مستند الشيعة في أحكام الشريعة - ج15

- الشيخ أحمد بن محمد مهدي النراقي المزيد...
478 /
5

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ و به نستعين

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

كتاب المطاعم و المشارب و فيه أبواب:

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

الباب الأول في بيان أصول عامّة شاملة للحيوانات و غيرها

نذكرها في طي مسائل:

المسألة الأولى: الأصل الأولي في كلّ ما يمكن أكله و شربه: الحلّية،

و جواز الأكل و الشرب عقلا و شرعا إجماعا، و كتابا (1)، و سنّة (2)؛ لما ثبت في علم الأصول من أصالة حلّية الأعيان، و إباحة الأفعال ما لم تثبت حرمتها بدليل.

المسألة الثانية: الأصل في الخبائث: الحرمة؛

للإجماع، و قوله سبحانه وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبٰائِثَ (3) و استدلّ له بمفهوم قوله سبحانه:

____________

(1) البقرة: 168.

(2) انظر الوسائل 25: 9 أبواب الأطعمة المباحة ب 1.

(3) الأعراف: 157.

10

يَسْئَلُونَكَ مٰا ذٰا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبٰاتُ (1) و هي المقابلة للخبائث.

و فيه: أنّه مفهوم لا حجّية فيه، مع أنّ في استلزام عدم التحليل للتحريم و كذا في مقابلة الطيّبات للخبائث نظرا.

ثمَّ المراد بالخبائث- على ما ذكرها جماعة (2)- ما تشمئزّ منه أكثر النفوس المستقيمة، و تتنفّر عنه غالب الطباع السليمة.

و الظاهر أنّه ليس مرادهم ما تتنفّر الطباع و تشمئزّ عن أكله؛ إذ كثير من العقاقير السبعة و الأدوية- كالإهليلجات [1] و نحوها- كذلك، مع أنّها ليست خبيثة عرفا و لا محرّمة شرعا. (بل كثير ممّا تتنفّر عنه الطباع إنّما يكون لحرمته، أو توهّم حرمته، أو عدم الاعتياد بأكله. و لذا ترى تنفّر طباع أكثر العجم عن أكل الجراد دون العرب، و تنفّر طباع أهل البلدان عن الحيّة و الفأرة و الضبّ دون أهل البادية من الأعراب، و كأنّ كثيرا ممّا تتنفّر عنه الطباع الآن كانت العرب تأكله قبل الإسلام، كالضبّ، و المسلمون يتنفّرون من الخنزير دون النصارى، إلى غير ذلك) [2].

بل ما تتنفّر الطباع عنه مطلقا، أكلا و لمسا و رؤية، كرجيع الإنسان و الكلب، بل رجيع كلّ ما لا يؤكل لحمه، و القيء من الغير و قملته و بلغمه- سيّما المجتمع في موضع في مدّة- و القيح، و الصديد، و الضفادع، و نحوها.

____________

[1] الإهليلج: عقير من الأدوية معروف و هو معرّب- انظر لسان العرب 2: 392.

(2) ما بين القوسين ليس في «س».

____________

(1) المائدة: 4.

(2) منهم المحقّق الأردبيلي في زبدة البيان: 631 و الفاضل الجواد في مسالك الافهام 4: 146.

11

و لكن في كون المراد من الخبائث في الآية مطلق ذلك نظرا؛ إذ لا دليل عليه من شرع أو لغة بل و لا عرف، ألا ترى تنفّر الطباع عن ممضوغ الغير، و ما خرج من بين أسنانه، مع أنّ حرمته غير معلومة.

و لذا قال المحقّق الأردبيلي في شرح الإرشاد: معنى الخبيث غير ظاهر؛ إذ الشرع ما بيّنه، و اللغة غير مراد، و العرف غير منضبط، فيمكن أن يقال: المراد عرف أوساط الناس و أكثرهم- حال الاختيار- من أهل المدن و الدور، لا أهل البادية؛ لأنّه لا خبيث عندهم، بل يطيّبون جميع ما يمكن أكله، فلا اعتداد بهم (1). انتهى.

أقول: إنّ ما ذكره (رحمه اللّه) من إمكان الإحالة إلى عرف أوساط الناس و أكثرهم: إن أراد إحالة التنفّر و الاشمئزاز إلى عرفهم، فهو إنّما يتمّ لو علم أنّه معنى الخباثة، و هو بعد غير معلوم.

و إن أراد إحالة الخباثة، فلا عرف لها عند غير العرب؛ لأنّها ليست من لغتهم، و لا يتعيّن مرادفها في لغتهم.

هذا، مع أنّ طباع أكثر أهل المدن العظيمة أيضا مختلفة جدّا في التنفّر و عدمه، كما لا يخفى على من اطّلع على أحوال سكّان بلاد الهند و الترك و الإفرنج و العجم و العرب في مطاعمهم و مشاربهم.

و لذا خصّ بعض آخر بعرف بلاد العرب، و هو أيضا غير مفيد؛ لأنّ عرفهم في هذا الزمان غير معلوم للأكثر- مع أنّه لو كان مخالفا للّغة لم يصلح مرجعا- و كذا عرفهم في زمان الشارع.

و بالجملة: لا يتحصّل لنا اليوم من الخبائث معنى منضبطا يرجع إليه،

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان 11: 156.

12

فيجب الاقتصار فيها على ما علم صدقها عليه قطعا- كفضلة الإنسان، بل فضلة كلّ ما لا يؤكل لحمه من الفضلات النجسة المنتنة، و كالميتات المتعفّنة و نحوها- و الرجوع في البواقي إلى الأصل الأول.

و لا يضرّ عدم حجّية بعض العمومات المبيحة للأشياء لتخصيصها بالمجمل؛ إذ الأصل العقليّ و الشرعي في حلّية ما لم يعلم حرمته كاف في المطلوب.

المسألة الثالثة: الأصل في الأعيان النجسة و المتنجّسة- ما دامت نجسة-: الحرمة

بلا خلاف، كما في المسالك و شرح الإرشاد و الكفاية و المفاتيح (1)، بل بالاتّفاق كما في شرح المفاتيح، بل بالإجماع كما عن الغنية (2) و غيرهما (3)، بل يمكن عدّه من الضروريّات كما قيل (4)، بل بالإجماع المحقّق؛ و هو الحجّة فيه، مع التعليل لتحريم لحم الخنزير بالرجسيّة في قوله تعالى فَإِنَّهُ رِجْسٌ (5)، و تعليل وجوب الاجتناب الشامل لترك الأكل في الخمر و الميسر و الأزلام و الأنصاب بالرجسيّة (6) [و] (7) الأخبار المستفيضة، بل كما قيل: المتواترة معنى (8)، (الواردة في موارد عديدة لا تحصى:

____________

(1) المسالك 2: 243، مجمع الفائدة 11: 213، المفاتيح 2: 217، كفاية الأحكام: 251.

(2) الغنية (الجوامع الفقهية): 618.

(3) انظر كشف اللثام 2: 267.

(4) كما في الرياض 2: 289.

(5) الأنعام: 145.

(6) المائدة: 90.

(7) ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة المتن.

(8) انظر الرياض 2: 289.

13

منها: الأخبار) (1) الواردة في تحريم أكثر الأعيان النجسة بخصوصها، كالدم و الميتة و الخمر و لحم الخنزير (2)، بل لعلّ كلّها.

و منها: الأخبار المتضمّنة لوجوب إهراق بعض المائعات النجسة و النهي عن أكلها، و غسل بعض غير المائعات قبل الأكل أو طرحه، بضميمة الإجماع المركّب:

كصحيحة زرارة: «إذا وقعت الفأرة في السمن فماتت فيه، فإن كان جامدا فألقها و ما يليها و كل ما بقي، و إن كان ذائبا فلا تأكله و استصبح به، و الزيت مثل ذلك» [1].

و الأعرج، و فيها: عن الفأرة تموت في السمن و العسل، فقال: «قال علي (عليه السلام): خذ ما حولها و كل بقيّته»، و عن الفأرة تموت في الزيت، فقال:

«لا تأكله و لكن أسرج به» (3).

و ابن وهب: جرذ مات في سمن أو زيت أو عسل، فقال: «أمّا السمن و العسل فيؤخذ الجرذ و ما حوله، و الزيت يستصبح به» (4).

و الحلبي: عن الفأرة و الدابة في الطعام و الشراب فتموت فيه، فقال:

«إن كان سمنا أو عسلا أو زيتا فإنّه ربما يكون بعض هذا، فإن كان الشتاء

____________

[1] الكافي 6: 261- 1، التهذيب 9: 85- 360، الوسائل 24: 194 أبواب الأطعمة المحرّمة ب 43 ح 2. و استصبحت بالدهن: نوّرت به المصباح- المصباح المنير: 331.

____________

(1) ما بين القوسين ليس في «س».

(2) انظر الوسائل 24: 99 أبواب الأطعمة المحرّمة ب 1.

(3) التهذيب 9: 86- 362، الوسائل 24: 195 أبواب الأطعمة المحرّمة ب 43 ح 4.

(4) الكافي 6: 261- 2، التهذيب 9: 85- 359، الوسائل 24: 194 أبواب الأطعمة المحرّمة ب 43 ح 1.

14

فانزع ما حوله و كله، و إن كان الصيف فادفعه حتى تسرج به، و إن كان بردا فاطرح الذي كان عليه» [1].

و موثّقة الساباطي: عن الدقيق يصيب فيه خرء الفأرة هل يجوز أكله؟

قال: «إذا بقي منه شيء فلا بأس، يؤخذ أعلاه فيرمى به» (1).

و يونس: عن حنطة مجموعة ذاب عليها شحم الخنزير، قال: «إن قدروا على غسلها أكلت، و إن لم يقدروا على غسلها لم تؤكل» (2).

و مرسلة سماعة: عن السمن تقع فيه الميتة، قال: «إن كان جامدا فألق ما حوله و كل الباقي» قلت: الزيت؟ فقال: «أسرج به» (3).

و مرسلة ابن أبي عمير: في العجين يعجن من الماء النجس كيف يصنع به؟ قال: «يباع ممّن يستحلّ أكل الميتة» (4).

و اخرى: و هي مثلها، إلّا أنّ فيها: «يدفن و لا يباع» (5).

و رواية السكوني: عن قدر طبخت فإذا في القدر فأرة، قال: «يهراق مرقها، و يغسل اللحم و يؤكل» (6).

____________

[1] التهذيب 9: 86- 361 و فيه: ثردا، بدل: بردا. و الثرد ما صغر من الثريد- مجمع البحرين 3: 19، الوسائل 24: 195 أبواب الأطعمة المحرّمة ب 43 ح 3.

____________

(1) التهذيب 1: 284- 832، الوسائل 24: 195 أبواب الأطعمة المحرّمة ب 43 ح 6.

(2) الكافي 6: 262، الوسائل 24: 203 أبواب الأطعمة المحرّمة ب 50 ح 1.

(3) التهذيب 9: 85- 358، الوسائل 24: 195 أبواب الأطعمة المحرّمة ب 43 ح 5.

(4) التهذيب 1: 414- 1305، الاستبصار 1: 29- 76، الوسائل 1: 242 أبواب الأسآر ب 11 ح 1.

(5) التهذيب 1: 414- 1306، الاستبصار 1: 29- 77، الوسائل 1: 243 أبواب الأسآر ب 11 ح 2.

(6) الكافي 6: 261- 3، التهذيب 9: 86- 365، الوسائل 24: 196 أبواب الأطعمة المحرّمة ب 44 ح 1.

15

و جابر: وقعت فأرة في خابية فيها سمن أو زيت فما ترى في أكله؟

قال: فقال له أبو جعفر (عليه السلام): «لا تأكله» إلى أن قال: «إنّ اللّه حرّم من الميتة كلّ شيء» [1] إلى غير ذلك.

و لا ينافي ذلك بعض الأخبار الدالّة على نفي البأس عن أكل خبز العجين الذي عجن بماء وقعت فيه ميتة لملامسة النار (1)؛ لأنّه مبني على تطهّره (2) بالنار، و قد مرّ الجواب عنه في كتاب الطهارة.

و لا بعض آخر دالّ على جواز أكل المرق الذي وقع فيه دم (3)؛ لما ذكر، و لشمول الدم فيه للحلال و الحرام، فيجب التخصيص بالأول.

و كذا لا ينافي الإجماع قول بعض علمائنا بجواز شرب المائع النجس بعد خلطه بالماء المطلق الطاهر الكرّ و إن لم يستهلك (4)، و نحو ذلك؛ لأنّه أيضا مبني على حصول الطهارة بذلك، و قد بيّنّا ضعفه في كتابها.

المسألة الرابعة: الأصل في الأشياء الضارّة بالبدن: الحرمة

، فإنّها محرّمة كلّها بجميع أصنافها- جامدها و مائعها قليلها و كثيرها- إذا كان القليل ضارّا؛ للإجماع المنقول (5)، و المحقّق.

و رواية المفضّل، و هي طويلة، و فيها: «علم تعالى ما تقوم به أبدانهم و ما يصلحهم، فأحلّه لهم و أباحه تفضّلا منه عليهم به لمصلحتهم، و علم

____________

[1] التهذيب 1: 420- 1327، الاستبصار 1: 24- 60، الوسائل 1: 206 أبواب الماء المضاف ب 5 ح 2. و الخابية: الحبّ- الصحاح 6: 2325.

____________

(1) انظر الوسائل 1: 175 أبواب الماء المطلق ب 14 ح 17 و 18.

(2) في «ق» و «س»: تطهيره.

(3) انظر الوسائل 24: 196 أبواب الأطعمة المحرّمة ب 44.

(4) كالشهيد الثاني في الروضة 7: 334.

(5) انظر الرياض 2: 290.

16

ما يضرّهم، فنهاهم عنه و حرّمه عليهم، ثمَّ أباحه للمضطرّ، فأحلّه في الوقت الذي لا يقوم بدنه إلّا به، فأمره أن ينال منه بقدر البلغة لا غير ذلك» الحديث [1].

و مفهوم لفظ الكلّ في رواية محمّد بن سنان المرويّة في العلل: «إنّا وجدنا كلّ ما أحلّ اللّه تعالى ففيه صلاح العباد و بقاؤهم و لهم إليه الحاجة التي لا يستغنون عنها، و وجدنا المحرّم من الأشياء لا حاجة للعباد إليه، و وجدناه مفسدا داعيا إلى الفناء و الهلاك» (1).

و الرضويّ: «و لم يحرّم إلّا ما فيه الضرر و التلف و الفساد، فكلّ نافع مقوّ للجسم فيه قوّة للبدن فحلال، و كل مضرّ يذهب بالقوّة أو قاتل فحرام» الحديث (2).

و الاستدلال بحديث نفي الضرر و الإضرار عليل (3)؛ لأنّ في الإباحة و التخيير لا يصدق الضرر و الإضرار، مع أنّ غايته- لو تمَّ- عدم الإباحة الشرعيّة، و هو غير التحريم.

و قد يستدلّ أيضا بما ورد في المنع من الطين من التعليل بأنّ فيه إعانة على النفس في قتلها أو ضعفها.

و هو كان حسنا لو وجد ذلك التعليل في الأخبار (4)، و لكنّي

____________

[1] الكافي 6: 242- 1، المحاسن: 334- 104، الوسائل 24: 99 أبواب الأطعمة المحرّمة ب 1 ح 1. و البلغة: إذا اكتفى به و تجزّأ- المصباح المنير: 61.

____________

(1) علل الشرائع: 592- 43، الوسائل 25: 51 أبواب الأطعمة المباحة ب 19 ح 4.

(2) فقه الرضا «ع»: 254، المستدرك 16: 165 أبواب الأطعمة المحرّمة ب 1 ح 5.

(3) الكافي 5: 292- 2، الفقيه 3: 147- 648، التهذيب 7: 146- 651، الوسائل 25: 428 أبواب إحياء الموات ب 12 ح 3.

(4) انظر الوسائل 24: 220 أبواب الأطعمة المحرّمة ب 58.

17

ما وجدته.

نعم، ورد في بعض الأخبار: أنّه يورث السقم في الجسد و يهيّج الداء (1)، من غير جعل ذلك تعليلا للتحريم. و فيه أيضا: أنّه من أكل الطين و ضعف عن العمل- الذي كان يعمله قبل أن يأكله- يعذّب عليه (2). ثمَّ كما أشرنا إليه يعمّ التحريم القليل منه و الكثير إذا كان قليله مضرّا أيضا.

و أمّا ما يضرّ كثيره دون قليله- كالأفيون [1] و السقمونيا [2] و شحم الحنظل و غيرها- فالمحرّم منه ما بلغ ذلك الحدّ دون غيره، و كذا ما يضرّ منفردا دون ما إذا أضيف إلى غيره و لو كان كثيرا لا يحرم الكثير المضاف إليه أيضا، و ما يضرّ تكريره دون أكله مرّة يحرم التكرير خاصّة.

و الضابط في التحريم: ما يحصل به الضرر. و الضرر الموجب للتحريم يعمّ الهلاكة و فساد المزاج و العقل و القوّة و حصول المرض أو الضرر في عضو.

و بالجملة: كلّ ما يعدّ ضررا عرفا؛ للإجماع، و إطلاق رواية المفضّل (3).

و هل يناط التحريم بالعلم العاري الحاصل بالتجربة و قول جمع من الحذّاق و نحوهما، أو يحرم بغلبة الظنّ أيضا؟

صرّح في الكفاية بالثاني (4). و هو الأحوط، و إن كان الأصل يقوّي الأول.

____________

[1] الأفيون: عصارة لبنيّة تستخرج من الخشخاش- انظر المنجد: 13.

[2] السّقمونيا: نبات يستخرج من تجاويفه رطوبة دبقة و تجفف و تدعى باسم نباتها، و له خواصّ- انظر القاموس 4: 130.

____________

(1) انظر الوسائل 24: 220 أبواب الأطعمة المحرّمة ب 58.

(2) انظر الوسائل 24: 220 أبواب الأطعمة المحرّمة ب 58.

(3) المتقدّمة في ص: 15، 16.

(4) كفاية الأحكام: 251.

18

المسألة الخامسة: الأصل حرمة أكل مال الغير المحترم

- مسلما كان أو كافرا محفوظا في ماله- بدون إذنه؛ بالإجماع، بل الضرورة، و الكتاب، و السنّة.

قال اللّه سبحانه لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (1).

و قال سبحانه فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (2) دلّ بمفهوم الشرط على عدم جواز الأكل بدون الطيبة، و يتعدّى إلى غير الزوجة بالفحوى و الإجماع المركّب.

و في النبويّ المشهور: «المسلم على المسلم حرام دمه و ماله و عرضه» (3).

و في آخر: «المسلم أخو المسلم، لا يحلّ له ماله إلّا عن طيب نفس منه» (4).

و في رواية الحسين المنقري عن خاله: «من أكل من طعام لم يدع إليه فكأنّما أكل قطعة من النار» (5).

و في أحاديث الخمس عن صاحب الزمان (صلوات اللّه عليه): «لا يحلّ

____________

(1) النساء: 29.

(2) النساء: 4.

(3) صحيح مسلم 4: 1986- 2564، و رواه الشهيد الثاني مرسلا في المسالك 2:

247.

(4) غوالي اللئالي 3: 473- 1، الوسائل 29: 10 أبواب القصاص في النفس ب 1 ح 3، بتفاوت.

(5) الكافي 6: 270- 2، التهذيب 9: 92- 398، الوسائل 24: 234 أبواب الأطعمة المحرّمة ب 63 ح 1.

19

لأحد أن يتصرّف في مال غيره بغير إذنه، فكيف يحلّ ذلك في مالنا؟!» (1)، إلى غير ذلك (2).

المسألة السادسة: يستثنى من هذه الأصول الأربعة و من سائر ما حرّم: ما يدعو الاضطرار إليه

؛ لتوقّف سدّ الرمق و حفظ النفس عليه، فيختصّ التحريم بالمختار.

و أمّا المضطرّ فيجوز له- بل يجب- الأكل و الشرب من كلّ محرّم بلا خلاف- إلّا في الخمر و الطين كما يأتي- للإجماع.

و قوله سبحانه فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجٰانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3) و المخمصة: المجاعة، و المتجانف: المائل.

و قال عزّ شأنه إِنَّمٰا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ وَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَ مٰا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّٰهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بٰاغٍ وَ لٰا عٰادٍ فَإِنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (4)، و قريب منه في آية أخرى (5).

و قال جلّ اسمه وَ مٰا لَكُمْ أَلّٰا تَأْكُلُوا مِمّٰا ذُكِرَ اسْمُ اللّٰهِ عَلَيْهِ وَ قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مٰا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلّٰا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ (6).

و لأدلّة نفي العسر و الحرج (7)، و نفي الضرر و الضرار (8)؛ إذ لا حرج

____________

(1) كمال الدين: 521- 49، الاحتجاج: 480، الوسائل 24: 234 أبواب الأطعمة المحرّمة ب 63 ح 3.

(2) انظر الوسائل 24: 234 أبواب الأطعمة المحرّمة ب 63.

(3) المائدة: 3.

(4) النحل: 115.

(5) الأنعام: 145.

(6) الأنعام: 119.

(7) انظر عوائد الأيام: 57.

(8) انظر الفقيه 4:، 243- 777، الوسائل 26: 14 أبواب موانع الإرث ب 1 ح 10، مسند أحمد بن حنبل 1: 313، سنن ابن ماجه 2: 784- 2340- 2341، عوائد الأيام: 16، القواعد الفقهية 1: 76.

20

و لا ضرر أعظم من المنع حينئذ.

و لرواية المفضّل المتقدّمة في المسألة الرابعة (1).

و في مرسلة الصدوق: «من اضطرّ إلى الميتة و الدم و لحم الخنزير فلم يأكل شيئا من ذلك حتى يموت فهو كافر» (2)، و رواها أحمد بن محمّد بن يحيى في نوادر الحكمة.

و في الدعائم: قال علي (صلوات اللّه عليه): «المضطرّ يأكل الميتة و كلّ محرّم إذا اضطرّ إليه» (3).

و في تفسير الإمام: قال: «قال اللّه سبحانه: فمن اضطرّ إلى شيء من هذه المحرّمات فإنّ اللّه غفور رحيم ستّار لعيوبكم أيّها المؤمنون، رحيم بكم حين أباح لكم في الضرورة ما حرّمه في الرخاء» (4)، إلى غير ذلك من الروايات (5).

ثمَّ إنّه يحصل الاضطرار بخوف تلف النفس مع عدم التناول، أو خوف المرض الشاقّ الذي لا يتحمّل صاحبه عادة، أو خوف زيادة المرض، أو بطء برئه كذلك، أو خوف لحوق الضعف المؤدّي إلى التلف أو المرض؛ كلّ ذلك لصدق العسر و الحرج و الضرر و الاضطرار معه عرفا.

____________

(1) انظر ص: 15، 16.

(2) الفقيه 3: 218- 1008، الوسائل 24: 216 أبواب الأطعمة المحرّمة ب 56 ح 3.

(3) دعائم الإسلام 2: 125- 435.

(4) تفسير الإمام العسكري (عليه السلام): 585، مستدرك الوسائل 16: 201 أبواب الأطعمة المحرّمة ب 40 ح 5.

(5) انظر الوسائل 24: 214 أبواب الأطعمة المحرّمة ب 56.

21

و الظاهر إلحاق خوف تلف العرض أو المال المحترم بترك تناوله بما ذكر أيضا؛ لما ذكر.

و عن الشيخ في النهاية و الفاضل في المختلف (1) و جماعة (2):

التخصيص بخوف تلف النفس؛ استنادا إلى الآيات السابقة. و إفادتها للتخصيص ممنوعة.

ثمَّ الاضطرار- كما ذكر- يحصل بالخوف الحاصل من العلم بالضرر و الظنّ؛ لصدق العسر و الحرج بالترك مع الظنّ، و كذا الاضطرار و الضرورة.

و أمّا مجرّد الوهم و الاحتمال فهو غير كاف في التحليل.

فروع:

أ: الحقّ المشهور: عدم الفرق بين المحرّمات في ذلك،

سواء الخمر و الطين و غيرهما؛ لعموم أكثر الأخبار المتقدّمة.

و خصوص موثّقة الساباطي في الخمر: عن الرجل أصابه عطش حتى خاف على نفسه فأصاب خمرا، قال: «يشرب منه قوته» (3).

و المرويّ في الدعائم: «إذا اضطرّ المضطرّ إلى أكل الميتة أكل حتى يشبع، و إذا اضطرّ إلى الخمر شرب حتى يروى، و ليس له أن يعود إلى ذلك حتى يضطرّ إليه» (4).

____________

(1) النهاية: 591، المختلف: 687.

(2) منهم القاضي في المهذّب 2: 433 و يحيى بن سعيد في الجامع: 390.

(3) التهذيب 9: 116- 502، الوسائل 25: 378 أبواب الأشربة المحرّمة ب 36 ح 1.

(4) دعائم الإسلام 2: 125- 435، المستدرك 16: 201 أبواب الأطعمة المحرّمة ب 40 ح 4.

22

و مرسلة العلل: «و شرب الخمر جائز في الضرورة» (1).

و تؤيّده حلّية الميتة و الدم و لحم الخنزير- التي هي أشدّ حرمة و أغلظ من الخمر- عند الضرورة، و أهمّية حفظ النفس من سائر الواجبات.

خلافا للمحكي عن المبسوط و الخلاف، فقال: لا يجوز دفع ضرورة العطش و الجوع أو التداوي بشرب الخمر أصلا (2).

استنادا إلى ثبوت حرمتها في الكتاب، و عدم معارضة آيات الاضطرار لها؛ لتصدّرها بحرمة الميتة و الدم و لحم الخنزير، فهي المباحة للمضطرّ.

و لا مقاومة [1] أخبار الحلّية لها؛ لأنّ كلّ خبر يخالف الكتاب فهو مردود.

و لرواية أبي بصير المرويّة في العلل: «المضطرّ لا يشرب الخمر، فإنّه لا تزيده إلّا شرها، و لأنّه إن شربها قتلته، فلا يشرب منها قطرة» قال:

و روي: «لا تزيده إلّا عطشا» (3).

و الجواب أولا: بأنّ استثناء المضطرّ أيضا ثبت من الكتاب، فإنّ الآية الأخيرة مطلقة، و كذا آيات نفي العسر و الحرج.

و ثانيا: أنّ خاصّ السنّة لا يعدّ مخالفا لعامّ الكتاب، و لذا يخصّص الثاني بالأول إذا كان خاصّا مطلقا، كما في المقام؛ إذ الموثّقة و رواية الدعائم خاصّان مطلقان، و كذا مرسلة العلل. و لا تعارضها رواية العلل؛ لأنّها معلّلة بما إذا كان المفروض خلافه.

و للمحكيّ عن بعض الأصحاب، فقال بعدم جواز دفع الضرورة

____________

[1] في «ح»: و لا تقاومه، و لعل الأنسب: و لا مقاومة لأخبار الحلّية لها.

____________

(1) علل الشرائع: 478- 1، الوسائل 25: 379 أبواب الأشربة المحرّمة ب 36 ذيل الحديث 4.

(2) المبسوط 6: 288، الخلاف 2: 545.

(3) علل الشرائع: 478- 1.

23

بالطين الأرمني، و الطين المختوم؛ لعموم أدلّة حرمة الطين (1). و جوابه ظاهر.

ب: يحلّ للمضطرّ تناول قدر الضرورة من المحرّمات،

و هو ما يسدّ به الرمق إجماعا، و لا يجوز له تناول الزيادة على الشبع كذلك، و به فسّر بعضهم العادي في الآية المباركة، أي المتجاوز عن الحدّ، كما ذكره في المفاتيح (2). و الوجه في الحكمين ظاهر.

و كذا لو دعت الضرورة إلى الشبع، كما إذا كان في بادية و خاف أن لا يقوى على قطعها لو لم يشبع، أو احتاج إلى المشي، أو العدو و توقّف على الشبع.

و هل يجوز له أن يتجاوز عن سدّ الرمق إلى الشبع؟

ظاهر الأكثر: العدم. و هو مقتضى الأصل، و ظاهر رواية المفضّل المتقدّمة (3)، و فسّر بعضهم العادي به أيضا، كما نقله في الكفاية (4).

و الجواز مفاد رواية الدعائم المذكورة في الفرع الأول، حيث قال:

«حتى يروى» و لكنّها لا تصلح مقاومة للأولى المعتضدة بالأصل. و أمّا موثّقة الساباطي فتحتمل الأمران، فالحقّ هو الأول.

ج: قد أشرنا إلى أنّ التناول في محلّ الضرورة على وجه الوجوب؛

لأنّ تركه يوجب إعانته على نفسه و قد نهي عنه في الكتاب (5) و السنّة (6)،

____________

(1) انظر السرائر 3: 124.

(2) المفاتيح 2: 227.

(3) في ص: 15، 16.

(4) كفاية الأحكام: 254.

(5) البقرة: 195، النساء: 29.

(6) انظر الوسائل 29: 205 أبواب ديات النفس ب 5.

24

و يدلّ عليه قوله: «فأمره» في رواية المفضّل، و كذا مرسلة الصدوق المتقدّمة.

د: لو لم يجد المضطرّ إلّا مال الغير

، فالغير إمّا مثله مضطرّ إليه، أو لا.

فعلى الأول: لا يجوز الأخذ منه ظلما إجماعا؛ لحرمة الظلم، و عدم مجوّز له إلّا الضرورة الحاصلة له أيضا، و هو أحد معاني الباغي المذكورة في الآية عند بعض المفسّرين (1).

و هل يجوز الأخذ منه بغير ظلم من التماس، أو دفع ثمن كثير و نحوهما؟

احتمل بعضهم: العدم؛ لأنّه إهلاك للغير لأجل إبقاء النفس (2).

و فيه نظر؛ لتعارض إهلاك أحد النفسين، فلا يحكم بتعيّن أحدهما إلّا بمعيّن، و ليس.

نعم، لو ارتكب لإبقاء أحدهما محرّما آخر- كظلم أو قتل- تعيّنت حرمته.

و هل يجوز لذلك الغير حينئذ الإيثار و اختيار الغير على النفس؟

قيل: لا؛ لأنّه إلقاء بيده إلى التهلكة (3).

و احتمل بعضهم: الجواز (4)؛ لقوله سبحانه وَ لَوْ كٰانَ بِهِمْ خَصٰاصَةٌ (5).

____________

(1) كالفخر الرّازي في التفسير الكبير 5: 14، الزمخشري في الكشّاف 1: 215.

(2) كما في كفاية الأحكام: 254.

(3) كفاية الأحكام: 254.

(4) كما في المسالك 2: 250.

(5) الحشر: 9.

25

و يردّ بحمله على ما إذا لم تؤدّ الخصاصة إلى الهلاكة.

و فيه: أنّه أعمّ من ذلك، كرواية السكوني: «من سمع مناديا ينادي يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم» (1).

كما أنّ الإلقاء إلى التهلكة أعمّ من إيجابه لإحياء الغير، فيتعارضان بالعموم من وجه، و يرجع إلى أصل الجواز.

فالأظهر: الثاني، و الأظهر منه ما إذا استنقذ بالإيثار المتعدّد. كما أنّ الظاهر عدم جواز الإيثار لو لم يكن الغير مؤمنا؛ لما ورد في الأخبار من عدم مقابلة ألف من غير المؤمنين مع مؤمن واحد.

و على الثاني: فلا شكّ في وجوب البذل على ذلك الغير إجماعا؛ لأنّ في الامتناع منه إعانة على هلاك المحترم أو ضرره، و لرواية السكوني المتقدّمة.

و رواية فرات بن أحنف: «أيّما مؤمن منع مؤمنا شيئا ممّا يحتاج إليه، و هو قادر عليه من عنده أو من عند غيره، أقامه اللّه يوم القيامة مسودّا وجهه، مزرقّة عيناه، مغلولة يده إلى عنقه، فيقال: هذا الخائن الذي خان اللّه و رسوله، ثمَّ يؤمر به إلى النار» (2)، و غير ذلك من الروايات (3).

و بها يخصّص عموم مثل: «الناس مسلّطون على أموالهم» (4).

و الروايتان و إن اختصّتا بالمسلم و المؤمن، و لكنّ المعروف من

____________

(1) التهذيب 6: 175- 351، الوسائل 15: 141 أبواب جهاد العدو و ما يناسبه ب 59 ح 1.

(2) الكافي 2: 367- 1، المحاسن: 100- 71، الوسائل 16: 387 أبواب فعل المعروف ب 39 ح 1.

(3) انظر الوسائل 16: 387 أبواب فعل المعروف ب 39.

(4) غوالي اللئالي 1: 222- 99، و 2: 138- 383.

26

كلامهم- كما في الكفاية (1)- ثبوت الحكم في الذمّي و المستأمن أيضا.

و هو حسن إن ثبت وجوب استنقاذهما من الهلاكة أيضا كما ثبت وجوب الاحتراز عن إهلاكهما، و إلّا ففي الحكم بالوجوب إشكال، و أشكل منه ما إذا أدّى الامتناع إلى ما دون الهلاكة.

و كما يجب على الغير البذل يجب على المضطرّ القبول، و الوجه ظاهر، بل له الأخذ قهرا لو امتنع المالك و لو بالسرقة أو المقاتلة (2)؛ لأنّه مقدّمة الواجب الذي هو حفظ النفس، فيعارض دليل وجوبها دليل حرمته، و يرجع إلى الأصل، و لعموم المرويّ في تفسير الإمام المتقدّم في صدر المسألة (3). بل يجب؛ للنهي عن المنكر، و يجب على غيرهما مساعدة المضطرّ و معاونته فيه.

ثمَّ على جميع التقادير المذكورة إمّا لا يكون المضطرّ قادرا على الثمن عاجلا أو آجلا، أو يتمكّن منه.

فعلى الأول، يجب البذل على المالك و الأخذ على المضطرّ مجّانا.

و على الثاني، فإن بذله المالك مجّانا فلا كلام، و إلّا فلا يجب عليه البذل مجّانا و لا للمضطرّ الأخذ كذلك، بل يجب عليه بذل الثمن العاجل أو الآجل على حسب المقدور.

و لو بذله بثمن مؤجّل بأجل يعلم المضطرّ عدم القدرة في ذلك الأجل يجب عليه القبول، و إن لم يجب عليه الأداء في الأجل إلّا مع القدرة.

و هل الثمن الجائز للمالك أخذه و الواجب على المضطرّ بذله هو ثمن

____________

(1) كفاية الأحكام: 254.

(2) في «س»: المقابلة.

(3) راجع ص: 20.

27

المثل، فلو أراد المالك الزائد عليه المقدور للمضطرّ لم يكن له ذلك و لم يجب على المضطرّ البذل؟

أو مطلقا، فللمالك مطالبة الزائد و يجب على المضطرّ بذله؟

الأقرب- كما في الكفاية (1) و غيره (2)، بل هو المشهور كما في شرح المفاتيح-: الثاني؛ لدفع الاضطرار بالتمكّن على الابتياع بثمن مقدور.

خلافا للمحكيّ عن المبسوط، فقال: لو طلب منه المالك ما زاد عن ثمن مثله كان ظالما و لم يجب على المحتاج بذل الزائد؛ لأنّه مضطرّ إلى دفع الزيادة، فهو كمن اجبر على بذل ماله لغيره، فعلى المالك بذله بثمن المثل، و للمحتاج أخذه منه جبرا إن امتنع بثمن مثله (3).

و فيه: أنّ اضطراره مع التمكّن من بذله ممنوع، فظلم المالك بمطالبته الزائد مدفوع بتسلّط الناس على أموالهم.

و لو أعطى المالك الطعام من غير ذكر العوض و الثمن، فالظاهر أنّه بغير عوض؛ للأصل، و الظاهر من العادة في بذل الطعام و الماء للمضطرّ.

و ينبغي ملاحظة القرائن و الحال من الطرفين و الطعام، فإن لم يكن فالمرجع الأصل.

و لو ادّعى المالك ذكر العوض و أنكره المحتاج فعلى المالك الإثبات؛ لحصول الإباحة قطعا، و أصالة عدم الذكر.

و إن ادّعى أنّه قصده و لم يظهره لم يجب على المحتاج العوض؛ لتسليطه على الإتلاف، و عدم تحقّق ما يوجب لزوم العوض، فإنّ القدر

____________

(1) كفاية الأحكام: 254.

(2) كما في الشرائع 3: 330، الروضة البهية 7: 355.

(3) المبسوط 6: 286.

28

الثابت لزومه مع الإظهار دون القصد.

و منه يظهر عدم لزومه لو ثبت قصده بدون إظهاره، فإنّ إعطاء المالك مجوّز للإتلاف، و الأصل عدم توقّفه على شيء آخر و لو قصده من غير إظهار، و معه فالأصل عدم الاشتغال بشيء آخر.

و لو قدر المحتاج على الثمن و الزائد و لم يبذله المالك و أخذ منه قهرا أو خدعة أو سرقة لم يجب على المحتاج إلّا ثمن المثل، و الوجه ظاهر.

و يشعر كلام بعضهم بعدم لزوم ثمن المثل حينئذ؛ لأنّه ليس بغاصب و لا مشتر، بل أكل ما يجوز له أكله، بل يجب من غير تقويم، و الأصل عدم اشتغال الذمّة بالثمن.

و فيه نظر؛ إذ لا نصّ على إباحة الإتلاف حتى يعمل بأصالة عدم التقييد كما في الصورة السابقة، بل المبيح الإجماع و الضرورة، فيكتفى فيه بالقدر المتيقّن.

و لا يتوهّم أنّه على ذلك يجب عليه ما يرضى به المالك أو يقدر عليه دون ثمن المثل؛ لأنّه ينافي أدلّة الضرر، كما يأتي في ذيل الفرع اللاحق.

ه: لو وجد المضطرّ مال الغير و لم يكن الغير حاضرا فلا شكّ في جواز أخذه.

و هل يشترط إذن الحاكم لو وجد، و العدول لو لم يوجد، أم لا؟

الظاهر أنّه إن كان الغائب ممّن ثبتت ولايته للحاكم و العدول وجب؛ لأنّ الضرورة تقدّر بقدرها، و إلّا فلا.

فإن كان ممّا يأخذه بإذن الحاكم أو العدول يأخذه على حسب إذنهم من التقويم و قدر القيمة، و إن كان ممّا يأخذه بنفسه يجب عليه التقويم بنفسه؛ لأنّه القدر الثابت جوازه من الشريعة، فإنّ الأصل عدم جواز

29

التصرّف في مال الغير بدون إذنه، و لم يثبت الجواز هنا بدون التقويم؛ إذ لا نصّ على إباحة الإتلاف هنا، بل المبيح الإجماع و الضرورة، فيكتفى فيه بالمتيقّن.

و منه تظهر التفرقة بين ذلك و بين ما مرّ في الفرع السابق.

ثمَّ التقويم الواجب هل هو بثمن المثل، أو بكلّ ما يعلم رضا المالك به و لو زاد عن الثمن بالقدر المقدور، أو كلّما يقدر عليه؟

مقتضى الأصل: أحد الأخيرين، و لكن أدلّة نفي الضرر و الإضرار تثبت الأول، و لا يعارضه حديث: «الناس مسلّطون على أموالهم» (1)؛ إذ ليس هناك صاحب مال حاضر.

و منه يظهر الفرق بين ذلك و بين ما إذا كان ذو المال حاضرا و طلب الزائد عن ثمن المثل.

و: لو وجد المضطرّ مال الغير و الميتة و نحوها من الدم و لحم الخنزير و المسكر

، فإن بذله المالك بغير عوض أو بعوض مقدور عاجلا أو آجلا تعيّن أكل مال الغير؛ لعدم الاضطرار و لو زاد الثمن عن ثمن المثل. إلّا إذا كان بقدر يضرّ بحاله فلا يتعيّن؛ لأدلّة نفي الضرر.

و إن لم يبذله المالك، أو من قام مقامه، أو كان غائبا، فالحقّ التخيير؛ لوجوب أحد الأمرين بالاضطرار، و عدم المعيّن.

و قد يرجّح أكل الميتة بل يعيّن؛ لأنّه أبيح للمضطرّ بنصّ القرآن (2) دون أكل مال الغير، فهو إن كان مضطرّا تباح له الميتة كالمذكّى، فلا يكون مضطرّا إلى مال الغير، و إن لم يكن مضطرّا فلا يباح له شيء منهما، و مع

____________

(1) غوالي اللئالي 1: 222- 99، و ج 2: 138- 383، البحار 2: 272- 7.

(2) النحل: 115.

30

ذلك فليس في أكل الميتة إلّا حقّ اللّه الساقط بإباحته، و في أكل مال الغير حقّ اللّه و حقّ الناس و لزوم الثمن المخالف للأصل.

و فيه: أنّ مع إمكان أكل مال الغير لا نسلّم أنّه مضطرّ إلى الميتة، فلا يشمله نصّ القرآن، بل هو مضطرّ إلى أحد المحرّمين، فيباح أحدهما مخيّرا؛ بالإجماع و الضرورة، و يسقط حقّ الناس بلزوم الثمن، و مخالفة الأصل لازم على كلّ حال، و الأكثريّة في طرف لا يؤثّر في التعيين عندنا.

و قد يرجّح أكل مال الغير، بتضمّن أكل الميتة؛ لتنفّر الطبع الموجب للخباثة، و للضرر الذي هو علّة تحريمها، و لأكل النجس، و حرمتها بنفسها، بخلاف مال الغير، فإنّه لا يتضمّن إلّا الأخير.

و فيه: أنّ أكثريّة سبب الحرمة في طرف لا يوجب تعيين غيره إذا كان هو أيضا محرّما؛ مع أنّه أيضا قد يوجب الإضرار بالغير المنفيّ شرعا كما إذا لم يقدر على الثمن، أو بالمضطرّ كما إذا قدر عليه، و قد تكون الميتة ممّا لا تنفّر فيها، و الضرر فيها بمرّة واحدة احتمالي و في مال الغير قطعي.

ز: قد خصّ الكتاب العزيز إباحة المحرّم للمضطرّ بما إذا لم يكن باغيا و لا عاديا (1).

و قد اختلفوا في تفسيرهما، و قد عرفت تفسير بعضهم الأول بمن يأخذ من مضطرّ مثله، و الثاني بمن يأكل الزائد عن قدر الشبع، أو الزائد عن قدر الضرورة.

و فسّر الأول في مرسلة البزنطي بالباغي على الإمام، و الثاني بقاطع

____________

(1) انظر النحل: 115.

31

الطريق (1).

و في روايتي عبد العظيم (2) و حمّاد (3) فسّر الأول بالذي يبغي الصيد بطرا و لهوا، و الثاني بالسارق.

و المرويّ في المجمع الأول بالباغي، و الثاني بالعادي بالمعصية طريق المحقّين (4).

و في تفسير الإمام الأول بالباغي، و الثاني بالقول بالباطل في نبوّة من ليس بنبي و إمامة من ليس بإمام (5).

و في معاني الأخبار الأول بباغي الصيد، و الثاني باللّص (6).

و في المرويّ في تفسير العيّاشي الأول بالخارج على الإمام، و الثاني باللّص. و فيه أيضا الأول بالظالم، و الثاني بالغاصب (7).

و لا تنافي بين الروايات؛ لجواز كون المراد من اللفظين المعاني كلّا، فيحملان عليها جميعا، و لا يضرّ ضعف الروايات بعد وجودها في الأصول المعتبرة. و أمّا غير المعنيين الواردين في النصّ فلا اعتبار به.

و أمّا غير المتجانف لإثم فمعناه- كما أشير إليه-: غير مائل إلى إثم في

____________

(1) الكافي 6: 265- 1، معاني الأخبار: 213- 1، الوسائل 24: 216 أبواب الأطعمة المحرّمة ب 56 ح 5.

(2) الفقيه 3: 216- 1007، التهذيب 9: 83- 354، الوسائل 24: 214 أبواب الأطعمة المحرّمة ب 56 ح 1.

(3) التهذيب 9: 78- 334، الوسائل 24: 215 أبواب الأطعمة المحرّمة ب 56 ح 2.

(4) مجمع البيان 1: 257، الوسائل 24: 216 أبواب الأطعمة المحرّمة ب 56 ح 6.

(5) تفسير الإمام العسكري (عليه السلام): 585، مستدرك الوسائل 16: 201 أبواب الأطعمة المحرمة ب 40 ح 5.

(6) معاني الأخبار: 214.

(7) تفسير العياشي 1: 74- 154 و 151، المستدرك 16: 200، 201 أبواب الأطعمة المحرمة ب 40 ح 1، 2.

32

الأكل؛ بأن يأكل زيادة على الحاجة، أو للتلذّذ، أو يتعمّد في الأكل من غير حاجة. و يحتمل أن يكون المعنى: غير عاص بسفره.

ح: ظاهر الآيات المبيحة للمحرّمات للمضطرّ (1) و أكثر رواياتها (2) و إن اختصّ بإباحة أكل ما حرّم أكله

للمضطرّ، إلّا أنّ مقتضى عموم تفسير الإمام المتقدّم (3) و أدلّة نفي العسر و الحرج و الضرر: إباحة كلّ محرّم للمضطرّ في الأكل و الشرب من غير اختصاص بإباحة ما يحرم أكله و شربه، و لذا أبيح مال الغير، مع أن التصرّف فيه و الأخذ منه و إجباره محرّم أيضا.

و على هذا، فتباح بالاضطرار إلى الأكل و الشرب الأفعال المحرّمة لو توقّف عليها، كما لو وجدت امرأة دفع اضطرارها بالتمكين من بضعها، أو شرب خمر، أو ترك صلاة؛ بأن لا يبذل المالك قدر الضرورة إلّا بأحد هذه الأفعال، فتباح هذه الأفعال، لمعارضة أدلّة حرمتها مع أدلّة المضطرّ، فيرجع إلى الأصل.

و هل يجب ارتكاب المحرّم حينئذ؟

فيه نظر؛ إذ لا دليل عليه، إلّا إذا أدّى الاضطرار إلى هلاك النفس، فإنّ الظاهر انعقاد الإجماع على تقدّم حفظه على سائر الواجبات.

و منه يظهر جواز أكل الميّت الآدمي، و قتل الحيّ الحربي. و أمّا الذمّي و المستأمن فلا يجوز؛ لتعارض أدلّة نفي الضرر و الحرج من الطرفين، و عدم صلاحيّة المرويّ في التفسير خاصّة لإباحة المحرّمات.

و منه يظهر عدم جواز أخذ قطعة من لحم حيّ مسلم، كلحم فخذه.

____________

(1) انظر الأنعام: 119، المائدة: 3، النحل: 115.

(2) انظر الوسائل 24: 99، 214 أبواب الأطعمة المحرّمة ب 1، 56.

(3) في ص: 20.

33

و بالجملة: المناط- في غير ما تجري فيه أدلّة إباحة ما حرم أكله أو شربه للمضطرّ- أدلّة نفي العسر و الحرج و الضرر، و جريانها موقوف على عدم جريانها في الطرف الآخر أيضا، فتأمّل.

المسألة السابعة: يستثنى من الأصول الأربعة و من كلّ محرّم أيضا ما إذا دعت إلى تناوله التقيّة

؛ للإجماع، و أدلّة وجوب التقيّة (1). و يجب الاقتصار فيه على قدر التقيّة.

و أمّا ما ورد في مرسلة زرارة: في المسح على الخفّين تقيّة؟ قال:

«لا يتّقى في ثلاث» قلت: و ما هنّ؟ قال: «شرب الخمر» أو قال: شرب المسكر «و المسح على الخفّين، و متعة الحجّ» (2)، فإنّما يدلّ على عدم اتّقائهم (عليهم السلام)، فلعلّه كان لعلمهم بأنّه لا يترتّب عليه ضرر في حقّهم، أو لأنّه كان اجتناب هذه الأمور منهم معروفا مشهورا عند الناس، بحيث لا تؤثّر فيها التقيّة، أو لا يطلب منهم.

و أمّا رواية سعيد: «ليس في شرب النبيذ تقيّة» (3) فلعلّ المراد منه:

النبيذ الحلال، أو المراد- بل هو الظاهر-: أنّ التقيّة إنّما تكون فيما يتّقى فيه عن المخالفة في المذهب، فيرتكب ما يوافق مذهبهم إخفاء لمذهبه و لو لم يكرهوه عليه، و شرب النبيذ حرام عند الكلّ، فلا معنى للتقيّة فيه؛ لأنّه موافق لمذهبهم (4).

____________

(1) انظر الوسائل 16: 214 أبواب الأمر و النهي و ما يناسبهما ب 25.

(2) الكافي 6: 415- 12، التهذيب 9: 114- 495، الوسائل 25: 350 أبواب الأشربة المحرّمة ب 22 ح 1.

(3) الكافي 6: 414- 11، التهذيب 9: 114- 494، الوسائل 25: 351 أبواب الأشربة المحرّمة ب 22 ح 2.

(4) كما في بداية المجتهد 1: 471.

34

نعم، لو اكره عليه فهو أمر آخر غير التقيّة، و قد رفع عن أمّته ما استكرهوا عليه. و بذلك يمكن الجواب عن الرواية الاولى و ما بمعناهما أيضا.

المسألة الثامنة: و استثني من الأصول الثلاثة الاولى- بل من كلّ محرّم أيضا- ما اضطرّ إليه للتداوي

و الخلاص من الأمراض، فاستثناه جماعة مطلقا إذا انحصر الدواء فيه و لم تكن مندوحة منه، اختاره القاضي و الحلّي و الدروس و الكفاية (1)، و إطلاق كلام الثاني أيضا محمول على عدم المندوحة عنه.

و منع جماعة عن التداوي بالخمر، بل كلّ مسكر، و نسبه المحقّق الأردبيلي و في الكفاية و المفاتيح و شرحه إلى المشهور (2)، و عن الخلاف دعوى الإجماع عليه (3)، بل ذكر الأول الخلاف و المنع من التداوي بالنسبة إلى سائر المحرّمات أيضا.

و فصّل الفاضل في المختلف و الشهيد الثاني و صاحب المفاتيح و شارحه، فجوّزوا التناول و المعالجة مع خوف تلف النفس مطلقا، و منعوا فيما دونه عن المسكرات أو كلّ محرّم (4).

دليل الأول: صدق الاضطرار و الضرورة المجوّزين للتناول- كما مرّ- مع توقّف العلاج عليه، و أدلّة نفي العسر و الحرج و الضرر و الضرار، و رواية

____________

(1) القاضي في المهذب 2: 433، الحلّي في السرائر 3: 132 لكن ظاهر كلامه الاختصاص بخوف تلف النفس فراجع، الدروس 3: 25، كفاية الأحكام: 254.

(2) مجمع الفائدة و البرهان 11: 319، كفاية الأحكام: 254، المفاتيح 2: 228.

(3) الخلاف 2: 545.

(4) المختلف: 687، الشهيد الثاني في المسالك 2: 251، المفاتيح 2: 227.

35

المفضّل و الرضوي المتقدّمة (1)، و فحوى موثّقة الساباطي السابقة (2)، و رواية سماعة المرويّة في طبّ الأئمّة: عن رجل كان به داء فأمر بشرب البول، فقال: «لا يشربه» فقلت: إنّه مضطرّ إلى شربه، [قال: «إن كان مضطرّا إلى شربه] و لم يجد دواء لدائه فليشرب بوله، و أمّا بول غيره فلا» (3).

و حجّة الثاني: عمومات حرمة المسكرات أو مع سائر المحرّمات كتابا (4) و سنّة (5)، و خصوص المستفيضة:

كصحيحة الحلبي: عن دواء عجن بالخمر، فقال: «لا و اللّه، ما أحبّ أن أنظر إليه، فكيف أتداوى به؟! إنّه بمنزلة شحم الخنزير» أو لحم الخنزير «و إنّ أناسا ليتداوون به» (6)، و قريبة منها الأخرى (7).

و رواية أبي بصير، و فيها- بعد السؤال عمّا وصف للسائلة أطبّاء العراق لدفع قراقر بطنها من النبيذ بالسويق-: «لا و اللّه، لا آذن لك في قطرة منه، فلا تذوقي منه قطرة، فإنّما تندمين إذا بلغت نفسك هاهنا»، و أومأ بيده إلى حنجرته، يقولها ثلاثا: «أ فهمت؟» قالت: نعم (8).

____________

(1) في ص: 15 و 16.

(2) في ص: 21.

(3) طب الأئمّة: 61، الوسائل 25: 346 أبواب الأشربة المحرّمة ب 20 ح 8. و ما بين المعقوفين من المصدر.

(4) البقرة: 219، المائدة: 90 و 91.

(5) انظر الوسائل 24: 99 أبواب الأطعمة المحرّمة ب 1، و أيضا ج 25: 296 أبواب الأشربة المحرّمة ب 9.

(6) الكافي 6: 414- 4، التهذيب 9: 113- 490، الوسائل 25: 345 أبواب الأشربة المحرّمة ب 20 ح 4.

(7) طب الأئمّة: 62، الوسائل 25: 346 أبواب الأشربة المحرّمة ب 20 ح 10.

(8) الكافي 6: 413- 1، الوسائل 25: 344 أبواب الأشربة المحرّمة ب 20 ح 2.

36

و رواية ابن أسباط: إنّ بي- جعلت فداك- أرواح البواسير و ليس يوافقني إلّا شرب النبيذ، فقال له: «مالك و لما حرّم اللّه و رسوله» الحديث [1].

و صحيحة ابن أذينة: عن الرجل يبعث له الدواء من ريح البواسير و يشربه بقدر سكرّجة من نبيذ صلب ليس يريد به اللّذة و إنّما يريد به الدواء، فقال: «لا و لا جرعة» ثمَّ قال: «إن اللّه لم يجعل في شيء ممّا حرّم شفاء و لا دواء» [2].

و رواية قائد بن طلحة: عن النبيذ يجعل في الدواء، قال: «ليس لأحد أن يستشفي بالحرام» (1).

و المرويّ في رجال الكشّي عن ابن أبي يعفور: قال: إذا أصابته هذه الأوجاع، فإذا اشتدّت به شرب الحسو من النبيذ فسكن عنه، فدخل على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فأخبره بوجعه و أنّه إذا شرب الحسو من النبيذ سكن عنه، فقال له: «لا تشربه» فلمّا أن رجع إلى الكوفة هاج به وجعه، فأقبل أهله فلم يزالوا به حتى شرب، فساعة شرب عنه سكن، فعاد إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام)

____________

[1] الكافي 6: 413- 3، التهذيب 9: 113- 489، الوسائل 25: 344 أبواب الأشربة المحرّمة ب 20 ح 3.

و الأرواح: جمع ريح و تجمع على أرياح قليلا و على رياح كثيرا- انظر النهاية 2:

272.

[1] الكافي 6: 413- 2، الوسائل 25: 343 أبواب الأشربة المحرّمة ب 20 ح 1.

و السكرّجة: إناء صغير يؤكل فيه الشيء القليل من الأدم، و هي فارسية- انظر مجمع البحرين 2: 310.

____________

(1) الكافي 6: 414- 8، طب الأئمّة: 62، الوسائل 25: 345 أبواب الأشربة المحرّمة ب 20 ح 5.

37

فأخبره بوجعه و شربه، فقال: «يا ابن أبي يعفور، لا تشرب فإنّه حرام، إنّما هو الشيطان موكّل بك و لو قد يئس منك ذهب» فلمّا رجع إلى الكوفة هاج به وجعه أشدّ ممّا كان فأقبل أهله عليه، فقال لهم: و اللّه ما أذوق منه قطرة أبدا، فآيسوا منه أهله، و كان يهمّ (1) على شيء و لا يحلف، فلمّا سمعوا آيسوا منه و اشتدّ به الوجع أيّاما ثمَّ أذهب اللّه به عنه، فما عاد إليه حتى مات (رحمه اللّه) [1].

و مستند الثالث: أدلّة الأول، مضافة إلى النهي عن إلقاء النفس إلى التهلكة و قتلها.

قال اللّه سبحانه وَ لٰا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ (2).

و قال وَ لٰا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّٰهُ إِلّٰا بِالْحَقِّ (3).

و وجوب حفظها عقلا و نقلا، و كون محافظتها مقدّمة على أكثر الواجبات.

أقول: لا شكّ أنّ أخبار المنع- التي هي حجّة الثاني- كلّها عامّة بالنسبة إلى الاضطرار و العسر و الضرر و عدمها، بل بالنسبة إلى المندوحة عنه و عدمها.

و أدلّة الجواز منها أخصّ مطلقا من ذلك، من جهة اختصاصها بالضرورة و الخمر، كالموثّقة و رواية الدعائم و مرسلة العلل (4)، الموافقة لعمومات الكتاب من قوله سبحانه إِلّٰا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ (5) و ما نفى

____________

[1] رجال الكشي 2: 516- 459. و الحسوة: الجرعة من الشراب- مجمع البحرين 1: 99.

____________

(1) في النسخ: يتهم، و ما أثبتناه من المصدر.

(2) النساء: 29.

(3) الإسراء: 33.

(4) المتقدّمة في ص: 21 و 22.

(5) الأنعام: 119.

38

العسر و الحرج. فيجب تخصيص أدلّة المنع بها.

و منها ما يختصّ بالمضطرّ و إن عمّ المسكر و غيره، فيتعارضان بالعموم من وجه، فلو لم ترجّح أدلّة الجواز بالأكثريّة و موافقة الاعتبار و الأصرحيّة يرجع إلى الأصل الأولي، و هو مع الجواز، فإذن الحقّ هو الأول.

و قد يجمع بين الأخبار بحمل المجوّزة على حال الضرورة و توقّف السلامة، و المانعة على جلب المنفعة و طلب التقوية و بقاء الصحّة و رفع الأمراض الجزئيّة، و هو راجع إلى ما ذكرنا أيضا.

بقي الكلام فيما صرّح بأن اللّه سبحانه لم يجعل فيما حرّم شفاء و لا دواء، فإنّه يدلّ على انتفاء حصول الاضطرار للتداوي بالمحرّمات، و يستلزم انتفاء موضوع أدلّة القولين الآخرين.

قلنا: هذا كلام في الموضوع دون المسألة، فإنّها فرضت فيما إذا أدّى الاضطرار إليه.

و لتحقيق الموضوع نقول: إنّه و إن ورد في الأخبار ذلك، إلّا أنّه يخالف ما يشاهد بالتجربة من المنافع في بعض المحرّمات، و تطابقت عليه كلمات الأطبّاء الحذّاق.

و جمع بعضهم بينهما بأنّ التحريم مرتفع مع الضرورة، فيصدق أنّ اللّه سبحانه لم يجعل فيما حرم شفاء؛ لأنه حينئذ حلال (1).

و فساده ظاهر؛ لتوقّف نفي التحريم حال الضرورة على وجود الشفاء فيه، و النصّ يدلّ على انتفاء الشفاء فيه حتى يضطرّ إليه.

____________

(1) إيضاح الفوائد 4: 154.

39

و قيل: إن الشفاء المنفيّ عن المحرّمات إنّما هو شفاء الأمرضة الروحانيّة (1).

و هو تأويل بعيد غايته؛ لورود الخبر مورد الأمراض الجسمانيّة.

و يمكن الجمع بأن يقال: لا شفاء في المحرّم، و ما نشاهده إنّما هو مستند إلى أمر آخر اتّفق مقارنته مع تناول المحرّم.

و لكنّه أيضا بعيد، سيّما مع أقوال الأطبّاء المستندة إلى آثار الطبائع و الخواصّ، و ظاهر قوله سبحانه وَ إِثْمُهُمٰا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمٰا (2).

و الأولى في الجمع أن يقال: إنّ المراد- و اللّه أعلم- أن اللّه لم يجعل في الحرام شفاء و لا دواء، أي لم يجعله و لم يقرّره للشفاء حتى انحصر الأمر فيه و كان الشفاء و الدواء منحصرا به حتى يكون مجعولا و مقرّرا لذلك، بل لكلّ مرض يداوي بالمحرّم له علاج آخر أيضا، و لكنّه لا ينفي الاضطرار إلى المحرّم؛ لجواز أن لا نعلم ذلك الدواء الآخر و لا نهتدي إليه، فنضطرّ إلى الحرام.

ثمَّ إنّه- كما ذكرنا- لا بدّ في جواز التداوي بالمحرّم من أمور ثلاثة:

أحدها: العلم بحصول العلاج به.

و ثانيها: العلم بانحصار المعلوم من العلاج و الدواء فيه. و الظاهر كفاية الظنّ الغالب فيهما؛ لحصول العسر و الضرر بالترك. و المعتبر علم المريض أو ظنّه، سواء حصل بالتجربة من حاله أو قول الأطبّاء، دون علم غيره أو ظنّه و لو كان طبيبا.

و ثالثها: كون المرض ممّا يعدّ ضررا و تحمّله كان شاقّا و حرجا، عرفا

____________

(1) كما في المفاتيح 2: 227.

(2) البقرة: 219.

40

و عادة.

فرع: لو علم الطبيب بانحصار العلاج في المحرّم، و أخبر به المريض

و لم يحصل له ظنّ بقوله لعدم معرفته بحاله، فلا يجوز للمريض التناول بنفسه، و يجوز بل قد يجب على الطبيب إكراهه عليه لو تمكّن.

المسألة التاسعة: و ممّا يستثنى أيضا من الأصل الرابع: الأكل مع عدم العلم بالإذن من بيوت من تضمّنته الآية

الشريفة في سورة النور:

وَ لٰا عَلىٰ أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبٰائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهٰاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوٰانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوٰاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمٰامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمّٰاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوٰالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خٰالٰاتِكُمْ أَوْ مٰا مَلَكْتُمْ مَفٰاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتٰاتاً (1).

فإنّه يجوز الأكل من بيوت المذكورين مع حضورهم و غيبتهم و إن لم يعلم رضاهم و إذنهم به، و لا أعرف في ذلك الحكم خلافا؛ و تدلّ عليه الأخبار كما يأتي، و في المرويّ في محاسن البرقي في هذه الآية: بإذن و بغير إذن (2).

و اشترطوا في جواز الأكل منها: عدم العلم بكراهتهم، فلو علمت لا يجوز الأكل منها و لو كان العلم حاصلا بالقرائن الحاليّة، و لا أعرف في اشتراط ذلك خلافا، و ادّعى بعض مشايخنا المعاصرين الإجماع عليه ظاهرا (3)، إلّا أنّه نسبه في شرح المفاتيح إلى المشهور، و هو يشعر بوجود المخالف، أو عدم حصول العلم بالإجماع.

____________

(1) النور: 61.

(2) المحاسن: 415- 171، الوسائل 24: 283 أبواب آداب المائدة ب 24 ح 7.

(3) كما في الرياض 2: 297.

41

و استدلّ له بعضهم بالجمع بين الآية و بين سائر الأدلّة.

و هو غير جيّد؛ إذ لا دليل على ذلك الجمع، و لا ريب أنّه أحوط.

و كيف كان، فلا يمنع ظنّ الكراهة من الأكل على الأقوى، وفاقا لتصريح جمع من المتأخّرين (1)، بل هو الأشهر كما صرّح به بعض من تأخّر، حيث قال: و قيّدت في المشهور بما إذا لم تعلم كراهتهم؛ لإطلاق الكتاب و السنّة المستفيضة، بل تصريح بعضها بجواز الأكل من غير إذن، الشامل لصورة الظنّ بعدمه (2).

و احتمل المحقّق الأردبيلي اشتراط عدم الظنّ القوي أيضا، بل جعله ظاهرا (3).

و لا أرى له دليلا، و إن كان بالاحتياط أوفق.

و لا فرق في الحكم بين كون دخول البيت بإذنهم و عدمه على الأقوى، وفاقا للأكثر؛ عملا بالإطلاقات.

خلافا للحلّي، فقيّد الدخول بالإذن، و حرّم الأكل مع الدخول بدونه (4). و مال إليه صاحب التنقيح (5).

لأنّ الأكل يستلزم الدخول، الذي هو بغير الإذن غير جائز، و النهي عن اللازم نهي عن ملزومه.

و للأصل، فيقتصر فيه على المتيقّن.

و لأنّ إذن الدخول قرينة على إذن الأكل، و حيث لا إذن لا قرينة

____________

(1) منهم المحقّق السبزواري في الكفاية: 253 و صاحب الرياض 2: 297.

(2) انظر الوسائل 24: 280 أبواب آداب المائدة ب 24.

(3) مجمع الفائدة 11: 305.

(4) كما في السرائر 3: 124.

(5) التنقيح 4: 60.

42

فلا يجوز.

و يردّ الأول: بمنع الاستلزام أولا، و إنّما هو إذا كان يقول: في بيوتكم، الآية. و منع استلزام حرمة اللازم لحرمة الملزوم مطلقا، و إنّما هو فيما يكون التلازم جهة الترتّب دون التوقّف.

و الثاني: بأنّ الأصل بعد الدليل المزيل غير ملتفت إليه.

و الثالث: بأنّه مرجعه أيضا إلى أصالة عدم الجواز اللازم رفع اليد عنها بما ذكر.

و كذا لا فرق في المأكول بين ما يخشى فساده في يومه و بين غيره؛ لما ذكر، مضافا إلى بعض المعتبرة:

كرواية زرارة: «هؤلاء الذين سمّى اللّه تعالى في هذه الآية تأكل بغير إذنهم من التمر و المأدوم، و كذلك تطعم المرأة من منزل زوجها بغير إذنه، فأمّا ما خلا ذلك من الطعام فلا» [1].

و المرويّ في المحاسن: ما يحلّ للرجل من بيت أخيه؟ قال:

«المأدوم و التمر» الحديث (1). و لا شكّ أنّ التمر ممّا لا يخشى فساده.

و الرضوي: «و لا بأس للرجل أن يأكل من بيت أخيه و أبيه و امّه و صديقه ما لا يخشى عليه الفساد من يومه، مثل: البقول و الفاكهة و أشباه ذلك» (2).

____________

[1] الكافي 6: 277- 2، التهذيب 9: 95- 413، المحاسن: 416- 175، الوسائل 24: 281 أبواب آداب المائدة ب 24 ح 2.

و الإدام: ما يؤتدم به مائعا كان أو جامدا، و أدمت الخبز و أدمته باللغتين: إذا أصلحت إساغته بالإدام- مجمع البحرين 6: 6.

____________

(1) المحاسن: 416- 173، الوسائل 24: 282 أبواب آداب المائدة ب 24 ح 6.

(2) فقه الرضا «ع»: 355، المستدرك 16: 242 أبواب آداب المائدة ب 21 ح 1 و فيهما: ما لا يخشى عليه.

43

خلافا للمحكيّ عن شاذ (1)؛ و مستنده غير واضح، سوى ما في تفسير علي: لمّا هاجر رسول اللّه (صلّى اللّٰه عليه و آله) و آخى بين المسلمين من المهاجرين و الأنصار، قال: فكان بعد ذلك إذا بعث أحدا من أصحابه في غزاة أو سريّة يدفع الرجل مفتاح بيته إلى أخيه في الدين و يقول له: خذ ما شئت و كل ما شئت، فكانوا يمتنعون من ذلك حتى ربّما فسد الطعام في البيت، فأنزل اللّه سبحانه لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتٰاتاً يعني: إن حضر صاحبه أو لم يحضر (2).

و لا يخفى أنّه لا دلالة له على التخصيص، و مع ذلك لم يسنده إلى رواية.

فروع:

أ: مقتضى الإطلاقات كتابا و سنّة: جواز تناول كلّ مأكول من البيوت المذكورة

، و يظهر من بعضهم الميل إلى الاختصاص بما يعتاد أكله و شاع، دون نفائس الأطعمة التي تدّخر غالبا و لا يؤكل شائعا؛ لانصراف المطلق إلى ذلك. و هو أحوط لو لم يكن كذلك.

و كيف كان، لا يختصّ بما مرّ ذكره في الأحاديث المتقدّمة من التمر و المأدوم و البقول و الفواكه؛ لعدم صلاحيّتها للتخصيص.

أمّا رواية زرارة، فلاحتمال كون قوله: «ما خلا ذلك» إشارة إلى طعام بيوت المذكورين و منزل الزوج دون التمر و المأدوم، مع عدم صراحتها في حرمة المستثنى و احتمال المرجوحيّة؛ لعدم مصرّح بالتحريم.

____________

(1) انظر المقنع: 125، و حكاه في الروضة 7: 342 عن ابن إدريس.

(2) تفسير القمّي 2: 109، الوسائل 24: 283 أبواب آداب المائدة ب 24 ح 8.

44

و أمّا رواية المحاسن، فلعدم دلالتها على عدم حلّية غيرهما إلّا بمفهوم اللقب، و هو ليس بحجّة.

و أمّا الرضوي، فلاحتمال كون البقول و الفاكهة مثالا لما يخشى فساده، مضافا إلى عدم حجّيته، بل و كذلك رواية المحاسن.

ب: النصّ و إن اختصّ بالأكل لكنّهم عمّموه بالنسبة إلى الشرب أيضا

ممّا يتعارف شربه، سيّما مثل الماء؛ لفحوى ما دلّ على جواز الأكل.

و فيه تأمّل، و الاقتصار فيه على ما يعلم رضا صاحب البيت بشاهد الحال طريق النجاة.

ج: يختصّ الجواز بالأكل من بيوت المذكورين، فلا يتعدّى إلى ما في غيرها

من الأمكنة؛ للأصل. و بما إذا كان المأكول بنفسه في البيوت، فلا يتعدّى إلى شرائه من غير البيت بثمن يؤخذ من البيت؛ للاقتصار فيما يخالف الأصل على القدر المتيقّن، و يمكن استفادتهما من قوله: «ما خلا ذلك» في رواية زرارة أيضا.

د: المراد ب بُيُوتِكُمْ: بيت الآكل

؛ لأنّه حقيقة.

قيل: يمكن أن تكون النكتة في ذكرها- مع ظهور الإباحة- التنبيه على مساواة ما بعده له في الإباحة، و أنّه ينبغي جعل المذكورين كالنفس (1).

و قد يقال: إنّ النكتة بيان حلّية أكل ما يوجد فيها و إن لم يعرف مالكه.

و قيل: بيت الأزواج و العيال (2).

و قيل: بيت الأولاد (3)؛ لأنّهم لم يذكروا في الأقارب مع أنّهم أولى

____________

(1) كما في الروضة البهية 7: 343.

(2) كما في مجمع البيان 4: 156، التفسير الكبير 24: 36، الكشّاف 3: 257.

(3) كما في تفسير الصافي 3: 448، و حكاه في التفسير الكبير 24: 36 عن ابن قتيبة.

45

منهم، و لأنّ ولد الرجل بعضه و نسخته و حكمه حكمه، و هو و ماله لأبيه- كما في الحديث (1)- فجائز نسبته إليه، و في آخر: «أطيب ما يأكل الرجل من كسبه، و إنّ ولده من كسبه» (2).

و منه يظهر وجه آخر لإلحاق الأولاد بالأقارب فيما ذكر، و هو الأولويّة، و كذا يظهر وجه لصحّة إلحاق الأجداد و الجدّات؛ لأقربيّتهم من الأعمام و الأخوال، مع إمكان إدخالهم في الآباء و الأمّهات.

و المراد بما ملكتم مفاتحه: ما يكون وكيلا عليها و فيما يحفظها، كما صرّح به في مرسلة ابن أبي عمير: في قول اللّه عزّ و جلّ أَوْ مٰا مَلَكْتُمْ مَفٰاتِحَهُ قال: «الرجل يكون له وكيل يقوم في ماله فيأكل بغير إذنه» (3)، و يدلّ عليه ما مرّ من تفسير علي.

و قيل: هو بيت العبد؛ لأنّه و ماله لمولاه (4).

و قيل: من له عليه ولاية (5).

و لا بأس بهما؛ لصدق اللفظ، و عدم منافاة الروايتين، فيكون الجميع مرادا.

و قيل: ما يجد الإنسان في داره و لا يعلم به.

و قيل: بيت الولد (6).

و المرجع في الصديق إلى العرف.

____________

(1) التهذيب 5: 15- 44، الوسائل 11: 91 أبواب وجوب الحج و شرائطه ب 36 ح 1.

(2) مستدرك الوسائل 13: 9 أبواب مقدمات التجارة ب 1 ح 12، بتفاوت يسير.

(3) راجع ص: 43.

(4) كما في الروضة البهية 7: 344.

(5) كما في المسالك 2: 247، الرياض 2: 298.

(6) انظر المسالك 2: 247.

46

ه: لا فرق في الإخوة و الأخوات بين كونهم للأبوين أو لأحدهما؛

للعموم، و كذلك الأعمام و الأخوال.

و هل يختصّ بالنسبي، أو يتعدّى إلى الرضاعي أيضا؟

الظاهر: الأول؛ للتبادر، و منع الصدق الحقيقي اللغوي، و منع حصول الحقيقة الشرعيّة.

و: الحلّية تختصّ بالأكل بنفسه

، فلا يجوز حمل شيء منها، و لا الإذن للغير في الأكل؛ للأصل.

ز: اختلفت الروايتان في جواز تصدّق المرأة عن بيت زوجها بغير إذنه.

ففي رواية جميل: «للمرأة أن تأكل و أن تتصدّق، و للصديق أن يأكل من منزل أخيه و يتصدّق» (1).

و في رواية علي: عن المرأة لها أن تعطي من بيت زوجها بغير إذنه؟

قال: «لا، إلّا أن يحلّلها» (2).

و يمكن الجمع بوجوه. و الأولى في الجمع ما دلّت عليه موثّقة ابن بكير: عمّا يحلّ للمرأة أن تتصدّق به من مال زوجها بغير إذنه، قال:

«المأدوم» (3)، فيخصّص بالتصدّق و منه بالمأدوم، و عليه الفتوى. و الظاهر الاختصاص بما إذا لم يقارب صريح النهي، أو العلم بالكراهة.

____________

(1) الكافي 6: 277- 3، التهذيب 9: 96- 417، المحاسن: 416- 174، الوسائل 24: 281 أبواب آداب المائدة ب 24 ح 3.

(2) التهذيب 6: 346- 974، مسائل علي بن جعفر: 158- 231، الوسائل 17:

270 أبواب ما يكتسب به ب 82 ح 1.

(3) الكافي 5: 137- 2، التهذيب 6: 346- 973، الوسائل 17: 270 أبواب ما يكتسب به ب 82 ح 2.

47

المسألة العاشرة: و ممّا يستثنى أيضا من الأصل الرابع: ما يمرّ به الإنسان من ثمر النخل و الشجر أو المباطخ أو الزرع،

فيجوز الأكل منه، استثناه جماعة من المتقدّمين (1) و المتأخّرين (2)، و ادّعي الشهرة عليه مستفيضة.

و قيل: لم نقف على مخالف من قدماء الأصحاب إلّا ما يحكى عن السيّد (3). و قيل: كاد أن يكون من القدماء إجماعا (4). بل عن الخلاف و السرائر الإجماع عليه (5).

و مستنده: المستفيضة من الأخبار، كمرسلة ابن أبي عمير: عن الرجل يمرّ بالنخل و السنبل و الثمرة فيجوز له أن يأكل منها من غير إذن صاحبها من ضرورة أو غير ضرورة؟ قال: «لا بأس» (6).

و مرسلة الفقيه: «من مرّ ببساتين فلا بأس أن يأكل من ثمارها، و لا يحمل منها شيئا» (7).

و رواية ابن سنان: «لا بأس بالرجل يمرّ على الثمرة و يأكل منها و لا يفسد، قد نهى رسول اللّه (صلّى اللّٰه عليه و آله) أن تبنى الحيطان بالمدينة لمكان المارّة» قال: «و كان إذا بلغ نخله أمر بالحيطان فخرقت لمكان المارّة» (8).

____________

(1) منهم الصدوق في المقنع: 124، الشيخ في النهاية: 370 و المبسوط 6: 288، ابن إدريس في السرائر 3: 126.

(2) كما في الشرائع 2: 55، التذكرة 1: 510، كفاية الأحكام: 253.

(3) انظر الرياض 1: 558.

(4) كما في الرياض 1: 558.

(5) الخلاف 2: 546، السرائر 3: 126.

(6) التهذيب 7: 93- 393، الاستبصار 3: 90- 306، الوسائل 18: 226 أبواب بيع الثمار ب 8 ح 3.

(7) الفقيه 3: 110- 464، الوسائل 18: 228 أبواب بيع الثمار ب 8 ح 8.

(8) الكافي 3: 569- 1، الوسائل 9: 203 أبواب زكاة الغلات ب 17 ح 1، و ج 18: 229 أبواب بيع الثمار ب 8 ح 12.

48

و مثلها رواية أبي الربيع، إلّا أن زاد فيها: «و لا يحمل» بعد قوله:

«لا يفسد» (1).

و رواية محمّد بن مروان: أمرّ بالثمرة فآكل منها، قال: «كل و لا تحمل» قلت: فإنّهم قد اشتروها، قال: «كل و لا تحمل» قلت: جعلت فداك، إنّ التجّار اشتروها و نقدوا أموالهم، قال: «اشتروا ما ليس لهم» (2).

و مرسلة يونس: عن الرجل يمرّ بالبستان و قد حيط عليه أو لم يحط عليه، هل يجوز له أن يأكل من ثمره، ليس يحمله على الأكل من ثمره إلّا الشهوة و له ما يغنيه عن الأكل من ثمره؟ و هل له أن يأكل منه من جوع؟

قال: «لا بأس أن يأكل و لا يحمله و لا يفسده» (3).

و ذهب السيّد و الفاضل في الإرشاد (4) و بعض آخر (5) إلى المنع.

و مستندهم: قبح التصرّف في ملك الغير بغير إذنه شرعا و عقلا، المعتضد بنصّ الكتاب على النهي عن أكل أموال الناس بالباطل بغير تراض (6).

و صحيحة ابن يقطين: عن الرجل يمرّ بالثمرة من الزرع و النخل و الكرم و الشجر و المباطخ و غير ذلك من الثمر، أ يحلّ له أن يتناول منه شيئا و يأكل من غير إذن من صاحبه؟ و كيف حاله إن نهاه صاحب الثمرة أو أمره

____________

(1) الكافي 3: 569- 1، الوسائل 9: 204 أبواب زكاة الغلات ب 17 ح 2.

(2) التهذيب 6: 383- 1134، الوسائل 18: 227 أبواب بيع الثمار ب 8 ح 4.

(3) التهذيب 6: 383- 1135، الوسائل 18: 227 أبواب بيع الثمار ب 8 ح 5.

(4) نقله عن المسائل الصيداويّة للسيّد المرتضى في المسالك 1: 207، الإرشاد 2: 113.

(5) منهم يحيى بن سعيد الحلي في نزهة الناظر: 71، العلّامة في المختلف 2: 343 و القواعد 1: 122، ولده في الإيضاح 4: 162.

(6) النساء: 29.

49

القيّم فليس له؟ و كم الحدّ الذي يسعه أن يتناول منه؟ قال: «لا يحلّ له أن يأخذ منه شيئا» (1).

و مرسلة مروان: الرجل يمرّ على قراح الزرع يأخذ منه السنبلة، قال:

«لا» قلت: أيّ شيء السنبلة؟! قال: «لو كان كلّ من يمرّ به يأخذ منه سنبلة كان لا يبقى شيء» (2).

و صحيحة محمّد الحلبي: عن البستان يكون عليه المملوك أو أجير ليس له من البستان شيء، أ يتناول الرجل من بستانه؟ فقال: «إن كان بهذه المنزلة لا يملك من البستان شيئا فما أحبّ أن يأخذ منه شيئا» (3).

و أجاب هؤلاء عن الأخبار الأول تارة بضعف السند.

و اخرى بعدم صراحة الدلالة؛ لإمكان حملها على حال الضرورة، أو على من يجوز الأكل من بيوتهم، أو على الأكل اليسير جدّا للذوق و الامتحان، أو على ما علم الإذن فيه بالفحوى مطلقا، أو على البلاد التي يعرف من أرباب بساتينها و زروعها عدم المضايقة في مثله لوفورها عندهم.

و ثالثة بمعارضتها مع الأخبار الأخيرة، و رجحان الأخيرة بموافقة الكتاب و مطابقة الأصول العقليّة و النقليّة.

أقول: يردّ الجواب الأول بعدم ضير ضعف السند عندنا أولا.

و انجبار تلك الأخبار بالشهرة العظيمة القديمة و الجديدة المحكيّة و المحقّقة و الإجماعات المنقولة ثانيا.

____________

(1) التهذيب 7: 92- 392، الاستبصار 3: 90- 307، الوسائل 18: 228 أبواب بيع الثمار ب 8 ح 7.

(2) التهذيب 6: 385- 1140، الوسائل 18: 227 أبواب بيع الثمار ب 8 ح 6.

و في المصادر: مروك، بدل: مروان.

(3) التهذيب 6: 380- 1117، الوسائل 17: 271 أبواب ما يكتسب به ب 82 ح 4.

50

و كون مراسيل ابن أبي عمير في حكم المسانيد (1)، و صحّة المرسلة عمّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه (2)، و كذا رواية أبي الربيع، ثالثا.

و الثاني بأنّها تأويلات بعيدة بلا مأوّل، و تخصيصات بلا مخصّص يمنع عنها العرف و اللغة؛ مع أنّ أكثرها خلاف صريح النصّ؛ للتصريح فيه بغير حال الضرورة و بغير الإذن، و بكون الأكل للجوع و الشهوة.

و أما الثالث فحسن، إلّا أنّ الأخيرتين من الروايات الأخيرة غير دالّتين على الحرمة، بل الأخيرة منهما ظاهرة في الكراهة، و مع ذلك هما أخصّان عن المدّعى؛ لاختصاص أولاهما بالسنبل و ثانيهما بالبستان.

فلم تبق إلّا الاولى، و هي لمخالفتها للشهرة العظيمة من القدماء خارجة عن حيّز الحجّية جدّا، فلا تصلح لمعارضة ما مرّ قطعا؛ مع أنّ دلالتها على المطلوب غير واضحة؛ لاحتمال أن يكون قوله: «لا يحلّ أن يأخذ منه شيئا» جوابا عن السؤال الأخير، أي قوله: و كم الحدّ الذي يسعه أن يتناوله، فأجاب بأنّه لا يحل له الأخذ- أي الحمل- فيجوز غيره الذي هو الأكل، و يشعر بذلك عدوله عن لفظ الأكل الواقع في السؤال إلى الأخذ.

و يؤكّده اختصاص أخبار المنع طرّا بالأخذ، و أخبار الجواز كلّا بالأكل، و هذا مراد الشيخ (3) و أتباعه (4) من حمل أخبار المنع على الأخذ. و لو قطع النظر عن ذلك فلا شكّ في أنّ للأخذ أفرادا كثيرة يشملها من الأخذ للأكل

____________

(1) انظر عدّة الأصول: 387.

(2) كما في رجال الكشي 2: 830.

(3) كما في التهذيب 7: 92.

(4) انظر المختلف: 343.

51

و للحمل و لإعطاء الغير و للبيع، فتكون تلك الأخبار أعمّ مطلقا من أخبار الجواز؛ لاختصاصها بالأكل، فيجب تخصيصها بها قطعا. و أيضا نفي البأس- الذي هو العذاب- في أخبار الجواز قرينة لحمل عدم الحلّيّة في رواية المنع على المرجوحيّة، فيتعيّن حملها عليها، سيّما مع شهادة قوله: «فما أحبّ» الظاهر عرفا فيها في الأخيرة.

و بجميع ما ذكر يجاب عن الأخيرتين أيضا على فرض الدلالة.

و يظهر منه الجواب عن الأصول و الآية، مع أنّ القبح العقلي ممنوع؛ لأنّ ما في الأرض كلّه للّه سبحانه، فله الرخصة لمن شاء و أراد من العباد، فيما شاء و أراد، و ملكيّة الغير أمر شرعيّ، فيثبت منها ما ثبت شرعا، و لا مدخليّة للعقل فيها، بل يدلّ قوله في رواية محمّد بن مروان: «اشتروا ما ليس لهم» أنّ قدر حقّ المارّة ليس ملكا للصاحب.

و دلالة الآية أيضا ممنوع؛ إذ بعد دلالة الأخبار لا يكون ذلك باطلا، فالقول الأول هو الحقّ، و عليه المعوّل.

فروع:

أ: المذكور في أخبار الجواز هو النخل و السنبل و الثمرة،

فلا يجوز التعدّي إلى غير الثلاثة، نحو الخضراوات و الزروع التي ليس لها سنبل؛ اقتصارا فيما خالف الأصل على موضع النصّ و اليقين.

و منه يظهر عدم جواز التعدّي إلى ما يشكّ في صدق الثمرة عليه من القثّاء و البطّيخ و نحوهما؛ لأنّ الظاهر أو المحتمل اختصاص الثمرة بما يحصل من الشجر، سواء كان من الفواكه، كالرمّان و التين و التفّاح و السفرجل و نحوها، أو كالجوز و اللوز و أمثالهما، بل في الصدق على

52

القسم الثاني أيضا تأمّل، فالاجتناب عنه أحوط، سيّما مثل السماق، و لذا خصّ بعضهم بثمرة النخل و الفواكه (1)، و بعض آخر بالنخل (2). و لم يذكر الأكثر المباطخ، إلّا أنّ ظاهر صحيحة ابن يقطين (3) صدق الثمرة على مثل البطّيخ أيضا، فالتجويز فيه أيضا قوي.

ب: الرخصة في الأكل في أخبار الجواز غير محدودة بحدّ معيّن،

بل هي مطلقة.

و إبقاؤها على الإطلاق- حتى يشمل كلّ قدر أكل و لو كان أكلا فاحشا، من كلّ ثمرة و لو كانت قليلة، كشجرة واحدة فيها ثمرة قليلة، من كلّ مالك حتى فقير لم يملك إلّا تلك الشجرة، من كلّ مارّ حتى من عسكر كثير مرّت ببستان صغير من رجل فقير- خلاف الإجماع، بل الضرورة القطعيّة، سيّما على ما في رواية محمّد بن مروان من قوله: «اشتروا ما ليس لهم» (4)، فإنّه على ذلك لا يكون ما لهم معيّنا، بل لا يكون مال؛ لاحتمال مرور جماعة تأكل الجميع.

و تخصيصها بحدّ خاصّ معيّن بلا دليل مجازفة غير جائزة.

و التحديد- بعدم التضرّر بالمالك لمعارضة أخبارها مع أدلّة نفي الضرر- غير جيّد؛ لتحقّق الضرر في جميع الحالات، فتكون تلك الأخبار أخصّ مطلقا من أدلّة نفي الضرر.

و بعدم الأكل كثيرا- بحيث يؤثّر فيها أثرا بيّنا، و هو أمر يختلف بكثرة

____________

(1) كصاحب الرياض 1: 558.

(2) كالشيخ في المسائل الحائريات (الرسائل العشر): 330.

(3) المتقدمة في ص: 48.

(4) المتقدمة في ص: 48.

53

الثمرة و المارّة و قلّتهما؛ لقوله: «لا يفسد» في روايتي ابن سنان و أبي الربيع و في مرسلة يونس (1)- كان حسنا لو صدق الإفساد على ذلك لغة أو عرفا، و هو بعد غير معلوم.

فيشكل الأمر في العمل بمدلول تلك الأخبار، إلّا أن يقال: إنّ تلك الأخبار و إن كانت مطلقة إلّا أنّها غير باقية على إطلاقها قطعا إجماعا، و الحدّ الذي يقطع بانتهاء التقييد و التخصيص إليه غير معيّن البتّة إذا تجاوز عمّا يؤثّر أثرا بيّنا، فيعلم تخصيصه و لا يعلم القدر المخصّص حينئذ، فيكون من باب التخصيص بالمجمل، فلا يكون حجّة في موضع الإجمال، و هو ما إذا تجاوز عن القدر الذي لا يستبين أثره و لا يعدّ في العرف ضررا بيّنا، فلا يجوز التجاوز عن ذلك الحدّ، فعليه الفتوى.

ج: يعتبر للجواز هنا أمور:

أحدها: ما سبق من عدم الإكثار فيه، بحيث يظهر أثره أثرا بيّنا فيه كما مرّ، و لو مرّ رجل و أكل ثمَّ مرّ الثاني ثمَّ الثالث فيعتبر ظهور الأثر في اللاحق، و يجوز الأكل للسابق ما لم يظهر و إن علم مرور غيره أيضا.

نعم، على اللاحق ترك الأكل إذا علم أكل السابق و أنّ الأكلين معا يوجبان الإفساد بذلك المعنى، و لو لم يعلم أكل [السابق] (2) لا حرمة عليه؛ لأصالة عدم أكل الغير.

و ثانيها: كون المرور بالثمرة أو البستان اتّفاقيّا، بمعنى: أن لا يقصدها للأكل ابتداء، فلو قصدها كذلك لم يجز الأكل منها، و لعلّه إجماعي؛ و يدلّ عليه اختصاص أخبار التجويز طرّا بالمرور، الذي هو العبور عن شيء

____________

(1) المتقدمة في ص: 47 و 48.

(2) في النسخ: اللاحق، و الصحيح ما أثبتناه.

54

لا يقصده أصالة و إن قصده تبعا، أي لم يقصده لشغل به و إن قصده لأن يمرّ عنه، فالشرط عدم قصدها لأن يأكل منها؛ إذ معه لا يعلم صدق المرور، و لا يضرّ قصدها لأن يمرّ منها.

و على ما ذكرنا من معنى المرور، يعلم عدم منافاة قوله في روايتي ابن سنان و أبي الربيع (1) لذلك الاشتراط، و لا حاجة إلى تضعيفهما و تفسيرهما بأن المعنى: أنّه لا بأس بالأكل بعد المرور اتّفاقا.

ثمَّ المراد بالمرور بها: عبوره عمّا يقرب منها عرفا و عادة بحيث يعدّ مرورا عرفا، لا أن يعبر ملاصقا بها قريبا عنها قربا حقيقيّا لا يحتاج إلى التخطّي إليها و لو بخطوات قلائل.

و ثالثها: أن لا يحمل معه شيئا، بل يأكل في موضعه، و الظاهر اتّفاقيّة ذلك أيضا؛ و تدلّ عليه جميع أخبار المنع بالتقريب الذي قدّمناه، و قوله:

«و لا يحمل منها» و «لا يحمله» في مرسلتي الفقيه و يونس (2)، فلا يجوز الحمل و لو لأجل الأكل بعد المضي.

و رابعها: أن لا يكون النخل أو السنبل أو الثمرة محاطا عليها بسور مبوّبة بباب، فلو كان كذلك لم يجز صعود السور أو خرقه، و لا فتح الباب أو كسره؛ لأنّه تصرّف في ملك الغير بغير إذنه، و لا إذن من الشارع.

و لا يدلّ نهي الرسول عن الحيطان- أو خرق حيطان نخله كما في رواية ابن سنان- على جواز التصرّف لو كان محاطا غير مخروق، مع أنّ النهي ليس للتحريم؛ لكون نخله محاطا عليه و يخرقه إذا بلغ، و خرقه حيطان نخله (صلّى اللّٰه عليه و آله) لا يدلّ على وجوب ذلك على غيره أيضا.

____________

(1) المتقدمتين في ص: 47 و 48.

(2) المتقدمتين في ص: 47 و 48.