجود على كلّ شيء، و هم (عليهم السلام) ما كانوا يرضون إلّا بالسجود على الأرض الحقيقي.

فلو كتب (عليه السلام): يجوز السجود عليه، لكان حكما بغير ما أنزل اللّه من دون ضرورة، لأنّ الجواب بأنّ الماء و النار قد طهّراه، ما أغنى عن ذلك الحكم، فلو جاز السجود عندهم على الجص، لأجاب نفس ما سأله الراوي من دون عدول إلى غيره، مع ما في الغير من العنايات و الإشكالات الظاهرة.

و المكاتبات قلّما تخلو من الحزازات و الإشكالات، على ما صرّح به جدّي العلّامة المجلسي (2)، لأنّهم (عليهم السلام) ما كانوا يأمنون من وقوعها في يد من لا يرضون من العامّة أو الخاصّة و لذا كانوا يرتكبون الحزازات حتّى يتفطّن الراوي و السائل بأنّه

____________

(1) أي قول صاحب المدارك.

(2) لاحظ! روضة المتّقين: 2/ 156، 3/ 406.

35

..........

____________

من جراب النورة.

و لو وقعت المكاتبة في يد عدوّهم، لحكموا بعدم الحكم منهم (عليهم السلام)، لأنّهم أجلّ شأنا من أمثال هذه الحزازات، فلو كان المعصوم (عليه السلام) يكتب أنّه لا يجوز السجود على الجص، لكانت الكتابة ربّما تقع في يد العدوّ، و يحكم بأنّه حكم الأئمّة (عليهم السلام)، و من أحكامهم على الشيعة، فيحصل خطر عظيم على المعصوم (عليه السلام) و السائل و الحامل أيضا، فلذا أجاب بما أجاب، مع ما فيه من الحزازات، و اللّه يعلم.

و بالجملة، لا شكّ في أنّ الترك أوفق من الاحتياط، بل موافق لمقتضى الأدلّة المنفيّة التي عرفتها من الإجماعات، و فعل الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم )، و توقيفيّة العبادة، و ظواهر الأخبار المستفيضة، لو لم نقل متواترة و غير ذلك، على أنّه في «الفقه الرضوي»: لا تسجد على آجر- يعني المطبوخ (1)- انتهى.

قوله: (قولا واحدا).

ادّعى في «المسالك» الإجماع (2)، و الظاهر عدم الخلاف من أحد إلّا من «الذكرى» فإنّه قال: و في النفس من القرطاس شيء، من جهة اشتماله على النورة المستحيلة، إلّا أن نقول: الغالب جوهر القرطاس، أو نقول: جمود النورة يرد عليها اسم الأرض (3).

و فيه ما فيه، فإنّ الحكم بعد ثبوته من الدليل الشرعي لا يبقى وجه للتأمّل فيه!

____________

(1) الفقه المنسوب للإمام الرضا (عليه السلام): 113.

(2) مسالك الأفهام: 1/ 178 و 179.

(3) ذكرى الشيعة: 3/ 145.

36

..........

____________

و الدليل هو الصحاح المنجبرة بالفتاوى من الكلّ، بل الإجماع المنقول الظاهر كونه واقعيّا، بملاحظة الاتّفاق في الفتوى.

و الصحاح، صحيحة علي بن مهزيار، قال: سأل داود بن فرقد أبا الحسن (عليه السلام) عن القراطيس و الكواغذ المكتوبة [عليها] هل يجوز السجود عليها؟

فكتب: «يجوز» (1).

و صحيحة جميل عن الصادق (عليه السلام): أنّه كره أن يسجد على قرطاس عليه كتابة (2).

و صحيحة صفوان الجمّال قال: رأيت الصادق (عليه السلام) في المحمل يسجد على قرطاس و أكثر ذلك يومئ إيماء (3).

و اعلم! أنّ كلام الأصحاب مطلق، و اعتبر في «التذكرة» كون القرطاس مأخوذا من غير الإبريسم، لأنّه ليس بأرض و لا نباتها (4).

و قال في «الدروس»: و لو اتّخذ القرطاس من القطن أو الكتان أو الحرير لم يجز (5).

و عن «الذكرى» أنّه قال فيه: الأكثر اتّخذ القرطاس من القنّب، فلو اتّخذ من الإبريسم فالظاهر المنع، إلّا أن يقال: ما اشتملت عليه من أخلاط النورة يجوز له،

____________

(1) من لا يحضره الفقيه: 1/ 176 الحديث 830، تهذيب الأحكام: 2/ 309 الحديث 1250، الاستبصار:

1/ 334 الحديث 1257، وسائل الشيعة: 5/ 355 الحديث 6782.

(2) الكافي: 3/ 332 الحديث 12، تهذيب الأحكام: 2/ 304 الحديث 1232، الاستبصار: 1/ 334 الحديث 1256، وسائل الشيعة: 5/ 356 الحديث 6783.

(3) تهذيب الأحكام: 2/ 309 الحديث 1251، وسائل الشيعة: 5/ 355 الحديث 6781.

(4) تذكرة الفقهاء: 2/ 437 المسألة 102.

(5) الدروس الشرعيّة: 1/ 157.

37

..........

____________

و فيه بعد، لاستحالتها عن اسم الأرض.

و لو اتّخذ القطن أو الكتان أمكن بناؤه على جواز السجود عليهما، و أمكن أن يقال: المانع اللبس، حملا للقطن و الكتان المطلقين على المقيّد، فحينئذ يجوز السجود على القرطاس و إن كان منهما، لعدم اعتبار لبسه و عليه يخرج جواز السجود على ما لم يصلح للّبس من القطن أو الكتان (1)، انتهى.

و لا يخفى ما فيه، لأنّ تقييد كلام الأصحاب بذلك فاسد، بل النصوص أيضا، كما لا يخفى، على أنّ القرطاس مستحيل عن اسم نبات الأرض من القطن و الكتان و القنّب و نحوه أيضا. فأي فائدة في أخذه من القنّب، و عدم الإشكال فيه أصلا، و الاستشكال في المأخوذ من القطن و نحوه، ثمّ الحل بما حلّه.

نعم، لو صحّ أنّ الأكثر اتّخذ القرطاس من القنّب، لصحّ ما ذكره في «الدروس». و في «الذكرى» أيضا من عدم الإشكال في المتّخذ من القنّب، و الإشكال في المتّخذ من القطن و نحوه، للإجماع و الصحاح المذكورة، و كون المطلق ينصرف إلى الغالب، و كون الأكثر يقينا، و غيره غير خال من الريبة، فلا يحصل فيه البراءة اليقينيّة.

لكنّ المشاهد في أمثال زماننا عدم أكثريّة الأخذ من القنّب من الأخذ من القطن، بل الأمر بالعكس. نعم، الأخذ من الإبريسم أقلّ، بل لعلّه نادر كالأخذ من الوبر، بل هو أندر و أندر، فالتأمّل في النادر بمكانه، بل الأقلّ أيضا، لانصراف الإطلاق إلى الشائع و الغالب، و عدم الوثوق في إرادتهما من المطلق، سيّما في مقام لزوم تحصيل البراءة اليقينيّة.

إلّا أن يقال: لم يظهر كون زمان المعصوم (عليه السلام) مثل الآن، و أنّ الأكثر في زمان

____________

(1) ذكرى الشيعة: 3/ 146.

38

..........

____________

المعصوم (عليه السلام) كان الأخذ من القنّب، و أنّ القرطاس الوارد في الأخبار منصرف إلى المأخوذ من القنّب، و أنّ المأخوذ من القنّب قطعي الإرادة في الأخبار و الفتاوى من كونه أكثر، بخلاف المأخوذ، من القطن و نحوه، سيّما بعد ملاحظة الإجماع و الأخبار المانعين عن السجود على نحو القطن و الكتان، و المجوّزين للسجود على مثل القنّب، بحصول تأييد منهما على ما ذكر.

لكنّه محلّ نظر بملاحظة كلام الأصحاب و عدم استثنائهم، مع ظنّ غلبة وجود المأخوذ من القطن و الكتان في زمانهم.

و الوارد في بعض الصحاح: القراطيس و الكواغذ (1)، و الجمع المحلّى يفيد العموم.

و كيف كان، الأقوى المنع من المأخوذ من نحو الإبريسم، و الأحوط الاقتصار على المأخوذ من نحو القنّب، و اللّه يعلم.

و اعلم! أنّه روي في «الكافي» و «التهذيب» بسندهما عن علي بن الريان أنّه كتب بعض أصحابنا بيد إبراهيم بن عقبة إلى الجواد (عليه السلام) يسأله عن الصلاة على الخمرة المدنيّة، فكتب: «صلّ فيها ما كان معمولا بخيوطه و لا تصلّ على ما كان معمولا بسيورة» (2)، الحديث.

و الشيخ أفتى بمضمونها في «النهاية» (3)، و الفقهاء أيضا ربّما تعرّضوا لذكر مضمون الرواية مع توجيهها، قال في «المنتهى»: إذا كانت السيور ظاهرة تشمل

____________

(1) وسائل الشيعة: 5/ 355 الحديث 6782.

(2) الكافي: 3/ 331 الحديث 7، تهذيب الأحكام: 2/ 306 الحديث 1238، وسائل الشيعة: 5/ 359 الحديث 6790.

(3) النهاية للشيخ الطوسي: 102.

39

..........

____________

الجبهة (1)، و قريب من ذلك في «الدروس» (2).

و لا يخفى ما فيه بأنّ كون السيور تشمل الجبهة ممّا لا يتأتّى عادة، فهذه الرواية تدلّ بظاهرها على اشتراط وضع قدر الدرهم من الجبهة على ما يصحّ السجود في السجدة، على ما هو رأي الصدوق و غيره (3)، و تجويز ما كانت بخيوطه، بناء على رقة الخيط و لطافته و نهاية رخاوته، و لهذه سمّيت بخمرة، لأنّ خيوطها مستورة بسعفها، على ما صرّح به في اللغة مثل «النهاية» (4)، بخلاف السيور المأخوذة من الجلود، إذ مشاهد محسوس عدم سترها في السعف و نحوه، لغلظتها و صلابتها، في الجملة، أو أنّها من الأخبار الدالّة على جواز السجود على القطن (5)، و حمل أيضا الخيوط على ما يصحّ السجود عليه، مثل ما يؤخذ من الخوص.

و يحتمل أن يكون اللفظ «بخيوطه»، بالإضافة إلى الضمير العائد إلى كلمة «ما» الموصولة، أي الخيوط التي من نفس جنس الخمرة، فإنّ الخمرة سجّادة صغيرة و كبيرة منسوجة من السعف، كان الناس يصلّون عليها أو يسجدون، و كانت متداولة في زمان الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) و الأئمّة (عليهم السلام) أنّهم يسجدون عليها، من جهة كونها من نبات الأرض غير المأكولة و لا الملبوسة عادة.

و أمّا إضافة «سيورة» فلعلّها من باب المشاكلة و نحوها، فلا يكون حينئذ إشكال في الإتيان بالتاء التي لم تعهد من العرب حتّى يحتاج إلى الجواب بإتيان نظيره

____________

(1) منتهى المطلب: 4/ 364.

(2) الدروس الشرعيّة: 1/ 157.

(3) المقنع: 87، السرائر: 1/ 225، الدروس الشرعيّة: 1/ 180، ذكرى الشيعة: 3/ 389.

(4) النهاية لابن الأثير: 2/ 78.

(5) وسائل الشيعة: 5/ 348 الحديث 6755- 6757.

40

..........

____________

من لغة العرب، كما فعله الراوي.

و يمكن أن يكون- رفعا للإشكال- الوارد في قوله (عليه السلام): «بسيورة»، فتأمّل! و قيل: إنّ المنع فيما كان «بسيورة» من جهة أنّ عامليها كانوا لا يحترزون عن الميتة، أو يزعمون أنّ دباغها طهورها، و ربّما كان المنع من جهة كونه انتفاعا بالميتة.

و قد ورد في الأخبار المنع عن الانتفاع بها مطلقا، كما مرّ في بحث النجاسات (1).

قوله: (نعم يكره). إلى آخره.

مرّ الصحيح الظاهر فيها، هذا إذا وقع المسمّى العرفي من الجبهة على القرطاس، و إلّا لم يكن سجودا على القرطاس، بل يكون سجودا على المداد، و لم يظهر صحّة السجود عليه، لعدم صدق القرطاس، و لا الأرض، و لا ما أنبتت عليه عرفا.

و تخيّل كون الحبر و المداد عرضا، غير حائل من كون السجود على القرطاس فاسد.

و الصحيح المذكور من الأخبار الدالّة على كفاية المسمّى في وضع الجبهة على حسب ما مرّ (2).

و الظاهر عدم الفرق بين القارئ و الامّي في الكراهة المذكورة، لإطلاق النصّ و الفتاوى، لكن نقل عن «المبسوط» أنّه لا يكره في حقّ الأمّي و لا القارئ

____________

(1) راجع! الصفحة: 479- 481 (المجلّد السابع) من هذا الكتاب.

(2) راجع! الصفحة: 13 و 14 من هذا الكتاب.

41

..........

____________

إذا كان هناك مانع من البصر (1).

و كذا نقل عن ابن إدريس (2)، فظهر منهما أنّهما فهما كون الكراهة من جهة شغل المصلّي بالقراءة.

و الظاهر كون الكراهة من جهة عدم ملاقاة القرطاس مقدارا معتدّا به في السجود، نظير السجود على الخمرة المعمولة بالسيور، فتأمّل، فعلى هذا، لا كراهة إذا كانت الكتابة ممّا يصحّ السجود عليه، مثل ماء البقم و غيره، ممّا يتحقّق به الكتابة، مع كونه من نبات الأرض غير المأكول و الملبوس العاديين، فتأمّل!

فرع: الوحل لا يصحّ (3) السجود عليه،

بل لا يمكن لما عرفت من كونه الوضع على الشيء فالطين إذا كان بحيث لا تغرق الجبهة فيه و تثبت عليه، يصحّ السجود عليه، فإذا تطيّنت الجبهة بالسجود عليه، أزيل الطين عنها للسجود ثانيا و هكذا، حتّى يتحقّق وضع الجبهة على الأرض، و على ما يصحّ السجود عليه منها و إذا غرقت و لم تثبت، فلا شكّ في عدم الصحّة و الإمكان.

و ممّا ذكر ظهر التأمّل في صحّة صلاة من يربط التربة الحسينيّة أو غيرها بالجبهة للسجود عليهما في مقام التقيّة أو غيرها، إلّا أن لا يكون ملاصقا بالجبهة حال الربط، و يصير ملاصقا حال السجود، فيتحقّق وضع الجبهة عليه.

و في صحيحة الحلبي أنّه سأل الصادق (عليه السلام): أ يمسح الرجل جبهته في الصلاة إذا لصق بها التراب؟ فقال: «نعم، قد كان أبو جعفر (عليه السلام) يمسح جبهته في الصلاة إذا لصق بها التراب» (4).

____________

(1) نقل عنه في ذخيرة المعاد: 242، لاحظ! المبسوط: 1/ 90.

(2) نقل عنه في ذخيرة المعاد: 242، لاحظ! السرائر: 1/ 268.

(3) في (ز 3): لا يجوز.

(4) تهذيب الأحكام: 2/ 301 الحديث 1216، وسائل الشيعة: 6/ 373 الحديث 8214.

42

..........

____________

و قال الصدوق: و يكره أن يمسح الرجل التراب من جبهته و هو في الصلاة، و يكره أن يترك بعد ما يصلّي (1).

و سيجيء أيضا أنّ الصّادق (عليه السلام) كان كلّما رفع رأسه من السجود أخذ الحصى من جبهته فوضعه على الأرض (2)، فتأمّل جدّا.

____________

(1) من لا يحضره الفقيه: 1/ 177 ذيل الحديث 839 مع اختلاف يسير.

(2) من لا يحضره الفقيه: 1/ 176 الحديث 835، وسائل الشيعة: 6/ 373 الحديث 8216 مع اختلاف.

43

164- مفتاح [ما يجب في السجود]

و يجب فيه الذكر و الطمأنينة بقدره، و رفع الرأس من كلّ من السجدتين، مطمئنّا بعد أوّلهما، إجماعا في الجميع، و للصحاح المستفيضة (1)، و الكلام في الذكر هنا كما في الركوع بعينه، و الخلاف الخلاف، إلّا أنّه يقول في التسبيح التامّ هنا بدل «العظيم» «الأعلى»، كما في النصوص (2).

____________

(1) وسائل الشيعة: 5/ 459 الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة، 6/ 298 الباب 3، 299 الباب 4 من أبواب الركوع.

(2) وسائل الشيعة: 6/ 299 الحديث 8018، 300 الحديث 8022، 301 الحديث 8024.

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

قوله: (يجب فيه).

____________

قد ذكرنا في الركوع ما يظهر منه الحال في السجود أيضا (1).

____________

(1) راجع! الصفحة: 451- 456 (المجلّد السابع) من هذا الكتاب.

46

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

47

165- مفتاح [ما يستحبّ في السجود]

يستحبّ فيه ما تضمّنه الصحيح من فعل الصادق (عليه السلام) تعليما لحمّاد:

ثمّ كبّر و هو قائم، و رفع يديه حيال وجهه، ثمّ سجد و بسط كفّيه مضمومتي الأصابع بين يدي ركبتيه حيال وجهه، فقال: سبحان ربّي الأعلى و بحمده ثلاث مرّات، و لم يضع شيئا من جسده على شيء منه و سجد على ثمانية أعظم: الكفّين، و الركبتين، و أنامل إبهامي الرجلين، و الجبهة، و الأنف.

و قال: سبعة منها فرض يسجد عليها، و هي التي ذكرها اللّه في كتابه فقال وَ أَنَّ الْمَسٰاجِدَ لِلّٰهِ فَلٰا تَدْعُوا مَعَ اللّٰهِ أَحَداً (1) و هي: الجبهة و الكفّان و الركبتان و الإبهامان، و وضع الأنف على الأرض سنّة، ثمّ رفع رأسه من السجود فلمّا استوى جالسا قال: «اللّه أكبر»، ثمّ قعد على فخذه الأيسر قد وضع ظهر قدمه الأيمن على بطن قدمه الأيسر و قال: «أستغفر اللّه ربّي و أتوب إليه»، ثمّ كبّر و هو جالس و سجد السجدة الثانية، و قال كما قال في الاولى، و لم يضع شيئا من بدنه على شيء منه في ركوع و لا سجود، و كان مجنّحا، و لم يضع

____________

(1) الجنّ (72): 18.

48

ذراعيه على الأرض (1).

و الصدوق أوجب الإرغام (2) بالأنف (3)، و له الموثّق: «لا تجزئ صلاة لا يصيب الأنف فيها ما يصيب الجبين» (4). و لعلّ المراد بالإجزاء الكامل.

و ما تضمّنه الصحيح الآخر: «فإذا أردت أن تسجد فارفع يديك بالتكبير و خرّ ساجدا و ابدأ بيديك تضعهما على الأرض قبل ركبتيك تضعهما معا، و لا تفترش ذراعيك افتراش السبع ذراعه، و لا تضعنّ ذراعيك على ركبتيك، و لكن تجنّح بمرفقيك، و لا تلزق كفّيك بركبتيك، و لا تدنهما من وجهك بين ذلك حيال منكبيك، و لا تجعلهما بين يدي ركبتيك، و لكن تحرفهما عن ذلك شيئا و ابسطهما على الأرض بسطا و اقبضهما إليك قبضا، و إن كان تحتهما ثوب فلا يضرّك، و إن أفضيت بهما إلى الأرض فهو أفضل، و لا تفرّجن بين أصابعك في سجودك، و لكن ضمهنّ جميعا» (5).

____________

(1) وسائل الشيعة: 5/ 460 الحديث 7077، 461 الحديث 7078.

(2) الإرغام: إلصاق الأنف بالرغام بالفتح و هو التراب. انظر الصحاح: 5/ 1934، مجمع البحرين: 6/ 73.

(3) من لا يحضره الفقيه: 1/ 205 ذيل الحديث 930.

(4) وسائل الشيعة: 6/ 344 الحديث 8136 مع اختلاف يسير.

(5) وسائل الشيعة: 5/ 461 الحديث 7079 مع اختلاف يسير.

49

قوله: (و الصدوق أوجب). إلى آخره.

____________

في «المنتهى» ادّعى إجماع علمائنا على الاستحباب، و نقل القول بالوجوب عن غير واحد من العامّة، و ردّه بروايتين من العامّة، و روايات من الخاصّة (1).

و الموجبون من العامّة رووا عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) (2) مضمون الموثّقة الآتية، و الظاهر أنّه يجزئ إصابة الأرض بما حصل من الأنف، و إن اعتبر السيّد إصابة الطرف الذي يلي الحاجبين، لإطلاق الأخبار (3).

و الظاهر أنّ فتواه عين مضمون الموثّقة، و هي موثّقة عمّار عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن علي (عليه السلام) أنّه قال: لا تجزي (4) إلى آخر ما ذكره المصنّف.

مع أنّ الكليني (رحمه اللّه) أيضا روى في الصحيح (5) عن عبد اللّه بن المغيرة، عمّن سمع الصادق (عليه السلام) يقول: «لا صلاة لمن لا يصيب أنفه ما يصيب جبينه» (6).

مع أنّ الصدوق قال أيضا: إنّه سنّة في الصلاة، فمن تركه متعمّدا فلا صلاة له (7)، و فتواه في قوله: سنّة عين مضمون صحيحة حمّاد (8)، و الذي ذكره المصنّف.

و صحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام) أنّه قال: «السجود على سبعة أعظم:

____________

(1) منتهى المطلب: 5/ 159 و 160.

(2) صحيح مسلم: 1/ 297 الحديث 230 و 231، السنن الكبرى للبيهقي: 2/ 103.

(3) رسائل الشريف المرتضى: 3/ 32.

(4) تهذيب الأحكام: 2/ 298 الحديث 1202، الاستبصار: 1/ 327 الحديث 1223، وسائل الشيعة:

6/ 344 الحديث 8136.

(5) في (د 2) و (ك): في الكافي كالصحيح.

(6) الكافي: 3/ 333 الحديث 2، وسائل الشيعة: 6/ 345 الحديث 8139.

(7) الهداية: 137.

(8) من لا يحضره الفقيه: 1/ 196 الحديث 916، وسائل الشيعة: 5/ 459 الحديث 7077.

50

..........

____________

الجبهة، و اليدين، و الركبتين، و الإبهامين، و ترغم بأنفك إرغاما، فأمّا الفرض فهذه السبعة، و أمّا الإرغام [بالأنف] فسنّة من النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم )» (1).

فيحتمل أن لا يكون مخالفا للمشهور، و على تقدير المخالفة فلا ريب في ضعفه، لرواية محمّد بن مصادف، قال: سمعت الصادق (عليه السلام) يقول: «إنّما السجود على الجبهة ليس على الأنف سجود» (2)، و هي منجبرة بالشهرة العظيمة بل الإجماع، و بما مرّ في شرح قول المصنّف: يجب وضع سبعة أعظم (3)، من أنّ ظاهر صحيحة زرارة استحباب الإرغام، كما لا يخفى على المتأمّل.

مع أنّ الإرغام هو وضع الأنف على الرغام و هو التراب، فيكون فتواه خاليا عن الدليل، إلّا أن يكون تحقّق فيه اصطلاح في وضعه على ما يصحّ السجود عليه، و يكون مرادهم منه ذلك، كما صرّح به الشهيد الثاني (4)، و إن كان في «المنتهى» صرّح بأنّه إلصاق الأنف بالرغام، حين ادّعائه الإجماع عليه (5).

و كيف كان، الظاهر كون وضع الأنف على التراب مستحبّا، كما أنّ وضع الجبهة على خصوص التراب مستحبّ، و أفضل ممّا يصح السجود عليه من غير التراب، بل على الأرض أيضا أفضل، لرواية إسحاق بن الفضيل أنّه سأل الصادق (عليه السلام) عن السجود على الحصر و البواري، فقال: «لا بأس، و أن يسجد على

____________

(1) تهذيب الأحكام: 2/ 299 الحديث 1204، الاستبصار: 1/ 327 الحديث 1224، وسائل الشيعة:

6/ 343 الحديث 8134.

(2) تهذيب الأحكام: 2/ 298 الحديث 1200، الاستبصار: 1/ 326 الحديث 1220، وسائل الشيعة:

6/ 343 الحديث 8133.

(3) راجع! الصفحة: 9 من هذا الكتاب.

(4) روض الجنان: 277، مسالك الأفهام: 1/ 220.

(5) منتهى المطلب: 5/ 159.

51

..........

____________

الأرض أحبّ إليّ فإنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) كان يحبّ [ذلك] أن يمكن جبهته على الأرض فأنا احبّ لك ما كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) يحبّه» (1).

و لعلّ أفضليّة خصوص التراب من غيره لا تأمّل فيه، لكونه أبلغ في التذلّل و التواضع و الخضوع و الانكسار، و يظهر أيضا من الأخبار.

و أفضل من الكلّ السجود على التربة الحسينيّة، لما ورد فيه من الثواب العظيم (2).

فلا يبعد كون الأنف مثل الجبهة فيما ذكر سوى وجوب الوضع على ما يصحّ السجود عليه.

مع أنّ إرغام الأنف و إلصاقه بالتراب فيه من التواضع للّه، و الخضوع و التذلّل و الانكسار ما لا يكون في غيره، و وضعه على ما يصحّ السجود عليه آكد، إلى أن ورد فيه ما ورد، كما مرّ.

قوله: (و ابدأ بيديك). إلى آخره.

قال الصدوق في أماليه: من دين الإماميّة الإقرار بأنّه لا يجوز وضع الركبتين على الأرض في السجود قبل اليدين (3).

و يظهر من الشيخ أيضا في «التهذيب» ذلك (4)، و يشهد لهما ما ورد من أنّ «من تشبّه بقوم فهو منهم» (5). و معلوم أنّ وضع الركبتين على الأرض قبل اليدين

____________

(1) تهذيب الأحكام: 2/ 311 الحديث 1263، وسائل الشيعة: 5/ 368 الحديث 6813.

(2) لاحظ! وسائل الشيعة: 5/ 365 الباب 16 من أبواب ما يسجد عليه.

(3) أمالي الصدوق: 512.

(4) تهذيب الأحكام: 2/ 78 ذيل الحديث 293.

(5) عوالي اللآلي: 1/ 165 الحديث 170.

52

..........

____________

من شعار العامّة، كما أنّ عكسه صار من شعار الخاصّة.

و الظاهر من غيرهما استحباب ذلك لما ذكر، بل ادّعى في «المنتهى» إجماع علمائنا عليه (1).

و يدلّ على عدم الوجوب صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن الصادق (عليه السلام): عن الرجل إذا ركع ثمّ رفع رأسه أ يبدأ فيضع يديه إلى الأرض أم ركبتيه؟ قال: «لا يضرّه و أيّ ذلك بدأ به فهو مقبول منه» (2).

و موثّقة أبي بصير عنه (عليه السلام) أنّه قال: «لا بأس إذا صلّى الرجل أن يضع ركبتيه على الأرض قبل يديه» (3).

و حملها الشيخ على حال الضرورة (4) و لعلّ مراده الضرورة من جهة العامّة، لأنّهم متى رأوا أحدا بدأ بيديه عرفوه كونه من الخاصّة، و يحكمون بكونه منهم، لكن هذا يقتضي أمرهم بما هو شعار العامّة، لا تجويزهم أيّ ذلك فعل، [كما] هو صريح الصحيحة و ظاهر الموثّق.

و يدلّ على رجحانه أيضا صحيحة ابن مسلم قال: رأيت الصادق (عليه السلام) يضع يديه قبل ركبتيه إذا سجد، و إذا أراد أن يقوم رفع ركبتيه قبل يديه (5).

و رواية الحسين بن أبي العلاء قال: سألت الصادق (عليه السلام) عن الرجل يضع يديه

____________

(1) منتهى المطلب: 5/ 156.

(2) تهذيب الأحكام: 2/ 300 الحديث 1211، الاستبصار: 1/ 326 الحديث 1219، وسائل الشيعة:

6/ 337 الحديث 8119.

(3) تهذيب الأحكام: 2/ 78 الحديث 294، الاستبصار: 1/ 326 الحديث 1218، وسائل الشيعة:

6/ 338 الحديث 8121.

(4) تهذيب الأحكام: 2/ 79 ذيل الحديث 294، الاستبصار: 1/ 326 ذيل الحديث 1218.

(5) تهذيب الأحكام: 2/ 78 الحديث 291، الاستبصار: 1/ 325 الحديث 1215، وسائل الشيعة:

6/ 337 الحديث 8117.

53

..........

____________

قبل ركبتيه في الصلاة؟ قال: «نعم» (1). إلى غير ذلك من الأخبار، فظهر استحباب رفع الركبتين قبل اليدين أيضا إذا أراد أن يقوم.

و اعلم! أنّه قال في «الذكرى»: و يستحبّ أن يكونا معا، و روي السبق باليمنى (2).

أقول: في صحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام) الأمر بوضعهما معا (3)، و قد ذكره المصنّف، و في «الفقيه» أيضا هكذا (4).

و أمّا ما ورد في تقديم اليمنى، فلم أعثر عليه إلّا في حال الركوع (5)، و الشهيد أعرف.

____________

(1) تهذيب الأحكام: 2/ 78 الحديث 292، الاستبصار: 1/ 325 الحديث 1216، وسائل الشيعة:

6/ 338 الحديث 8120.

(2) ذكرى الشيعة: 3/ 394.

(3) الكافي: 3/ 334 الحديث 1، تهذيب الأحكام: 2/ 83 الحديث 308، وسائل الشيعة: 5/ 461 الحديث 7079.

(4) من لا يحضره الفقيه: 1/ 197 الحديث 916.

(5) الكافي: 3/ 334 الحديث 1، وسائل الشيعة: 6/ 334 الحديث 8115.

54

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}