جواهر الكلام في ثوبه الجديد - ج4

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
649 /
5

[كتاب الصلاة]

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

..........

____________

و صلّى اللّٰه على محمّد و آله الطيّبين الطاهرين الغرّ الميامين، الذين بهم أرجو من ربّي الكريم الرحمن الرحيم العليم الحكيم الإعانة على إتمام (كتاب) أحكام (الصلاة) التي تنهى عن الفحشاء و المنكر (1)، و بها تطفأ النيران (2)، و قربان كلّ تقي (3)، و معراج كلّ مؤمن نقي (4)، و تغسل الذنوب كما يغسل النهر الجاري درن الجسد، و تكرارها كلّ يوم خمساً كتكراره (5)، و أوصى اللّٰه بها المسيح ما دام حيّاً (6) و غيره من الرسل (7)، بل هي أصل الإسلام (8)، و خير العمل (9)، و خير موضوع (10)، و الميزان (11)، و المعيار لسائر أعمال الأنام، فمن وفى بها استوفى أجر الجميع و قبلت منه كلّها.

فهي حينئذٍ للأعمال- بل للدين- كالعمود للفسطاط (12)، و لذا كانت أوّل ما يحاسب به العبد و ينظر فيه من عمله، فإذا قبلت منه نظر في سائر عمله و قبل منه، و إذا ردّت لم ينظر في باقي عمله و ردّ عليه (13)، فلا غرو لو سمّي تاركها من الكافرين، بل هو كذلك لو كان الداعي له الاستخفاف بالدين (14).

و هي التي لم يعرف الصادق (عليه السلام) شيئاً ممّا يتقرّب به و يحبّه اللّٰه تعالى بعد المعرفة أفضل منها (15)، بل قال (عليه السلام):

____________

(1) العنكبوت: 45.

(2) الوسائل 4: 120، ب 3 من المواقيت، ح 7.

(3) الوسائل 4: 43، ب 12 من أعداد الفرائض، ح 1.

(4) اعتقادات المجلسي: 39.

(5) الوسائل 4: 12، ب 2 من أعداد الفرائض، ح 3.

(6) مريم: 31.

(7) الكافي 8: 45، ح 8.

(8) الوسائل 1: 14، ب 1 من مقدمة العبادات، ح 3.

(9) تحف العقول: 140.

(10) الوسائل 5: 248، ب 42 من أحكام المساجد، ح 1.

(11) الوسائل 4: 33، ب 8 من أعداد الفرائض، ح 8.

(12) المصدر السابق: ح 6.

(13) المصدر السابق: 34، ح 10.

(14) الوسائل 4: 41، ب 11 من أعداد الفرائض، ح 2.

(15) الوسائل 4: 38، ب 10 من أعداد الفرائض، ح 1.

8

..........

____________

«هذه الصلوات الخمس المفروضات من أقامهنّ و حافظ على مواقيتهنّ لقي اللّٰه يوم القيامة و له عنده عهد يدخل به الجنة، و من لم يصلّهن لمواقيتهنّ و لم يحافظ عليهنّ فذلك للّٰه، إن شاء غفر له و إن شاء عذّبه» (1). و صلاة فريضة خير من عشرين حجة، كلّ حجة خير من بيت مملوّ ذهباً يتصدَّق منه حتى يفنى (2). بل صلاة فريضة أفضل من ألف حجة، كلّ حجة أفضل من الدنيا و ما فيها (3)، و أنّ طاعة اللّٰه خدمته في الأرض، و ليس شيء من خدمته يعدل الصلاة، فمن ثمّة نادت الملائكة زكريّا و هو قائم يصلّي في المحراب (4)، و إذا قام المصلّي إلى الصلاة نزلت عليه الرحمة من أعنان السماء إلى أعنان الأرض، و حفّت به الملائكة، و ناداه ملك لو يعلم هذا المصلّي ما في الصلاة ما انفتل (5)، إلى غير ذلك ممّا ورد فيها ممّا لا يحصى عدده، كخبر الشامة (6) و غيره.

مع أنّ في الاعتبار ما يغني عن الآثار؛ إذ قد جمعت ما لا يجمعه غيرها من العبادات من عبادة اللسان و الجنان بالقراءة و الذكر و الاستكانة و الشكر و الدعاء الذي ما يعبأ اللّٰه بالعباد لولاه، و ظهور أثر العبوديّة للمعبود بالركوع و السجود و جعل أعلى موضع و أشرفه على أدنى موضع و أخفضه، و قد كتب الرضا (عليه السلام) إلى محمّد بن سنان فيما كتب من جواب مسائله: «إنّ علّة الصلاة أنّها إقرار بالربوبيّة للّٰه عزّ و جلّ، و خلع الأنداد، و قيام بين يدي الجبّار جلّ جلاله بالذلّ و المسكنة و الخضوع و الاعتراف و الطلب للإقالة من سالف الذنوب، و وضع الوجه على الأرض كلّ يوم إعظاماً للّٰه عزّ و جلّ، و أن يكون ذاكراً غير ناسٍ و لا بطراً على ذكر اللّٰه عزّ و جلّ بالليل و النهار لئلّا ينسى العبد سيّده و مدبّره و خالقه فيبطر و يطغى، و يكون في ذكره لربّه عزّ و جلّ و قيامه بين يديه زاجراً له عن المعاصي و مانعاً له من أنواع الفساد» (7).

و غير ذلك ممّا لا يخفى على من لاحظ أسرار الصلاة. و لا يختصّ هذا الفضل بخصوص الفرائض الخمس من الصلوات و إن اختصّت بعض الأخبار بها، بل قد يقال بانصراف ما كان موضوعه لفظ الصلاة إليها؛ لأنّها هي المعهودة المستعملة التي لم يسأل العبد بعد أدائها عن غيرها (8)، إلّا أنّ التأمّل فيما ورد عنهم (عليهم السلام)- بل هو صريح البعض- يقضي بعدم الفرق بين الفرض و النفل في هذا الفضل، و أنّهما جميعاً خير العمل.

كما أنّه لا يشكل فضل الصلاة على الحجّ المشتمل على الصلاة و غيرها، بعد ظهور هذه العبارة كنظائرها في إرادة باقي أجزاء الحجّ غيرها؛ إذ لكلّ جزء منه فضل مستقلّ و إن كان هو جزءاً، أو يراد بالصلاة المفضّلة عليه إحدى الفرائض الخمس، أو غير ذلك.

____________

(1) الوسائل 4: 107، ب 1 من المواقيت، ح 1، مع اختلاف.

(2) الوسائل 4: 39، ب 10 من أعداد الفرائض، ح 4.

(3) المصدر السابق: 40، ح 8.

(4) المصدر السابق: 39، ح 5.

(5) الوسائل 4: 32، ب 8 من أعداد الفرائض، ح 3.

(6) الوسائل 4: 16، ب 2 من أعداد الفرائض، ح 9.

(7) الوسائل 4: 9، ب 1 من أعداد الفرائض، ح 7، مع اختلاف.

(8) الوسائل 4: 12، ب 2 من أعداد الفرائض، ح 2.

9

[الصلاة لغة]

: و كيف كان، فالمشهور في كتب الفقه أنّ الصلاة لغة الدعاء (1).

____________

(1) و لعلّ منه قول الأعشى:

تقول بنتي و قد قيّضت مرتحلًا * * * يا ربّ جنّب أبي الأوصاب و الوجعا

عليكِ مثل الذي صلّيت فاغتمضي * * * نوماً فإنّ لجنب المرء مضطجعا (1)

بل في روض الجنان أنّها كذلك من اللّٰه عزّ و جلّ و غيره (2)، ردّاً على من قال: إنّها منه بمعنى الرحمة، و من الملائكة الاستغفار، و من الناس الدعاء، معلّلًا له:

1- بأنّ ارتكاب كونها- في ذلك و نحوه- مجازاً خير من جعلها مشتركة.

2- و بأنّ ظاهر العطف في قوله تعالى: (عَلَيْهِمْ صَلَوٰاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ) (3) يقتضي المغايرة. و فيه: أنّ الخيريّة تجدي مع الشكّ، و هو هنا ممنوع؛ إذ لو سلّم عدم القطع- من تصريح البعض (4) به، بل قد يظهر من المحكي عن المحقّق الثاني (5) نسبته إلى الجميع أو الأكثر، و من كثرة استعمال لفظ الصلاة في ذلك على وجه يبعد أن يكون مجازاً، خصوصاً في مثل قوله: اللّهمّ صلّ على محمّد و آله و نحوه، و غير ذلك- بوضعها لذلك، فلا أقلّ من الظنّ، و هو كافٍ في الموضوعات. نعم، الظاهر أنّ الثاني من الثالث؛ إذ الاستغفار نوع من الدعاء. و أمّا الآية فهي مشتركة الإلزام؛ إذ هو لا ينكر أنّها منه تعالى بمعنى الرحمة، إنّما يمنع أنّه حقيقة، و لذا أجاب عن الآية بعد ذلك بإنكار اقتضاء العطف المغايرة، ناقلًا له عن مغني ابن هشام مستشهداً له بهذه الآية و غيرها (6). و فيه: أنّه لا ريب في ظهور العطف بذلك إلّا مع القرينة، و لعلّ الآية منه، لا أنّ أصل العطف لا ظهور له بذلك، فتأمّل.

و ربّما قيل: إنّها لغةً المتابعة أيضاً، و حسن الثناء من اللّٰه تعالى على رسوله [(صلى الله عليه و آله و سلم)]. و فيه: أنّ الثاني مجاز قطعاً، بناءً على أنّها في الرحمة حقيقة، و لعلّ من ذكره أراد إبدال الرحمة به. و في النهاية: «قيل: إنّ أصلها في اللغة التعظيم». و لعلّ منه الصلوات للّٰه في تشهّد الناس (7). و عن بعضهم: أنّها بمعنى السبحة (8)، أي التنزيه؛ و لذا سمّيت به في قوله تعالى: (فَسُبْحٰانَ اللّٰهِ حِينَ تُمْسُونَ وَ حِينَ تُصْبِحُونَ) (9)، (وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ)* (10) إلى آخره.

لكنّ الغالب إطلاق السبحة على النافلة في النصوص.

____________

(1) ديوان الأعشى: 120، و فيه: «قربت» بدل «قيّضت» و «يوماً» بدل «نوماً».

(2) الروض 1: 32.

(3) البقرة: 157.

(4) كشف الغطاء 1: 8- 9.

(5) جامع المقاصد 2: 5.

(6) الروض 1: 32- 33.

(7) النهاية (لابن الأثير) 3: 50.

(8) الذكرى 1: 66.

(9) الروم: 17.

(10) طه: 130.

10

و قد يقال (1): إنّها بمعنى أعمّ من الدعاء ينطبق عليها جميعها [الرحمة و الاستغفار و المتابعة و حسن الثناء من اللّٰه تعالى على رسوله و التعظيم و ...]، كمطلق طلب الخير و إرادته مثلًا، و إن كان هو بالنسبة إلى اللّٰه عين الفعل (2).

____________

(1) بملاحظة استعمالها في بيت الأعشى، و قوله تعالى: (عَلَيْهِمْ صَلَوٰاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ) (1)، و (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً) (2)، و (إِنَّ اللّٰهَ وَ مَلٰائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) 3، و «اللّهمّ صلّ على محمّد و آله» و نحو ذلك، مع أصالة عدم الاشتراك، و ظهور اتّحاد المراد منها في قوله تعالى: (إِنَّ اللّٰهَ وَ مَلٰائِكَتَهُ).

(2) لعدم تخلّفه عن الإرادة، فالمراد حينئذٍ من الآية: (إِنَّ اللّٰهَ وَ مَلٰائِكَتَهُ) يريدون الخير- من الرحمة و البركة و الشفاعة و التعظيم و غيرها- لمحمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، فيا أيّها الذين آمنوا أنتم أيضاً أريدوا به كذلك كما يريد اللّٰه له. و كذا المراد من قوله: «اللّهمّ صلّ على ... إلى آخره»، بل و قوله تعالى: (عَلَيْهِمْ صَلَوٰاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ)؛ لما عرفت أنّ إرادته لا بدّ من أن تكون سبباً لوقوع المراد من البركة و نحوها، بل و كذا بيت الأعشى و غيره ممّا ينطبق عليها جميعها. لكن روى الصدوق في المحكيّ عن معاني الأخبار مسنداً إلى أبي حمزة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّٰه عزّ و جلّ: (إِنَّ اللّٰهَ وَ مَلٰائِكَتَهُ) إلى آخره؟ فقال: «الصلاة من اللّٰه عزّ و جلّ رحمة، و من الملائكة تزكية، و من الناس دعاء- إلى أن قال:- فقلت له: كيف نصلّي على محمّد و آله؟ قال (عليه السلام): تقولون: صلوات اللّٰه و صلوات ملائكته و أنبيائه و رسله و جميع خلقه على محمّد و آل محمّد، و السلام عليه و عليهم و رحمة اللّٰه و بركاته، قلت: فما ثواب من صلّى بهذه الصلاة؟ قال: الخروج من الذنوب- و اللّٰه- كهيئة يوم ولدته امّه» (4). و في خبر كعب بن عجرة المروي عن المجالس و الأمالي: قلت: يا رسول اللّٰه قد علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ فقال (صلى الله عليه و آله و سلم): «قولوا: اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم و آل إبراهيم إنّك حميد مجيد ...» (5). و هما معاً- كما ترى- يمكن عدم منافاتهما لما ذكرنا، و لقد عثرت بعد ذلك على كلام للفاضل المتبحّر ابن هشام في المغني يقرب ممّا قلناه، بل هو هو، حيث إنّه- بعد أن حكى عن بعضهم أنّ الصلاة المقدّرة في قوله تعالى: (إِنَّ اللّٰهَ وَ مَلٰائِكَتَهُ) إلى آخره بمعنى الرحمة، و الموجودة بمعنى الاستغفار- قال:

«قلت: الصواب عندي أنّ الصلاة لغةً، بمعنى واحد، و هو العطف، ثمّ العطف بالنسبة إلى اللّٰه تعالى الرحمة، و إلى الملائكة الاستغفار، و إلى الآدميّين دعاء بعضهم لبعض».

و أمّا قول الجماعة فبعيدٌ من جهات: إحداها: اقتضاؤه الاشتراك، و الأصل عدمه؛ لما فيه من الالتباس، حتى أنّ قوماً نفوه.

ثمّ المثبتون له يقولون: متى عارضه غيره ممّا يخالف الأصل كالمجاز قدّم عليه. الثانية: أنّا لا نعرف في العربية فعلًا واحداً يختلف معناه باختلاف المسند إليه إذا كان الإسناد حقيقيّاً. الثالثة: أنّ الرحمة فعلها متعدٍّ و الصلاة فعلها قاصر، و لا يحسن تفسير القاصر بالمتعدّي. الرابعة: أنّه لو قيل مكان «صلّى عليه»: «دعا عليه» انعكس المعنى، و حقّ المترادفين صحّة حلول كلّ منهما محلّ الآخر (6)، فتأمّل، و اللّٰه أعلم.

____________

(1) البقرة: 157.

(2) 2، 3 الأحزاب: 56.

(4) معاني الأخبار: 368، ح 1. الوسائل 7: 196، ب 35 من الذكر، ح 1.

(5) أمالي الصدوق: 315- 316، ح 5. أمالي الطوسي 2: 43. الوسائل 7: 197، ب 35 من الذكر، ح 2.

(6) مغني اللبيب 2: 791- 792.

11

[الصلاة شرعاً]:

و أمّا شرعاً فقد ذكروا لها تعريفات متعدّدة لا فائدة في التعرّض لها (1). و إن أبيت إلّا التعريف فالأولى تعريفها بأنّها العبادة التي اعتبر الشارع في افتتاحها التكبير أو بدله، و اختتامها التسليم أو بدله، و إن كنت لا أضمن عدم ورود شيء عليه. و على كلّ حال، فهي بهذا المعنى أمر شرعي لا مدخليّة للّغة فيه، و أنّى و أهل اللغة و هذا المعنى! إنّما البحث في أنّها حقيقة شرعيّة أو مجاز، و قد فرغنا من ذلك في الاصول و ذكرنا أنّ الحقّ الأوّل (2).

____________

(1) و لقد أجاد في المدارك حيث قال: «هي أشهر من أن يتوقّف معناها على التعريف اللفظي» (1)، و هو كذلك.

على أنّه لا يكاد يسلم شيء منها عن نقض في طرده أو عكسه، أو اشتماله على ما يخرجه عن قياس التعاريف، بل لعلّ ذلك كالمتعسّر؛ باعتبار اختلاف أحوالها بالنسبة للمختار و المضطرّ و الصحيح و السقيم، فتارةً تكون أقوالًا محضة، و اخرى أفعالًا كذلك، و اخرى تجمعهما، و لكلّ من الأحوال الثلاثة أحوال أيضاً.

(2) و ذِكرُ بعض أهل اللغة لهذا المعنى في سلك ما ذكر من المعاني لهذا اللفظ لا يقتضي الوضع له لغةً، بعد أن جرت عادتهم- أو الأكثر منهم- على عدم الاقتصار على ذكر الحقائق اللغويّة، بل يذكرون كلّ ما يستعمل فيه اللفظ و إن كان مجازاً. على أنّ من المحتمل كون ذكرهم لهذا المعنى- و إن كان هو حقيقة شرعيّة- باعتبار أنّ أهل الشرع من أهل اللغة أيضاً و من العرب الفصحاء، فحينئذٍ تندرج بهذا الاعتبار في الحقائق اللغويّة؛ إذ جعل خصوص الوضع عندهم حقيقة شرعيّة إنّما هو مجرّد اصطلاح حادث لا يجب جريان كتب اللغة عليه، خصوصاً إذا قلنا: إنّ لفظ الصلاة و الحج و نحوهما موضوعة لمعان شرعيّة قبل زمن شرعنا؛ ضرورة وجود الصلاة و الحج و غيرهما عند اليهود و النصارى و غيرهما من كفّار العرب، على وجه يسمّونه بهذه الأسماء في لغة العرب، كما أنّه يسمّونه بغيرها بالفارسيّة و نحوها، فهي حقائق في عباداتهم قبل زمن الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم)، و هو إنّما غيّر بعض أجزاء عباداتهم أو أكثرها، و ذلك لا يقتضي تغيّر الاستعمال بحسب الحقيقة، كما هو الشأن في المعاملات، و كأنّه مال إلى ذلك الاستاذ الأكبر فيما حكي من حاشيته على المدارك 2. و فيه:- بعد تسليم قِدَم تسمية تلك العبادات بهذه الأسماء منهم، و أنّ لهم عبادات معتبرة لا أنّها مكاء و تصدية- أنّه لا يخفى على المطّلع عليهما كمال التباين بينهما، بحيث يقطع بعدم إرادة المعنى القديم منها في هذا الاستعمال، و بنقلها من ذلك المعنى إلى معنى جديد و إن اشتركا في أنّهما عبادة، كما هو واضح. كوضوح المناسبة بين المعنى الشرعي و المعنى اللغوي بناءً على أنّه الدعاء، أو ما ذكرناه من طلب الخير و إرادته و إن لم يكن بعنوان الدعاء؛ لاشتماله على كلٍّ منهما. و لو قيل: إنّه منقول منها بمعنى المتابعة اختصّت المناسبة حينئذٍ ببعض أفرادها، إلّا أن يلاحظ، أو يراد تتابع الأجزاء. و هو كما ترى. و أبعد منه ما قيل عن الجمهرة عن بعضهم: «إنّ اشتقاقها من رفع الصَّلا في السجود، و هو العظم الذي عليه الأليتان، فهي فعلة من بنات الواو» (3)، و إن كان ربّما يؤيّده تعارف كتابتها به، إلّا أنّه قد يقال- كما عن البيضاوي-: «كتبت بالواو على لفظ المفخم» (4)، أي من يميل الألف إلى مخرج الواو. و مثله في البُعد ما عن الجمهرة عن ذلك البعض: «إنّ اشتقاقها من صليت العود بالنار أي ليّنته؛ لأنّ المصلّي يلين قلبه و أعضاؤه مخشوعة، من بنات الياء»، بل في الذكرى نسبة ذلك و سابقه إلى أهل اللغة، قال: «جعلوها فعلة من صلّى أي حرّك صلويه؛ لأنّ المصلّي يفعل ذلك، أو من صليت العود، أي: ليّنته» (5). و لا يخفى عليك ما فيه، و أنّا في غنية عنه.

____________

(1) 1، 2 المدارك 3: 6. حاشية المدارك 1: 287.

(3) جامع المقاصد 2: 5- 6.

(4) تفسير البيضاوي 1: 18.

(5) الذكرى 1: 65.

12

[و لا يقال بأنّ المراد منها في الاستعمال الشرعي الدعاء، و أنّ ما عداه كلّه واجبات اخر كالمعاملة] (1).

7/ 10/ 17

نعم يمكن دعوى ذلك في صلاة الأموات، فتكون حينئذٍ حقيقة لغويّة مجازاً شرعاً (2).

و ربّما قيل بأنّها مجاز لغوي أيضاً (3).

كما أنّه ربّما قيل بأنّها حقيقة شرعيّة (4).

[و] (العلم بها) أي الصلاة (يستدعي بيان أربعة أركان):

____________

(1) و ما أبعد ما بين هذين الأخيرين، و بين القول بأنّ المراد منها في الاستعمال الشرعي الدعاء، و أنّ ما عداه كلّه واجبات اخر، فهي كالمعاملة.

و لا ريب في ضعفه بل بطلانه.

(2) كما هو المشهور على ما في الروض (1).

(3) نظراً إلى إرادة خصوص دعاء على خصوص حال منها، بل و غير الدعاء من التكبير و نحوه.

(4) و لعلّه ظاهر المصنّف و غيره ممّن ذكرها في التعداد؛ إذ احتمال ذكرهم الأعمّ من الحقيقة و المجاز- كوضوء الحائض و نحوه في الوضوء- بعيدٌ.

و يؤيّده:- مع عدم صحّة السلب- ما قيل (2) من دلالة بعض النصوص، و أنّها كذلك قطعاً في عرف المتشرّعة، و هو عنوان الحقيقة الشرعيّة. و تبادر ذات الأركان من الإطلاق- كما في المدارك (3)- لا ينافيها؛ إذ لعلّه لأنّه أظهر الفردين و أكثرهما استعمالًا.

كما أنّ كون معظم صلاة الجنازة الدعاء لا يقتضي البقاء على الحقيقة اللغويّة، بعد أن علم أنّ إطلاق لفظ الصلاة عليه ليس للدعاء، بل لا ريب في ملاحظة الخصوصيّة و باقي الأحوال أيضاً، و لذا لا يطلق في العرف لفظ الصلاة على غيره من الدعاء، كما أنّه لا يطلق على هذا الحال المخصوص غير لفظ الصلاة.

و نفي الصلاة بنفي الطهارة و الفاتحة- اللتين لا تجبان فيها قطعاً- يراد منه بالنسبة إلى ما اعتبر فيها ذلك كاليوميّة، لا نفي مطلق مسمّى الصلاة، كالوصف بالتحليل بالتسليم. بل و كذا الصحيح: عن الجنازة اصلّي عليها على غير وضوء؟ فقال: «نعم، إنّما هو تكبير و تسبيح و تحميد و تهليل، كما تكبّر و تسبّح في بيتك على غير وضوء» (4) يراد منه أنّها صلاة، لكن ليست تلك الصلاة التي يعتبر فيها ذلك، بل هي شيء آخر سمّاه الشارع صلاة.

و من ذلك تعرف ما في استدلال بعضهم (5) على خروجها عن الصلاة بالنصوص؛ ضرورة إرادة نفي مسمّى صلاة خاصّ منها لا مطلقاً، فتأمّل جيّداً.

(و) كيف كان ف [- العلم بها يستدعي بيان أربعة أركان].

____________

(1) الروض 2: 467.

(2) الرياض 3: 23.

(3) المدارك 3: 8.

(4) الوسائل 3: 110، ب 21 من صلاة الجنازة، ح 3.

(5) المدارك 3: 9.

13

[الركن (الأوّل في المقدّمات]

الركن (الأوّل)

(في المقدّمات)

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

[المقدّمات] بفتح الدال و كسرها، و هي ما تتقدّم على الماهيّة (1) (و هي سبع):

[المقدمة الأولى: في أعداد الصلاة]

(الاولى: في أعداد الصلاة)

(و المفروض منها) و لو بسبب من المكلّف (تسعة) (1) (2).

[أعداد الفرائض]

: (صلاة اليوم و الليلة، و الجمعة، و العيدين، و الكسوف) الشامل للخسوف (و الزلزلة، و الآيات، و الطواف) الواجب (و الأموات، و ما يلتزمه الإنسان بنذر و شبهه) كالعهد و اليمين و الإجارة على غير القضاء و نحوها (3). [و] أنّ (ما عدا ذلك مسنون) و هو كثير كما تعرفه فيما يأتي إن شاء اللّٰه (4).

____________

(1) إمّا لتوقّف تصوّرها كذكر أقسامها و كمّياتها، أو لاشتراطها بها، أو لكونها من المكمّلات السابقة عليها.

(2) حصراً استقرائيّاً من الأدلّة التي تمرّ عليك في محالّها إن شاء اللّٰه.

(3) و ربّما عدّت سبعة بإدراج الزلزلة و الكسوف في الآيات، كإدراج القضاء حتى من الولي- بل ربّما قيل: و المستأجر عليه و المتبرّع به و صلاة الاحتياط- في اليوم و الليلة، أو الأخير في شبه النذر؛ لأنّ الشكّ أيضاً من الملزمات، بل ربّما قيل: هو و القضاء، و الإدراج الأوّل أجود. و ربّما عدّت ستّة، بناءً على خروج صلاة الأموات عن حقيقة الصلاة. بل قد يقال: ينبغي عدّها حينئذٍ خمسة بإدراج الجمعة في اليومية، بل أربعة اقتصاراً على الفرائض الأصليّة. (و) الأمر سهل بعد الاتّفاق منّا على [ذلك].

(4) بل و من غيرنا كما حكاه غير واحد، عدا ما يحكى عن أبي حنيفة من وجوب الوتر (2)، و لا ريب في ضعفه، و إن ورد عن الباقر (عليه السلام): «الوتر في كتاب عليّ واجب، و هو وتر الليل و المغرب و وتر النهار» (3)، لكنّه محمول على التقيّة، أو التأكيد، أو بالنسبة للنبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم)، كما في خبر الساباطي قال: كنّا جلوساً عند الصادق (عليه السلام) بمنى فقال له رجل: ما تقول في النوافل؟ فقال:

«فريضة، قال: ففزعنا و فزع الرجل، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إنّما أعني صلاة الليل على رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم)، إنّ اللّٰه يقول: (وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نٰافِلَةً لَكَ)» (4). أو غير ذلك. و عن حمّاد بن زيد: قلت لأبي حنيفة: كم الصلوات؟ فقال: خمس، فقلت: فالوتر؟

فقال: فرض، قلت: لا أدري تغلط في الجملة أو التفصيل (5). لكنّ الإنصاف- كما عن المنتهى (6)- أنّ هذه السخرية غير لائقة بأبي حنيفة. نعم قيل 7: بناءً عليه ينبغي أن لا تكون وسطى في الصلوات؛ لأنّ اليوميّة حينئذٍ تكون ستّة، مع أنّه يمكن أن يعتبر الوسط، بحيث لا ينافي أنّها ستّة.

____________

(1) في الشرائع: «تسع».

(2) 2، 7 بداية المجتهد 1: 91. الخلاف 1: 535.

(3) الوسائل 4: 91، ب 25 من أعداد الفرائض، ح 4.

(4) الوسائل 4: 68، ب 16 من أعداد الفرائض، ح 6.

(5) المنتهى 4: 14. و انظر بدائع الصنائع 1: 270.

(6) لم نعثر عليه، و نقله عنه في مفتاح الكرامة 2: 5.

16

ثمّ من المعلوم أنّ المراد المفروض بالأصل في الجملة، و إلّا فقد يتّفق الندب له عارضاً كالعيدين، أو الحرمة كالجمعة على قول (1)، و التخيير على آخر (2). أو يكون بعض أفراده مندوباً كإعادة الفريضة، خصوصاً الكسوف، و الصلاة على من لم يبلغ الست و نحو ذلك.

[الصلوات اليوميّة]:

(و) أمّا تفصيل هذه الفرائض: ف(- صلاة اليوم و الليلة خمس): الظهر، و العصر، و المغرب، و العشاء، و الصبح (1)، [و هي من ضروريات الدين]. (و) كذا من ضروريّاته أيضاً: أنّ الخمس (هي سبع عشرة ركعة في الحضر: الصبح ركعتان، و المغرب ثلاث) ركعات، (و كلّ واحدة من البواقي أربع) (2).

بل (و) من ضروريّات مذهبنا أو كضروريّاته أنّه (يسقط من كلّ رباعيّة في السفر ركعتان) و هما الأخيرتان اللتان زادهما رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم)، و مثله الخوف، على ما ستعرف إن شاء اللّٰه تعالى.

[الصلاة الوسطى]:

و أهمّ الخمس و آكدها (3) الوسطى، و هي الظهر (4) [على الأقوى].

____________

(1) و قد كانت في الأصل خمسين، إلّا أنّه (صلى الله عليه و آله و سلم) طلب من ربّه التخفيف عن امّته حتى أنهاها إلى الخمس كما دلّ عليه بعض الأخبار (3)، و لم يخفّفها إمّا لحيائه- بعد- من المراجعة لربّه، أو لأنّه أراد بلوغ الخمسين أيضاً باعتبار أنّ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها. و لا خلاف في وجوبها فيهما، بل هي من ضروريات الدين المستغنية عن الاستدلال بالكتاب المبين، و إجماع المسلمين، و المتواتر من سنّة سيّد المرسلين و الأئمّة المهديّين (صلوات اللّٰه عليهم).

(2) و كانت في الأصل عشر ركعات، في كلّ وقت ركعتان، إلّا أنّ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) أضاف إليها سبعة، فصارت سبع عشرة ركعة كما دلّت عليه بعض النصوص (4).

(3) بنصّ الكتاب فضلًا عن غيره.

(4) 1- للصحيح عن الباقر (عليه السلام) (5)، و إن كانت هي أوّل صلاة صلّاها رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم)، لكن لأنّ وقتها وسط النهار، أو لأنّها متوسّطة بين صلاتي نهار الغداة و العصر، أو لأنّها وسط بين نافلتين متساويتين.

2- و لما عن الشيخ من الإجماع عليه (6).

3- و المروي عن زيد بن ثابت أنّه قال: كان رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) يصلّي الظهر بالهاجرة، و لم يكن صلاة أشدّ على الصحابة منها، فنزلت: (حٰافِظُوا عَلَى الصَّلَوٰاتِ وَ الصَّلٰاةِ الْوُسْطىٰ) (7) (8).

خلافاً لما عن المرتضى من أنّها العصر مدّعياً الإجماع (9) أيضاً عليه:

____________

(1) انظر المراسم: 261. السرائر 1: 304.

(2) انظر المسالك 1: 246. الروض 2: 775.

(3) الوسائل 4: 13، ب 2 من أعداد الفرائض، ح 5.

(4) الوسائل 4: 50، ب 13 من أعداد الفرائض، ح 14.

(5) الوسائل 4: 10- 11، ب 2 من أعداد الفرائض، ح 1.

(6) الخلاف 1: 295.

(7) البقرة: 238.

(8) سنن أبي داود 1: 112، ح 411.

(9) المسائل الميافارقيات (رسائل المرتضى) 1: 275.

17

..........

____________

1- للمرسل عن النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم): «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر» (1).

2- و المرسل عن الحسن بن أمير المؤمنين (عليهما السلام) عن النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) إلى أن قال: «فهي من أحبّ الصلوات للّٰه عزّ و جلّ، و أوصاني بحفظها من بين الصلوات» (2).

3- و لأنّها وسط بين صلاتي نهار و صلاتي ليل.

4- و لبعض الأخبار العامّية (3). و لا ريب أنّ الأوّل أقوى؛ لصحّة روايته، و قوّة اعتباره.

قيل (4): و هنا أقوال اخر كأنّها للعامّة:

1- منها: أنّها الصبح:

أ- لتوسّطها بين صلاتي الليل و صلاتي النهار، و بين الضياء و الظلام.

ب- و لأنّها لا تجمع مع اخرى، فهي منفردة بين مجتمعتين.

جو لمزيد فضلها بحضور ملائكة الليل و النهار، كما قال اللّٰه تعالى: (إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كٰانَ مَشْهُوداً) (5).

د- و لما فيها من المشقّة التي تناسب الأمر بالمحافظة عليها؛ لأنّها مظنّة التضييع بسبب البرد في الشتاء و طيب النوم في الصيف، مع فتور الأعضاء و كثرة النعاس و شدّة الغفلة و محبّة الاستراحة.

2- و منها: أنّها المغرب:

أ- لتوسّطها بين بياض النهار و سواد الليل، و أزيد من ركعتين و أقلّ من أربع، فهي متوسّطة بين رباعي و ثنائي، و لا تنقص في السفر مع زيادتها على الركعتين، فناسب التأكيد بالأمر بالمحافظة عليها.

ب- و لأنّ الظهر هي الاولى؛ إذ قد وجبت أوّلًا فيكون المغرب هي الوسطى.

3- و منها: أنّها العشاء:

أ- لأنّها متوسّطة بين صلاتين لا تقصران الصبح و المغرب، أو بين ليله و نهاره.

ب- و لأنّها أثقل صلاة على المنافقين.

4- و قيل (6): هي مخفيّة مثل ليلة القدر.

5- و عن بعض أئمّة الزيديّة (7) أنّها الجمعة في يومها و الظهر في غيرها.

و أنت خبير أنّ ذلك كلّه اعتبارات و استحسانات و تهجّسات لا يجوز أن تكون مدركاً لحكم شرعي، إنّما الواجب الرجوع في ذلك إلى مهابط الوحي و خُزّان العلم و معادن السرّ، و قد عرفته، و اللّٰه أعلم.

____________

(1) كنز العمال 10: 383، 452، 454، ح 29904، 30094، 30097.

(2) الوسائل 4، 14، ب 2 من أعداد الفرائض، ح 7.

(3) انظر كنز العمال 2: 362، ح 2454. و 7: 380، ح 19383.

(4) الذخيرة: 183.

(5) الإسراء: 78.

(6) نيل الأوطار 1: 311.

(7) تفسير البحر المحيط 2: 241.

18

[النوافل اليوميّة]:

(و) أمّا (نوافلها) أي الفرائض (في الحضر) ف (- أربع و ثلاثون ركعة على الأشهر) (1).

و تفصيلها: (أمام الظهر ثمان، و قبل العصر مثلها، و بعد المغرب أربع، و عقيب العشاء ركعتان من جلوس تعدّان بركعة، و إحدى عشرة صلاة الليل مع ركعتي الشفع و الوتر، و ركعتان للفجر) فيكون حينئذٍ مجموع الفريضة و النافلة إحدى و خمسين ركعة (2).

-

____________

(1) نصّاً و فتوى، بل المشهور نقلًا (1) و تحصيلًا، بل في فوائد الشرائع: «أنّه المعروف في المذهب» (2)، بل في المختلف و الذكرى و المدارك: «لا نعلم فيه مخالفاً» (3)، كالدروس: عليه فتوى الأصحاب (4)، و نحوه كاشف الرموز (5)، لكن بتغيير الفتوى بالعمل، بل عن الخلاف و الانتصار و المهذّب و غاية المرام و مجمع البرهان الإجماع عليه (6).

(2) و يدلّ عليه:

1- مضافاً إلى ما عرفت.

2- الصحيح عن الصادق (عليه السلام): «الفريضة و النافلة إحدى و خمسون ركعة، منها ركعتان بعد العتمة جالساً تعدّان بركعة و هو قائم، الفريضة منها سبع عشرة ركعة، و النافلة أربع و ثلاثون ركعة» (7).

3- و خبر البزنطي: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): إنّ أصحابنا يختلفون في صلاة التطوّع، بعضهم يصلّي أربعاً و أربعين ركعة، و بعضهم يصلّي خمسين، فأخبرني بالذي تعمل به أنت، كيف هو حتى أعمل بمثله؟ فقال: «اصلّي واحدة و خمسين ركعة، ثمّ قال:

أمسك- و عقد بيده- الزوال ثمانية، و أربعاً بعد الظهر، و أربعاً قبل العصر، و ركعتين بعد المغرب، و ركعتين قبل عشاء الآخرة، و ركعتين بعد العشاء من قعود تعدّان بركعة من قيام، و ثمان صلاة الليل، و الوتر ثلاثاً، و ركعتي الفجر، و الفرائض سبع عشرة ركعة، فذلك إحدى و خمسون ركعة» (8).

4- و نحوهما صحيح إسماعيل عن الرضا (عليه السلام) (9).

5- بل و مرفوع ابن أبي قرّة المشتمل على ذكر الوجه للواحدة و الخمسين (10).

6- و الصحيح أيضاً عن الفضيل و البقباق و بكير، قالوا: سمعنا أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «كان رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) يصلّي من التطوّع مثلي الفريضة، و يصوم من التطوّع مثلي الفريضة» (11).

____________

(1) الذكرى 2: 289.

(2) فوائد الشرائع (حياة الكركي) 10: 113.

(3) المختلف 2: 324. الذكرى 2: 289. المدارك 3: 10.

(4) الدروس 1: 136.

(5) كشف الرموز 1: 124.

(6) الخلاف 1: 526. الانتصار: 159. المهذب البارع 1: 278. غاية المرام 1: 115. مجمع الفائدة و البرهان 2: 4.

(7) الوسائل 4: 46، ب 13 من أعداد الفرائض، ح 3.

(8) المصدر السابق: 47، ح 7.

(9) المصدر السابق: 49، ح 11.

(10) المصدر السابق: 48، ح 10.

(11) المصدر السابق: 46، ح 4.

19

..........

____________

و على هذه استقرّ عمل الأصحاب، كما اعترف به غير واحد.

فلا يصغى حينئذٍ بعد ذلك إلى ما عارضها- و إن صحّ سنده- ممّا دلّ على أنّ النافلة ثلاثة و ثلاثون ركعة بإسقاط الوتيرة (1)، و إن كان يشهد له أيضاً الأخبار المستفيضة أنّ النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) كان لا يصلّي بعد العشاء شيئاً حتى ينتصف الليل (2). أو ما دلّ على أنّها تسعة و عشرون بإسقاط أربعة من نافلة العصر معها (3). و إن كان عليه ينطبق خبر يحيى بن حبيب: سألت الرضا (عليه السلام) عن أفضل ما يتقرّب به العباد إلى اللّٰه تعالى من الصلاة؟ قال: «ستّة و أربعون ركعة فرائضه و نوافله، قلت: هذه رواية زرارة، قال: أو ترى أحداً كان أصدع بالحقّ منه؟» (4). أو سبعة و عشرون باسقاط ركعتين من نافلة المغرب معها أيضاً (5)، و إن كان عليه ينطبق أيضاً صحيح ابن سنان: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «لا تصلّ أقلّ من أربع و أربعين ركعة»، قال: و رأيته يصلّي بعد العتمة أربع ركعات (6) خصوصاً.

لكن قد أجاب في المدارك و الذخيرة و الرياض (7) و غيرها عنها جميعها بأنّه ليس في شيء منها عدم استحباب الزائد كي تحصل المنافاة، بل أقصاه تأكّد استحباب ذلك فلا ينافي استحباب الأكثر حينئذٍ. قال الأوّل: «و ربّما كان في قوله (عليه السلام) في صحيح ابن سنان: «لا تصلّ أقل ... إلى آخره» إشعار بذلك». و لا بأس به لو أنّ الأخبار كلّها كما ذكر، لكنّه ليس كذلك؛ إذ:

منها: خبر يحيى بن حبيب المتقدّم.

و منها: خبر ابن أبي عمير: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن أفضل ما جرت به السنّة؟ فقال: «تمام الخمسين» (8).

و منها: خبر عمرو بن حريث الذي سأل فيه الصادق (عليه السلام) عن صلاة رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) فذكرها له بإسقاط الوتيرة، فقال له:

جعلت فداك فإن كنت أقوى على أكثر من هذا يعذّبني اللّٰه على كثرة الصلاة؟ فقال: «لا، و لكن يعذّب على ترك السنّة» (9)؛ إذ لا ريب في دلالته على نفي الزيادة، خصوصاً و قد روى الصدوق عن الصيقل عن الصادق (عليه السلام): «إنّي لأمقت الرجل يأتيني فيسألني عن عمل رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) فيقول: أزيد، كأنّه يرى أنّ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) قصّر في شيء» (10) الحديث.

و منها: صحيح زرارة: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما جرت به السنّة في الصلاة؟ فقال: «ثمان ركعات الزوال، و ركعتان بعد الظهر، و ركعتان قبل العصر، و ركعتان بعد المغرب، و ثلاث عشرة ركعة من آخر الليل، منها الوتر، و ركعتا الفجر، قلت: فهذا جميع ما جرت به السنّة؟ قال: نعم، فقال أبو الخطّاب: أ فرأيت إن قوي فزاد؟ قال: فجلس- و كان متّكئاً- فقال: إن قويت فصلّها كما كانت تصلّى؛ إذ كما ليست في ساعة من النهار فليست في ساعة من الليل، إنّ اللّٰه عزّ و جلّ يقول:

____________

(1) المصدر السابق: 45، ح 1.

(2) الوسائل 4: 248، ب 43 من المواقيت، ح 1، 4.

(3) الوسائل 4: 59، ب 14 من أعداد الفرائض، ح 2، 6.

(4) المصدر السابق: 60، ح 5.

(5) المصدر السابق: 59، ح 1.

(6) المصدر السابق: 60، ح 4.

(7) المدارك 3: 12- 13. الذخيرة: 184. الرياض 3: 24- 25.

(8) الوسائل 4: 46، ب 13 من أعداد الفرائض، ح 5.

(9) المصدر السابق: 47، ح 6.

(10) الفقيه 1: 479، ح 1383.

20

..........

____________

(وَ مِنْ آنٰاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ) (1)» (2). إلى غير ذلك.

فالأولى حمل بعضها على ما ذكر و بعضها على إرادة عدم صلاة الوتيرة محتسباً لها من صلاة الليل، كما يومئ إليه حسن الحلبي: سألت الصادق (عليه السلام): هل قبل العشاء الآخرة و بعدها شيء؟ قال: «لا، غير أنّي اصلّي بعدها ركعتين، و لست أحسبهما من صلاة الليل» (3).

بل قيل (4): و من الرواتب؛ لأنّ الظاهر أنّ فعلها لأجل إتمام كون النافلة ضعف الفريضة، كما يومئ إليه خبر سليمان بن خالد عن الصادق (عليه السلام): «صلاة النافلة ثمان ركعات حين تزول الشمس قبل الظهر، و ستّ ركعات بعد الظهر، و ركعتان قبل العصر، و أربع ركعات بعد المغرب، و ركعتان بعد العشاء الآخرة، تقرأ فيهما مائة آية قائماً أو قاعداً، و القيام أفضل، و لا تعدّهما من الخمسين، و ثمان ركعات من آخر الليل، تقرأ في صلاة الليل ب (قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ) و (قُلْ يٰا أَيُّهَا الْكٰافِرُونَ) في الركعتين الأوّلتين، و تقرأ في سائرها ما أحببت من القرآن، ثمّ الوتر ثلاث ركعات، تقرأ فيها جميعاً (قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ)، و تفصل بينهنّ بتسليم، ثمّ الركعتان اللتان قبل الفجر، تقرأ في الاولى منهما (قُلْ يٰا أَيُّهَا الْكٰافِرُونَ) و في الثانية (قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ)» (5).

و منه يستفاد استحباب قراءة مائة آية فيهما.

و في الذكرى: «أنّه روى ابن أبي عمير عن الصادق (عليه السلام): أنّه كان يقرأ فيهما الواقعة و التوحيد» (6) انتهى.

أو على ما في خبر أبي بصير المروي عن العلل عن الصادق (عليه السلام): «من كان يؤمن باللّٰه و اليوم الآخر فلا يبيتنّ إلّا بوتر، قال:

قلت: يعني الركعتين بعد العشاء الآخرة، قال: نعم، إنّهما بركعة، فمن صلّاهما ثمّ حدث به حدث مات على وتر، فإن لم يحدث به حدث الموت يصلّي الوتر في آخر الليل، فقلت: هل صلّى رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) هاتين؟ قال: لا، قلت: و لِمَ؟ قال: لأنّ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) كان يأتيه الوحي و كان يعلم أنّه هل يموت أم لا، و غيره لا يعلم، فمن أجل ذلك لم يصلّهما و أمر بهما» (7).

أو على إرادة الفريضة و النافلة من العشاء و العتمة التي كان رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) لم يصلّ بعدها شيئاً حتى ينتصف الليل.

أو على التعريض بما تصنعه العامّة من صلاة وتر- غير الوتيرة- بعد العشاء، فإن استيقظوا آخر الليل أعادوه، فيكون وتران في ليلة، و إلّا اكتفوا بذلك، و طرح ما لا يقبل شيئاً من ذلك أو غيره.

و لا بأس به بعد أن اعترف غير واحد بعدم العمل بشيء منها، و معارضتها بما سمعت، و بخصوص ما دلّ على كلّ واحد ممّا نفته من الوتيرة و غيرها ممّا سيمرّ عليك بعضه إن شاء اللّٰه، بل ورد في أخبار نوافل شهر رمضان: أنّ النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) كان يصلّي الوتيرة من جلوس (8)، فلاحظ هناك. و كذا يطرح ما دلّ (9) على الصلاة أربعاً بعد العتمة، أو يراد غير الرواتب منه، أو قضاؤها.

____________

(1) طه: 130.

(2) الوسائل 4: 59- 60، ب 14 من أعداد الفرائض، ح 3.

(3) الوسائل 4: 93، ب 27 من أعداد الفرائض، ح 1.

(4) الرياض 3: 28.

(5) الوسائل 4: 51، ب 13 من أعداد الفرائض، ح 16.

(6) الذكرى 2: 309.

(7) علل الشرائع: 330، ح 1. الوسائل 4: 96، ب 29 من أعداد الفرائض، ح 8.

(8) الوسائل 8: 32، ب 7 من نافلة شهر رمضان، ح 6.

(9) الوسائل 4: 60، ب 14 من أعداد الفرائض، ح 4.

21

[و يستحبّ قراءة مائة آية في الركعتين بعد العشاء الآخرة].

[النوافل للفريضة لا الوقت]:

ثمّ إنّ [الظاهر] (1) أنّ الثمان الاولى نافلة الظهر و الثمانية الثانية نافلة العصر (2)، [لا الوقت].

____________

(1) [كما هو] ظاهر المصنّف كغيره من الأصحاب (1).

(2) بل في المدارك (2) و الذخيرة (3) أنّه المشهور بين الأصحاب.

بل عن المهذّب البارع: أنّ عليه عمل الطائفة (4).

بل عن أمالي الصدوق: أنّ من دين الإماميّة الإقرار بأنّ نافلة العصر ثمان ركعات قبلها (5).

و قد يشهد له تتبّع كلمات الأصحاب في المقام و المواقيت و غيرهما، حيث أضافوهما إلى الفريضة حتى عند التعرّض لسقوطهما، قالوا: مثلًا تسقط نوافل الظهرين.

بل قيل (6): إنّ بعض العبارات التي تحتمل أنّها نوافل للأوقات- كالمقنعة و الخلاف و النهاية و المبسوط (7) و جمل السيد و الوسيلة و الغنية و السرائر (8) و غيرها، حيث قيل فيها: ثمان قبل الظهر و ثمان قبل العصر، و نحو ذلك ممّا لا ظهور فيه بكونها نوافل للفرائض، كالنصوص- قد اضيفت فيها إليها في مواضع عديدة غير هذا الموضع.

و لعلّه لم يلحظها الشهيد في الذكرى، و لذا قال: «إنّ معظم الأخبار و المصنّفات خالية عن التعيين للعصر و غيرها» (9)، 7/ 20/ 39

و تبعه على ذلك- بالنسبة للأخبار- غيره، كسيّد المدارك (10) و فاضل الذخيرة (11).

و الظاهر أنّ الأمر كما ذكروه؛ إذ لم نقف على خبر صريح في كونها نوافل للفرائض، بل و لا مضافة إليها إلّا ما ستسمعه من بعض النصوص التي تمرّ عليك في سقوط النافلة في السفر.

بل ربّما كان بعض النصوص (12) ظاهراً في أنّ الثمان الاولى نافلة للزوال نفسه، كما يومئ إليه إضافتها إليه و غيرها، بل قد يظهر من مرفوع ابن أبي قرّة (13) أنّ جميع النوافل للأوقات كالفرائض.

____________

(1) القواعد 1: 245.

(2) المدارك 3: 13.

(3) الذخيرة: 183، 184.

(4) المهذب البارع 1: 279.

(5) الأمالي: 511.

(6) مفتاح الكرامة 2: 6.

(7) المقنعة: 90. الخلاف 1: 525، 586. النهاية: 57. المبسوط 1: 71.

(8) جمل العلم و العمل (رسائل المرتضى) 3: 31. الوسيلة: 81. الغنية: 106. السرائر 1: 193.

(9) الذكرى 2: 289- 290.

(10) المدارك 3: 13.

(11) الذخيرة: 184.

(12) الوسائل 4: 47، ب 13 من أعداد الفرائض، ح 6.

(13) المصدر السابق: 48، ح 10.

22

..........

____________

و أصرحُ خبر ادّعي دلالته ما رواه الصدوق في العلل (1) عن عبد اللّه بن سنان: سأل الصادق (عليه السلام) لأيّ علّة أوجب رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) صلاة الزوال ثمان قبل الظهر و ثمان قبل العصر؟ فقال (عليه السلام): «لتأكيد الفريضة؛ لأنّ الناس لو لم يكن إلّا أربع ركعات الظهر لكانوا مستخفّين حتى كان يفوتهم الوقت، فلمّا كان شيئاً غير الفريضة أسرعوا إلى ذلك لكثرته، و كذلك الذي قبل العصر ليسرعوا إلى ذلك لكثرته» (2).

و هو- كما ترى- لا صراحة فيه، بل و لا ظهور.

نعم قيل (3): في العيون خبر كعبارة الأمالي، و لم نقف على متنه.

لكن لعلّ فيما سمعت من الإجماع المحكيّ المتقدّم كفاية، خصوصاً بعد شهادة التتبّع له؛ إذ لم يحك عن أحد الخلاف في ذلك.

سوى ما يحكى عن ظاهر هداية الصدوق من جعل الستّ عشر نافلة الظهر (4).

و هو منه عجيب بعد نقله الإجماع المزبور.

و لعلّه هو الذي أراده الراوندي فيما حكي عنه من نسبة جعل الستّ عشر للظهر إلى بعض الأصحاب (5).

و سوى ما يحكى عن ظاهر الإسكافي من جعل ركعتين خاصّة من الثمانية الثانية للعصر (6)، و لعلّه لخبر سليمان ابن خالد المتقدّم (7).

إلّا أنّه- كما ترى- لا دلالة فيه على ذلك؛ إذ القبليّة كالبَعدية لا تقتضي كون النافلة للفريضة، و إن كان الإنصاف أنّها لا تخلو من نوع إشعار.

و كأنّه لا ثمرة معتدّ بها في هذا البحث، بعد أن لم نعتبر في النيّة التعرّض للفرض و غيره، بل يكفي مجرّد قصد القربة بالامتثال للأمر المعلوم تحقّقه على كلّ حال.

بل الظاهر عدم الفساد لو نوى المكلّف الفرض جهلًا منه؛ ضرورة تشخّصها لديه بغير ذلك.

و ربّما قيل: تظهر الثمرة في اعتبار إيقاع الست مثلًا قبل القدمين أو المثل إن جعلناها للظهر.

و فيه: أنّه لا مدخليّة لذلك بعد أن عيّن الشارع وقتها، كما تسمعه إن شاء اللّٰه في المواقيت.

نعم قد يقال بظهور الثمرة فيما لو نذر مثلًا نافلة العصر مثلًا غافلًا أو أناطه بما هو الواقع، و الأمر فيها سهل، فتأمّل جيّداً.

____________

(1) علل الشرائع: 328، ح 3.

(2) الوسائل 4: 53، ب 13 من أعداد الفرائض، ح 21، مع اختلاف.

(3) حاشية المدارك 2: 289.

(4) الهداية: 132.

(5) حكاه في الذكرى 2: 289.

(6) نقله في المختلف 3: 325.

(7) تقدّم في ص 20.

23

و كذا الكلام في نافلة المغرب و العشاء و الصبح (1).

____________

(1) بل في خبر البزنطي السابق (1) ما قد يشعر بأنّ الركعتين من أربعة المغرب نافلة للعشاء، و أنّ الأربعة من ثمانية العصر للظهر. بل في بعض النصوص ما يشعر بأن ليس شيء من أربعة المغرب نافلة لإحدى الصلاتين؛ لأنّ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) فعل ركعتين منهما لمّا بُشِّر بالحسن (عليه السلام)، و ركعتين لمّا بُشِّر بالحسين (عليه السلام) شكراً للّٰه تعالى (2).

و بالجملة: الحقّ أنّه لا صراحة في أكثر النصوص بنفسها في شيء من ذلك. نعم، قد يجعل ما سمعته من الإجماع قرينة على إرادته من بعض النصوص- خصوصاً ما اضيف فيها إلى الأوقات- على إرادة صلاة الوقت، فركعتا الفجر بمعنى ركعتا صلاة الفجر، و على هذا القياس. كما أنّه قد يظهر ذلك أيضاً- أي كون النوافل للفرائض- ممّا استفاضت به الأخبار من أنّ مشروعيّة النوافل لتكميل ما ينقص من الفرائض بسبب عدم الإقبال و نحوه:

1- كصحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): «أنّ العبد ليرفع له من صلاته ثلثها أو نصفها أو ربعها أو خمسها، فما يرفع له إلّا ما أقبل منها بقلبه، و إنّما امروا بالنوافل ليتمّ لهم ما نقصوا من الفريضة» (3).

2- و صحيحه الآخر: قلت للصادق (عليه السلام): إنّ عمّار الساباطي روى عنك رواية، قال: «و ما هي؟ قلت: روى أنّ السنّة فريضة، قال: أين يذهب، أين يذهب؟ ليس هكذا حدّثته، إنّما قلت له: من صلّى فأقبل على صلاته لم يحدّث نفسه فيها أو لم يسه فيها أقبل اللّٰه عليه ما أقبل عليها، فربّما رفع نصفها أو ربعها أو ثلثها أو خمسها، و إنّما امروا بالسنّة ليكمل بها ما ذهب من المكتوبة» (4).

3- و خبر أبي حمزة الثمالي: رأيت عليّ بن الحسين (عليهما السلام) يصلّي فسقط رداؤه عن منكبيه، قال: فلم يسوّه حتى فرغ من صلاته، قال: فسألته عن ذلك، قال: «ويحك أ تدري بين يدي من كنت؟! إنّ العبد لا يقبل من صلاته إلّا ما أقبل منها، فقلت:

جعلت فداك هلكنا، فقال: إنّ اللّٰه ليتمّ ذلك بالنوافل» (5).

4- و أصرح من ذلك كلّه- و إن لم يكن وافياً بتمام المطلوب- خبر عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «لكلّ صلاة مكتوبة ركعتان نافلة إلّا العصر، فإنّه يقدّم نافلتها [فيصيران قبلها]، و هي الركعتان التي تمّت بهما الثمان بعد الظهر» (6) الحديث.

5- و كذلك يظهر أيضاً من النصوص الدالّة على سقوطها في السفر تبعاً للقصر في الفريضة (7)، فلاحظ.

6- بل في بعضها (8) إضافة بعضها إلى الفرائض، بل قد يفهم منها إضافة الجميع، كما سيمرّ عليك بعضها.

و من الغريب ما يظهر من المصنّف من جعل صلاة الليل من نوافل الفرائض أيضاً، مع أنّه لا ريب في استقلالها و عدم مدخليتها بها. لكن لعلّ مراده بقوله: «و نوافلها» لِما عدا صلاة الليل منها.

____________

(1) تقدّم في ص 18.

(2) الوسائل 4: 88، ب 24 من أعداد الفرائض، ح 6.

(3) الوسائل 4: 71، ب 17 من أعداد الفرائض، ح 3، مع اختلاف.

(4) المصدر السابق: 70، ح 2.

(5) الوسائل 5: 478، ب 3 من أفعال الصلاة، ح 6، مع اختلاف.

(6) الوسائل 4: 284، ب 61 من المواقيت، ح 5، مع اختلاف.

(7) انظر الوسائل 4: 81، ب 21 من أعداد الفرائض.

(8) الوسائل 8: 151، ب 39 من بقية الصلوات المندوبة، ح 15.

24

[و أمّا صلاة الليل فلا ريب في استقلالها و عدم مدخليّتها بالفرائض].

[النوافل المؤكّدة]

: ثمّ لا ريب في تأكّد هذه النوافل من بين الصلوات، حتى ورد في بعضها- كصلاة الليل و الوتر- أنّها واجبة (1).

و أمّا تفاوت الفضل بينها (2) فالأولى ترك البحث عن ذلك (3)، و لكلٍّ خصوصيّة لا تدرك بغيرها (4) خصوصاً نافلة الزوال التي هي صلاة الأوّابين و نافلة المغرب التي لا ينبغي أن يتركها الإنسان و لو طلبته الخيل و صلاة الليل التي ورد فيها ما ورد (5).

فالقول بأفضليّتها بالنسبة إلى غيرها غير بعيد، و هو جيّد (6).

____________

(1) و قال سعد بن أبي عمرو الحلّاب للصادق (عليه السلام): ركعتا الفجر تفوتني أ فاصلّيهما؟ قال: «نعم، قلت: لِمَ أ فريضة؟ قال: فقال:

رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) سنّهما، فما سنّ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) فهو فرض» (1)، إلى غير ذلك ممّا يراد منه تأكّد الاستحباب.

(2) فعن ابن بابويه: «أنّ ركعتي الفجر أفضلها، ثمّ ركعة الوتر، ثمّ ركعتا الزوال، ثمّ نافلة المغرب، ثمّ تمام صلاة الليل، ثمّ تمام نوافل النهار» (2). و لم نقف له على دليل في هذا الترتيب.

و عن ابن أبي عقيل: «أنّ الصلاة التي تكون بالليل أوكد النوافل، لا رخصة في تركها في سفر و لا حضر» (3)، و عن الخلاف: «أنّ ركعتي الفجر أفضل من الوتر بإجماعنا» (4).

(3) إذ النصوص في فضل كلٍّ منها وافية.

(4) كما لا يخفى على من لاحظ ما ورد في كلٍّ منها.

(5) حتى أوصى بها النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) عليّاً [(عليه السلام)] ثلاثاً (5) كالزوال.

بل قيل: «إنّ الأخبار في فضل صلاة الليل و التأكيد على فعلها أكثر من غيرها» (6).

(6) بل جزم به في المدارك (7)، ثمّ جعل بعدها نافلة الزوال للوصيّة بها ثلاثاً أيضاً، ثمّ نافلة المغرب للنهي عن تركها سفراً و حضراً، ثمّ ركعتي الفجر؛ لأنّه يشهدها ملائكة الليل و النهار. و قد عرفت التحقيق.

نعم قد يقال بمرجوحيّة الوتيرة بالنسبة إلى الجميع، و بعدها نافلة العصر، مع أنّه لا يخلو من نظر؛ لتظافر النصوص بالنهي عن المبيت على غير وتر، و أنّ من كان يؤمن باللّٰه و اليوم الآخر فلا يبيتنّ إلّا على وتر (8)، و أنّ المراد به الوتيرة، كما يدلّ عليه غير واحد من النصوص:

منها: خبر المفضّل عن الصادق (عليه السلام): قلت: اصلّي العشاء الآخرة فإذا صلّيت صلّيت ركعتين من جلوس، فقال: «أما إنّها واحدة، و لو متّ متّ على وتر» (9)، و غيره من النصوص. و على كلّ حال ف[- لا ينبغي الكلام بين أربع ركعات المغرب].

____________

(1) الوسائل 4: 104، ب 33 من أعداد الفرائض، ح 4، و فيه: «عمرو الجلّاب».

(2) نقله عن أبيه في الفقيه 1: 496.

(3) نقله في المختلف 2: 426.

(4) الخلاف 1: 523.

(5) الوسائل 4: 91، ب 25 من أعداد الفرائض، ح 5.

(6) الذخيرة: 184.

(7) المدارك 3: 23- 24.

(8) انظر الوسائل 4: 94، ب 29 من أعداد الفرائض.

(9) المصدر السابق: 96، ح 7.

25

[كراهة الكلام بين نافلة المغرب]:

[و] لا ينبغي الكلام بين أربع ركعات المغرب (1). نعم يستحبّ عدم الكلام بينهما [بين المغرب و نافلتها] (2). و [الظاهر] (3) استحباب التعقيب قبل النافلة (4) [من غير أن يكون تامّاً].

____________

(1) لخبر أبي الفوارس: نهاني أبو عبد اللّه (عليه السلام) أن أتكلّم بين الأربع ركعات التي بعد المغرب (1).

و في المدارك: أنّ ذلك يقتضي كراهة الكلام بين المغرب و نافلتها بطريق أولى (2). و فيه منع واضح.

(2) لخبر أبي العلاء الخفّاف عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام) قال: «من صلّى المغرب ثمّ عقّب و لم يتكلّم حتى صلّى ركعتين كتبتا له في علّيين، فإن صلّى أربعاً كتبت له حجّة مبرورة» (3).

(3) [إذ] قد يستفاد منه [الخبر] مع ذلك [استحباب ذلك].

(4) لكن عن مقنعة المفيد (4) العكس [أي بعد النافلة]. و لم نقف له على دليل عدا المرسل عن النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم): أنّه لمّا بُشِّر بالحسن (عليه السلام) صلّى ركعتين بعد المغرب شكراً، فلمّا بُشِّر بالحسين (عليه السلام) صلّى ركعتين، و لم يعقِّب حتى فرغ (5). و في ترجيحه على غيره- مع إرساله، و عدم معلوميّة استمرار ذلك [العمل] منه (صلى الله عليه و آله و سلم)، بل لعلّه في خصوص ذلك الوقت مبادرة للشكر- نظر و تردّد، خصوصاً ما ورد (6) في التسبيح ممّا اشتمل على الأمر به قبل أن يثني المصلّي رجليه. و لذا قال في الذكرى- كما عن المقنعة و التهذيب (7) في أحد النقلين-: «الأفضل المبادرة بالنافلة قبل كلّ شيء سوى التسبيح» (8) مستدلّاً عليه بأنّ النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) فعلها كذلك، ثمّ ذكر المرسل السابق. و لا يخفى عدم دلالته على ما استثناه. نعم يدلّ عليه خبر رجاء بن أبي الضحّاك المرويّ عن العيون المشتمل على عمل الإمام الرضا (عليه السلام) في طريق خراسان، قال فيه: فإذا سلّم جلس في مصلّاه يسبّح اللّٰه و يحمده و يُكبّره و يهلّله ما شاء اللّٰه، ثمّ سجد سجدة الشكر، ثمّ رفع رأسه و لم يتكلّم حتى يقوم، فيصلّي أربع ركعات بتسليمتين، يقنت في كلّ ركعتين في الثانية قبل الركوع و بعد القراءة، و كان يقرأ في الاولى من هذه الأربع (الحمد) و (قُلْ يا أيُّها الكٰافِروُن) و في الثانية (قل هو اللّٰه أحد)، ثمّ يجلس بعد التسليم في التعقيب ما شاء اللّٰه، ثمّ يفطر (9). فيراد حينئذٍ من نفي التعقيب في الخبر السابق نفي التمام لا أصل التعقيب، كما يومئ إليه- زيادة على ما عرفته- المرسل عن إرشاد القلوب (10): إنّ أبا جعفر (عليه السلام) لمّا خرج بزوجته امّ الفضل من عند المأمون و وصل شارع الكوفة انتهى إلى دار المسيّب عند غروب الشمس دخل المسجد، و كان في صحنه نبقة لم تحمل، فدعا بكوز فتوضّأ في وسطها، و قام فصلّى بالناس صلاة المغرب- إلى أن قال:- فلمّا سلّم جلس هنيئة و قام من غير أن يعقّب تعقيباً تامّاً فصلّى النوافل الأربع و عقّب بعدها و سجد سجدتي الشكر، فلمّا انتهى إلى النبقة رآها الناس حملت حملًا حسناً فأكلوا منها، فوجدوا نبقاً لا عجم له حلواً (11) الخبر.

____________

(1) الوسائل 6: 488، ب 30 من التعقيب، ح 1.

(2) المدارك 3: 14.

(3) الوسائل 6: 488، ب 30 من التعقيب، ح 2.

(4) المقنعة: 118.

(5) أرسله في المقنعة: 117.

(6) انظر الوسائل 6: 439، ب 7 من التعقيب.

(7) المقنعة: 18. التهذيب 2: 113.

(8) الذكرى 2: 367.

(9) العيون 2: 194- 195، ح 5.

(10) الظاهر أنّه إرشاد المفيد.

(11) الإرشاد 2: 288- 289. الوسائل 6: 490، ب 31 من التعقيب، ح 4، مع اختلاف فيهما.

26

[الدعاء المأثور في السجدة الأخيرة من نافلة المغرب]:

و يستحبّ أن يقول في آخر سجدة من نافلة المغرب كلّ ليلة خصوصاً ليلة الجمعة- ما رواه عبد اللّه بن سنان عن الصادق (عليه السلام)-: «اللّهمّ إنّي أسألك بوجهك الكريم و اسمك العظيم أن تصلّي على محمّد و آل محمّد، و أن تغفر لي ذنبي العظيم، سبع مرات، قال: من قالها انصرف و قد غفر له» (1) (1).

[و أمّا موضع سجدتي الشكر بعد المغرب فهل هو بعد الثلاثة أو السبعة؟ لا ريب أنّ الثاني أولى].

____________

(1) و في الذكرى أنّ محلّ هذا الدعاء السجدة الواقعة بعد السبع (2).

و هو كما ترى، و كأنّ مراده سجدة الشكر؛ لأنّ الظاهر تأخّرها عن السبعة، كما عن المشهور التصريح به:

1- لخبر حفص الجوهري قال: صلّى بنا أبو الحسن (عليه السلام) صلاة المغرب فسجد سجدتي الشكر بعد السابعة، فقلت له: كان آباؤك يسجدون بعد الثلاثة، فقال: «ما كان أحد من آبائي يسجد إلّا بعد السبعة» (3).

2- و مرسل رجاء السابق (4).

لكن روى جهم بن أبي جهم قال: رأيت أبا الحسن موسى (عليه السلام) و قد سجد بعد الثلاث ركعات من المغرب، فقلت له: جعلت فداك رأيتك سجدت بعد الثلاث، فقال: «و رأيتني؟ قلت: نعم، قال: فلا تدعها، فإنّ الدعاء فيها مستجاب» (5). و له استحسن في الذكرى كلًاّ من التقديم و التأخير (6). لكن لا ريب أنّ الثاني أولى:

1- لفتوى المشهور.

2- و دلالة الأوّل على نفي الثاني.

و احتمال الخبر المزبور سجدة مطلقة لا سجدة الشكر، كما اعترف به في الذكرى 7 و إن استبعده.

نعم خبر ابن أبي الضحاك السابق صريح في أنّ الواقعة بعد الثلاث سجدة الشكر، إلّا أنّه و مع ذلك فتأخّرها أولى، هذا.

و قد يوهم ظاهر المتن- كغيره من العبارات، بل و بعض الأخبار (8)- تعيّن الجلوس في الوتيرة.

و قد أشبعنا الكلام في ذلك و في جواز الجلوس و نحوه في مطلق النافلة عند تعرّض المصنّف له في البحث عن الصلوات المسنونة من أراده فليلاحظه هناك. و كذا ظاهره خروج ركعتي الفجر عن صلاة الليل.

بل قد يظهر منه أنّ صلاة الليل الثمان خاصّة، بل الغالب في الأخبار و كلام الأصحاب إطلاقها على الثمانية أو الإحدى عشرة ركعة غير ركعتي الفجر، بل الأوّل هو معقد ما حكي من إجماع الخلاف و كشف اللثام و شرح المفاتيح و ظاهر الغنية (9) و غيره، فضلًا عن الشهرة في التذكرة (10)، و نفي علم الخلاف في الذكرى (11). و إن كان الظاهر أنّ ذلك منهم في مساق بيان عدم زيادة نافلة

____________

(1) الوسائل 7: 394، ب 46 من صلاة الجمعة، ح 1.

(2) الذكرى 2: 295.

(3) الوسائل 6: 489، ب 31 من التعقيب، ح 1.

(4) الوسائل 4: 55، ب 13 من أعداد الفرائض، ح 24.

(5) الوسائل 6: 489، ب 31 من التعقيب، ح 2.

(6) 6، 7 الذكرى 2: 294.

(8) الوسائل 4: 96، 97، ب 29 من أعداد الفرائض، ح 6، 9.

(9) الخلاف 1: 526. كشف اللثام 3: 14. المصابيح 2: 495. الغنية: 106، 107.

(10) التذكرة 2: 263.

(11) الذكرى 2: 263.

27

..........

____________

الليل على ذلك أو نقصانه، مع ذكرهم بعد ذلك للشفع و الوتر و ركعتي الفجر، فتأمّل.

لكن على كلّ حال قيل (1): قد تطلق صلاة الليل- كما في الصحيح و غيره (2)- على الثلاثة عشر ركعة بدخول ركعتي الفجر المسمّاتين بالدسّاستين؛ لقولهم (عليهم السلام): «دسّ بهما في صلاة الليل دسّاً» (3).

و الأمر سهل بعد معلوميّة استحباب الجميع و إن اختصّت كثير من الأخبار المرغّبة بصلاة الليل مثلًا، لكن قد سمعت (4) فيما سبق الإجماع عن خلاف الشيخ على أنّ ركعتي الفجر أفضل من الوتر، و هو المحكيّ عن تصريح ابن بابويه (5) و غيره.

و هما:

1- المعنيّان بقوله تعالى: (وَ إِدْبٰارَ النُّجُومِ) (6) في الصحيحين (7).

2- و المشهودتان لملائكة الليل و النهار، كما في الخبر (8).

3- و عن النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم): «صلّوهما و لو طردتكم الخيل» (9).

4- و «أنّهما خير من الدنيا و ما فيها» (10).

5- و روي: أنّه (صلى الله عليه و آله و سلم) لم يكن على شيء من النوافل أشدّ معاهدة منه عليهما (11).

و الوتر كما قيل 12 أفضل من باقي صلاة الليل:

1- للاكتفاء به مع ركعتي الفجر، كما في خبر معاوية بن وهب عن الصادق (عليه السلام): «أما يرضى أحدكم أن يقوم قبل الصبح و يوتر و يصلّي ركعتي الفجر فيكتب له صلاة الليل؟!» (13).

2- و لقول الصادق (عليه السلام): «من كان يؤمن باللّٰه و اليوم الآخر فلا يبيتنّ إلّا بوتر» (14). ففضلها حينئذٍ على العكس من ترتيب فعلها، فلا يتوهّم حينئذٍ من إطلاق صلاة الليل على الأحد عشر أو الثمانية اختصاصها بما ورد فيها ممّا تواترت به النصوص من فضل صلاة الليل و شدّة طلبها و الحثّ عليها و الوصيّة بها، فضلًا عن إجماع المسلمين، و ما دلّ عليه القرآن المبين، بل في الاعتبار- بعد التأمّل و التدبّر- ما يشهد لما في الآثار، كما هو واضح لُاولي الأبصار وضوح الشمس في رابعة النهار.

____________

(1) كشف اللثام 3: 14.

(2) الوسائل 4: 264، ب 50 من المواقيت، ح 3، 4.

(3) ذكر هذا الخبر في السرائر (1: 195)، و الموجود في كتب الأخبار بلفظ «احشوها» انظر الوسائل 4: 263، 265، ب 50 من المواقيت، ح 1، 6، 8.

(4) تقدّم في ص 24.

(5) 5، 12 الفقيه 1: 496، نقلًا عن رسالة أبيه.

(6) الطور: 49.

(7) الوسائل 4: 104، ب 33 من أعداد الفرائض، ح 2، 3.

(8) الوسائل 4: 51- 52، ب 13 من أعداد الفرائض، ح 19.

(9) سنن أبي داود 2: 20، ح 1258.

(10) كنز العمال 7: 370، ح 19324.

(11) سنن أبي داود 2: 19، ح 1254.

(13) الوسائل 4: 258، ب 46 من المواقيت، ح 3.

(14) الوسائل 4: 96، ب 29 من أعداد الفرائض، ح 8.

28

[أفضلية الوتر من باقي صلاة الليل]

: [ركعتا الفجر مستقلّة في الطلب لا يتوقّف استحباب فعلها على فعل باقي صلاة الليل، بل الظاهر كون صلاة الوتر كذلك، بل لا يبعد ذلك في الثمانية و أبعاضها و بعض الوتر، و كذلك نافلة النهار مستقلّة عن نافلة الليل فيجوز الإتيان بها بدون الآخر، و كذا العكس، و بنافلة كلٍّ من الصلوات الخمس مع ترك الباقي، و كذلك يجوز التبعيض بين صلاة الزوال و العصر و المغرب] (1).

[آداب صلاة الليل]

: و تمام الكلام في صلاة الليل و في الأدعية و الآداب المتقدّمة عليها و في أثنائها و بعدها و غير ذلك يطلب من الكتب المعدّة لمثل ذلك، إلّا أنّه ينبغي أن لا نخلي كتابنا هذا من جملة منه، فنقول:

قال الباقر (عليه السلام) في الصحيح: «إذا قمت بالليل من منامك فقل: الحمد للّٰه الذي ردّ عليَّ روحي لأحمده و أعبده، فإذا سمعت صوت الديوك فقل: سبّوح قدّوس ربّ الملائكة و الروح، سبقت رحمتُك غضَبَك، لا إلٰه إلّا أنت وحدك لا شريك لك، عملتُ سوءاً و ظلمتُ نفسي فاغفر لي و ارحمني، إنّه لا يغفر الذنوب إلّا أنت، فإذا قمت 7/ 30/ 56

فانظر في آفاق السماء و قل: اللّهمّ إنّه لا يواري عنك ليل ساج، و لا سماء ذات أبراج، و لا أرض ذات مهاد، و لا ظلمات بعضها فوق بعض، و لا بحر لجّي، تدلج بين يدي المدلج من خلقك، تعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور، غارت النجوم و نامت العيون، و أنت الحيّ القيّوم، لا تأخذك سنة و لا نوم، سبحان ربّ العالمين، و إله المسلمين، و الحمد للّٰه ربّ العالمين، ثمّ اقرأ خمس آيات من آخر آل عمران: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمٰاوٰاتِ) إلى قوله:

____________

(1) نعم، ركعتا الفجر مستقلة في الطلب لا يتوقّف استحباب فعلها على فعل باقي صلاة الليل، بل الظاهر كون صلاة الوتر كذلك، كما يشهد له بعض النصوص (1) مع الأصل، بل لا يبعد ذلك في الثمانية و أبعاضها و بعض الوتر وفاقاً للعلّامة الطباطبائي (2):

1- للأصل.

2- و لتحقّق الفصل المقتضي للتعدّد.

3- و لعدم وجوب إكمال النافلة بالشروع.

4- و لأنّها شرّعت لتكميل الفرائض، فيكون لكلّ بعض قسط منه، فيصحّ الاتيان به وحده. و لذا أجاز الإتيان بنافلة النهار بدون الليل و بالعكس، و بنافلة كلٍّ من الصلوات الخمس مع ترك الباقي، و إن ذكر الجميع بعدد واحد في النصّ و الفتوى؛ إذ المنساق منه إلى الذهن عدم اشتراط الهيئة الاجتماعيّة في الصحّة، كما يومئ إليه الزيادة و النقصان في النصوص السابقة. و من هنا تعرف البحث حينئذٍ في تبعيض صلاة الزوال و العصر و المغرب؛ إذ الجميع من وادٍ واحد، و الإشكال بأنّ صلاة الليل مثلًا عبادة واحدة فلا تتبعّض سارٍ في الكلّ، و دفعه- بمنع الاتّحاد الذي يمتنع معه التبعيض- متّجه في الجميع، و الجمع بالعدد كالثمان و الأربع مثلًا هنا لا يقتضيه، فتأمّل.

____________

(1) الوسائل 4: 67، ب 16 من أعداد الفرائض، ح 1.

(2) مصابيح الأحكام: الورقة 56.

29

(إِنَّكَ لٰا تُخْلِفُ الْمِيعٰادَ)، ثمّ استك و توضّأ، فإذا وضعت يدك في الماء فقل: بسم اللّٰه و باللّٰه، اللّهمّ اجعلني من التوّابين و اجعلني من المتطهّرين، فإذا فرغت فقل: الحمد للّٰه ربّ العالمين، فإذا قمت إلى صلاتك فقل: بسم اللّٰه الرحمن الرحيم، بسم اللّٰه و باللّٰه، و من اللّٰه و إلى اللّٰه، و ما شاء اللّٰه و لا حول و لا قوّة إلّا باللّٰه، اللّهمّ اجعلني من زوّارك، و عمّار مساجدك، و افتح لي باب توبتك، و أغلق عنّي باب معصيتك و كلّ معصية، الحمد للّٰه الذي جعلني ممّن يناجيه، اللّهمّ أقبل عليَّ بوجهك جلّ ثناؤك، ثمّ افتتح الصلاة بالتكبير» (1) الحديث (2).

و يستحبّ أن يصلّي أمام صلاة الليل ركعتين خفيفتين، يقرأ في اولاهما بقل هو اللّٰه أحد، و في ثانيتهما قل يا أيّها الكافرون، و تسمّيان بصلاة الورد و الافتتاح، و عن أمير المؤمنين (عليه السلام) إنّه كان يدعو بعدهما بالدعاء الذي أوّله:

«اللّهمّ إليك حنّت قلوب المخبتين ... إلى آخره» (3). و هو دعاء عجيب، و روى الشيخ في المصباح عن علي بن الحسين (عليهما السلام) غيره (4)، كما أنّه روى عنه [(عليه السلام)] دعاءً آخر أيضاً في أثنائهما 5.

و يستحبّ أيضاً أن يتوجّه فيهما بالتكبيرات السبعة و الأدعية الثلاثة؛ لأنّها إحدى الصلوات الست أو السبعة- بزيادة الوتيرة- التي ينبغي فعل ذلك فيها. [بل يستحب التوجّه في كلّ فرض و نفل، و يتأكّد في أوّل صلاة الليل و مفردة الوتر] (1). و كيفيّة التكبيرات و الدعاء بينها معلوم في محلّه. و الظاهر أنّ دعاء التوجّه- الذي هو أحد الثلاثة- يكون بعد السبعة لا بينها (2). و لا بأس في قراءة: «يا محسن قد أتاك المسيءُ» بعد السادسة و الخامسة (3)، [أو بعد الإقامة قبل التكبيرات بنيّة القربة المطلقة]. و يجوز الولاء في التكبيرات من غير دعاء، و القطع على الوتر من الواحدة إلى السبع، بل و على الشفع مع الإتيان بالأدعية ولاءً، و بالأوّلين و لو مع التفريق و إن لم يكمل السبع، بل و غير ذلك لكن مع نيّة القربة المطلقة (4).

____________

(1) بل ربّما قيل: إنّ المشهور استحباب التوجّه في كلّ فرض و نفل. نعم، يتأكّد في أوّل صلاة الليل و مفردة الوتر، و لا بأس به؛ لظاهر النصوص (6). و شذّ المرتضى في قصره ذلك على الفرائض فيما حكي عن محمّدياته (7)، كظاهر خلاف الشيخ، مع أنّ الموجود فيما حضرني من نسخته استحباب التوجّه في الفرائض (8) و في سبعة مواضع من النافلة (9)، بل ظاهره الإجماع فيها عليه.

(2) و إن أوهمته بعض العبارات.

(3) بل في مصابيح الطباطبائي: «الظاهر أنّ محلّه بعد الإقامة قبل التكبيرات» (10). و الأمر سهل بعد الاكتفاء بنيّة القربة المطلقة.

(4) و في المصابيح: «أنّ فيه وجهين» 11، و لعلّه يريد مع ملاحظة نيّة الخصوصيّة، و اللّٰه أعلم.

____________

(1) الوسائل 6: 34- 35، ب 13 من تكبيرة الإحرام، ح 1.

(2) ليس للخبر تتمّة.

(3) المستدرك 6: 341، ب 35 من بقيّة الصلوات المندوبة، ح 2.

(4) 4، 5 مصباح المتهجّد: 115- 118.

(6) انظر الوسائل 6: 20، 24، ب 7، 8 من تكبيرة الإحرام.

(7) نقله في المختلف 2: 186.

(8) الخلاف 1: 323.

(9) الخلاف 1: 315، و فيه: «في مواضع مخصوصة».

(10) 10، 11 مصابيح الأحكام: الورقة 58.

30

و أمّا ما يقرأ في صلاة الليل فستعرف الكلام فيه (1) في بحث القراءة، كما أنّك تعرف البحث في وقتها إن شاء اللّٰه كذلك، بل و البحث في الوتر أنّه الثلاث أو الواحدة، و في الفصل و الوصل.

ثمّ [إنّ الظاهر] (2) استحباب التفريق في صلاة الليل، كما كان يفرّقها النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) (3).

____________

(1) عند تعرّض المصنّف له.

(2) [ل]- أنّه قد يستفاد من بعض النصوص كما عن الإسكافي (1) التصريح به.

(3) ففي خبر معاوية بن وهب: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول- و ذكر صلاة النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) قال-: «كان يؤتى بطهور فيخمر عند رأسه، و يوضع سواكه تحت فراشه، ثمّ ينام ما شاء اللّٰه، فإذا استيقظ جلس، ثمّ قلّب بصره في السماء، ثمّ تلا الآيات من آل عمران، ثمّ يستنّ و يتطهّر، ثمّ يقوم إلى المسجد فيركع أربع ركعات، على قدر قراءته ركوعه، و سجوده على قدر ركوعه، يركع حتى يقال:

متى يرفع رأسه؟! و يسجد حتى يقال: متى يرفع رأسه؟! ثمّ يعود إلى فراشه فينام ما شاء اللّٰه، ثمّ يستيقظ فيجلس فيتلو الآيات من آل عمران و يقلّب بصره في السماء، ثمّ يستنّ و يتطهّر، و يقوم إلى المسجد و يصلّي الأربع ركعات كما ركع قبل ذلك، ثمّ يعود إلى فراشه فينام ما شاء اللّٰه، ثمّ يستيقظ و يجلس و يتلو الآيات من آل عمران، و يقلّب بصره في السماء، ثمّ يستنّ و يتطهّر و يقوم إلى المسجد فيوتر و يصلّي الركعتين، ثمّ يخرج إلى الصلاة» (2). و نحوه غيره (3) و إن لم يكن بتمام هذا التفريق.

و احتمال اختصاص ذلك بالنبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم)- كما يلوح من الذكرى 4- يدفعه:

1- أصالة الاشتراك.

2- و الأمر بالتأسّي.

3- بل في صحيح الحلبي عن الصادق (عليه السلام)- بعد ذكره التفريق عن النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم)- قال: «لقد كان لكم في رسول اللّٰه اسوةٌ حسنة» (5) مشيراً به إلى عدم الاختصاص.

4- مضافاً إلى ما في صحيح زرارة السابق: «إن قويت فصلّها كما كانت تصلّى؛ إذ كما ليست في ساعة من ساعات النهار فليست في ساعة من ساعات الليل، إنّ اللّٰه عزّ و جلّ يقول: (وَ مِنْ آنٰاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ) (6)» (7).

5- و خبر ابن بكير عن الصادق (عليه السلام) أيضاً: «ما كان يحمد الرجل أن يقوم من آخر الليل فيصلّي صلاته ضربة واحدة ثمّ ينام و يذهب» 8.

6- إلى غير ذلك.

و لا ينافيه ما دلّ من الأخبار على جواز الصلاة دفعةً واحدة في آخر الليل (9)، كما هو الغالب من أكثر الناس؛ إذ أقصاه الإذن في ذلك، و هو لا ينافي أفضليّة التفريق، هذا. و لكن ستعرف فيما يأتي اتفاق كلمات الأصحاب على أفضليّة فعلها في آخر الوقت على غيره، و تعرف أيضاً تمام الكلام في هذه النصوص، و اللّٰه أعلم.

____________

(1) 1، 4 نقله في المختلف 2: 330. الذكرى 2: 304.

(2) الوسائل 4: 269- 270، ب 53 من المواقيت، ح 1.

(3) 3، 8 المصدر السابق: 271، ح 4، 5.

(5) الوسائل 4: 270، ب 53 من المواقيت، ح 2.

(6) طه: 130.

(7) الوسائل 4: 59- 60، ب 14 من أعداد الفرائض، ح 3.

(9) الوسائل 4: 256، ب 45 من المواقيت، ح 6، و 272، ب 54، ح 3.

31

و يستحبّ أيضاً الاستغفار في الوتر سبعين مرّة، ينصب اليسرى و يعدّ باليمنى (1).

و ينبغي أن يكون استغفاره بأن يقول: «أستغفر اللّٰه و أتوب إليه» (2).

و هل يعتبر فيه اللفظ الصريح، مثل «أستغفره»، و «ربّ اغفر لي» و غيرهما؟ الظاهر ذلك (3).

و لكن لا يخفى عليك عدم اعتبار العدد المخصوص و لا الكيفيّة و لا غيرها في وظيفة الاستغفار بالأسحار، بل و لا كونه في الوتر (4). و أمّا اعتبار المواظبة و الاستمرار فيه ففيه وجهان (5). و الحقّ اعتبارهما في استحقاق مدح المستغفرين بالأسحار، لا في استحباب الاستغفار في السحر، و إن كان الثاني من لوازم الأوّل (6).

و الأولى في كيفيّة الاستغفار الإتيان باللفظ المأثور، و اتّباع النقل الوارد فيه: إمّا في السحر كالاستغفار المنقول في صلاة الوتر و الوارد في تعقيب ركعتي الفجر، أو مطلقاً نحو ما روي في الصحيح عن الصادق (عليه السلام): «من عمل سيّئة اجّل فيها سبع ساعات من النهار، فإن قال: أستغفر اللّٰه الذي لا إله إلّا هو الحيّ القيوم ثلاث مرّات لم تكتب عليه» (1).

____________

(1) كما في النصّ (2).

(2) كما فعله الصادق (عليه السلام) (3).

(3) 1- لأنّه المتبادر، كالتسبيح و التحميد و التكبير التي معانيها ألفاظ مأخوذة منها.

2- و في الحسن عن الصادق (عليه السلام): «كان رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) يستغفر غداة كلّ يوم سبعين مرّة، قلت: كيف كان يقول؟ قال: كان يقول: أستغفر اللّٰه سبعين مرّة، و يقول: أتوب إلى اللّٰه، أتوب إلى اللّٰه سبعين مرّة» (4)، هذا.

(4) لصدق الاسم و عموم اللفظ في الآية و غيرها. فما ورد من تفسير ذلك بالاستغفار سبعين مرّة في صلاة الوتر محمول على الفرد الأكمل.

(5) من دلالة ظواهر الكتاب و السنّة عليه، و من عدم تعقّل الاشتراط بشرط لاحق لمشروط سابق.

(6) 1- و عن العيّاشي عن زرارة: قال أبو جعفر (عليه السلام): «من دام على صلاة الليل و الوتر، و استغفر اللّٰه في كلّ وتر سبعين مرّة، و واظب على ذلك سنة، كتب من المستغفرين بالأسحار» (5).

2- و نحوه خبر أبي بصير (6).

3- و صحيح عمر بن يزيد في أنّ: «من واظب على ذلك في الوتر سنة كتب من المستغفرين بالأسحار» (7).

4- بل في المرسل عن جنّة الأمان: «أربعين ليلة» (8).

____________

(1) الوسائل 16: 65، ب 85 من جهاد النفس، ح 2.

(2) الوسائل 6: 281، ب 11 من القنوت، ح 1.

(3) الوسائل 6: 279، ب 10 من القنوت، ح 2، 3.

(4) الوسائل 7: 179، ب 25 من الذكر، ح 1، مع اختلاف.

(5) تفسير العياشي 1: 165، ح 12. المستدرك 4: 406، ب 8 من القنوت، ح 1.

(6) تفسير العياشي 1: 165، ح 13. المستدرك 4: 406، ب 8 من القنوت، ح 2.

(7) الوسائل 6: 279، ب 10 من القنوت، ح 2، 3.

(8) المستدرك 4: 408، ب 8 من القنوت، ح 6.

32

و في الخبر عنه (عليه السلام): «ما من مؤمن يقارف في يومه و ليلته أربعين كبيرة، فيقول و هو نادم: أستغفر اللّٰه الذي لا إله إلّا هو الحيّ القيّوم بديع السماوات و الأرض ذو الجلال و الإكرام، و أسأله أن يصلّي على محمّد و آل محمّد، و أن يتوب عليَّ إلّا غفرها اللّٰه عزّ و جلّ له، و لا خير فيمن يقارف في يومه و ليلته أكثر من ذلك» (1).

و يستحبّ أن يقول في الوتر أيضاً ما كان يقوله النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم): «هذا مقام العائذ بك من النار» سبع مرّات (2).

و عليّ بن الحسين (عليهما السلام): «العفو العفو» ثلاثمائة مرة (3).

و الدعاء فيه بالمأثور، قيل (4): و لأربعين مؤمناً و أزيد قبل الدعاء لنفسه، بل قيل (5): و الأولى كونهم من أصحاب النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) و الأئمة (عليهم السلام) و يزيد عليهم ما شاء (1).

و أن يقول إذا رفع رأسه من آخر ركعة الوتر ما عن أبي الحسن الأوّل (عليه السلام): «هذا مقام من حسناته نعمة منك، و شكره ضعيف، و ذنبه عظيم، و ليس لذلك إلّا رفقك و رحمتك، فإنّك قلت في كتابك المنزل على لسان نبيّك (6) المرسل صلواتك عليه و آله: و قلّ (كٰانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مٰا يَهْجَعُونَ* وَ بِالْأَسْحٰارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) طال هجوعي قيامي، و هذا السحر، و أنا أستغفرك لذنوبي استغفار من لا يجد لنفسه ضرّاً و لا نفعاً و لا موتاً و لا حياةً و لا نشوراً ثمّ يخرّ ساجداً» (7).

و أن يقول إذا انصرف من الوتر أيضاً ما عن أبي جعفر (عليه السلام): «سبحان ربّي الملك القدّوس العزيز الحكيم ثلاث مرّات، ثمّ يقول: يا حيّ يا قيّوم يا برّ يا رحيم يا غنيّ يا كريم ارزقني من التجارة أعظمها فضلًا، و أوسعها رزقاً، و خيرها لي عاقبة، فإنّه لا خير فيما لا عاقبة له» (8) (2).

____________

(1) و لم نقف على خبر بالخصوص في الأخير. كما أنّ الذي عثرنا عليه مطلق استحباب الدعاء للأربعين قبل دعائه لنفسه كي يستجاب له لا في خصوص الوتر، إلّا أنّه لمّا كان هذا لطلب العفو و الرحمة و غيرهما، استحقّ ذكر كلّ ما له مدخليّة في استجابة الدعاء. بل قد يقال: إنّ اشتهار ذلك بين الأصحاب فتوى و عملًا لا يكون إلّا عن نصّ و إن لم يصل إلينا، و لعلّه للاستغناء بهذه الشهرة عنه، كما هو الشأن في كلّ إجماع لا نصّ فيه، فالأمر سهل و إن لم نقف فيه على نصّ.

نعم ورد (9) أنّه يدعو فيه على من يشاء من أعدائه و يسمّيهم بأسمائهم.

(2) و غير ذلك ممّا هو معلوم بملاحظة الأخبار الواردة عنهم (عليهم السلام).

____________

(1) الوسائل 15: 333، ب 47 من جهاد النفس، ح 3.

(2) الوسائل 6: 279، ب 10 من القنوت، ح 4.

(3) المصدر السابق: 280، ح 5.

(4) الذكرى 2: 306.

(5) الوسيلة: 116.

(6) الذاريات: 17- 18.

(7) البحار 87: 281، ح 73.

(8) الفقيه 1: 494، ح 1422.

(9) انظر الوسائل 6: 283، ب 13 من القنوت.

33

و كذا يستحبّ له الفصل بين صلاة الغداة و نافلتها المدسوسة في صلاة الليل باضطجاعة على الجانب الأيمن و يقرأ الخمس آيات من آخر آل عمران و يدعو بالمأثور، أو بسجدة (1).

[و كذا الفصل أيضاً بدل الضجعة بالسجدة و المشي و الكلام، إلّا أنّ الضجعة بعد السجدة أفضل].

و يستحبّ أيضاً بينهما الصلاة على محمّد و آله مائة مرّة، و أن يقول: «سبحان ربي العظيم و بحمده أستغفر اللّٰه و أتوب إليه» مائة مرّة، و قراءة الإخلاص أحد عشر مرّة، فإنّ من قرأها كذلك لم يتبعه في ذلك اليوم ذنب و إن رغم أنف الشيطان، و من قرأها إحدى و عشرين بنى اللّٰه له بيتاً في الجنّة، و من قرأها أربعين غفر اللّٰه له (1).

و يكره النوم بين صلاة الليل و الفجر (2).

لكنّ الظاهر أنّ ذلك حيث يكون إتمامه صلاته قريباً من الفجر، أمّا إذا قدّمها قريباً من نصف الليل فلا (3).

____________

(1) كما هو مقتضى الجمع بين النصوص (2). لكن في الذكرى: «قال الأصحاب: و يجوز بدل الضجعة السجدة و المشي و الكلام، إلّا أنّ الضجعة أفضل» (3)، و هو متّجه في غير السجدة. و قال الصادق (عليه السلام) في خبر عمر بن يزيد: «إن خفت الشهرة في التكأة فقد يجزيك أن تضع يدك على الأرض و لا تضطجع، و أومأ بأطراف أصابعه من كفّه اليمنى فوضعها في الأرض قليلًا» (4).

(2) كما عن الشيخ و الفاضلين (5) القطع بها:

1- لخبر ابن بكير السابق (6).

2- و لقول أبي الحسن الأخير (عليه السلام) في خبر المروزي: «إيّاك و النوم بين صلاة الليل و الفجر، و لكن ضجعة بلا نوم، فإنّ صاحبه لا يحمد على ما قدّم من صلاته» (7).

(3) و لعلّه عليه ينزّل خبر زرارة عن الباقر (عليه السلام): «إنّما على أحدكم إذا انتصف الليل أن يقوم فيصلّي صلاته جملة واحدة ثلاث عشرة ركعة، ثمّ إن شاء جلس و إن شاء نام و إن شاءَ ذهب حيث شاء» (8). و في الوسائل: «إنّه يدلّ على الجواز و ما سبق على الكراهة فلا منافاة» (9). و مقتضاه ثبوت الكراهة مطلقاً، و فيه صعوبة، بل لعلّه ينافيه خبر زرارة عن الباقر (عليه السلام): «إنّي لُاصلّي صلاة الليل و أفرغ من صلاتي و اصلّي الركعتين فأنام ما شاء اللّٰه قبل أن يطلع الفجر، فإن استيقظت عند الفجر أعدتهما» (10) أي الركعتين، و اللّٰه أعلم.

____________

(1) انظر الوسائل 6: 494، ب 34 من التعقيب.

(2) انظر الوسائل 6: 492، ب 32، 33 من التعقيب.

(3) الذكرى 2: 298.

(4) الوسائل 6: 493، ب 33 من التعقيب، ح 5.

(5) التهذيب 2: 137، ذيل الحديث 533. المعتبر 2: 55. نهاية الإحكام 1: 313.

(6) الوسائل 4: 271، ب 53 من المواقيت، ح 5.

(7) الوسائل 6: 495، ب 35 من التعقيب، ح 1.

(8) المصدر السابق: ح 2.

(9) المصدر السابق: ذيل الحديث 2.

(10) الوسائل 4: 267- 268، ب 51 من المواقيت، ح 9.

34

و كيف كان فقد ظهر لك ممّا مرّ تأكّد هذه النوافل، و أنّه لا ينبغي تركها على حال (1) [أداء و قضاءً].

ثمّ لا يخفى أنّ [الظاهر] (2) أنّ تمام النوافل [مع الفرائض] في الليل و النهار إحدى و خمسون ركعة؛ بمعنى هي التي يستحبّ مؤكّداً فعلها في كلّ يوم و ليلة في الأوقات المخصوصة، لا التي يتّفق عروض استحبابها في خصوص بعض الأيّام أو الليالي أو لبعض العوارض أو لا وقت مخصوص لها أصلًا.

و مع ذلك كلّه فالظاهر إرادة النوافل المتعارفة المستعملة من ذلك، و إلّا فالمستفاد من النصوص أزيد من ذلك كما لا يخفى على المتصفّح لها.

[صلاة الغفيلة]

: و منها (3): الركعتان المسمّاتان بركعتي الغفيلة، اللتان تصلّيان بين المغرب و العشاء، ففي خبر هشام بن سالم عن الصادق (عليه السلام)- المروي في مصباح الشيخ و فلاح السائل-: «من صلّى بين العشاءين ركعتين يقرأ في الاولى

____________

(1) لكن في الذكرى: «قد تترك النافلة لعذر، و منه الهمّ و الغمّ؛ لرواية عليّ بن أسباط عن عدّة منّا: أنّ الكاظم (عليه السلام) كان إذا اهتمّ ترك النافلة (1)، و عن معمّر بن خلّاد عن الرضا (عليه السلام) مثله (2)» (3).

قال في المدارك: «و في الروايتين قصور من حيث السند، و الأولى أن لا تترك النافلة بحال؛ للحثّ الأكيد عليها في النصوص المعتمدة، و قول أبي جعفر (عليه السلام): «إنّ تارك هذا- يعني النافلة- ليس بكافر، و لكنّها معصية؛ لأنّه يستحبّ إذا عمل الرجل عملًا من خير أن يدوم عليه» (4)، و قول الصادق (عليه السلام) في صحيح ابن سنان- الوارد فيمن فاته شيء من النوافل-: «إن كان شغله في طلب معيشة لا بدّ منها أو حاجة لأخ مؤمن فلا شيء عليه، و إن كان شغله لدنيا يتشاغل بها عن الصلاة فعليه القضاء، و إلّا لقي اللّٰه عزّ و جلّ و هو مستخفّ متهاون مضيّع لحرمة رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم)» (5)» (6).

و نحوه في الذخيرة (7).

و فيه: أنّه قد يجمع بين النصوص بإرادة الترك أداءً و قضاءً من الأخيرين كما يشعر به الصحيح الثاني، و الأداء خاصّة من الأوّلين.

و ربّما يؤيّده الاعتبار؛ ضرورة أنّه مع حصول الهمّ و الغمّ لا إقبال له، بحيث يكون بين يدى ربه و يخاطبه، فتأمّل جيّداً.

(2) [كما هو] ظاهر ما سمعته من الأخبار السابقة، بل و الفتاوى.

(3) [كما]- ذكره غير واحد من الأصحاب.

____________

(1) الوسائل 4: 68، ب 16 من أعداد الفرائض، ح 5.

(2) المصدر السابق: ح 4.

(3) الذكرى 2: 313- 314.

(4) الوسائل 4: 59، ب 14 من أعداد الفرائض، ح 1.

(5) الوسائل 4: 75- 76، ب 18 من أعداد الفرائض، ح 2.

(6) المدارك 3: 22- 23.

(7) الذخيرة: 185.

35

الحمد، و قوله تعالى: (وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغٰاضِباً) إلى (الْمُؤْمِنِينَ) (1) و في الثانية الحمد (وَ عِنْدَهُ مَفٰاتِحُ الْغَيْبِ) (2) إلى آخر الآية، فإذا فرغ من القراءة رفع يديه و قال: اللّهمّ إنّي أسألك بمفاتح الغيب التي لا يعلمها غيرك أن تصلّي على محمّد و آل محمد و أن تفعل بي كذا و كذا، و تقول: [اللّهمّ] أنت وليّ نعمتي و القادر على طلبتي و تعلم حاجتي أسألك بمحمّدٍ و آله عليه و (عليهم السلام) لمّا قضيتها لي، و سأل اللّٰه حاجته أعطاه اللّٰه ما سأل» (3) (1).

____________

(1) مع زيادة في الثاني: «لا تتركوا ركعتي الغفيلة و هما ما بين العشاءين». و في خبر وهب و السكوني (4) عن جعفر بن محمّد عن أبيه (عليهما السلام) قال: «قال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم): تنفّلوا في ساعة الغفلة و لو بركعتين خفيفتين، فإنّهما يورثان دار الكرامة، قيل: يا رسول اللّٰه و ما ساعة الغفلة؟ قال: ما بين المغرب و العشاء» (5)، و عن ابن طاوس روايته كذلك بزيادة: قيل: يا رسول اللّٰه و ما معنى خفيفتين؟ قال: «يقرأ فيهما الحمد وحدها» (6).

مضافاً إلى ما ورد في هذه الساعة ممّا يناسب الصلاة فيها:

1- فعن الباقر (عليه السلام): «إنّ إبليس لعنه اللّٰه إنّما يبثّ جنوده جنود الليل من حين مغيب الشمس إلى حين مغيب الشفق و يبثّ جنود النهار من حين مطلع الفجر إلى طلوع الشمس» (7).

2- و عن النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) إنّه كان يقول: «أكثِروا من ذكر اللّٰه تعالى في هاتين الساعتين، و تعوّذوا باللّٰه عزّ و جلّ من شرّ إبليس لعنه اللّٰه و جنوده، و عوّذوا صبيانكم فيهما، فإنّهما ساعتا غفلة» (8).

3- و عن ابن عبّاس في تفسير قوله تعالى: (وَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهٰا) (9): أنّ دخوله كان «فيما بين المغرب و العشاء» (10)، إلى غير ذلك.

و ظاهر الذكرى أنّ ركعتي الغفيلة غير الركعتين اللتين يقرأ فيهما الآيتان السابقتان، قال فيها: «السادس عشر: يستحبّ ركعتان ساعة الغفلة، و قد رواها الشيخ بسنده عن الصادق عن أبيه (عليهما السلام)» و ذكر خبر السكوني السابق ثمّ قال:

«و يستحبّ أيضاً بين المغرب و العشاء ركعتان، يقرأ في الاولى بعد الحمد (و ذا النون)» (11) إلى آخر ما سمعت.

____________

(1) الأنبياء: 87- 88.

(2) الأنعام: 59.

(3) مصباح المتهجد: 94. فلاح السائل: 245. الوسائل 8: 121، ب 20 من بقية الصلوات المندوبة، ح 2.

(4) في المصدر: «أو السكوني».

(5) فلاح السائل: 245. المستدرك 6: 302، ب 15 من بقيّة الصلوات المندوبة، ح 2.

(6) فلاح السائل: 248.

(7) الوسائل 6: 496- 497، ب 36 من التعقيب، ح 5، مع اختلاف.

(8) المصدر السابق: 497، ذيل الحديث 5.

(9) القصص: 15.

(10) مجمع البيان 7- 8: 243.

(11) الذكرى 2: 313.

36

..........

____________

و لعلّ الذي دعاه إلى ذلك اعتبار قراءة الآيتين في أحدهما و اعتبار الخفّة- المفسَّرة بقراءة الحمد وحدها- في الآخر.

و فيه أوّلا: أنّ ظاهر «لو» الوصليّة في خبر السكوني عدم اعتبار الخفّة شرطاً كي ينافي اعتبار قراءة الآية، بل أقصاه الإذن في تركهما، بل ظاهره أنّه الفرد الأدنى.

و ثانياً: أنّه قد يراد بالوحدة في تفسير الخفّة عدم قراءة سورة اخرى، لا مطلق غير الحمد و لو آية.

و ثالثاً: أنّ الزيادة التي سمعتها في الفلاح كالصريحة في الاتّحاد؛ ضرورة بُعد احتمال إرادة النهي عن ترك ركعتي الغفيلة في 7/ 40/ 72

حدّ ذاتهما، لا أنّ المراد الإشارة إلى الركعتين السابقتين.

و رابعاً: أنّه قد يكون من ثمراتهما قضاء الحاجة و إن استحبّا للوقت أيضاً.

و خامساً: أنّه لا دلالة في النصوص على التعدّد؛ إذ أقصى الحاصل منها الأمر بركعتين في ساعة الغفلة، و الأمر بركعتين ما بين المغرب و العشاء يقرأ فيهما كذا، و الفرض أنّ ما بينهما ساعة الغفلة، فأصالة البراءة و عدم التعدّد تقضي باتّحاد المراد منهما، و لا ظهور في اللفظ كي يقطعها، بل قد عرفت الظهور بخلافه؛ إذ الظهور إنّما يسلّم لو كان الأمران من آمر واحد، أمّا مع تعدّده و احتمال إرادة الثاني منهما إبلاغ ما أبلغه الأوّل منهما فلا.

و قد يقال: إنّ ذلك كلّه فيما لو كان الأمران مطلقين أو مقيّدين بقيدين متساويين، أمّا إذا كان أحدهما مطلقاً و الآخر مقيّداً كما في المقام- لو تنزّلنا عن دعوى تقييد الآخر منهما أيضاً بقيد ينافي القيد الآخر على وجه يستلزم التعدّد- فهو من المسألة المعروفة؛ أي وجوب حمل المطلق في المندوبات على المقيّد، و لعلّ التحقيق عدم الحمل؛ لعدم ظهور الوحدة المقتضية للتنافي الموجب للحمل، و إلغاء أحد الدليلين.

و دعوى الفهم العرفي ممنوعة. فالحقّ حينئذٍ مع الشهيد في التعدّد المذكور.

و يؤيّده ظهور الخبر المزبور في كون الركعتين ذات الآيتين للحاجة لا لساعة الغفلة، مضافاً إلى التسامح في السنن. و يدفعه- بعد الإغضاء عن حمله (1) منه-: ظهور خبر ذات الآيتين على ما عن فلاح ابن طاوس في أنّهما ركعتا الغفيلة.

و منه يعرف ما في إنكار ركعتي الغفيلة، كما عن الاستاذ الأكبر (2) حكايته عن بعضهم، و حمل جميع ما جاء فيها من النصوص على إرادة التأكيد و الحثّ على نافلة المغرب، لا أنّ المراد ركعتان غيرهما؛ ضرورة عدم رجحان قراءة الآيتين في نافلة المغرب، لخلوّ النصوص و الفتاوى عنها، بل الموجود فيهما قراءة غير ذلك من السور كما لا يخفى على من لاحظهما.

فاحتمال إرادة نافلة المغرب من ذلك- خصوصاً خبر ذات الآيتين- في غاية الضعف، و إن كان ربّما يؤيّده ما سمعته من الأخبار المشتملة على عدد ما يصلّيه رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) و غيره من الأئمّة الطاهرين (عليهم السلام)، ممّا هو ظاهر أو صريح في عدد لا يندرج فيه الركعتان المزبورتان.

و احتمال عدم فعلهم (عليهم السلام) لها، يدفعه: أنّهم أولى من غيرهم بما يأمرون به و يحثّون عليه، و ينهون عن تركه.

____________

(1) في بعض النسخ: «جملة».

(2) المصابيح 2: 503- 504.

37

..........

____________

بل قد يؤيّده أيضاً: حرمة التطوّع في وقت الفريضة إلّا الرواتب؛ إذ لا ريب- كما قيل (1)- في خروج وقت المغرب بالفراغ منها مع نافلتها لو فعلت بتؤدة، و دخول وقت العشاء بذهاب الشفق حينئذٍ، بل لو سلّم عدم ذهابه، إلّا أنّه لا إشكال عندنا في جواز إيقاع صلاة العشاء قبل؛ لتظافر الأخبار (2) بدخول وقت المغرب و العشاء بغروب الشمس، إلّا أنّ هذه قبل هذه، قصارى ما هناك خروج راتبة المغرب دون غيرها، فصلاة الغفيلة فيه حينئذٍ تطوّع في وقت الفريضة.

و فيه أوّلًا: أنّ الظاهر كون المراد بالنصوص السابقة بيان تمام ما يقع منهم من الرواتب المعروفة المشهورة التي لها تعلّق بالفرائض لا حصر جميع ما يقع منهم من الصلاة، و كيف؟! و قد ورد (3) عنهم أنّهم (عليهم السلام) يصلّون في اليوم و الليلة ألف ركعة.

و ثانياً: ما قيل (4): من أنّ اسم الوقت إذا اطلق فإنّما يراد ما ضُرب لها و حدّت به في الاختيار من غيبوبة الشفق، لا ما رخّص فيه لذوي الأعذار و إن خفت أو في الأسفار، و الذي دلّ على دخول وقت الثانية بالفراغ من الاولى إنّما جاء في الثاني دون الأوّل ردّاً على أهل الخلاف في منعهم من الجمع ردّاً على اللّٰه و رسوله (صلى الله عليه و آله و سلم)؛ و لذلك تظافرت النصوص به، لا أنّ ذلك هو الوقت الموظّف لها، بحيث يحرم فيه التطوّع، فتأمّل جيّداً.

و ثالثاً: أنّه كما اخرجت الرواتب بالدليل فكذا الغفيلة؛ لتظافر النصوص باستحبابها.

إنّما البحث حينئذٍ في المراد بقوله (عليه السلام): «ما بين المغرب و العشاء» فهل هو فعلهما فتصحّ حينئذٍ و إن وقعت بعد أن يذهب الشفق، أو وقت فضيلتهما فلا تصحّ حينئذٍ إلّا قبل ذهابه، فيشكل حينئذٍ بأنّه لا يتّسع لهما و لنافلة المغرب و الفريضة، خصوصاً إذا صلّى الأخيران بتؤدة؟

و قد يقال: إنّ الظاهر الأوّل، لكن لا على أنّ المراد الجواز و إن اتفق تأخير العشاء إلى آخر وقت الإجزاء، بل هو مبنيّ على الغالب من عاداتهم قديماً من أنّهم كانوا إذا فرغوا من المغرب و نافلتها انفضّوا إلى منازلهم حتى إذا ذهب الشفق و نادى المؤذّن بالصلاة أقبل الناس يتسارعون، و كان النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) يرغب في تأخيرها في الجملة مراعاةً للناس؛ لاشتغالهم بالعشاء و قضاء الحاجة و تجديد الطهارة و الاستراحة و نحو ذلك، و يمكث (صلى الله عليه و آله و سلم) كيما يفرغوا و يجتمعوا حتى نادى جفاتهم: نام الناس و الصبيان.

فمن المحتمل أنّه (صلى الله عليه و آله و سلم) ندبهم إلى التطوّع في هذا الوقت بهذه الصلاة و غيرها، كصلاة الوصية التي رواها الشيخ في مصباحه عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام): «إنّ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: اوصيكم بركعتين بين العشاءين يقرأ في الاولى «الحمد» و «إذا زلزلت» ثلاث عشرة مرّة، و في الثانية «الحمد» و «قل هو اللّٰه أحد» خمس عشرة مرّة، فإنّ من فعل ذلك كلّ شهر كان من المتّقين، فإن فعل كلّ سنة مرّة كتب من المحسنين، فإن فعل في كلّ جمعة مرّة كتب من المصلّين، فإن فعل ذلك في كلّ ليلة زاحمني في الجنّة، و لم يحص ثوابه إلّا اللّٰه» (5).

____________

(1) انظر الكافي 3: 280، ذيل الحديث 9.

(2) انظر الوسائل 4: 183، ب 17 من المواقيت.

(3) انظر الوسائل 4: 97، ب 30 من أعداد الفرائض.

(4) الوافي 7: 263.

(5) مصباح المتهجد: 94- 95، مع اختلاف.

38

[صلاة الوصيّة]

: [منها: ركعتان يقرأ في الاولى «الحمد» و «إذا زلزلت» ثلاث عشرة مرّة، و في الثانية «الحمد» و «قل هو اللّٰه أحد» خمس عشرة مرّة] و [منها:] كركعتين اخريين (1): يقرأ في الاولى منهما «الحمد» و عشر آيات من أوّل البقرة و آية السخرة، و (إِلٰهُكُمْ إِلٰهٌ وٰاحِدٌ) إلى قوله: (يَعْقِلُونَ) (1)، و «قل هو اللّٰه أحد» خمس عشرة مرّة، و في الثانية «الحمد» و آية الكرسي و آخر سورة البقرة: (لِلّٰهِ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ) إلى آخرها، و «قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ» خمس عشرة مرّة، و يدعو بعدها بما أحب، ثمّ يقول:- إلى آخره- و يقول عشر مرّات: أستجير باللّٰه من النار، و عشر مرّات: أسأل اللّٰه الجنّة، و عشر مرّات: أسأل اللّٰه الحور العين. و [منها:] كأربع ركعات اخر (2): يقرأ في كلّ ركعة «الحمد» (2) مرّة، و خمسين مرّة «قل هو اللّٰه أحد» (3). و [منها:] كعشر ركعات (4): يقرأ في كلّ ركعة «الحمد» مرّة، و «قل هو اللّٰه أحد» مرّة، قبل أن يتكلّم إذا فرغ من نوافل المغرب، فإنّه يعدل عتق عشر رقاب (5).

-

____________

(1) رواهما 3 هو فيه أيضاً.

(2) [كما] هو رواها فيه أيضاً.

(3) قال: «روي أنّ من فعل ذلك انفتل من صلاته و ليس بينه و بين اللّٰه تعالى ذنب إلّا و قد غفر له» 4.

(4) [كما] هو رواها (5) فيه أيضا.

(5) إلى غير ذلك ممّا هو لأجل تأخير العشاء و عدم الغفلة و النوم قبل صلاتها.

بل قد يستفاد من قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «و لو بركعتين خفيفتين» (6) استحباب ما يتمكّن من النوافل، كما صرّح به في المصباح أيضاً (7)، و إلّا لو اريد بما بين العشاءين الوقت لم يسع لذلك كلّه قطعاً، بل و لا أكثره.

و قد يناقش: بأنّ فعل ذلك كلّه لا يسعه ما تعارف من الفصل بين الفريضتين أيضاً و لو بعد ذهاب الشفق في الجملة، بل هو يقضي بتأخير العشاء إلى غير المتعارف قطعاً، خصوصاً إذا فعل مع ذلك ما رواه الشيخ (8) في كيفيّة أداء الراتبة و ما يقال فيها و قبلها و بعدها. و من الغريب أنّه هو (رحمه الله) قال- بعد أن روى ذلك كلّه-: «فإذا غاب الشفق فأذّن للعشاء الآخرة ... إلى آخره» (9)، و ظاهره إيقاع ذلك كلّه قبل ذهاب الشفق، و قد عرفت أنّه لا يسعه الأوّل [أي بأنّ المراد فعلهما] فضلًا عن الثاني [أي وقت فضيلتهما]. اللّهمّ إلّا أن يريد بالأذان بعد غيبوبة الشفق و لو مع فاصل طويل، لا ابتداء غيبوبته. و يدفع: بأنّ ذلك وارد على الغالب في عادة الناس من عدم فعل الجميع، بل الأوحدي منهم إنّما يفعل البعض، فهو نظير ما ورد من المستحبّات في الليل و النهار ممّا يقطع الواقف عليها بعدم سعتهما له، و لا مخلص منه إلّا بما ذكرنا. أو يدفع: بالتزام تأخير العشاء إلى مضيّ الثلث من الليل، كما هو المحكيّ عن فعل الرضا (عليه السلام) (10)، و اللّٰه أعلم. و لقد طال بنا الخطاب حتى خرجنا عمّا عزمنا عليه من وضع الكتاب، و الإنسان ذو شئون، و الحديث ذو شجون. (و) كيف كان فظاهر تقييد المصنّف العدد المذكور بالحضر أنّها ليست كذلك في غيره، و هو كذلك.

____________

(1) البقرة: 163- 164.

(2) 2، 3، 4 مصباح المتهجد: 95.

(5) مصباح المتهجد: 95- 96.

(6) المستدرك 6: 302، ب 15 من بقيّة الصلوات المندوبة، ح 2.

(7) مصباح المتهجد: 94.

(8) مصباح المتهجد: 86 و ما بعدها.

(9) مصباح المتهجد: 96.

(10) الوسائل 4: 55، ب 13 من أعداد الفرائض، ح 24.

39

[إلى غير ذلك من النوافل، بل يستحب ما يتمكّن من النوافل].

[سقوط نوافل الظهرين و الوتيرة في السفر]

: [و هذا العدد المذكور للحضر]؛ إذ (تسقط في السفر نوافل الظهر و العصر) (1) [حتى مثل الأربعة الزائدة يوم الجمعة أيضاً، دون نافلة الليل و الفجر المدسوسة بها و نافلة المغرب].

____________

(1) بلا خلاف أجده فيه، كما اعترف به غير واحد، بل في صريح الروضة و ظاهر السرائر أو صريحها و عن الخلاف و غيره الإجماع عليه (1)، كظاهر الذكرى و عن المعتبر و المنتهى (2) بل و الأمالي حيث نسبه إلى دين الإماميّة (3). و هو الحجّة، مضافاً إلى النصوص المعتبرة المستفيضة المرويّة في الكتب الأربع و غيرها، فمنها: خبر أبي بصير عن الصادق (عليه السلام): «الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما و لا بعدهما شيء إلّا المغرب، فإنّ بعدها أربع ركعات، لا تدعهنّ في سفر و لا حضر، و ليس عليك قضاء صلاة النهار، و صلّ صلاة الليل و اقضه» (4). و نحوه غيره (5). بل في خبر أبي يحيى الحنّاط النصّ على نافلة النهار، قال: سألت الصادق (عليه السلام) عن صلاة النافلة بالنهار في السفر؟ فقال: «يا بني لو صلحت النافلة بالنهار في السفر تمّت الفريضة» (6). كصحيح ابن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام): سألته عن الصلاة تطوّعاً في السفر؟ قال: «لا تصلّ قبل الركعتين و لا بعدهما شيئاً نهاراً» (7). إلى غير ذلك من النصوص.

لكن ظاهر بعضها- إن لم يكن صريحه- اختصاص ذلك بنوافل النهار، و إن كان في اندراج مثل الأربعة الزائدة يوم الجمعة فيها نظر و تأمّل، كما عن الحواشي المنسوبة إلى الشهيد (8)، من الإطلاق، و من احتمال انصرافه إلى غيرها، و لعلّ الظاهر من الأخبار الأوّل، فتأمّل. و على كلّ حال فظاهر الأدلّة نافلة النهار دون نافلة الليل و الفجر المدسوسة بها: 1- و هو كذلك بلا خلاف أجده فيه فيما عدا الوتيرة. 2- بل قد سمعت التصريح في خبر أبي بصير السابق بعدم سقوط نافلة المغرب، و النهي عن تركها سفراً و حضراً. 3- و نحوه غيره كخبر الحارث بن المغيرة (9) و خبر سماعة (10) و خبر أبي الحارث (11) و غيرها 12.

4- بل في خبر رجاء بن أبي الضحّاك عن الرضا (عليه السلام) التصريح بعدم سقوط غيرها أيضاً، قال: كان في السفر يصلّي فرائضه ركعتين ركعتين إلّا المغرب، فإنّه كان يصلّيها ثلاثاً، و كان لا يدع نافلتها، و لا يدع صلاة الليل و الشفع و الوتر و ركعتي الفجر في سفر و لا حضر، و كان لا يصلّي من نوافل النهار في السفر شيئاً (13). 5- و في خبر آخر: «كان أبي لا يدع ثلاث عشرة ركعة بالليل في سفر و لا حضر» (14). إلى غير ذلك من النصوص التي لا فائدة في ذكرها؛ إذ قد عرفت أنّه لا خلاف بين الأصحاب في عدم سقوط نافلة المغرب و الليل و الفجر. (و) لكنّ الكلام في [الوتيرة ذلك].

____________

(1) الروضة 1: 171. السرائر 1: 194. الخلاف 1: 587.

(2) الذكرى 2: 296. المعتبر 2: 15. المنتهى 4: 22.

(3) أمالي الصدوق: 510، 514.

(4) الوسائل 4: 83، ب 21 من أعداد الفرائض، ح 7.

(5) 5، 12 المصدر السابق: 81، 82، ح 2، 3.

(6) المصدر السابق: 82، ح 4.

(7) المصدر السابق: 81، ح 1.

(8) نسبه إليه في مفتاح الكرامة 2: 10.

(9) الوسائل 4: 86، ب 24 من أعداد الفرائض، ح 1.

(10) المصدر السابق: 87، ح 4.

(11) المصدر السابق: 86، ح 3.

(13) الوسائل 4: 83، ب 21 من أعداد الفرائض، ح 8.

(14) الوسائل 4: 90، ب 25 من أعداد الفرائض، ح 1.

40

[و لكنّ] (الوتيرة) خاصّة من نوافل الليل [تسقط فيها] (1).

____________

(1) فالمشهور- كما حكاه غير واحد- السقوط، بل في الرياض: «أنّها شهرة كادت تكون إجماعاً» (1)، بل عن المنتهى نسبته إلى ظاهر علمائنا (2) مشعراً بالإجماع عليه، كظاهر الغنية (3) بل هو صريح السرائر (4):

1- لإطلاق بعض النصوص: «إنّ الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما و لا بعدهما شيء» (5)، مع اقتصار آخر على استثناء المغرب خاصّة، فإنّ بعدها أربع ركعات 6.

2- و لإشعار خبر أبي يحيى الحنّاط المتقدّم (7) باستلزام مشروعيّة النافلة الإتمام.

3- بل أوضح منه إشعار خبر الفضل بن شاذان المشتمل على العلل التي سمعها من الرضا (عليه السلام)، قال فيه: «إنّما قصرت الصلاة في السفر؛ لأنّ الصلاة المفروضة أوّلًا إنّما هي عشر ركعات، و السبع إنّما زيدت فيها، فخفّف اللّٰه عزّ و جلّ عن العبد تلك الزيادة لموضع سفره و تعبه و نصبه و اشتغاله بأمر نفسه و ظعنه و إقامته، لئلّا يشتغل عمّا لا بدّ منه من معيشته، رحمةً من اللّٰه عزّ و جلّ و تعطّفاً عليه إلّا صلاة المغرب؛ فإنّها لم تقصر؛ لأنّها صلاة مقصرة في الأصل، قال: و إنّما ترك تطوّع النهار و لم يترك تطوّع الليل؛ لأنّ كلّ صلاة لا يقصر فيها فلا يقصر فيما بعدها من التطوّع، و كذلك الغداة لا تقصير فيها، فلا تقصير فيما قبلها من التطوّع» (8).

4- بل و أوضح منهما إشعاراً مرسل ابن مهزيار المروي عن المحاسن عن الصادق (عليه السلام): «ما بال صلاة المغرب لم يقصر فيها رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) في السفر و الحضر و لا في نافلتها؟ فقال: لأنّ الصلاة كانت ركعتين ركعتين، فأضاف إليها رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) إلى كلّ ركعتين ركعتين و وضعهما عن المسافر، و أقرّ المغرب على وجهها في السفر و الحضر، و لم يقصر في ركعتي الفجر أن يكون تمام الصلاة سبع عشرة ركعة في السفر و الحضر» (9).

5- بل يؤيّد ذلك كلّه تعارف السؤال عن عدم سقوط نافلة المغرب دونها، و لو أنّها غير ساقطة لكانت كذلك، بل هي أولى لقصر فريضتها، مع أنّه لم يقع السؤال عنها إلّا في خبر الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام): «إنّما صارت العشاء مقصورة و ليس تترك ركعتاها؛ لأنّهما زيادة في الخمسين تطوّعاً ليتمّ بهما بدل كلّ ركعة من الفريضة ركعتان من التطوّع» (10).

1- و منه لخصوصيّته و تعليله، و اعتبار سنده؛ إذ ليس فيه إلّا عبد الواحد و علي بن محمد، و هما- كما قيل (11)- شيخا إجازة.

____________

(1) الرياض 3: 29.

(2) المنتهى 4: 22.

(3) الغنية: 106، 107.

(4) السرائر 1: 194.

(5) 5، 6 الوسائل 4: 81- 83، ب 21 من أعداد الفرائض، ح 2، 7.

(7) تقدم في ص 39.

(8) الوسائل 4: 87، ب 24 من أعداد الفرائض، ح 5.

(9) المحاسن: 327، ح 78.

(10) الوسائل 4: 95، ب 29 من أعداد الفرائض، ح 3.

(11) مفتاح الكرامة 2: 11.

41

..........

____________

2- و من الأصل.

3- و الإطلاق.

4- و الرضوي: «و النوافل في السفر أربع ركعات بعد المغرب و ركعتان بعد العشاء الآخرة من جلوس ... إلى آخره» (1).

5- و خبر ابن الضحّاك المروي عن العيون عن الرضا (عليه السلام) (2) المشتمل على أحكام كثيرة مفتى بها عند الفقهاء كما قيل (3)، و منها: أنّه كان يصلّي الوتيرة في السفر.

6- و التسامح في السنن.

7- و تقييد بعض النصوص الساقط من النافلة بالنهار (4) و اشتمال آخر (5) على الأمر بصلاة الليل و قضائها مقابل صلاة النهار ممّا يشعر بإرادة مطلق ما يصلّى بالليل لا خصوص الثلاثة عشر.

8- و ظهور الأخبار السابقة في أنّ الساقط إنّما هو الراتب، و الوتيرة ليست منها، بل زيدت إمّا لتدارك الوتر كما دلّت عليه بعض النصوص (6)، أو لإكمال العدد كما دلّ عليه آخر (7) ممّا عرفته سابقاً، فلا دلالة حينئذٍ في أكثر الأخبار السابقة إن لم يكن جميعها. كما أنّه قد يقال: بعدم دلالة الإطلاق السابق أيضاً بعد ظهوره- بملاحظة غيره من الأخبار- في إرادة الظهرين من صلاة السفر التي نفي الشيء قبلها و بعدها، بل ربّما يجزم به باعتبار أنّ صلاة العشاء قبلها نافلة المغرب، اللّهمّ إلّا أن يراد ليس قبلها لها، فتأمّل. و إجماع السرائر ممنوع عليه كما عن كشف الرموز (8)، و معارض بمثله كما ستعرف.

كان (9) ظاهر جماعة التردّد في الحكم، بل هو صريح آخر 10، بل عن الشيخ في النهاية و أبي العبّاس في المهذّب التصريح بعدم سقوطها (11)، بل عن الخلاف: لا تسقط عن المسافر نوافل الليل إجماعاً (12)، بل عن الأمالي:

من دين الإماميّة أنّه لا يسقط من نوافل الليل شيء (13)، و قوّاه الشهيدان في الذكرى و الروضة، بل مال إليه في الذخيرة (14)، و استجوده في المدارك (15) لو لا ضعف خبر ابن أبي الضحّاك السابق بعبد الواحد و عليّ بن محمّد، كما عن شيخه ذلك أيضاً لكن قال: «لو لا الإجماع» 16.

و فيه: أنّ الخبر الأوّل قاصر عن معارضة ما سمعته من الأدلّة السابقة من وجوه:

منها: إعراض الأكثر عنه، بل الجميع إلّا النادر، بل قيل: «إنّ الشيخ قد رجع عنه في جملة من كتبه كالحائريّات و الجمل

____________

(1) فقه الرضا (عليه السلام): 100. المستدرك 3: 67، ب 24 من أعداد الفرائض، ح 1.

(2) العيون 2: 194، ح 5. الوسائل 4: 83، ب 21 من أعداد الفرائض، ح 8.

(3) مفتاح الكرامة 2: 11.

(4) الوسائل 4: 82، ب 21 من أعداد الفرائض، ح 4.

(5) المصدر السابق: 83، ح 7.

(6) الوسائل 4: 96، ب 29 من أعداد الفرائض، ح 8.

(7) المصدر السابق: 95، ح 3.

(8) 8، 10 كشف الرموز 1: 126. كفاية الأحكام 1: 76.

(9) هذا مرتبط بقوله: «و منه» في ص 40.

(11) النهاية: 57. المهذب البارع 1: 283.

(12) الخلاف 1: 586- 587.

(13) أمالي الصدوق: 510، 514.

(14) الذكرى 2: 298. الروضة 1: 171. الذخيرة: 185.

(15) 15، 16 المدارك 3: 227. مجمع الفائدة و البرهان 2: 8.

42

..........

____________

و العقود و المبسوط» (1). و الشهيد و إنّ قوّاه في الذكرى لكن قال: «إلّا أن ينعقد الإجماع على خلافه» (2) مشعراً بنوع تردد فيه، مع أنّ ظاهر عبارته في اللمعة و الدروس القول بالسقوط (3)، مضافاً إلى ما سمعته من دعوى الإجماع صريحاً و ظاهراً التي يشهد لها التتبع.

فمنع الآبي لها في غير محلّه، كمعارضتها بدعوى الإجماع من الخلاف و الأمالي الموهونة بذهاب المشهور- و أيّ شهرة؟!- نقلًا و تحصيلًا إلى السقوط، فهي أولى بالمنع، مع الإغضاء عن إفادة عبارة الأمالي الإجماع، بل قد يدّعى عدم اندراج الوتيرة في «نوافل الليل» التي هي المعقد كعبارة الخلاف، بل هي أولى؛ إذ هي أضعف منها عموماً و خصوصاً، مع دعوى الإجماع فيها التي يبعد إرادته لما يشملها، كيف؟! و مظنّة الإجماع العكس.

و منها: القصور في السند بعبد الواحد و عليّ اللذين لم ينصّ على توثيقهما، و كونهما شيخي إجازة لا يستلزمها، كالقول بأنّ الحكم مستحبّ يتسامح فيه، فلا بأس بالقصور المزبور؛ ضرورة منع التسامح في المقام كما في الرياض، قال: «لأنّ الظاهر من السقوط في النصوص و الفتاوى الحرمة، بل صريح كتابي الحديث للشيخ عدم الاستحباب، فيكون تشريعاً محرّماً، و التسامح المزبور- عند من يقول به- حيث لا يحتمل التحريم، و إلّا فلا تسامح قولًا واحداً، و ليس في النصوص الدالّة على تسويغ قضاء النوافل النهاريّة في الليل دلالة على مشروعيّتها نهاراً حتى تجعل دليلًا، على أنّ المراد بالسقوط- حيث يطلق- الرخصة في الترك و رفع تأكّد الاستحباب، و لو سلّمت فهي معارضة ببعض الروايات السابقة الدالّة على عدم صلاحيّة النافلة في السفر كعدم صلاحيّة الفريضة، و عدم الصلاح يرادف الفساد لغةً، بل و عرفاً مع شهادة المساق بذلك» (4).

و هو و إن كان جيّداً، إلّا أنّه قد يناقش: بأنّ الذي يمنع جريان التسامح هو احتمال الحرمة الغير التشريعيّة، لاهي، و إلّا فلا ينفكّ المستحبّ المتسامح فيه عن احتمالها الذي لا يلتفت إليه بعد عموم «من بلغه» (5) و غيره من أدلّة التسامح، بل يمكن منع أصل التشريع بعد فرض أنّ العبد جاء به لاحتمال أنّه مراد للسيّد، فتأمّل.

اللّهمّ إلّا أن يدّعى ظهور النصوص و الفتاوى في غير الحرمة التشريعيّة هنا، أو يفرّق بين التشريعيّة التي منشأها عدم الدليل 7/ 50/ 88

المعتبر على المشروعيّة مثلًا- مع قطع النظر عن دليل التسامح، و بين التشريعيّة التي منشأها مخالفة النهي عن الفعل كصلاة الحائض و نحوها، و ما نحن فيه من الثاني، لا الأوّل. و أمّا خبر ابن أبي الضحّاك فلم أجد ذلك فيه فيما حضرني من نسخة العيون، بل الموجود خلافه. و الرضوي ليس بحجّة عندنا. و التقييد بالنهار في النصوص السابقة مع أنّه في كلام السائل في البعض، و في آخر في كلام الامام (عليه السلام) تبعاً للسائل، و مبنيّ على حجّية مثله و عمومه- قابل للتخصيص أو التقييد بما عرفته من الأدلّة، كالأصل و الإطلاق السابقين، و كون الحكمة في الوتيرة التدارك أو الإكمال لا ينافي كونها من الرواتب، خصوصاً بعد ذكر النصوص و الفتاوى لها في ضمنها و إدراجها إيّاها فيها حتى صارت بسببها الصلاة إحدى و خمسين، على أنّه لا يعارض الدليل الخاص على سقوطها من الإجماع و غيره ممّا عرفت. و بذلك كلّه ظهر لك ما في أدلّة عدم السقوط، و أنّ الأولى خلافه. و من هنا [قال المصنّف: على الأظهر].

____________

(1) الرياض 3: 28.

(2) الذكرى 2: 298.

(3) اللمعة: 33. الدروس 1: 137.

(4) الرياض 3: 29- 30.

(5) انظر الوسائل 1: 80، ب 18 من مقدّمة العبادات.

43

[على الأولى، و] قال المصنّف: (على الأظهر) و اللّٰه أعلم.

[ثمّ إنّ النوافل المزبورة لا تسقط في الأماكن الأربعة، من غير فرق بين أن يتم الفريضة أو لا، و لا بين أن يصلّي الفريضة خارجاً عنها و النافلة فيها أو يصلّيهما فيهما معاً] (1).

[و] أنّ الظاهر عدم سقوط النافلة عن المسافر الذي هو بحكم الحاضر، ككثير السفر و نحوه (2).

[فصلاحيّة النافلة تتبع صلاحيّة الإتمام لا لوقوعه منه]، كما أنّ سقوطها يتبع تعيّن القصر حتى إذا لم يكن مسافراً، كما إذا صلّى قصراً للخوف (3).

[و] أيضاً [أنّ الظاهر] عدم سقوط النافلة عمّن دخل وقتها عليه و هو حاضر و إن كان من نيّته السفر بعدها و الصلاة قصراً في الطريق (4).

____________

(1) ثمّ إنّ ظاهر المصنّف كغيره سقوط النوافل المزبورة حتى في الأماكن الأربعة.

و فيه نظر إذا اختار المكلّف إيقاع فرائضه على وجه التمام الذي هو مستلزم لصلاحية الإتيان بالنافلة، بل لعلّ من التمام صحّة فعلها.

و لذا صرّح بعضهم كالشهيد (1) و غيره بعدم السقوط حينئذٍ.

بل عن الشيخ نجيب الدين بن نما عن شيخه ابن إدريس: أنّه «لا فرق بين أن يتمّ الفريضة أو لا، و لا بين أن يصلّي الفريضة خارجاً عنها و النافلة فيها أو يصلّيهما معاً فيها» (2)، و لعلّه لما أشرنا إليه من تبعيّتها لصلاحيّة الإتمام في الفريضة لا لوقوعه منه، كما يومئ إليه خبر الحنّاط المتقدّم (3).

فما في المدارك (4) و غيره من أنّه مشكل إذا صلّى الفريضة خارجاً عنها، خصوصاً مع تأخّر النافلة أو مع تقدّمها إذا كان من نيّته صلاة الفريضة خارجاً عنها، قد يدفع بما عرفت، فتأمّل.

و من ذلك تعرف [أنّ الظاهر عدم سقوط ...].

(2) بل في ظاهر الغنية (5) أو صريحها الإجماع عليه؛ لما سمعت من أنّ صلاحيّة النافلة تتبع صلاحيّة الإتمام.

(3) و به صرّح في الدروس (6). و كذا تعرف [أيضاً عدم سقوط ...].

(4) و ربّما يومئ إليه في الجملة الموثّق عن الصادق (عليه السلام): سئل عن الرجل إذا زالت الشمس و هو في منزله ثمّ يخرج في سفر، فقال:

«يبدأ فيصلّيها، ثمّ يصلّي الاولى بتقصير ركعتين» (7) الحديث، هذا.

____________

(1) الذكرى 4: 335.

(2) نقله في الذكرى 4: 335.

(3) تقدّم في ص 39.

(4) المدارك 3: 28، و ليس فيه: «أو مع تقدّمها ...».

(5) الغنية: 106، 107.

(6) الدروس 1: 137، و فيه: «و في الخوف نظر».

(7) الوسائل 4: 85، ب 23 من أعداد الفرائض، ح 1، و فيه: «يبدأ بالزوال».

44

و [الظاهر] (1) سقوط ما عرفت من النوافل أداءً (2) [لا قضاءً].

____________

(1) [كما هو] ظاهر الفتاوى و كثير من النصوص السابقة أيضاً.

(2) و لا ملازمة بينه و بين القضاء حتى لو كان الأداء محرماً؛ إذ هو بفرض جديد كصوم الحائض.

نعم ظاهر خبر سيف التمّار عن الصادق (عليه السلام) سقوطه أيضاً كالأداء، قال: قال بعض أصحابنا: إنّا كنّا نقضي صلاة النهار إذا نزلنا بين المغرب و العشاء الآخرة؟

فقال: «لا، اللّٰه أعلم بعباده حين رخّص لهم، إنّما فرض اللّٰه على المسافر ركعتين لا قبلهما و لا بعدهما شيء إلّا صلاة الليل على بعيرك حيث توجّه بك» (1).

كخبر العامري عن أبي جعفر (عليه السلام): «و ليس عليك قضاء صلاة النهار، و صلّ صلاة الليل و اقضه» (2).

و نحوه خبر أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) (3) و غيره (4).

و المراد منه نفي الاستحباب لا نفي الوجوب قطعاً.

و في خبر ابن حنظلة: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): جعلت فداك إنّي سألتك عن قضاء صلاة النهار بالليل في السفر، فقلت: لا تقضها، و سألك أصحابنا فقلت: اقضوا.

فقال: «أ فأقول لهم: لا تصلّوا؟ و إنّي أكره أن أقول لهم: لا تصلّوا، و اللّٰه ما ذاك عليهم» (5).

و في خبر حنّان بن سدير قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «كان أبي يقضي في السفر نوافل النهار بالليل، و لا يتم صلاة فريضة» (6).

و معاوية بن عمّار: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أقضي صلاة النهار بالليل في السفر؟ فقال: «نعم»، قال إسماعيل بن جابر: أقضي صلاة النهار بالليل في السفر؟ فقال: «لا، فقال: إنّك قلت: نعم! فقال: إنّ ذلك يطيق و أنت لا تطيق» (7).

و ربّما جمع بين هذه الأخبار:

1- بأنّه لا إثم في القضاء و إن لم يكن مسنوناً، و هو كما ترى.

2- أو بالحمل على نفي التأكّد.

3- أو بأنّ المراد- بعد حمل خبر ابن سدير على الإنكار- أنّه لو صلّوها بنية القضاء كانت نفلًا مطلقاً إذا لم يكن القضاء مشروعاً.

فلعلّ الإمام (عليه السلام) لم ينههم عن ذلك لذلك، كما اومئ إليه في خبر ابن حنظلة السابق، فتأمّل جيّداً.

____________

(1) الوسائل 4: 84، ب 22 من أعداد الفرائض، ح 3.

(2) الوسائل 4: 83، ب 21 من أعداد الفرائض، ح 7، و فيه: «عن أبي بصير».

(3) الوسائل 4: 86، ب 24 من أعداد الفرائض، ح 2.

(4) الوسائل 4: 92، ب 26 من أعداد الفرائض، ح 4.

(5) الوسائل 4: 84، ب 22 من أعداد الفرائض، ح 2، مع اختلاف.

(6) المصدر السابق: 85، ح 4، و فيه: «عن حنان بن سدير عن سدير».

(7) المصدر السابق: 84، ح 1.

45

[النوافل ركعتان]

: (و النوافل كلّها) موقّتها و غير موقّتها (ركعتان بتشهّد و تسليم بعدهما إلّا) (1).

____________

(1) ما ستعرف ممّا قام عليه الدليل؛ ضرورة أنّ كيفيّة العبادة توقيفيّة كأصلها، و الثابت من فعلهم و قولهم (عليهم السلام) أنّها ركعتان:

1- ففي خبر أبي بصير المروي في كتاب حريز عن الباقر (عليه السلام): «و افصل بين كلّ ركعتين من نوافلك بالتسليم» (1).

2- و خبر عليّ بن جعفر المروي عن قرب الاسناد سأل أخاه (عليه السلام): عن الرجل يصلّي النافلة أ يصلح له أن يصلّي أربع ركعات لا يسلّم بينهنّ؟ قال: «لا، إلّا أن يسلّم بين كلّ ركعتين» (2). و المناقشة باحتمال إرادة الرواتب و نحوها خاصّة من النافلة، يدفعها:

1- ظهور اللفظ أوّلًا.

2- و الانجبار بالفتوى ثانياً، بل هو المعروف بين الأصحاب كما اعترف به في المدارك (3)، بل في السرائر و عن إرشاد الجعفريّة: «أنّ عليه الإجماع» (4) كظاهر الغنية (5)، و في المحكيّ عن الخلاف: «ينبغي أن يتشهّد بين كلّ ركعتين، و أن لا يزاد على الركعتين إجماعاً، و إن زاد خالف السنّة- ثمّ قال أيضاً:- و أمّا عندنا في كون الواحدة صلاة صحيحة فالأولى أن نقول: لا يجوز؛ لأنّه لا دليل في الشرع على ذلك، و روى ابن مسعود: أنّ النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) نهى عن البتراء (6) أي الركعة الواحدة» (7)، بل لا أجد في ذلك خلافاً صريحاً بيننا.

نعم قد يشمّ من عدم الترجيح في الذكرى (8)، و من نسبة عدم جواز الزيادة على اثنتين إلى مبسوط الشيخ أو إليه و ابن إدريس في المحكيّ عن تحرير الفاضل و تذكرته (9). و عدم جواز الاقتصار على الركعة إلى الشيخ في الذكرى و المحكيّ عن التذكرة أيضاً و المنتهى (10).

و لفظ «الأشبه» و «الأقرب» و نحوهما في كلام بعضهم و نحو ذلك نوع تردّدٍ فيه، بل في المحكيّ عن المنتهى و التذكرة:

«الأفضل في النوافل أن تصلّى كلّ ركعتين بتشهّد واحد و يسلّم بعده» (11)، و هو كالصريح في مفضوليّة غيره، مع أنّ في الأوّل منهما بعد ذلك: «أنّ الذي ثبت فعله من النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) أنّه كان يصلّي مثنى مثنى فيجب اتباعه»، و عن الغريّة: «منع أكثر علمائنا من الزيادة على الركعتين في تطوّع الليل» (12). و هو أيضاً مشعر بوجود المخالف، إلّا أنّا لم نتحقّقه.

____________

(1) الوسائل 4: 63، ب 15 من أعداد الفرائض، ح 3.

(2) قرب الإسناد: 194، ح 736. الوسائل 4: 63، ب 15 من أعداد الفرائض، ح 2.

(3) المدارك 3: 28.

(4) السرائر 1: 193. نقله عن إرشاد الجعفرية في مفتاح الكرامة 2: 11.

(5) الغنية: 106، 107.

(6) نيل الأوطار 3: 38.

(7) الخلاف 1: 527.

(8) الذكرى 2: 296.

(9) التحرير 1: 176، و لم يذكر ابن إدريس. التذكرة 2: 276.

(10) الذكرى 2: 296. التذكرة 2: 277. المنتهى 4: 28.

(11) المنتهى 4: 26. التذكرة 2: 274.

(12) نقله في مفتاح الكرامة 2: 12.

46

..........

____________

نعم قال المقدس الأردبيلي في المحكيّ عن مجمعه: «أنّ الدليل على عدم الزيادة و النقيصة غير ظاهر، و ما رأيت دليلًا صريحاً على ذلك، نعم ذلك مذكور في كلام الأصحاب، و الحكم به مشكل؛ لعموم مشروعيّة الصلاة، و صدق التعريف المشهور على الواحدة و الأربع، و لهذا جوّزوا نذر الوتر و صلاة الأعرابي مع القيد اتّفاقاً، و على الظاهر في غيرهما، و تردّدوا في كونهما فردي المنذورة المطلقة أم لا، و لو كان ذلك حقّاً لما كان لقولهم هذا معنى، و يؤيّده صلاة الاحتياط فإنّها قد تقع ندباً مع الوحدة، فيحتمل أن يكون مرادهم الأفضل و الأولى» إلى أن قال: «أو أنّ مرادهم بقولهم: كلّ النوافل، أنّهم لم يجدوا فيها ما هو ركعة أو أزيد من ركعتين سوى الوتر و صلاة الأعرابي ... إلى آخره» (1). و هو عجيب؛ إذ:

1- عدم الدليل- بعد التسليم- كافٍ في العدم.

2- و عموم مشروعيّة الصلاة لا يثبت الكيفيّة من الكمّية و نحوها قطعاً.

3- و صدق التعريف- مع أنّ المقصود منه ضبط المشروع من الصلاة في الجملة، لا أنّ المراد به كلّ ما صدق عليه ذلك، فهو مشروع و صلاة قطعاً- غير مجدٍ، على أنّ الاستناد إليه مع التصريح من المعرِّفين و غيرهم بخلافه غريب. و أغرب منه الاستناد إلى جواز نذر الوتر و صلاة الأعرابي بعد ثبوتهما بالدليل.

و أطرف شيء:

1- دعواه الظهور في غيرهما، و هو عين المتنازع فيه.

2- و استدلاله بتردّدهم في كون الوتر و صلاة الأعرابي فردي المنذورة المطلقة أم لا، و هو- عند التأمّل- عليه لا له.

3- و تأييده ذلك بصلاة الاحتياط. و هو ثابت بالدليل، مع أنّها ليست مبنيّة على النفل من أوّل وهلة.

4- و ذكره الاحتمالين المزبورين في كلام الأصحاب. و هو منافٍ لتصريحهم كما لا يخفى على من لاحظ كلامهم، بل لعلّه غير محتاج إلى ملاحظة؛ لأنّه المعروف من مذهبهم و طريقتهم و عملهم الذي يقطع بأنّه مأخوذ من أئمّتهم (عليهم السلام).

إنّما يعرف من الشافعي كما حكي عنه أنّه جوّز الصلاة بأيّ عدّة شاء أربعاً و ستّاً و ثمانياً و عشراً شفعاً أو وتراً، و قال: «و إذا زاد على مثنى فالأولى أن يتشهّد عقيب كلّ ركعتين، فإن لم يفعل و تشهّد في اخراهنّ مرّةً واحدة أجزأه» (2). و عن الإملاء: إن صلّى بغير إحصاء جاز (3)، و هو المحكيّ عن مالك (4). و أمّا أبو حنيفة فقيل (5): إنّه وافقنا في بعض أقواله على المنع عن الواحدة، لكن قال: «الأفضل أربعاً أربعاً ليلًا أو نهاراً» (6). و إلّا فأصحابنا لم يعرف بينهم إلّا ما ذكرنا، حتى أنّه لشهرة ذلك بينهم و معروفيّته لم يحتاجوا في تنزيل إطلاق ما ورد من الأمر بالنافلة- بل و إن كان بعدد مخصوص منها كأربع أو ثمان أو عشر أو غير ذلك- على إرادة كلّ ركعتين بتسليم إلى دليل خاص.

بل لعلّ ترك التعرّض له في أكثر النصوص- خصوصاً المتضمّن منها للأمر بالأعداد المخصوصة- أوضح قرينة على معروفيّة ذلك و معلوميّته و استغنائه عن التصريح. و أنّه لو اريد خلافه لنصّ عليه ك[- الوتر و صلاة الأعرابي].

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان 3: 42.

(2) المهذب (للشافعي) 1: 85.

(3) المجموع 4: 49.

(4) الذخيرة (للقرافي) 2: 402.

(5) مفتاح الكرامة 2: 12.

(6) المبسوط (للسرخسي) 1: 158.

47

(الوتر و صلاة الأعرابي) فإنّ الأوّل ليس بركعتين (1).

____________

(1) 1- إجماعاً عندنا محصّلًا و منقولًا (1).

2- و نصوصاً (2) متواترة؛ إذ هو إمّا موصول بالشفع على أن يكون ثلاث ركعات بتسليمة، كما هو مذهب أبي حنيفة و بعض (3)، بل ربّما مال إليه بعض المتأخّرين من أصحابنا، لكن على جهة التخيير كما ستعرفه مفصّلًا. أو مفصول عنه، على أن يكون ركعة واحدة، كما هو المشهور بين الأصحاب نقلًا في الذكرى، و تحصيلًا، بل فيها: «أنّه أشهر الروايات» (4)، بل في المدارك و عن غيره: «أنّه المعروف من مذهب الأصحاب» (5)، بل عن المنتهى: «أنّه مذهب علمائنا»، قال فيه: «و اثنتان للشفع يسلّم فيهما ثمّ يوتر بواحدة، ذهب إليه علماؤنا- إلى أن قال:- و عثمان و سعد و زيد بن ثابت و ابن عباس و ابن عمر و ابن زبير و أبو موسى و عائشة و سعيد بن المسيّب و عطاء و مالك و الأوزاعي و الشافعي و إسحاق و أحمد و أبو ثور» (6). و في المحكيّ عن التذكرة: «الوتر عندنا واحدة لا يزاد عليها، و ما يصلّى قبلها ليس من الوتر» (7)، و حكى القول بذلك أيضاً عن جماعة ممن سمعت، و كشف اللثام «أنّ الوتر عندنا واحدة» (8)، بل في المحكيّ عن الخلاف صريح الإجماع عليه (9)، كما عن الأمالي:

الشفع ركعتان و الوتر ركعة واحدة من دين الإماميّة (10). فيكون حينئذٍ الشفع اسماً للركعتين و الوتر للواحدة، و هو إطلاق معروف بين الأصحاب قدمائهم و متأخّريهم، بل الظاهر أنّه حقيقة متشرّعية إن لم تكن شرعيّة.

و من العجيب ما في المدارك و غيرها من أنّ «المستفاد من الروايات الصحيحة أنّ الوتر اسم للركعات الثلاثة، لا الركعة الواحدة الواقعة بعد الشفع كما يوجد في عبارات المتأخّرين» 11.

و كأنّه لم يلحظ ما وقفنا عليه أو نقل لنا من عبارات القدماء كالفقيه و الهداية و الأمالي و المقنع و المقنعة و النهاية و الخلاف و المصباح و جمل العلم و العمل و المراسم و الكافي و الوسيلة و الغنية و السرائر (12) و غيرها من تصانيفهم.

و الأصل في ذلك ورود الشفع و الوتر بهذا المعنى في الأخبار المستفيضة، بل و في الكتاب العزيز على ما روي في بعض تلك الأخبار.

فعن كتاب دعائم الإسلام عن الصادق (عليه السلام) في قول اللّٰه عزّ و جلّ: (وَ الشَّفْعِ وَ الْوَتْرِ) (13): «الشفع الركعتان، و الوتر

____________

(1) مفتاح الكرامة 2: 12.

(2) الوسائل 4: 65، ب 15 من أعداد الفرائض، ح 10، 15.

(3) المجموع 2: 22.

(4) الذكرى 2: 304.

(5) 5، 11 المدارك 3: 17.

(6) المنتهى 4: 19- 20.

(7) التذكرة 2: 264.

(8) كشف اللثام 3: 17.

(9) الخلاف 1: 536.

(10) أمالي الصدوق: 510، 511.

(12) الفقيه 1: 485، ذيل الحديث 1400. الهداية: 149. أمالي الصدوق: 510، 511. المقنع: 133. المقنعة: 123. النهاية: 120. الخلاف 1: 535- 536. مصباح المتهجد: 133. جمل العلم و العمل (رسائل المرتضى) 3: 31. المراسم: 81. الكافي: 158- 159. الوسيلة: 116. الغنية: 106. السرائر 1: 308.

(13) الفجر: 3.

48

..........

____________

الواحدة التي يقنت فيها» (1).

و عن تفسير عليّ بن إبراهيم: «الشفع ركعتان، و الوتر ركعة» (2).

و لا ينافيه التفسير في بعض الأخبار بالخلق و الخالق (3)، أو بالحسنين و أمير المؤمنين (عليهم السلام) 4، أو بيومي التروية و عرفة 5، أو غير ذلك، كما يشهد له قوله تعالى: (وَ لَيٰالٍ عَشْرٍ) (6)؛ فإنّ المراد منها عشر ذي الحجّة، كما عن المشهور؛ إذ الكتاب يحتمل الوجوه المختلفة و البطون المتعدّدة، و إن كان الأوفق باللغة إرادة الشفع و الوتر من كلّ شيء، كما يقرب منه ما عن مجمع الطبرسي عن النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم): «أنّ الشفع و الوتر هما الصلاة، منها شفع و منها وتر» 7.

بل لعلّ مراده ما ذكرنا مع حمل ذلك منه على بيان الأفراد دون تعيين المراد، بل يمكن حمل الأخبار السابقة على ذلك أيضاً، فتخرج الآية حينئذٍ عن الدلالة على المطلوب. لكنّ الخبرين الأوّلين- و إن حملا أيضاً على بيان الأفراد- دالّان عليه:

1- كخبر الفضل بن شاذان المروي عن العيون عن الرضا (عليه السلام) في بيان شرائع الإسلام: «و السنّة من الصلاة أربع و ثلاثون» إلى أن قال: «و الشفع و الوتر ثلاث ركعات يسلّم بعد ركعتين» (8).

2- و خبر الأعمش المروي عن الخصال عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام) في حديث شرائع الدين: «و السنّة أربع و ثلاثون» إلى أن قال: «و الشفع ركعتان، و الوتر ركعة» (9).

3- قيل (10): و نحوه المرسل عن تحف العقول (11).

4- و عن الرضا (عليه السلام) في المروي عن روضة الواعظين: «عليكم بصلاة الليل، فما من عبد يقوم آخر الليل فيصلّي ثمان ركعات و ركعتي الشفع و ركعة الوتر و استغفر اللّٰه في قنوته سبعين مرّة إلّا أجير من عذاب القبر و من عذاب النار، و مدّ له في عمره، و وسّع له في معيشته» (12).

5- و خبر عبد الرحمن بن كثير عن الصادق (عليه السلام) المروي عن جنّة الأمان عن تتمّات المصباح لابن طاوس: «كان أبي يقرأ في الشفع و الوتر بالتوحيد» (13).

6- و في المروي عن فقه الرضا (عليه السلام): «و تقرأ في ركعتي الشفع في الاولى (سبّح اسم)، و في الثانية (قل يا أيّها

____________

(1) دعائم الإسلام 1: 205.

(2) 2، 4 تفسير القمي 2: 419.

(3) 3، 5، 7 مجمع البيان 9- 10: 485.

(6) الفجر: 2.

(8) العيون 2: 129- 130، ح 1. الوسائل 4: 54، ب 13 من أعداد الفرائض، ح 23.

(9) الخصال: 603، ح 9. الوسائل 4: 57، ب 13 من أعداد الفرائض، ح 25.

(10) الوسائل 4: 55، ب 13 من أعداد الفرائض، ذيل الحديث 23.

(11) تحف العقول: 312.

(12) روضة الواعظين: 320. المستدرك 6: 331، ب 33 من بقيّة الصلوات المندوبة، ح 16.

(13) المصباح للكفعمي: 52. المستدرك 4: 212، ب 42 من القراءة في الصلاة، ح 1.

49

..........

____________

الكافرون)، و في الوتر (قل هو اللّٰه أحد)» (1).

7- و المرسل: كان النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) يفصل بين الشفع و الوتر (2).

8- و آخر: كان الرضا (عليه السلام) يسلّم بين الشفع و الوتر و يقنت فيهما (3).

9- و ثالث: عن النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) أنّه قال: «الوتر بركعة من آخر الليل» (4).

10- و رابع: أنّه (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة» (5).

11- و خامس: أنّه (صلى الله عليه و آله و سلم) كان بالليل يصلّي أحد عشر ركعة، يسلّم بين كلّ ركعتين، و يوتر بواحدة (6).

12- و الحسن كالصحيح عن الصادق (عليه السلام) المروي في باب التفويض من اصول الكافي في حديث طويل: «و النافلة إحدى و خمسون ركعة، منها ركعتان بعد العتمة جالساً تعدّ بركعة مكان الوتر» (7).

13- و خبر أبي بصير عنه (عليه السلام) أيضاً المروي عن العلل: «من كان يؤمن باللّٰه و اليوم الآخر فلا يبيتنّ إلّا بوتر، قال: قلت: تعني الركعتين بعد العشاء الآخرة؟ قال: نعم إنّهما بركعة، فمن صلّاها ثمّ حدث به حدث الموت مات على وتر، و إن لم يحدث به حدث الموت صلّى الوتر في آخر الليل» (8).

و العجب ممّا يحكى عن بعض المتبحّرين من المحدّثين (قدس سره)م (9) من أنّه لم يرد بذلك خبر أصلًا إلّا حديث رجاء 10، و ردّه بالضعف و الشذوذ.

و لعلّ عذره تفرّق الأخبار المذكورة في كتب الأصحاب، و خروج أكثرها عن الكتب الأربعة التي عليها مدار النظر في الغالب.

نعم الأشهر في الروايات إطلاق الوتر على الركعات الثلاث، و هي المفردة و الركعتان قبلها، بل لعلّها تجاوزت حدّ المتواتر.

و في مفتاح الكرامة: «أنّها ربّما نافت على أربعين خبراً ... إلى آخره» (11).

لكن هي أنواع:

1- منها: ما اشتمل على تحديد الوتر بالثلاث:

____________

(1) فقه الرضا (عليه السلام): 138.

(2) أرسله في مصابيح الأحكام: الورقة 61.

(3) 3، 10 الوسائل 4: 56، ب 13 من أعداد الفرائض، ح 24.

(4) سنن النسائي 3: 233.

(5) الوسائل 4: 260، ب 46 من المواقيت، ح 11.

(6) سنن البيهقي 2: 486.

(7) الكافي 1: 266، ح 4. الوسائل 4: 45، ب 13 من أعداد الفرائض، ح 2.

(8) علل الشرائع: 330، ح 1. الوسائل 4: 96، ب 29 من أعداد الفرائض، ح 8.

(9) الحدائق 6: 41.

(11) مفتاح الكرامة 2: 9.

50

..........

____________

أ- كصحيح أبي بصير عن الصادق (عليه السلام): «و الوتر ثلاث ركعات مفصولة» (1).

ب- و صحيحه الآخر عنه (عليه السلام) أيضاً: «الوتر ثلاث ركعات، اثنتين مفصولة، و واحدة» (2).

جو موثّق سليمان بن خالد عنه (عليه السلام) أيضاً: «الوتر ثلاث ركعات، تفصل بينهنّ و تقرأ فيهن جميعاً بقل هو اللّٰه أحد» (3).

د- و موثّق أبي بصير في قضاء الوتر: «الوتر ثلاث ركعات إلى زوال الشمس، فإذا زالت فأربع ركعات» (4). و إن كان ذيله محمولًا على التقيّة، فإنّ الوتر يقضى عندنا وتراً أبداً كما نطقت به الصحاح المستفيضة (5).

2- و منها: ما استعمل فيه الوتر مع التصريح بإرادة الثلاث من غير تحديد فيه:

أ- كصحيح معاوية بن عمّار قال: قال لي: «اقرأ في الوتر في ثلاثهنّ بقل هو اللّٰه أحد و سلّم في الركعتين» (6).

7/ 60/ 104

ب- و صحيح عبد اللّه بن سنان: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الوتر ما يقرأ فيهنّ جميعاً؟ قال: «بقل هو اللّٰه أحد، قلت: في ثلاثهنّ؟ قال: نعم» (7).

جو صحيح ابن الحجّاج: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)- أيضاً- عن القراءة في الوتر؟ فقال: «كان بيني و بين أبي باب فكان إذا صلّى يقرأ في الوتر قل هو اللّٰه أحد في ثلاثهنّ» (8).

د- و صحيح يعقوب بن يقطين: سألت العبد الصالح (عليه السلام) عن القراءة في الوتر و قلت: إنّ بعضاً روى قل هو اللّٰه أحد في الثلاث، و بعضاً روى المعوّذتين و في الثالثة قل هو اللّٰه أحد؟ فقال: «اعمل بالمعوّذتين و قل هو اللّٰه أحد» (9).

هو صحيح أبي ولّاد الحنّاط عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «لا بأس أن يصلّي الرجل الركعتين من الوتر ثمّ ينصرف فيقضي حاجته ثمّ يرجع فيصلّي ركعة» (10).

و- و صحيحه الآخر: سألته- أيضاً- عن التسليم في ركعتي الوتر؟ فقال: «نعم و إن كانت لك حاجة فاخرج و اقضها ثمّ عد و اركع ركعة» (11).

ز- و موثق سليمان بن خالد عن الصادق (عليه السلام): «ثمّ الوتر ثلاث ركعات تقرأ فيها جميعاً قل هو اللّٰه أحد، و تفصل بينهنّ» (12).

ح- و موثّق حنّان عنه (عليه السلام) أيضاً: «كان النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) يصلّي ثمان ركعات» إلى أن قال: «و ثلاث الوتر» (13).

ط- و خبر البزنطي عن أبي الحسن (عليه السلام): أنّه عقد بيده: الزوال ثمانية إلى أن قال: «و الوتر ثلاثاً» (14).

____________

(1) الوسائل 4: 59، ب 14 من أعداد الفرائض، ح 2.

(2) الوسائل 4: 64، ب 15 من أعداد الفرائض، ح 10.

(3) المصدر السابق: ح 9.

(4) الوسائل 8: 275، ب 10 من قضاء الصلوات، ح 12.

(5) انظر الوسائل 8: 272، ب 10 من قضاء الصلوات.

(6) الوسائل 4: 64، ب 15 من أعداد الفرائض، ح 7.

(7) الوسائل 6: 131، ب 56 من القراءة في الصلاة، ح 1.

(8) المصدر السابق: ح 2.

(9) المصدر السابق: 132، ح 5.

(10) الوسائل 4: 63، ب 15 من أعداد الفرائض، ح 4.

(11) المصدر السابق: 62، ح 1.

(12) الوسائل 4: 51، ب 13 من أعداد الفرائض، ح 16.

(13) المصدر السابق: 47، ح 6.

(14) المصدر السابق: ح 7.

51

..........

____________

ي- و في المحكيّ عن فقه الرضا (عليه السلام): «و ثلاث ركعات الوتر، و هي صلاة الراغبين» (1).

3- و منها: ما يفهم إرادة الثلاث منه بمعونة القرائن:

أ- كصحيحتي الحلبي و معاوية بن وهب المتضمّنتين لتفريق النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) لصلواته ثلاث أوقات، وقتين للثمان، و وقت للوتر و ركعتي الفجر (2).

ب- و الأخبار المستفيضة الدالّة على جواز تقديم صلاة الليل و الوتر و تأخيرهما لذوي الأعذار:

1- كصحيح سليمان بن خالد (3).

2- و حسنة عبد اللّه بن سنان (4).

3- و رواية عمر بن يزيد (5).

4- و رواية أبي جرير القمي (6).

5- و رواية الحلبي (7).

6- و خبر يعقوب بن سالم (8).

و غيرها من الأخبار التي قوبل فيها الوتر بصلاة الليل التي هي الثمان، أو وسّطت بينها و بين ركعتي الفجر، فإنّ المعلوم- بقرينة المقابلة- أنّ المراد بها الثلاث دون الواحدة.

فهذه الأخبار و ما في معناها- و جملتها خمسون حديثاً أو أكثر- قد تضمّنت إطلاق الوتر على الركعات الثلاث و تحديده بها.

و قد علم منها و من الروايات المتقدّمة التي استعمل فيها الوتر في الركعة الواحدة وروده فيها بالمعنيين، و استفاضة النقل بهما و إن كان استعماله في الثلاث أكثر و أغلب.

و قد اجتمع الأمران في بعض الأخبار، كما أنّه ورد استعمال الوتر في روايات العامّة في الواحدة و الثلاث و الخمس و السبع (9)، و استفادوا منها كون الوتر هي صلاة الليل المقطوعة على وتر في آخرها.

و ربما احتمله بعض أخبارنا أيضاً، و الأمر في ذلك سهل.

____________

(1) فقه الرضا (عليه السلام): 100. المستدرك 3: 50، ب 13 من أعداد الفرائض، ح 4.

(2) الوسائل 4: 270، ب 53 من المواقيت، ح 1، 2.

(3) الوسائل 4: 261، ب 48 من المواقيت، ح 3.

(4) الوسائل 4: 259، ب 46 من المواقيت، ح 9.

(5) الوسائل 4: 262، ب 48 من المواقيت، ح 5.

(6) الوسائل 4: 251، ب 44 من المواقيت، ح 6.

(7) المصدر السابق: ح 8.

(8) المصدر السابق: 252، ح 10.

(9) سنن النسائي 3: 238.

52

[بل هي حقيقة- و هذا هو المعنى الحقيقي الشرعي له- في الركعة الواحدة التي هي آخر صلاة الليل] (1).

____________

(1) إنّما الكلام في تعيين المعنى الحقيقي للوتر شرعاً بحيث إذا اطلق يحمل عليه، و قد اختلف فيه أصحابنا و غيرهم- بعد الاتفاق من الجميع على نقله عن معناه الأصلي و وضعه للصلاة، و عدم خروجه من صلاة الليل- على أقوال: أحدها: و هو ظاهر الأكثر من علمائنا: أنّه حقيقة في الركعة الواحدة التي هي آخر صلاة الليل، بل عن جملة من كتبهم تحديد الوتر بها و تحديدها به، بل قد سمعت فيما تقدّم معقد صريح الإجماع و ظاهره من الصدوق و الشيخ و الفاضل و غيرهم ممّا هو صريح أو كالصريح في أنّه حقيقة عندهم في الركعة الواحدة.

و قد يشهد له: 1- مضافاً إلى ذلك. 2- و إلى ما عرفته من الاستعمال في كثير من الأخبار قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «الوتر ركعة من آخر الليل» (1). 3- بل و قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «إنّ الوتر صلاة واحدة» (2)، لكن بناءً على ما عندنا من أنّ الثلاث صلاتان؛ إذ لا يكون حينئذٍ وتراً إلّا باعتبار انضمام إحدى الصلاتين إلى الاخرى، و بهذا الاعتبار يمكن صيرورتها وتراً مع جميع الصلوات التي قبلها، بل صيرورة جميع الصلوات وتراً، و الظاهر من تسمية الوتر بهذا الاسم كونها وتراً بنفسها لا باعتبار أمر آخر، كما هو واضح.

نعم لو قلنا بمقالة أبي حنيفة و من تابعه- من أنّ الوتر ثلاث ركعات موصولة بتسليمة واحدة- أمكن حينئذٍ المناقشة في الاستدلال بالخبر المذكور، لكنّه في غاية الضعف عندنا؛ للنصوص السابقة و غيرها ممّا يمكن دعوى تواترها في ذلك، بل قد يقطع من لاحظها و ما اشتملت عليه- من الأمر بإيقاظ الراقد و نفي البأس عن الكلام و الشرب و قضاء الحاجة و النكاح و نحو ذلك بين الركعتين و الركعة، و كثرة السؤال عن ذلك- بأنّ المراد منها التعريض بأبي حنيفة و أصحابه القائلين بالوصل. بل يمكن أيضاً تحصيل الإجماع على خلافه، بل قد سمعت دعواه ممّن تقدّم. و ربّما يشهد له التتبّع؛ إذ لم نجد فيه خلافاً من أحد إلّا من بعض متأخّري المتأخّرين (3)، فخيّر بين الفصل و الوصل جمعاً بين الأخبار السابقة و بين خبر كردويه الهمداني: سألت العبد الصالح (عليه السلام) عن الوتر؟

فقال: «صله» (4) بشهادة: 1- خبر منصور عن مولى لأبي جعفر (عليه السلام) قال: «ركعتا الوتر إن شاء تكلّم بينهما و بين الثالثة و إن شاء لم يفعل» (5). 2- و صحيحتي معاوية بن عمار و يعقوب بن شعيب: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التسليم في ركعتي الوتر؟

فقال (عليه السلام): «إن شئت سلّمت و إن شئت لم تسلّم» (6). و هو في غاية الضعف؛ ضرورة قصور الخبر الأوّل عن المقاومة لما تقدّم من وجوه، خصوصاً بعد موافقته لمذهب أبي حنيفة، و عدم صراحة الأمر بالوصل فيه في عدم التسليم على الركعتين، و الجمع فرع المكافأة. على أنّ خبر التخيير الأوّل- مع إرساله بل و إضماره في وجه- لا صراحة فيه أيضاً بعدم التسليم. و أمّا الصحيحتان، فقد حملهما الشيخ (7): 1- تارةً على أنّ المراد بالتسليم فيهما قوله: السلام علينا و على عباد اللّٰه الصالحين، دون السلام عليكم و رحمة اللّٰه و بركاته؛ لعدم وجوبهما معاً في الخروج من الصلاة. 2- و اخرى على أنّ المراد به ما يستباح به من الكلام و غيره تسمية للمسبّب باسم السبب. 3- و ثالثةً على التقية، و لعلّه أولى من الأوّلين.

و لا ينافيه وجوب الوصل عند أبي حنيفة لا التخيير: 1- لعدم انحصار مذاهبهم فيه أوّلًا، بل لعلّ مقتضى الحمل

____________

(1) سنن النسائي 3: 233.

(2) أرسله في مصابيح الأحكام: الورقة 63.

(3) المدارك 3: 17- 18.

(4) الوسائل 4: 66، ب 15 من أعداد الفرائض، ح 18.

(5) المصدر السابق: 65، ح 15.

(6) المصدر السابق: 66، ح 17، 16.

(7) التهذيب 2: 129، ذيل الحديث 496.

53

..........

____________

الحمل المزبور من الشيخ وجود قول لهم بالتخيير، و هو أعلم من غيره بهم. 2- و إمكان منع اعتبار وجود قول لهم في ورود الأخبار مورد التقية ثانياً، كما ذهب إليه بعض الأفاضل (1)، و يومئ إليه قوله (عليه السلام): «أنا أوقعت الاختلاف بينكم كي لا تُعرفوا فتُؤخَذوا» (2). 3- أو لأنّ ذلك أقرب في دفع التقيّة من تعيين الفصل. فلعلّ المقام كان يمكن رفعه بذلك، فذكره (عليه السلام) و اقتصر عليه و لم يأمر بالوصل، أو غير ذلك. و إن أبيت ذلك كلّه فلا بدّ من الطرح قطعاً؛ لوضوح الضعف عن المقاومة لبعض ما ذكرنا، فضلًا عن جميعه. و احتمال تأييده بالأخبار المعتبرة المستفيضة جدّاً المتضمّنة لإطلاق الوتر على الثلاث باعتبار إشعارها بالوصل يدفعه: 1- مع أنّها معارضة بالأخبار المتضمّنة لإطلاقه على الواحدة باعتبار إشعارها أيضاً بالانفصال. 2- أنّه لا تلازم بين الإطلاق على الثلاث و الوصل؛ إذ يمكن كون الوتر اسماً للثلاثة المفصولة، كما صُرّح به في بعض الأخبار السابقة. و يمكن كونه اسماً للثالثة الموصولة. و يقوى في ظنّي أنّ كثرة إطلاق الوتر على الثلاث في تلك الأخبار و تحديده بها لإيهام الاتّصال تقيّة.

و منه يظهر ضعف دعوى أنّه حقيقة في الثلاث، و هو القول الثاني كما في المدارك و الذخيرة و عن الفاضل البهائي و المدقّق محمّد بن الحسن بن الشهيد الثاني (3) و غير واحد من شرّاح الحديث، و أبي حنيفة (4) و أصحاب الرأي، بل قيل (5): إنّهم حكوا ذلك عن علي (عليه السلام) و عمر و ابيّ و أنس و ابن مسعود و أبي أمامة و عمر بن عبد العزيز:

1- لكثرة الاستعمال.

2- و لما ورد من طريق العامّة و الخاصّة: أنّ النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) كان يوتر بثلاث ركعات (6).

3- و للتحديد بالثلاث في النصوص السابقة.

و فيه: أنّ الكثرة ليست من أمارات الحقيقة، خصوصاً بعد أن كان الداعي في هذا الاستعمال ما ذكرناه من إيهام الاتّصال تقيّةً. و منه يظهر ضعف الاستدلال بالآخرين. و يؤيّد ما ذكرنا- مضافاً إلى ما سمعت- أنّه لا إشكال في أنّ الوتر في عرف المتشرّعة اسم للركعة الواحدة، كما ظهر لك ممّا تقدّم. و يشهد به استعمالهم الشائع المعروف زيادة على نصّ الفقهاء منهم، فيكون في عرف الشارع كذلك، و إلّا لزم النقل المخالف للأصل و الظاهر أيضاً، لاقتضائه هجر الحقيقة الشرعيّة في عرف المتشرّعة و هو مستبعد جدّاً، فإنّ الحقائق الشرعيّة حقائق في عرف المتشرّعة، و لا يكاد يوجد شيء نقله الفقهاء إلى معنى آخر. و قد ذكر علماء الاصول (7)- في تحرير محلّ النزاع في الحقيقة الشرعيّة- أنّ موضع الخلاف هي الألفاظ المتداولة على لسان المتشرّعة التي هي حقائق عندهم في معانيها الشرعيّة، و مقتضى ذلك أنّ كلّ حقيقة شرعيّة حقيقة في عرف المتشرّعة، فلو كان الوتر حقيقة في غير الواحدة في عرف الشارع لزم أن يكون كذلك في عرف المتشرّعة، و المعلوم من حالهم خلاف ذلك. فالأقوى حينئذٍ القول الأوّل.

____________

(1) الحدائق 1: 5.

(2) علل الشرائع: 395، ح 15، نقلًا بالمعنى.

(3) المدارك 3: 17. الذخيرة: 185. مفتاح الفلاح: 322. نقله عن محمد بن الحسن في مفتاح الكرامة 2: 9.

(4) الحاوي الكبير 2: 294.

(5) التذكرة 2: 264.

(6) سنن النسائي 3: 235. المستدرك 3: 156، ب 41 من المواقيت، ح 1.

(7) انظر قوانين الاصول 1: 36. الفصول الغروية: 43.

54

[و هو الأقوى].

و دونه في القوّة- و إن كان هو أقوى من الثاني [و هو القول بكونه حقيقة في ثلاث ركعات موصولة بتسليمة واحدة] (1)- احتمال اشتراك لفظ الوتر بين الكلّ و الجزء (2).

____________

(1) إلّا أنّه لم نجد قائلًا به بخلاف الثاني.

(2) للاستعمال فيهما على وجه يمكن دعوى استفادة كونه حقيقة في كلٍّ منهما.

و كيف كان، فأقوال أصحابنا منحصرة في القولين و إن كانت الاحتمالات ثلاثة، نعم:

1- يحكى عن الزهري من العامّة: أنّه في شهر رمضان ثلاث ركعات و في غيره ركعة واحدة (1).

و لا شاهد له من الأخبار، بل قيل (2): و لم يوافقه على ذلك أحد من الفقهاء.

2- و عن الشافعي و أحمد (3) في إحدى الروايتين عنهما: أنّ الوتر كلّ فرد من صلاة الليل من الواحدة إلى الإحدى عشر، أقلّه الأوّل و أكثره الثاني، و ما بينهما من الأفراد مترتّبة في الفضل، و أدنى الكمال هو الثلاث، و أفضل منه الخمس، ثمّ السبع، ثمّ التسع، ثمّ الإحدى عشر، و لا يجوز الزيادة عليها. استناداً إلى الجمع بين ما روي عنه (صلى الله عليه و آله و سلم) أنّه قال: «الوتر حقّ على كلّ مسلم، فمن أحبّ أن يوتر بسبع فليفعل، و من أحبّ أن يوتر بخمس فليفعل، و من أحبّ أن يوتر بثلاث فليفعل، و من أحبّ أن يوتر بواحدة فليفعل» (4). و ما روي أيضاً: أنّه (صلى الله عليه و آله و سلم) كان يوتر بأربع و ثلاث، و ستّ و ثلاث، و ثمان و ثلاث و عشر و ثلاث، و لم يكن يوتر بأنقص من سبع و لا بأكثر من ثلاث عشر (5). و حملًا للركعتين في الخبر الثاني على سنّة العشاء، فإنّها عندهم ركعتان، أو افتتاح الوتر، و هي ركعتان خفيفتان؛ لما روي: أنّه (صلى الله عليه و آله و سلم) كان يصلّي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلّم بين كل ركعتين، و يوتر بواحدة (6).

3- و يحكى أيضاً عن مالك بن أنس و ابن عبّاس (7) في إحدى الروايتين: أنّ الوتر ركعة قبلها شفع منفصل عنها، أقلّه ركعتان و لا حدّ لأكثره؛ لقوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا أردت أن تنصرف فاركع ركعة يوتر لك ما صلّيت» (8).

4- و عن الثوري و إسحاق: أنّه ثلاث و خمس و سبع و تسع و أحد عشر لا ينقص عن الثلاث و لا يزيد على الإحدى عشر (9)، استناداً إلى ما مرّ في نفي الأكثر، و إلى ما روي: أنّه (صلى الله عليه و آله و سلم) كان يوتر بثلاث 10، في نفي الأقلّ.

و يسهّل الخطب أنّ هذه الأقوال الأربعة- مع وضوح ضعفها- لم يذهب إليها أحد من أصحابنا، بل هي أقوال العامّة و رواياتهم، و موضع الخلاف تعيين المعنى الموضوع له الوتر شرعاً، و قد عرفت التحقيق فيه، و الحمد للّٰه. كما أنّك عرفت عدم الإشكال عندنا في مفصوليّة الشفع عن الوتر بالتسليم، و قضيّته استحباب القنوت في الركعة الثانية منهما.

____________

(1) بدائع الصنائع 1: 271.

(2) مصابيح الأحكام: الورقة 63.

(3) المجموع 4: 12. و انظر الانصاف 2: 167، 170.

(4) كنز العمال 7: 405، ح 19523.

(5) سنن البيهقي 3: 28.

(6) سنن البيهقي 2: 486.

(7) المدونة الكبرى 1: 126. المجموع 4: 23.

(8) 8، 10 سنن النسائي 3: 233، 235.

(9) المغني (لابن قدامة) 1: 783.