مستند الشيعة في أحكام الشريعة - ج6

- الشيخ أحمد بن محمد مهدي النراقي المزيد...
381 /
5

[تتمة كتاب الصلاة]

[تتمة المقصد الثاني في ماهية الصلاة و أفعالها بأقسامها]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الباب الثالث في الصلوات الواجبة غير اليومية

و هي عدّة صلوات تذكر في مطالب

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

المطلب الأوّل في صلاة الجمعة

و الكلام إمّا في حكمها، أو شرائطها، أو من تجب عليه، أو كيفيّتها، أو وقتها، أو لواحقها، فهاهنا ستة أبحاث.

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

البحث الأوّل في حكمها

و فيه ثلاث مسائل:

المسألة الأولى: صلاة الجمعة واجبة في الجملة، بإجماع الأمّة، بل الضرورة الدينيّة.

و تدلّ عليه- مضافا إليهما- السنّة المتواترة (1).

بل الآية الشريفة (2)- على ما ذكره الأكثر- و إن كان فيه نظر على الأظهر؛ لعدم صراحتها في صلاة الجمعة، لعموم الذكر، و عدم المخصّص إلّا ما قيل: من اتّفاق المفسرين (3).

و إشعار المروي في العلل: «إذا قمت إلى الصلاة فأتها سعيا- إلى أن قال:- فإنّ اللّٰه عز و جل يقول يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ و معنى فاسعوا هو الانكفاء» (4).

و عدم وجوب السعي إلى غيرها حين النداء، بل و لا استحبابه مترتبا عليه.

و الأوّل ممنوع

، كيف؟! و فسّره في الكشّاف و تفسير البيضاوي بمطلق الصلاة (5). و بعض المفسّرين منّا بالحجج (عليهم السلام). و عن صاحب التيسير (6) عن المفسرين: أنّ المراد إمّا الصلاة، أو الخطبة، أو سماع الوعظ. و قال بعض المفسّرين إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ فبادروا

____________

(1) انظر: الوسائل 7: 295 أبواب صلاة الجمعة ب 1.

(2) الجمعة: 8.

(3) انظر: رسائل الشهيد الثاني: 51، و روض الجنان: 284.

(4) العلل: 357- 1، الوسائل 5: 203 أبواب أحكام المساجد ب 7 ح 1، و فيه (الانكفات).

(5) الكشّاف 4: 535، تفسير البيضاوي 5: 133.

(6) في النسخ المخطوطة: التفسير.

10

إلى وظائفه من الغسل و قصّ الأظافر و الشّوارب و التطيّب و التنوير و حلق الرأس، و غير ذلك (1) و لو سلّم فلا دليل على حجيّته، كيف؟! مع أنّ أكثرهم من أهل الخلاف؛ و لا أدري من لا يقبل الإجماعات المتواترة من العلماء على عدم الوجوب العيني، كيف يقبل دعوى اتّفاق المفسرين!؟

و الثاني غير مشعر

؛ لصحّة تعليل رجحان السعي إلى الصلاة- التي هي من أفراد الذكر- بأمر اللّٰه سبحانه بالسعي إلى مطلقه.

بل في المروي في الكافي إشعار على خلافه، حيث قال: قلت له: قول اللّٰه عز و جل فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ قال: «اعملوا و عجّلوا فإنّه يوم مضيّق على المسلمين» (2) الحديث.

فإنّ ظاهره الأمر بالتعجيل إلى مطلق العمل.

و الثالث: بعدم لزوم حمل الأمر على الوجوب

؛ لأنّ ارتكاب التجوّز في الذكر ليس بأولى منه في السعي، فيحمل على الاستحباب و يكون ترتّبه على النداء لكثرة ما رغب فيه من الوظائف و الأعمال فيما بعد الزوال.

مع أنّ إرادة الأذان عند الزوال من النداء غير معلومة؛ لجواز أن يراد به أذان الفجر، الذي هو أيضا للصلاة من يوم الجمعة- كما نقل بعض المتأخّرين في رسالته في صلاة الجمعة عن بعض المفسرين، و هو ظاهر من حمل الذكر على وظائف يوم الجمعة كما مرّ- لعدم دليل على إرادة الصلاة المعهودة، سيّما عند نزول الآية.

فيكون إشارة إلى ما ورد في الروايات من كثرة أعمال يوم الجمعة، حتى إنّ أصحاب النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) كانوا يتجهّزون للجمعة يوم الخميس لأنّه يوم

____________

(1) قد روي بهذا المضمون رواية في تفسير القمي 2: 367.

(2) الكافي 3: 415 الصلاة ب 71 ح 10، الوسائل 7: 353 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 31 ح 1.

11

مضيّق، لكثرة وظائفه و أعماله (1).

سلّمنا أنّ المراد بالذكر صلاة الجمعة، و لكن لا تدلّ الآية على وجوبها إلّا بعد ثبوت ترجيح التجوّز في مادّة فاسعوا على التجوّز في الهيئة؛ ضرورة عدم وجوب السعي الذي هو السير بالتعجيل.

المسألة الثانية: إذا عرفت أنّها واجبة في الجملة، فاعلم أنّه لا خلاف عندنا في وجوبها عينا

على كلّ من استجمع الشرائط الآتية، مع حضور الإمام المعصوم، أو من ينصبه بخصوصه- عموما أو لصلاة الجمعة- و تمكّنه من إقامتها، و إنّما الخلاف في صورة عدم حضوره و لا حضور منصوبه المذكور، أو عدم تمكّنه- كزمان الغيبة- في انتفاء الوجوب العيني، و ثبوته.

فالأوّل مختار كلّ من شرط في وجوبه أو جوازه، الإمام أو نائبه، أو جعله منصب الإمام.

و منهم: العماني و المفيد في الإرشاد (2)، و الشيخ في الخلاف و المبسوط و الجمل و النهاية و المصباح و التبيان (3)، و السيد في الناصريّات في المسألة الحادية عشرة و المائة و الميافارقيات (4)، و الفقه الملكي، و الديلمي في المراسم و رسالته و القاضي و الكفعمي (5)، و الوسيلة و السرائر و الغنية و المجمع و الجامع و المعتبر و الشرائع

____________

(1) انظر: الوسائل 7: 353 أبواب صلاة الجمعة ب 31.

(2) حكاه عن العماني في المختلف: 108، الإرشاد: 347.

(3) الخلاف 1: 626، المبسوط 1: 143، الجمل و العقود (الرسائل العشر): 190، النهاية: 103، المصباح: 324، التبيان 10: 8.

(4) الناصريات (الجوامع الفقهية): 203 قال في المسألة الحادية عشرة بعد المائة: و الذي يذهب إليه أصحابنا في صلاة العيدين بأنّهما فرض على الأعيان مع تكامل الشروط التي يلزم معها صلاة الجمعة مع حضور السلطان العادل. منه (رحمه اللّه تعالى). الميافارقيات (رسائل السيّد المرتضى) المجموعة الأولى: 272.

(5) المراسم: 77، القاضي في المهذب 1: 100، الكفعمي في المصباح: 410.

12

و النافع (1)، و الموجز و شرحه للصيمري، و المنتهى و التذكرة و التحرير و الإرشاد و القواعد و النهاية و المختلف (2)، و الإيضاح و المهذّب و التنقيح (3)، و الذكرى و النكت و الدروس و البيان و اللمعة (4)، و روض الجنان و الروضة و شرح القواعد للمحقق الثاني (5).

و جماعة من المتأخرين منهم: المحقق الخوانساري و والده، و الشيخ البهائي، و سلطان العلماء، و المدقّق الشيرواني، و مولانا خليل القزويني، و المولى عبد اللّٰه الشوشتري، و رفيع الدين النائيني، و صالح الجيلاني، و الفاضل الهندي (6)، و التوني، و الكاظمي، و والدي العلامة أخيرا، و أكثر مشايخنا (7)، و معاصرينا (8).

و هو ظاهر الكراجكي، و محتمل الحلبي (9)، و نسبه صريحا في الإيضاح و النكت و البيان و روض الجنان إلى الأخير (10).

بل هو ظاهر الشيخين الجليلين الصدوق و الكليني (11)، بل مذهب كافة

____________

(1) الوسيلة: 103، السرائر: 1: 290 و 1: 303، الغنية (الجوامع الفقهية): 560، مجمع البيان 5: 288، الجامع للشرائع: 94، المعتبر 2: 279، الشرائع 1: 94 و 98، المختصر النافع: 35 و 36.

(2) المنتهى 1: 317 و 336، التذكرة 1: 144 و 145، التحرير 1: 43 و 185، مجمع الفائدة و البرهان 2: 333 و 360، القواعد 1: 36، نهاية الإحكام 1: 14، المختلف: 109.

(3) الإيضاح 1: 119، المهذب البارع 1: 413، التنقيح 1: 231.

(4) الذكرى: 230، الدروس 1: 186، البيان: 188، اللمعة (الروضة 1): 299.

(5) روض الجنان: 290، الروضة 1: 299 و 301، جامع المقاصد 1: 371.

(6) الفاضل الهندي في كشف اللثام 1: 241 و 244 و 245.

(7) كالسيّد بحر العلوم في الدرّة النجفية: 165، و صاحب كشف الغطاء: 252، و صاحب الرياض 1: 184 و 190.

(8) كالمحقق القمي في غنائم الأيام: 100، و صاحب مفتاح الكرامة 1: 72.

(9) الحلبي في الكافي في الفقه: 151.

(10) الإيضاح 1: 119، البيان: 188، روض الجنان: 291.

(11) انظر ص 16.

13

القدماء ظاهرا، حيث لم ينقل أحد مع بذل جهد طائفة من المتأخرين في نقل الأقوال في هذه المسألة و الفحص عن القائل بالوجوب العيني إلّا عن ثلاثة أو أربعة منهم (1)؛ و هو أيضا ليس كذلك كما يأتي.

و توهّم عدم صراحة كلام العماني و إرشاد المفيد و الخلاف- كما اتّفق لبعض المتأخرين- فاسد غايته:

لتخصيص الأوّل فرضية الحضور إلى صلاة الجمعة بالبلد الذي فيه الإمام، أو المكان الذي فيه امراؤه، و لو لا انتفاء الوجوب بدونه لما كان للتخصيص وجه.

و استدلال الثاني على وجوب وجود الإمام في كلّ عهد بأن يجمع الجمعات و العيدين، و لو وجب مع غيره أيضا، لما كان للدليل معنى. و ذكره بعض أمور أخر قد تصدر من الفقهاء أيضا، ممنوع؛ إذ كلّ ما ذكره بعمومه الذي هو مقتضى ألفاظه لا يمكن صدوره إلّا من إمام مبسوط اليد.

و تصريح الثالث بعدم انعقاد الجمعة بدون الإمام أو أميره، و بأنّه لم يفعله من زمان النبي إلى زماننا غيرهما، و بأنّ الإماميّة أجمعوا على اشتراط الإمام فيه بقول مطلق.

و أمّا ما ذكره في أثناء كلامه من أنّ ما روي من جواز الجمعة لأهل القرى و السواد فهو مأذون فيه فجرى مجرى نصب الإمام.

فهو توجيه للأخبار المروية بحملها على الاستحباب؛ لحصول ما يجري مجرى النصب و إن لم يحصل حقيقة النصب الّذي هو شرط الوجوب. ففي الحقيقة هو تأويل لتلك الأخبار، و هو لا يدل على أنّه فتواه، كما ارتكب في التهذيب كثيرا، مع أنّه لو كان فتواه أيضا لم يضر، هذا.

ثمَّ إنّه على اشتراط الإمام أو نائبه- في وجوبها أو جوازها- الإجماع في كثير من كلمات الأصحاب، كما في الخلاف و السرائر و الغنية و كلام القاضي و الديلمي

____________

(1) انظر ص 16.

14

و المعتبر و المنتهى و التحرير و النهاية (1)، و ثلاثة مواضع من التذكرة (2)، و مثلها من الذكرى (3)، و موضعين من شرح القواعد للمحقق الثاني (4)، و مثلهما من رسالته و كنز العرفان و روض الجنان و الروضة (5)، و شرحي الألفيّة و الجعفريّة، و عيون المسائل للسيّد الداماد، و الرسالتين للفاضل التوني و المحقق الخوانساري، بل جعل ثانيهما القول بالوجوب بدون الإمام بدعة مخترعة.

و في شرح الهندي على الروضة نفي الشك عن وقوع الإجماع على اشتراط الوجوب العيني بالإمام (عليه السلام)، و دعوى تواتر الأخبار بالإجماع، بل قيل:

قد أطبق الأصحاب على نقل الإجماع عليه لا رادّ له في الأصحاب (6). و صرّح الأردبيلي في شرح الإرشاد بأنّ القول بالوجوب العيني في زمان الغيبة قول مع عدم الرفيق (7)، إلى غير ذلك.

و التشكيك في دعاوي الفاضل الإجماع- لمنعه إيّاه في المختلف (8)- ليس في محلّه قطعا؛ لأنّ الممنوع فيه الإجماع على اشتراطه في مطلق الوجوب الشامل للتخييري أيضا، لا خصوص العيني.

و كذلك لا يضرّ في هذه الدعاوي ذهاب طائفة من المدّعين إلى التخيير في زمن الغيبة (9)؛ إذ لا منافاة بين التخيير و نفي العينية. و استلزام الاشتراط لانتفاء المشروعية- لو سلّم- لا يوهن في دعوى الإجماع؛ لاحتمال الغفلة عن الملازمة أو

____________

(1) راجع ص 11.

(2) التذكرة 1: 144 و 145 و 443.

(3) الذكرى: 230 و 231.

(4) جامع المقاصد 2: 371 و 379.

(5) كنز العرفان 1: 168، روض الجنان: 290، الروضة 1: 30.

(6) حكاه في مفتاح الكرامة 3: 60 عن عيون المسائل للمحقق الداماد.

(7) مجمع الفائدة و البرهان 2: 363.

(8) المختلف: 109.

(9) انظر ص 53.

15

ثبوت مطلق المشروعية بدليل آخر.

و الثاني لشيخنا الشهيد الثاني (1)، و تبعه أولاده (2)، و تلاميذه (3)، و جماعة ممّن تأخر عنهم، كالمجلسيين (4)، و صاحب الذخيرة (5)، و أكثر الأخباريين اللاحقين لهم (6)، و إليه كان يذهب والدي العلامة أوّلا، و ألّف فيه رسالة مبسوطة لم أر أحسن منها، و قد كتب عليها التصديق جمع من الأخباريين من معاصريه.

و نسب هذا القول إلى ظاهر المفيد في الإشراف و الحلبي في الكافي، و الصدوق في الهداية و المقنع و الأمالي بل الفقيه، و الكليني (7)، و أبي الفتح الكراجكي و عماد الدين الطبرسي (8).

أقول:

ظاهر الأوّلين و إن كان ذلك. إلّا أنّ ذهاب الأوّل إلى خلافه في الإرشاد بل المقنعة (9)، حيث شرط كون الإمام مأمونا، و ليس إلّا المعصوم أو نائبه. و قال أيضا: صادقا في خطبته، و لا يعلم ذلك إلّا من الإمام أو من ينصبه.

و تركه لصلاة الجمعة- و إلّا لنقل قطعا و لم يخف على تلامذته المدّعين للإجماع على حرمته- مع وفور الشيعة في عهده، و رفعه ستر التقية، و مجادلته في المذهب مع المخالفين، و تصريحه في كتبه بما ينافي التقية، و تسلّط سلاطين الديالمة الذين هم من الشيعة في بلده.

____________

(1) رسائل الشهيد: 51.

(2) منهم صاحب المدارك 4: 21، و نقل في الحدائق 9: 389 عن الحسن بن الشهيد في الاثني عشرية و عن ابنه محمّد في شرحها.

(3) منهم الشيخ حسين بن عبد الصمد والد الشيخ البهائي، نقله عنه في الحدائق 9: 387.

(4) روضة المتقين 2: 574، بحار الأنوار 86: 146.

(5) الذخيرة: 308.

(6) كالفيض الكاشاني في المفاتيح 1: 17، و البحراني في الحدائق 9: 355.

(7) الإشراف (مصنفات الشيخ المفيد 3): 25، الكافي في الفقه: 151، الهداية: 34، المقنع:

45، الأمالي: 513، الفقيه 1: 267، الكافي 3: 418 عنوان الباب.

(8) حكاه عنهما في الحدائق 9: 381 و 382.

(9) الإرشاد: 347، المقنعة: 163.

16

مضافا إلى ما قيل: من أنّ نسبة كتاب الإشراف إلى المفيد غير ثابتة، و في الإجازات غير منقول، و لم ينقل إلّا في الرسالة المنسوبة إلى الشهيد الثاني و من تبعه بعده.

و نسبة خلافه إلى الثاني في الإيضاح و النكت و البيان (1).

ممّا (2) يقدح في النسبتين جدّا؛ لعدم ثبوت الكتابين بعينهما منهما بأقوى ممّا يخالفهما، أو يحكم لهما بالقولين معا.

مع أنّ ما نقل عن الحلبي في المختلف (3) لا يدلّ إلّا على انعقاد الجمعة بإمام الجماعة أيضا، لا وجوبه. و أمّا ذيل كلامه الظاهر في ذلك فهو غير مذكور، و إنّما ذكر في الرسالة المنسوبة إلى الشهيد الثاني (4).

و أمّا البواقي فلا ظهور لكلماتهم في هذه النسبة أصلا:

أمّا الهداية و المقنع، فلتصريحهما باشتراط الإمام، و سيأتي ظهوره في المعصوم، سيّما في الأوّل، حيث عطف عليه قوله: و قاضيه، و لا أقلّ من احتماله.

و أمّا الأمالي، فلعدم ذكره فيه إلّا وجوب الجمعة، و هو ممّا لا كلام فيه، كما يقولون بوجوب الجهاد أيضا، بل يعدّونه من فروع الدين، مع أنّه مشروط بالإمام.

و منه يظهر عدم ظهور كلام الفقيه أيضا، مع أنّه ذكر فيه صحيحة محمّد الآتية المتضمّنة لذكر الإمام و قاضيه (5)، و سائر أخبار اشتراط الإمام، و أخبار من يخطب، و سيأتي إجمالها، و نقل في ذلك الباب صحيحة عبد الرحمن: «لا بأس أن يدع الجمعة في المطر» (6) و لا شك أنّ هذا ليس شأن الواجب، و حمله على ما يستلزم

____________

(1) الإيضاح 1: 119، البيان: 188.

(2) خبر لقوله: إلّا أنّ ذهاب الأوّل ..

(3) المختلف: 108.

(4) رسائل الشهيد: 79.

(5) انظر: ص 24.

(6) الفقيه 1: 267- 1221، التهذيب 3: 241- 645، الوسائل 7: 341 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 23 ح 1.

17

الحرج لا وجه له. و كذا كلام الكليني.

مع أنّ الصدوق لو أوجبها لما تركها مع ما له من العزّ و الاحترام عند سلاطين الشيعة و وزرائهم، و لو فعلها لنقل البتة، و لم يقل الشيخ: إنّ إلى زماننا هذا لم يصلّها إلّا الخلفاء و الأمراء (1).

و أمّا الكراجكي، فلتصريحه باشتراط الإمام المرضي المتمكّن. و شيوع إطلاق الإمام المرضي على الإمام المعصوم- كما صرّح به المحقق الخوانساري- واضح، و لا أقلّ من الاحتمال؛ مع أنّ كتاب تهذيب المسترشدين الذي نقل عنه ليس موجودا و لم ينقل عبارته إلّا في الرسالة الشهيدية التي أنكر جماعة كونها منه، و نقل بعض العلماء عن صاحب المعالم إنكار الرسالة، و لا بعد فيه، كما يظهر لمن تأمل فيها و في سائر ما ذكره الشهيد الثاني في سائر كتبه في صلاة الجمعة.

و أمّا الطبرسي، فلعدم ذكره إلّا وجوب الجمعة عند الإمامية، و كونهم أشدّ إيجابا لها من المخالفين، و لا دلالة له على عدم اشتراط الإمام بوجه أصلا.

و من هذا يظهر سرّ ما ذكرناه سابقا، من عدم ظهور مخالف من القدماء في انتفاء الوجوب العيني.

و قد نسب بعض الأخباريين القول بالوجوب إلى جماعة من المتأخرين، استنادا إلى مواظبتهم على هذه الصلاة (2)، مع أنّه لا دلالة لها عليه أصلا.

و الحقّ هو الأوّل.

لنا

: اشتراط الوجوب العيني بالإمام المعصوم أو نائبه الخاص، و إذا انتفى الشرط انتفى المشروط. أمّا الثاني فظاهر.

و أمّا الأوّل فلوجوه من الأدلّة:

الأوّل: الأصول،

كأصالة البراءة عن الخطبة و الإصغاء إليها، و الركعتين، عند فقد من ذكر.

____________

(1) انظر: الخلاف 1: 627.

(2) كما في الحدائق 9: 395.

18

و لا يضر لنا هنا معارضتها بمثلها في ركعتي الظهر من القراءة و الركوع و السجود و غيرها ممّا يجب في الركعتين، إذ غاية التعارض الرجوع إلى التخيير فينتفي الوجوب العيني.

و كذا أصالة عدم توقيف الجمعة- على كون ألفاظ العبادات أسامي للصحيحة- متعارضة مع أصالة عدم توقيف الظهر أيضا، حيث إنّه لا تتحقق الظهر الصحيحة مع الجمعة، و يرجع إلى التخيير.

و أمّا على المختار من أنّها ألفاظ للأعم فتبقى أصالة عدم توقيف الجمعة بلا معارض، حيث إنّه لا يعلم تحقق صلاة الجمعة و لو بالمعنى الأعم إذا لم يكن الإمام أو نائبه كما يأتي، بخلاف الظهر بالمعنى الأعم.

الثاني: الإجماع المحقّق

- المعلوم من تطابق فتاوى الفقهاء جيلا بعد جيل إلى زمن الشهيد الثاني- على الاشتراط، من غير ظهور مخالف، أو إلّا شاذّ نادر، حتّى إنّ صاحب مصائب النواصب (1)- مع شدّة اهتمامه في الردّ على الناصبي الطاعن علينا بترك الجمعة- لم ينقل القول بالوجوب إلّا عن الشهيد الثاني. و حتّى إنّ في المختلف لم ينقل إلّا القول بالحرمة و التخيير (2). و جعل الأردبيلي الشهيد بلا رفيق (3). و الخوانساري الوجوب من البدع المحدثة في هذه الأزمان، مع عموم البلوى في المسألة.

و تكثر دعوى الإجماع عليه بل تواتره، و قد صرّح بالتواتر جماعة (4)، بل قيل:

أطبق الأصحاب على نقل الإجماع عليه (5)، و قد نقلنا فيما سبق خمسة أو ستة

____________

(1) و هو القاضي نور اللّٰه التستري المستشهد في سنة 1019، و ألّف كتابه هذا ردّا على كتاب نواقض الروافض لميرزا مخدوم الشريفي.

(2) المختلف: 108.

(3) مجمع الفائدة 2: 363.

(4) كما في كشف الغطاء: 251، و الرياض 1: 183.

(5) قاله المحقق الداماد في كتاب عيون المسائل، على ما حكاه في مفتاح الكرامة 3: 60

.

19

و عشرين من دعاوي الإجماع عليه (1)، و عدّ بعضهم أزيد من أربعين دعوى عليه (2)، و في بعضها: أجمع علماؤنا قاطبة، و في آخر: أجمع علماؤنا الإمامية طبقة بعد طبقة من عصر أئمّتنا (عليهم السلام) إلى عصرنا على انتفاء الوجوب العيني في زمان الغيبة (3)، و في ثالث: غبّ دعوى الإجماع و عمل الطائفة على عدم الوجوب في سائر الأعصار و الأمصار، و في رابع: بلا خلاف بين أصحابنا (4)، و في خامس:

و ذلك إجماع أهل الأعصار، فإنّ من عهد النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) إلى زماننا ما أقام الجمعة إلّا الخلفاء و الأمراء (5). إلى غير ذلك.

مضافا إلى كون ظهوره عندنا بحيث عدّه النواصب من معايبنا، قال صاحب نواقض الروافض: من هفواتهم لزوم ترك الجمعة.

و إلى إطباق علمائنا على تركه إلى زمن الشهيد الثاني مع تمكنّهم من الإتيان به في كثير من الأزمنة، كأزمنة الصفارية، و الديالمة، و سلاطين المغول لا سيّما الجايتو و ما بعده، و أزمنة آل مظفّر، و غيرها، بل في كثير من الأمكنة مطلقا، كسبزوار و قم و الحلّة، سيّما مع عدم تقاعدهم عمّا هو أعظم و أشدّ من ذلك بكثير، حتى ظهر منهم و شاع، كسبّ الشيخين، و تحليل المتعتين، و مسح الرجلين.

و لو لا ثبوت الإجماع في ذلك لما ثبت إجماع في الفروع أصلا و أبدا؛ و لا سيّما مع أنّه لو لا اشتراط الإمام أو منصوبه، لشاع فعله بدونهما في زمن النبي و الولي و الحسن، حيث إنّهم لم يعيّنوا أميرا لكلّ بلدة بلدة، و قرية قرية، و كان يتخلّل بين عزل المنصوب و قيام الآخر زمان كثير لا محالة، فلو لا الشرط لفعله الفاقدون للمنصوب، و لو فعلوه لم يخف بهذه المثابة جدّا.

____________

(1) راجع ص 14.

(2) انظر: شرح المفاتيح للبهبهاني (المخطوط).

(3) حكاه عن المحقق الثاني في مفتاح الكرامة 3: 60

(4) كما في السرائر 1: 303.

(5) كما في الخلاف 1: 627.

20

الثالث: المستفيضة من الأخبار:

منها:

رواية حمّاد بن عيسى: «إذا قدم الخليفة مصرا من الأمصار جمّع بالناس، ليس لأحد ذلك غيره» (1).

نفى التجميع عن غير الخليفة عن الرسول، و نائبه الخليفة عنه؛ و تخصيص النفي بحال الخليفة حتى يكون بيانا للحكم حال قدومه خلاف الأصل، كما أنّ عطفه على «جمّع» بحذف العاطف حتى يكون مقيّدا بالشرط كذلك من وجهين (2).

و حملها على التقيّة- لاشتراطها المصر الدال على عدم التجميع في غيره- مدفوع، بأنّ ذكر المصر هنا وارد مورد الغالب فلا اعتبار بمفهومه.

و ضعفها سندا- لو سلّم- مجبور بالشهرة المحققة و الإجماعات المحكيّة.

و منها:

رواية حفص: «ليس لأهل القرى جمعة» (3).

فإنّ نفيها عنهم عموما لا يمكن أن يكون لعدم تمكّنهم من الصلاة جماعة؛ لإمكانها فيها غالبا، كما ورد في بعض الأخبار الآتية أيضا. و لا لعدم وجود قادر على الخطبة؛ لوجوده أيضا في الأغلب، سيّما أدنى الخطبة التي يقدر عليه كلّ من يصلّي و لو بالتلقين، و هو: الحمد للّٰه ربّ العالمين، اللّهم صلّ على محمّد و آل محمّد، حيّ على الفلاح، و سورة خفيفة. فلم يبق إلّا لعدم حضور الإمام (عليه السلام) أو نائبه، حيث إنّه لا يكون إلّا في الأمصار، كما هو ظاهر.

و منها:

موثقة ابن بكير- الذي أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه-:

____________

(1) التهذيب 3: 23- 81، الوسائل 7: 339 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 20 ح 1.

(2) أحدهما حذف العاطف، و الآخر التعليق على الشرط. منه رحمة اللّٰه.

(3) التهذيب 3: 248- 679، الاستبصار 1: 420- 1618، الوسائل 7: 307 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 3 ح 4.

21

عن قوم في قرية ليس من يجمّع، أيصلّون الظهر يوم الجمعة جماعة؟ قال:

«نعم إذا لم يخافوا» (1).

أي من عدم حضور جماعة المخالفين حيث يقرب قريتهم مصر الجمعة، صرّحت بمغايرة إمام الجمعة لإمام الجماعة. و ليس التغاير في مجرّد القدرة على الخطبة، لتلازم القدرة على الجماعة و على أقلّ الواجب من الخطبة غالبا، بل دائما كما ذكرنا. فلم يبق إلّا العصمة أو النيابة بالإجماع. و لو منع، فيحصل الإجمال في الشرط، الموجب للإجمال في مخصص عمومات الجمعة، و العام المخصص بالمجمل ليس بحجّة.

و منها:

مرسلة الكافي: عن صلاة الجمعة [فقال]: «أمّا مع الإمام فركعتان، و أمّا من يصلّي وحده فهي أربع ركعات و إن صلّوا جماعة» (2).

و التقريب ما تقدّم، و معنى قوله وحده أي: بدون الإمام.

و منها:

موثقة سماعة: عن الصلاة يوم الجمعة، فقال: «أمّا مع الإمام فركعتان، و أمّا من يصلّي وحده فهي أربع ركعات بمنزلة الظهر. يعني إذا كان إمام يخطب، و أمّا إذا لم يكن إمام يخطب فهي أربع ركعات و إن صلّوا جماعة» (3).

وجه الاستدلال: أنّ من المعلوم أنّ المراد بإمام يخطب ليس من كان مشتغلا بالخطبة، بل من من شأنه ذلك، و لا يمكن أن يكون المراد شأنه بواسطة القدرة، لما عرفت من التلازم، فلا يكون إلّا باعتبار الصلاحية شرعا، و إطلاق مثل ذلك شائع، و ليس بعد القدرة و سائر ما يشترط في إمام الجماعة ما ينفي الصلوح إلّا فقد

____________

(1) التهذيب 3: 15- 55، الاستبصار 1: 417- 1599، قرب الاسناد: 169- 619، الوسائل 7: 327 أبواب صلاة الجمعة ب 12 ح 1.

(2) لم نعثر عليها في الكافي و إنّما الموجود فيه موثقة سماعة الآتية، و قال في الرياض 1: 184 و جواهر الكلام 11: 160 إن تلك الموثقة وردت بنحو آخر في نسخة من الكافي، و أوردها أيضا في الوسائل 7: 314 أبواب صلاة الجمعة ب 6 ح 8.

(3) الكافي 3: 421 الصلاة ب 75 ح 4، التهذيب 3: 19- 70، الوسائل 7: 310 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 5 ح 3.

22

العصمة أو النيابة، و لو لم نقل بذلك فلا أقلّ من حصول الإجمال، المستلزم لوجوب الاقتصار على المتيقّن.

و منها:

صحيحة زرارة الآتية: «إنّما وضعت الركعتان اللّتان أضافهما النبي يوم الجمعة للمقيم لمكان الخطبتين مع الإمام، فمن صلّى بقوم يوم الجمعة في غير جماعة فليصلّها أربعا كالظهر في سائر الأيّام» (1).

أي في غير جماعة خاصة كما في شرح الروضة للهندي، أو في غير صلاة الجمعة كما في الوافي (2)، فتكون في الجمعة جماعة معتبرة غير المعهودة، و ليس إلّا مع الإمام، أو يكون مجملا.

و منها:

موثقة البقباق: «إذا كان قوم في قرية صلّوا الجمعة أربع ركعات، فإن كان لهم من يخطب بهم جمّعوا إذا كانوا خمسة نفر» (3).

و التقريب ما مرّ، مع أنّ في الإتيان بقوله: «لهم من يخطب» الدالّ على نوع اختصاص دون: فيهم من يخطب، إشعارا بعدم شمول من يخطب لكلّ من يقدر عليه.

و منها:

صحيحة محمّد: عن أناس في قرية، هل يصلّون الجمعة جماعة؟

قال: «نعم، يصلّونها أربعا إذا لم يكن لهم من يخطب» (4).

وجه الاستدلال ما مرّ أيضا، هذا إذا جعلت لفظة «نعم» تصديقا لما قبلها و يجعل جملة «يصلّونها» مستأنفة، و أريد بالجمعة صلاة الجمعة. و لو جعلت تصديقا لقوله: «يصلّونها» بأن يراد بالجمعة الظهر دلّت الرواية بتقريب آخر مرّ

____________

(1) الكافي 3: 271 الصلاة ب 3 ح 1، الفقيه 1: 124- 600، الوسائل 7: 312 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 6 ح 1.

(2) الوافي 8: 1121.

(3) التهذيب 3: 238- 634، الاستبصار 1: 420- 1614، الوسائل 7: 306 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 3 ح 2.

(4) التهذيب 3: 238- 633، الاستبصار 1: 419- 1613 بتفاوت يسير، الوسائل 7: 306 أبواب صلاة الجمعة ب 3 ح 1.

23

أيضا، و هو دلالتها على مغايرة إمامي الجمعة و الجماعة.

و منها:

رواية طلحة: «لا جمعة إلّا في مصر تقام فيه الحدود» (1).

و ليس ذلك إلّا فيما كان فيه الإمام أو نائبه. و حمله على التقية لأجل اشتراط المصر، مردود بأنّه لأجل أنّ الإمام أو أميره لا يكون غالبا إلّا فيه؛ على أنّ إرادة مجتمع الناس عنه ممكنة، و كونه مجازا- لو سلّم- لا يضرّ، لأولويّته عن الحمل على التقية.

و منها:

الأخبار المتكثرة المشترطة لصلاة الجمعة بالإمام، كموثقة سماعة، و صحيحة زرارة، و مرسلة الكافي المتقدّمة (2).

و صحيحة زرارة: «لا يكون الخطبة و الجمعة و صلاة ركعتين على أقلّ من خمسة رهط، الإمام و أربعة» (3).

و الأخرى: «صلاة الجمعة فريضة، و الاجتماع إليها فريضة مع الإمام» (4).

و صحيحة محمّد: «تجب الجمعة على من كان منها على فرسخين، و معنى ذلك إذا كان إمام عادل» (5).

و الأخرى: «تجب الجمعة على سبعة نفر من المسلمين، و لا يجب على أقلّ منهم: الإمام، و قاضيه، و المدعي حقا، و المدعى عليه، و الشاهدان، و الّذي

____________

(1) التهذيب 3: 239- 639، الاستبصار 1: 420- 1617، الوسائل 7: 307 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 3 ح 3.

(2) في ص 21 و 22.

(3) الكافي 3: 419 الصلاة ب 73 ح 4، التهذيب 3: 240- 640، الاستبصار 1:

419- 1612، الوسائل 7: 303 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 2 ح 2.

(4) المحاسن: 85- 23، أمالي الصدوق: 392- 13، الوسائل 7: 297 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 1 ح 8.

(5) الكافي 3: 419 الصلاة ب 73 ح 2، التهذيب 3: 23- 80، الاستبصار 1: 421- 1620، الوسائل 7: 315 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 7 ح 2؛ و لا يخفى انّ ذيل الحديث غير مذكور في الكافي و الاستبصار، و إنّما ذكر في التهذيب، و يحتمل قويا كونه من كلام الشيخ.

24

يضرب الحدود بين يدي الإمام» (1).

و صحيحة ابن عمّار في قنوت الجمعة: «إذا كان إماما قنت في الركعة الأولى، فإن كان يصلّي أربعا ففي الركعة الثانية قبل الركوع» (2).

و المروي في رجال الكشي بسنده المتصل من أصحابنا الإمامية إلى النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله): «إذا اجتمع خمسة أحدهم الإمام فلهم أن يجمّعوا» (3).

دلّ بالمفهوم على نفي الجواز بدون الإمام، إلى غير ذلك.

دلّت هذه الأخبار على اشتراط وجوب الجمعة بوجود الإمام، و المتبادر منه حين أطلق: المعصوم، كما صرّح به جماعة منهم التوني و الخوانساري. و لذا ترى جماعة من علماء العرب- منهم الفاضل في المنتهى (4)- قد حملوه عليه، و جماعة أخرى كالعماني و السيّد و الشيخ و الحلي أطلقوه (5) و أرادوا به إمام الأصل. و لذا لو فرض وجود المعصوم في بلد فقال أحد: كان الإمام في بيتي، يتبادر هو قطعا، و أمّا عدم التبادر حينئذ فللقرينة الحالية، و لذا لو قال أحد: رأيت الإمام في المنام يتبادر المعصوم، انظر إلى أنّه لو حكي عن زمان الظهور حكايات فقيل: قال الإمام وجاء الإمام و ذهب الإمام، لم يتبادر غير المعصوم.

و الظاهر- كما صرح به بعضهم (6)- أنّ الإمام لا يطلق على غيره إلّا بالقرينة، فيقال: إمام المسجد، و إمام الصلاة، و إمام البلد، و لذا ترى يطلق على

____________

(1) الفقيه 1: 267- 1222، التهذيب 3: 20- 75، الاستبصار 1: 418- 1608، الوسائل 7:

305 أبواب صلاة الجمعة ب 2 ح 9.

(2) الكافي 3: 427 الصلاة ب 77 ح 2، التهذيب 3: 16- 59، الاستبصار 1: 417- 1603، الوسائل 6: 270 أبواب القنوت ب 5 ح 1.

(3) رجال الكشي 1: 389- 279 الوسائل 7: 306 أبواب صلاة الجمعة ب 2 ح 11.

(4) المنتهى 1: 317.

(5) حكاه عن العماني في المختلف: 108، السيّد في جمل العلم و العمل (رسائل الشريف المرتضى 3): 41، الشيخ في النهاية: 103، الحلي في السرائر 1: 303.

(6) كصاحب مفتاح الكرامة 3: 69.

25

الاثنا عشرية الإمامية، و لذا ورد في الأحاديث أنّ الإمام إمامان: إمام هدى و إمام ضلالة (1).

و قد أريد منه ذلك في الأخبار بحيث يثبت منه تبادره عنه في تلك العهود، كما في صحيحة محمّد المتقدّمة (2) حيث أطلقه و أراد به إمام الأصل بقرينة قوله «و قاضيه».

و في رواية ابن سيابة: «و على الإمام أن يخرج المحبسين في الدّين يوم الجمعة إلى الجمعة، و يوم العيد إلى العيد، و يرسل معهم، فإذا قضوا الصلاة ردّهم إلى السجن» (3).

و في رواية الرقّي: «إنّ الحجّة لا تقوم للّٰه على خلقه إلّا بإمام، حتى يعرف» (4).

و رواية إسحاق: «إنّ الأرض لا تخلو إلّا و فيها إمام» (5).

و في صحيحة ابن أبي العلاء: تكون الأرض ليس فيها إمام؟ قال: «لا» (6).

و في رواية أبي حمزة: «لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت» (7).

و في رواية أبي هراسة: «لو أنّ الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها» (8).

و في رواية يونس: «لو لم يكن في الأرض إلّا اثنان لكان الإمام أحدهما» (9).

____________

(1) الكافي 1: 215 الحجّة ب 25 ح 1.

(2) في ص 23.

(3) التهذيب 3: 285- 852، الوسائل 7: 340 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 21 ح 1.

(4) الكافي 1: 177 الحجّة ب 4 ح 1.

(5) الكافي 1: 178 الحجّة ب 5 ح 2.

(6) الكافي 1: 178 الحجّة ب 5 ح 1.

(7) الكافي 1: 179 الحجّة ب 5 ح 10.

(8) الكافي 1: 179 الحجّة ب 5 ح 12.

(9) الكافي 1: 180 الحجّة ب 6 ح 5.

26

و في الحديث المشهور: «من مات و لم يعرف إمام زمانه ..» (1).

بل في الآية الشريفة وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً (2).

و قال في حق إبراهيم إِنِّي جٰاعِلُكَ لِلنّٰاسِ إِمٰاماً (3).

بل صرّح بعض العلماء أنّ الإمام في مقابل الرعية.

سلّمنا عدم تبادر مطلق الإمام، و لكن لا شكّ أنّ المراد من الإمام العادل- المذكور في صحيحة محمّد (4)- حيث يطلق في الأخبار هو إمام الأصل، كما لا يخفى على المتتبع في الأخبار.

ففي التهذيب عن الباقر (عليه السلام): فيمن قتل ناصبيّا غضبا للّٰه تعالى [و لرسوله، أ يقتل به؟] قال: «أما هؤلاء فيقتلونه، و لو رفع إلى إمام عادل لم يقتله به» (5).

و في الكافي و الفقيه عن الصادق (عليه السلام): في امرأة قتلت من قصدها بحرام إنّه: «ليس عليها شيء، و إن قدّمت إلى إمام عادل هدر دمه» (6).

و في الكافي عن الرسول (صلّى اللّٰه عليه و آله): «ساعة إمام عادل أفضل من عبادة سبعين سنة، و حدّ يقام في أرضه أفضل من مطر أربعين صباحا» (7).

____________

(1) المحاسن: 153- 78.

(2) القصص: 5.

(3) البقرة: 124.

(4) راجع ص 23، الهامش رقم (5)، و قد ذكرنا أنّ جملة: «و معنى ذلك إذا كان إمام عادل» يحتمل كونها من كلام الشيخ في التهذيب.

(5) التهذيب 10: 213- 843، الوسائل 29: 132 أبواب القصاص في النفس ب 68 ح 1. و ما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.

(6) الكافي 7: 291 الديات ب 4 ح 2، الفقيه 4: 75- 232، الوسائل 29: 61 أبواب القصاص في النفس ب 23 ح 1.

(7) الكافي 7: 175 الحدود ب 1 ح 8، الوسائل 18: 12 أبواب مقدمات الحدود ب 1 ح 5.

27

و في الكافي أيضا، عنه: «لا غزو إلّا مع إمام عادل» (1).

و في التهذيب في باب قتال أهل البغي، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): أنّه قال: «إن خرجوا على إمام عادل فقاتلوهم، و إن خرجوا على إمام جائر فلا تقاتلوهم» (2).

و في التهذيب في باب حدّ السرقة: «إذا سرق السارق من البيدر من إمام جائر فلا قطع عليه، فإذا كان من إمام عادل عليه القطع» (3).

و في المحاسن عن الباقر (عليه السلام): «من دان اللّٰه بعبادة يجهد فيها نفسه بلا إمام عادل فهو غير مقبول» (4).

و في رواية ثواب زيارة الحسين (عليه السلام): «من أتى الحسين عارفا بحقّه» إلى قوله: «و عشرين حجّة مقبولة و عمرة مع نبي مرسل أو إمام عادل» (5).

و في رواية أبي بصير: «إنّ اللّٰه أجّل و أعظم من أن يترك الأرض بغير إمام عادل» (6).

سلّمنا عدم تبادر الإمام في إمام الأصل، و لكن لا شك في وجوب الحمل عليه مع القرينة، و أيّ قرينة أقوى و أدلّ ممّا ذكر من فهم الأصحاب، و الإجماعات المنقولة متواترة، و الأخبار المتقدّمة الظاهرة أو المشعرة بذلك، و سائر ما تقدّم.

مع أنّ قوله في صحيحة محمّد: «الإمام و قاضيه» صريح في إمام الأصل، و هذه الصحيحة بنفسها كافية في إثبات المطلوب. و لا يضرّ اشتمالها على غير الإمام ممّن لا نقول باشتراطه؛ لأنّ خروج بعض الحديث بدليل عن ظاهره أو الحجيّة لا

____________

(1) الكافي 5: 20 الجهاد ب 5 ح 1، الوسائل 15: 43 أبواب جهاد العدو و ما يناسبه ب 10 ح 2.

(2) التهذيب 6: 145- 252، الوسائل 15: 80 أبواب جهاد العدو و ما يناسبه ب 26 ح 3.

(3) التهذيب 10: 628- 510، الوسائل 28: 289 أبواب حد السرقة ب 24 ح 5.

(4) المحاسن: 92- 47.

(5) الكافي 4: 580 الحجّ ب 20 ح 1، الفقيه 2: 346- 1586، التهذيب 6: 46- 101، الوسائل 14: 459 أبواب المزار و ما يناسبه ب 49 ح 1.

(6) الكافي 1: 178 الحجّة ب 5 ح 6.

28

يوجب خروج الباقي. مع أنّ المحكي عن صاحب نوادر الحكمة و الفقيه و الهداية الفتوى بمضمون الجميع (1).

سلّمنا عدم القرينة، فيكون الإمام مجملا، فيجب الاقتصار فيه على المتيقّن، مضافا إلى أنّه بعد الإجمال- فحيث خصّ وجوب الجمعة به- تخرج أخبار الوجوب في غير موضع الإجماع عن الحجيّة.

فإن قيل:

لا إجمال فيه، بل المراد منه من يقتدى به و يتّبع أو يقصد، و هذا أمر معلوم.

قلنا:

من أين علم انحصار معناه في ذلك لغة حتى يجب الأخذ به فيما لا قرينة فيه، و الأصل يجزي لو لم يعلم استعماله في غير ذلك المعنى أيضا، مع العلم بالوضع لذلك، و قد فسّره في القاموس بمعان، منها: قيّم الأمر المصلح له، و النبي، و الخليفة، و الدليل (2)، و قد فسّر اللغويّون الامّ بالأصل (3)، فيمكن أن يكون مأخوذا منه.

سلّمنا، و لكن لا شك أنّه لم يوضع لكلّ متبّع و مقصود و لو لأمر سهل، كمن قصد رؤيته أو التكلّم معه، أو من يتّبع و يقتدى به في جلوس في مكان، أو التكلّم بكلام و نحو ذلك؛ بل يلزم فيه شيء آخر إمّا اتّباع أكثريّ بل مع وجوبه، أو غير ذلك، فمن أين ثبت إطلاقه حقيقة في عهد المعصومين على من يتّبع في ركوع و سجود و تسليم؟.

فإن قيل:

استعمل لفظ الإمام في الأخبار في إمام الأصل و الجماعة، و الأصل عدم التجوّز، فيكون للقدر المشترك.

قلنا:

فيكون مجازا في الخصوصيات مع استعماله فيها، فالتجوّز لازم على ذلك أيضا، و هذا ليس بأولى من التجوّز في إمام الجماعة خاصّة.

____________

(1) الفقيه 1: 267- 1222، الهداية: 34.

(2) القاموس المحيط 4: 78.

(3) انظر: القاموس المحيط 4: 77، و مجمع البحرين 6: 9، و أقرب الموارد 1: 19.

29

و منها:

المروي في العلل و العيون: فإن قال قائل: فلم صارت الجمعة إذا كان مع الإمام ركعتين و إذا كان بغير إمام ركعتين و ركعتين؟ قيل: لعلل شتّى- إلى أن قال-: و منها أنّ الصلاة مع الإمام أتمّ و أكمل، لعلمه و فقهه و فضله و عدله- إلى أن قال-: فإن قال قائل: فلم جعلت الخطبة؟ قيل: لأنّ الجمعة مشهد عام، فأراد أن يكون للأمير سبب إلى موعظتهم، و ترغيبهم في الطاعة، و ترهيبهم عن المعصية، و توقيفهم على ما أراد من مصلحة دينهم و دنياهم، و يخبرهم بما ورد عليهم من الآفاق- إلى أن قال-: و ليس بفاعل غيره ممن يؤمّ الناس في غير يوم الجمعة. فإن قال: فلم جعلت خطبتين؟- إلى أن قال-: و الأخرى للحوائج و الأعذار و الإنذار و الدعاء و ما يريد به أن يعلمهم من أمره و نهيه ما فيه الصلاح و الفساد (1).

جعل (عليه السلام) أوّلا علّة الركعتين علم الإمام وفقهه و فضله، و ظاهر أنّ مجرّد كونه كذلك في بعض الأوقات لا يصلح علّة للسقوط دائما، فلا بدّ من اشتراط هذه الأوصاف في الإمام، و لا يشترط في إمام الجماعة اتّفاقا، فيكون إمام الجمعة غيره، فهو إمّا الفقيه أو إمام الأصل، لعدم الفصل، ثمَّ بملاحظة ما يلحقه من الكلام يتعيّن الثاني.

و ثانيا علّة الخطبة حصول سبب للأمير، و ليس هو إلّا الإمام أو نائبه الخاص، ثمَّ قال: «و توقيفهم على ما أراد» و ليس هذا شأن كلّ إمام جماعة. ثمَّ قال: «و ليس بفاعل غيره» ثمَّ قال: «و ما يريد أن يعلمهم من أمره و نهيه».

و إثبات شيء من العلم و الفقه و الفضل لكلّ إمام جماعة- مع أنّه ممنوع- يجعل العلّة لغوا.

و كون العلل الشرعيّة معرّفات إنّما هي في الأدلّة و الأسباب، دون ما يعلّل به الأحكام، فإنّ الأصل فيها العلّية الحقيقية التامّة.

____________

(1) العلل: 264، العيون 2: 109، الوسائل 7: 312 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 6 ح 3 و 39 ب 25 ح 6.

30

و تعميم الأمير لكلّ من يصلح لأمر و لو للأمر بالمعروف، خلاف الظاهر، بل هو جدّا بارد.

و ضعف بعض هذه الأخبار- لو سلّم- بما مرّ مجبور.

و هنا أمور أخر، كلّ منها يؤيّد المطلوب قويّا، بل باجتماعها يحصل العلم به، كعبارة الصحيفة السجّادية في دعاء الجمعة و الأضحى (1).

و ما روي عن أهل البيت (عليهم السلام): «أنّ في كلّ جمعة وعيد يتجدّد حزن لآل محمّد (صلّى اللّٰه عليه و آله)، لأنّهم يرون حقّهم في يد غيرهم» (2).

فإنّه لو لا أنّ صلاة اليومين من حقّ الإمام فأيّ حقّ يرى في اليومين لا يرى في غيرهما من الأيّام. و تداول إبراز الأمراء عظمتهم و شوكتهم فيهما لا يفيد؛ لأنّ الشوكة ليست حقّا لشخص، مع أنّها ترى في سائر الأيّام أيضا.

فذلك صريح في المطلوب، إلّا أنّه لما كان المرويّ في التهذيب بدون لفظ الجمعة، و إنّما روي معه في طائفة من كتب الأصحاب جعلناه مؤيّدا.

و النبويّين (3): أحدهما: «أربع إلى الولاة: الفيء، و الحدود، و الجمعة، و الصدقات» و الآخر: «إنّ الجمعة و الحكومة لإمام المسلمين».

و استمرار عمل النبيّ و الوليّ و غيرهما من المتمكّنين في تعيين إمام الجمعة.

و صحيحة زرارة: حثّنا أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) على صلاة الجمعة حتّى ظننت أنّه يريد أن نأتيه، فقلت: نغدو عليك؟ فقال: «لا، إنّما عنيت عندكم» (4).

و موثقّة عبد الملك: قال: «مثلك يهلك و لم يصلّ فريضة فرضها اللّٰه تعالى»

____________

(1) و هي: «اللّهم إنّ هذا المقام لخلفائك و أصفيائك و مواضع أمنائك في الدرجة الرفيعة التي اختصصتهم بها، قد ابتزّوها ..».

(2) التهذيب 3: 289- 870، الوسائل 7: 475 أبواب صلاة العيد ب 31 ح 1.

(3) لم نجدهما في الكتب الحديثية التي بأيدينا، و أورد النبوي الأول في المنتهى 1: 317 عن الجمهور، و أوردهما في الرياض 1: 183 معبّرا عنهما بالنبويين المشهورين.

(4) التهذيب 3: 239- 635، الاستبصار 1: 420- 1615، الوسائل 7: 309 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 5 ح 1.

31

فقلت: كيف أصنع؟ قال: «صلّوا جماعة، يعني صلاة الجمعة» (1).

دلّتا على ترك زرارة و عبد الملك لها، و مثلهما لا يتركان الفريضة الكذائية لو لا لها شرط لم يتمكّنا منه، سيّما مع قراءتهما سورة الجمعة، و رواية زرارة أكثر أخبار وجوبها. و لا يمكن أن يكون تركهما للتقيّة؛ لأنّها إن أمكن لهما بدونها فلا معنى للتقيّة، و إلّا فلا معنى للحثّ على ترك التقيّة.

مع أنّ في قول زرارة: حتى ظننت أنّه يريد أن نأتيه، دلالة واضحة على المطلوب، إذ لو لا أنّها منصبه لما كان لذلك الظنّ و قوله: «نغدو عليك» وجه، بل كان المناسب أن يقول: حتّى ظننت أنّه يجوز فعلها عقيب الفاسق أيضا.

و أظهر منه قول عبد الملك: فكيف أصنع، حيث تحيّر و اضطرب، و لو لا اشتراط إذن الإمام لم يكن لذلك وجه. و ظاهر أنّه لم يكن مراده كيف أصنع مع وجود التقيّة، إذ لم يكن جوابه حينئذ «صلّوا جماعة».

و حسنة محمّد و زرارة: «تجب الجمعة على من كان منها على فرسخين» (2).

و نحوها حسنة محمّد، و زاد فيها: «فإن زاد على ذلك فليس عليه شيء» (3).

و غيرهما ممّا دلّ على أنّها لا تجب على من كان بينه و بينها أزيد من فرسخين؛ فإنّه لو لا كون الجمعة منصب شخص معيّن لم يكن لها موضع معيّن، و لم يكن لنفي وجوبها عمّن بعد عنها بالزائد عن الفرسخين على الإطلاق وجه.

و أيضا: من الأمور البديهيّة وقوع الاختلاف بين الفقهاء في نفس العدالة، و موجباتها، و نواقضها، و الكبائر، و أصالة الفسق و العدالة، بحيث لا يكاد يتحقّق فقيهان متفقان في جميع ذلك. و لا شكّ أنّ الفاقد للمرتبة العليا فاسق عند المشترط

____________

(1) التهذيب 3: 239- 638، الاستبصار 1: 420- 1616، الوسائل 7: 310 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 5 ح 2.

(2) الكافي 3: 419 الصلاة ب 73 ح 2، التهذيب 3: 240- 643، الاستبصار 1:

421- 1620، الوسائل 7: 309 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 4 ح 5.

(3) الكافي 3: 419 الصلاة ب 73 ح 3، التهذيب 3: 240- 641، الاستبصار 1:

421- 1619، الوسائل 7: 309 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 4 ح 6.

32

لها في العدالة، و الأغلب في البلاد سيّما الكبيرة و ما حواها وجود فقهاء كثيرة، و لا أقلّ من فقيهين، أو وجود مقلّدي فقهاء أخر.

و على هذا فنقول: لو لم يشترط الإمام، و وجب عينا على الأعيان، فلا يخلو إمّا يجب على الجميع الائتمام بواحد، و لو كان فاسقا عنده، أو لا.

و الأوّل باطل.

و على الثاني فإمّا يجب على الجميع الائتمام بصاحب المرتبة العليا، أو لا.

و الأوّل فاسد؛ للإجماع القطعيّ على عدم اشتراط ذلك الشرط.

و على الثاني فإمّا تجب على كلّ إقامة جمعة مع مقلّديه، أو مع من يقلّد مجتهده في بلد واحد، أو لا.

و الأوّل غير جائز إجماعا، و كذا الثاني؛ للإجماع على عدم الاشتراط بعدم إقامة جمعة ممنّ ليس هو بعادل عنده، فلم يبق إلّا انتفاء الوجوب العينيّ.

و لو قلنا بعدم جواز ائتمام المجتهد أو مقلّده بمجتهد آخر أو مقلّده، المخالف له في بعض مسائل الصلاة- كما اختاره بعضهم- سيّما مع ظهور أنّه لا يتفق مجتهدان متفقان في جميع مسائل الصلاة و مقدّماتها، يصير المحذور أشدّ، و المطلوب أوضح.

و أيضا: من البديهيّات وجود عدول عديدة صالحين لإمامة الجماعة و الخطبة في أكثر البلاد و ما يقربها إلى فرسخين، حتّى نشاهد إقامة قريب من مائة صلاة الجماعة في المدن الكبيرة و قرأها.

و على هذا فنقول: لو وجبت الجمعة عينا، و لم تكن منصبا لمعيّن يجب على الكلّ الحضور إلى جمعته، فإمّا أن يكون بناء أحد هؤلاء العدول على إمامة الجمعة، أم لا.

فعلى الأوّل إمّا يجب على الباقين الحضور إلى جماعته، أم لا.

و الأوّل باطل قطعا؛ ضرورة عدم دليل على أنّ إرادة واحد لها و بناءه يوجب تعيينه و عدم جواز إمامة غيره ممّن هو مثله.

33

و على الثاني- و كذا على عدم بناء واحد منهم على الإمامة- إمّا لا يجب عليهم تعيين إمام لها قبل الزوال، أو يجب.

و الأوّل باطل؛ لأنّه إذا لم يجب عليهم ذلك، فإذا دخل الزوال إمّا تجب إمامة الجمعة على كلّ هؤلاء العدول، أو على واحد مع عدم إمكان درك الجميع جمعته من رأس الفرسخين أو الفرسخ، بل الأقلّ أيضا سيّما مع عدم الاطّلاع و القسمان باطلان.

و على الثاني، أي وجوب التعيين قبل الزوال- فمع عدم دليل عليه، و استلزامه مفاسد لو اختلفوا في التعيين، و لا دليل على ما يرفع شيئا منها- إمّا يجتمعون على تعيين واحد، أو لا، بل يتركون ذلك الواجب.

فعلى الأوّل إمّا لا يتعيّن شرعا بهذا التعيين، أو يتعين.

و الأوّل باطل؛ لاستلزامه انتفاء فائدة وجوب التعيين، بل عود المحذورات اللازمة على عدم وجوب التعيين.

و إن تعيّن شرعا فإمّا لا تبطل جمعة غيره لو شرع فيها بعد التعيين، أو تبطل.

و الأوّل ينفي فائدة وجوب التعيين، و تعود المحذورات، و الثاني يوجب زيادة شرط في إمام الجمعة لم يقل به أحد.

و إن لم يجتمعوا على التعيين حتّى دخل الزوال، فإمّا تجوز لكلّ منهم إقامة الجمعة، أو لواحد منهم.

و القسمان باطلان كما مرّ.

فلم يبق إلّا عدم وجوب الجمعة إلّا مع من عيّنه اللّٰه سبحانه.

و أيضا: من الضروريّات اشتراط العدالة في إمام الجمعة، و على هذا فإمّا يجب على كلّ من في البلد و ما دون الفرسخ من القرى تحصيل العلم بعدالة واحد معيّن شرعا، أو لا.

و الأوّل باطل، سيّما في المدن الكبيرة الكثيرة القرى، كأصبهان و شام

34

و قسطنطنية و نحوها؛ إذ حصول ذلك ليس اختياريا، سيّما مع اختلاف العلماء في العدالة و منافياتها، فالتكليف به تكليف بغير الاختياريّ.

فتعيّن الثاني، و حينئذ فإذا لم تظهر عدالة الإمام لجماعة بل للأكثر، كما هو الأغلب، فإمّا تجب عليهم إقامة جمعة أخرى، أو تسقط الجمعة عنهم.

و القسمان باطلان، أمّا الأوّل، فللزوم إقامة جمعتين فيما دون فرسخ، بل في مسجد و هو باطل، سيّما مع عدم العلم ببطلان جمعة اخرى، و أمّا الثاني فظاهر.

فإن قيل:

يجب عليهم الخروج إلى ما فوق الفرسخ.

قلنا

- مع أنّه لا دليل عليه، و أنّه في الأكثر يورث الفتنة-: قد لا يمكن الخروج لحرّ أو برد أو خوف، أو تقام الجمعة أيضا من مجهول لهؤلاء فيما فوق الفرسخ، أو لم ييأسوا من ظهور عدالة الأوّل إلى أوّل الزوال، أو لم يعيّن الإمام إلّا حينئذ، مع أنّ اجتماع جميع هؤلاء على واحد أيضا قد لا يتيسّر، فيلزم خروج جماعات إلى أطراف، إلى غير ذلك من المفاسد. فيلزم أن يكون منصب إمامة الجمعة معيّنا من جانب اللّٰه سبحانه.

و الإنصاف أنّ هذه الوجوه من الأدلة القويّة على نفي الوجوب العينيّ في زمن الغيبة.

و ممّا يؤكّد نفيه: أنّه كان النبيّ و الخلفاء بعده يعيّنون لصلاة الجمعة، كما كانوا يعيّنون للأمارة و الحكومة.

و ممّا يؤكّده أيضا: كثرة الأخبار الدالّة على الوجوب بزعم الموجبين، مع ذهاب أكثر المتقدّمين و المتأخّرين إلى نفيه، و عدم العمل بها مع اطّلاعهم على هذه الأحاديث.

و أيضا:

يحكم العرف و العادة بأنّ صلاة الجمعة لو كانت واجبة كصلاة العصر، و سائر الصلوات اليوميّة لشاع ذلك، بحيث لا يشكّ فيه أحد، بل صار من الضروريّات كسائر الصلوات، و لم يكن بهذه المثابة حتّى إنّه لم يفعلها من العلماء الإمامية في قريب من ألف سنة إلى زمن الشهيد الثاني، و لم يشتهر وجوبها،

35

بل ذهب كثير منهم إلى حرمتها.

فإن قيل:

لعلّ التقيّة كانت مانعة.

قلنا:

هل التقيّة فيه كانت أشدّ منها في أمر المتعة؟ مع كونها مستحبّة، و مع ذلك صار ضروريّا. و كذا مسح الرجلين، و السجود على الأرض، و عدم جواز التكفير، إلى غير ذلك.

احتجّ المثبتون للوجوب العيني بوجوه:

الأوّل: الآية

. و قد عرفت عدم دلالتها (1)

و الثاني: الاستصحاب

، فإنّ الجمعة كانت واجبة في زمن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) و خلفائه فيستصحب.

و يردّ أولا:

بمعارضته باستصحاب وجوب الظهر و عدم وجوب الجمعة، فإنّ قبل إيجاب الجمعة كان الظهر واجبا، و الجمعة غير واجبة، فإنّه علم انتفاء لأوّل و ثبوت الثاني إلى زمان تمكّن المعصوم، و لم يعلم فيما بعده، فيستصحب وجوب الأوّل و عدم وجوب الثاني.

و ثانيا:

بمعارضته باستصحاب وجوب الظهر في زمان نزول الجمعة على من لم يتمكّن من حضور جمعة المعصوم.

فإن قلت:

لا ينافي ذلك عند من يشترط المعصوم في عهده لكلّ أحد، و لو لم يتمكّن الحضور إلى جمعته.

قلنا:

فيسقط استصحابك رأسا؛ إذ على هذا يكون الاشتراط في عهده مسلّما، و لا يجري الاستصحاب في الواجب المشروط.

و ثالثا:

بأنّ الأصل في الواجب ما دام الوصف كونه بشرطه، فلا يجري الاستصحاب. إلّا أنّ تمامية ذلك إنّما هي على ما يأتي من عدم تماميّة دلالة الظواهر على وجوب الجمعة مطلقا. و إلّا فلا يتمّ؛ لأنّ الواجب ما دام الوصف لو ثبت

____________

(1) راجع ص 9

36

بالإطلاق، فالأصل فيه ليس كونه بشرطه.

و رابعا:

بانتفاء الاستصحاب بما مرّ من الأدلّة على الاشتراط.

و قد يجاب عن الاستصحاب أيضا: بتغيّر الموضوع، فإنّ موضوع الوجوب الموجودون في زمانهم، و النزاع في غيرهم.

و يضعّف:

بفرض الكلام في شخص واحد مدرك للزمانين، و يتمّ المطلوب بالإجماع المركّب.

الثالث: أصل عدم اشتراط المعصوم

، فإنّه لا خلاف في اشتراط إمام الجماعة، و الشك في اشتراط الزائد، فينفى بالأصل.

و جوابه أوّلا:

أنّه إن أريد إجراء الأصل من دون ملاحظة ما يدّعيه من إطلاقات وجوب الجمعة الآتية، فالأصل مع الاشتراط؛ لأصالة عدم الوجوب بدون الشرط.

و إن أريد إجراؤه بملاحظة الإطلاقات، فهو إنّما يتمّ إن تمّت دلالتها على وجوب صلاة الجمعة مطلقا، ثمَّ على ثبوت أنّ صلاة الجمعة صادقة على ما يقتدى فيه بغير إمام الأصل، و سيأتي عدم التماميّة.

و ثانيا:

أنّ الأصل إنّما يعمل به إذا لم يكن هناك دليل يخرج عنه، و إنّا قد بينّا الدليل على اشتراط إمام الأصل أو نائبه، و لو منع صراحة ما مرّ فيه فغايته الإجمال، و به تخرج مطلقات وجوب الجمعة عن الحجيّة.

سلّمنا حجيّة المخصّص بالمجمل، و لازمه حجيّة مطلقات الظهر أيضا، كالمروي في الكافي في باب التفويض: إنّ الرسول زاد ركعتين في الظهر و العصر و العشاء، فلا يجوز تركهنّ إلّا في سفر، و لم يرخّص رسول اللّٰه لأحد تقصير الركعتين اللتين ضمّهما، بل ألزمهم إلزاما واجبا، و لم يرخّص لأحد في شيء من ذلك إلّا للمسافر (1).

و صحيحة زرارة: «عشر ركعات: ركعتان من الظهر، و ركعتان من

____________

(1) الكافي 1: 266 الحجّة ب 52 ح 4.

37

العصر، و ركعتا الصبح، و ركعتا المغرب، و ركعتا العشاء الآخرة، لا يجوز الوهم فيهن»- إلى أن قال-: «و هي الصلاة التي فرضها اللّٰه على المؤمنين في القرآن، و فوض إلى محمّد (صلّى اللّٰه عليه و آله)، فزاد النبي في الصلاة سبع ركعات» (1).

و موثّقة سماعة: «إذا زالت الشمس فصلّ ثماني ركعات، ثمَّ صلّ الفريضة أربعا، فإذا فرغت من سبحتك، قصرت أو طوّلت، فصلّ العصر» (2).

و صحيحة محمّد بن أحمد: «إذا زالت الشمس، فقد دخل وقت الصلاة، و بين يديها سبحة، و هي ثمان ركعات، فإن شئت طوّلت و إن شئت قصرت، ثمَّ صلّ الظهر» (3) إلى غير ذلك.

فتتعارضان بالعموم من وجه، و يرجع في مورد التعارض إلى التخيير.

الرابع: الروايات العديدة:

كصحيحة زرارة: «فرض اللّٰه تعالى على الناس من الجمعة إلى الجمعة خمسا و ثلاثين صلاة، منها صلاة [واحدة] (4) فرضها اللّٰه عزّ و جلّ في جماعة، و هي الجمعة» (5).

و صحيحة أبي بصير و محمّد: «إنّ اللّٰه فرض في كل سبعة أيام خمسا و ثلاثين صلاة، منها صلاة واجبة على كلّ مسلم أن يشهدها إلّا خمسة» (6).

و اخرى لزرارة: على من تجب الجمعة؟ قال: «على سبعة نفر من المسلمين، و لا جمعة لأقلّ من خمسة من المسلمين، أحدهم الإمام، فإذا اجتمع سبعة و لم

____________

(1) الكافي 3: 273 الصلاة ب 3 ح 7، الوسائل 4: 49 أبواب أعداد الفرائض و نوافلها ب 13 ح 12.

(2) التهذيب 2: 245- 976، الاستبصار 1: 249- 895، الوسائل 4: 134 أبواب المواقيت ب 5 ح 11.

(3) التهذيب 2: 249- 990، الاستبصار 1: 254- 913، الوسائل 4: 134 أبواب المواقيت ب 5 ح 13.

(4) في النسخ: واجبة، و ما أثبتناه موافق للمصادر.

(5) الكافي 3: 419 الصلاة ب 73 ح 6، الفقيه 1: 266- 1217، التهذيب 3: 21- 77، الوسائل 7: 295 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 1 ح 1.

(6) الكافي 3: 418 الصلاة ب 73 ح 1، الوسائل 7: 299 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 1 ح 14.

38

يخافوا أمّهم بعضهم و خطبهم» (1).

و ثالثة له قد تقدّمت (2): «لا تكون الخطبة و الجمعة و صلاة ركعتين على أقل من خمسة رهط: الإمام و أربعة».

و رابعة له قد تقدّمت أيضا (3): «صلاة الجمعة فريضة، و الاجتماع إليها فريضة مع الإمام، فإن ترك رجل ثلاث جمع من غير علّة فقد ترك ثلاث فرائض».

و صحيحة منصور: «يجمّع القوم إذا كانوا خمسة فما زاد»- إلى أن قال-:

«الجمعة واجبة على كلّ أحد، و لا يعذر الناس فيها إلّا خمسة» (4).

و صحيحة زرارة أيضا: «الجمعة واجبة على من إن صلّى الغداة في أهله أدرك الجمعة» (5).

و صحيحة عمر بن يزيد: «إذا كانوا سبعة يوم الجمعة فليصلّوا في جماعة، و ليلبس البرد و العمامة» (6).

و صحيحة أخرى لأبي بصير و محمّد: «من ترك الجمعة ثلاث جمع متواليات طبع اللّٰه على قلبه» (7) و قريبة منها روايات أخر.

____________

(1) الفقيه 1: 267- 1218، الوسائل 7: 304 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 2 ح 4.

(2) في ص 23.

(3) في ص 23.

(4) التهذيب 3: 239- 636، الاستبصار 1: 419- 1610، الوسائل 7: 304 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 2 ح 7.

(5) التهذيب 3: 240- 642، الاستبصار 1: 421- 1621، الوسائل 7: 307 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 4 ح 1.

(6) التهذيب 3: 245- 664، الاستبصار 1: 418- 1607، الوسائل 7: 341 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 24 ح 2.

(7) التهذيب 3: 238- 632، المحاسن: 85- 22، الوسائل 7: 299 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 1 ح 15.

39

و النبوي المروي في بعض الكتب: «كتب عليكم الجمعة فريضة واجبة إلى يوم القيامة» (1).

و الآخر: «لينتهينّ أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمنّ اللّٰه على قلوبهم» (2).

و الثالث خطبته (عليه السلام): «إنّ اللّٰه فرض عليكم الجمعة، فمن تركها في حياتي أو بعد مماتي و له إمام عادل، استخفافا بها أو جحودا لها، فلا جمع اللّٰه شمله، و لا بارك له في أمره» (3) الحديث.

و صحيحة محمّد المتقدّمة: «تجب الجمعة على من كان منها على رأس فرسخين، و معنى ذلك إذا كان إمام عادل» (4).

و صحيحة زرارة السابقة أيضا، المصدّرة بقوله: حثّنا أبو عبد اللّٰه ..» (5).

و موثّقات البقباق، و سماعة، و عبد الملك المتقدمة جميعا (6)، و غير ذلك ممّا هو بمضمون ما مرّ أو قريب منه.

و الجواب عنها

- مع أنّ بعض هذه الأخبار خطاب مشافهة، و لا يثبت العموم فيها- إمّا بالخصوص أو الكلّية.

أمّا الأوّل:

فأمّا عن الاولى:

فبعدم دلالتها على أزيد من أنّ بعضا من الخمسة و الثلاثين الواجبة من الجمعة إلى الجمعة صلاة الجمعة، و هو أعمّ من أن يكون واحدا منها، أو فردا من واحد، فإنه إذا كانت الجمعة واجبة في بعض

____________

(1) المعتبر 2: 277، الوسائل 7: 301 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 1 ح 22، و قريب منه في كنز العمّال 7: 721- 21092.

(2) صحيح مسلم 2: 591- 865.

(3) سنن ابن ماجه 1: 343- 1081.

(4) راجع ص 23.

(5) راجع ص 30.

(6) راجع ص 22، 21، 31.

40

الأوقات، و الظهر في بعض، أو الأوّل على بعض الأشخاص- كما في زمن الغيبة على من يحضر عند الإمام الغائب من أولاده و أصحابه- و الثاني على بعض آخر، فلا محالة تكون الجمعة بعضا من الخمسة و الثلاثين.

و لو لم تصدق البعضيّة على مثل ذلك، لم تصدق على صلاة الجمعة أصلا؛ لعدم وجوبها في شيء من الأزمنة على قرية ليس فيها من لا يصلح للإمامة، أو طائفة كذلك، و لا على المرأة و المسافر، و المملوك و المريض و غير ذلك.

و الحاصل: أنّا نسلم وجوب الخمسة و الثلاثين صلاة في كلّ جمعة إلى الجمعة على الناس، و أنّ بعضا منها صلاة واجبة تجب فيها الجماعة، و لكن لا نسلّم أنّ هذا البعض واجب على الكلّ؛ لصدق البعضيّة بوجوبه (1) في الجملة.

بل لا يمكن أن يراد أنه واجب على الكلّ؛ ضرورة عدم وجوبه على كثير من الناس. و لا يمكن أن يقال: خرج ما خرج بالدليل؛ لأنّ هذا إنّما هو على تقدير وجود لفظ عامّ، كأن يقول: منها صلاة واجبة على الكلّ، و ليس كذلك، بل يجب التقدير، فلا يقدّر إلّا ما علم وجوب تقديره، فمن أين يقدّر ما يعمّ فاقد الإمام أيضا؟.

مع أنّ في كثير من النسخ هكذا: «فرض اللّٰه تعالى على أولئك الناس» و على هذا، فيسقط الاستدلال رأسا؛ لجواز أن يكون إشارة إلى أهل زمانه (عليه السلام).

و أمّا عن الثانية:

فبأنّا نسلّم أنّ بعضا من الخمسة و الثلاثين ممّا يجب على كلّ مسلم أن يشهدها و يحضرها، و لكن بيّن لنا ذلك البعض، هل هو الركعتان الصادرتان من مطلق إمام الجماعة، أو من إمام الأصل؟.

و وجوبه على كلّ مسلم لا يدلّ إلّا على وجوبه عليهم عند تحقق شرائطه، ألا ترى أنّه يصحّ أن يقال: إنّ الصلوات الواجبة كثيرة، منها ما يجب على كلّ

____________

(1) في «ق»: بوقوعه.

41

مسلم، و هو صلاة الزلزلة، مع أنّه قد لا تتحقّق الزلزلة في مائة سنة إلّا مرّة واحدة، و لا تقع في بعض الأصقاع أصلا.

مع أنّ قوله: «كلّ مسلم» متعلّق بقوله: «أن يشهدها» و الشهود يتوقّف على التحقّق، فالمعنى: يجب على كلّ مسلم أن يشهدها لو تحقّقت. و لا نزاع في ذلك.

و تفسير «يشهدها» بأن يفعلها خلاف الحقيقة.

و أمّا عن الثالثة و الرابعة و الخامسة:

فبتعليق الوجوب فيها على الإمام و هو لو لم يكن ظاهرا في إمام الأصل، يكون محتملا له قطعا، فلا يعلم الوجوب بدونه.

و لا يفيد إطلاق البعض في قوله: «أمّهم بعضهم» في أولاها؛ إذ ظاهر أنّ الإضافة فيه للعهد، إذ هذا البعض هو الإمام الذي ذكره بقوله: «أحدهم الإمام» مضافا إلى احتمال كون الذي من كلام الصدوق.

مع أنّ ما يدلّ على الوجوب في الاولى و هو قوله: «على سبعة نفر» لا عموم فيه، و ما فيه العموم و هو قوله: «فإذا اجتمع ..» لا دلالة فيه على الوجوب.

و في الثانية لا دلالة إلّا على نفي الوجوب على الأقلّ من خمسة، و أمّا الوجوب على كلّ خمسة فلا.

و أمّا عن السادسة:

فبعدم دلالة صدرها على وجوب أصلا؛ لخلوّه عن الدالّ عليه، مع ما فيه من إجمال التجميع، لما يأتي.

و أمّا ذيلها فلم يوجب إلّا الجمعة، و هي حقيقة في اليوم المعهود مجاز في غيره، و المعنى المجازي المراد له (عليه السلام) غير معلوم لنا، فكما يمكن أن يكون الركعتين مع إمام الجماعة، يمكن أن يكون ما كان مع إمام الأصل، أو ما كان يصلّى في زمان الظهور، و هو ما كان مع الخلفاء و الولاة. و ظهورها في هذا الزمان في مطلق صلاة الجمعة- لو سلّم- لا يفيد؛ لأصالة عدم الظهور في زمان الصدور.

و منه يظهر الجواب عن السابعة أيضا

، مضافا إلى أنّ الوجوب فيها غير باق

42

على معناه الحقيقي؛ ضرورة عدم الوجوب على كلّ من إن صلّى الغداة في أهله أدرك الجمعة.

و تخصيص الوجوب بمن كان على أقلّ من فرسخين، ليس أولى من التجوّز في الوجوب، مع أنّه لا يلائم تتمّة الحديث حيث قال (عليه السلام): «و كان رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) إنّما يصلّي العصر في وقت الظهر في سائر الأيّام كي إذا قضوا الصلاة مع رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) رجعوا إلى رحالهم قبل الليل».

فإنّ مع التخصيص المذكور لم يكن الرجوع موقوفا على التأخير.

و أمّا عن الثامنة:

فبعدم عموم فيها أصلا؛ لعدم تعيّن المرجع في قوله:

«كانوا» و «ليلبس» عندنا، فلعلّه كان من فيهم إمام الأصل، و إرجاعه إلى المسلمين أو الناس لا دليل عليه، مضافا إلى أنّ عطف ما ليس بواجب قطعا على قوله «فليصلّوا» يوهن في وجوبه أيضا.

و أمّا عن التاسعة و ما بمعناها:

مع ضعف أكثرها سندا، فبعدم الدلالة على الوجوب أصلا؛ إذ قد تحصل من ارتكاب المكروه أو ترك المستحب كدرة في القلب أيضا، و لذا ورد أشدّ من ذلك في ترك بعض المستحبات أيضا، سيّما مع أنّه رتّب الطبع و ما بمعناه على ترك ثلاث جمع المتّصفة بالمتوالية، و سيّما مع التقييد في بعض تلك الروايات بتركها تهاونا بها.

مضافا إلى أنّ إرادة الركعتين مع الخطبتين من لفظ الجمعة- الحقيقة في اليوم- غير معلومة بل إرادتهما مع صدورهما عن الإمام ممكنة، بل يمكن أن يكون المراد غسل الجمعة أيضا.

و منه يظهر الجواب عن العاشرة و الحادية عشرة

، مع أنّهما خاليتان عن العموم جدّا، بل ذكر الودع في الثانية صريح في حصوله، فهو مخصوص بأيّام حياته.

و عن الثانية عشرة:

مع ما مرّ، أنّ فيه قيد الإمام العادل، و قد عرفت ظهوره في المعصوم، و قيد الاستخفاف و الجحود، و هو مسلّم.

43

و أمّا عن الثالثة عشرة:

فبما مرّ أيضا، من قيد الإمام العادل.

و أمّا عن البواقي:

فبأنّها على نفي الوجوب أدلّ، و لذا النافي له بها استدلّ، كما مرّ في دليل القول الأوّل.

مع أنّ شيئا منها لا يدلّ على الوجوب على الجميع:

أمّا الثلاثة الأولى، فلخلوّها عن لفظ الوجوب، أو الأمر الدالّ عليه، بل أولاها متضمّنة للفظ «الحثّ» الظاهر في الاستحباب.

و أمّا الأخيرة، فلعدم دلالتها على عموم الوجوب، فلعلّه على من كان يتمكّن من الائتمام بإمام الأصل، أو الاستئذان منه.

و ممّا ذكر يظهر الجواب عن سائر ما لم يذكر أيضا، فإنّها بين ضعيفة و خالية عن الدالّ على الواجب أو عمّن تجب عليه، و متضمّنة للفظ الجمعة المحتملة لأن يكون تجوّزها ما وقع مع الإمام أو نائبه و نحو ذلك.

و أمّا الثاني

- أي: الجواب عن الجميع كلّيا- فتارة

بعدم حجيّة شيء منها على فرض الدلالة؛ لمخالفتها الشهرة القديمة الموجبة لخروجها عن الحجيّة.

و اخرى:

بخروجها عن الحجيّة لتخصيصها بما مرّ من الأخبار الدالّة على اشتراط الإمام، أو من يخطب زائدا على من يصلح للجماعة، و قد عرفت احتمالهما لإمام الأصل لو لا تعيّنهما له، و المخصّص بالمجمل ليس بحجّة في مقام الإجمال قطعا، فيعمل فيه بأصالة عدم الوجوب.

و ثالثة:

بعدم إفادتها لمطلوبهم؛ إذ غايتها وجوب صلاة الجمعة (على كلّ أحد) (1) عينا و هو ممّا لا شكّ فيه، و إنّما الكلام في صلاة الجمعة إنّها ما هي؟.

و الخصم يقول: إنّها ما وقع مع الإمام، أو بإذنه، و لا تفيد هذه الأخبار في ردّه.

أمّا على القول بكون العبادات أسامي للصحيحة فظاهر.

و أمّا على القول بالأعمّ فبعد بيان مقدمة، هي:

____________

(1) ما بين القوسين يوجد في «ح» فقط.

44

أنّ أجزاء العبادات على القول بكونها أسامي للأعم على قسمين: ما يعلم انتفاء المسمّى بانتفائه قطعا، كالركوع و السجود بالنسبة إلى الصلاة، و ما يعلم عدم انتفائه بانتفائه كذلك، كذكر الركوع.

و قد يكون هنا قسم ثالث، و هو: ما يشكّ في كونه ممّا ينتفي المسمّى بانتفائه أم لا، كما إذا لم ينضبط المعنى العرفي في لفظ في زمان، أو انضبط فيه و شكّ في معناه في الزمان السابق و لم تجر أصالة الاتّحاد، كما في ما نحن فيه على القول بعدم ثبوت الحقيقة الشرعية في لفظ صلاة الجمعة، لو سلّم فيها الحقيقة المتشرعة في هذا الزمان في الأعمّ ممّا كان مع الإمام.

فما كان من القسمين الأولين فحكمه ظاهر.

و ما كان من الثالث فتجري فيه أصالة عدم الجزئية بواسطة أصالة عدم الوجوب إن لم يكن موقوفا عليه لوجوب سائر الأجزاء، و أصالة الجزئية بواسطة أصالة عدم وجوب السائر بدونه إن كان موقوفا عليه له، كما في ما نحن فيه.

و الحاصل: أنّ الوضع للأعمّ إنّما هو في ما إذا لم يكن الجزء ممّا احتمل كونه سببا للتسمية، و أمّا معه فلا.

ألا ترى أنّه إذا وضع اسم لعبد، ثمَّ تغيّر لون العبد، و اصفرّ بعد الحمرة، لا يتغيّر الموضوع له؟ بخلاف ما إذا وضع لفظ لعبد أحمر من جهة أنه أحمر، فلا يطلق اللفظ بعد زوال الحمرة، و كذا لو شك أنّه هل هو موضوع لمطلق العبد أو للأحمر منه. نعم لا يختلف الإطلاق لو تغيّر حمرة يده مثلا.

فإنّا نعلم أنّ إطلاق الصلاة على الأركان المخصوصة و الأجزاء المعلومة ليس لأجل خصوص السورة أو ذكر الركوع مثلا، و لكن نعلم أنه موضوع لمعنى هما جزءان له، فيختلف في أنّه هل المعنى القدر المشترك أو مع هذا الجزء، فالحقّ القدر المشترك.

و الملخّص:

أنّ النزاع في الوضع للصحيح أو الأعمّ إنّما هو فيما إذا علم وضع لفظ لشيء أو استعماله فيه مجازا، و شكّ في أنّ المستعمل فيه أو الموضوع له

45

هو بتمام أجزائه أو لا؛ و أمّا لو شكّ في أنّ الموضوع له أو المستعمل فيه هل هو هذا الشيء لأجل هذا الجزء أو الشرط فلم يقل أحد بأنه للأعم.

و لو شئت التوضيح فانظر إلى لفظ وضع لكتاب، فإنّه لا تتغيّر التسمية لو وجد فيه أغلاط و تروك و لا يقال إنّه موضوع للصحيح، بخلاف ما إذا وضع لفظ له من جهة أنّه صحيح غاية الصحة.

إذا عرفت ذلك نقول: إنّا لو سلّمنا كون صلاة الجمعة حقيقة في الأعم مما كان مع الإمام في هذا الزمان، فلا نسلّمه في زمان الشارع؛ لجواز أن يكون معناه حينئذ ما كان معه، و لم تثبت فيها الحقيقة الشرعية حتّى يحكم باتحادها مع عرف هذا الزمان بأصالة عدم النقل، فلا نعلم أنّها هل هي ما كان مع الإمام أم لا، و لا بعد في ذلك، كما أنّ صلاة الجماعة لا تصدق إلّا مع الائتمام بإمام و لو تحقق جميع الأجزاء من إقامة الصفوف و غيرها، بل قد ينتفي المسمّى بانتفاء أقلّ من ذلك، كمجرد قصد الصلاة، فإنّ بانتفائه ينتفي المسمّى و لو تحقّق جميع سائر الأجزاء.

و الحاصل: أنّه يمكن أن يكون المستعمل فيه ما كان مع الإمام لأجل أنه كذلك، و على هذا فلا يدلّ ما دلّ على وجوب صلاة الجمعة على وجوب ما لا إمام فيه أو نائبه أصلا؛ إذ لا نسلّم أنه صلاة جمعة.

و رابعة:

بأنّه لا دخل لهذه الأخبار بالمطلوب أصلا؛ إذ لا نزاع لأحد في وجوب صلاة الجمعة، بل هو من ضروريات الدين، و لا في عدم اختصاصه بزمان دون زمان من حيث هو زمان، بل الكلّ قائلون بوجوبها في كلّ زمان من حيث هو هذا الزمان، و إنّما الاختلاف في شرط من شرائطها أنّه هل هو الاقتداء بالمعصوم أو نائبه، أم لا.

و هل الاستدلال بهذه الأخبار على مطلوبكم إلّا كمن استدلّ على عدم اشتراط العدالة في إمام الجماعة بعمومات مرغّبات الجماعة؟ أو كمن استدلّ بعمومات وجوب الحجّ على وجوبه مع سدّ الطريق أيضا؟ ألا ترى أنّا نقول

46

بوجوب الحجّ إلى يوم القيامة، و لا ينافيه لو فرض سدّ الطريق أو منع التقية عن الحج في ألف سنة.

و الحاصل أنا نقول: إنّ اللّٰه سبحانه جعل لنا إماما بعد إمام إلى يوم القيامة، بحيث لم يخل زمانا عنه، و نهى عباده عن الإتيان بما يقتضي غيبته و استتاره، و أمرنا بصلاة معه كذلك؛ و حصول الحرمان عن خدمته بعصيان الأمّة و إيجابه تعطيل واجب مشروط به بسوء أعمالنا لا ينافي دوام وجوبه، و لا أدري ما يقول الموجب في حقّ عدم وجوبها في بلاد التقية- التي هي أكثر بلاد الإسلام- و أزمنتها.

فإن قيل:

لا شكّ أنّ مفاد تلك الأخبار وجوبها في كلّ جمعة و على كلّ مسلم، سواء حضر المعصوم أم لا، و مقتضى الاشتراط اختصاص الوجوب بحال الحضور، فعموم الروايات يدفع الاشتراط.

قلنا:

هذا اشتباه نشأ من الخلط بين شرط الوجوب و شرط الصحّة، و كذا بين كون الشيء مخصّصا للعامّ أم لا، و كونه من أفراد مخصّصة القطعي أم لا.

بيان ذلك: إنّ الشيء إن كان شرطا لوجوب شيء يكون موجبا لتخصيص عمومات وجوبه و مقيّدا لإطلاقاته لا محالة، بخلاف ما إذا كان شرطا لصحته، فإنّه لم يقل أحد بأنّ قوله تعالى إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا .. مخصّص لقوله سبحانه أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ نعم لما كان انتفاء شرط الصحة مستلزما لانتفاء المشروط الصحيح، فبانتفائه ينتفي التمكّن عن الإتيان بالمطلوب، و وجوبه مخصوص بحال التمكّن قطعا، فيكون انتفاء الشرط من أفراد عدم التمكن الذي خصّ العامّ به عقلا و شرعا قطعا.

و الحاصل: أنّا لا ندعي أزيد من أنّ الائتمام بالمعصوم أو نائبه شرط لصحّة الجمعة، فإذا لم يتمكن المكلف منه فنقول: إنّ عمومات وجوب الجمعة مخصّصة- باعترافك- بحال التمكّن من صحيحها قطعا، و لذا لا يقول بوجوبهها عند فقد إمام عادل أو من يخطب أو العدد اللازم و نحوها، و نحن أيضا لا ندّعي أزيد من

47

ذلك.

نعم نحن نقول: إنّه يشترط في صحتها الائتمام بالمعصوم، فإذا لم يتمكن منه ينتفي التمكن من الجمعة الصحيحة، و أنت لا تقول به.

فليس النزاع إلّا في انتفاء إمكان الائتمام بالمعصوم، هل هو من أفراد عدم التمكّن من الجمعة المخصوصة عموماتها بغيره قطعا أم لا؟ و ليس ذلك نزاعا في التخصيص أصلا، فلا وجه للتمسك بالعمومات في دفعه.

فنحن و أنتم متفقون في اختصاص العمومات بحال التمكّن من الجمعة الصحيحة، و مختلفون في أنّ حال عدم إمكان الائتمام بالمعصوم هل هي حال التمكن أم لا؟ فأنت تقول بالتمكن، لعدم اشتراط الصحة به، و نحن نقول بعدمه، للاشتراط، و ليس في يدك شيء يتمسّك به سوى أصالة عدم الاشتراط، و قد عرفت حالها.

و الحاصل: أنّ الأخبار المتقدمة و ما لم يذكر منها بأجمعها- على فرض الحجّية و الدلالة على الوجوب- بين دالّة على وجوب الجمعة في الجملة، أو على وجوبها المطلق، أو على وجوبها على كلّ أحد، أو وجوبها أبدا.

و الاحتجاج بالأولى إنّما يصحّ في مقابلة من ينفي وجوبها رأسا.

و بالثانية في مقابلة من قال: إنّها واجبة مقيدة، نحو: إن كنت متوضئا فتجب عليك الصلاة.

و بالثالثة في مقابلة من قال: إنّها واجبة على طائفة خاصة، نحو: تجب الصلاة على المتطهرين.

و بالرابعة في مقابلة من قال: إنّها واجبة في زمان، ثمَّ نسخ، أو كان وجوبها مخصوصا ببعض الأزمنة، نحو: تجب الصلاة في زمان النبي.

و نحن لا نقول بشيء من ذلك، بل نقول: إنّها واجبة مطلقة على كلّ أحد إلى يوم القيامة، و لكنّه مثل الصلاة بالنّسبة إلى الوضوء، حيث خلق اللّٰه سبحانه الماء ثمَّ أمر كلّ أحد إلى يوم القيامة بالصلاة، و شرط فيها الوضوء، أي: أمر به

48

عندها، و نفى صحّتها بدونه، فكذلك جعل اللّٰه سبحانه للأمة إماما بعد إمام إلى يوم القيامة و أمر الناس بطاعته و الاجتناب عمّا يوجب غيبته و استتاره. ثمَّ أمر كلّ أحد إلى يوم القيامة بصلاة الجمعة، و شرط فيها الاقتداء بذلك الإمام، و نفى صحتها بدونه.

بل نسبته إلى صلاة الجمعة كنسبة الترتيب في الوضوء بالنسبة إلى الصلاة؛ لاتّفاق الكلّ على اشتراط الإمام، و إنّما النزاع في وصف منه، فكما لا يعقل عن العالم الاحتجاج بأوامر الصلاة على من يقول بوجوب الترتيب في الوضوء، فكذا ها هنا. و هل يصحّ الردّ على الخصم هنا إلّا بنصّ يصرّح بعدم وجوب الترتيب، أو بأصالة عدم وجوبه؟.

و ليس هنا نصّ يصرّح بعدم وجوب الائتمام بالإمام أو نائبه، فلم يبق إلّا أصالة عدم وجوب الائتمام به. و هل يصحّ من فاضل الاستدلال في مقابل ذلك الخصم بالآيات و الروايات؟!.

نعم كما أنّه لو لم يتمكن أحد من الطهارة المائية، أو من الترتيب فيها، و لم تثبت بدلية التيمم عنها، ينتفي التمكن من الصلاة المأمور بها، و لذا يسقط وجوبها، كذلك نقول: لو لم يتمكّن أحد من الائتمام بالإمام أو نائبه، ينتفي التمكن من صلاة الجمعة المأمور بها، و لذا تسقط. و هذا ليس من باب تخصيص مخصوص بعموماتها، بل هو من التخصيص بالتمكّن و القدرة الثابت باعتراف الخصم شرعا و عقلا فيها و في كلّ أمر.

فليس شيء ينفع للخصم هنا إلّا أن يقول: إنّه لم يثبت الأمر بالاقتداء بالإمام أو نائبه، و هو أصل عدم اشتراط الصحّة؛ إذ عدم الثبوت لا يفيد بدون ضمّ الأصل. أو يقول: إنّه ثبت الأمر بالاقتداء بغير الإمام، و ليس له شيء يدلّ على ذلك.

و بعبارة أخرى في أصل الجواب: المراد من هذه الأخبار و معناها:

إمّا وجوب الجمعة في الجملة، فهو مما لا كلام فيه.

49

أو وجوبها بشرائطها مجملة، فلا ينفع لك أصلا؛ إذ الواجب حينئذ الكلام في الشرائط، و ليس لك شيء في ردّ هذا الشرط إلّا الأصل.

أو وجوبها بشرط عدم شرط، مطلقا أو إلّا بعض الشروط المذكورة، فيكون منافيا لمطلوبك من اشتراط كثير من الشرائط الغير المذكورة فيها، سيّما انتفاء التقية (1) و نحوها، فكيف لا يضرّ ذلك و يضرّ عدم ذكر شرط واحد آخر؟! فإنّ الفريقين قائلان بالوجوب و الكلّ يشترطون شروطا إلّا أنّا نشترط شرطا واحدا آخر، فكيف تصير هذه الأخبار ردّا علينا دون الباقين؟! و كيف يمنع شرط واحد عن الشمول دون شروط كثيرة؟!.

فإن قيل:

سلّمنا جميع ذلك، و لكن نقول: إنّه لا شكّ أنّ بواسطة عدم التمكّن من الشرط في غير زمان النبي و الولي و قليل من زمان مولانا الحسن (عليه السلام) و أزمنة ظهور القائم، على القول بالاشتراط ينتفي التمكّن عن صلاة الجمعة المأمور بها، فيسقط وجوبها في جميع تلك الأزمنة التي هي أكثر بكثير من زمان التمكّن، فهل تحسن تلك التسديدات و التعميمات مع وجود مثل هذا التخصيص؟!.

قلنا؛

بعد النقض بأوامر الجهاد و عموماته، و الحدود، و وجود الإمام في كلّ عصر لدفع الشبهات و إقامة الحجج و الردع عن الباطل و نحو ذلك؛ أولا: أنّك تقول باشتراط الإمام العادل و العدد و المذكورة و الحريّة و الحضر و الصحّة، مع أنّه ليس الجامع لجميع هذه الشرائط مساويا للفاقد لها البتة، بل تقول باشتراط انتفاء التقية، و تسند عدم وقوع الجمعة من العلماء في جميع الأزمنة السالفة إلى التقية، مع أنّ التقية كانت قائمة في غير زمان النبي و الولي و قليل من زمان الحسن إلى قريب من هذه الأزمنة في جميع البلاد، بل إلى هذا الزمان في معظم بلاد الإسلام، بل غير شرذمة من ولايات العجم، فكيف لا يضرّ هذا التخصيص لك و يضرّ لنا؟!.

____________

(1) في جميع النسخ: انتفاء عدم التقية، و الظاهر زيادة كلمة «عدم».

50

مع أنّا نقول:

إنّه لا علم لنا بلزوم خروج الأكثر أيضا، لإمكان كون أزمنة ظهور القائم (عليه السلام) أكثر بكثير من جميع تلك الأزمنة، بل هو الظاهر من الأخبار، بل يحتمل أن تكون في جميع أزمنة الغيبة للإمام بلاد و أصحاب كثيرة يقيمون الجمعة، كما يستفاد من بعض الحكايات (1).

هذا كلّه مع أنّ كل ذلك إذا قلنا بوضع صلاة الجمعة للأعم. و لكن إذا قلنا بالوضع للصحيحة، كما هو مذهب كثير من الأصحاب، أو قلنا بأنّ خصوص الجمعة اسم لما فعل مع الإمام، كما عن القاضي و بعض آخر، و هو المحتمل، فلا ينفع الاستدلال بالآية و الأخبار أصلا، بل اللازم إبطال هذين الأمرين، و يكون جميع تلك الاستدلالات تطويلا بلا طائل، و سكوتا عمّا يقول الخصم.

و قد يستدل أيضا بروايات أخر بيّنة الوهم لا فائدة في التعرض لها.

المسألة الثالثة [إذا ثبت انتفاء الوجوب العيني للجمعة فهل ينتفي عنها الجواز أيضا؟ أم لا]

و إذا ثبت في المسألة السابقة انتفاء الوجوب العيني للجمعة مع عدم حضور الإمام أو نائبه، فهل ينتفي عنها الجواز أيضا؟ بمعنى تجويز الشارع فعلها بدلا عن الظهر، و معناه الوجوب التخييري، و إلّا فلا معنى للجواز بمعنى تساوي الطرفين مطلقا فيها.

أم لا ينتفي بل تجوز؟.

الأول الأظهر، وفاقا لظاهر المفيد في الإرشاد (2)، و السيد في المواضع الثلاثة المتقدمة (3)، و الشيخ في الجمل (4)، و صريح الحلي و الديلمي و ابن حمزة

____________

(1) لعلّه أراد بها حكاية الجزيرة الخضراء، أوردها في البحار 52: 159.

(2) الإرشاد 2: 342.

(3) في ص: 11 و لم يتوهم من قول السيد في الفقه الملكي: و الأحوط، أنّه لا يقول بانتفاء الوجوب، حيث قال: و الأحوط ان لا يصلي الجمعة إلّا بإذن السلطان و إمام الزمان، لأنّها إذا صليت على هذا الوجه انعقدت و جازت بإجماع، و إذا لم يكن فيها إذن السلطان لم يقطع على صحتها و إجزائها. فإنّ آخر كلامه صريح في نفي الجواز، و الاحتياط عنده الدليل سيّما في هذا الكتاب الذي ردّ فيه على العامّة بالاحتياط، و بناؤه فيه على ذلك. منه (رحمه اللّه).

(4) الجمل و العقود (الرسائل العشر): 190.

51

و القاضي (1)، و الفاضل في المنتهى و موضع من التحرير (2) (3)، و هو أحد احتمالات كلام العماني و التبيان و الغنية و الموجز و شرحه و المجمع و المراسم (4)، و إليه ذهب الفاضل الهندي من متأخري المتأخرين (5)، و نقله في الحدائق عن بعض علماء البحرين (6)، و اختاره غير واحد من مشايخنا (7).

لاستصحاب وجوب الظهر من وجوه:

أحدها:

أنّه كان واجبا على كلّ أحد قبل إسلام عدد الجمعة بل قبل الهجرة؛ لعدم تشريع الجمعة قبلها. و بتشريعها علم انتفاء وجوبها ما دام حضور الإمام و تمكنه، بالإجماع، و انتفاؤه مع انتفائه غير معلوم فيستصحب وجوبه مع عدم تمكنه.

و لا يعارضه استصحاب وجوب الجمعة مع انتفاء تمكّن الإمام؛ لمعارضته مع استصحاب عدم وجوبها حينئذ الثابت لها قبل التشريع.

و ثانيها:

استصحاب وجوب الظهر بعد تشريع الجمعة على من لم يكن على رأس فرسخين أو أدون من جمعة المعصوم و إن كان له إمام الجماعة و الخطيب، و يتمّ المطلوب بعدم الفصل.

و ثالثها:

استصحاب وجوب الظهر على هذا الشخص، لو فرض بقاؤه إلى زمان انتفاء تمكّن الإمام، كما كان كذلك، و يتمّ المطلوب بالإجماع على المشاركة أو

____________

(1) الحلّي في السرائر 1: 303، حكاه عن الديلمي في الرياض 1: 190، ابن حمزة في الوسيلة:

103، القاضي في شرح جمل العلم و العمل: 123.

(2) المنتهى 1: 317، التحرير 1: 43.

(3) في «س» زيادة: و الشيخ إبراهيم القطيفي.

(4) حكاه عن العماني في المختلف: 108، التبيان 10: 8، الغنية (الجوامع الفقهية): 560، مجمع البيان 5: 288، المراسم: 77.

(5) كشف اللثام 1: 245.

(6) الحدائق 9: 442.

(7) كصاحب الرياض 1: 183.

52

عدم الفصل.

و رابعها:

استصحاب الحكم السابق على زمان تشريع الجمعة، و هو وجوب الظهر على جميع المكلفين، و بعد تشريعها لم يثبت نقض ذلك الحكم إلّا بالنسبة إلى بعضهم، و كوننا منهم أول الدعوى لو لم نقل بكوننا غيرهم.

و الحاصل: أنّ اللّٰه سبحانه ما أوجب الجمعة إلّا بعد مدة مديدة من البعثة، و كانت الفريضة بالنسبة إلى جميع المكلفين في تلك المدة هي الظهر بالضرورة، ثمَّ بعد تلك المدة تغيّر التكليف بالنسبة إلى بعض المكلّفين، بالإجماع و الضرورة و الأخبار المتواترة، فمن ثبت تغيّر حكمه فلا نزاع، و من لم يثبت فالأصل بقاء الظهر اليقينية بالنسبة إليه حتّى يثبت خلافه، و لم يثبت.

و التوضيح: أنّا نعلم علما ضروريا أنّ الظهر كانت ثابتة قبل تشريع الجمعة على كلّ أحد، و كانت بحيث لو لم تشرع الجمعة كانت واجبة عليهم إلى يوم القيامة، و يعلم أنّ الموجودين في هذا الزمان كانوا يعلمون وجوبها عليهم و على من بعدهم إلّا مع ناسخ أو مسقط، و كانت بعينها كصلاة العصر و الفجر و غيرهما، يعتقدون وجوبها إلّا بناسخ أو مسقط، و يستفاد ذلك من أخبار الظهر المتقدمة أيضا، و تدلّ عليه مرسلة الفقيه: «إنّما وضعت الركعتان اللتان أضافهما النبي يوم الجمعة للمقيم لمكان الخطبتين مع الإمام» (1) فإنّ الوضع فرع الثبوت.

ثمَّ بالإجماع و الأخبار علم سقوط الظهر عمّن أدرك الإمام أو نائبه متمكنا، و لم يعلم سقوطه من غيره فيستصحب، ثمَّ إنّه لم يعلم من أدلّة وجوب الجمعة- كما مرّ- سقوط الظهر عنّا، فيكون واجبا عينيا علينا، فلا تكون الجمعة مشروعة إجماعا؛ إذ شرعيّة الجمعة مسقطة للظهر قطعا.

و يدلّ عليه أيضا أصل الاشتغال، فإنّ كلّ أحد مكلّف بأحد الأمرين من الظهر و الجمعة قطعا، و بعد انتفاء الوجوب العيني للجمعة بما مرّ يكون الظهر مبرئا

____________

(1) الفقيه 1: 267- 1219، الوسائل 7: 312 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 6 ح 1.

53

للذمة قطعا، بخلاف الجمعة؛ لأنّها إمّا جائزة أو محرّمة، فلا تحصل البراءة اليقينية إلّا بالظهر، فيتعيّن وجوبه، و يستلزمه عدم مشروعيّة الجمعة؛ إذ مع مشروعيتّها لا يتعيّن وجوب الظهر.

و يدلّ عليه أيضا أنّ جوازها متوقف على التوقيف، و الأصل عدمه؛ لأنّ المسلّم من الموقّف ما كان مع الإمام أو نائبه، إذ عرفت احتمال كون الجمعة اسما لما كان معه، مضافا إلى ما مرّ من سقوط إطلاقاتها بعروض الإجمال لها، كما مرّ.

و يدلّ عليه أيضا أنّ جميع ما مرّ من الأخبار المستدلّ بها على الاشتراط أو أكثرها يدلّ على اشتراط الشرعية به، فإذا انتفى الشرط انتفى المشروط.

خلافا للشيخ في المصباح و المعتبر و الشرائع و النافع و النكت و الروضة و ظاهر الخلاف (1)، و هو مختار والدي العلامة- (رحمه اللّه)- أخيرا:

فتجوز الجمعة بمعنى أنّها أحد فردي الواجب مطلقا، فقيها كان الإمام أم لا، بل تستحب، فهي أفضل الفردين.

و نسب إلى نهاية الشيخ و الحلبي و المختلف و التذكرة (2)، و ليس كذلك، و منهم من نسبه إلى المشهور، و فيه نظر.

أمّا الجواز بالمعنى المذكور، فللجمع بين أدلة الاشتراط و عمومات الجمعة.

و لأوامر الجمعة؛ فإنّ مقتضاها الوجوب، و هو أعمّ من العيني أو التخييري، و لمّا انتفى الأوّل بالإجماع أو أدلة الاشتراط أو بالأصل تعيّن الثاني.

و لحصول التعارض بين عمومات الظهر و الجمعة و أصولهما فيرجع إلى التخيير.

و لمرسلة الكافي و موثقة سماعة و صحيحة زرارة المتتالية المتقدمة في أدلة المختار في المسألة السابقة (3)، الدالة على أنّ من صلّى الصلاة يوم الجمعة في جماعة أو مع

____________

(1) مصباح المتهجد: 324، المعتبر 2: 297، الشرائع 1: 98، المختصر النافع 1: 36، الروضة 1: 301، الخلاف 1: 626.

(2) نسب إليهم في غاية المراد كما في مفتاح الكرامة 3: 63.

(3) راجع ص 21 و 22.

54

من يخطب لا تجب أربع ركعات فتجب الجمعة، و لما انتفى الوجوب العيني بما مر ثبت التخييري.

و أمّا أفضلية الجمعة، فلصحيحة زرارة، و موثقة عبد الملك المتقدمتين (1)، المصدرة أولاهما بقوله: «حثّنا» و الثانية بقوله: «مثلك يهلك» حيث إنّ ظاهرهما يشعر بأنّ الرجلين كانا متهاونين بالجمعة، و لم يقع من الإمامين إنكار عليهما، فلا تكون واجبة، و لكن ترغيبه إياهما يدلّ على الاستحباب.

و بعض أخبار أخر مرّت، و كانت قاصرة عن إفادة الوجوب، إمّا لاشتمالها على الجملة الخبرية، أو التحذير بما يحذر بمثله في ترك المستحبات.

و المروي في مصباح المتهجد: «إنّي لأحب للرجل أن لا يخرج من الدنيا حتّى يتمتّع و لو مرة، و أن يصلّي الجمعة في جماعة» (2).

و روي في أمالي الصدوق أيضا بزيادة قوله: «و لو مرة» بعد قوله «في جماعة» أيضا (3).

و يضعف الأول:

بأنه جمع بلا شاهد.

و الثاني:

بمنع أعميّة الوجوب المستفاد من الأمر؛ لاختصاصه- بحكم التبادر- بالعيني، بل و كذا في مطلق الوجوب، و لأنّ مئال التخيير إلى وجوب شيء آخر غير الفرد و هو أحدهما لا على التعيين.

سلّمنا الأعمية و لكن غير الإجماع من أدلة الاشتراط يدلّ على اشتراط الوجوب المستفاد من تلك الأوامر، فإذا انتفى الشرط انتفى المشروط سواء كان وجوبا عينيا أو تخييريا.

و الثالث:

بأنه إنما يصحّ لو تمت دلالة أدلّة الجمعة على الوجوب، ثمَّ على عدم ثبوت تخصيص عمومات الجمعة بما مرّ من أدلّة الاشتراط، أو عدم خروجها

____________

(1) في ص 30 و 31.

(2) مصباح المتهجد: 324، الوسائل 21: 14 أبواب المتعة ب 2 ح 7.

(3) لم نجده في الأمالي، و قد نقله عنه في الوافي 8: 1115، و فيه: «و يصلي الجمعة و لو مرة».