جواهر الكلام في ثوبه الجديد - ج2

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
693 /
5

الحمد للّٰه ربّ العالمين

و صلّى اللّٰه على محمّد و آله الطيّبين الطاهرين

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

[تتمة كتاب الطهارة]

[تتمة الركن الثاني في الطهارة المائية]

(الغسل)

____________

و إذ قد فرغ المصنّف (قدس سره) [من البحث عن] الوضوء شرع في البحث عن الغسل، فقال:

[تعريف الغسل]:

(و أمّا الغُسل) فهو- بالضمّ- في الأصل: اسم مصدر، ثمّ نقل في العرف الشرعي- على الأقوى فيه و في نظائره- إلى أفعال خاصّة تقف عليها إن شاء اللّٰه؛ للصحيح منها، أو للأعمّ منها و من الفاسد فساداً لا ينتفي الاسم عرفاً بانتفائه.

من غير فرق بين الشرائط و الأجزاء، أو مع اختصاص الفساد من جهة الأوّل خاصّة، و قد فرغنا من تحرير ذلك كلّه في غير هذا المقام.

[أقسام الغسل]:

و كيف كان (ففيه الواجب و المندوب):

[القسم الأوّل- الأغسال الواجبة]

(فالواجب ستة أغسال:

1- غسل الجنابة.

2- و الحيض.

3- و الاستحاضة التي تثقب الكرسف.

4- و النفاس.

5- و مسّ الأموات من الناس قبل تغسيلهم و بعد بردهم).

8

6- (و غسل الأموات) (1).

(و بيان ذلك) أي الأغسال الواجبة (في خمسة فصول) بترك ذكر فصل مستقلّ لغسل مسّ الميّت:

____________

(1) بلا خلاف أجده في شيء منها سوى غسل المسّ، فعن المرتضى القول باستحبابه (1)، و ستعرف ضعفه ممّا يأتي إن شاء اللّٰه- و إن لم يذكره المصنّف- في فصل مستقلّ.

و ممّن نصّ على وجوبه- هنا- من القدماء: الشيخان (2) و القاضي (3) و ابن زهرة (4) و سلّار (5) و أبو الصلاح (6) و ابنا إدريس (7) و سعيد (8).

و قد نفى الخلاف عنه بعضهم إلّا من المرتضى (9)، بل في الغنية الإجماع عليه (10).

و أمّا الخمسة فلا إشكال في وجوبها.

و يدلّ عليها:

1- مضافاً إلى الكتاب في غسل الجنابة و الحيض على بعض الوجوه.

2- الإجماع محصّلًا و منقولًا (11).

3- و الأخبار التي كادت تكون متواترة، بل هي كذلك في كثير منها.

4- بل لعلّ وجوبها يُعدُّ من الضروريات في غير غسل الاستحاضة.

و يظهر من المتن أنّه لا واجب غيرها، و هو كذلك على الأصحّ.

خلافاً لسلّار في المراسم فزاد غسل من تعمّد ترك صلاة الكسوف و قد انكسف القرص كلّه (12)، و ستعرف ضعفه فيما يأتي.

كضعف غيره من إيجاب غسل من سعى إلى مصلوب عامداً بعد ثلاثة أيام و غيره، كما يظهر لك ذلك كلّه إن شاء اللّٰه في الأغسال المندوبة.

____________

(1) نقله في المعتبر 1: 351.

(2) المقنعة: 50. المبسوط 1: 40.

(3) المهذّب 1: 33.

(4) الغنية: 34.

(5) المراسم: 40.

(6) الكافي: 133.

(7) السرائر 1: 124.

(8) الجامع للشرائع: 32.

(9) الروض 1: 137.

(10) الغنية: 40.

(11) الذخيرة: 47.

(12) المراسم: 40.

9

[الفصل الأوّل: في الجنابة]

[الفصل] (الأوّل: في الجنابة)

و هي في اللغة- كما قيل (1)- البُعد، و شرعاً: ما يوجب البعد عن أحكام الطاهرين من الإنزال أو الجماع الموجب للغسل، و لعلّ الأقوى ثبوت النقل الشرعي فيها للحالة المترتّبة على السببين المتقدّمين [أي الإنزال و الجماع].

(و) ينحصر (النظر) في البحث فيها في امور ثلاثة: (في السبب، و الحكم، و الغسل).

[سبب الجنابة]:

(أمّا سبب الجنابة فأمران) لا ثالث لهما:

(الإنزال: إذا علم أنّ الخارج منيّ) (1) من غير فرق بين مقارنته الشهوة و الدفق و الفتور و عدمها، و لا بين الرجل و الامرأة (2).

____________

(1) بلا خلاف أجده فيه، بل حكى الإجماع عليه جماعة حكاية تقرب إلى التواتر كالسُّنّة.

(2) كما صرّح بهذا الإطلاق جماعة حاكين عليه الإجماع.

بل قد يظهر من بعضهم دعوى الإجماع عليه من المسلمين، سوى ما ينقل عن أبي حنيفة (2) من اعتبار مقارنة الشهوة و التلذّذ في وجوب الغسل، و هو ضعيف جدّاً.

كالمنقول عن ظاهر الصدوق في المقنع حيث قال: «و إذا احتلمت المرأة فأنزلت، فليس عليها غسل، و روي أنّ عليها الغسل إذا أنزلت» (3)، و لعلّه لما تسمعه من بعض الأخبار (4). مع احتمال أن يريد إذا احتلمت من دون إنزال أو من دون علم بكون الخارج منيّاً أو نحو ذلك.

و من هنا ظهر لك أنّ ما يوجد في بعض كتب أصحابنا من تقييد سبب الجنابة بإنزال الماء الدافق، كما في المقنعة و المبسوط و كافي أبي الصلاح و المراسم و الوسيلة و عن جمل السيّد (5)، محمول على الغالب، فلا يعتبر المفهوم فيها، بل الظاهر منها جميعاً إرادة المني، أو يراد منها حيث لا يقطع بكونه منيّاً بدون ذلك؛ لما قد عرفت من كون الحكم مجمعاً عليه عندنا، و أخبارنا به كادت تكون متواترة.

____________

(1) التنقيح 1: 92.

(2) المبسوط (للسرخسي) 1: 67.

(3) المقنع: 42.

(4) الوسائل 2: 191، ب 7 من الجنابة، ح 21.

(5) المقنعة: 51. المبسوط 1: 27. الكافي: 127. المراسم: 41. الوسيلة: 55. جمل العلم و العمل (رسائل المرتضى) 3: 25.

10

..........

____________

كما أنّه يجب حمل بعض الأخبار الدالّة على اشتراط جنابة المرأة بخروج المني عن شهوة على ما تقدّم أو غيره من الوجوه، كخبر إسماعيل بن سعد الأشعري عن الرضا (عليه السلام) قال: «إذا أنزلت من شهوة فعليها الغسل» (1). و خبر محمّد بن الفضيل عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «إذا جاءتها الشهوة فأنزلت الماء وجب عليها الغسل» (2)، و نحوهما غيرهما (3). خصوصاً مع ظهور جميعها في إرادة التمييز [أي تمييز المنيّ عن غيره] بذلك، كما يشعر به وقوعه عقيب السؤال من الراوي في أكثرها عن وقوع الماء منها بعد الملاعبة و نحوها ممّا يقتضي في الغالب خروج المذي، فكان الشرط حينئذٍ لتمييز الخارج منها أنّه منيٌّ أو لا، فتأمّل. نعم، في جملة من الأخبار- التي هي صحيحة السند- ما يدلّ على عدم وجوب الغسل [على المرأة] مع خروج المنيّ:

1- منها: خبر عمر بن يزيد، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الذي يضع ذكره على فرج المرأة فيمني عليها غسل؟ فقال: «إن أصابها من الماء شيء فلتغسله، و ليس عليها شيء إلّا أن يدخله، قلت: فإن أمنت هي و لم يدخله، قال: ليس عليها الغسل» (4).

2- و منها: خبره الآخر، قال: اغتسلت يوم الجمعة بالمدينة و لبست ثيابي و تطيّبت فمرّت بي وصيفة ففخّذت لها فأمذيت أنا و أمنت هي فدخلني من ذلك ضيق، فسألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ذلك، فقال: «ليس عليك وضوء و لا عليها غسل» (5).

3- و منها: خبر ابن اذينة، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): المرأة تحتلم في المنام فتهريق الماء الأعظم، قال: «ليس عليها غسل» (6)، و مثله غيره (7).

بل في بعض الروايات ما يدلّ على كون الحكم بذلك- أي عدم وجوب الغسل بخروج المنيّ منها يقظةً- معروفاً مشهوراً، كما يشعر به السؤال عن وجه ذلك في:

1- صحيح ابن مسلم، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): كيف جُعل على المرأة إذا رأت في النوم أنّ الرجل يجامعها في فرجها الغسل و لم يجعل عليها الغسل إذا جامعها دون الفرج في اليقظة و أمنت؟ قال: «لأنّها رأت في منامها أنّ الرجل يجامعها في فرجها فوجب عليها الغسل، و الآخر إنّما جامعها دون الفرج فلم يجب عليها الغسل؛ لأنّه لم يدخله، و لو كان أدخله في اليقظة وجب عليها الغسل أمنت أو لم تمن» (8).

2- مع ما في خبر عبيد بن زرارة من بيان العلّة في عدم وجوب الغسل على المرأة، قال: قلت له: هل على المرأة غسل من جنابتها إذا لم يأتها الرجل؟ قال: «لا، و أيّكم يرضى أن يرى- أو يصبر على ذلك أن يرى- ابنته أو اخته أو زوجته أو أحداً من قرابته قائمة تغتسل، فيقول: ما لكِ؟ فتقول: احتلمت و ليس لها بعل، ثمّ قال: لا، ليس عليهن ذلك، و قد وضع ذلك عليكم، قال اللّٰه

تعالى: (وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) و لم يقل ذلك لهنّ» (9).

____________

(1) الوسائل 2: 186، ب 7 من الجنابة، ح 2.

(2) المصدر السابق: 187، ح 4.

(3) المصدر السابق: 189، 190، ح 13، 15.

(4) المصدر السابق: 190، ح 18.

(5) المصدر السابق: 191، ح 20.

(6) المصدر السابق: 192، ح 21.

(7) المصدر السابق: ذيل الحديث 21.

(8) المصدر السابق: 191، ح 19.

(9) المصدر السابق: 192، ح 22.

11

..........

____________

و حيث كانت هذه الأخبار مخالفة للمجمع عليه بين الأصحاب، بل قيل (1): بين المسلمين، و معارضة للأخبار الاخر التي كادت تكون متواترة، وجب طرحها أو تأويلها، إمّا باشتباه كون الخارج منيّاً، أو الحمل على أنّها رأت في النوم أنّها أنزلت فلمّا انتبهت لم تجد شيئاً، كما هو ممكن في بعضها، أو أنّها أحسّت بانتقال المنيّ عن محلّه إلى موضع آخر و لم يخرج منه شيء، فإنّ منيّ المرأة قلّما يخرج من فرجها؛ لأنّه يستقرّ في رحمها، أو يراد بالمنيّ المذي، أو غير ذلك.

و احتمل في الوسائل (2) حملها على التقيّة؛ لموافقتها لبعض مذاهب العامّة. و فيه: أنّه منافٍ لما نقله المصنّف في المعتبر و العلّامة في المنتهى (3) و غيرهما من كون الحكم مجمعاً عليه بين المسلمين.

لكن يؤيّده [الحمل على التقيّة] اشتمال متنها على ما يشعر به، كالتعليل المجازي في حديث ابن مسلم، و الاستدلال الظاهري الإقناعي في خبر عبيد بن زرارة و غيره.

نعم، قد يتّجه حملها على التقيّة بناءً على ما ذهب إليه بعض المتأخّرين (4) من أصحابنا من عدم اشتراط وجود المخالف في ذلك، أو يكفي احتمال وجوده، و قد كانت مذاهبهم في زمن الأئمّة (عليهم السلام) منتشرة جدّاً لا انضباط لها، و حصر مذاهبهم في الأربعة إنّما كان حادثاً في سنة الستمائة، كما قيل (5).

و لعلّ الوجه في هذه الأخبار إرادة إخفاء هذا الحكم عن النساء كي لا يتّخذنه علّة، كما أشارت إليه بعض الأخبار الدالّة على وجوب الغسل عليهنّ، كما في صحيح أديم بن الحرّ، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل عليها غسل؟ قال: «نعم، و لا تحدّثوهنّ بذلك فيتّخذنه علّة» (6). و لعلّ هذه الرواية [هي] التي أشار إليها الكليني في الكافي، حيث قال بعد ذكر رواية عبد اللّه بن سنان الدالّة على وجوب الغسل عند الإنزال في النوم: و في رواية اخرى قال: «عليها غسل، و لكن لا تحدّثوهنّ بذلك فيتّخذنه علّة» (7) انتهى.

و من المحتمل العمل بهذه الرواية؛ لمكان صحّتها و موافقتها للاعتبار، فيحرم حينئذٍ تحديثهنّ بذلك، و يخصّ بها ما دلّ على تعليم الجاهل بالحكم.

لكنّه بعيد جدّاً.

نعم، يحتمل تنزيلها على كراهة التحديث بذلك لهنّ قبل أن يسألن و يبتلين به خوفاً من المحذور المتقدّم. و لم أعثر على من تعرّض لما دلّ عليه هذا الخبر من هذا الحكم في كلام أحد من أصحابنا المتقدّمين، فتأمّل.

____________

(1) سيأتي نقله عن المعتبر و المنتهى.

(2) الوسائل 2: 192، ب 7 من الجنابة، ذيل الحديث 22.

(3) المعتبر 1: 177. المنتهى 2: 165.

(4) الحدائق 3: 17.

(5) الحدائق 3: 16.

(6) الوسائل 2: 189، ب 7 من الجنابة، ح 12.

(7) الكافي 3: 48، ح 6. الوسائل 2: 188، ب 7 من الجنابة، ح 8.

12

ثمّ إنّه لا ريب و لا إشكال (1) في أنّ وجوب الغسل معلّق على خروج المنيّ إلى خارج الجسد، لا مجرّد الانتقال من محلّه و إن لم يخرج، لكن هل المدار على الخروج من الموضع المعتاد على ما هو المشهور في الحدث الأصغر (2)، أو على مطلق الخروج من غير فرق بين الاعتياد و انسداد الطبيعي و عدمهما؟

[الأقوى الثاني] (3)، بل لعلّ التأمّل يقضي بأنّ المسألة في المقام كمسألة الحدث الأصغر فيجري فيها حينئذٍ من الاحتمالات ما يجري هناك (4). و طريق الاحتياط غير خفيّ.

____________

(1) كما هو ظاهر النصّ و الفتوى.

(2) و هو خيرة العلّامة في القواعد، و ولده في الإيضاح، و الشهيد في الذكرى، و المحقّق الثاني (1) و غيرهم من متأخّري المتأخّرين؛ للأصل، مع تنزيل المطلقات على المتعارف المعتاد.

(3) و لعلّه الظاهر من المصنّف و غيره ممّن أطلق كإطلاقه. و تنزيله على ما في الحدث الأصغر بعيد، و هو المنقول (2) عن المنتهى و التذكرة و نهاية الإحكام، و الموجود في الأوّل: «لو خرج المنيّ من ثقبة في الإحليل غير المعتاد أو في خصيته أو في صلبه فالأقرب الوجوب»، و نحوه عن نهاية الإحكام (3). و في التذكرة: «لو خرج المنيّ من ثقبة الذكر أو الانثيين وجب الغسل» (4) انتهى. و هي كما ترى لا إطلاق فيها يقتضي شمول ما فوق الصلب.

و لعلّه من هنا قال المحقّق الثاني: إنّه «لو خرج من غير الثلاثة- المذكورة في المنتهى- فاعتبار الاعتياد حقيق بأن يكون مقطوعاً به» (5).

قلت: و لعلّ الوجه خلافه، و ذلك لاشتراك الدليل بالنسبة للمجموع- و هو الإطلاقات- كقوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «إنّما الماء من الماء» (6) و نحوه؛ إذ لا تفاوت في شمولها لما تحت الصلب و ما فوقه. و كيف يكون حقيقاً بالقطع؟! مع أنّك قد عرفت قوّة القول بنقض الخارج مطلقاً في الحدث الأصغر، من غير فرق بين الخارج من تحت المعدة و فوقها، مع كثرة الأخبار (7) الدالّة هناك على تقييد الناقض بكونه الخارج من الذكر و الدبر، و طرفيك اللذين أنعم اللّٰه بهما عليك و نحو ذلك، و قلّتها هنا، فيكون المقام أولى حينئذٍ.

و من التأمّل فيما تقدّم هناك يظهر لك قوّة القول الثاني هنا، و ضعف ما تمسّكوا به للأوّل من انصراف المطلقات إلى المتعارف المعهود.

(4) لاتّحاد المدرك فيهما، فيحتمل القول بالنقض مطلقاً، و العدم مطلقاً، و التفصيل بالاعتياد و عدمه، و التفصيل بما دون الصلب و فوقه، كالتفصيل بما تحت المعدة و فوقها. لكنّه قد يظهر من كلام جملة من الأصحاب في المقامين حصول الفرق بينهما، و الظاهر خلافه.

____________

(1) القواعد 1: 211. الإيضاح 1: 50. الذكرى 1: 224. جامع المقاصد 1: 277.

(2) كشف اللثام 2: 47.

(3) المنتهى 2: 180. نهاية الإحكام 1: 99.

(4) التذكرة 1: 222.

(5) جامع المقاصد 1: 277.

(6) عوالي اللآلي 3: 30، ح 79.

(7) الوسائل 1: 248، ب 2 من نواقض الوضوء، ح 2.

13

[حكم الخنثى و الممسوح]:

و حكم الخنثى المشكل يظهر ممّا تقدّم، فلا يحكم بجنابتها إلّا بالخروج من الفرجين، أو من أحدهما مع الاعتياد على القول الأوّل، بخلاف الثاني؛ فإنّه يحكم بجنابتها بمجرّد الخروج من أحدهما و إن لم يحصل الاعتياد.

و حكم الممسوح كذلك على الظاهر، و فيه تأمّل.

[علامة المنيّ]:

(فإن حصل ما يشتبه به) المنيّ، فإن كان صحيحاً (و كان) الخارج (دافقاً تقارنه الشهوة) و اللّذة (و فتور الجسد) أي انكساره، جرى عليه حكم الجنب، فيحرم حينئذٍ عليه قراءة العزائم، و دخول المساجد، و (وجب) عليه (الغسل) و غير ذلك من الأحكام، و إن لم يحصل له القطع من ملاحظتها بكونه منيّاً (1).

____________

(1) لما ستعرفه من الأدلّة، و بها يحكم على ما دلّ (1) على عدم نقض يقين الطهارة إلّا بيقين الحدث. و ظاهر المصنّف اشتراط وجود [الأوصاف] الثلاثة، فلا يكفي الاعتبار بواحد، كما هو صريح بعض متأخّري المتأخّرين (2) و ظاهر المعتبر و التحرير و المنتهى و الإرشاد و نهاية الإحكام (3). و ربّما ظهر من بعضهم اعتبار كون رائحته كرائحة الطلع و العجين رطباً، و بياض البيض جافّاً مع الأوصاف السابقة. و يظهر من العلّامة في القواعد الاكتفاء بالدفق و الشهوة (4)، و من النافع الاكتفاء بالدفق و فتور البدن و ظاهر الوسيلة (5)، و عن النهاية اعتبار الدفق خاصّة (6)، و في كشف اللثام: أنّه «قد يظهر ذلك من المبسوط و الاقتصاد و المصباح و مختصره و جمل العلم و العمل و العقود و المقنعة و التبيان و المراسم و الكافي و الإصباح و مجمع البيان و روض الجنان و أحكام الراوندي» (7). قلت: و كأنّه فهم ذلك من قولهم في سبب الجنابة:

«إنزال الماء الدافق»، و إلّا فلم يتعرّض في بعض ما حضرني ممّن نقل عنهم كالمبسوط و المراسم و غيرها لمسألة التمييز بذلك عند الاشتباه، لكن لعلّ التأمّل يقضي بأنّه لا ظهور لتلك العبارة فيما ذكر. و صريح المحقّق الثاني في جامع المقاصد و الشهيد الثاني في الروض و المسالك الاكتفاء بحصول واحد من الأوصاف الثلاثة (8)، بل في الأوّلين الاكتفاء بالرائحة فقط مع نفي الخلاف عنها في جامع المقاصد. فصار الحاصل من جميع ما تقدّم هو: إمّا اعتبار الثلاثة معاً، أو الأربعة، أو الدفق و الشهوة، أو الدفق و فتور البدن، أو الدفق خاصّة، أو يكتفى بواحد من الثلاثة أو الأربعة، فتنتهي حينئذٍ إلى سبعة أقوال. نعم يمكن إرجاع القول بالاكتفاء بالاثنين من الدفق و الشهوة أو الدفق و الفتور إلى شيء واحد؛ لتلازم الشهوة و الفتور، و كذا العكس، فحينئذٍ يرجعان إلى اعتبار الثلاثة، فتكون الأقوال خمسة حينئذٍ. و لعلّ ما في الجامع لابن سعيد يكون [قولًا] سادساً؛ لأنّه قال: «و علامة منيّ الرجل بياضه و ثخانته و ريحه ريح الطلع و البيض جافّاً، و قد يخرج رقيقاً أصفر كمنيّ المرأة» (9).

____________

(1) الوسائل 1: 247، ب 1 من نواقض الوضوء، ح 7.

(2) المدارك 1: 268- 269.

(3) المعتبر 1: 177. التحرير 1: 89. المنتهى 2: 173. الإرشاد 1: 225. نهاية الإحكام 1: 99.

(4) القواعد 1: 208.

(5) المختصر النافع: 31. الوسيلة: 55.

(6) النهاية: 20.

(7) كشف اللثام 2: 6.

(8) جامع المقاصد 1: 255. الروض 1: 143. المسالك 1: 48.

(9) الجامع للشرائع: 38.

14

..........

____________

ثمّ إنّه لا خلاف على الظاهر- كما قيل (1)- في الرجوع إلى هذه العلامات عند الاشتباه و إن لم تفده يقيناً بكونه منيّاً. بل ربّما 3/ 10/ 19 يظهر من بعض المتأخّرين استظهار الاتّفاق عليه من الأصحاب، و لعلّه لأنّه لم يستظهر الخلاف من بعض قدماء الأصحاب، حيث إنّهم علّقوا الحكم على خروج المنيّ مع عدم ذكرهم الرجوع إلى هذه العلامات عند الاشتباه. كما أنّه لم أعثر على من استظهر ذلك من أحد منهم، و لا من نقل خلافاً فيه. لكن قد يظهر للمتأمّل في عبارة السرائر عدم اعتبار هذه [العلامات]، بل المدار على العلم بكونه منيّاً حيث إنّه أنكر على الشيخ اكتفاءه بالشهوة بالنسبة للمريض، قائلًا ما حاصله: إنّ المدار على المنيّ، فلا فرق بين الصحيح و المريض في ذلك (2). إلّا أنّي لم أعرف أحداً نقل خلافه في المقام.

و كيف كان، فيدلّ عليه:

1- مضافاً إلى ذلك.

2- صحيحة عليّ بن جعفر عن أخيه (عليهما السلام)، قال: سألته عن الرجل يلعب مع المرأة و يقبّلها فيخرج المنيّ، فما عليه؟ قال:

«إذا جاءت الشهوة و دفع و فتر لخروجه فعليه الغسل، و إن كان إنّما هو شيء لم يجد له فترة و لا شهوة فلا بأس» (3). و هي كما أنّها دلّت على أصل الاعتبار بهذه العلامات، دلّت على ما استظهرناه من المصنّف و ما تقدّم من كون المعتبر اجتماع الثلاثة. لا يقال: إنّ ظاهر هذه الرواية غير معمول به بين الأصحاب، و ذلك لدلالتها على اشتراط هذه الامور مع كون الخارج منيّاً، و قد عرفت أنّه ممّن لا يقول به أحد من الشيعة. لأنّا نقول: أمّا أوّلًا: فالمنقول عن كتاب عليّ بن جعفر (4) روايته بدل «المنيّ»: «الشيء»، فالظاهر حينئذٍ أنّه اشتباه من النسّاخ. و ثانياً: لعلّ السائل بنى ذلك- أي كونه منيّاً- على الظنّ، فجاء الجواب مفصّلًا للحكم رافعاً للوهم، أو يراد أنّه إذا اشتبه على الإنسان فاعتقد أنّه مني فإنّه يعتبره بوجود الصفات. و على كلّ حال فصرفه عن هذا الظاهر- لمكان الإجماع- لا يقدح في أصل الاستدلال بها على اعتبار الصفات للمشتبه كما هو واضح.

لا يقال: إنّ قوله (عليه السلام) في آخر الحديث: «و إن كان إنّما هو شيء ... إلى آخره» ينافي ما ذكرته من الاستدلال بها، على أنّ نفي الواحدة تكفي في نفي الحكم بالجنابة؛ لظهورها في اشتراط نفي الجنابة بنفي الفترة و الشهوة معاً، بل لعلّ مقتضى مفهومها حينئذٍ ثبوت الجنابة بحصول أحد الوصفين، فتكون معارضة لمدلول صدرها.

لأنّا نقول: قد يدّعى التلازم بين الشهوة و الفترة، فلا يكون عطف قوله: «و لا شهوة» مفيداً فائدة جديدة؛ إذ انتفاء الفترة يستلزم انتفاء الشهوة.

3- و أيضاً فالمنساق إلى الذهن من الروايات أنّ المذكور أخيراً إنّما هو بعض ما يقتضيه مفهوم الشرط الأوّل [أي إذا جاءت الشهوة]، و ليس بشرط مستقلّ يلحظ مفهومه و منطوقه كما هو واضح.

4- كلّ ذا مع موافقة مقتضى الصدر للأصل، و هو حجّة ثانية لهذا المذهب؛ إذ هو يقتضي أنّ الشكّ في الحدث ليس حدثاً، فيقتصر في الخروج عن هذا الأصل على محلّ اليقين، و هو مع اجتماع الثلاثة بل و الأربعة، إلّا أنّه لمّا لم نعثر على اعتبار الوصف

____________

(1) انظر الذكرى 1: 222.

(2) السرائر 1: 116- 117.

(3) الوسائل 2: 194، ب 8 من الجنابة، ح 1.

(4) مسائل عليّ بن جعفر: 157، ح 230.

15

..........

____________

الرابع- و هو الرائحة المذكورة- في شيء من الأخبار، بل ظاهر هذه الرواية و غيرها عدمه، قوي الظنّ بعدم مدخليّته. و منه تعرف ضعف القول به منضمّاً و منفرداً. و من العجيب ما سمعته من جامع المقاصد (1) من نفي الخلاف في الاعتماد عليها لو حصلت منفردة، و بما ذكرناه مع ما تسمع يظهر لك قوّة القول بكون الثلاثة خاصة مركّبة بالنسبة إلى صحيح المزاج.

و أمّا ما ذكره في جامع المقاصد 2 و غيره من الاكتفاء بأحد الثلاثة أو الأربعة فلا أعرف له مستنداً.

و أقصى ما ذكر هو في توجيهه: أنّها صفات متلازمة إلّا لعارض كمرض و نحوه، فوجود بعضها حينئذٍ كافٍ، و كذلك غيره ممّن وافقه، فإنّه قال: إنّها متلازمة غالباً، و إلّا فلو فرض انفكاكها فالواحد منها كافٍ في ذلك (3).

و فيه: أنّه مصادرة مع فرض تجويز الانفكاك، و خالٍ عن الدليل مع فرض عدمه، بل ظاهر الصحيحة المتقدّمة و غيرها خلافه، منها: الأخبار التي فصّلت بين المريض و الصحيح، كصحيحة ابن أبي يعفور عن الصادق (عليه السلام) قال: قلت له: الرجل يرى في المنام و يجد الشهوة فيستيقظ فينظر فلا يجد شيئاً، ثمّ يمكث الهوين بعد فيخرج، قال: «إن كان مريضاً فليغتسل، و إن لم يكن مريضاً فلا شيء عليه، قلت: فما الفرق بينهما؟ قال: لأنّ الرجل إذا كان صحيحاً جاء الماء بدفقة قويّة، و إن كان مريضاً لم يجئ إلّا بعد» (4). و يقرب منه غيره (5)، و هو كما أنّه دالّ على انفكاكها بالنسبة للصحيح كذلك دالّ على نفي الحكم بالجنابة مع نفي الدفق خاصّة، و هو أيضاً ممّا يؤيّد ما ذكرنا.

فظهر لك بذلك كلّه ضعف القول بالاكتفاء بواحد منها، كما أنّ الظاهر ضعف القول باعتبار الدفق خاصّة؛ إذ ليس في الأدلّة ما يدلّ على أنّه يحكم بالجنابة بمجرّده، بل قد عرفت أنّ فيها ما يخالفه.

و أمّا الاستدلال عليه بقوله تعالى: (خُلِقَ مِنْ مٰاءٍ دٰافِقٍ) (6) فضعيف؛ إذ لا دلالة فيه على أن لا دافق غيره ممّا يخرج من الذكر حتى يكون وجوده دليلًا على كونه منيّاً. و أمّا ما سمعته 7 من العلّامة في القواعد [من الاكتفاء بالدفق و الشهوة] و المصنّف في النافع [من الاكتفاء بالدفق و فتور البدن] فقد عرفت أنّ الظاهر رجوعهما إلى اعتبار الثلاث؛ لمكان تلازم الشهوة للفتور و بالعكس، و مع فرض العدم فهما محجوجان بما سمعت.

لا يقال: إنّ المنيّ من الموضوعات التي يكتفى فيها بالظنّ، و لا ريب في حصوله بواحد من الصفات الثلاثة، بل و بالرائحة أيضاً و نحو ذلك.

لأنّا نقول: فرق واضح بين تحقّق الموضوع و بين معنى الموضوع، و أقصى ما يكتفى بالظنّ إنّما هو في الثاني دون الأوّل. و ممّا تقدّم ظهر لك وجه قول المصنّف.

____________

(1) 1، 2، 7 تقدّم في ص 13.

(3) الروض 1: 143.

(4) الوسائل 2: 195، ب 8 من الجنابة، ح 3.

(5) المصدر السابق: ذيل الحديث 3.

(6) الطارق: 6.

16

(و لو كان مريضاً كفت الشهوة و فتور الجسد في وجوبه) (1).

(و لو تجرّد عن الشهوة و الدفق- مع اشتباهه- لم يجب).

و هل المرأة كالرجل فيما ذكرنا من الأوصاف (2) أو لا؟ الأقوى الثاني (3)، و على الثاني فهل يكفي الشهوة من غير اعتبار غيرها، أو أنّها لا تلتفت إلى شيء من الأوصاف حتى تعلم أنّه منيّ؟ [فيه وجهان] (4).

____________

(1) مع عدم الخلاف فيه فيما أجد، و لعلّه:

1- لما سمعته من صحيح ابن أبي يعفور.

2- مضافاً إلى الحسن كالصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) على ما رواه الصدوق في العلل- حكاه في الوسائل- قال: «إذا كنت مريضاً فأصابتك شهوة فإنّه ربّما كان هو الدافق، لكنّه يجيء مجيئاً ضعيفاً ليس له قوّة- لمكان مرضك- ساعة بعد ساعة قليلًا قليلًا، فاغتسل منه» (1).

3- و صحيحة معاوية بن عمّار، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل احتلم فلمّا انتبه وجد بللًا قليلًا؟ قال: «ليس بشيء إلّا أن يكون مريضاً، فإنّه يضعف، فعليه الغسل» (2).

4- بل في خبر محمّد بن مسلم وجوب الغسل على المريض بالجنابة بمجرّد الشهوة و اللذّة في حال النوم و إن لم يجد شيئاً، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): رجل رأى في منامه فوجد اللذّة و الشهوة ثمّ قام فلم ير في ثوبه شيئاً، فقال: «إن كان مريضاً فعليه الغسل، و إن كان صحيحاً فلا شيء عليه» (3).

لكنّه قال في الحدائق: إنّه «لم يذهب إلى ذلك ذاهب من الأصحاب، و لم يرد به خبر آخر في الباب، بل ربّما دلّت الأخبار على خلافه» (4).

قلت: و هو كما قال، فوجب حمل الرواية على ضرب من التأويل، إمّا بأنّه لم يجد على ثوبه و إن رأى في رأس ذكره شيئاً، أو غير ذلك، أو طرحها.

(2) كما يقتضيه إطلاق العبارة [في الشرائع] و غيرها.

(3) لظهور ما سمعته من الصحيحة المتقدّمة (5) [عن عليّ بن جعفر] في الرجل.

(4) اختار بعض متأخّري المتأخّرين الأوّل (6). و لعلّه لما في بعض المعتبرة: «إذا جاءت الشهوة فأنزلت الماء وجب عليها الغسل» (7) و نحوه غيره (8).

و قد يتأمّل في الدلالة على ذلك مع الأصل. و منه يظهر وجه الثاني حينئذٍ، فتأمّل.

____________

(1) علل الشرائع: 288، ح 2. الوسائل 2: 196، ب 8 من الجنابة، ح 5.

(2) الوسائل 2: 194، ب 8 من الجنابة، ح 2.

(3) المصدر السابق: 195، ح 4.

(4) الحدائق 3: 21.

(5) تقدّم في ص 14.

(6) الرياض 1: 287.

(7) الوسائل 2: 189، ب 7 من الجنابة، ح 13.

(8) المصدر السابق: ح 14.

17

[وجدان المني في الثوب أو الجسد]:

(و إن وجد) المكلّف (على ثوبه أو جسده منيّاً) لا بللًا لا يعلم كونه منيّاً (وجب الغسل إذا لم يشركه في الثوب غيره) أي بأن لا يكون مختصّاً به (1). [و الأقوى في النظر عدم وجوب الغسل إلّا إذا علم بخروج المنيّ منه خروجاً لم يغتسل منه، بمعنى أن يعلم بالجنابة و إن لم يذكر وقتها].

____________

(1) فيكون عين ما عبّر به في المعتبر و القواعد و الإرشاد و التحرير و الذكرى و الدروس (1)، إلّا أنّه لم يذكر الجسد في المعتبر و التحرير.

و لعلّه لا خلاف من هذه الجهة، بل المقصود التمثيل، و لذا زاد بعضهم الفراش و نحوه (2).

نعم يحتمل ذلك بالنسبة إلى غيرها من العبارات، فوجب التعرّض لجملة منها:

قال الشيخ في النهاية: «إذا انتبه فرأى على فراشه أو ثوبه منيّاً و لم يذكر الاحتلام وجب عليه الغسل، فإن قام من موضعه ثمّ رأى بعد ذلك، فإن كان ذلك الثوب أو الفراش ممّا يستعمله غيره لم يجب عليه غسل، و إن كان ممّا لا يستعمله غيره وجب عليه الغسل» (3) انتهى.

و ظاهره اعتبار التفصيل بالاشتراك و الاختصاص بعد القيام من موضعه.

و من هنا اعترض عليه ابن إدريس (4) و تبعه عليه جملة ممّن تأخّر عنه بأنّه لا مدخليّة للقيام في ذلك.

و في المختلف: «التحقيق أنّه لا تنافي؛ لأنّ قصد الشيخ وجوب الغسل مع انتفاء الشركة و عدمه مع ثبوتها، و إنّما اعتبر هذا التفصيل مع القيام؛ لأنّه الغالب، و لم يعتبره مع عدم القيام لندوره» (5) انتهى.

قلت: و كيف كان، فالأمر سهل؛ إذ على تقدير إرادته ذلك فمرحباً بالوفاق، و إلّا كان محجوجاً بما تسمع إن شاء اللّٰه. نعم ظاهر عبارته [الشيخ] اختصاص الحكم في صورة الانتباه من النوم، كما هو ظاهر المصنّف في النافع (6) و صريح الفاضل في الرياض (7)، و قضية إطلاق كثير من الأصحاب خلافه.

و في المنتهى و التحرير (8) ذكر مسألتين: الاولى: «لو استيقظ الرائي فوجد المنيّ وجب الغسل» قال: «لأنّه منه، و لا اعتبار بالعلم بالخروج في وقته» ثمّ استدلّ عليه في الأوّل برواية عامّية (9) و موثّقة سماعة الآتية، ثمّ قال: «إنّ سماعة فيه قول، إلّا أنّ روايته متقبّلة عند الأصحاب، و النظر يؤيّدها».

____________

(1) المعتبر 1: 179. القواعد 1: 208. الإرشاد 1: 225. التحرير 1: 90. الذكرى 1: 221. الدروس 1: 95.

(2) الذكرى 1: 221.

(3) النهاية: 20.

(4) السرائر 1: 115.

(5) المختلف 1: 332.

(6) المختصر النافع: 32.

(7) الرياض 1: 289.

(8) المنتهى 2: 177، 178. التحرير 1: 89.

(9) مسند أحمد بن حنبل 6: 256.

18

..........

____________

الثانية: «لو رأى منيّاً في ثوبه» قال: «فإن اختصّ به وجب عليه الغسل» ثمّ استدلّ برواية عامّية (1) غير الاولى و رواية سماعة أيضاً. و علّله بأنّه لا يحتمل أن يكون من غيره.

و في التذكرة قال: «و لو رأى المنيّ على جسده أو ثوبه وجب الغسل إجماعاً؛ لأنّه منه، و إن لم يذكر الاحتلام» إلى أن قال: «و لو رأى في ثوبه المختصّ منيّاً وجب عليه الغسل و إن كان قد نزعه ما لم يشكّ أنّه مني آدميّ» (2) انتهى.

فلعلّ مقصوده- في الكتب الثلاثة- من المسألة الاولى: أنّه حيث يعلم المكلّف أنّ المنيّ خرج منه بهذه النومة مثلًا، إلّا أنّه لم يذكر وقت الاحتلام؛ فإنّه لا إشكال في وجوب الغسل حينئذٍ؛ و لذا نقل الإجماع عليه في التذكرة، بخلاف ما نحن فيه من الوجدان في الثوب المختصّ، فإنّه قد يقال بالاكتفاء فيه، إمّا للعمل بظاهر الحال كما يقتضيه المنقول من ظاهر نهاية الإحكام (3)، أو غير ذلك. و الذي عثرت عليه في الروايات ممّا يتضمّن هذا الحكم:

1- ما رواه الشيخ (4) في الموثّق عن سماعة، قال: سألته عن الرجل يرى في ثوبه المنيّ بعد ما يصبح و لم يكن رأى في منامه أنّه قد احتلم؟ قال: «فليغتسل و ليغسل ثوبه و يعيد صلاته» (5).

2- و ما رواه الكليني (6) في الموثّق أيضاً عن سماعة، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل ينام و لم يرَ في نومه أنّه قد احتلم فوجد في ثوبه و على فخذه الماء هل عليه غسل؟ قال: «نعم» (7).

و أمّا ما في خبر أبي بصير ممّا يعارض ذلك، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يصيب في ثوبه منيّاً و لم يعلم أنّه احتلم؟

قال: «ليغسل ما وجد بثوبه و ليتوضّأ» (8) فقد حمله الشيخ على الثوب المشترك (9)، و غيره على غيره كما ستسمع.

و كلام الأصحاب في المقام لا يخلو من اضطراب، و كشف الحال أن نقول: إنّ ما ذكروه من وجوب الاغتسال عند الوجدان في الثوب المختص و نحوه محتمل لوجوه ثلاثة، بل أربعة:

الأوّل: أن يكون قد جروا به على وفق القاعدة، و لا خروج فيه بشيء عنها، فلا بدّ من تقييد الروايات- كما لعلّه الظاهر من سياقها- و كلام الأصحاب بالعلم بخروج المنيّ منه خروجاً لم يغتسل منه، بمعنى علم الجنابة و إن لم يذكر وقت خروجه منه، فلا يكون فيه مخالفة لقاعدة نقض الطهارة بشكّ و لا غيره.

____________

(1) المغني (لابن قدامة) 1: 202.

(2) التذكرة 1: 223، 224.

(3) نهاية الإحكام 1: 101.

(4) التهذيب 1: 367، ح 1118.

(5) الوسائل 2: 198، ب 10 من الجنابة، ح 2.

(6) الكافي 3: 49، ح 7.

(7) الوسائل 2: 198، ب 10 من الجنابة، ح 1.

(8) المصدر السابق: ح 3.

(9) التهذيب 1: 368، ذيل الحديث 1119.

19

..........

____________

و ما يقال من أنّه يبعد حمل كلام الأصحاب عليه؛ إذ هو بيان للبديهيات، و كان يمكنهم الاكتفاء بما ذكروه قريباً منه متسالمين فيه أنّ الجنابة تحقّق بخروج المنيّ من المكلّف من غير اعتبار لشيء آخر أبداً، و أنّه حينئذٍ لا معنى للفرق بين الثوب المختصّ و المشترك؛ إذ المدار على العلم، و لا بين الاشتراك بين كونه دفعة أو على سبيل التناوب كما وقع من المحقّق الثاني و الشهيد الثاني (1).

يمكن الجواب عنه: بأنّه لعلّ ذلك لمكان تعرّض الروايات له، كما هي عادتهم في ذكر أحكام كثيرة مستغنى عنها؛ لمكان وجودها في الأخبار، أو لمكان الفروع التي تسمعها في مسألة الثوب المشترك، أو لما وقع فيها من الخلاف بين العامّة. فتعرّض ممّن عادته التعرّض لذلك، كما يقتضيه عبارة المرتضى المنقولة عنه في السرائر (2)، و كلام العلّامة في المنتهى (3) و غيره، و تبعهم غيرهم غفلة عن حقيقة الحال.

و لعلّ فرقهم بين المختصّ و غيره: أنّه غالباً يحصل العلم بسببه بخروج المنيّ منه أو لنحو ذلك، و لعلّ ذلك وجه الفرق بين الاشتراك النوبي أو الدفعي كما سمعته من المحقّق الثاني، إلّا أنّ الإنصاف أنّ ذلك بعيد في كلامه.

الثاني: أن يكون مقصودهم خروج هذه المسألة عن القاعدة المعلومة، و هي عدم نقض اليقين إلّا باليقين، فتكون مسألة تعبديّة صرفة، فيجب على الواجد الاغتسال حتى فيما لو احتمل أنّه من غيره.

كما عساه يظهر من الموجز الحاوي (4)، بل كاد يكون صريحه، كالمنقول عن نهاية الإحكام (5) من التعليل، و لعلّه ظاهر جامع المقاصد و الروض (6) و صريح الفاضل في الرياض، فإنّه قال في شرح عبارة النافع: «و يجب أن يغتسل المستيقظ إذا وجد منيّاً على جسده أو ثوبه الذي ينفرد به مع إمكان كونه منه و عدم احتماله من غيره؛ للموثّق و مثله في آخر، و ظاهر إطلاقهما جواز الاكتفاء بالظاهر هنا [عند وجدان المنيّ] عملًا بشهادة الحال، و نقل القطع به هنا عن الشيخ و الفاضلين و الشهيد و غيرهم، و عن التذكرة الإجماع عليه. و ينبغي الاقتصار فيه على ظاهر موردهما من وجدانه عليهما بعد الانتباه، كظاهر المتن؛ اقتصاراً فيما خالف الأصل المتيقّن- من عدم نقض اليقين إلّا بمثله الوارد في الصحاح و غيرها، المعتضد بالاعتبار و غيره- على القدر المتيقّن من الروايتين، فلا يجب الغسل بوجدانه مطلقاً، بل في الصورة المزبورة دون غيرها. و عليه يحمل الخبر- أي خبر أبي بصير-: «عن الرجل ... إلى آخره»، و حمله على ما سيأتي من الثوب المشترك كما عن الشيخ بعيد» (7) انتهى.

____________

(1) جامع المقاصد 1: 258. الروض 1: 144.

(2) السرائر 1: 115.

(3) المنتهى 2: 178.

(4) الموجز الحاوي (الرسائل العشر): 43.

(5) نهاية الإحكام 1: 101.

(6) جامع المقاصد 1: 258. الروض 1: 144.

(7) الرياض 1: 289.

20

..........

____________

قلت: و ربّما يؤيّده إطلاق بعض العبارات و ما سمعته في الوجه السابق، إلّا أنّ التأمّل في كلام الأصحاب يرشد إلى خلافه كالشيخ في المبسوط؛ لأنّه علّل وجوب الاغتسال بتحقّق خروجه منه (1)، و ابن إدريس في السرائر فإنّه نقل عن المرتضى أنّه قال: «عندنا أنّ من وجد ذلك في ثوب أو فراش ممّا لا يستعمله سواه، و لا يجوز فيما وجده من غيره، يلزمه الغسل و إن لم يذكر الاحتلام» و جعل ذلك مدار الفرق بين الثوب المشترك أو المختص، ثمّ نقل عنه كلاماً طويلًا يتضمّن التعرّض لنقل كلام العامّة و ردّه.

و حاصل ما يتحصّل من جميع كلامه: أنّ المدار على العلم؛ لعدم جواز نقض يقين الطهارة بغيره، إلى أن قال ابن إدريس بعده: «و هو واضح سديد في موضعه» (2).

و قد سمعت عبارة المنتهى (3) و تعليله بكونه لا يحتمل من غيره. و قد صرّح باعتبار العلم في كشف اللثام و المدارك و الذخيرة و شرح الدروس (4) و غيرها.

و يؤيّده أيضاً تعليلهم في مسألة الثوب المشترك بعدم نقض اليقين إلّا بمثله، مع عدم إشارة منهم إلى خروج المسألة الاولى عن القواعد و أنّها تعبّدية محضة عدا من عرفت.

على أنّه لا صراحة فيما سمعته من الروايات بإخراجها، بل و لا ظهور، بل المتبادر من سياقها حصول العلم كما يتّفق لنا في كثير من الأوقات بعد الاستيقاظ من النوم، سيّما رواية رؤيته على الجسد، و لعلّ السؤال عنها للردّ على بعض العامّة (5) الذي لا يوجب الغسل حتى يذكر الاحتلام، أو لحصول الاشتباه للراوي من عبارة سمعها منهم (عليهم السلام) أنّه لا يجب الاغتسال حتى يحصل الشهوة و الدفق و الفتور، فتخيّل أنّ ذلك شرط، أو نحو ذلك، فلا ينبغي قطع تلك القاعدة المعلومة بمثل هذين الخبرين. على أنّهما معارضان بخبر أبي بصير المتقدّم (6).

و ما وقع في عبارة الرياض من أنّه «نقل القطع به عن الشيخ و الفاضلين و الشهيد و غيرهم و عن التذكرة الإجماع عليه» (7) لعلّه سهو منه، و كأنّه عوّل في ذلك على عبارة كشف اللثام كما هي عادته، قال في كشف اللثام- بعد أن اعتبر العلم بكونه منه، و ذكر رواية سماعة، و قال بعدها بلا فاصل: و في نهاية الإحكام عملًا بالظاهر، و هو الاستناد إليه-: «و هو ممّا قطع به الشيخ و ابن إدريس و الفاضلان و الشهيد و غيرهم، و في التذكرة الإجماع عليه» (8) انتهى.

____________

(1) المبسوط 1: 28.

(2) السرائر 1: 115، 116.

(3) تقدّم في ص 17.

(4) كشف اللثام 2: 9. المدارك 1: 270. الذخيرة: 52. المشارق: 162.

(5) البحر الزخار 2: 99.

(6) تقدّم في ص 18.

(7) تقدّم في ص 19.

(8) كشف اللثام 2: 9.

21

..........

____________

قلت: و الظاهر أنّ مراده بالضمير [هو] أصل الحكم لا ما نقله عن نهاية الإحكام، كما يرشد إليه استقراء كلمات من نقل عنهم، فإنّ أكثرها كالصريح في اعتبار العلم سيّما إجماع التذكرة (1)، فإنّك قد عرفت أنّه لم ينقله على ما نحن فيه في أحد الوجهين، على أنّه علّله بما تقدّم.

و من العجيب ما وقع في الرياض أيضاً من تقييده أوّلًا بإمكان كون المنيّ منه و عدم احتماله من غيره، ثمّ اكتفائه بظاهر الحال، و كأنّه تبع في ذلك كاشف اللثام في مزجه لعبارة القواعد، لكنّك قد عرفت أنّه لم يكتف بظاهر الحال، بل اعتبر العلم، فصحّ له ذلك، بخلافه هو.

ثمّ إنّ اختياره اختصاص ذلك في صورة الانتباه كأنّه في غير محلّه؛ بناءً على المنقول إليه من إجماع التذكرة و غيره الذي يكون قرينة على التعدّي عن محلّ سؤال الروايتين، و الحاصل: أنّ التعرّض لما في كلامه يحتاج إلى تطويل.

الثالث: أن يراد بكلام الأصحاب ما هو المتعارف الوقوع، الكثير الدوران في غالب أفراد الناس، و هو أنّهم يجدون المنيّ في الثوب المختصّ و يعلمون أنّه منهم، لكن لم يعلموه أنّه من جنابة سابقة قد اغتسل عنها أو لاحقة متجدّدة، فإنّه حينئذٍ بمجرّد ذلك أوجبوا الاغتسال، و يكون المدار على نفي احتمال كونه من غيره، كما لعلّه تشعر به بعض كلمات بعضهم.

لا يقال: إنّ ذكر ذلك أيضاً قليل الفائدة كالوجه الأوّل؛ لأنّه من المعلوم أنّه إذا علم كون المنيّ منه يجب عليه الاغتسال.

لأنّا نقول: إنّه اشتباه؛ لأنّ العلم بكون المنيّ منه أعمّ من وجوب الاغتسال؛ إذ قد يكون من جنابة قد اغتسل عنها، و لا ينقض اليقين إلّا بيقين مثله.

لا يقال: إنّه يكون من قبيل من تيقّن الطهارة و الحدث و لم يعلم السابق منهما، فإنّه يجب عليه الاغتسال حينئذٍ، و قد ذكروا ذلك في محلّه، فأي فائدة لهم في ذكره هنا.

لأنّا نقول: إنّه فرق واضح بين ما نحن فيه و بين تلك المسألة؛ لأنّه في المقام لا يعلم حدوث جنابة غير الاولى، فكان الأصل عدمها كما هو كذلك في كلِّ ما شكّ في تعدّده و اتّحاده، بخلاف تلك؛ فإنّه من المعلوم وقوع الحدث و الطهارة، لكنّه جهل صفة السبق و اللحوق، و هنا لم يعلم أصل الوجود، فضلًا عن السبق و اللحوق، فحينئذٍ يكون كلام الأصحاب لبيان مسألة مخالفة للقواعد لمكان الروايات، و لا ينافيه ذكر العلم في كلام جملة منهم؛ إذ هو أعمّ من إيجاب الغسل.

و كأنّ هذا الوجه ليس ببعيد، بل هو أقرب من سابقه، إلّا أنّ الأقوى في النظر الوجه الأوّل، فلا يجب الاغتسال إلّا بالعلم بكونه منه، و أنّه من جنابة جديدة لم يغتسل منها و إن لم يعرف وقتها، و عليه تنزّل الروايات، و يحمل خبر أبي بصير المتقدّم 2- الذي ظاهره عدم وجوب الاغتسال- على صورة عدم العلم بكونه من جنابة سابقة أو لاحقة و إن علم بكونه منه، فإنّ رؤيته له بثوبه لا يقضي بأزيد من ذلك.

الرابع: احتمال كون المدار على مجرّد احتمال كونه منه تعبّداً محضاً، و يكون الفرق بين هذا و الوجه الثاني اعتبار المظنّة في المتقدّم دونه. و إذ قد عرفت ضعفه، فهذا بالطريق الأولى، فكان أصحّ الوجوه الأوّل.

____________

(1) 1، 2 تقدّم في ص 18.

22

و حينئذٍ لا فرق بين كون الثوب مختصّاً أو مشتركاً، تعاقباً أو دفعة (1).

____________

(1) و احتمال كون التعرّض لذلك [الفرق بين المختصّ و المشترك]- كما هو قضية عبارة المصنّف و غيره- من حيث كونه يفيد العلم أو لا يفيده، فيه: أنّه ليس من وظائف الفقيه؛ إذ هو مختلف باختلاف الأشخاص و الأزمان.

3/ 20/ 34 نعم، يتّجه البحث عن ذلك بناءً على خروج المسألة عن القواعد سيّما على الوجه الثاني و الرابع، فنقول: إنّك قد عرفت أنّ الموجود في الروايات «ثوبه»، و من المعلوم أنّ المتبادر كون الثوب ثوبه حال الوجدان، فلا عبرة بما وجده على ما كان ثوبه و إن علم أنّه لم يحدث من الشريك لكنّه لم يعلم كونه منه. كما أنّه من المعلوم شمول اللفظ للمملوك العيني و المنفعتي، مع الانتفاع فيه فعلًا و عدم المشارك فيه.

و هل يدخل فيه المستأجر أو المستعار؟ إشكال، سيما مع قصر الزمان؛ لصحّة السلب عنه، كالإشكال في المشترك فيه على التعاقب في الحكم بالجنابة على صاحب النوبة أو لا، و إن كان ظاهر إطلاق الأصحاب و تعليلهم بعدم نقض اليقين إلّا باليقين الثاني.

و اختار بعضهم الأوّل (1)؛ و ربّما علّل بأصالة التأخّر. و فيه: أنّها غير جارية في المقام؛ لمعارضتها بأصالة عدم وقوع الحدث منه؛ لاحتمال كونه من الشريك كما هو واضح. لا يقال: إنّه يصدق عليه في هذا الحال أنّه ثوبه. لأنّا نقول: و إن صدق الإضافة بأدنى ملابسة، لكن حقيقتها خلاف ذلك، و إلّا لوجب الحكم بجنابتهما معاً حيث يجدان المنيّ فيه دفعة، و إن كان في نوبة أحدهما؛ لصدق الثوبيّة على كلّ واحد منهما. و من العجيب ما عن الدروس، فإنّه استوجه أوّلًا إلحاق ذي النوبة بالمختصّ، ثمّ قال: «و لو لم يعلم صاحب النوبة فكالمعيّة» (2). و لا يخفى ما فيه؛ لأنّه إن كان المدار على العلم- كما هو قضية العبارة- سقط ما قاله أوّلًا، و إلّا فما قاله ثانياً، فتأمّل جيّداً.

و فروع المسألة بناءً على ذلك غير متناهية تخرج بالتأمّل، لكن ينبغي أن يقصر منها على المتيقّن؛ لمخالفتها للُاصول و القواعد، فلا يجري الحكم على الثوب المشترك فيه دفعة قطعاً، و على أحد الوجهين في التعاقب و إن قطعا بكونه من أحدهما؛ لأصالة البراءة بالنسبة إلى كلّ واحد منهما، و عدم جواز نقض اليقين إلّا بيقين مثله. و احتمال القول بوجوب غسلهما لصدق إضافة الثوب إلى كلّ واحد منهما ممّا لا ينبغي أن يصغى إليه؛ للقطع بعدم تناول الروايات لمثله، مع أنّك قد عرفت أنّ صدق الإضافة أعمّ من حقيقتها.

كالقول بالوجوب من باب المقدّمة؛ إذ من المعلوم أنّه لا يجب الفعل من مكلّف مقدّمة لفعل مكلّف آخر. و من هنا لم أعثر فيه على خلاف بين أصحابنا، بل لعلّه إجماعي، كما عساه يظهر من المنقول في السرائر (3) من خلاف المرتضى (رحمه الله)، و به صرّح بعض متأخّري المتأخّرين كصاحب المدارك (4) و غيره.

____________

(1) المسالك 1: 48- 49.

(2) الدروس 1: 95.

(3) السرائر 1: 115.

(4) المدارك 1: 269- 270.

23

نعم، يمكن القول بالاستحباب [أي في المشترك] تخلّصاً من شبهة الجنابة (1).

و هل يكتفي بهذا الغسل حتى لو علم بعد ذلك بأنّ الجنابة منه أو ما دام مجهول الأمر؟ (2) [الظاهر ذلك].

[حكم غير الغسل من جميع أحكام الجنابة]:

و إذ قد عرفت عدم وجوب الغسل على كلّ واحد منهما (3) إلّا أنّه هل يقضي ذلك بسقوط حكم الجنابة عنهما بالنسبة إلى كلّ فعلٍ فيكون حالهما كحال الطاهر من سائر الوجوه، أو أنّه يسقط بعض أحكامها بالنسبة إلى كلّ واحد منهما و تظهر الثمرة بائتمام كلّ منهما بالآخر و بانعقاد الجمعة بهما؟ (4)

و لعلّه [الثاني] الأقوى (5).

____________

(1) كما صرّح به في المبسوط و المعتبر و المنتهى و التذكرة و الذكرى و الدروس و النفلية و الروض و غيرها و عن الإصباح و نهاية الإحكام (1).

بل نسبه في شرح الدروس و الذخيرة إلى الأصحاب (2)، مشعرين بدعوى الإجماع عليه. و لعلّ وجهه حسن الاحتياط.

و صرّح بعض الأصحاب أنّه ينوي الوجوب في غسله (3).

و استغربه آخر (4) من حيث الحكم بالاستحباب مع نيّة الوجوب. و فيه: أنّه لا تنافي بين نيّة الوجوب الاحتياطية و استحباب هذا الاحتياط.

(2) استوجه المحقّق الثاني وجوب الإعادة لو علم بعد ذلك 5؛ و كأنّه لعدم الجزم بالنيّة في السابق، و ساغ لعدم إمكان غيره، أمّا مع الإمكان فلا. و فيه: أنّه خلاف ما يظهر من الأدلّة و كلام الأصحاب و ما يقتضيه أصل مشروعية الاحتياط، على أنّه يبعد تحقّق ما قاله في مثل المقام، أي في نحو ارتفاع الحدث؛ فإنّه إمّا أن يكون ذلك الغسل رافعاً له أو لا، فإن كان الأوّل ثبت المطلوب، و إلّا فلا معنى للحكم باستحبابه مع نيّة الرفع فيه.

و أمّا القول بأنّه يرتفع إلى أن يعلم بالجنابة فيعود، فلا تخفى بشاعته.

(3) لتمسّكه بأصالة الطهارة و غيرها.

(4) ظاهر التذكرة و المنتهى (6) و صريح المدارك و الذخيرة و شرح الدروس و الرياض (7) الأوّل، و خيرة المعتبر و الإيضاح و الدروس و البيان و جامع المقاصد و الروض (8) الثاني.

(5) لحصول العلم حينئذٍ بالجنب قطعاً.

____________

(1) المبسوط 1: 28. المعتبر 1: 179. المنتهى 2: 178. التذكرة 1: 224. الذكرى 1: 222. الدروس 1: 95. النفلية: 96. الروض 1: 144. إصباح الشيعة: 32. نهاية الإحكام 1: 101.

(2) المشارق: 162. الذخيرة: 52.

(3) 3، 5 جامع المقاصد 1: 259.

(4) الذخيرة: 52.

(6) التذكرة 1: 224. المنتهى 2: 179.

(7) المدارك 1: 270. الذخيرة: 52. المشارق: 163. الرياض 1: 290- 291.

(8) المعتبر 1: 179. الإيضاح 1: 46. الدروس 1: 95. البيان: 54. جامع المقاصد 1: 259. الروض 1: 144.

24

ففي مثل الائتمام يعلم أنّها إمّا صلاة جنب أو مع جنب، و كلّ منهما يُفسِد، و كذا يعلم فساد صلاة واحد من العدد [في الجمعة] (1).

____________

(1) و من هنا جعل الضابط في الإيضاح و جامع المقاصد: أنّ كلّ فعل توقّفت صحّته على صحّة فعل الآخر بطل المتوقّف خاصّة كما في الائتمام، و بطلا معاً إن كان التوقّف من الجانبين كما في عدد الجمعة، و أمّا إذا لم يتوقّف صحّة صلاة أحدهما على صلاة الآخر مثلًا و لو توقّف المعيّة صحّت الصلاتان (1).

و منعُ حصول حدث الجنابة إلّا مع تحقّق الإنزال من شخصٍ بعينه، يدفعه: أنّه منافٍ لما دلّ على تسبيب الإنزال الجنابة من غير اشتراط بشرط، كما هو واضح.

كوضوح فساد الاستدلال عليه بسقوط الغسل عن كلّ واحدٍ منهما؛ إذ ذلك لمكان التمسّك بالاستصحاب السالم عن معارضة باب المقدّمة، و هو حجّة ظاهرية لا يمنع العلم بحصول الواقع و مانعيّته لغير المستمسك، على أنّ تمسّك المأموم هنا بالاستصحاب بالنسبة إليه و إلى إمامه يذهب المعلوم واقعاً، كتمسّكه بطهارة ثوبه بعد إصابة كلّ من الإناءين له.

و كذا ما يقال: إنّ هذه الجنابة أسقط اعتبارها الشارع، و لذا أجاز لهما قراءة العزائم و اللبث في المساجد و نحو ذلك؛ إذ فيه:

أنّه مصادرة إن اريد سقوط اعتبارها حتى في مثل المقام، و ما ذكر من الأمثلة خارج عمّا نحن فيه قطعاً؛ لما عرفت من جواز تمسّكهما بالنسبة إلى أفعالهما الغير الموقوف بعضها على بعض بالاستصحاب.

نعم، قد يقال: إنّ أقصى ما ثبت من الأدلّة اشتراطه بالنسبة إلى الائتمام هو عدم علم المأموم بفساد صلاة الإمام، لا العلم بصحّتها، فوجود الجنابة حينئذٍ واقعاً لا يؤثّر فساداً في صلاة المأموم، كما أنّ عدم العلم بها من خصوص الإمام يصحّح الائتمام، و هو- أي عدم العلم- لا ينافي احتمال كونها منه، و هو كافٍ في رفع الجنابة عن المأموم.

و من هنا لم يظهر خلاف بين الأصحاب في جواز ائتمام الخارج عنهما بكلّ واحد منهما بفرضين، كأن يأتمّ بواحد منهما في الظهر، و في الآخر بالعصر، مع أنّه يعلم حينئذٍ وقوع الائتمام بالجنب في أحد الفرضين، فإنّه لو كانت الجنابة في الواقع مؤثّرة في فساد الائتمام لوجب عليه إعادة أحد الفرضين أو قضاؤه، و بطلان اللازم يظهر من التأمّل في كلمات الأصحاب، كحصر الضابط فيما تقدّم من الفخر و المحقّق الثاني.

لكن قد يقال: إنّه- بعد تسليم كون أقصى ما تفيده الأدلّة ذلك [عدم علم المأموم بفساد صلاة الإمام]- خروج عن المتنازع فيه؛ لأنّ الفرض توقّف صحّة فعل المأموم على صحّة فعل الإمام واقعاً لا ظاهراً، على أنّه من المستبعد جدّاً إمكان جريان هذه الدعوى في مثل انعقاد الجمعة بهما؛ لفساد صلاة واحد منهما قطعاً.

و الحاصل: أنّا ندّعي الفساد في مورد الضابط المتقدّم [و هو أنّ كل فعل توقّفت صحّته على صحّة فعل الآخر بطل المتوقّف] مع تقييد الصحّة بالواقعيّة، و بذلك يخرج الائتمام؛ لأنّ شرطه الصحّة الظاهرية في حقّ الإمام مع عدم العلم بخلافها، بل يمكن دعوى جوازه حتى لو علم المأموم بخلافها بعد فرض دخول الإمام بوجه شرعيّ، لكنّه لا يخلو من تأمّل و نظر، و لتفصيله مقام آخر.

____________

(1) الإيضاح 1: 46. جامع المقاصد 1: 259.

25

[و يحكم أيضاً] (1) [ب]- عدم جواز استئجارهما عن مشغول الذمّة بعبادة واجبة و نحوه (2).

[و يحكم أيضاً] (3) [ب]- وجوب إخراجهما من المسجد إن قلنا بوجوب إخراج الجنب على سائر المكلّفين؛ للتعظيم، و كذا قراءة العزائم، فتأمّل جيّداً.

[حكم ما صلّاه واجد المني في الثوب المختص]:

[و هل يجب إعادة الصلاة على واجد المنيّ في الثوب المختصّ؟] (4).

و الظاهر أنّه يجب عليه أن يعيد كلّ صلاة لا يحتمل سبقها على الجنابة (5).

____________

(1) و ممّا ذكرنا ينقدح [ذلك].

(2) للعلم بفساد صلاة أحدهما.

و ما يقال: إنّ تمسّك كلّ واحد منهما بالاستصحاب الذي هو حجّة شرعيّة يقضي بصحّة فعل كلٍّ منهما واقعاً ما دام الواقع غير منكشف، فلا ينافيه وجوب الإعادة بعد الانكشاف، و لا كون الطهارة شرطاً واقعيّاً.

يدفعه: ظهور ما دلّ على شرطيّة الصلاة مثلًا بالطهارة، و أنّ الاستصحاب حجّة ظاهرية لا يفيد سوى المعذوريّة، فلا يجوز استئجار مستصحب الطهارة مع علم المستأجر بمخالفة استصحابه للواقع، فكذلك ما نحن فيه، و لا يصلح الفرق بالعلم الإجمالي و التفصيلي، كما هو واضح عند التأمّل.

(3) و [كذلك] ينقدح أيضاً ممّا ذكرنا [آنفاً].

(4) و لم يتعرّض المصنّف لما يعيده من الصلاة واجد المنيّ في الثوب المختصّ.

(5) كما صرّح به في السرائر و المعتبر و المنتهى و التذكرة و التحرير و القواعد و الذكرى و الدروس و البيان و جامع المقاصد و الروض و المدارك و الذخيرة و شرح الدروس و الحدائق و الرياض (1).

و وجهه: أمّا بالنسبة للمعاد فواضح بناءً على ما ذكرنا؛ لحصول العلم حينئذٍ بوقوعه بعد جنابة، مع أنّ الطهارة شرط واقعي.

و أمّا بناءً على أنّ الجنابة من باب التعبّد فلعلّ وجهه:

1- الاتّفاق ظاهراً على وجوب إعادة ذلك، و من هنا جعله بعضهم القدر المتيقّن (2).

2- و لقوله (عليه السلام) في موثّق سماعة المتقدّم: «فليغتسل و ليغسل ثوبه و يعيد صلاته» (3).

3- و لظهور تنزيله حينئذٍ منزلة يقين الجنابة التي لم يغتسل منها إلّا أنّه لم يعلم الوقت بخصوصه، فأصالة التأخّر حينئذٍ تقضي بأنّه في آخر أوقات إمكانه.

____________

(1) السرائر 1: 126. المعتبر 1: 179. المنتهى 2: 179. التذكرة 1: 224. التحرير 1: 90. القواعد 1: 208. الذكرى 1: 221. الدروس 1: 95. البيان: 54. جامع المقاصد 1: 259. الروض 1: 144. المدارك 1: 270. الذخيرة: 51. المشارق: 162. الحدائق 3: 25. الرياض 1: 291.

(2) الرياض 1: 291.

(3) تقدّم في ص 18.

26

..........

____________

و في الكلّ نظر.

و كأنّ كلامهم هنا ممّا يرشد إلى بناء المسألة على ما ذكرنا من العلم بكون المنيّ منه و أنّه لم يغتسل منه إلّا أنّه لم يعلم الوقت بخصوصه، فيتّجه حينئذٍ وجوب إعادة ما يعلم تأخّره عنه.

و أمّا الوجه في عدم وجوب غيره فلأصالة الصحّة، و أصالة عدم تقدّم الغسل (1)، و أصالة البراءة في بعض أفراد المسألة كالقضاء و نحوه، بل يمكن أن يندرج تحت موضوع الشكّ بعد الفراغ، و لعلّه لذا لم يقع فيه خلاف بين الأصحاب عدا الشيخ في المبسوط، فقال: «ينبغي أن نقول: يجب أن يقضي كلّ صلاة صلّاها من [عند] آخر غسل اغتسل من جنابة، أو من غسل يرفع حدث الغسل» (2).

و لا أرى له وجهاً سوى الاحتياط.

و فيه: أنّه لا يقضي بالوجوب أوّلًا، و لا بإعادة جميع ما ذكر ثانياً؛ للعلم بعدم الجنابة في الصلاة المتخلّلة بين آخر الأغسال و أوّل نومة، مع أنّ مقتضاه وجوب إعادة ما صلّاه قبل الاغتسال؛ لاحتمال سبق الجنابة عليه فيقع ما صلّاه حينئذٍ في الجنابة.

اللّهمّ إلّا أن يدفع هذا و سابقه بأنّ مراده وجوب قضاء كلّ ما احتمل تقدّم الجنابة عليه، و يكون ذكره لآخر الأغسال من باب المثال.

و ربّما استدلّ له بما في موثّقة سماعة من الأمر بإعادة صلاته (3)، و هو كما ترى، كالقول بوجوب الاحتياط في المقام للشغل اليقيني.

و فيه: أنّه لا يتأتّى بالنسبة للقضاء أوّلًا، مع أنّ الفراغ اليقيني بأصالة الصحّة و نحوها حاصل ثانياً. و لذا حمل بعضهم (4) كلام الشيخ على إرادة اتّصال النوم بآخر الأغسال، و هو بعيد كما لا يخفى على من لاحظ كلامه.

و أبعد منه حمله على إرادة أنّه لبس ثوباً و نام فيه، ثمّ نزعه و صلّى في غيره أياماً، ثمّ وجد المنيّ فيه على وجه لا يحكم بكونه من غيره، مع أنّ الأخير لا يوجب إعادة ما صلّاه من آخر الأغسال، بل يوجب إعادة ما صلّاه بعد النومة في الثوب المنزوع، و لعلّ كلامه يحتمل وجوهاً غير ذلك لا فائدة في ذكرها.

هذا، و عن التلخيص: أنّه «يعيد ما صلّاه من آخر غسل و نوم» (5). فيحتمل أن يكون مراده موافقة الشيخ، أو يريد المتأخّر منهما إذا جوّز حدوث الجنابة بعد الغسل الأخير من غير شعور بها، أو يريد أنّه من آخر نومة إن لم ينزع الثوب، و آخر غسل إن نزعه.

____________

(1) في بعض النسخ: «تقدّم المفسد».

(2) المبسوط 1: 28.

(3) الوسائل 2: 198، ب 10 من الجنابة، ح 2.

(4) جامع المقاصد 1: 260.

(5) تلخيص المرام: 7.

27

هذا كلّه فيما يتعلّق بالحدث، و أمّا الخبث فسيأتي إن شاء اللّٰه أنّه لا يجب على الجاهل إعادة الصلاة لا في الوقت و لا في خارجه.

و بناءً على عدم المعذورية في الوقت يجب عليه أن يعيد ما صلّاه في الوقت، و انفكاك حكم الخبث عن الحدث هنا يتصوّر بحصول الغسل مثلًا مع الصلاة في الثوب.

(و) الأمر الثاني من الأمرين المسبّبين للجنابة: (الجماع، فإن جامع امرأة في قبلها و التقى الختانان وجب الغسل) بوجوب غايته من صلاة أو صوم أو نحو ذلك، بلا إشكال (1).

____________

(1) و لا خلاف فيه في الواطئ و الموطوء مع اجتماع شرائط التكليف، بل عليه الإجماع محصّلًا و منقولًا (1) نقلًا مستفيضاً كاد يكون متواتراً، بل هو كذلك كالسُنّة.

منها ما رواه الشيخ في صحيح زرارة عن الباقر (عليه السلام) قال: «جمع عمر بن الخطّاب أصحاب النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) و قال: ما تقولون في الرجل يأتي أهله فيخالطها و لا ينزل؟ فقالت الأنصار: الماء من الماء، و قال المهاجرون: إذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل.

فقال عمر لعليّ (عليه السلام): ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال عليّ (عليه السلام): أ توجبون عليه الحدّ و الرجم و لا توجبون عليه صاعاً من ماء؟! إذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل، فقال عمر: القول ما قاله المهاجرون، ودعوا ما قالت الأنصار» (2) و نحوه غيره (3).

و عليه يحمل ما في بعضها (4) من إيجاب الغسل بإيلاجه، و كذا ما في آخر (5) بإدخاله. كما أنّه يجب أن يقيّد بها [بصحيحة زرارة] مفهوم ما دلّ على حصر موجب الغسل في الانزال، كقوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «إنّما الماء من الماء» (6) و نحوه.

و ليس في الروايات على كثرتها ما ينافي ما تقدّم سوى خبر محمّد بن عذافر عن محمّد بن عمر بن يزيد، المرويّ في مستطرفات السرائر من نوادر محمّد بن عليّ بن محبوب، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام): متى يجب على الرجل و المرأة الغسل؟ فقال:

«يجب عليهما الغسل حين يدخله، و إذا التقى الختانان فيغسلان فرجيهما» (7).

و هو- مع الغضّ عمّا في السند، و عدم صلاحيّته لمعارضة غيره- محتمل لأن يراد من قوله (عليه السلام): «و إذا» تفسيراً لما قبله، أو يراد بالأوّل إدخاله تماماً، و الثاني إلى التقاء الختانين.

كلّ ذلك مع [إمكان] حمل قوله (عليه السلام): «فيغسلان فرجيهما» على إرادة فيغسلان فرجيهما و يغتسلان. و يحتمل أن يراد بالتقاء الختانين إنّما هو وضع الختان على الختان من غير إدخال إلى غير ذلك.

____________

(1) الخلاف 1: 124.

(2) التهذيب 1: 119، ح 314. الوسائل 2: 184، ب 6 من الجنابة، ح 5.

(3) الوسائل 2: 183، ب 6 من الجنابة، ح 2.

(4) المصدر السابق: 185، ح 8.

(5) المصدر السابق: 182، ح 1.

(6) عوالي اللآلي 3: 30، ح 79.

(7) السرائر 3: 609، و فيه: «عن محمّد بن عذافر، عن عمر بن يزيد». الوسائل 2: 185، ب 6 من الجنابة، ح 9، و فيه: «عن محمّد بن عمر بن يزيد، عن محمّد بن عذافر».

28

[وطء غير المكلّف]:

ثمّ إنّه لا فرق (1) بين كون الواطئ مكلّفاً أو غير مكلّف، كما أنّه بالنسبة للموطوءة كذلك، فيجب الغسل حينئذٍ (و إن كانت الموطوءة) مجنونة أو صبيّة أو (ميّتة) مع اجتماع شرائط الوجوب. نعم، هو لا يوجب الغسل شرعاً فعلًا على غير المكلّف، بل معناه أنّه مقتض للوجوب ما لم يفقد شرط أو يمنع مانع (2).

____________

(1) بعد التأمّل في كثير من الروايات (1) الدالّة على حصول الجنابة بالالتقاء المذكور.

(2) و لذا صرّح بوجوب الغسل بوطء الميتة في المبسوط و الخلاف و الوسيلة و الجامع و المعتبر و المنتهى و المختلف و الذكرى و الدروس و جامع المقاصد و الروض (2) و غيرها، بل هو قضية إطلاق الأصحاب و كذا إجماعاتهم.

و من هنا ادّعى عليه الإجماع في الرياض (3)، كما عساه يظهر من غيره حيث لم ينقل الخلاف فيه إلّا من أبي حنيفة (4).

و يدلّ عليه:

1- مضافاً إلى إطلاق النصّ و الفتوى.

2- و الإجماع المنقول.

3- الاستصحاب.

4- و غيره، من فحوى قوله (عليه السلام): «أ توجبون عليه الحدّ و لا توجبون عليه صاعاً من ماء؟!» (5).

فلا معنى للمناقشة في الحكم كما وقع من بعض متأخّري المتأخّرين كشارح الدروس و تبعه صاحب الحدائق (6). مع أنّ في بعض الأخبار إشعاراً به، كالخبر المرويّ عن عبد الرحمن بن التميم الدوسي في تفسير قوله تعالى (وَ الَّذِينَ إِذٰا فَعَلُوا فٰاحِشَةً) (7) إلى آخره، و الحديث طويل، ملخّصه: أنّ نبّاشاً كان ينبش القبور و يسرق الأكفان ثمّ تاب و قبلت توبته، و من جملة ما فعل أنّه نبش قبراً من قبور بنات الأنصار و سلبها أكفانها، قال: و لم أملك نفسي حتى جامعتها و تركتها مكانها، فإذا بصوت من ورائي يقول: يا شاب ويل لك من ديّان يوم الدين، يوم يقفني و إيّاك كما تركتني عريانة في عساكر الموتى، و نزعتني من حفرتي، و سلبتني أكفاني، و تركتني أقوم جُنُبة إلى حسابي، فويل لشبابك من النار (8) الحديث؛ فإنّ مقتضى صيرورتها جنبة بذلك أنّه هو أيضاً كذلك، فيجب عليه الغسل حينئذٍ.

____________

(1) انظر الوسائل 2: 182، ب 6 من الجنابة.

(2) المبسوط 1: 28. الخلاف 1: 117. الوسيلة: 55. الجامع للشرائع: 38. المعتبر 1: 181. المنتهى 2: 186. المختلف 1: 330. الذكرى 1: 221. الدروس 1: 95. جامع المقاصد 1: 257. الروض 1: 142.

(3) الرياض 1: 291.

(4) المغني لابن قدامة 1: 204.

(5) تقدّم في ص 27.

(6) المشارق: 162. الحدائق 3: 12.

(7) آل عمران: 135.

(8) البحار 6: 23، ح 26، و فيه: «عن عبد الرحمن بن غنم الدوسي».

29

نعم، الظاهر (1) أنّه لا يجب الغسل للميّت لا على الولي و لا على سائر المكلّفين (2).

لكن لا يبعد جريان أحكام الجنب الراجعة لغيرها عليها كالمجنونة و الطفلة، فلا يجوز وضعها في المساجد مثلًا، و لا مسّ الكتاب ببعض أجزاء بدنها و نحو ذلك على إشكال (3).

[المراد من التقاء الختانين]:

و المراد بالتقاء الختانين (4) تحاذي محلّ القطع من الرجل و الامرأة (5).

____________

(1) كما صرّح به غير واحد.

(2) لأصالة البراءة و غيرها.

(3) ينشأ: ممّا سمعته من الرواية و ظهور الأدلّة في تسبيب ذلك وصفَ الجنابة، و ليس من شرائطه التكليف، و لذا جرى في الطفل و المجنون و غيرهما. و من أنّا و إن قلنا: إنّ وصف الجنابة من باب الأسباب، إلّا أنّ المنساق من الأدلّة كونه على الأحياء دون الأموات.

(4) الموجود في النصّ و الفتاوى.

(5) كما صرّح به في المبسوط (1) و المعتبر (2) و المنتهى (3) و الذكرى (4) و الروض (5) و شرح الدروس (6) و الذخيرة (7) و غيرها؛ لتعذّر إرادة الالتقاء بمعنى مماسّة أحدهما للآخر؛ لأنّ مدخل الذكر أسفل فرج المرأة. و هو موضع خروج دم الحيض و المنيّ، و أعلى منه- على ما قيل 8- ثقبة، مثل الإحليل للذكر، و فوق ذلك لحم نابت كعرف الديك، و هو محلّ الختان في الامرأة، فإذا ادخل الذكر في الفرج لم يمكن أن يلاصق ختانه ختانها لما بينهما من الفاصل.

و ما في صحيح الحلبي عن الصادق (عليه السلام): «إذا مسّ الختان الختان» (9) كصحيح علي بن يقطين عن أبي الحسن (عليه السلام): «إذا وقع الختان على الختان» (10) يراد به حينئذٍ ما ذكرنا من أنّه يدخل الذكر إلى حدّ يكون محل الختان منها مقابلًا لمحل الختان منه بحيث لو لا المانع لتماسّا و لوقع أحدهما على الآخر، أو لمكان شدّة تقاربهما اطلق عليه اسم المماسّة و نحوها، بل قد يتّفق حصولها في بعض النساء التي لم يختتنّ. و على ذلك كلّه ينبّه ما في صحيحة محمّد بن إسماعيل بن بزيع عن الرضا (عليه السلام) بعد قوله: «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، فقلت: التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة؟ قال: نعم» (11).

____________

(1) 1، 8 المبسوط 1: 27.

(2) المعتبر 1: 180.

(3) المنتهى 2: 181.

(4) الذكرى 1: 220.

(5) الروض 1: 141.

(6) المشارق: 160.

(7) الذخيرة: 49.

(9) الوسائل 2: 183، ب 6 من الجنابة، ح 4.

(10) المصدر السابق: ح 3.

(11) المصدر السابق: ح 2.

30

فيكون المدار حينئذٍ على غيبوبة الحشفة (1).

ثمّ الظاهر (2) أنّ من لا ختان له- كمقطوع الحشفة- يتحقّق جنابته بدخول ذلك المقدار (3).

____________

(1) و به صرّح في المبسوط و الغنية و السرائر و المعتبر و المنتهى و الإرشاد و الذكرى و اللمعة (1) و غيرها من كتب المتقدّمين و المتأخّرين، بلا خلاف فيه بين الأصحاب على الظاهر.

و لعلّه لإطلاق الصحيح المتقدّم [عن الرضا (عليه السلام)] المؤيَّد بفتوى من سمعت يحكم بحصول الجنابة بغيبوبة الحشفة في الفرج و إن لم يكن في مدخله المعتاد، بل قد يدّعى أولويّته؛ لاتّفاق حصول المماسّة فيه حقيقة، كما إذا أدخلت المرأة الكبيرة حشفة الطفل الصغير فيما يقابل محل الختان منها فإنّ الظاهر تحقّق الغيبوبة بذلك، إلّا أن يدّعى انصرافه إلى المتعارف، سيّما بعد أن سمعت التصريح بأنّ المراد بالالتقاء المعنى المجازي، فإرادة المعنى الحقيقي حينئذٍ مع ذلك مستلزم لاستعمال اللفظ في حقيقته و مجازه. و حمله على عموم المجاز مجاز مرجوح بالنسبة إلى المجاز الأوّل.

(2) كما صرّح به غير واحد من الأصحاب، بل نسبه بعضهم (2) إليهم مشعراً بدعوى الإجماع، بل في شرح الدروس: «الظاهر الاتّفاق عليه» (3)، كما قد يظهر من آخر (4) نفي الخلاف فيه.

(3) لكون المنساق من الأدلّة المشتملة على التقاء الختانين إرادة التقدير بذلك لا الاشتراط، سيّما بعد خروجها مخرج الغالب.

و أمّا احتمال تحقّق جنابة نحو ذلك بمطلق الإدخال؛ لما سمعت من الأدلّة المحقّقة للجنابة به مع الاقتصار على المقيّد فيمن يكون له ختان، فهو:

1- مع منافاته لما تقدّم من الانسياق المذكور المؤيّد بفهم الأصحاب و استصحاب الطهارة.

2- ضعيف جدّاً.

3- مع عدم صراحة تلك الأدلّة بذلك؛ لاحتمال إرادة إدخال تمام الذكر- لقوله (عليه السلام) فيها: «إذا أدخله»، و في آخر: «إذا أولجه»- المتوقّف صدقه على إيلاجه جميعه.

و لعدم الجزم بإرادة ذلك منهما؛ لمكان احتمال إرادة الأوّل [أي إدخال مقدار الحشفة]، يظهر ضعف احتمال القول بتوقّف جنابة المقطوع على إدخال تمام الباقي، كاحتمال القول بعدم تحقّق الجنابة فيه أصلًا، أخذاً بمفهوم قوله (عليه السلام): «إذا التقى 3/ 30/ 53 الختانان» الصادق بسلب الموضوع، و بما سمعت من احتمال أن يراد بأخبار الإدخال و الإيلاج: اشتراط إدخال التمام المتعذّر في المقام، و خروج ذي الختان لا يقضي بخروج غيره. و في الكلّ من الضعف ما لا يخفى. مع إمكان الاستدلال بأخبار الإدخال و الإيلاج على المطلوب، بتقرير عدم إرادة التمام قطعاً كما في جامع المقاصد (5)؛ لمكان تحقّق الجنابة بغيبوبة الحشفة، فتعيّن إرادة البعض، و المتيقّن منه إرادة الحشفة أو مقدارها؛ لفهم الأصحاب.

____________

(1) المبسوط 1: 27. الغنية: 37. السرائر 1: 107. المعتبر 1: 180. المنتهى 2: 181. الإرشاد 1: 225. الذكرى 1: 220. اللمعة: 26.

(2) المدارك 1: 272.

(3) المشارق: 160.

(4) الحدائق 3: 13.

(5) جامع المقاصد 1: 277.

31

[و الظاهر] (1) تحقّق الجنابة بإدخال الذكر في المرأة التي ليس لها محلّ ختان (2). و أمّا مقطوع البعض (3) فهل يكفي غيبوبة الباقي منها مطلقاً أو مطلق الإدخال أو إدخال تمام الباقي من الذكر؟].

و الأقوى خلاف الجميع، بل لا بدّ من إدخال ما يتمّ به مقدار الحشفة، إلّا أن يكون الذاهب شيئاً لا يعتدّ به (4). و الظاهر ترتّب الحكم على إيلاج الملفوف (5).

____________

(1) و ممّا تقدم يعلم [ذلك].

(2) لما عرفت من عدم اشتراط ذلك. بل قد يظهر من المرتضى دعوى الإجماع عليه على ما نقل عنه (1).

و يؤيّده ما تسمعه إن شاء اللّٰه تعالى؛ من تحقّق الجنابة بالوطء في الدبر.

(3) ف [- إنّه] يزيد على الاحتمالات المتقدّمة احتمال تحقّق الجنابة بغيبوبة الباقي منها مطلقاً، كما عن التذكرة و الموجز الحاوي و جامع المقاصد (2)، و الموجود في الأخير اشتراط ما يبقى معه مسمّى الإدخال. و اختاره في كشف اللثام (3)، و لعلّه لمكان ما سمعت من التقييد يرجع إلى القول الثاني من اشتراط عدم ذهاب المعظم، كما في الذكرى و الروض (4).

(4) كما هو قضيّة إطلاق الأصحاب من اشتراط غيبوبة الحشفة أو مقدارها. و ما يقال من صدق التقاء الختانين. فيه: أنّك قد عرفت كون المنساق منها إرادة التقدير، كما يشعر به موافقتهم على ذلك حيث يكون الذاهب تمام الحشفة. و به يعرف ضعف التمسّك بإطلاق قوله (عليه السلام): «إذا أدخله» مع ما عرفت سابقاً، كضعف التمسّك بصدق غيبوبة الحشفة؛ إذ هو ممنوع إلّا مجازاً.

فالأصل و الاستصحاب و ما عرفت من انسياق إرادة التقدير و غيرها يدلّ على ما اخترناه.

(5) كما صرّح به في المنتهى و التذكرة و الإيضاح و الذكرى و الدروس و جامع المقاصد و الذخيرة و شرح المفاتيح (5)، بل في الأخير نسبته إلى الفقهاء مشعراً بدعوى الإجماع عليه. و به- مع ظهور تناول الأدلّة له من الالتقاء؛ لكون المراد منها المحاذاة كما عرفت، و صدق اسم الغيبوبة و الدخول و الوطء و الجماع- ينقطع الأصل، فلا يلتفت لما في القواعد (6) من التنظّر بذلك؛ لما تقدّم، و لاحتمال بقاء الالتقاء على حقيقته مع تسمية مدخل الذكر بالختان، مضافاً إلى كون المنساق من الأدلّة خلافه. و نحوه ما في نهاية الإحكام (7) من احتمال عدم حصول الجنابة؛ لأنّ استكمال اللّذة يحصل برفع الحجاب، و فيها احتمال التفصيل بين كون الخرقة ليّنة لا تمنع وصول بلل الفرج إلى الذكر و حصول الحرارة من أحدهما إلى الآخر، و ما ليست كذلك، فتحصل الجنابة بالاولى دون الثانية. و هما كما ترى.

____________

(1) المختلف 1: 330.

(2) لم نعثر عليه في التذكرة كما في مفتاح الكرامة 1: 333 حيث قال: «و نقله في كشف اللثام عن التذكرة و لم أجده فيها». الموجز الحاوي (الرسائل العشر): 43. جامع المقاصد 1: 276.

(3) كشف اللثام 2: 46.

(4) الذكرى 1: 224. الروض 1: 141.

(5) المنتهى 2: 192. التذكرة 1: 229. الإيضاح 1: 49. الذكرى 1: 224. الدروس 1: 95. جامع المقاصد 1: 277. الذخيرة: 51. المصابيح 4: 69.

(6) القواعد 1: 211.

(7) نهاية الإحكام 1: 96.

32

[الوطء في الدبر]:

(و إن جامع) بأن أدخل من ذكره ما تحقّق به الجنابة (في الدبر) أي دُبُر المرأة (و لم يُنزِل وجب الغسل على الأصح) (1).

____________

(1) لوجوه:

1- منها: صدق اسم الفرج عليه كما في المصباح المنير و مجمع البحرين و كذا القاموس (1)، و قد نسبه إلى اللغة غير واحد من الأصحاب، بل عن المرتضى- كما في السرائر- أنّه «لا خلاف فيه بين أهل اللغة» (2)، فيدخل حينئذٍ تحت ما دلّ على أنّ الإدخال و الإيلاج و الغيبوبة في الفرج موجب للغسل.

و احتمال أنّه و إن كان كذلك عند أهل اللغة، لكن العرف على اختصاصه بقُبُل المرأة، و هو مقدّم عليها، يدفعه- بعد تسليم كون العرف الآن كذلك-: أنّه معلوم الحدوث أو مظنونه، فلا يكون حجّة.

و يشعر به معلوميّة إطلاقه في الكتاب و السنّة على ذكر الرجل، كقوله تعالى: (وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حٰافِظُونَ)* (3) و غيرها من الأخبار (4)، مع عدم إطلاقه الآن عليه. و ممّا يشعر به أيضاً ما عن المرتضى (رحمه الله) من أنّه لا خلاف في شمول اسم الفرج له عند أهل الشرع (5). و كذا ما نقله غيره: من أنّ الفرج لما يشمل الدبُر لغةً و عرفاً كالعلّامة (رحمه الله) (6)، و به يظهر حدوث هذا العرف.

2- و منها: إطلاق قولهم: «إذا أدخله و أولجه أو غيَّب الحشفة فقد وجب الغُسل» الشامل للدُّبُر.

و ما يقال: إنّ المطلق ينصرف إلى المتعارف، يدفعه- بعد تسليم كون ذلك من المتعارف الذي يكون سبباً لحمل اللفظ عليه-: أنّه كذلك ما لم يعارضه فهم الأصحاب؛ لانقلاب الظنّ حينئذٍ بخلافه.

3- و منها: قوله تعالى: (أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ)* (7)؛ لصدق اسم الملامسة على الجماع في الدبُر قطعاً، فيحتاج الإخراج إلى دليل. و لا ينافيه ما ورد في تفسيره عن الباقر (عليه السلام): أنّه ما يريد بذلك إلّا المواقعة في الفرج (8)، بل يؤيّده؛ لما عرفت من صدق اسم الفرج عليها.

4- و منها: قوله (عليه السلام): «أ تُوجبون عليه الحدّ و لا تُوجبون عليه صاعاً من ماء؟!» (9)، و نحوه غيره ممّا دلّ على التلازم بينهما. لا يقال: إنّ من المعلوم بداهة ترتّب الحدّ على ما لا يوجب الغُسل. لأنّا نقول: إنّ المراد ما أوجبه ممّا يدخل تحت مسمّى الوطء و الجماع و نحو ذلك، لا ما أوجبه من القذف و نحوه كما هو واضح.

5- و منها: مرسل حفص بن سوقة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يأتي أهله من خلفها، قال: «هو أحد المأتيين، فيه الغسل» (10)، و هو منجبر بما تسمع، فلا يقدح الإرسال.

____________

(1) المصباح المنير 2: 138. مجمع البحرين 2: 322. القاموس المحيط 1: 202.

(2) نقله عن المرتضى في المختلف 1: 329. السرائر 1: 108.

(3) المؤمنون: 5.

(4) انظر الوسائل 1: 342، ب 25 من أحكام الخلوة.

(5) نقله في المختلف 1: 329.

(6) المختلف 1: 329.

(7) النساء: 43.

(8) الوسائل 1: 271، ب 9 من نواقض الوضوء، ح 4.

(9) الوسائل 2: 184، ب 6 من الجنابة، ح 5.

(10) الوسائل 2: 200، ب 12 من الجنابة، ح 1.

33

..........

____________

6- و منها: الإجماع المنقول على لسان ابن إدريس و المرتضى، قال الأوّل: «إنّه إجماع بين المسلمين» (1)، و قال الثاني على ما نقل عنه: «لا أعلم خلافاً بين المسلمين في أنّ الوطء في الموضع المكروه من ذكر و انثى يجري مجرى الوطء في القبل مع الإيقاب و غيبوبة الحشفة في وجوب الغسل على الفاعل و المفعول به و إن لم يكن إنزال، و لا وجدت في الكتب المصنّفة لأصحابنا الإمامية إلّا ذلك، و لا سمعت ممّن عاصرني منهم من الشيوخ نحواً من ستّين سنة يفتي إلّا بذلك، فهذه مسألة إجماع من الكلّ، و لو شئت أن أقول: معلوم ضرورة من دين الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) أنّه لا خلاف بين الفرجين في هذا الحكم؛ فإنّ داود و إن خالف في أنّ الإيلاج في القُبُل إذا لم يكن معه إنزال لا يوجب الغسل، فإنّه لا يُفرِّق بين الفرجين، كما لا يفرّق باقي الامّة بينهما في وجوب الغسل بالإيلاج في كلّ واحد منهما.

و اتّصل لي في هذه الأزمان عن بعض الشيعة الإماميّة: أنّ الوطء في الدُّبر لا يوجب الغسل تعويلًا على أنّ الأصل عدم الوجوب، أو على خبر يُذكر أنّه في منتخبات سعد أو غيرها، فهذا ممّا لا يلتفت إليه، أمّا الأوّل فباطل؛ لأنّ الإجماع و القرآن- و هو قوله تعالى: (أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ)*- يزيل حكمه، و أمّا الخبر فلا يعتمد عليه في معارضة الإجماع و القرآن، مع أنّه لم يفتِ به فقيه و لا اعتمده عالم، مع أنّ الأخبار تدلّ على ما أردناه؛ لأنّ كلّ خبر تضمّن تعليق الغسل بالجماع و الإيلاج في الفرج فإنّه يدلّ على ما ادّعيناه؛ لأنّ الفرج يتناول القُبُل و الدبُر؛ إذ لا خلاف بين أهل اللغة و أهل الشرع بذلك» (2) انتهى.

قلت: و يمكن للفقيه تحصيل الإجماع أيضاً في هذا الوقت؛ لندرة المخالف؛ إذ هو فتوى المبسوط في كتاب النكاح كظاهر صومه وصوم التهذيب و طهارة الوسيلة و إشارة السبق و السرائر و الجامع و المعتبر و النافع و المنتهى و التحرير و المختلف و الإرشاد و القواعد و الشهيد في الذكرى و الدروس كما عن سائر كتبه، و المحقّق الثاني في جامع المقاصد، بل عن سائر تعليقاته، و الشهيد الثاني في الروض و الروضة كما عن المسالك و كشف اللثام (3) و غيرها، و هو المنقول عن ابن الجنيد (4)، و هو ظاهر الإيضاح و التنقيح و كشف الرموز و يقرب منهما في الظهور اللمعة (5)، بل عساه الظاهر من المقنعة و الجمل و العقود و الغنية و المراسم و المهذّب (6)؛ لقوله فيها: «الجماع في الفرج»، بناءً على شموله للقُبُل و الدبُر.

____________

(1) السرائر 1: 107- 108.

(2) نقله في المختلف 1: 328.

(3) المبسوط 4: 243. و 1: 270. التهذيب 4: 320، ذيل الحديث 977. الوسيلة: 55. الإشارة: 67. السرائر 1: 107. الجامع للشرائع: 38. المعتبر 1: 180. المختصر النافع: 32. المنتهى 2: 183. التحرير 1: 90. المختلف 1: 325. الإرشاد 1: 225. القواعد 1: 208. الذكرى 1: 220. الدروس 1: 95. البيان: 54. جامع المقاصد 1: 256. فوائد الشرائع: 44. الروض 1: 141. الروضة 1: 91. المسالك 1: 49. كشف اللثام 2: 7.

(4) نقله في المختلف 1: 323.

(5) الإيضاح 1: 45. التنقيح 1: 93. كشف الرموز 1: 72. اللمعة: 26.

(6) المقنعة: 51. الجمل و العقود (الرسائل العشر): 160. الغنية: 37. المراسم: 41. المهذّب 1: 34.

34

..........

____________

و زاد في المراسم: « [و بالجماع في] الفرج إذا غيّب الحشفة و التقى الختانان». و لعلّه لذلك نسب بعضهم (1) إليه الخلاف. و فيه: أنّه إلى العدم أقرب؛ إذ قد يكون قصد بالأوّل التقدير للدّبُر و بالثاني لغيره. و ظاهر طهارة المبسوط و الخلاف (2) التردّد، كبعض متأخّري المتأخّرين (3)، و لم أعرف فيه مخالفاً على البتّ. نعم، نسبه بعضهم 4 إلى ظاهر الفقيه؛ و لعلّه لأنّه لم يذكر سوى رواية الحلبي الآتية، مع أنّه لا ظهور فيها أيضاً كما ستعرف، و نسبه آخر 5 إلى الشيخ في النهاية، و الموجود فيها: لا غسل في الجماع في غير الفرج مع عدم الإنزال (6) فيحتمل أن يريد بالفرج ما يشملهما. و ربّما قيل (7): إنّه ظاهر الكليني؛ لاقتصاره على مرفوعة البرقي الآتية الصريحة في عدم الغُسل، نعم قد يكون هو ظاهر الشيخ في الاستبصار و التهذيب (8)؛ لطعنه في مرسلة حفص السابقة و حملها على التقيّة، و عمله على ما ينافيها من الروايات، لكن قد عرفت أنّ غرضه في الاستبصار مجرّد الجمع. و كيف كان، فأقصى ما يقال في الاستدلال عليه: 1- بعد الأصل.

2- صحيحة الحلبي، قال: سُئل الصادق (عليه السلام) عن الرجل يصيب المرأة فيما دون الفرج، أ عليها غسل إذا أنزل هو و لم تنزل هي؟ قال:

«ليس عليها غسل، و إن لم يُنزل هو فليس عليه غسل» (9). 3- و مرفوعة البرقي عن الصادق (عليه السلام)، قال: «إذا أتى الرجل المرأة في دُبُرها فلم يُنزِل فلا غُسل عليها، و إن أنزل فعليه الغُسل، و لا غُسل عليها» (10). 4- و مرفوعة بعض الكوفيّين عنه (عليه السلام) أيضاً: في الرجل يأتي المرأة في دُبرها و هي صائمة [قال]: «لم ينقض صومها، و لا غُسل عليها» (11)، و نحوه مرسل علي بن الحكم (12). 5- و مفهوم قوله (عليه السلام): «إذا التقى الختانان فقد وجب الغُسل» (13) و قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «إنّما الماء من الماء» (14) خرج ما خرج و بقي الباقي. و في الجميع ما لا يخفى: 1- إذ الأصل لا يعارض ما سبق. 2- و صحيح الحلبي مبنيّ على اختصاص الفرج في قُبُل المرأة، و قد عرفت ما فيه، على أنّها تكون حينئذٍ عامّة و ما ذكرنا من قبيل الخاصّ، و لعلّ حملها على التفخيذ هو المتّجه. 3، 4- و مرفوعة البرقي لا جابر لها، مع احتمالها لعدم إدخال مقدار الحشفة، و كذلك المرسلتان الآخرتان [أي مرفوعة بعض الكوفيّين و مرسل عليّ بن الحكم]. 5- و أمّا المفهوم- فبعد تسليم حجّيته في المقام؛ لمكان خروجه مخرج الغالب، و ظهوره في إرادة مقدار ما يوجب الغسل في القُبُل- فهو من قبيل العام، و كذا المفهوم الثاني.

و الحاصل: لا ينبغي لمن له أدنى ممارسة في الفقه التشكيك في المقام بعد ما تقدّم، فلا حاجة للإطناب، فتأمّل جيّداً.

____________

(1) 1، 4، 5 المختلف 1: 324.

(2) المبسوط 1: 27. الخلاف 1: 116.

(3) المدارك 1: 274.

(6) النهاية: 19.

(7) الحدائق 3: 5.

(8) الاستبصار 1: 112، ذيل الحديث 373، و لم نعثر عليه في التهذيب.

(9) الوسائل 2: 199، ب 11 من الجنابة، ح 1.

(10) الوسائل 2: 200، ب 12 من الجنابة، ح 2.

(11) المصدر السابق: ح 3.

(12) المصدر السابق: 201، ذيل الحديث 3.

(13) الوسائل 2: 184، ب 6 من الجنابة، ح 5.

(14) عوالي اللآلي 2: 203، ح 112.

35

و كذا الكلام في دُبُر الغلام (1) [و أمّا ما يظهر من المصنّف] حيث قال: (و لو وطأ غلاماً فأوقبه و لم ينزل، قال المرتضى (رحمه الله) (1): يجب الغسل، معوّلًا على الإجماع المركّب و لم يثبت (2)) من القول بالعدم (2) [و الحق خلافه].

و ليعلم أنّه بناءً على المختار من تحقّق الجنابة في الدبرين، فهو على حسب تحقّقه بالنسبة إلى قُبل المرأة، فيجزي غيبوبة الحشفة (3). و يجري الكلام في مقطوعها مثلًا على حسبه هناك.

____________

(1) فإنّه لم يعرف فيه خلاف بين القائلين بوجوبه في دُبُر المرأة سوى ما يظهر من المصنّف هنا.

(2) كصريح المعتبر (3)، و تردّد في النافع (4)، و الحقّ خلافه وفاقاً للمشهور نقلًا (5) و تحصيلًا، بل قد عرفت:

أنّه لم يعرف القائل بالفصل بين المسألتين؛ و لذا قال في المختلف: إنّ كلّ من أوجبه في دُبُر المرأة أوجبه في دُبُر الغلام (6)، و نحوه ما نقله المصنّف (7) عن المرتضى (رحمه الله).

و قوله: «لم يثبت» كقوله في المعتبر: «لم أتحقّقه» 8 لا يصلح لأن يكون ردّاً بعد فرض حجّية مثل ذلك، مع كون الناقل مثل المرتضى.

على أنّ ما نقله عن المرتضى (رحمه الله) من التعويل على الإجماع المركّب غير ثابت، بل المنقول عن المرتضى- كما سمعت من عبارته (9)- الإجماع المحصّل بالنسبة إليهما، بل لو سُلِّم أنّه قال كما نقله عنه، فهو إجماع بسيط أيضاً؛ لما عرفت أنّه في المرأة ادّعى ذلك قطعاً، فبعد فرض أنّ كلّ من قال به بالنسبة إليها قال به هنا فهو إجماع بسيط أيضاً، نعم يتحقّق الإجماع المركّب لو كان هناك مخالف في المرأة. و كيف كان، فيدلّ عليه:

1- بعد الإجماع المنقول بسيطاً كما في السرائر (10) و عن المرتضى، و مركّباً كما في المختلف الذي يشهد له التتبّع لكلمات الأصحاب.

2- فحوى إنكار عليّ (عليه السلام) (11) و إطلاق قوله: «إذا أدخله» (12) و «أولجه» 13 و «غيَّب الحشفة» (14)، مع انجبارها بما سمعت.

3- و إطلاق حسنة الحضرمي المرويّة في الكافي عن الصادق (عليه السلام)، قال: «قال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم): من جامع غلاماً جاء جُنباً يوم القيامة لا ينقّيه ماء الدنيا» (15).

4- مع عدم صلاحية مستند الخصم للمعارضة؛ إذ هو الأصل، و بعض المفاهيم التي قد عرفت ما فيها.

(3) كما هو نصّ إجماع المرتضى و ابن إدريس.

____________

(1) نقله في المعتبر 1: 181.

(2) في الشرائع زيادة: «الإجماع».

(3) المعتبر 1: 181.

(4) المختصر النافع: 32.

(5) المفاتيح 1: 53.

(6) المختلف 1: 329.

(7) 7، 8 المعتبر 1: 181.

(9) تقدّم في ص 34.

(10) السرائر 1: 107- 108.

(11) الوسائل 2: 184، ب 6 من الجنابة، ح 5.

(12) 12، 13 المصدر السابق: 182، 183، ح 1، 2.

(14) المصدر السابق: 185، ح 1.

(15) الكافي 5: 544، ح 2. الوسائل 20: 329، ب 17 من النكاح المحرّم، ح 1.

36

[وطء الخنثى]:

ثمّ إنّه لا إشكال في تحقّق الجنابة بإيلاج الواضح في دبر الخنثى المشكل بالنسبة للواطئ و الموطوء. أمّا لو أولجت الخنثى في دبر الخنثى فلا تتحقّق الجنابة (1)، و كذلك لو أولجت في قبلها. نعم، لو تحقّق إنزال مع القول بعدم اشتراط خصوصية المجرى حصلت الجنابة حينئذٍ. و كذلك لا تتحقّق الجنابة لو أولج الواضح في قبل الخنثى (2). نعم، تتحقّق الجنابة لو أولجت في امرأة مع إيلاج الرجل فيها [الخنثى] (3).

و لو توالج الخنثيان فلا جنابة على أحدهما (4).

[وطء البهائم]:

(و لا يجب الغسل) و لا الوضوء (بوطء البهيمة) في القبل أو الدبر (إذا لم ينزل) و إن أدخل تمام ذكره (5).

____________

(1) لأصالة براءة الذمّة؛ لاحتمال الزيادة.

(2) لاحتمال كونه ثقباً كما صرّح به جماعة من الأصحاب. و احتمله [تحقّق الجنابة] العلّامة في التذكرة (1)؛ أخذاً بظاهر قوله (عليه السلام): «إذا التقى الختانان»، و هو جارٍ في سابقه أيضاً. لكنّه ضعيف؛ لظهور العهدية فيهما و إلّا لزم القول به مع تحقّق الرجوليّة.

(3) لأنّها إن كانت امرأة فقد اولج فيها، و إن كانت رجلًا فقد أولجت، و الرجل و الامرأة كواجدي المنيّ في الثوب المشترك، هذا إن قلنا: إنّه ليس هناك قسم ثالث [تدخل الخنثى فيه]، و إلّا فيحتمل عدم تحقّق الجنابة بذلك أيضاً، لكنّه لا يخلو من تأمّل.

(4) لمكان الاحتمال كما هو واضح.

(5) على المشهور، كما هو خيرة طهارة المبسوط و المعتبر و المنتهى و الإرشاد و القواعد و جامع المقاصد و المسالك و الروض (2)، و كاد يكون صريح الوسيلة و الجامع و السرائر (3)؛ لتقييدهم غيبوبة الحشفة في فرج آدميّ، و هو المنقول عن الخلاف قال: إنّ الذي يقتضيه مذهبنا عدم الوجوب (4) انتهى.

لكنّي لم أجده فيما حضرني من النسخة، و لعلّه سقط منها، بل الذي وجدته في باب الصوم منه ما يقضي بظاهره وجوب الغسل، قال فيه: «إذا أولج في بهيمة و لم يُنزل فليس لأصحابنا فيه نصّ، لكنّ مقتضى المذهب أنّ عليه القضاء؛ لأنّه لا خلاف فيه، و أمّا الكفارة فلا تلزمه؛ للأصل، و كذا الحدّ، بل يجب عليه التعزير» (5) انتهى. فإنّ مقتضى إيجابه القضاء تحقّق الفساد في ذلك، و منه يظهر حينئذٍ وجوب الغسل، و يشعر به استظهارهم من صوم المبسوط (6) القول بوجوب الغسل؛ لحكمه بالقضاء كما ستعرف.

____________

(1) التذكرة 1: 227- 228.

(2) المبسوط 1: 28. المعتبر 1: 181. المنتهى 2: 186. الإرشاد 1: 225. القواعد 1: 208. جامع المقاصد 1: 257. المسالك 1: 50، و فيه: «و الأصحّ الوجوب». الروض 1: 142.

(3) الوسيلة: 55. الجامع للشرائع: 38. السرائر 1: 107.

(4) الخلاف 1: 117.

(5) الخلاف 2: 191.

(6) المبسوط 1: 270.

37

..........

____________

و كيف كان، فالحجّة على عدم الوجوب: 1- أصالة البراءة السالمة عن المعارض. 2- و استصحاب يقين الطهارة. 3- و قضاء مفهوم قوله (عليه السلام): «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل» (1). 4- و مفهوم ما دلّ على قصر الغسل على الإنزال من شرط و غيره- كالحصر في قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «إنّما الماء من الماء» 2 و نحوه- على الأصح من العموم في المفهوم، و خروج البعض غير قادح في الحجّة.

خلافاً لظاهر الشيخ في صوم المبسوط؛ لإبطاله الصوم بوطء البهيمة (3)، و صريح العلّامة في المختلف و الشهيد الثاني في الروضة و الاستاذ المعظّم الآغا في شرحه و شيخنا الفاضل في الرياض (4)، و قوّاه الشهيد في الذكرى (5)، و هو المنقول عن المرتضى (رحمه الله)، بل يظهر منه دعوى الإجماع عليه و كونه من المسلّمات. قال- على ما حكاه عنه في المختلف عند الكلام على وجوبه في دبر المرأة و ادّعائه الإجماع على ذلك-: «و أمّا الأخبار المتضمّنة لإيجابه عند التقاء الختانين فليست مانعة من إيجابه في موضع آخر لا التقاء فيه لختانين، على أنّهم يوجبون الغسل بالإيلاج في فرج البهيمة و في قُبُل المرأة، و إن لم يكن هناك ختان، فقد عملوا بخلاف ظاهر الخبر، فإذا قالوا: البهيمة و إن لم يكن في فرجها ختان فذلك موضع الختان من غيرها، فكذلك من ليس بمختون من الناس» (6) انتهى. و هو ظاهر في دعوى الإجماع. و يؤيّده- مضافاً إلى ذلك- مفهوم الأولويّة في قوله (عليه السلام): «أ توجبون عليه الحدّ و الرجم و لا توجبون عليه صاعاً من ماء؟!» (7). بل في المرسل المرويّ في بعض كتب الأصحاب: «ما أوجب الحدّ أوجب الغسل» (8).

و ما يقال في المناقشة في الأوّل: بأنّه ظاهر في أنّ إيجاب الصاع من الماء أولى من إيجاب الحدّ مع الرجم لا الحدّ فقط.

ضعيف بل المتبادر خلافه، و ذكر الرجم لكونه كذلك في المقام، و إلّا فالرجم ليس في جميع أفراد الزنا، فالمقصود منه بحسب الظاهر: أنّ سبب الحدّ و الغسل متّحد؛ إذ هو مسمّى الوطء، فيتّحد في الدلالة مع المرسل. و به يظهر ضعف ما يقال في دلالة المرسل من أنّ كثيراً من أسباب الحدّ لا توجب غسلًا، على أنّه لو سلّم ذلك فأقصاه يكون من باب العامّ المخصوص، فلا يقدح في حجّيته.

نعم، قد يناقش في الدلالة لو قلنا: إنّ الثابت على وطء البهيمة إنّما هو تعزير لا حدّ، و يأتي التحقيق فيه إن شاء اللّٰه تعالى.

كما [يقال في المناقشة] في الثاني: بأنّه لا جابر له في المقام. و فيه: أنّ ما عرفته من إجماع المرتضى كافٍ في الجبر. و كأنّ العمدة في إثبات المطلوب الإجماع، لكنّه في استفادته من عبارة المرتضى تأمّل و تردّد، و إلّا فبعد تسليم الدلالة في بعضها لا تصلح للمعارضة؛ إذ هي ما بين أصل أو عموم مفهوم.

____________

(1) 1، 2 تقدّم في ص 34.

(3) المبسوط 1: 270.

(4) المختلف 1: 330. الروضة 1: 91. المصابيح 4: 68. الرياض 1: 293.

(5) الذكرى 1: 221.

(6) نقله في المختلف 1: 330، و فيه: «من ليس بمختون من النساء».

(7) تقدّم في ص 27.

(8) المسالك 1: 50.

38

لكنّ الظاهر أنّه يُقتصر في الحكم حينئذٍ على وطء البهيمة على معنى كون البهيمة موطوءة (1)، أمّا لو كانت فاعلة (2) [فعدم وجوب الغسل لا يخلو من قوّة].

(تفريع):

[تفريع] [حكم الكافر]:

(الغسل) من الجنابة أو غيرها (يجب على الكافر عند حصول سببه) على نحو المسلم كسائر الفروع (3). فلا ينبغي الإشكال حينئذٍ في وجوبه عليه بعد الإسلام، و عدم صحّة الصلاة بدونه، و إن سلّمنا عدم وجوبه عليه حال الكفر، فيكون من قبيل وطء الصبي و المجنون و نحوهما (4).

(لكن لا يصحّ منه في حال كفره) (5).

____________

(1) كما هو المتبادر من إضافة المصدر الواقع في الفتوى.

(2) فلم أعرف أحداً من الأصحاب نصّ عليه عدا الشهيد الأوّل في الذكرى، و الثاني في الروضة (1)، فإنّه يظهر منهما تساوي الحكم في المقامين. و لعلّ التمسّك بالأصل و استصحاب الطهارة و غيرها لا يخلو من قوّة، فتأمّل جيّداً.

(3) لعموم ما دلّ على التكليف بها، و لا يمنع من ذلك عدم التمكّن من الصحيح حال الكفر؛ لأنّ ما بالاختيار لا ينافي الاختيار.

على أنّ الإيمان من شرائط الوجود التي يجب على المكلّف تحصيلها، فلا مانع من التكليف حال عدمها مع التمكّن منها، و خلاف أبي حنيفة (2) ضعيف كما بُيّن في محلّه. على أنّ ما نحن فيه من الأغسال من قبيل خطابات الوضع التي يجب مسبّبها حيث يصل الإنسان إلى قابلية التكليف.

(4) و لعلّه لما سمعته لم أجد خلافاً فيما نحن فيه، بل يظهر من بعضهم دعوى الإجماع عليه (3)، بل الظاهر تحصيله على الوجوب حال الكفر فضلًا عن حال الإسلام.

(5) 1- لعدم التمكّن من نيّة القربة، و نجاسة محلّ الغسل. 2- و للإجماع المنقول (4) على شرطيّة الإيمان في صحّة العبادات. و من الأخير يعلم بطلان عبادة المخالف أيضاً و إن كانت موافقة لما عند الشيعة؛ إذ الظاهر أنّ المراد بالإيمان هو المعنى الأخصّ. و هل يسقط عنه إعادته لو استبصر إذا لم يخلّ بشيء منه على ما هو عليه من المذهب كغيره من العبادات عدا الزكاة؟

وجهان: 1- من عموم ما دلّ (5) على عدم وجوب إعادة شيء من عباداته لو استبصر عدا الزكاة. 2- و احتمال كون الإيمان المتأخّر شرطاً و لو متأخّراً، فيكون حينئذٍ كاشفاً عن صحّة ما وقع، سيّما إذا كان ما جاء به على مقتضى مذهبه موافقاً لما عند الشيعة. و من أنّ المخالف ليس بأولى من الكافر الأصلي في التحقيق حتى ورد في حقّه أنّ: «الإسلام يجبُّ ما قبله» (6).

____________

(1) الذكرى 1: 221. الروضة 1: 91.

(2) المغني لابن قدامة 1: 206.

(3) المدارك 1: 276.

(4) الروض 2: 949.

(5) انظر الوسائل 1: 125، ب 31 من مقدّمة العبادات.

(6) عوالي اللآلي 2: 54، ح 145.

39

و مع ذلك (فإذا أسلم وجب عليه) الغسل (1)، (و يصحّ منه) (2).

(و لو اغتسل ثمّ ارتدّ) الكافر بعد إسلامه و اغتساله (ثمّ عاد لم يبطل غسله) (3).

3/ 40/ 72

و لو كان الارتداد عن فطرة، فإن قلنا بعدم قبول توبته مطلقاً في الظاهر و الباطن فلا إشكال في عدم صحّة الغسل منه و إن كان مكلّفاً به (4).

و إن قلنا بقبول توبته في الباطن دون الظاهر احتُمل القول بصحّة الغسل منه كسائر العبادات و إن جرى عليه حكم الكفر بالنسبة إلى غيرها من الأحكام كالقتل و عدمه.

و احتمل القول بصحّته بالنسبة إليه و إن جرت عليه أحكام الجنب بالنسبة إلينا، و كذلك طهارة بدنه و نجاسته، فتأمّل جيّداً.

و يأتيك التحقيق إن شاء اللّٰه في محلّه (5).

فيجب على الصبيّ الغسل بعد بلوغه لو أولج في صبية أو اولج فيه من صبيّ أو بالغ، و تجري عليه أحكام الجنب الراجعة لغيره كمنعه من المساجد مثلًا و قراءة العزائم و مسّ كتابة القرآن، إن قلنا بوجوب مثل ذلك على الوليّ أو عليه و على غيره.

و كذا يجري عليه حكم كراهة سؤره مثلًا، و نحو ذلك من فوائد النذر و اليمين (6).

____________

(1) عندنا، بلا خلاف أجده فيه.

(2) لموافقته للشرائط جميعها؛ إذ الظاهر أنّ المراد بكونه يجبّ ما قبله إنّما هو بالنسبة للخطابات التكليفية البحتة، لا فيما كان الخطاب فيها وضعيّاً كما فيما نحن فيه؛ فإنّ كونه جُنباً يحصل بأسبابه، فيلحقه الوصف و إن أسلم، فكذا المخالف. و لعلّ الأوّل أقوى.

(3) لعدم الدليل على كون الردّة ناقضة للغسل، كما هو واضح.

و لو حذف قوله [المحقّق]: «ثمّ عاد» لكان أخصر و أوضح.

(4) و لا قبح؛ لأنّ ما بالاختيار لا ينافي الاختيار.

مع احتمال أن يقال: إنّه لا تتوجّه إليه الخطابات، لكنّه يعاقب عقاب التارك المختار.

(5) و إذ قد تقدّم منّا الإشارة إلى كون غسل الجنابة من قبيل خطابات الوضع وجب التعرّض لبعض الكلام في المسألة، فنقول:

يظهر من جماعة من الأصحاب- بل لا أجد فيه مخالفاً على القطع- كونه [غسل الجنابة] كذلك.

(6) و به صرّح في المعتبر (1) و المنتهى (2) و الدروس (3) و الروض (4).

____________

(1) المعتبر 1: 181.

(2) المنتهى 2: 187- 188.

(3) الدروس 1: 95.

(4) الروض 1: 140.

40

..........

____________

و توقّف فيه في التذكرة و التحرير (1) و الذكرى (2) و الذخيرة (3)، و كأنّ وجه الإشكال هو أنّ خطابات الجنابة من قبيل الأسباب أو الأحكام. و منه ينقدح الإشكال حينئذٍ في وطء المجنون و المجنونة و إنزالهما.

و لعلّ التأمّل في الأدلّة يُشرف الفقيه على القطع بكونه من قبيل الأسباب، سيّما في مثل الإنزال من المجنون، و كيف؟! مع ورود قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «إنّما الماء من الماء» (4)، و قوله (عليه السلام): «فأمّا المنيّ فهو الذي يسترخي له العظام و يفتر منه الجسد، و فيه الغسل» (5)، و قوله (عليه السلام) بالنسبة إلى الوطء في دبر المرأة: «هو أحد المأتيّين، فيه الغسل» (6)، و قوله (عليه السلام): «إذا وقع الختان على الختان فقد وجب الغسل» (7) و نحو ذلك.

و ما يقال: إنّ ظاهر الأدلّة أنّها من التكاليف؛ لمكان اشتمالها على الأمر و لفظ الوجوب و نحوهما التي هي من أحكام المكلّف، مع ظهور كون حصولها عند حصول السبب، و لا يتمّ ذلك كلّه إلّا في المكلّف.

يدفعه: أنّا نقول بمقتضى ظاهرها من الوجوب و نحوه، أقصى ما هنالك أنّه غير مخاطب به في ذلك الوقت، و تخلّف مقتضى السبب لفقد شرط أو وجود مانع لا ينافي السببيّة شرعاً، فيكون من قبيل وطء الحائض و نحوه. على أنّه لا ينبغي التأمّل في شمول الخطابات المذكورة له [للصبي] حال البلوغ، فيدخل تحت قوله (عليه السلام): «إذا التقى الختانان وجب الغسل» (8).

و دعوى أنّ المراد من المكلّفين تقييدٌ للأدلّة من غير مقيّد، كدعوى أنّ المراد وجوب الغسل في وقت الالتقاء، فحيث لا يحصل وجوب في ذلك الوقت لم يكن الخطاب شاملًا. و هو بديهيّ البطلان.

و الحاصل: أنّ معنى قوله (عليه السلام): «إذا التقى ... إلى آخره» التقاء الختانين موجب للغسل، و لا ريب في شمول ذلك لما نحن فيه.

لا يقال: إنّه لا إشكال و لا نزاع في جريان أحكام الجنب عليه بعد البلوغ مثلًا، إنّما الإشكال قبله.

لأنّا نقول: إنّه لا وجه لذلك؛ إذ جريان الأحكام عليه بعد البلوغ إنّما هو لحصول وصف الجنابة، و الاتّصاف بالجنابة غير موقوف على تحقّق البلوغ، و إلّا لم يكن سبب الجنابة الإنزال و الجماع، بل هو مع البلوغ. و هو خلاف ظاهر النصّ و الفتوى.

و بذلك كلّه تعرف أنّه لا وجه لما يقال: إنّه لا أقلّ من الشكّ في أنّ الإنزال و الجماع سبب للجنابة مطلقاً أو هو بشرط البلوغ، أو أنّه ليس من باب الأسباب أصلًا بل من قبيل الأحكام، و الأصل براءة الذمّة ممّا عرفته من انقطاع ذلك بظاهر النصّ و الفتوى.

____________

(1) التذكرة 1: 228- 229. التحرير 1: 91.

(2) الذكرى 1: 223- 224.

(3) الذخيرة: 51.

(4) تقدّم في ص 34.

(5) الوسائل 2: 190، ب 7 من الجنابة، ح 17.

(6) الوسائل 2: 200، ب 12 من الجنابة، ح 1.

(7) الوسائل 2: 183، ب 6 من الجنابة، ح 3.

(8) المصدر السابق: ح 2.

41

ثمّ إنّه [هل يستباح له بالغسل ما ذكر من الأحكام؟] (1)

قلت: لا ينبغي الإشكال في صحّة غسله و اكتفائه- بعد البلوغ- به، بناءً على أنّ عبادة الصبيّ شرعيّة.

[و أمّا بناءً على كونها تمرينيّة فلعلّ الأقوى العدم] (2).

كما أنّه لا ينبغي الإشكال في وجوب تجديده لو بلغ (3).

[و لعلّ الأقوى عدم وجوب الإعادة بناءً على كون المراد بالشرعيّة أنّه يستحبّ تشبّهه بالبالغ].

هذا كلّه في السبب.

[أحكام الجنابة]:

(و أمّا الحكم):

[أوّلًا: ما يحرم على الجنب]

[أوّلًا: ما يحرم على الجنب]:

1- (فيحرم عليه قراءة كلّ واحدةٍ من) سور (العزائم) (4).

____________

(1) قال في الذكرى: «و في استباحة ما ذكر من الأحكام بغسله الآن وجهان، و كذا في اكتفائه به لو بلغ، و الأقرب تجديده» (1) انتهى.

(2) نعم يتّجه الوجهان بناءً على كونها تمرينيّة، فإنّه يحتمل جريان أحكام البالغ على غسله مثلًا، و يحتمل العدم، و لعلّه الأقوى.

(3) لعدم رفع الحدث بالغسل الأوّل بعد كونه تمرينيّاً، فلا يكون قوله [الشهيد]: «الأقرب» في محلّه.

و لعلّه بناه على الشرعيّة، فإنّ له وجهاً، بناء على كون المراد بالشرعيّة أنّه يستحب تشبّهه بالبالغ، لا أنّه تجري عليه الأحكام؛ و لذا يجب عليه إعادة الصلاة لو بلغ في الوقت.

و لعلّ الأقوى خلافه، و فرق بين المثال [و هو الصلاة، التي هي من خطابات التكليف] و ما نحن فيه [و هو الغسل، الذي هو من خطابات الوضع].

(4) كما في المعتبر (2) و المراسم (3) و غيرهما (4).

و كثير من الأصحاب عبّر بلفظ العزائم من دون ذكر لفظ السورة كما في الهداية (5) و جمل الشيخ (6)

____________

(1) الذكرى 1: 224.

(2) المعتبر 1: 186.

(3) المراسم: 42.

(4) المقنعة: 52.

(5) الهداية: 95.

(6) الجمل و العقود (الرسائل العشر): 160.

42

..........

____________

و مبسوطه و الوسيلة و السرائر و النافع و المنتهى و التذكرة و القواعد و الإرشاد و الذكرى و الدروس (1) و غيرها.

و الظاهر أنّ مراد الجميع سور العزائم كما يشعر به قول جملة منهم، و أبعاضها؛ لظهور إرادة أبعاض السور، لا آيات العزائم.

بل في الهداية: «و هي الم السجدة و حم السجدة ... إلى آخرها».

و في التذكرة: «و هي أربع: سورة سجدة لقمان و حم السجدة ... إلى آخرها».

و في مجمع البحرين: «و عزائم السجود فرائضه التي فرض سبحانه و تعالى السجود فيها، و هي الم تنزيل و حم السجدة و النجم و اقرأ، كذا في المغرب نقلًا عنه، و هو المروي أيضاً» (2) انتهى.

و لعلّه بما سمعته منه [مجمع البحرين] يظهر أنّ مراد المرتضى في الانتصار (3) ذلك أيضاً؛ لتعبيره بعزائم السجود، على أنّ في آخر كلامه ما يشعر بإرادة السور أيضاً.

و أمّا ما في الغنية: «و يحرم عليه قراءة العزائم الأربع سجدة لقمان و حم السجدة و النجم و اقرأ» إلى أن قال:

«كلّ ذلك بدليل الإجماع المشار إليه» (4) فلعلّ مراده السور أيضاً.

و مثله العلّامة في المنتهى، مع أنّه قال فيه: «يتناول التحريم السورة و أبعاضها» (5) فيكون كاشفاً عن إرادته بالأوّل السورة.

و كذلك الشيخ في الخلاف [قال]: «سور العزائم التي هي: سجدة لقمان و حم السجدة و النجم و اقرأ» (6) فإنّ ذكره أوّلًا السورة قرينة على المطلوب.

و كذا الجامع لابن سعيد فإنّه قال: «و عزائم القرآن و هنّ أربع: سجدة لقمان و حم السجدة و النجم و اقرأ» (7).

و كيف كان، فلا ريب أنّ الذي يظهر للمتأمّل من كلمات الأصحاب أنّ مراد الجميع إنّما هو السور لا نفس الآيات. و من هنا نقل الإجماع على السور في المعتبر و التذكرة و الروض (8). و في المدارك: «أنّ الأصحاب قاطعون بتحريم السور كلّها، و نقلوا عليه الإجماع» (9) انتهى. و نسب بعضهم نقل الإجماع على ذلك إلى جماعة (10).

____________

(1) المبسوط 1: 29. الوسيلة: 55. السرائر 1: 117. المختصر النافع: 32. المنتهى 2: 215. التذكرة 1: 235. القواعد 1: 210. الإرشاد 1: 225. الذكرى 1: 193. الدروس 1: 96.

(2) مجمع البحرين 6: 114.

(3) الانتصار: 121.

(4) الغنية: 37.

(5) المنتهى 2: 216.

(6) الخلاف 1: 100.

(7) الجامع للشرائع: 39.

(8) المعتبر 1: 187. التذكرة 1: 235. الروض 1: 145.

(9) المدارك 1: 278.

(10) الذخيرة: 52.

43

(و) كذا يحرم (قراءة بعضها) (1) و لا فرق في الحرمة بين سائر الأبعاض (حتى البسملة، إذا نوى بها إحداها) (2).

____________

(1) كما في المنتهى و القواعد و الإرشاد و الذكرى و الدروس و الروض (1) و غيرها، بل في الذكرى و الروض: الإجماع عليه، بل قد يستظهر الإجماع من كلّ من حكاه على حرمة قراءة السورة؛ إذ الظاهر عدم إرادة شرطيّة الإتمام للسورة.

(2) كما في القواعد (2) و غيرها، بل في الروض الإجماع عليه، بل على لفظة «بسم» أيضاً (3). و لعلّه أخذه من الإجماع المتقدّم على حرمة البعض؛ لأنّ البسملة بعد القصد تكون جزءاً من السورة عندنا، و جزؤها جزء أيضاً، فلا إشكال في الحكم هنا بالنظر إلى كلمات الأصحاب و إجماعاتهم. نعم، قد استشكله بعض متأخّري المتأخّرين بالنظر إلى الأخبار؛ إذ الوارد فيه موثّق زرارة و محمّد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام): الحائض و الجنب يقرءان شيئاً؟ قال: «نعم ما شاءا إلّا السجدة» (4). و نحوه حسنته أو صحيحته أيضاً (5). قال: و هما مع قصور سندهما لا دلالة فيهما على تحريم ما عدا نفس السجدة، فتكون الحرمة مختصّة بها (6).

و في كشف اللثام: «أنّ ذلك [اختصاص الحرمة بآية السجدة] محتمل الانتصار و الإصباح و الفقيه و المقنع و الهداية و الغنية و جمل الشيخ و مبسوطه و مصباحه و مختصره و الوسيلة» (7) انتهى. قلت: قد عرفت منشأ الاحتمال من التعبير بلفظ العزائم و نحوه، لكن قد ظهر لك أنّ المراد خلافه بقرينة الإجماعات المتقدّمة. و أمّا ما ذكره في الروايات من الطعن في السند فالظاهر خلافه، كما هو واضح لمن لاحظ أسانيدها. مع أنّه نقل عن الصدوق في علل الشرائع أنّه روى في الصحيح عن زرارة قال:

قلت: فهل يقرءان من القرآن شيئاً ... إلى آخره (8)، و بعد التسليم فهو منجبر بما سمعت. كما أنّ ما ذكروه بالنسبة للمتن كذلك، مع أنّ الظاهر خلافه أيضاً؛ و ذلك لأنّه لا بدّ من تقدير مضاف؛ إذ لا يراد السجدة التي هي وضع الجبهة قطعاً، و هو إمّا أن يكون لفظ السورة أو الآية، و لعلّ الأوّل أولى؛ لاشتهار التعبير عن السور بنحو ذلك من الألفاظ المشهورة كالبقرة و آل عمران و الأنعام و الرحمن، مع أنّه الموافق لفهم الأصحاب و الإجماعات المتقدّمة. و يشهد له أيضاً ما في المعتبر؛ حيث قال: «يجوز للحائض و الجنب أن يقرءا ما شاءا من القرآن إلّا سور العزائم الأربع، و هي «اقرأ» و «النجم» و «تنزيل السجدة» و «حم السجدة». روى ذلك البزنطيّ في جامعه عن المثنّى عن الحسن الصيقل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و هو مذهب فقهائنا أجمع» 9 انتهى. و ما عن الفقه الرضويّ: «إلّا سور العزائم» (10) و عدّدها. فلا ينبغي الإشكال في الحكم المذكور من هذه [الجهة]. نعم، لو لا الإجماع المتقدّم على حرمة البعض لأمكن تخصيص التحريم بقراءة السورة خاصّة لا البعض؛ لكون السورة اسماً للمجموع، و بقراءة البعض لا يتحقّق الصدق، سيّما إذا كان المقصود من أوّل الأمر البعض.

____________

(1) المنتهى 2: 216. القواعد 1: 210. الإرشاد 1: 225. الذكرى 1: 193. الدروس 1: 96. الروض 1: 145.

(2) القواعد 1: 210.

(3) الروض 1: 145.

(4) التهذيب 1: 27، ح 67. الوسائل 2: 216، ب 19 من الجنابة، ح 4، مع اختلاف يسير.

(5) الوسائل 2: 217، ب 19 من الجنابة، ح 7.

(6) المدارك 1: 278- 279.

(7) كشف اللثام 2: 32- 33.

(8) 8، 9 علل الشرائع: 288، ح 1. المعتبر 1: 186- 187.

(10) فقه الرضا (عليه السلام): 84. المستدرك 1: 465، ب 12 من الجنابة، ح 1.

44

و الظاهر صدق قراءة البعض على الكلمات، و أمّا الحروف فوجهان، سيّما إذا كان المقصد من أوّل الأمر ذكر بعض الحروف لا تمام الكلمة. و لعلّ التفصيل بذلك- فيقتصر في الحرمة على ما إذا ذكر بعض الحروف بنيّة الإتمام ثمّ قطع، دون ما إذا كان قصده من أوّل الأمر البعض من الكلمة الخاصّة- لا يخلو من قرب (1).

و [لم تحرم البسملة إذا نواها من غير سور العزائم، أو لم ينو شيئاً] (2)، و به يظهر الفرق بين المختصّ و المشترك.

و لو قرأ لفظة زاعماً أنّها من المشترك ثمّ في أثنائها علم أنّها من المختص، فهل له إتمامها- لأنّ الباقي يكون حينئذٍ من البعض الذي ذكرنا جوازه- أو لا؟ وجهان، أقواهما الثاني.

2- (و) من جملة أحكامه: أنّه يحرم عليه المسّ بما يتحقّق فيه صدق اسم (مسّ كتابة القرآن) (3).

____________

(1) لعدم صدق اسم القراءة عرفاً.

(2) [إذ] يستفاد من تقييد المصنّف [في الشرائع] حرمة البسملة بما إذا نواها منها [من العزائم] عدم الحرمة إذا نوى خلاف ذلك، أو لم ينو، كسائر الألفاظ المشتركة بين العزائم و غيرها، و هو كذلك.

(3) بلا خلاف أجده فيه، سوى ما نقل عن ابن الجنيد (1) من الحكم بالكراهة، مع احتمال إرادته منها الحرمة؛ و لذا [لاحتمال إرادته الحرمة] أو لعدم الاعتناء بخلافه نقل الإجماع عليه جماعة، منهم الشيخ في خلافه، و السيّد ابن زهرة في الغنية، و المصنّف في المعتبر، و العلّامة في المنتهى و التذكرة، و الشهيد في الروض (2)، بل في المعتبر و المنتهى نسبته إلى علماء الإسلام، و مع استثناء داود في التذكرة.

و ما في المدارك من نسبة الكراهة إلى الشيخ في المبسوط (3) لعلّه سهو؛ إذ الموجود فيما حضرني من نسخته الحكم بالحرمة (4)، و كذا ما نقله المقداد عن القاضي (5)؛ إذ المنقول لنا من عبارة المهذّب صريح في الحرمة (6). اللّهمّ إلّا أن يكون في غيره، لكنّه لم ينقل عنه أحد غيره ذلك.

و يدلّ عليه- مضافاً إلى ما سمعت-:

1- جميع ما تقدّم في حرمة المسّ مع الحدث الأصغر من الكتاب و السنّة، فلاحظ و تأمّل لتعرف ذلك و تعرف كثيراً من الأبحاث السابقة ممّا يتعلّق بالمسّ و بكتابة القرآن و غيرهما.

2- و كذا ما تقدّم بالنسبة إلى وجوب منع الصبيّ و نحوه عن المسّ مع الجنابة، فإنّ فيه قولين أيضاً كما هناك، و الدليل الدليل، و الترجيح الترجيح، فتأمّل جيّداً.

____________

(1) نقله في المختلف 1: 353.

(2) الخلاف 1: 99- 100. الغنية: 37. المعتبر 1: 187. المنتهى 2: 220. التذكرة 1: 238. الروض 1: 145.

(3) المدارك 1: 279.

(4) المبسوط 1: 29.

(5) التنقيح 1: 96.

(6) المهذّب 1: 34.

45

3- (أو شيء عليه اسم اللّٰه سبحانه) (1).

____________

(1) كما في المبسوط (1) و الغنية (2) و المراسم (3) و الوسيلة (4) و المهذّب (5) و السرائر (6) و الجامع (7) و المعتبر (8) و المنتهى (9) و الإرشاد (10) و القواعد (11) و التذكرة (12) و التحرير (13) و الذكرى (14) و الدروس (15) و غيرها، بل لا أجد فيه خلافاً سوى ما يظهر من بعض متأخّري المتأخّرين (16) ممّن لا يقدح خلافه في تحصيل الإجماع؛ و لذا حكاه عليه في الغنية، و نسبه في المنتهى (17) و غيره إلى الأصحاب مشعراً بدعواه أيضاً، و عن نهاية الإحكام نفي الخلاف فيه (18).

و يدلّ عليه:

1- مضافاً إلى ذلك.

2- موثّقة عمّار بن موسى عن الصادق (عليه السلام)، قال: «لا يمسّ الجنب درهماً و لا ديناراً عليه اسم اللّٰه» (19).

3- و يؤيّده- مع ذلك-: أنّه المناسب للتعظيم.

و ما يقال:

1- من الطعن في [سند] الرواية.

2- و معارضتها:

____________

(1) المبسوط 1: 29.

(2) الغنية: 37.

(3) المراسم: 42.

(4) الوسيلة: 55.

(5) المهذّب 1: 34.

(6) السرائر 1: 117.

(7) الجامع للشرائع: 39.

(8) المعتبر 1: 187.

(9) المنتهى 2: 220.

(10) الإرشاد 1: 225.

(11) القواعد 1: 210.

(12) التذكرة 1: 238.

(13) التحرير 1: 92.

(14) الذكرى 1: 270.

(15) الدروس 1: 96.

(16) المدارك 1: 280.

(17) الغنية: 37. المنتهى 2: 220.

(18) نهاية الإحكام 1: 101.

(19) الوسائل 2: 214، ب 18 من الجنابة، ح 1.

46

..........

____________

أ- بما رواه المحقّق نقلًا عن كتاب الحسن بن محبوب عن أبي الربيع عن الصادق (عليه السلام): في الجنب يمسّ الدراهم، و فيها اسم اللّٰه و اسم رسوله (صلى الله عليه و آله و سلم)، قال: «لا بأس به، ربّما فعلت ذلك» (1).

ب- و بموثّقة إسحاق بن عمّار عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: سألته عن الجنب و الطامث يمسّان بأيديهما الدراهم البيض؟ قال:

«لا بأس» (2).

جو بما في المعتبر نقلًا من جامع البزنطيّ عن محمّد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) قال: سألته هل يمسّ الرجل الدرهم الأبيض و هو جنب؟ فقال: «و اللّٰه إنّي لُاوتى بالدرهم و آخذه و إنّي جنب، و ما سمعت أحداً يكره من ذلك شيئاً، إلّا أنّ عبد اللّه بن محمّد كان يعيبهم عيباً شديداً، يقول: جعلوا سورةً من القرآن في الدرهم، فيعطى الزانية و في الخمر و يوضع على لحم الخنزير» (3).

3- و من أنّه لا دليل على وجوب التعظيم، فلذا كان الحكم بالكراهة متّجهاً عند بعض المتأخّرين (4).

ممّا لا ينبغي أن يصغى إليه:

أ- أمّا الطعن فهو- على تقدير تسليمه- منجبر بما عرفت من الإجماع المنقول الذي يشهد له التتبّع لفتاوى الأصحاب.

ب- و به يتّضح عدم مقاومة الرواية الاولى لها. على أنّها غير صريحة في الدلالة على مسّ الاسم، و كونه فيها أعمّ من ذلك، مع عدم الجابر لدلالتها.

جو أمّا ما سمعته من المنقول عن جامع البزنطيّ، فهو- مع ابتنائه على معروفيّة نقش الدرهم الأبيض بلفظ الجلالة- لا صراحة فيه في المطلوب؛ إذ أخذه أعمّ من ذلك.

و أمّا ما في ذيله فهو- مع دلالته على جواز مسّ كتابة القرآن المنقوشة على الدرهم، و قد عرفت في السابق ما يدلّ على فساده- محتمل لكونه من غير الإمام (عليه السلام)، و لُامور اخر، بل ينبغي القطع بذلك عند التأمّل. و أمّا ما ذكره من عدم وجوب التعظيم، فهو مسلّم إن اريد به زيادة التعظيم، و كذا يمكن تسليمه في التعظيم الذي لا يكون تركه تحقيراً، و أمّا التعظيم الذي يكون تركه تحقيراً فلا ينبغي الإشكال في وجوبه، بل لعلّه من ضروريات المذهب، بل الدين، و لعلّ ما نحن فيه من هذا القبيل، و إن كان ليس لأهل العرف نصيب في معرفة التحقير بالنسبة للجنابة و نحوها، إلّا أنّهم يحكمون بذلك من جهة مؤانسة الشرع كمنعه من دخول المساجد و مسّ كتابة القرآن و نحوهما.

على أنّه يمكن دعوى وجوب التعظيم الذي لا يكون تركه تحقيراً من قوله تعالى: (وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعٰائِرَ اللّٰهِ فَإِنَّهٰا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (5).

نعم، أقصى ما يسلّم من عدم وجوبه إنّما هو زيادة التعظيم، كوضع القرآن مثلًا في أعلى الأماكن و أرفعها و نحو ذلك؛ لأصالة البراءة و قضاء السيرة به، مع عدم تناهي أفراد زيادة التعظيم، فتأمّل.

____________

(1) المعتبر 1: 188. الوسائل 2: 215، ب 18 من الجنابة، ح 4.

(2) الوسائل 2: 214، ب 18 من الجنابة، ح 2.

(3) المعتبر 1: 188.

(4) البحار 81: 64، ذيل الحديث 41.

(5) الحج: 33.

47

و هل يختصّ الحكم بلفظ «اللّٰه» خاصّة؟ (1)

أو يجري الحكم في كلّ اسم من أسمائه؟ (2)

أو يختصّ الحكم بلفظ الجلالة و ما يجري مجراه بالاختصاص به تعالى كالرحمن؟ وجوه.

[و لعلّ المتعيّن هو الأوسط] (3).

و الأولى حينئذٍ إلحاق سائر الأعلام في سائر اللغات (4).

[و لعلّ الأقوى عدم حرمة المسّ إذا جعل جزء اسم ك«عبد اللّٰه»].

ثمّ إنّ [حرمة المسّ لا تعمّ الجزء الذي لم يكتب عليه الاسم] (5).

و [هل يلحق باسمه تعالى أسماء الأنبياء و الأئمّة (عليهم السلام) أو لا؟] (6).

____________

(1) كما في الموجز الحاوي (1)، و محتمل بل ظاهر عبارة المصنّف و كلّ من عبّر بتعبيره، سيّما إذا قلنا: إنّ المتبادر الإضافة البيانية، و كذلك الرواية.

(2) كما لعلّه الظاهر من الغنية و الوسيلة و الجامع (2)؛ لقوله في الأوّل: «أو اسم من أسماء اللّٰه تعالى» و في الثاني:

«كلّ كتابة معظّمة من أسماء اللّٰه» و الثالث: «كلّ كتابة فيها من أسماء اللّٰه»، و محتمل عبارة المصنّف و نحوها على جعل الإضافة لاميّة.

(3) و لعلّ التعظيم و إجماع الغنية (3) و الاحتياط تؤيّد الأوسط.

(4) كما قيل: إنّ «الأولى تعميم المنع لما جعل جزء اسم كما في «عبد اللّه»؛ للاحتياط، و قصد الواضع اسمه تعالى عند الوضع، و احتمال عموم النصّ و الفتوى، و خصوصاً مع بيانيّة الإضافة، مع احتمال العدم» (4)، بل لعلّه الأقوى؛ للأصل، و الخروج عن اسمه بالجزئيّة.

(5) ظاهر عبارة المصنّف و ما ماثلها، بل الرواية أيضاً يعطي تحريم مسّ الشيء الذي عليه الاسم و إن لم يمسّ نفس النقش. لكن ينبغي القطع بعدم إرادته؛ إذ لا يحرم مسّ اللوح العظيم مثلًا إذا كان مكتوباً في أحد نواحيه لفظ الجلالة كما يشعر به- بل يدلّ عليه- إطلاق جواز مسّ أوراق القرآن من دون مسّ الكتابة؛ و لذا صرّح جماعة بأنّ المراد ب«- ما عليه» في النصّ و الفتوى نفس النقش.

(6) ظاهر المصنّف و غيره و صريح بعض (5) الأصحاب اختصاص الحكم باسم اللّٰه دون أسماء الأنبياء و الأئمّة (عليهم السلام)؛ للأصل السالم عن المعارض.

____________

(1) الموجز الحاوي (الرسائل العشر): 43.

(2) الغنية: 37. الوسيلة: 55. الجامع للشرائع: 39.

(3) الغنية: 37.

(4) كشف اللثام 2: 35.

(5) المعتبر 1: 188.

48

و لعلّ الأولى الإلحاق (1) لكنّ الأولى قصر الحكم بما [يقصد بالكتابة] (2)، فلا يجري الحكم بالنسبة للأسماء المتعارفة الآن عند الناس و إن كان المقصود التشرّف بها، مع احتمال التعميم (3).

4- (و) يحرم على الجنب أيضاً (الجلوس في المساجد) (4) [بل الأقوى حرمة الدخول مطلقاً إلّا للاجتياز].

____________

(1) كما في المبسوط و الغنية و الوسيلة و المهذّب و السرائر و الجامع و الإرشاد و الذكرى و الدروس و اللمعة و جامع المقاصد و الروضة (1) مع التقييد في الأخير بمقصوديّة الكاتب (2)، و حكاه في كشف اللثام عن المقنع و جمل الشيخ و مصباحه و مختصره و الإصباح و أحكام الراوندي و التبصرة (3)، و نسبه في جامع المقاصد إلى الأكثر و كبراء الأصحاب (4). و في الغنية الإجماع عليه (5): 1- و هو الحجّة. 2- مضافاً إلى ما سمعته من دعوى تعارف نقش اسم الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) على الدرهم، فيدلّ عليه حينئذٍ الموثّقة (6) [أي موثّقة عمّار بن موسى]، و يتمّ بعدم القول بالفصل. و إن كان في ذلك ما فيه؛ ضرورة عدم اقتضاء تعارف نقشه حرمة مسّه بعد اقتصار الموثّق على لفظ الجلالة. 3- و إلى أنّه المناسب للتعظيم.

(2) [كما] قيّده به في الروضة.

(3) كما يقتضيه إطلاق الباقين و جعله كاسم اللّٰه.

(4) كما في السرائر و القواعد (7)، و لعلّ مرادهم بالجلوس اللبث و المكث فيها، فيكون عين ما في الخلاف و المنتهى و الإرشاد و الذكرى و الدروس بل عن سائر كتبه و جامع المقاصد بل عن سائر تعليقاته (8)، و في المنتهى: أنّه «لا نعرف فيه خلافاً إلّا من سلّار» (9)، و في غيره: أنّه أطبق عليه الأصحاب عدا سلّار.

و لعلّ ذلك يكون قرينة على كون المراد باللبث و المكث مطلق الدخول عدا الاجتياز، حتى يكون موافقاً لما في الفقيه و المقنع و الهداية و لما في المبسوط و الغنية و الوسيلة و الجامع و المعتبر و النافع (10)؛ لقولهم فيها: إنّه يحرم دخول المساجد إلّا اجتيازاً. و إن أبيت تنزيل الكلمة [أي اللبث] على ذلك [مطلق الدخول عدا الاجتياز] كان الأقوى الأخير، فيحرم الدخول مطلقاً إلّا ما استُثني:

____________

(1) المبسوط 1: 29. الغنية: 37. الوسيلة: 55. المهذّب 1: 34. السرائر 1: 117. الجامع للشرائع: 39. الإرشاد 1: 225. الذكرى 1: 270. الدروس 1: 96. اللمعة: 26. جامع المقاصد 1: 267. الروضة 1: 92.

(2) لعلّ الصحيح: «بمقصوديّته للكاتب».

(3) كشف اللثام 2: 36.

(4) جامع المقاصد 1: 267- 268.

(5) الغنية: 37.

(6) الوسائل 2: 214، ب 18 من الجنابة، ح 1.

(7) السرائر 1: 117. القواعد 1: 209.

(8) الخلاف 1: 513. المنتهى 2: 223. الإرشاد 1: 225. الذكرى 1: 266. الدروس 1: 96. اللمعة: 26. البيان: 62. جامع المقاصد 1: 266. فوائد الشرائع: 27.

(9) المنتهى 2: 223.

(10) الفقيه 1: 87، ذيل الحديث 191. المقنع: 28. الهداية: 97. المبسوط 1: 29. الغنية: 37. الوسيلة: 55. الجامع للشرائع: 39. المعتبر 1: 188. المختصر النافع: 32.

49

..........

____________

1- للإجماع في الغنية (1)، بل لعلّه ظاهر الخلاف (2) أيضاً.

2- و قوله تعالى: (لٰا تَقْرَبُوا الصَّلٰاةَ وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ حَتّٰى تَعْلَمُوا مٰا تَقُولُونَ وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ) (3)؛ لظهور أنّ المراد بالنسبة للجنب مواضع الصلاة بقرينة قوله تعالى: (إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ).

3/ 50/ 92

و ما يقال من احتمال أن يراد بعبور السبيل السفر، فيكون المعنى: لا تقربوا الصلاة حال كونكم جنباً إلّا في السفر، فإنّ لكم ذلك مع التيمّم، ففي غاية الضعف؛ لمخالفة الظاهر من الآية، خصوصاً و التيمّم سيأتي ذكره بقوله تعالى بعد هذه الآية: (وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ)* 4 إلى آخره.

على أنّ ذلك [التيمّم] غير خاصٍّ بالسفر أيضاً، بل الحضر كذلك مع عدم التمكّن من الاستعمال. و مع ذلك كلّه [فهو] مخالف لما جاء عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام) في تفسيرها:

ففي مجمع البيان: أنّ المرويّ عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّ المراد: «لا تقربوا مواضع الصلاة» (5). و يقرب منه المرسل عن عليّ بن إبراهيم في تفسيره (6).

لا يقال: إنّه لا يحرم على السكران القرب إلى المساجد من حيث كونها مساجد.

لأنّا نقول: قد يكون المراد من الصلاة نفسها بالنسبة إلى السكران، و إلى الجنب مواضعها، على طريق الاستخدام أو غيره، على أنّ ذلك اجتهاد في مقابلة النصّ.

و ممّا يدلّ على أصل الدعوى و على المراد في الآية:

1- قول الباقر (عليه السلام) في صحيح زرارة و ابن مسلم قالا: قلنا له: الحائض و الجنب يدخلان المسجد أم لا؟ قال: «الحائض و الجنب لا يدخلان المسجد إلّا مجتازين، إنّ اللّٰه تبارك و تعالى يقول: (وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا)» (7).

2- و للمرويّ عن النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) في عدّة من الأخبار: «أنّ اللّٰه كره لي ستّ خصال، و كرهتهنّ للأوصياء من ولدي و أتباعهم من بعدي- و عدّ منها-: إتيان المساجد جنباً» (8) فإنّ الظاهر أنّ المراد بالكراهة الحرمة بقرينة غيره من الأخبار. و يمكن الاستدلال عليه بما ورد في عدّة من الروايات: عن الجنب يجلس في المساجد؟ قال: «لا، و لكن يمرّ فيها» (9)، فإنّ الاستدراك ظاهر في حرمة ما عدا المستدرك.

____________

(1) الغنية: 37.

(2) الخلاف 1: 513- 514.

(3) 3، 4 النساء: 43.

(5) مجمع البيان 3- 4: 52. الوسائل 2: 210، ب 15 من الجنابة، ح 20.

(6) تفسير القمّي 1: 139. الوسائل 2: 207، ب 15 من الجنابة، ح 10.

(7) الوسائل 2: 207، ب 15 من الجنابة، ح 10.

(8) المصدر السابق: 207، 209، ح 9، 15.

(9) المصدر السابق: 205، 206، ح 2، 5.

50

و إذ قد عرفت أنّ المحلّل الاجتياز خاصّة، فلا ريب في الرجوع إلى تحقيق معناه إلى العرف، كما هو الشأن في غيره من الألفاظ.

قيل (1): و هل يدخل فيه التردّد في جوانبها و المشي من غير مكث و لا جلوس؟ (1)

قلت: لا ينبغي الإشكال في عدم صدق اسم الاجتياز عليه (2).

____________

و الحاصل: أن الظاهر من ملاحظة الأدلّة حرمة الدخول مطلقاً إلّا للاجتياز و غيره ممّا دلّ عليه الدليل، فيحرم حينئذٍ الدخول لا بعنوان الاجتياز و لا المكث.

و احتمال القول: إنّ المحرّم إنّما هو المكث و اللّبث، فيحلّ غيره قد عرفت فساده، و أنّ الظاهر من الأدلّة أنّ المحلّل الاجتياز خاصّة و الأخذ منها كما ستعرف.

و كيف كان، فما في المراسم من أنّه يندب للجنب أن لا يقرب المساجد إلّا عابري سبيل (2) ضعيف جدّاً، مخالف للكتاب و السنّة و الإجماع المنقول، بل قد يدّعى تحصيله؛ لعدم قدح خلافه في ذلك.

و لعلّ مستنده خبر محمّد بن القاسم، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام): عن الجنب ينام في المسجد، فقال: «يتوضّأ، و لا بأس أن ينام في المسجد و يمرّ فيه» (3). و هو- مع موافقته للتقيّة، و مخالفته للكتاب- قاصر عن مقاومة غيره من الأدلّة من وجوه عديدة، على أنّه لا دلالة فيه.

نعم، قد يظهر من الصدوق العمل به، قال- بعد أن ذكر أنّ الجنب و الحائض لا يجوز أن يدخلا المسجد إلّا مجتازين-: «و لا بأس أن يختضب الجنب و يجنب و هو مختضب» إلى أن قال: «و ينام في المسجد و يمرّ فيه، و يجنب أوّل الليلة و ينام ... إلى آخره» (4) انتهى.

و هو- مع عدم انطباقه على تمام مدلول الرواية؛ لعدم ذكر الوضوء- ضعيف كسابقه؛ لما سمعت، مع احتمال تأويل عبارته بما يرجع إلى الأصحاب و إن بَعُد.

(1) ربّما ظهر من بعضهم ذلك.

(2) و لعلّ القائل بجوازه منشؤُه أنّ المحرّم اللبث و المكث، لا غير الاجتياز، و هذا ليس لبثاً.

و فيه: ما عرفت سابقاً من ظهور الأدلّة في حرمة ما عدا الاجتياز، على أنّا نمنع عدم صدق اسم اللبث و المكث عليه؛ إذ لا يراد منه السكون و عدم الحركة كما هو واضح.

و ما يقال: من التمسّك على جوازه بخبر جميل عن الصادق (عليه السلام) قال: «للجنب أن يمشي في المساجد كلّها، و لا يجلس فيها إلّا المسجد الحرام و مسجد الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم)» (5) ضعيف؛ لما فيه من الطعن في السند أوّلًا، و عدم صلاحيّته لمعارضة ما سمعت من الأدلّة ثانياً، فلا بأس بحمل المشي فيها على المشي الاجتيازي، على أنّه من قبيل المطلق.

____________

(1) الحدائق 3: 53.

(2) المراسم: 42.

(3) الوسائل 2: 210، ب 15 من الجنابة، ح 18، 19.

(4) الفقيه 1: 87، ذيل الحديث 191.

(5) الوسائل 2: 206، ب 15 من الجنابة، ح 4.

51

و هل يشترط في الاجتياز الدخول من باب و الخروج من اخرى، فلا يشمل الدخول و الخروج من باب واحدة أو لا يشترط؟ وجهان، أقواهما الأوّل (1).

و لا يخلو [إلحاق الضرائح المقدّسة و المشاهد المشرّفة بالمساجد] من قوّة (2).

لكن هل يلحق بالجنب الحائض و النفساء؟ إشكال (3).

و هل يقتصر في الحكم حينئذٍ على نفس الروضة المقدّسة، أو يلحق بها الرواق و نحوه؟ وجهان، أقواهما الأوّل.

____________

(1) و لا أقلّ من الشكّ، و قد عرفت عموم الأدلّة لمنع ما عدا الاجتياز فيدخل المشكوك تحت العموم، فتأمّل.

و ليعلم أنّه نقل (1) عن جماعة إلحاق الضرائح المقدّسة و المشاهد المشرّفة بالمساجد، و نقله الشهيد في الذكرى عن المفيد في الغريّة و ابن الجنيد و استحسنه (2)، و ربّما نقله بعضهم عن الشهيد الثاني 3، و مال إليه بعض المتأخّرين من أصحابنا (4).

(2) 1- لتحقّق معنى المسجديّة فيها و زيادة.

2- و للتعظيم.

3- و لما يظهر من عدّة روايات (5) من النهي عن دخول الجنب بيوتهم في حال الحياة، و حرمتهم أمواتاً كحرمتهم أحياءً، بل قد يظهر من ملاحظتها المنع من الدخول فضلًا عن المكث.

و احتمال حملها على الكراهة منافٍ للأمر في بعضها (6) بالقيام و الاغتسال، و للنهي في آخر (7)، بل في المنقول عن الكشيّ عن بكير، قال: لقيت أبا بصير المرادي فقال: أين تريد؟ قلت: اريد مولاك، قال: أنا أتبعك، فمضى فدخلنا عليه (عليه السلام) و أحدّ النظر إليه، و قال: «هكذا تدخل بيوت الأنبياء و أنت جنب؟! فقال: أعوذ باللّٰه من غضب اللّٰه و غضبك»، و قال: أستغفر اللّٰه و لا أعود (8) ما هو كالصريح في الحرمة.

و اشتمال بعضها على لفظ «لا ينبغي» ليس صريحاً في الكراهة، على أنّه قد يكون قال له الإمام (عليه السلام): «لا ينبغي» لأنّ دخوله كان لتعلّم العلم و نحوه من غير مكث.

(3) و لعلّ التعظيم و اشتمالها [بيوت الأنبياء و أولاد الأنبياء] على ما في المسجد يؤيّد الأوّل، سيّما مع اشتراك الحائض مع الجنب في كثير من الأحكام. و يحتمل العدم؛ لحرمة القياس، بل لعلّه مع الفارق، بل قيل: «إنّ الظاهر أنّ الحائض و النفساء ربّما كنّ يدخلن بيوتهم للسؤال عن المشكلات التي ترد عليهنّ» (9)، و اللّٰه أعلم.

____________

(1) 1، 3 الروض 1: 223.

(2) الذكرى 1: 278.

(4) الحدائق 3: 53.

(5) انظر الوسائل 2: 211، ب 16 من الجنابة.

(6) المصدر السابق 2: 211- 212، ح 3.

(7) المصدر السابق: 211، ح 2.

(8) رجال الكشّي: 170، ح 288. الوسائل 2: 212 ب 15 من الجنابة، ح 5.

(9) المصابيح 4: 15.

52

4- (و) يحرم على الجنب أيضاً (وضع شيء فيها) أي المساجد (1).

____________

(1) كما في الفقيه و المبسوط و الجمل و العقود و الغنية و الوسيلة و المهذّب و السرائر و الجامع و المعتبر و النافع و المنتهى و الإرشاد و القواعد و المختلف و الذكرى و الدروس و اللمعة و الروضة (1) و غيرها من كتب المتأخّرين، بل عليه الإجماع في الغنية (2)، كما عن جماعة الإجماع عليه ممّا عدا سلّار. بل في المنتهى: أنّه مذهب علماء الإسلام عدا سلّار (3).

و ظاهر الجميع كون الوضع محرّماً لنفسه، بل صرّح بعضهم أنّه يحرم عليه حتى لو طرح فيه من خارج المسجد (4).

و لعلّ المستند في ذلك:

1- مضافاً إلى ما تقدّم [أي الإجماع المنقول].

2- ما عن العلل من صحيح زرارة و محمّد بن مسلم من قوله (عليه السلام) في الجنب و الحائض: «يأخذان من المسجد و لا يضعان فيه شيئاً، قال زرارة: قلت: فما بالهما يأخذان منه و لا يضعان فيه؟ قال: لأنّهما لا يقدران على أخذ ما فيه إلّا منه، و يقدران على وضع ما بيديهما في غيره» (5).

3- و صحيح عبد اللّه بن سنان قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الجنب و الحائض يتناولان من المسجد المتاع يكون فيه؟ قال:

«نعم، و لكن لا يضعان في المسجد شيئاً» (6).

فما في المراسم من أنّه يندب أن لا يضع (7) ضعيف.

و ظاهر الصحيحين جواز الأخذ منها، كما هو ظاهر الأصحاب، بلا خلاف أعرفه فيه، بل في المنتهى: أنّه مذهب علماء الإسلام 8، و في غيره: أنّه المجمع عليه.

بل ظاهر إطلاق النصّ و الفتوى أنّه يجوز له ذلك و إن استلزم لبثاً طويلًا. و ما عساه يظهر من بعضهم- أنّ المراد بجواز الأخذ من حيث كونه أخذاً في مقابلة الوضع، و إلّا فلا يحلّ لأجله ما كان محرّماً سابقاً، كاللبث فيما عدا المسجدين و الجواز فيهما، بل هما باقيان على حرمتهما و إن حلّ الأخذ- مخالف لظاهر النصّ و الفتوى، فتأمّل.

____________

(1) الفقيه 1: 87، ذيل الحديث 191. المبسوط 1: 29. الجمل و العقود (الرسائل العشر): 160. الغنية: 37. الوسيلة: 55. المهذّب 1: 34. السرائر 1: 117. الجامع للشرائع: 39. المعتبر 1: 189. المختصر النافع: 32. المنتهى 2: 226. الإرشاد 1: 225. القواعد 1: 209. المختلف 1: 332. الذكرى 1: 267. الدروس 1: 96. اللمعة: 26. الروضة 1: 92.

(2) الغنية: 37.

(3) 3، 8 المنتهى 2: 227، و فيه: «و هو مذهب علمائنا».

(4) الروضة 1: 92.

(5) علل الشرائع: 288، ح 1. الوسائل 2: 213، ب 17 من الجنابة، ح 2.

(6) الوسائل 2: 213، ب 17 من الجنابة، ح 1.

(7) المراسم: 42.

53

و الذي يقوى في ذهن القاصر أنّ حرمة الوضع ليست لكونه وضعاً، بل المراد حرمة الدخول للوضع (1).

و إلّا فلو لم يدخل أو دخل بعنوان الاجتياز أو الأخذ فلا يحرم عليه الوضع (2). و طريق الاحتياط غير خفيّ.

(و) يحرم على الجنب أيضاً (الجواز في المسجد الحرام و مسجد النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) خاصّة) (3).

____________

(1) كما يشعر به ذكره في مقابلة جواز الأخذ منها؛ إذ من المعلوم أنّ المراد الدخول إليه للأخذ منه. و يشعر به أيضاً التعليل المتقدّم في الرواية، و ربّما يشير إليه استدلال المصنّف في المعتبر، و نحوه العلّامة في بعض كتبه (1) على حرمة الوضع بقوله تعالى:

(وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ) (2) و ليس له وجه يحمل عليه سوى أن يكون المراد منه أنّ المفهوم من الآية أنّه لا يجوز الدخول للمساجد لغرض من الأغراض إلّا لغرض الاجتياز، فيبقى حرمة الدخول للوضع مشمولًا للآية.

و من هنا قال ابن فهد في المقتصر: إنّه لو وضع فيه شيئاً من خارج المسجد حلّ له قطعاً، و قال قبل ذلك: إنّ «المراد بالوضع الوضع المستلزم للدخول و اللبث؛ لأنّ الرخصة في الاجتياز خاصّة، فلا يباح الدخول لغير غرض الاجتياز» (3) انتهى. و هو عين ما ذكرنا. و ما أورد عليه بعض المتأخّرين (4) من أنّه قول بعدم حرمة الوضع؛ لكون اللبث محرّماً في نفسه وضع أو لم يضع. ففيه: أنّ ذلك لا يصحّ للإيراد به عليه، بل هو بيان لكلامه، فإنّ مراده من حرمة الوضع حرمة الدخول للوضع.

(2) و هو متّجه مؤيّد بالاصول السالمة عن المعارض سوى ما عرفت، و هو لا ظهور فيه، و [مؤيّد] بكثير من الوجوه الاعتبارية.

نعم الإنصاف أنّ عبارات كثير من الأصحاب تأبى التنزيل على هذا، فتأمّل.

(3) كما هو خيرة الغنية و الوسيلة و المهذّب و السرائر و الجامع و المعتبر و المنتهى و القواعد و الإرشاد و التذكرة و الذكرى (5) و غيرها، بل لا أجد فيه خلافاً صريحاً، بل عليه الإجماع في الغنية و المدارك (6)، و نسبه في التذكرة إلى علمائنا (7)، و لعلّ ذلك يكون قرينة على عدم ظهور الخلاف من المفيد و سلّار و الشيخ في الجمل، كما عن الاقتصاد و المصباح و مختصره و الكيدري (8)، و إن أطلقوا جواز الاجتياز في المساجد، فيكون مرادهم في غير المسجدين. و ما نقله في كشف اللثام عن ظاهر المبسوط بالكراهة (9) لم نتحقّقه.

____________

(1) المعتبر 1: 189. المنتهى 2: 227.

(2) النساء: 43.

(3) المقتصر: 49.

(4) جامع المقاصد 1: 266.

(5) الغنية: 37. الوسيلة: 55. المهذّب 1: 34. السرائر 1: 117. الجامع للشرائع: 39. المعتبر 1: 188. المنتهى 2: 226. القواعد 1: 209. الإرشاد 1: 225. التذكرة 1: 240. الذكرى 1: 266.

(6) الغنية: 37. المدارك 1: 282.

(7) التذكرة 1: 240.

(8) المقنعة: 51. المراسم: 42. الجمل و العقود (الرسائل العشر): 160. الاقتصاد: 244. مصباح المتهجّد: 8. مختصر المصباح: 8. إصباح الشيعة: 33.

(9) كشف اللثام 2: 32.

54

..........

____________

بل لعلّ الظاهر منه القول بالحرمة فيه، قال: «و المكروهات الأكل و الشرب» إلى أن قال: «و المسجد الحرام و مسجد النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) لا يدخلهما على حال، فإن كان في واحد منهما فأصابه احتلام خرج منهما بعد أن تيمّم من موضعه، و يكره مسّ المصحف» (1). فإنّ مقتضى عدم عطفه له على المكروهات بل ذكر النهي عنه بالخصوص الحرمة، كما هو واضح.

و كيف كان، فيدلّ عليه- مضافاً إلى ذلك [الإجماع المنقول]-: المعتبرة المستفيضة المشتملة على الرخصة في الاجتياز فيما عدا المسجدين (2)، المعتضدة بإطلاق النهي عن المرور في غيرها. و بذلك كلّه يقيّد إطلاق الآية و غيرها الدالّة على جواز الاجتياز في سائر المساجد.

ثمّ إنّ ظاهر بعض الأدلّة المتقدّمة و غيرها- كقول الباقر (عليه السلام) في خبر أبي حمزة الثمالي في حديث: «إنّ اللّٰه أوحى إلى نبيّه أن طهّر مسجدك- إلى أن قال:- و لا يمرّ فيه جنب» (3). و قول الصادق (عليه السلام) في الحسن: «للجنب أن يمشي في المساجد كلّها و لا يجلس فيها، إلّا المسجد الحرام و مسجد الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم)» (4)- عدم جواز مطلق الدخول للمسجدين سواء كان للاجتياز أو لأخذ المتاع، و من هنا قال في الغنية: إنّه «ليس له دخولهما على حال» إلى أن قال: «كلّ ذلك بدليل الإجماع» 5.

فما يقال: إنّ إطلاق الأصحاب بجواز الأخذ من المساجد شامل للمسجدين، و تنصيصهم على حرمة الاجتياز [في المسجدين] لا يقضي بحرمته، ضعيف؛ لظهور أنّ تنصيص الأصحاب على ذلك إنّما هو لمكان كون الاجتياز ممّا لا إشكال في حلّيته بالنسبة إلى سائر المساجد، و الأخذ و إن كان كذلك لكنّه ليس بتلك المكانة من الوضوح، فأرادوا التنصيص على حرمة واضح الحلّية [و هو الاجتياز] بالنسبة إلى غيرهما [غير المسجدين] ليستفاد غيره [غير الاجتياز] بالأولى، سيّما بعد اشتمال الروايات عليه. و أيضاً قد عرفت أنّ ابن زهرة قال: «لا يجوز دخولهما على حال» كابن إدريس في السرائر و كذا ابن فهد في موجزه (6)، و أصرح منه عبارة ابن البرّاج في المهذّب؛ فإنّها كالصريحة في عدم جواز الدخول للأخذ، و نحوها عبارة المصنّف في المعتبر (7). و ما عساه يقال: إنّ ما دلّ على جواز الأخذ شامل بإطلاقه المسجدين، كما أنّ النهي عن المرور في المسجدين و المشي و نحوهما أيضاً شامل للدخول للأخذ و غيره، فيكون التعارض بينهما تعارض العموم من وجه، مع ترجيح الأوّل بأصالة براءة الذمّة و نحوها. مدفوع: بأنّه لو سلّم ذلك لكان الترجيح للثانية؛ لصراحتها و كثرتها، مع اعتضادها بإجماع الغنية و مناسبة التعظيم، بل قد يشعر حرمة الاجتياز فيهما بحرمة غيره بطريق أولى، على أنّه ما دلّ على الأخذ إنّما سيق لبيان مطلق جواز الأخذ، لا أنّه مساق لبيان جواز الأخذ من سائر المساجد، كما لا يخفى على من لاحظها.

____________

(1) 1، 5 المبسوط 1: 29. الغنية: 37.

(2) انظر الوسائل 2: 205، ب 15 من الجنابة.

(3) المصدر السابق: ح 1.

(4) المصدر السابق: 206، ح 4.

(6) السرائر 1: 117. الموجز الحاوي (الرسائل العشر): 43.

(7) المهذّب 1: 34. المعتبر 1: 188.