غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - ج1

- الشيخ محمد حسن المامقاني المزيد...
167 /
1

-

2

[كتاب المكاسب المحرمة]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ و به نستعين

الحمد للّه الّذي منّ على عباده ببيان الأحكام و أنعم عليهم بتمييز الحلال من الحرام و الصّلوة و السّلام على من أكمل بدعوته عباده و أنار بوجوده الشريف بلاده سيّدنا و نبيّنا محمّد خير من قعد و قام و أفضل من صلّى و صام و أكمل من بعث لإرشاد الأنام ثمّ الصّلوة و السلام على إله المنتجبين و أوصيائه المنتخبين الّذين بهم تمت كلمة الإسلام و بعد فيقول الجاني الفاني أسير الآمال و الأماني (محمّد حسن بن عبد اللّه المامقاني) انّه لما كان كتاب المكاسب و البيع الّذي هو من مصنّفات الحبر المحقّق و النّحرير المدقّق حجة الإسلام مولى الأنام مركز دائرة النباهة سلطان إقليم الفقاهة شيخنا الامام المرتضى رفع اللّه (تعالى) قدره أحسن ما صنفه علماؤنا العظام و أكمل ما ألفه أصحابنا الكرام في هذا المقام و قد كان مع ما هو عليه من البسط و التفصيل مشتملا على نكات دقيقة الشأن و رموز خفية المكان بل ربما وقع غموض في العبارة أو اكتفاء عن مقصد بمجرّد الإشارة سنح لي ان أبيّن إشاراته و أوضح عباراته بقدر الإمكان فعلّقت على كلّ مقام منه ما يليق به من إيضاح معناه أو بيان مبناه و ربما أتيت بما زاد على ذلك تتميما للفائدة و تكميلا للعائدة و سميته غاية الآمال و أرجو من اللّه الكريم أن ينفعني به يوم لا ينفع نسّابة و لا مال انّه هو البرّ الرّحيم

مقدّمة في نبذ من أحوال (المصنف) (قدّس اللّه سره العزيز)

ولد في دزفول سنة ألف و مأتين و أربعة عشر و اشتغل في تحصيل العلم عند عمّه الشيخ حسين الّذي كان عالما مبرّزا في تلك البلدة الى ان صار ابن عشرين ثم عزم مع والده المبرور على زيارة ائمة العراق (صلوات اللّه و سلامه عليهم) حتى وصل الى كربلا و كان رئيسها في العلم يومئذ رجلان السيّد المجاهد في سبيل اللّه صاحب المناهل (قدّس اللّه سرّه) ابن صاحب الرّياض (رحمه الله) و شريف العلماء (رحمه الله) فسار مع والده إلى زيارة السيّد حتّى دخلا مجلسه الشريف فتقدّم أبوه إلى صدر المجلس و جلس هو في أخره و كان في المجلس جماعة من الفضلاء فجرى هناك كلام في شيء من المسائل العلميّة فتكلّم كلّ منهم بما عنده و تكلّم (المصنف) (رحمه الله) بعدهم بما أعجب السيّد (رحمه الله) فقال من هذا الشاب فقال والده هو انى فقال له السيّد (رحمه الله) امض لشأنك بعد ما قضيت وطرا من زيارتك و دعه هنا يشتغل في العلم فرجع أبوه الى أوطانه و تركه في كربلا فلم يزل يحضر عند السيّد و عند شريف العلماء (رحمه الله) الى أربع سنين حتى أمر والي بغداد المسمّى بداود پاشا من جانب سلطان الرّوم بتسخير كربلا فحاصرها و خرج العلماء و المشتغلون و جملة من المجاورين الى بلدة الكاظمين (عليهم السلام) و خرج (المصنف) (رحمه الله) في جملتهم فبقي هناك أيّاما حتّى قدم أناس من بلاده عازمين على الزّيارة فلم يتمكنوا من الوصول الى كربلا فرجعوا و رجع معهم إلى أوطانه و بقي فيها ما يقرب الى سنتين ثمّ أراد الرّجوع الى العراق لتكميل المراتب العلميّة فلم تطق والدته فراقه فمنعنا و كلّما ألحّ عليها زادت امتناعا الى ان التمس منها ان يستخير بكتاب اللّه العزيز بعد ان تنوي هي شيئا من المقام و الرّحيل فلمّا فتح المصحف فإذا في صدر الصفحة قوله (تعالى) لٰا تَخٰافِي وَ لٰا تَحْزَنِي إِنّٰا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جٰاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ففسره لها فبكت فسألها عن الوجه في ذلك فقالت كنت قد نويت مسيرك و لكن يشق على فراقك ثمّ أذنت له فخرج الى كربلا و بقي فيها سنة يختلف فيها الى شريف العلماء ثمّ خرج الى النّجف الأشرف و حضر عند الشيخ الفقيه المحقق موسى بن جعفر الغروي (قدّس اللّه سرّهما) سنتين ثمّ رجع الى أوطانه و بقي فيها ما يقرب سنتين ثمّ عزم على زيارة مشهد مولينا الرّضا (صلوات اللّه و سلامه عليه) فمرّ على بلد كاشان و كان ذلك في أيّام دراسة صاحب المناهج بها فاتفق له الاجتماع معه فبقي فيها ما يقرب ثلاث سنين مشغولا بالبحث و التصنيف و كان صاحب المناهج يحبّ الاجتماع و الاشتغال بالمذاكرة و المباحثة معه و يثق بفضله حتّى انّه حكى عنه (رحمه الله) انّه قال لقيت في أسفاري إلى الأقطار خصوصا في سفري الى مجاهدة بنى الأصفر خمسين عالما مجتهدا لم يكن أحدهم مثل الشيخ المرتضى (رحمه الله) ثمّ انّه (رحمه الله) خرج الى مشهد مولينا الرّضا (صلوات اللّه و سلامه عليه) و اقام

3

فيها عدة أشهر ثم رجع من طريق أصفهان و بقي بها خمسة و عشرين يوما و كان ذلك في أيام رئاسة صاحبي مطالع الأنوار و الإشارات فاصر عليه صاحب المطالع بالمقام بها فأبى و اعتذر بكونه مأمورا من جانب والده بالرجوع إلى أوطانه و قيل انه اعتذر بأني عازم على المسير الى بلاد عراق العرب لحاجة فان لم أظفر بها رجعت الى هذه البلدة و يقال انه كان كثير الحرص على الاستفادة و كان مقصوده ملاقاة علماء العراق لعله يجد فيهم من يستفيد منه ثم انه رجع الى أوطانه و بقي فيها خمس سنين ثم خرج الى النجف الأشرف مختفيا فلحقه أهل بلاده ليمنعوه فاعتذر لهم بأنه ناذر زيارة ائمة العراق (صلوات اللّه و سلامه عليهم) و انه لا يسوغ له الرجوع شرعا قبل الزيارة فورد بلاد العراق في سنة ألف و مائتين و تسعة و أربعين و اقام بالنجف الأشرف مشتغلا بالبحث و التدريس و التصنيف و كانت الرئاسة العلميّة يومئذ لرجلين الشيخ الفقيه المحقق الشيخ على بن الشيخ جعفر (قدس اللّه روحيهما) و صاحب الجواهر (رحمه الله) و كان أولهما اشخصهما و كان المصنف (رحمه الله) يختلف الى مدرسته عدة أشهر ثم ترك الحضور عنده و استقل بالتدريس و التصنيف حتى توفي الأوّل و توفى بعد سنين صاحب الجواهر (رحمه الله) فانتهت إليه رئاسة الإمامية على الإطلاق فاطبقوا على تقليده في شرق الأرض و غربها ثم توفى هو (رحمه الله) في سنة ألف و مأتين و واحدة و ثمانين في مشهد الغري و دفن في دكة الحجرة الشريفة التي هي على يمين من يخرج من الباب الجنوبي للصحن الشريف فلذلك

قال فيه بعض من جازم تبنى الفضيلة و الأدب

رعاك الهدى ايّها المرتضى * * * و قل بأني أقول رعاك

أقمت على باب صفو النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) * * * و جبريل قد خط فيه ثراك

فأصبحت بابا لعلم الوصي * * * و هل باب علم الوصي سواك

كأنك موسى على طوره * * * تناجي به اللّه لمّا دعاك

و ليس كطورك طور الكليم * * * و وادي طوى دون واد طواك؟؟؟

طوى الشرع من يوم تاريخه * * * حوى الدّين قبرك؟؟؟ إذ قد حواك

و من قصيدة أنشأها بعض الأدباء في مرثيته

يا بحر علم فاض رشح عبابه * * * فسقي القلوب على الصدى بمعين

ان يمس شخصك في اللحود مغيّبا * * * فالعلم فينا منك غير دفين

ناداك ربّك فاستجبت ندائه * * * فعدوت تبسم في جحور العين

و لقد تسابقت السّماء و أرضها * * * في ضم شخصك مجمع التبيين

فقسمت بينهما فروحك في السماء * * * و الجسم في الأرضين للتحصير

و من قصيدة لبعض الأدباء في مرثيته ايضا

جلل اطل على البرية فاغتدت * * * من وقعه سكرى بغير مدام

اورى بهامة عزّها فاعارها * * * ميل الرقاب نواك للهام

اورى بعليم؟؟؟ علمها العلم الذي * * * القت له العلماء فضل زمام

ذاك الامام المرتضى علم الهدى * * * فرد الأماثل واحد الاعلام

لا تختشى من بعد حادث يومه * * * في الدّهر صرف حوادث الأيام

اورى الردى من ذا الّذي أردى بما * * * يرى إلا شلت يمين الرّامي

اروى منار هدى و كعبة منسك * * * و نمال أرملة و كهف عصام

أردى عماد تقى تردّى للتقي * * * بردا تنزّه عن غبار اثام

قل للردي اقتحمت على امرء * * * ترتاع منه الأسد في الآجام

خضعت لطاعته الرقاب بأسرها * * * من غير همز؟؟؟ قنا و سلّ حسام

ما كنت أدرى قبل حمل سريره * * * فوق الأكف يسير طود سامى

ما كنت أدرى قبل دفنه في الثرى * * * شمس النهار تغور تحت رغام

و منها الوى إلى الأخرى و لماثنه * * * من زهرة الدّينار في حطام

لم يعط للشهوات مقودة كما * * * في اللّه لم يأخذه فرط ملام

فرد الأماثل لا يقاس بغيره * * * انّى تقاس الشم بالآكام

قدم له في العلم عنها اجحمت * * * اقدام كلّ مقدّم مقدام

انّى ينال الوهم غايته و قد * * * تاهت هناك هواجس الأوهام

يا واحد الدنيا و قطب دوائر * * * الفتيا و شمس مدارك الأحكام

قوضّت عنّا فالقلوب بلوعة * * * حرّى لفقدك و الجفون دوامي

قوّضت للفردوس عنا راحلا * * * و تركتنا بمزلة الاقدام

من للعلوم يحل مشكلها إذا * * * أعيت غوامضها على الافهام

رزئ النبيّ بيوم فقدك انّه * * * اورى بقلب الدّين زند ضرام

فمن المعزى للنبيّ المصطفى * * * بالمرتضى الرضى خير امام

بمقيم شرعته و موضع حكمه * * * عن شبهة الإيهام و الإبهام

و من المعزى القائم القمقام في * * * رزء سمى للقائم القمقام

اورى بنائبه و أكرم قائم * * * عنه بأكرم رتبة و مقام

صلّى الإله عليه من مترقب * * * هدّت لغيبته قوي الإسلام

و سقى ضريح المرتضى صوب الرضا * * * مواصل الهطلان بالتسجام

و من قصيدة لبعض أهل كربلا في مرثيته رحمة اللّه عليه

كان نعشه و الاملاك تحمله * * * تابوت نور بدا من جانب طور

و فضائله (رحمه الله)

كثيرة فإنه قد جمع بين الحفظ و سرعة الانتقال و استقامة الذّهن و قوة الغلبة على من يحاوره لا يعنى عن حل اشكال و لا جواب إيراد و كان من علوّ همّته انه كان يعيش معيشة الفقراء و يبسط البذل على المستحقين خصوصا سرا و كان غالبا لا يجهر بالعطاء و مع ذلك لا يرى لنفسه فخرا و لا شأنا و قد قال له بعض أصحابه في مقام الثناء عليه انك تبالغ في إيصال الحقوق إلى أهلها فقال ان ذلك ليس فخرا و لا كرامة إذ من شأن من كلّ عامي و سوقي ان يودّى الأمانات إلى أهلها و هذه حقوق الفقراء أنا أوصلها إلى أهلها و ذكر لي بعض أفاضل تلامذته و خواصه في حال حيوته انه مع قطع النظر عن ملاحظة الشرع يستنكف من التصرف في حقوق الفقراء مع كونه فقير أو ليس هذا الا من علو همته و تناهيه في كمال الرّجولية و كان يجلب إليه في كلّ سنة عشرون الف تومانا بل أزيد و مع ذلك توفى و خلف بنتين لم تتمكنا من القيام بمصروف تعزيته فقام به و جل من أهل بيت المجد و الشرف ستة أيام بلياليها و له من المصنفات هذا الكتاب و هو عندي أحسنها و كتاب الطهارة المعروف بين الناس و كتاب الصوم و الزكاة و الخمس على وجه البسط و التحقيق و كتاب الصّلوة غير مرتب و كثير من أبواب الفقه كذلك و كان سببه انه كان ضعيف البصر جدا بحيث لا يتمكن من المطالعة بالليل و مع ذلك كان كثير الاشتغال بالعبادات و كان لا يحبّ ان يبرز شيئا غير منقّح فلذلك بقي كثير مما كتبه في أبواب الفقه غير منتظم و (كذلك) مباحث الألفاظ من علم الأصول و له رسالة في الرضاع و رسالة في التقية و رسالة في العدالة و رسالة في القضاء عن الميت و رسالة في المواسعة و المضايقة و رسالة في قاعدة من ملك شيئا ملك إلا قرابة و رسالة في نفى الضرر و الضرار و رسالة في حجية الظن و رسالة في أصل البراءة و رسالة في الاستصحاب و رسالة في التعادل و الترجيح و رسالة في الإجماع و له غير ذلك من الرسائل

[الأخبار الواردة في المكاسب]

[القول في شرح رواية تحف العقول]

قال (عليه السلام) و اما تفسير التجارات في جميع البيوع و رجوه الحلال من وجه التجارات التي يجوز للبائع ان يبيع مما لا يجوز له

أقول وجوه الحلال معطوف على التجارات و الموصول اعنى لفظة التي صفة للتجارات المضاف إليها لفظ التفسير أو صفة لوجوه الحلال و

قوله مما لا يجوز

متعلق

4

بالتفسير بتضمين معنى التمييز

قوله (عليه السلام) و (كذلك) المشتري الّذي يجوز له شراؤه ممّا لا يجوز

المشترى بصيغة اسم المفعول عبارة عن المبيع و الفرق بين العنوانين انما هو بالاعتبار و قوله ممّا لا يجوز متعلق بقوله (كذلك) باعتبار كونه كفاية عن التفسير و التمييز المذكور

قوله و قوامهم به في أمورهم في وجوه الصلاح (انتهى)

عطف على جملة الصّلة السابقة أعني قوله هو غذاء للعباد فهو من عطف العام على الخاص لإفادة التعميم في المطلوب

قوله و كلّ شيء يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات فهذا كله حلال بيعه و شراؤه و إمساكه و استعماله و هبته و عاريته

قال صاحب الحدائق (رحمه الله) بعد ذكر الحديث بتمامه ما صورته و انما نقلناه بطوله لجودة مدلوله و محصوله و منه تستنبط جملة من الأحكام التي وقع فيها الاشكال من جملة من علمائنا الاعلام مثل الاستيجار على الصّلوة كما توقف فيه بعض محدثي متأخري المتأخرين و مثل التتن و القهوة و نحو ذلك فإنه ظاهر في جواز الأوّل و حل الثاني انتهى ما أهمنا من كلامه (رحمه الله) و لم يبين مورد الاستنباط من فقراته و الظاهر ان مورد استنباط حل مثل التتن و القهوة مما لا نص فيه انما هو هذه الفقرة من جهة إفادتها ان كلّ ما لهم فيه الصّلاح يجوز استعماله كما ان مورد استنباط جواز الاستيجار على الصّلوة ما ذكره (عليه السلام) فيما سيأتي من ضابط وجوه الحلال من الإجارات

قوله أو شيء يكون فيه وجه من وجوه الفساد

عطف على المضاف إليه في قوله فكل أمر و لما بين المعطوف عليه و قيده بما افاده نوع خصوصية عطف عليه ما هو أعم منه لشموله للأصناف الخاصة المذكورة و غيرها هذا و بقي في المقام شيء و هو انه لما جعل ضابط ما يجوز فيه البيع و غيره كلّ شيء يكون لهم فيه الصّلاح من جهة من الجهات و ضابط ما لا يجوز فيه ذلك كلّ شيء يكون فيه وجه من وجوه الفساد الزم من ذلك اختلاف الضابطتين في بادى النظر لان كلا من الصلاح و الفساد أمران وجوديان و مقتضى الضابط الأوّل هو ان معيار صحة البيع انما هو وجود الصلاح فيكون مناط حرمة البيع و معيارها هو انتفاء الصلاح و مقتضى الضابط الثاني هو ان معيار صحة البيع انما هو انتفاء الفساد سواء كان ممّا فيه الصلاح أم لا فيكون مناط حرمة البيع و معيارها هو وجود الفساد و (حينئذ) نقول ان ما ليس فيه فساد و لا صلاح لا يجوز بيعه بناء على المعيار الأوّل لمكان انتفاء الصلاح الذي هو معيار حرمة البيع و يجوز بيعه بناء على المعيار الثاني لمكان انتفاء الفساد الذي هو معيار جواز البيع هذا و لكن التحقيق خلاف ذلك لان الصلاح و الفساد ليسا من قبيل الضدين اللّذين لهما ثالث كالحمرة و الصفرة و انّما هما من قبيل العدم و الملكة لأن الصلاح عبارة عن كون الشيء على حالته التي ينبغي ان يكون عليها و بعبارة أخرى كون الشيء على حالة اعتداله و لهذا قال في المصباح صلح الشيء صلوحا من باب قعد و صلاحا ايضا و صلح بالضم لغة خلاف فسد و صلح يصلح بفتحتين لغة ثالثة انتهى و الفساد عبارة عن خروج الشيء عن حد الاعتدال و تحوله عمّا ينبغي ان يكون عليه من الحالة فهو عدم الاعتدال عمّا من شانه الاعتدال فلا يكون بينهما واسطة وجودية و على هذا جرى كلام صاحب المصباح حيث قال و اعلم ان الفساد الى الحيوان أسرع منه الى النبات و الى النبات أسرع منه الى الجماد الى أخر ما ذكره ثم ان كلا من صلاح الإنسان و فساده لما كان بحسب الشرع في غير ما كان فيه ضرر بدنيّ عبارة عن وصف معنويّ لا ندركه غالبا كشف عنه نهى الشارع و لهذا قال (عليه السلام) فكل أمر يكون فيه الفساد مما هو منهي عنه ففسر الأمر الّذي يكون فيه الفساد بما يكون منهيا عنه فكلّ ما وقع النهى عنه شرعا يكون مما فيه الفساد و كلّ ما لم ينه عنه يكون مما فيه الصلاح هذا و لكن يبقى هنا شيء أخر و هو انه إذا تعارضت الجهتان في شيء بان كان مصلحا من جهة مفسدا من جهة أخرى فهل يكون الحكم للأولى أم للثانية و قد بين ذلك (عليه السلام) في ذيل تفسير الصناعات و ان الحكم للأولى و لهذا استدل به (المصنف) (رحمه الله) في مسئلة جواز الانتفاع بالنجس على جواز بيع المتنجس لأجل منفعة غير منهي عنها و ان كان بعض منافعه منهيا عنه كالأكل و الشرب

قوله (عليه السلام) أو ما يملك أو يلي أمره من قرابته أو دابته أو ثوبه

اللف على خلاف النشر فالأول بيان للأخير أعني ما يلي أمره و الأخيران بيان للأوّل أي ما يملك لكن يبقى هنا شيء و هو أن ظاهر قوله ما يلي أمره من قرابته هو ان القرب سبب لولاية أمره و على هذا فلا تكون القرابة إلا عبارة عن الولد و ولد الولد في حال صغرهما إذ لا ولاية بسبب القرابة إلا عليهما نعم يصحّ ان يكون للرجل ولاية على أحد أقاربه بالوصاية أو الحكومة الشرعية أو نحوهما الا ان ذلك خلاف ظاهر لفظ الحديث

قوله (عليه السلام) أو يوجر نفسه أو داره أو أرضه

الظاهر ان لفظة أو بمعنى الواو و ان العطف تفسيري و قد كثر ورود مثله في أخبارهم (عليه السلام) و المعطوف عليه هو إجارة الإنسان فيجب النصب في المعطوف لكونه مضارعا معطوفا على اسم صريح

قوله (عليه السلام) فيما ينتفع به من وجوه المنافع أو العمل بنفسه و ولده و مملوكه و أجيره

الجار و المجرور متعلق بقوله يوجر و الظاهر ان العمل معطوف على الموصول فالتقدير يوجر فيما ينتفع به أو في العمل فيكون تعلق الظرف الأول باعتبار إيجار داره أو أرضه و تعلق الظرف الثاني باعتبار إيجاد نفسه فيصير المعنى يوجر نفسه للعمل بنفسه و ولده و مملوكه و أجيره و ذكر ما بعد النفس للإشارة إلى قسمي الأجير الّذي يشترط مباشرة العمل بنفسه و الّذي يصير أجير التحصيل العمل و لو على وجه التسبيب و كلمة في بمعنى اللام و يصير المعنى باعتبار تعلق يوجر بداره أو أرضه يوجر داره أو أرضه لما ينتفع به من وجوه المنافع

قوله (عليه السلام) من غير ان يكون وكيلا للوالي أو واليا للوالي

إشارة إلى كمال الفرق بين عنوان الأجير و عنوان وكيل الوالي و والي الوالي

قوله (عليه السلام) فلا بأس ان يكون أجيرا يوجر نفسه أو ولده أو قرابته

يشكل الحال هنا من جهة عطف قرابته على ولده حيث ان ذلك مقتض للتغاير فلا مناص (حينئذ) من التزام ان كونه مالكا لأمر قرابته انّما هو بالوكالة و نحوها

قوله (عليه السلام) أو وكيله في إجارته لأنهم وكلاء الأجير من عنده

الظاهر أعراب وكيله بالنصب عطفا على قوله أجير الذي هو خبر يكون و المعنى لا بأس ان يكون وكيل الأجير في إجارته ثم الظاهر أن ضمير الجمع المنصوب يعود إلى وكيل الأجير باعتبار تعدد أصنافه في المعنى من جهة ان الوكيل قد يكون وكيل من يوجر نفسه و قد يكون وكيل من يوجر ولده و قد يكون وكيل من يوجر قرابته و قد يكون وكيل من يوجر ملكه

قوله (عليه السلام) نظير الحمال الذي يحمل شيئا معلوما

(11) اى نظير الحمال الّذي يستأجر لحمل شيء معلوم

قوله (عليه السلام) فيجعل ذلك الشيء الّذي يجوز له حمله بنفسه أو بملكه أو دابته أو يوجر نفسه في عمل يعمل ذلك العمل حلالا لمن كان من الناس ملكا أو سوقة

(12) المراد بملكه في مقابل نفسه و دابته هيهنا من حيث كونه واسطة في الحمل هو مثل العبد و الأمة أو بعض الأدوات التي يتأتى الحمل بها ثم ان الأظهر في إعراب هذه الفقرة من جهة عدم جريان الإضمار و نحوه من التكلفات هو ان الضمير المرفوع المستتر يعود الى الحمال و ذلك الشيء الّذي هو عبارة عن المحمول أوّل مفعولي يجعل و الموصول مع صلته صفة للشيء و قوله أو يوجر نفسه عطف على صلة الموصول و حذف عائد الموصول في المعطوف إنما هو للعلم به ممّا ذكر في المعطوف عليه فهو بمنزلة ما لو قال أو يوجر نفسه له مثلا و الغرض من ذكر المعطوف و المعطوف عليه في ذيل الموصول هو الإشارة إلى قسمي الإجارة فإنها قد تقع على وجه يكون أعم من المباشرة بنفسه و اليه أشار بقوله يجوز له عمله بنفسه أو بملكه أو دابته و قد تقع على وجه المباشرة بخصوصه و اليه أشار بقوله أو يوجر نفسه و قوله في عمل ثاني مفعولي جعل و العمل كناية عن الحمل و قوله حلالا حال من العمل المعرّف باللام الّذي هو صفة اسم الإشارة و الجار

5

في قوله لمن متعلق بقوله يعمل و تحصيل المعنى بعد هذا واضح فتدبر و السوقة بالضم كما في المجمع الرّعية و من دون الملك قال و منه الحديث ما من ملك و لا سوقة يصل الى الحج إلا بمشقة انتهى

قوله (عليه السلام) في هدم المساجد ضرار

احتراز عن هدمها للعمارة و هو واضح

قوله (عليه السلام) و كلّ أمر منهي عنه من جهة من الجهات محرم على الإنسان إجارة نفسه فيه أو له أو شيء منه أو له

الأمر عبارة عن العمل و الظاهر ان الإجارة في ذلك الأمر عبارة عن ان يصير أجيرا على وجه المباشرة في العمل و الإجارة له عبارة عن ان يصير أجيرا لتحصيل العمل مطلقا و لو لم يكن على وجه المباشرة و على هذا يكون الإجارة في شيء من العمل عبارة عن ان يصير أجيرا على وجه المباشرة في جزء من العمل و يكون الإجارة لشيء من العمل عبارة عن ان يصير أجيرا لتحصيل جزء العمل مطلقا و لو بدون المباشرة

قوله ينجيها عن أذاه أو أذى غيره

اى يبعد الميتة عن مورد أذية المستأجر أو أذية غيره

قوله ما لم تكن مثل الروحاني

جمع مثال

قوله و فيها بلغة جميع حوائجهم

قال في المصباح البلغة ما يتبلغ به من العيش و لا يفضل يقال تبلغ به إذا اكتفى به و تجزء و في هذا بلاغ و بلغة و تبلغ أي كفاية انتهى

قوله و العمل به

و فيه الظاهر ان الفرق بينهما هو ان الأول إيجاد جميع العمل و الثاني هو الاشتغال بشيء من اجزائه

قوله فحرام ضار للجسم

اختلفت كلمات أهل اللغة في تفسير الجسم فالّذي حكاه جماعة عن ابن دريد انّه عبارة عن كلّ شخص مدرك سواء كان إنسانا أم حيوانا أم نباتا أم جمادا بل هو يعم البدن من الإنسان و أعضائه و الّذي حكوه عن ابى زيد انه عبارة عن الجسد و صرحوا في تفسير الجسد بأنه لا (يقال) إلا للإنسان و الملائكة و الجن و لم يذكر (المصنف) (رحمه الله) تتمة الحديث و الموجود في الفقه الرضوي ضار للجسم و فساد للنفس و الظاهر ان المراد بالضرر الحاصل لجسم الإنسان عبارة عن الضّرر المعنوي ككونه ثقيلا في طاعة اللّه اما بواسطة عدم إقبال القلب إليها أو بدونها بان يريدها بقلبه لكن يثقل عنها جسمه أو هو عبارة عن العذاب الأخروي و الا فالضرر العادي الّذي هو من الخواص الطبيّة بعيد عن نظم الكلام و الغرض المسوق له و معنى فساد النفس واضح إذ ليس إلا عبارة عن إعراضه عن الحق فافهم

[في تقسيم المكاسب]

قوله (قدس اللّه سرّه العزيز) قد جرت عادة غير واحد على تقسيم المكاسب الى محرم و مكروه و مباح مهملين المستحب و الواجب بناء على عدم وجودهما في المكاسب

هي جمع مكسب و معناه المتعارف على ما ذكره المحقق الأردبيلي (رحمه الله) هو المعارضة للربح و يكون ذكر غيرها استطرادا هذا و اعلم ان للتجارة التي هي الكسب الّذي هو فعل المكلف اعتبارين أحدهما ما يلحقه باعتبار متعلقة الّذي هو المعبّر عنه في عبارة اللمعة بموضوع التجارة و في عبارة (الشرائع) بما يكتسب به و ثانيهما ما يلحقه باعتبار عوارضه التي تعرضه مثل كون المقصود به هو تحصيل القوت أو التوسعة على العيال و نحو ذلك امّا الأول فمن قسم الكسب بالنظر اليه فقد قسمه الى أقسام ثلاثة و اليه الإشارة بقول المحقق (رحمه الله) فيما يكتسب به و ينقسم الى محرم و مكروه و مباح ضرورة أن المكتسب به من حيث هو عين لا ينقسم الى هذه الأقسام لأن الأحكام الشرعية انما تلحق أفعال المكلفين و ليست قابلة للحوقها لغيرها أعني الأعيان فليس نظره (رحمه الله) الّا الى تقسيم فعل المكلف باعتبار تعلقه بها و امّا الثاني فمن قسم الكسب بالنظر اليه فقد قسمه الى أقسام خمسة على ما هو المعروف من قسمة الأحكام التكليفية و لا بأس بتفصيل المقال لتوضيح الحال فنقول قال في (المسالك) في شرح عبارة المحقق المذكورة ما نصه قد جعل (المصنف) (رحمه الله) الأقسام ثلاثة كما ترى و ذكر جماعة انقسامها إلى الأحكام الخمسة بإضافة الوجوب و الندب و عددا من الواجب ما يضطر اليه لمؤنته و مؤنة عياله و من المندوب ما يقصد به التوسعة عليهم بحيث تندفع الحاجة بغيره و كلّ من التقسيمين حسن و ان كان ما هنا أحسن إذ لا خلل في الثلاثة و لا تداخل في الخمسة فإنّ مورد القسمة في الثلاثة ما يكتسب به و هو العين و المنفعة و ظاهر ان الوجوب و الندب لا يرد عليهما من حيث انهما عين خاصة و منفعة بل بسبب أمر عارض و هو فعل المكلف و مورد الخمسة الاكتساب الّذي هو فعل المكلف و من شأنه أن يقبل القسمة إلى الخمسة فيما يمكن فيه تساوى الطرفين باعتبار العوارض اللاحقة له انتهى و لعل وجه احسنية ما في (الشرائع) عنده ما يستفاد من طي التعليل لكون كلّ من التقسيمين حسنا و هو كون هذا التقسيم باعتبار الخصوصية و كون ذلك التقسيم باعتبار العوارض اللاحقة و تقسيم الشيء باعتبار خصوصيته اولى من تقسيمه باعتبار عوارضه فقوله إذ لا خلل (انتهى) و ان كان مسوقا لبيان تعليل حسن كل من التقسيمين الا انه يلوح منه وجه الأحسنية المشار إليها هذا و أورد عليه المحقق الأردبيلي (رحمه الله) حيث قال ان الأقسام إلى الخمسة أولى من الثلاثة كما في (الشرائع) و لا يجعلها اولى كون المقسم هو العين أو المنفعة اللتين يكتسب بهما و ان الوجوب و الندب لم يردا عليهما باعتبار أنفسهما بل باعتبار فعل المكلف كما قال في (شرح الشرائع) لأن المباح و المحرم و المكروه (أيضا) (كذلك) إذ المنقسم إلى الأقسام الخمسة انما هو فعل المكلف (مطلقا) لا الواجب و المندوب فقط و هو ظاهر فان العين بذاتها لا تكون محرمة و لا مكروهة و لا مباحة بل باعتبار ما تعلق بها من فعل المكلف و هو ظاهر ففي القسمة ثلثا خلل بجعل الواجب و الندب داخلين في المباح بضرب من التجوز كما في جعل المقسم هو ما يكتسب به و يحتمل كون تركهما لقلتهما و لكون المقصود بيان البيع و جوازه و عدمه و صحته و عدمها لا الثواب و العقاب (فتأمل) انتهى و قد يوجه كلام الشهيد الثاني (رحمه الله) الّذي حكيناه عن لك بما يندفع به الإيراد و بيانه انه قد يكون منشأ عروض شيء من الأحكام الخمسة للتكسب بعين أو منفعة هو ذات تلك العين أو المنفعة و لو باعتبار فعل متعلق به مثال ذلك حرمة التكسب بالخمر فان منشئها انما هو حرمة الخمر و لو باعتبار فعل من المكلف ملحوظا بالنسبة إليها و هو شربها و الى هذا أشار بتوصيف العين بالخاصة و قد لا يكون كذلك بل يكون منشأ عروض شيء من الأحكام للتكسب بعين أو منفعة عنوانا عرضيا يكون التكسب بهما محصلا له كالإنفاق على العيال في الواجب و التوسعة عليهم في المندوب و القسم الأول غير موجود في واجب التجارة و مندوبها بخلاف محرّمها كما في المثال المذكور و مكروهها كالحجامة مثلا و مباحها كالتكسب ببيع الفواكه مثلا و هذا ما ذكره في الجواهر بقوله نعم قد يقال ان اقتصار (المصنف) على الثلاثة هنا باعتبار تعلقها بالأعيان بالذات و لو من حيث فعل المكلف ضرورة ثبوت الأعيان التي يحرم التكسب بها ذاتا و (كذلك) الكراهة و الإباحة بخلاف الوجوب و الندب فانا

لا نعرف من الأعيان ما يجب التكسب به (كذلك) أو يستحب و ثبوت وجوب التكسب في نفسه أعم من وجوبه بالعين المخصوصة من حيث الذات و لعل ذلك هو مراد (الشارع) و ان كانت عبارته قاصرة ثم انه (رحمه الله) أورد على ذلك بوجهين الأول ان المحقق (رحمه الله) لم يقتصر على ذلك كما لا يخفى على من لاحظ ما ذكره من الأقسام المشتملة على بيع السّلاح لأعداء الدّين مع قصد الإعانة أو في حال قيام الحرب فإن حرمة التكسب به ليس ناشئا من ذات ما يكتسب به بل من عنوان اعانة أعداء الدين و لا يتوهم ان بيع السّلاح منهم قد نشأ حرمته من ذات بيع السّلاح كما يكشف عنه عدم حرمة بيع الطعام و الفرس منهم لأن حرمة بيعه منهم انما هي بالقيد المذكور و هو أحد الأمرين من قصد الإعانة أو قيام الحرب و به يتحقق الإعانة فليس (مطلقا) بيع السلاح حراما الثاني ان ذلك ان سلم في الواجب أمكن منعه في المندوب لإمكان ثبوت استحباب التكسب ببعض الأعيان كالغنم التي جعل جزء من البركة فيها و نحوها ثم قال (رحمه الله) و قد يدفع بأن البركة فيها لا في التكسب بها و لذا قوبل بجعل باقي أجزاء البركة في التجارة كما لا يخفى على من لاحظ النص الذي

6

تضمن ذلك هذا و ذكر بعض من تأخر في دفع الإيراد الأول ان ذكر بيع السّلاح على أعداء الدين انما هو للاستطراد و ذلك لان حرمة التكسب قد تنشأ من ذات ما يكسب به و قد تنشأ من عنوان عرضي متّحد معه و لما كان الغالب من حرمة التكسب هو القسم الأول ذكر في طيّه القسم الثاني استطراد للقليل في طي الكثير بخلاف الواجب فليس منه الا ما هو واجب لعنوان عرضي و في الإيراد على ما ذكره في دفع الإيراد الثاني ان وجود الحسن و البركة في الغنم مثلا قابل لإحداث استحباب ابتياعها و تحصيلها و قد ورد الأمر باتخاذها المقصود به الاستحباب ففي الوسائل مسندا الى إسحاق بن جعفر قال قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام) يا بنى اتخذ الغنم و لا تتخذ الإبل و فيها مسندا ايضا عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال إذا اتخذ أهل بيت شاة أتاهم اللّه برزقها و زاد في أرزاقهم و ارتحل عنهم الفقر مرحلة و ان اتخذوا شاتين أتاهم اللّه بأرزاقهما و ارتحل عنهم الفقر مرحلتين و ان اتخذوا ثلثه أتاهم اللّه بأرزاقها و ارتحل عنهم الفقر رأسا و تفصيل ذلك أن تملك الغنم قد يكون بالإرث مثلا و هذا مصداق كون الغنم فيها البركة و لا مدخل فيه لشيء أخر و قد يكون بالشراء للاتجار و الاسترباح و لا استحباب (حينئذ) إلّا استحباب التجارة و قد يكون للقنية و هذا هو مورد استحباب الاتخاذ و لا دخل لاستحباب التجارة في استحبابه و انا أقول يمكن المناقشة فيما ذكره في الإيراد على دفع الإيراد الثاني امّا في الوجه الأول منه فبان الحسن في ذي المقدمة بل الأمر بالمقدمة بعنوان أنها مقدمة لا يوجب صيرورة المقدّمة من قبيل المندوب الشرعي و يظهر تحقيقه ممّا بيناه في الأصول و امّا في التمسك بالحديث الأول فبان الأمر فيه يمكن ان يكون للإرشاد الى ما في اتخاذ الغنم من المصالح و المنافع الدنيوية كما يظهر ذلك بملاحظة الحديث الثاني و منه يظهر ان لا دلالة فيه أيضا أصلا إذ لم يذكر فيه الا مجرّد المنافع الدنيوية التي لا تستلزم الاستحباب الشرعي و الاولى الاستدلال عليه بما في الوسائل عن أمير المؤمنين (عليه السلام) من كانت في منزله شاة قدست عليهم الملائكة في كل يوم و من كانت في منزله اثنان قدست عليهم الملائكة في كل يوم مرتين و (كذلك) في الثلاثة و يقول اللّه بورك فيكم و عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) يقول ما من مؤمن يكون في منزله عنز حلوب الا قدس أهل المنزل و بورك عليهم فان كان اثنتين قدسوا و بورك عليهم في كل يوم مرتين قال فقال بعض أصحابنا كيف يقدسون قال يقف عليهم ملك في كلّ صباح و مساء فيقول لهم قدستم و بورك عليكم و طبتم و طاب إدامكم قلت و ما معنى قدستم قال طهرتم و ما في معناهما من الاخبار و وجه الاستدلال ان التهنئة من اللّه و الدعاء من الملائكة على شيء مما يدل على كون ذلك الشيء محبوبا عند اللّه في نفسه و مطلوبا لديه في حد ذاته لا لغيره و ان أبيت ان دلالته بنفسه على الاستحباب فقل ان ذلك يصير قرينة على ان الأمر بالاتخاذ في الخبر الأول انما هو الاستحباب و ان بيان المصالح الدّنيوية لا تصير صارفة للأمر عمّا هو أقرب المجازات و هو الاستحباب إلى أبعدها الذي هو الإرشاد و قد اقترن بيان المصالح و المنافع الدنيوية و دعاء الملائكة لمتخذها في بعض الاخبار مثل ما عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) من كان في بيته شاة قدستهم الملائكة تقديسته و انتقل عنهم الفقر منقلة و من كان في بيته شاتان قدستهم الملائكة مرتين و ارتحل عنهم الفقر منقلتين فان كانت ثلث شيئا قدستهم الملائكة ثلث تقديسات و انتقل عنهم الفقر ثلث منقلات و لا منافاة بين كون شيء مندوبا و كونه يترتب عليه منفعة دنيوية تنبيهات الأوّل انه قد يلاحظ الاكتساب باعتبار المتعلق و بالنسبة اليه و هو الّذي قسمه المحقق (رحمه الله) و جماعة إلى ثلاثة محرّم و مباح و مكروه و سيأتي ان (المصنف) (رحمه الله) جوز تقسيمه إلى الخمسة و قد يلاحظ باعتبار عروض العوارض و لحوق اللواحق و كون الاكتساب محصلا لعنوانات محبوبة الحصول أو مبغوضة أو متساوية الطرفين و بعبارة أخرى قد يلاحظ باعتبار انه فعل المكلف لكنه يحصل به عنوان أخر هو ايضا من أفعاله و هذا ينقسم إلى الأقسام الخمسة و قد يلاحظ مع قطع النظر عن المتعلق و جميع العوارض لكن يعتبر باعتبار كونه فعلا

لفاعل خاص متصف بكونه متمكنا من قوته و قوت عياله الواجبي النفقة و اكتساب من لا يتمكن فإنه قد أو خط باعتبار كونه فعلا لفاعل خاص متصف بكونه متمكنا من قوته و قوت عياله الواجبي النفقة أو كونه غير متمكن منه و هذا القسم قد حكى عن صاحب المناهج تقسيمه إلى أربعة أقسام هي ما عدا المكروه و قسمه صاحب الحدائق (رحمه الله) الى أربعة أقسام هي ما عدا المباح قال ثم اعلم ان تحصيل الرزق منه ما يكون واجبا و هو ما يحصل به البلغة و الكفاف لنفسه و عياله الواجبي النفقة عليه بحيث يخرج عن ان يكون مضيقا و منه ما يكون مستحبا و هو طلب ما زاد على ذلك للتوسعة على نفسه و عياله و الصرف في وجوه البر و الخيرات و منه ما يكون مكروها و هو ما يقصد به الزيادة في جمع المال و الادخار و المكاثرة و المباهاة به و الحرص عليه و منه ما يكون محرّما و هو ما يقصد به الصرف في المحرمات كاللهو و اللعب و المعاصي و نحو ذلك انتهى و عن جماعة تقسيمه الى ثلاثة هي ما عدا المحرّم و المكروه و ذكر بعض من تأخر ان المتعين تقسيمه بالاعتبار المذكور الى قسمين هما الواجب و المندوب فان كان متمكنا من قوته استحب و الا وجب ثم قال معترضا على صاحب المناهج (رحمه الله) ان إدراجه المحرّم في هذا التقسيم انما نشأ من إدراج ما ينشأ الحرمة فيه من التعلق و هو خروج عن الفرض و امّا المباح فإنما يصح جعله قسما و تقسيم الاكتساب الى ثلاثة لو قلنا بكونه بحسب الأصل مباحا فيصير مندوبا عند قصد التوسعة واجبا عند تحصيل القوت الواجب مباحا مع انتفاء الأمرين اما ان قلنا بكونه بحسب الأصل مندوبا لم ينقسم الا الى القسمين ثم استظهر كونه بحسب الأصل مندوبا و فرع عليه تعين ما ذكره و نظيره ما يعطيه ذيل الكلام الّذي حكيناه عن الشهيد الثاني (رحمه الله) و هو ان الانقسام إلى الخمسة موقوف على كون الاكتساب بحسب الأصل مباحا و الّا فلا ينقسم إليها لأنه قال و مورد الخمسة الاكتساب الذي هو فعل المكلف و من شأنه أن يقبل القسمة فيما يمكن فيه تساوى الطرفين باعتبار العوارض اللاحقة له انتهى فان قوله باعتبار العوارض متعلق بقوله يقبل القسمة و التقدير و من شأنه أن يقبل القسمة باعتبار العوارض فيما يمكن فيه تساوى الطرفين و محصّله انه ان كان الاكتساب مباحا كان قابلا للانقسام إلى الخمسة و الا فلا و أنت خبير بما في مبنى الكلامين المذكورين فإن شيئا من التقسيم الى الثلاثة و التقسيم إلى الخمسة لا يتوقف على كون الاكتساب مباحا بحسب الأصل لإمكانه مع كونه مندوبا بحسب الأصل فيصير واجبا بعروض؟؟؟

الموجب و مكروها بعروض سبب المرجوحية الغير البالغة حد اللزوم و مباحا بعروض جهة مرجحة للترك معارضة للجهة المرجحة للفعل في المندوب و هكذا لو كان واجبا بحسب الأصل أو مكروها أو غير ذلك و يؤيد ما ذكرناه ان القائلين بانقسامه إلى الخمسة يلتزمون بكونه مندوبا بحسب الأصل هذا و قد يلاحظ مع قطع النظر عن المتعلق و عن العوارض و عن الفاعل و صفة قال بعض من تأخر انه (حينئذ) لا يتصف الا بحكم واحد هو الوجوب لتوقف نظم الدنيا عليه غاية ما في الباب ان وجوبه كفائي و قد يتعين لعارض ولى فيه نظر لان وجوبه لإقامة النظم انما هو من جهة العارض

7

و تحصيل عنوان واجب منطبق على الاكتساب فلا يكون بهذا الاعتبار ممّا لوحظ مع قطع النظر عن العوارض فالوجه ان (يقال) ان ما لوحظ مع قطع النظر عن الاعتبارات المذكورة لا يتصف إلا بالإباحة إذ ليس حينئذ الا من قبيل الحركات و السكنات التي هي غير مشتملة على مصلحة أو مفسدة كالمشي و القعود و غيرهما في صورة عدم اشتمالها على غاية راجحة و مرجوحة الثاني ان أمثلة التقسيم الثلاثي هي بيع الأعيان النجسة و بيع الرقيق و البيوع المتعارفة الخالية عن وجهي الحرمة و الكراهة فالأول مثال للمحرم و الثاني للمكروه و الثالث للمباح و امّا أمثلة التقسيم الخماسي فهي ما ذكره الشهيد الثاني (رحمه الله) في الروضة في ذيل قول الشهيد (رحمه الله) ثم التجارة و هي نفس التكسب تنقسم بانقسام الأحكام الخمسة فالواجب منها ما يتوقف تحصيل مؤنته و مؤنة عياله الواجبي النفقة عليه و مطلق التجارة التي يتم بها نظام النوع الانسانى فان ذلك من الواجبات الكفائية و ان زاد على المؤنة و المستحب ما يحصل به المستحب و هو التوسعة على العيال و نفع المؤمنين و مطلق المحاويج غير المضطرين و المباح ما يحصل به الزيادة في المال من غير الجهات الراجحة و المرجوحة و المكروه و الحرام التكسب بالأعيان المكروهة و المحرّمة و قد تقدمتا انتهى و لكنك خبير بان جعل المكروه و الحرام من التكسب عبارة عما تعلق بالأعيان المكروهة و المحرمة يوجب عدم انطباق المثال على الممثل له لأنهما يصير ان (حينئذ) مثالا للتكسب المكروه و المحرم باعتبار ما تعلق به و قد عرفت مغايرة الأمرين و كان الاولى ان يمثل للمكروه بالتجارة ما بين طلوع الفجر و طلوع الشمس و للمحرم بالبيع وقت النداء فتدبر الثالث انه حكى عن الشيخ الفقيه المحقق جعفر الغروي (قدس اللّه سرّه) ان التجارات الواجبة يترتب على تركها العقاب لكونها مما تعلق به خطاب أصليّ و مقتضاه انه يترتب على مخالفته العقاب و هذا المقال موافق لما ذهب اليه الفاضل القمي (رحمه الله) من دوران الثواب و العقاب على المقدمات مدار الخطاب الأصلي فإن تعلق بها خطاب أصلي ترتب عليها الثواب و العقاب و الا فلا و لكنا قد أبطلناه في الأصول و بينا ان ترتب الثواب و العقاب على الشيء يدور مدار كونه مطلوبا لنفسه و ان الواجب الغيري لا عقاب عليه و كذا لا ثواب الا ان يأتي به بنية الانقياد فيثاب عليها و مجرد تعلق خطاب أصلي هو من قبيل الألفاظ لا يوجب مطلوبية نفسية في المطلوب لغيره و صدور اللفظ و عدم صدوره ممّا لا مدخل له في الثواب و العقاب كما لا يخفى على من راجع عقله الرابع انه ذكر المحقق الثاني (رحمه الله) في جامع المقاصد في ذيل الكلام على انقسام الاكتساب إلى الخمسة ما لفظه و اعلم ان هذا ليس من مقصود العقود لان الفقيه يبحث عنها من حيث تصح و تفسد و من حيث تحل و تحرم اما من حيث تكون متعلق الثواب أم لا فان ذلك من غرض العبادة و ان كان لا محذور فيه لأن الشيء الواحد قد يكون معاملة و تضميمة شيء أخر يكون عبادة انتهى و قال في (المسالك) و اعلم ان غرض الفقيه بالذات من بحث العقود حكمها من حيث تصح و تفسد و امّا من حيث تجب أو تندب ليترتب عليها الثواب من وظائف العبادة أو من حيث تحرم فيترتب عليها العقاب فهو بالعبادة أشبه من حيث وجوب تركها لكن لا محذور في ذكر ذلك هنا استطراد باعتبار اختلاف جهة المكاسب فإنها قد تكون عبارة من جهة و معاملة من اخرى و كذا باقي العقود كالصلح و الإجارة و مثله النكاح انتهى و ظاهر ان مؤدى الكلامين أمر واحد و لكن لا يخفى ما فيه لان كون البحث عن وجوب الاكتساب و ندبه و حرمصه مثلا ليس موافقا لغرض الفقيه هنا و كون ذلك استطراد لا وجه له لانه اما ان يكون مبنيا على ان الفقيه ليس من شانه البحث عن الأحكام الطلبية المتعلقة بالاكتساب ففساده واضح لان غير الفقيه ليس من شانه البحث عنها و ان الفقيه هو الذي شأنه البحث عن الأحكام الشرعية اللاحقة للموضوعات طلبية كانت أو غيرها و اما ان يكون مبنيا على ان البحث عنها و ان كان من شأن الفقيه الا ان محلّه ليس هذا البحث بل غيره فهو ايضا واضح الفساد ضرورة ان البحث عن حرمة الاكتساب و وجوبه مثلا لا يليق بشيء من الأبحاث المتعلقة بالموضوعات المغايرة له فاختير نفسك هل نجد منها الرخصة في ان تقول ان محل البحث عن وجوب الاكتساب هو

كتاب الصلاة أو غيره من الأبواب و أورد عليه بعض من تأخر بوجوه أخر أوّلها ان الأحكام الوضعية ليست إلا منتزعة من الأحكام التكليفيّة فتلك فروع لهذه فجعل غرض الفقيه في المنتزع الّذي لا وجود له سوى وجود المنتزع منه و نفى المقصودية عن الأصل الّذي هو المنتزع منه لا وجه له و عندي ان هذا الإيراد مدفوع اما على مذاق من يرى ان الأحكام الوضعية أحكام متأصلة مجعولة كما هو مذهب جماعة فواضح و اما على مذاق من يرى أنها منتزعة من الأحكام التكليفية فلان مال البحث عن الصحّة و الفساد الى البحث عن أحكام تكليفية ينتزعان منها و في هذا المقام حكمان تكليفيّان أحدهما وجوب إيقاع نفس العقد مثلا في الاكتساب الواجب و الأخر وجوب لوفاء به بعد وقوعه سواء كان نفس إيقاعه واجبا أم لا و الّذي ينتزع منه الصحّة هو الثاني و الّذي يجري في التقسيم المذكور انما هو الأول فالقائل بكون الأحكام الوضعية منتزعة يصحّ له ان يقول ان الكلام هنا في صحة المعاملة مثلا و غاية ما هناك ان الحكم الوضعي عنده منتزع من الحكم الطلبي و ان إثبات الحكم الوضعي في كلامه يؤل الى ان هناك حكما طلبيا ينتزع منه هذا الحكم الوضعي ففيما نحن فيه الحكم الوضعي ينتزع من وجوب الوفاء بالعقد لا من وجوب إيقاعه فمراده (رحمه الله) على تقدير كونه ممن يقول بانتزاع الحكم الوضعي هو ان البحث الذي يوافق غرض الفقيه انما هو البحث عن وجوب الوفاء بالعقد لا عن وجوب إيقاعه ثانيها ان حديث ترتب الثواب و العقاب أجنبي عن وظيفة الفقيه بالمرة فإن الفقيه لا يبحث في العبادات التي هي متعلقات الأوامر و مطلوبات شرعية إلا عن كونها مسقطة للإعادة و القضا فاقحام ترتب الثواب و العقاب مما لا مساس له بالمقام و هذا الإيراد (أيضا) ساقط لان ذكر الثواب و العقاب في الكلامين المذكورين ليس لإفادة ان شأن الفقيه هو البحث عنهما حتى يقابل بما ذكر و انما وقع ذكر الثواب في كلام المحقق الثاني (رحمه الله) كناية عن الوجوب و وقع ذكره و ذكر العقاب في كلام الشهيد الثاني (رحمه الله) بعنوان الغاية للوجوب و الحرمة و من المعلوم ان نفى كون الشيء مبحوثا عنه لا يستلزم نفى كونه غاية للمبحوث عنه و هو ظاهر ثالثها ان مجرد وجوب الترك لا يجعل الترك أشبه بالعبادة لاشتراك الوجوب بينها و بين غيرها و يدفعه انه لو كان الوجوب من خواص العبادة لم يتخلف عنها و لم يكن وجوده في غيرها سببا لكونه أشبه بالعبادة بل كان دليلا معينا لكونه عبادة فهو لما كان مع اشتراكه بين العبادة و غيرها انسب بالعبادة صار سببا لما اتصف به من غيرها أشبه بها الخامس ان ما ذكر كله انما هو بالنظر الى جنس التكسب و امّا أنواعه كالبيع و الصّلح و الإجارة و غيرها فقد ذكر في المستند في حكمها ما لفظه و الثاني يعني النوع ينقسم إلى أربعة أقسام هي غير الواجب إذ ليس من أنواع التكسب ما يكون واجبا من حيث هو الا على الوجوب الكفائي في بعض الأنواع انتهى و فيه تأمل لأن

8

اتصاف كل من الأنواع من حيث هو ذلك النوع الخاص كالبيع مثلا بشيء من الحرمة و الكراهة محلّ نظر بل منع السّادس ان الظاهر من الاخبار كون الاكتساب مستحبا لنفسه مثل قوله (عليه السلام) ان اللّه يحب المحترف الأمين و ظاهر الفتاوى كونه مستحبّا لغيره و لهذا تريهم يحكمون باستحبابه للتوسعة في المعاش و تحصيل ما يتوقف عليه من العبادات المستحبة كالبر و الصدقة و الحج و المندوب و العتق و بناء المساجد و المدارس و أمثالها ثم على هذا التقدير هل يتوقف اتصاف لاكتساب بالاستحباب على القصد إلى شيء من العنوانات و الغايات المذكورة أم يكفي في اتصاف نفس الاكتساب بالاستحباب مجرد ترتب شيء من الغايات المذكورة عليه و ان لم يكن قاصدا له حال الاشتغال بالاكتساب الظاهر بل المقطوع به هو الأول الصراحة اللّام الداخلة على العنوانات المذكورة في ان للقصد إليها في حال الاكتساب مدخلا في اتصافه بالاستحباب فينتفى بانتفاء القصد إليها السّابع انه قد تضمن بعض الاخبار ما يدل على ان الاكتساب عبادة مثل رواية المعلى بن خنيس قال سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) و انا عنده فقيل قد أصابته الحاجة قال فما يصنع اليوم قيل في البيت يعبد ربّه عزّ و جل قال فمن اين قوته قيل عند بعض إخوانه فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) و اللّه للّذي يقوته أشد عبادة منه و انه قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) العبادة سبعون جزء أفضلها طلب الحلال و من المقرر في محله ان العبادة نوعان عبادة بالمعنى الأخص و هو ما أخذ في تحققه و قوامه قصد القربة كالصّلوة فإنه لو لم يقصد بها القربة لم تقع في الخارج و عبادة بالمعنى الأعم و هو ما يعتبر في ترتب الثواب عليه قصد القربة و جميع الواجبات التوصلية بل المباحات من هذا القبيل فإنه يعتبر في ترتب الثواب عليها قصد القربة بمعنى ان أصل تحققها يحصل بدون قصد القربة (أيضا) لكن إذا اقترن به قصد القربة ترتب الثواب عليه (فحينئذ) نقول لا يمكن ان يكون المراد بالحديث ان الاكتساب من قبيل العبادة بالمعنى الأخص كما قد يتوهم ضرورة عدم صحة الالتزام يكون الاكتساب قد أخذ في قوامه و تحققه قصد القربة كالصّلوة و كذا لا يمكن ان يكون المراد انه من قبيل العبادة بالمعنى الأعم ضرورة ان كل واجب توصلي و مباح شانه ذلك فإنه كلما قصد بشيء منهما القربة ترتب عليه الثواب بغير اشكال فالوجه ان يقال ان المراد به معنى ثالث جعله كاشف الغطاء (قدس سرّه) من جملة معاني العبادة و هو ان يكون الشيء في حد ذاته و من دون اقترانه بقصد القربة حسنا و محبوبا عند اللّه كالنكاح فإنه حسن في حد ذاته و ان أوقعه فاعله لقضاء الشهوة و التذاذ النفس و لم يقصد به كف نفسه عن المحرمات و لا كون ما يرتكبه مأمورا به و الاكتساب من هذا القبيل (فحينئذ) نقول ان المكلف ان لم يفعله بقصد القربة لا يترتب عليه الثواب لان الثواب عبارة عما يقابل الإطاعة التي لا تتحقق إلا بالإتيان بالمأمور به و ليس هنا مأتي به بعنوان كونه مأمورا به و لكن يترتب عليه كمال نفس الفاعل و القرب لديه تعالى و لا يبعد ان يقال انه يحصل ارتفاع الدرجة و ان لم يسم ذلك ثوابا لما عرفت خلافا لبعض من تأخر فإنه لم يلتزم به و لكنه خص عدم الالتزام به بما إذا فعل المحبوب الذي لم يرد به بخصوصه أمر من الشارع على وجه العبادة و اما إذا فعل المحبوب الّذي هو عبادة بالمعنى الأخص بعنوان مجرد كونه حسنا فإنه يحصل منه تلك العبادة و يثاب عليها و لا يلزم القصد الى كونها مأمورا بها بخصوصها

قوله مع إمكان التمثيل للمستحب بمثل الزراعة و الرعي ممّا ندب اليه الشرع و للواجب بالصناعة الواجبة كفاية خصوصا إذا تعذر قيام الغير به فتأمل

هذا إيراد على ما ذكره الجماعة من تقسيم المكاسب الى ثلاثة أقسام و يدل على الندب إلى الزراعة ما في التذكرة حيث قال فيها انه سئل هارون بن يزيد الواسطي الباقر (عليه السلام) عن الفلاحين فقال هم الزارعون كنوز اللّه في أرضه فما في الأعمال أحب الى اللّه من الزراعة و ما بعث اللّه نبيا الا زارعا إلا إدريس (عليه السلام) فإنه كان خياطا و روى في غيرها من كتب الاخبار مسندا هذا و لا يخفى عليك ان المثالين الأولين و هما الاكتساب بالزراعة و الاكتساب بالرعي مطابقان للممثل له و هو الاكتساب المندوب باعتبار متعلقة و ان المثال الأخير أعني الصناعة الواجبة غير مطابق لان الوجوب فيها انما عرض الفعل باعتبار العوارض اللاحقة و لم ينشأ وجوبه من متعلقة و هو ظاهر و الى هذا أشار بالأمر بالتأمل في ذيل الكلام ثم انه تعرض بعض من تأخر لدفع إيراد (المصنف) بان تقسيم المكاسب الى ثلاثة أقسام محرم و مكروه و مباح انما هو باعتبار متعلقها لا باعتبار عنوانات أخر و انما يتحقق ذلك بان يكون المتعلق الّذي هو ما يكتسب به بخصوصه متصفا بمعنى موجب لتعلق الحكم بالاكتساب به كما في الاكتساب بالخمر مثلا فإنه لما كان في الخمر معنى موجب لحرمته بخصوصه صار ذلك سببا لتعلق حكم الحرمة بالاكتساب به و هذا الاعتبار الذي ذكر لا يجري في استحباب الزراعة لان استحبابها انما هو لاستحباب مطلق التكسب و بعد استحباب مطلق التكسب و بعد استحباب مطلقه و ان كان خصوص الزراعة مستحبا الا ان ذلك انما هو من جهة كونه فردا محصلا للكلي على وجه أوفق بغرض الشارع ككون الزرع أقرب الى القوت و أقوى في تحصيل بقاء النوع فليست الزراعة كالنافلة مثلا بان تكون بنفسها مندوبة و استحبابها انما هو لكونها محصلة للاكتساب بل نقول ان استحبابه (أيضا) ليس لنفسه بل لتحصيل القوت فمن كان مستغنيا عن تحصيل القوت واجدا له لا دليل على استحباب الاكتساب في حقه فكذا الزراعة فالحاصل أن لزراعة بعنوان أنها زراعة ليست كالنافلة مندوبة بعنوانها هذا ما افاده ذلك البعض في المقام فان قلت قد روى مسندا عن ابى بصير انه قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول انى لأعمل في بعض ضياعي حتى أعرق و ان لي من يكفيني ليعلم اللّه عزّ و جل انى أطلب الرزق الحلال فان هذه الرواية انما تدل على ان الاكتساب بنفسه مستحبّ و الا لم يكن يلتزم به أبو عبد اللّه (عليه السلام) مع وجود من يكفيه قلت هذه الرواية انما تدل على استحباب المباشر بنفسه في مقابل التسبيب حيث انه (عليه السلام) باشر بنفسه و لم يكتف بعمل من يكفيه و لهذا ذكرها في الوسائل في باب استحباب العمل باليد كيف لا و قوله (عليه السلام) في ذيل الرواية ليعلم اللّه عز و جل انى أطلب الرزق الحلال يدلّ على ان استحباب الاكتساب ليس لنفسه و انما هو لتحصيل الرزق فان قلت هذه الرواية تبطل ما ذكر من ان من كان مستغنيا عن تحصيل القوت واجدا له لا دليل على استحباب الاكتساب في حقه لانه مع وجود من يكفيه يكون مستغنيا قلت هذه مغالطة إذ لا ملازمة بين وجود من يكفيه و وجود القوت فيمكن انه (عليه السلام) لم يكن له قوت موجود و لكن كان معه من يكفيه من مباشرة تحصيله بنفسه فباشره بنفسه فدل ذلك على ان المباشرة باليد مندوبة و اين هذا من استحباب الاكتساب مع وجود القوت بل ذيل الرواية يدل على انه لم يكن واجدا للرزق و الا لم يكن لطلبه معنى فان قلت رواية هارون بن يزيد الواسطي المتقدم ذكرها تدل على كون الزراعة بخصوصها أحب الأعمال فكيف أنكرت كونها بعنوان أنها زراعة مندوبة قلت هذه الرواية لا تدل على ان الزراعة بعنوان أنها زراعة مندوبة كالنافلة غاية ما في الباب انها كما تلائم كون الزراعة أفضل افراد الكسب باعتبار كونها أقرب الى القوت و أقوى في حفظ النوع كذلك تلائم كون الزراعة بعنوان أنها زراعة مندوبة فلا تفيد تعيين شيء منهما فتبقى محتملة للأمرين لو لم ندع ان الأظهر هو الأول فتدبر

9

و قد اتبعنا كلام البعض المذكور بالأسئلة المذكورة و أجوبتها تنقيحا للمقام و مع ذلك كله فلي فيما ذكره نظر أمّا أولا فلانا نمنع مما ذكره من انحصار تقسيم المكاسب الى الثلاثة باعتبار المتعلق في المعنى الّذي ذكره أ لا ترى إلى كراهة بيع الأكفان الّذي هو من قبيل ما جعلوه من أقسام ما يسرى الحكم الى الاكتساب من اعتبار المتعلق مع انه ليس في الكفن بنفسه معنى كما في الخمر يوجب الحكم المتعلق به و انما هو باعتبار تولد عنوان من الاكتساب بالمتعلق الخاص و هو تمنى موت الناس و هذا الوجه يمكن إجراؤه في الزراعة و الصّناعة الواجبة كفاية خصوصا إذا تعذر قيام الغير به و امّا ثانيا فلانه قد حكم في اتخاذ الغنم بالاستحباب مع ان ما ذكره في الزراعة يجري هناك حرفا بحرف فالحكم بالاستحباب هناك و إنكاره هيهنا تناقض بين فافهم

قوله و معنى حرمة الاكتساب حرمة النقل و الانتقال بقصد ترتب الأثر و اما حرمة أكل المال في مقابلها فهو متفرع على فساد البيع لانه مال الغير وقع في يده بلا سبب شرعي (انتهى)

اعلم ان تحريم الاكتساب بما يحرم الاكتساب به من الأعيان النجسة و غيرها محتمل لوجوه الأول ان يكون المراد به فساد العقد و عدم صحته كما هو المناسب لقول من قال بأن شأن الفقيه ليس هو البحث عن حرمة العقود بل عن صحتها و فسادها كالشهيد الثاني (رحمه الله) و ان كان هو (رحمه الله) لم يصرح بذلك و لم يلتزم به و انما التزم بان الحكم بالتحريم في هذا الباب مذكور من باب الاستطراد الثاني ان يكون المراد به حرمة مجرد العقد عليه و نفس إيقاع الصّيغة فقط الثالث ان يكون المراد به حرمة مجرد ترتيب اثر العقد بعد وقوعه حتى ان نفس العقد لا يكون محرما و انما يكون المحرم هو مجرد ترتيب آثار العقد و الملك عليه الرابع ان يكون المراد تحريم نفس العقد على من كان ملتفتا عند العقد الى تحريمه و تحريم ترتيب الآثار عليه على من لم يكن ملتفتا عند العقد الى تحريمه حكى بعض مشايخنا عن شرع القواعد للشيخ الفقيه المحقق جعفر الغروي (رحمه الله) انه ذكره احتمالا الخامس ان يكون المراد به ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) السادس ان يكون المراد به ما ذكره بعض من تأخر من حرمة نفس العقد و حرمة ترتيب الآثار جميعا بان يكون المراد حرمة الجميع و استند في ذلك الى ان المراد بالنهي عن البيع مثلا في الخطاب المتضمن له انما هو النهى عن إيقاعه على الوجه المتعارف و البيع أو مطلق العقد المتعارف بين الناس انما هو مجموع الصيغة و تسليم ماله واجد عوضه فيكون المنهي عنه هو المجموع قال و من هذا الباب نستفيد من قوله تعالى أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ اللزوم نظرا الى ان ما أحله اللّه إذا كان هو البيع على الوجه المتعارف عند الناس اعنى اللزوم كان البيع الممضى من جانبه تعالى هو البيع المفيد للزوم هذا و عندي ان المتعين من بين الوجوه المذكورة انما هو الوجه الخامس الذي ذكره (المصنف) (رحمه الله) اما عدم كون المراد هو الوجه الأول و الثالث و الرابع فلعدم مساعدة اللفظ على دلالة اللفظ عليها كما هو ظاهر عند من له أدنى تأمل و اما عدم كون المراد هو الوجه الثاني فلوضوح عدم حرمة مجرد إيقاع العقد من دون قصد ترتيب الأثر عليه و اما عدم كون المراد هو الوجه السّادس فلانه و ان كان حرمة نفس العقد و حرمة ترتيب الآثار عليه من قبيل الأمور المطابقة للواقع و نفس الأمر الا ان الكلام في دلالة اللفظ و وفاء دليله المذكور به و كلاهما ممنوع امّا الأول فلوضوح ان معنى البيع ليس عبارة عن العقد و عن ترتيب الآثار كليهما و اما الثاني فلان كون المحرم هو البيع على الوجه المتعارف و هو كونه معقبا بتسليم المبيع و أخذ الثمن و ترتيب الآثار عليه يقتضي انه لو أوقع البيع لا على الوجه المتعارف بان أوقع العقد على شيء من الأعيان التي يحرم الاكتساب بها بقصد ترتيب الأثر ثم بدا له فلم يسلم المبيع و لم يؤخذ الثمن لم يكن فعل حراما لانه لم يوقعه على الوجه المتعارف الّذي هو تعقيبه بترتيب الآثار و هو باطل قطعا و قد اعترف من ذكر الوجه السّادس بحرمة المفروض لكنه استند الى ان المحرم إذا كان هو المجموع فنفس العقد وحده جزء منه فيكون حراما لحرمة الكل و يدفعه ان الجزء لو كان خارجيا كان الإتيان به بقصد ترتيب سائر الاجزاء عليه محرما بخلاف ما إذا كان جزء عقليا كالقيد و المقيد الّذي منه ما نحن فيه فان كون العقد واقعا على الوجه المتعارف قيد له في الخطاب و بانتفاء القيد لا يعلم بقاء الحكم المتعلق بالمقيد بل من الظاهر انتفاؤه (حينئذ) فلا يدل الخطاب على حرمة البيع وحده إذا لم يتعقبه ترتيب الآثار نعم لو قيل ان معنى تحريم البيع هو تحريم العقد و ترتيب الأثر جميعا بمعنى كون كليهما حراما على ان يكون كل منهما مناطا للحكم صح ما ذكره من الحكم لكنه يصير أمر مخالفا لما سلكه من طريق الاستدلال و يبقى الكلام في دلالة لفظ فتواهم من قولهم يحرم البيع على ذلك و من التأمل فيما ذكرنا يعلم الفرق بين الاستدلال بقوله تعالى أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ على اللزوم و بين جعل ما نحن فيه و الا على تحريم نفس العقد و تحريم ترتيب الأثر عليه لوفاء إحلال البيع على الوجه المتعارف بإفادة اللزوم بخلاف تحريم البيع بالنسبة إلى الأمرين فإن جعل البيع عبارة عن المتعارف غير واف بدلالة تحريم البيع على الأمرين من تحريم نفس العقد و تحريم ترتيب الأثر عليه فتحصل مما ذكرنا ان

المتجه إرادته انما هو ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) من كون المحرم هو النقل بقصد ترتيب الأثر و ترتيب الآثار (أيضا) و ان كان حراما لا انه من لوازم فساد البيع و غير مقصود بهذا اللفظ تضمنا نعم هو مدلول عليه التزاما كما ان اللزوم مدلول عليه التزاما بإحلال البيع على الوجه المتعارف بل لنا ان نمنع الدلالة الالتزامية على تحريم ترتيب الأثر و نقول انه ممّا علم من القواعد الشرعية كما أشار إليه (المصنف) (رحمه الله) فتدبر

قوله لان ظاهر أدلة تحريم بيع مثل الخمر منصرف الى ما لو أراد ترتيب الآثار المحرمة

هذا تعليل لاعتبار القيد الأخير في تفسير حرمة الاكتساب اعنى قوله بقصد ترتيب الأثر

[فالاكتساب المحرم أنواع]

قوله فالاكتساب المحرم أنواع

ينبغي هيهنا تقديم أمور تفيد بصيرة في المبحث

بل تكون من قبيل المبنى لبعض ما يتفرع عليه

الأوّل ان الأصل الاولى في العقود فسادها

بمعنى عدم ترتب الأثر عليها و اباحة مباشرتها سواء بقي الأصل الاولى في الفساد على حاله أم دل الدليل في شيء من المقامات أو على وجه العموم على ارتفاع مقتضى الأصل الاولى لكن مقتضى الأصل الثانوي المستفاد من الكتاب و السنة فيها هي الصحّة ما لم يتعلق بشيء منها نهى حكم بفساده للإجماع محصلا و منقولا و دلالة النهي في مثل لا تبع الخمر مثلا على الفساد لا بالدلالة الالتزامية لعدم استلزام نفس الحرمة بمجردها للفساد بل من جهة كون النهي للإرشاد إلى الفساد أو كونه للتحريم و لكن بحيث يكون منشأ التحريم هو الفساد بان يكون مباشرة العقد الفاسد حراما مبغوضا عند الشارع و الفرق بين هذين انه على تقدير كونه للإرشاد إلى الفساد لا يدل على حرمة نفس العقد نعم يصير المتصرف في العوض حراما من جهة حرمة التصرف في مال الغير و اما على تقدير كونه للتحريم فيدل على حرمة نفس مباشرة العقد و ان كان منشأ حرمته عند الشارع هو فساده و قد يستدل للفساد بقوله (عليه السلام) ان اللّه إذا حرّم شيئا حرّم ثمنه نظرا الى دلالته على قاعدة كلية هي بطلان بيع المحرم بذكر لازمه و هو حرمة ثمنه لانه مع البطلان يصير الثمن مال الغير فيحرم التصرف فيه و أورد عليه بعض من تأخر بان سند الرواية ضعيف مضافا الى ما في متنه من الإجمال لأن المراد بقوله (عليه السلام) حرم شيئا اما ان يكون تحريمه في الجملة بمعنى القضية المهلة التي هي في قوة الجزئية فيكون المراد تحريمه و لو في مورد الخصوصية لاحقة له في ذلك المورد و اما ان يكون تحريمه كلية بمعنى تحريم جميع الانتفاعات و الأفعال المتعلقة نظرا الى ان تحريم العين من حيث هي عين لا معنى له و اما ان يكون تحريم الخواص الظاهرة له و على هذا

10

فلا يصحّ التمسّك به الّا بما يتقن إرادته منه أو دل على كونه مرادا عمل الأصحاب حتى يصير جابر الوهن دلالته من جهة كشفه عن القرينة و يعلم من هذا ان الأول لا وجه لكونه مرادا لمخالفة الإجماع و الضّرورة لوضوح ان كلّ واحد من المباحات لا بد و ان يعرضه الحرمة في شيء من الموارد حتى ان الماء قد يحرم على شخص لكونه مضرا به كالمستسقى و من المعلوم فساد الحكم بحرمة ثمن الشيء المباح إذا حرم في شيء من الموارد سواء كان الحكم بحرمة الثمن (مطلقا) أو في ذلك المورد فيتعين أحد الأخيرين و مقتضاهما فساد العقد اما على تقدير تحريم جميع الأفعال و المنافع المتعلقة بذلك الشيء الّذي هو متعلق العقد فظاهر لان من جملتها العقد عليه ببيع و نحوه و اما على تقدير كون المراد تحريم الخواص الظاهرة فلان العقد عليها من تلك الجملة (أيضا) فيؤل محصّل الحديث الى محصّل النهى عن العقد للإرشاد إلى فساده أو للتحريم الذي منشؤه الفساد قلت لا يخفى عليك سقوط الإيراد لأن التحريم و نحوه إذا تعلق بشيء من الأعيان لم يكن الا متعلقا بما هو معدود من خواص ذلك الشيء و منافعه بحيث ينساق عرفا تعلق التحريم بها سواء كانت متساوية أو كان بعضها أظهر من بعض بحيث يكون هو المتعين عرفا عند الإطلاق لا مطلق ما يمكن ان يفرض متعلقا به من الأفعال و من المعلوم عند من له ادنى خبرة بمجاري الاستعمالات العرفية انه لا يفهم في شيء من موارد تعلق الحرمة بالأعيان حرمة بيع العين التي تعلق بها التحريم فدعوى دخول البيع في منافع الأعيان كما صدر من المورد واضحة السقوط خصوصا إذا كان مقصوده كونه من قبيل أظهر الخواص و المنافع

الثاني ان اليد دليل الملك في الشبهات الموضوعية

التي ينشأ الشك فيها من الجهل بحال الموضوع الخاص بغير اشكال فلو وجدت عين تحت يد شخص و لم يعلم كونها ملكه كانت اليد امارة كونه مالكا له و هل تصير دليل الملك في الشبهات الحكمية التي ينشأ الشك من الجهل بالحكم الكلى كما لو تعاقد بالفارسيّة مثلا و تقابضا ثم شككنا في صحة العقد من جهة وقوعه بالفارسية فهل يصحّ التمسك لتملك ما قبضه بان اليد دليل الملك أم لا فالذي حكاه بعض مشايخنا عن موضع من جامع المقاصد و كان لا يذكره بخصوصه هو ان اليد دليل الملك حتى في مثل ما ذكر من الشبهات الحكمية و لكنك خبير بأنه لا وجه له لأن الذي نستفيده من الأدلة الدالة على دلالة اليد على الملك ليس الّا دلالتها عليه في الشبهات الموضوعية فلا ينساق منها ما هو أزيد من ذلك و لا بد من الاقتصار عليه

الثالث انك قد عرفت ان مقتضى الأصل الاولى في المعاملات هو الفساد

الا ان العمومات مثل قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و أمثاله أفادت ان الأصل الثانوي الثابت من جانب الشارع انما هو صحة كل عقد شك في صحته و فساده و هذا القدر ممّا لا كلام فيه و انما الكلام في ان تلك العمومات كما تجري فيما لو أحرز قابلية العوضين للمعاوضة عليهما و شك في صحة نفس العقد و فساده (كذلك) تجري فيما لو شك في أصل قابلية شيء من العوضين للمعاوضة عليه فتعم القسمين أم تختص بالقسم الأوّل مثال الأول انه بعد ما أحرز قابلية المكيل و الموزون للبيع و بيع شيء منهما بعد اعتباره بما يختص به لكن اجرى العقد عليه بغير العربية أو بغير صيغة الماضي و شك في صحته فلا ريب انه (حينئذ) يتوجه قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ لان المفروض تحقق العقد فيجيء وجوب الوفاء به و مثال الثاني ان المطلّق زوجته رجعيا لو صالح عن حق الرجوع بشيء ثم شككنا في ان حق الرجوع قابل للمصالحة عنه و المعاوضة عليه أم لا فنقول لا إشكال في جريان عموم قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ في الأول ضرورة قابلية المحل و تحقق العقد و انما الإشكال في انه هل يجرى مثل قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ من العمومات الجنسية و مثل قوله (عليه السلام) لصلح جائز بين المسلمين مما هو من العمومات النوعية في القسم الثاني أم لا و مثله الحال فيما لو شك في صلاحية شيء من الأعيان للمبيع فهل يجرى بعد إيقاع عقد البيع عليه قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و قوله تعالى أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ حتى يحكم بصحة البيع مع الشك في قابلية المبيع لإيقاع البيع عليه و يحرز القابلية بالعمومات و يحكم بتحققها بواسطتها أم لا فنقول التحقق عدم جريانها في القسم الثاني و ان كان يترائى من بعض الأواخر التمسك بصحة الصّلح على بعض الحقوق التي لم يعلم من الشارع كونها قابلة للنقل و الصّلح عليه بقوله (عليه السلام) الصّلح جائز بين المسلمين و توضيح الوجه في ذلك ان قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ مثلا مسوق لبيان وجوب الوفاء بالعقد من حيث هو عقد لا من غيره من الجهات الأخر من التعرض لمتعلقه و (كذلك) قوله (عليه السلام) الصّلح جائز بين المسلمين مسوق لبيان مضيّ الصّلح و جوازه في الشرع من حيث كونه صلحا و لا نظر له الى الجهات الأخر من المتعلق و غيره و بعبارة أخرى العمومات مسوقة لبيان إمضاء الجنس أو النوع من حيث هما جنس أو نوع لا الى امضائهما من جميع الجهات بان تفيد العموم من صحتهما من جميع الجهات و على هذا فلا يتأتى منها الدلالة على الصحة عند الشك فيما خرج عن حيثية كونه عقدا من قابلية المحل و غير ما و هذا البيان أحسن مما ذكره بعض من تأخر من ان قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ مثلا ناظر إلى إمضاء العقود المقررة بين الناس لا الى تشريع صحة كل ما صدق عليه العقد و على هذا فكل ما حلم انه قد نهى الشارع عن إيقاع العقد عليه لم يجر إيقاعه عليه و كل ما لم يعلم نهى الشارع عن العقد عليه يلزم ان يتبع فيه ما هو المقرر عندهم فلا يفيد قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ شرعية العقد عليه و صحته و انما يفيد وجوب الوفاء بكل عقد تعلق بشيء الا ان يكون مما نهى عنه الشارع عن إيقاع العقد عليه و انما قلنا ان ما ذكرناه أحسن لان مقتضى هذا البيان انه إذا شك في نهى الشارع عن العقد على شيء كالعذرة مثلا و قد وجدنا ان المقرر عند الناس قبل الشرع و مع قطع النظر عنه هو كون المحل قابلا للبيع عندهم فيبيعونها و يشترونها فاللازم هو جواز التمسك بقوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ لإثبات كون المحل قابلا غاية ما في الباب انه لا يدل على ذلك مستقلا بل بضميمة ملاحظة ما هو المقرر عندهم و هذا خلاف المطلوب من عدم جواز التمسك به اللّهم الا ان يؤل ما ذكره الى ما ذكرنا

[النوع الأول مما يحرك الاكتساب به الأعيان النجسة عدا ما استثنى]

قوله الأول الاكتساب بالأعيان النجسة عدا ما استثنى

اعلم ان المراد بالنجسة في عباراتهم في هذا المقام ما هو أعم من النجس بالذات و النجس بالعارض و يدل على هذا كلام العلامة (رحمه الله) في القواعد حيث قال الأول يعني مما يحرم الاكتساب به كل نجس لا يقبل التطهير سواء كانت نجاسته ذاتية كالخمر و النبيذ و الفقاع و الميتة و الدم و أبوال ما لا يؤكل لحمه و اوراثها و الكلب و الخنزير و أجزائهما أو عرضية كالمائعات النجسة التي لا تقبل التطهير ثمّ استثنى الدهن النجس لفائدة الاستصباح به تحت السّماء خاصة ثم قال و لو كانت نجاسة الدهن ذاتية كالألية المقطوعة من الميتة أو الحية لم يجز الاستصباح به و لا تحت السّماء ثمّ قال و يجوز بيع الماء النجس لقبوله الطهارة و صرح في ذيل الكلام بجواز بيع كلب الصّيد و الماشية و الزرع و الحائط و إجارتها و اقتنائها فان في كلامه مواضع من الدلالة على ما ذكرناه و قال في جامع المقاصد في شرح العبارة أي الأول من أقسام المحظور من التجارة الاكتساب بكل نجس لا يقبل التطهير (انتهى) و أراد بالنجس ما يكون عين النجاسة أو متنجسا بإحدى الأعيان النجسة و لهذا قسمه الى ما نجاسته ذاتية و ما نجاسته عرضية و غاية ما فيه ان يريد باللفظ حقيقته و مجازه معا و مدار جواز البيع للأعيان و عدمه على وجود المالية المترتبة على كونه

11

في العادة ذا نفع غالب مقصور و احترز بعدم قبول التطهير عن المتنجس الذي يقبله جامدا كان كالثوب أو مائعا كالماء فإنه يجوز بيعه كما سيأتي انتهى و هو كلام متين الا انّه يبقى في المقام أمران أحدهما على العلامة (رحمه الله) و هو انه لم يستثن الرقيق الكافر مع كونه من الأعيان النجسة التي لا تقبل التطهير و مع ذلك يجوز بيعه كما استثنى الكلاب المذكورة فيصير ذلك نقضا على ما ذكره من القضية الكلية و مثله و أورد على المحقق (رحمه الله) و ثانيهما على المحقق الثاني (رحمه الله) و هو الالتزام بان استعمال النجس في كلام العلامة (رحمه الله) بناء على تفسيره من قبيل استعمال اللفظ في معنييه الحقيقي و المجازي فإن ذلك مما لا مجال للالتزام به إذ ليس معنى النجس عدا المتصف بالقذارة و قد استعمل في هذا المعنى الكلي الذي يندرج تحته صنفان و هذا من الأمور القطعية الواضحة و من هنا يظهر وهن ما ذكره في مفتاح الكرامة حيث قال المراد بالنجس ما كان بالأصل و العارض لشموله للثاني حقيقة كما يعطيه كلام أهل اللغة أو بنحو من المجاز كما يعطيه كلام الأصحاب في باب الطهارة و ليس بمعلوم كونه حقيقة شرعية في ذلك اى نجس العين حتى ينزل عليه الاخبار انتهى و وجه الوهن ان مثل هذا الأمر ليس مما يكون فيه مجال للتوقف و التردد هذا و قد تعرض في مفتاح الكرامة لدفع الإيراد على العلامة بتعميم قبول التطهير بالنسبة إلى قبوله بالإسلام قال في شرح العبارة المذكورة و لا فرق في ذلك بين المائع و الجامد الذي لا يقبل التطهير سواء كان مائعا و اصابته النجاسة ثم جمد أو اصابته النجاسة و هو جامد كما إذا اختلط الطحين بشيء من نجس العين كالخرء لمدقوق بحيث لا يمكن انفصاله عنه الا ان نقول في الأخير انه ليس بنجس و لا متنجس فالمدار على التنجس و عدم قبول التطهير كما أفصحت به عباراتهم و انعقدت عليه إجماعاتهم كما ستعرف و قد يلوح من الأستاد خلاف ذلك كما ستسمع و اما ما يقبل التطهير ظاهرا كالفضة و القير إذا تنجسا ما يعين فغير داخلين تحت المنع لانه يحصل النفع المقصود منه باستعمال ظاهره كما ستسمع بيان ذلك كله و من اقتصر على ذكر المائعات فلعله بناء على الغالب مع قصد التمثيل و قد وقع التقييد بعدم قبوله التطهير في المبسوط و الغنية و التذكرة و نهاية الأحكام و الإرشاد و التحرير و المنتهى و الدروس و اللغة و الرّوضة و غيرها و أطلق في النهاية و السرائر و الشرائع و النافع لكنه في السّرائر بعد ذلك قيد كما ان المحقق (رحمه الله) في المطاعم نبه على التقييد و الحاصل ان القيد لا بد منه و في (المبسوط) (أيضا) جعل الحكم لنجس العين من الحيوان غير الأدمي و من غير الحيوان فيخرج الرقيق الكافر لقبوله التطهير بالإسلام و عليه تنزل العبارات الموافقة للمبسوط في التقييد و قد يكون الرقيق الكافر خارجا بالاخبار و الإجماع لا بان الإسلام مطهر له إذ قلّ من عده من المطهرات فلعله عندهم كالاستحالة و جميع النجاسات تقبل الطهارة بها فمرادهم بقبول الطهارة قبولها بغير الاستحالة انتهى و تبعه صاحب الجواهر (رحمه الله) حيث قال الأول الأعيان النجسة التي عرفتها في كتاب الطهارة عدا الكلب الذي ستعرف البحث فيه و الرق الكافر فإنه لا خلاف و لا إشكال في جواز التكسب به و لعل عدم استثناء (المصنف) (رحمه الله) لان محلّ البحث في النجاسات من حيث عدم قبولها التطهير بغير الاستحالة و هو يقبله بالإسلام الذي ليس باستحالة قطعا انتهى و قد ذكرنا الكلمات المذكورة لغرض إفادتها الاطلاع على عباراتهم و مقاصدهم ليعلم ان ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) من العبارة أصفى من شوب التكلف و الاشكال حيث ترك التقييد بقبول التطهير ثم ان المستثنى في عبارة الكتاب صالح لان يراد به المملوك الكافر و الكلاب المسوغ بيعها و الدهن و الماء المتنجسان و غيرهما من المتنجسات ثم ان (المصنف) (رحمه الله) و ان كان قد تعرض للبحث عن خصوصيات أصناف الأعيان النجسة إلا انه ينبغي البحث عن حكم عنوانها الكلى بحيث يكون فأعده كلية حتى يحتاج في إثبات جواز بيع شيء منها الى دليل خاص مخصّص لتلك القاعدة العامة فنقول ان المشهور المنصور في حكمها هو عدم جواز الاكتساب بها و يدل عليه أمور الأول الإجماع المحقق إذ لا يعبؤ بخلاف من يأتي ذكره الثاني الإجماع المحكي في كلام العلامة (رحمه الله) المؤيد بعدم الخلاف الا ممن أشير اليه و هو نادر مع تأخر زمانه قال (رحمه الله) في

التذكرة يشترط في المعقود عليه الطهارة الأصلية فلا تضر النجاسة مع قبول التطهير و لو باع نجس العين كالخمر و الميتة و الخنزير لم يصح إجماعا انتهى و العنوان الذي ادعى الإجماع على حرمة بيعه اعنى نجس العين عام و لا يخصّصه المثال خصوصا بعد ملاحظة ما ذكره بعد ذلك فيها حيث قال الكلب ان كان عقورا حرم بيعه عند علمائنا و قال ايضا فيها لا يجوز بيع السرجين النجس إجماعا منا انتهى و مثله كلام الشيخ (رحمه الله) في (المبسوط) لكن باستثناء الكلب من المورد الإجماع لثبوت الخلاف فيه قال في فصل ما يصحّ بيعه و ما لا يصحّ و ان كان نجس العين مثل الكلب و الخنزير و الفارة و الخمر و الدم و ما تولد منهم و جميع المسوخ و ما تولد من ذلك أو من أحدهما فلا يجوز بيعه و لا إجارته و لا الانتفاع به و لا اقتناؤه إجماعا إلا الكلب فان فيه خلافا انتهى الثالث ما في خبر تحف العقول الذي افتتح به الكتاب من قوله (عليه السلام) في بيان ما يحرم من البيع و الشراء أو شيء من وجوه النجس فهذا كله حرام محرم (انتهى) و تمسك بعض من تأخر لما اخترناه بوجهين اخرين أحدهما الأصل المصرح به في كلام فخر المحققين المحكي عنه في شرح الإرشاد و كلام الفاضل المقداد المحكي عن التنقيح من ان الأصل في كل نجس العين حرمة الانتفاع به الا ما خرج بالدليل مدعيا ان هذا الأصل مما دل عليه جملة من الاخبار كالنبوي المحكي عن (الخلاف) و (السرائر) و (التذكرة) و المهذب و الغزالي و هو قوله (عليه السلام) ان اللّه إذا حرم شيئا حرم ثمنه بناء على ان المحرم يعم النجس و ان البيع من جملة الانتفاعات و كخبر تحف العقول المتقدم و كخبر دعائم الإسلام المشتمل على قوله (عليه السلام) و ما كان محرما أصله منهيا عنه لم يجز بيعه و لا شراؤه نظرا الى ان محرم الأصل المنهي عنه يشمل الأعيان النجسة ثم ان ذلك البعض ذكر خلاف الشيخ الفقيه المحقق جعفر الغروي (رحمه الله) حيث ذهب الى ان الأصل جواز الانتفاع بالنجس الا ما خرج بالدليل استنادا الى الأصل و العمومات المقتضية للحل و اباحة الانتفاع بكل شيء مما في الأرض ثم ردّه بأن الأصل و العمومات المذكورة لا تقاوم الدليل و ثانيهما النصوص المعتبرة في العذرة و الدم و الخمر و الخنزير و الميتة و الكلب الذي لا يصيد و يتم بعدم القول بالفصل و لا يخفى ما في التمسك بالوجهين اما الأول فلان كلام فخر المحققين و الفاضل المقداد المحكي عنهما هو انه انما يحرم بيعها لأنها محرمة الانتفاع و كل محرم الانتفاع لا يصح بيعه امّا الصغرى فإجماعية انتهى و هذه العبارة و ان أفادت ان حرمة الانتفاع بالنجس إجماعية الا أن الاخبار التي تمسك بها لا تفي بالدلالة على هذا المطلب لأنها ناظرة الى ان ما يحرم الانتفاع به يحرم التكسب به و هو غير كون الأصل في النجس حرمة الانتفاع و توجيهها بان المحرم يعم النجس و ان البيع من جملة الانتفاعات حتى يتمّ الأصل المذكور و هو حرمة الانتفاع بالنجس ثم جعل ذلك دليلا على عدم صحة البيع من جهة كونه سفها لكون المبيع مسلوب المنفعة أشبه شيء بالأكل من القفاء لان من تلك الاخبار ما يدل بظاهره على حرمة بيع ما يحرم الانتفاع به فالأولى لمن يريد الاستدلال بالقاعدة هو الاستدلال بقاعدة أخرى مستفادة من الاخبار المذكورة و هي انما حرم الانتفاع به حرم بيعه و امّا الثاني فلان عدم القول بالفصل بين ما نص على تحريم بيعه من النجاسات المذكورة و غيرها لا يتم إلا بالنسبة إلى نجاسات معينة مخصوصة فلا يصح دعوى عدم الفصل بين النجاسات المذكورة و بين كل ما عداها من افراد النجاسات لتحقق الفصل بين العذرة و الكلاب مثلا فلا يثبت بضميمة عدم القول بالفصل قاعدة كلية يصحّ الاستناد إليها فيما لو شك في شيء من الموارد؟؟؟ ثم ان مقابل القول (المشهور) المنصور هو ما ذهب اليه المحدث الكاشاني (رحمه الله) في المفاتيح حيث انه بعد ما ذكر انه يشترط في العوضين ان يكونا ذوي نفع محلل مقصود للعقلاء و انه لا يصحّ بيع ما لا منفعة له مشروعة فيه كالميتة و اجزائها بلا خلاف حكى عنهم انهم أطلقوا المنع من بيع الأعيان النجسة و المائعات

12

المتنجسة مما لا يقبل التطهير باستخلافها و نجاستها سوى كلب الصيد و انهم أطلقوا المنع عن بيع المسوخات و ان منهم من منع من بيع الأرواث و الأبوال مطلقا طاهرها و نجسها للاستخباث و ان منهم من أطلق المنع من بيع كل ما قصد به محرم كالات اللهو و ان أمكن الانتفاع في غير الوجه المحرم قال و المعتمد عندي جواز بيع كل ما له نفع مقصود للعقلاء وفاقا لبعض المتأخرين إلا ما ثبت الإجماع المعتبر على خلافه أو ورد فيه النهي في المعتبرة للأصل و عموم أحل اللّه البيع و عدم دليل على المنع يعتد به فإن النجاسة و الاستخباث لا يصلحان للمنع و لحديث كلّ شيء مطلق حتى يرد فيه النهى و لظاهر الاذن في المستثنيات المذكورة فإن الجواز فيها ليس الا للانتفاع المحلل كما لا يخفى و انما خصّت لخصوص السؤال عنها انتهى و لعلّ مراده ببعض المتأخرين هو الشهيد الثاني (رحمه الله) فإنه قال (رحمه الله) في الروضة ان لم يفرض لها نفع أخر و قصد ببيعها المنفعة المحللة انتهى و حكى عن الفاضل السبزواري (رحمه الله) و اندفاع الأصل و العمومات بالأدلة التي عرفتها واضح و الترخيص في بيع الدهن و المتنجس مختص بمورده فلا يتعدى الى غيره و من الأعيان النجسة بالأصالة و الإجماع على عدم جواز الاكتساب مطلقا قائم فما ذكره من ان الحكم هو الجواز ان لم يكن الإجماع قام على خلافه مما لا محلّ له لانه اعتراف بالمشروط على تقدير تحقق الشرط و المفروض انتفاؤه

[المسألة الأولى يحرم المعاوضة على بول غير مأكول اللحم]

قوله يحرم المعاوضة على بول غير مأكول اللحم بلا خلاف ظاهر لحرمته و نجاسته و عدم الانتفاع به منفعة محللة مقصودة

إذ لو كان له نفع لم يكن غير الشرب و المفروض انه محرم فيجري فيه قوله (عليه السلام) ان اللّه إذا حرّم شيئا حرم ثمنه بل زاد بعض المتأخرين الاستشكال في الانتفاع به (مطلقا) حتى في مثل العلاج المتعارف بين العرب و هو البول على الجرح لرفع اليه و سرعة اندماله ثم المراد بغير مأكول اللحم ما هو أعم ممّا يكون (كذلك) بحسب الأصل أو بالعارض كالجلال و الموطوء و يشهد بما ذكرنا استثناؤهما بعد هذا

قوله فيما عدا بعض افراده كبول الإبل الجلالة أو الموطوئة

اعلم انه لو عرض التحريم للمأكول كما لو وطئه إنسان أو صار جلالا ففي بقائه على حكمه كجواز شرب بوله على القول بجوار شربه أو إلحاقه بغير المأكول وجهان ظاهر العبارة أوّلهما و قال بعض المعاصرين ظاهر المشهور أو صريحهم كصريح البعض انما هو الثاني في النجاسة و نحوها مما مر في الملحق به الا انه قد يدعى شمول دليل استثناء بول الإبل و نحوه لذلك فيخص به دليل المنع أو انهما يتعارضان فيرجع فيه الى الأصول و لكن قد يرجح دليل المنع بالشهرة و ظاهر معاقد الإجماعات و عدم معرفة الخلاف فيه صريحا و ان ظهر ذلك من نحو القول المرسل في المتن انتهى و قد صرح (المصنف) (رحمه الله) بنجاسة البول من الجلال و الموطوء قال (رحمه الله) في كتاب الطهارة ثم انه لا فرق في إطلاق النصوص و معاقد الإجماع فيما لا يؤكل بين ان يكون تحريمه بالأصالة كالأسد و بالعارض كالموطوء و الجلال و عن التذكرة نفى الخلاف في إلحاقهما بغير المأكول و عن ظاهر الذخيرة و الدلائل و صريح المفاتيح الإجماع عليه و في الغنية الإجماع على إلحاق خصوص الجلال و تبعه جماعة في خصوص الدجاج من الطير و ربما يتوهم التعارض بين ما دل على نجاسة بول ما لا يؤكل الشامل البول الجلال و الموطوء و ما دل على طهارة ما يؤكل بالذات كالإبل و الغنم و البقر و نحو ذلك من العنوانات الواردة في النصوص بالخصوص و فيه ما لا يخفى و كيف كان فلا إشكال في التعميم المذكور انتهى و (حينئذ) نقول لا (يخلو) ما في استثنائه (رحمه الله) بول الإبل الجلالة و الموطوئة من الإشكال لأنه ان أراد كون المنفعة محللة من جهة كون التداوي من قبيل الضرورة المسوغة فذلك لا يختص بالعنوان الذي ذكره من الإبل الجلالة و الموطوئة بل يجري في مطلق عنوان المضطر اليه و التداوي و ان أراد ان شرب بول الإبل لما كان مرخصا فيه للاستشفاء على وجه الخصوص فذلك مما لا عبرة به بعد ثبوت حكم النجاسة لبول الجلال كعرقه و بعد قيام الأدلة الناطقة بتحريم بيع ما كان شيئا من وجوه النجس فلا يثبت له منفعة محللة و قد ورد في النهي عن شرب البان الجلال رواية اعترف (المصنف) (رحمه الله) بكونها حسنة في مسئلة نجاسة عرق الجلال و استند إليها في الحكم بنجاسته و هي حسنة ابن البختري لا تشرب من ألبان الجلالة و ان صابك من عرقها فاغسله و (حينئذ) نقول ان بوله أولى بالحرمة فلا يتم استثناء (المصنف) (رحمه الله) الا ان يقال ان الاستثناء راجع الى مجرد القيد الأخير و هو قوله مقصودة و لا يخفى ما فيه من الركاكة و مما ذكرنا ظهران ما وقع في كلام المعاصر المذكور من تخصيص دليل المنع باستثناء بول الإبل أو تعارضهما و الرجوع الى الأصول أو تقديم دليل المنع بالشهرة و ذلك لان ما دل على نجاسة بول الجلال بمنزلة الصغرى و ما دل على حرمة بيع شيء من وجوه النجس بمنزلة الكبرى و (حينئذ) فلا يجرى ما ذكره ثم بعد القول بالتحريم فهل المناط في ثبوت الحرمة هو خروج البول أو تكونه و يظهر اثر ذلك فيما لو فرض أنه وطئه الإنسان بعد تكون البول و حصوله في المثانة فإن كان مناط حرمة البيع هو التكون كان اللازم عدم حرمة بيع ذلك البول لتكونه قبل حرمة لحمه بالوطي و ان كان المناط هو الخروج كان اللازم هو حرمة بيعه و ينعكس الحكم بانعكاس الفرض فلو فرض ان البول تكون في أثناء مدة استبراء الجلال و لم يخرج الا بعد انقضاء مدته فان كان المناط هو التكون كان اللازم هو الحكم بحرمة بيعه و ان كان المناط هو الخروج كان اللازم هو الحكم بجواز بيعه و المحكي عن ظاهر بعض الأساطين هو كون المدار على الخروج و هو في محله لصدق بول غير مأكول اللحم في الفرض الأول و صدق بول مأكول اللحم في الثاني و قد بيّنا في محله ان المشتق حقيقة فيمن تلبس بالمبدء

[فرعان]

[الأول حكم ما عدا بول الإبل من أبوال ما يؤكل لحمه]

قوله ما عدا بول الإبل من أبوال ما يؤكل لحمه المحكوم بطهارتها عند المشهور

يظهر وجه التقييد مما ذكره المحقق الأردبيلي (رحمه الله) في شرح الإرشاد حيث قال و امّا بول ما يؤكل لحمه ففي غير الخيل و البغال و الحمير كأنه لا خلاف في طهارته كما أشار إليه في المنتهى و اما فيها فقال فيه للأصحاب فيه قولان أصحهما الطهارة هذا ما أهمنا ذكره من كلامه (رحمه الله) و قد حكى اتفاق الأصحاب على الطهارة في بول غير الدواب الثلث و اما فيها فقد حكى عن الشيخ (رحمه الله) في النهاية و ابن الجنيد (رحمه الله) القول بالنجاسة و عن غيرهم القول بالطهارة فراجع و وجه استثناء بول الإبل هو كون جواز بيعه مما ادعى عليه الإجماع كما في جامع المقاصد و عن إيضاح النافع

قوله ان قلنا بجواز شربها اختيار كما عليه جماعة من القدماء و المتأخرين (انتهى)

اختلفوا في جواز شرب أبوال ما يؤكل لحمه على قولين أحدهما الجواز (مطلقا) و هو مذهب السيد المرتضى (رضي الله عنه) و ابن الجنيد و ابن إدريس و مستندهم أصالة الإباحة و العمومات مثل خلق لكم ما في الأرض جميعا مضافا الى الإجماع المدعى و الاخبار المنقولة قال السيد (رضي الله عنه) في الانتصار و مما يظن قبل التأمل انفراد الإمامية به القول بتحليل شرب أبوال الإبل و كل ما أكل لحمه من البهائم اما للتداوي أو غيره و قد وافق الإمامية في ذلك مالك و النوري؟؟؟ و زفر و قال محمّد بن الحسن في البول خاصة و خالف في الروث و قال أبو حنيفة و أبو يوسف و الشافعي بول ما أكل لحمه نجس و روثه نجس أيضا كنجاسة ذلك مما لا يؤكل لحمه و الذي يدل على صحة ما ذهبنا اليه بعد الإجماع المتردد ان الأصل فيما يؤكل أو يشرب في العقل الإباحة و على من ذهب انى الخطر دليل شرعي و لن يوجد ذلك في بول ما يؤكل لحمه لأنهم إنما يعتمدون على اخبار الآحاد و قد بينا ان اخبار الآحاد إذا سلمت من المعارضات و القدح لا يعمل بها في الشريعة ثم اخبارهم هذه معارضة بأخبار يرويها ثقاتهم و رجالهم تتضمن الإباحة و سيجيء الكلام في تفصيل هذه الجملة و أيضا فإن بول ما يؤكل لحمه طاهر غير نجس و كل من قال بطهارته جوز شربه و لا أحد يذهب الى طهارته و المنع من شربه و الذي يدل على طهارته ان الأصل الطهارة و النجاسة هي التي

13

يحتاج فيها الى دليل شرعي و من طلب ذلك لم يجده و مما يجوز ان نعارض به مخالفينا في هذه المسئلة ما يروونه عن البراء بن عازب عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) انه قال ما أكل لحمه فلا بأس ببوله و مما يروونه (أيضا) عن حميد عن انس عن قوما من عوينه قدموا على النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) المدينة فاستوخموها فانتفخت أجوافهم فبعثهم (عليه السلام) الى لقاح الصدقة ليشربوا من أبوالها و أيضا فإن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) طاف بالبيت راكبا على راحلته في جميع الروايات و يدا الراحلة و رجلاها لا تخلو من بولها و روثها ايضا هذا هو الأغلب الأظهر فلو كان ذلك نجسا لنزّه النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) المسجد عنه هذا ما أهمنا نقله من كلامه و هناك اخبار أخر من طرق الخاصة كالموثق عن الصادق كل ما أكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه و الموثق الأخر عنه (عليه السلام) أيضا سئل عن بول البقر يشربه الرجل قال ان كان محتاجا اليه يتداوى به يشربه و خبر سماعة سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن شرب الرجل أبوال الإبل و البقر و الغنم ينعت له من الوجع هل يجوز له ان يشرب قال نعم لا بأس به و ثانيهما عدم الجواز (مطلقا) و هو الذي اختاره المحقق (رحمه الله) في كتاب الأطعمة و الأشربة من (الشرائع) لاستخباثها و قوّاه في الرياض نظر الى استخباثها قطعا كما هو الظاهر أو الى احتمال كونها خبائث و قد نهينا عن تناولها فيجب الاجتناب عن الأبوال من باب المقدمة لتحصيل القطع بامتثال الحكم باجتناب الخبائث و الى الأولوية المستفادة مما دل على حرمة الروث و المثانة التي هي مجمع البول بناء على بعدهما عن القطع بالاستخباث بالنسبة إلى البول ثم أكّد وجه الأولوية بان الأدلة المعتبرة ظاهرة في كون أمر الروث أسهل من البول فإذا حرم تناول الروث حرم البول بطريق اولى و عندي ان هذا القول هو الأقوى و في آية تحريم الخبائث غنى و كفاية بعد القطع بكون البول (مطلقا) من قبيل الخبائث و به يندفع التمسك بأصالة الإباحة و يخص عموم قوله تعالى خَلَقَ لَكُمْ مٰا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً و غيره من العمومات لو سلمنا ان لفظ ما في الأرض يشمل مثل البول و الإجماع الّذي ادعاه السيد (رضي الله عنه) منقول موهون و لذلك خالف فيه المحقق و العلامة (رحمه الله) في القواعد حيث قال في مقصد الأطعمة و الأشربة في عداد المائعات المحرمة الثاني البول سواء كان نجسا كبول ما لا يؤكل لحمه و سواء كان الحيوان نجسا كالكلب و الخنزير أو طاهرا كبول ما يوكل لحمه للاستخباث نعم يجوز الاستشفاء بشرب بول الإبل و شبهه هذا كلامه و من هنا يعلم ان ما ذكره السيّد (رضي الله عنه) من ان كل من قال بالطهارة جوز و لا أحد يقول بالطهارة و المنع من شربه ليس في محله فإن العلامة (رحمه الله) يقول بطهارة بول ما يؤكل و يمنع من شربه فالقائل بالفصل موجود و ليس المفصل منحصرا في العلامة (رحمه الله) و اما الاخبار فلا دلالة فيها ايضا اما ما دل على نفى البأس عن بول ما أكل لحمه أو ما يخرج من بطنه من طريق العامة و الخاصة فلانه ناظر إلى الطهارة و نفى النجاسة و امّا حديث بعث النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) الجماعة الذين انتفخت بطونهم ليشربوا بول إبل الصدقة فلانه ناظر إلى التداوي به من الداء و هو خارج عن المفروض فان كلامنا انما هو في صورة الاختيار و امّا حديث طواف النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) على راحلته فهو ناظر إلى الطهارة على تأمل في دلالته عليها (أيضا) و لا كلام لنا في الطهارة و اما الخبران الأخيران فهما (أيضا) واردان في مقام تجويز التداوي بشربه و هو خارج عن مفروضنا الذي هو شربه اختيارا

قوله فالظاهر جواز بيعها

إذ لا يكون من قبيل ما حرم اللّه غايته المقصودة حتى يحرم بيعه و ثمنه فإن الغاية المقصودة اللائقة بحال البول ليس الا هو الشرب فإذا لم يحرم ثمنه و يبقى على أصالة الإباحة

قوله من عدم المنفعة المحللة المقصودة

هذا بيان لمنشإ القول بعدم الجواز و هو المحكي عن ظاهر الشيخ (رحمه الله) في النهاية و اختاره العلامة في القواعد و حكى عن التذكرة و الإرشاد و وجه انتفاء المنفعة المذكورة هو انه لو جاز بيعه لكان للانتفاع به في الشرب لكن شرب الأبوال محرم و الانتفاع بغير الشرب نادر لا يعتدّ به و لا يصح البيع لأجله كما في فضلات الإنسان و رطوباته و وجه حرمة شربه كونه من الخبائث المحرمة بنص الكتاب بل روى عن رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) بعدة طرق انه كان يكره الكليتين و لا يأكلهما لكونهما مجمع البول أو لقربهما منه بل لو سلمنا جوازه فهو نفع نادر غير مقصود للعقلاء و لا معدود من المنافع عرفا لإعراض الناس و عدم التفاتهم اليه كالانتفاع بغير الشرب فلا يصح بيعه للإجماع على اشتراط المنفعة في البيع و المراد بها المنفعة الظاهرة المقصودة من الشيء فيدخل التكسب به تحت قوله (عليه السلام) ان اللّه إذا حرم شيئا حرم ثمنه أو تحت المعاملة السفهية

قوله و المنفعة النادرة لو جوزت المعارضة لزم منه جواز معاوضة كل شيء و التداوي بها لبعض الأوجاع لا يوجب قياسها على الأدوية و العقاقير لانه يوجب قياس كل شيء عليها للانتفاع به في بعض الأوقات

فلا يبقى شيء قابل للتحريم الفرق بينه و بين العقاقير واضح لأن منفعة نادرة بخلاف العقاقير فان منافعها مهمة مقصودة عامة أي تجري بالنسبة إلى امراض كثيرة الا ان الابتلاء باستعمالها و شربها قليل بالنسبة إلى المأكولات و المشروبات المتعارفة و ليست نفس المنفعة نادرة فيها بخلاف البول فإن منفعة المقصودة هي الشرب و هو محرم و غيره منفعة نادرة و بهذا يندفع ما ذكره صاحب الجواهر (رحمه الله) من ان الاستغناء عنها غالبا لا ينافي جواز التكسب بها عند الحاجة إليها و اتخاذها ما لا و ندرة المنفعة المرادة منه لا تقتضي عدم جواز التكسب بها و الا لم يجز التكسب بأكثر العقاقير انتهى و يؤيد القول بعدم الجواز عدم عده مالا حتى بحسب العرف و لهذا لا يتحقق فيه الغصب و السرقة و الضمان و نحوها و ما عن كشف الرموز من نسبة عدم الجواز الى عموم الروايات الواردة بالمنع

قوله و من ان المنفعة الظاهرة و لو عند الضرورة المسوغة للشرب كافية

هذا إشارة إلى مدرك القول بالجوار و هو المحكي عن ابن إدريس (رحمه الله) و العلامة (رحمه الله) في المختلف و التحرير و الابى؟؟؟ و الشهيدين (رحمه الله) و المراد بالمنفعة الظاهرة هي المنفعة المتعارفة عند العقلاء لكن لا يشترط عند أرباب هذا القول تعارفها في حال الاختيار بل يكفى تعارفها عند الضرورة و بهذا البيان يصح قوله و الفرق بينها و بين ذي المنفعة الغير المقصودة حكم العرف بأنه لا منفعة فيه و ذلك لان المراد بالمنفعة الغير المقصودة ما هو غير مقصود لمتعارف العقلاء ثم ان في هذه المسئلة قولا ثالثا و هو ما ذهب اليه المحقق الثاني (رحمه الله) في جامع المقاصد حيث قال عند قول العلامة (رحمه الله) و الأقرب في أبوال ما يؤكل لحمه التحريم للاستخباث الا بول الإبل للاستشفاء و مال (المصنف) (رحمه الله) في المنتهى و المختلف الى جواز بيعها و حكاه عن المرتضى (رضي الله عنه) مدعيا فيه الإجماع و الأصح الجوان ان فرض لها نفع مقصود محلل اما بول الإبل فيجوز بيعه إجماعا انتهى و لكن كلامه محتمل لوجهين أحدهما انه ان فرض لها نفع مقصود محال جاز بيعها نوعا و لا يناط الجواز (حينئذ) بخصوص الأشخاص فيجوز البيع و ان انتفى النفع المذكور عن خصوص الشخص الذي يراد بيعه و ثانيهما ان كل فرد من إفرادها فرض له نفع مقصود محلل جاز بيعه و كل فرد لم يكن له ذلك النفع لم يجز بيعه فيناط جواز البيع بالنفع الموجود في خصوص الأشخاص وجودا و عدما و ليس في كلامه ما ما يرجح أحد الوجهين المحتملين على الأخر و هو أبصر بمراده تنبيه على القول بحرمة شرب الأبوال الموصوفة كما اخترناه يجري في تحريم اللبن و نحوه ممّا يمتزج معها على وجه يخرجها عن صدق اسم البول وجوه أحدها عدم الحرمة لإناطتها بالبول و الموجود الذي حصل من تركبه مع غيره ليس بولا و حكى القول بهذا الوجه عن غير واحد من المتأخرين للأصل و عدم اندراجه في دليل المنع ان لم يندرج في دليل الحلّ و اختاره بعض المعاصرين أيده اللّه تعالى و ثانيها الحرمة لأن ما تعلق به التحريم موجود في ضمن المركب الخارجي واقعا و معلوم لنا وجوده قطعا و ان اختفى على الحس و ثالثها نفيها عن خصوص الممتزج

14

باللبن حين الحلب لقيام السيرة على شرب اللبن الممتزج بالبول عند الحلب و لعسر التخلص منه عادة و غلبة وقوعه فيه مع عدم الإشارة إلى تحريمه في النصوص و غيرها و التحقيق بناء المسئلة على ان الحكم بحرمة شرب البول ان كان من جهة الاستخباث فالحكم هو الإباحة لأن الخباثة تزول عن البول قطعا بالامتزاج باللبن الا ان يكون بحيث يستهلك اللبن في البول و ان كان من جهة كون البول عنوانا برأسه قد تعلق النهى بشربه فالحكم هو الحرمة لوجود المنهي عنه و العنوان المحكوم بحرمته الا ان يستهلك في ضمن المباح بان يصير مغلوبا مقهورا و كلامنا ليس في تلك الصورة و انما الكلام في مثل ما لو تساويا في المقدار فلم يصدق على المجموع بول و لمثل ذلك قلنا بأنه إن استهلك النخاع في ضمن المرق لم يحكم بحرمته

[الثاني جواز بيع بول الإبل]

قوله و عن إيضاح النافع

هو للشيخ إبراهيم القطيفي

قوله اما لجواز شربه اختيارا

اعلم ان جواز شرب بول الإبل في حال الاختيار ليس مسلما عند الأصحاب فإن منهم من جوز شربه اختيارا مثل السيّد المرتضى (رضي الله عنه) و ابن الجنيد (رحمه الله) و ابن إدريس (رحمه الله) كما جوّز و اشرب سائر أبوال ما يؤكل لحمه و منهم من حرم شربه اختيارا و اجازه للضرورة كما هو الحال عنده في سائر الأبوال و هو العلامة (رحمه الله) حيث قال في مقصد الأطعمة من القواعد في ذيل العبادة التي حكيناها عنه نعم يجوز الاستشفاء بشرب بول الإبل و شبهه انتهى و مثله عبارة الدروس حيث قال الرابع يعنى من المائعات المحرمة البول مما لا يؤكل لحمه و في بول ما يؤكل لحمه قول بالحل و اختياره ابن الجنيد (رحمه الله) و هو طاهر ابن إدريس (رحمه الله) بطهارته و الأقوى التحريم للاستخباث الا ما يستشفى به كبول الإبل انتهى فإنّه ظاهر في ان المراد باستشفى كائنا ما كان من أقسام الأبوال و قوله كبول الإبل مثال و لا يفيد الحضر و منهم من جوز شربه اختيارا بخلاف غيره من الأبوال فلا يجوز شربها اختيارا و هذا القول هو ظاهر من خص بول الإبل بجواز البيع و منعه في غيرها من الأبوال و استند في الفرق الى له ليس من الخبائث على خلاف سائر الأبوال لأن العرب تشربه عند قلة الماء و تتداوى به و هم المرجع في فصل الطيبات من الخبائث و بهذا هو أحد محتملي ما حكاه المحقق (رحمه الله) في كتاب الأطعمة قولا قال (رحمه الله) و هل يحرم يعنى البول مما لا يؤكل لحمه قيل نعم إلا أبوال الإبل فإنه يجوز الاستشفاء بها و قيل يحل الجميع لمكان طهارته و الأشبه التحريم لاستخباثها انتهى و ذلك لان الواقع في بعض النسخ كما حكيناه انما هو كون الاستشفاء فاعلا للفعل الّذي هو يجوز و يصير مؤدى العبارة ان هذا القائل لا يجوز الاستشفاء بغيره من أقسام الأبوال و هو في غاية البعد لأن أدلة الاضطرار العامة لا يظهر منها فرق بين القسمين و كذا الأدلة الخاصة بالبول فإنه قد اقترن ببول الإبل غيره في الاخبار من حيث تجويز الاستشفاء و في بعضها للاستشفاء بلام الجر فيعود الضمير في الفعل الى البول فيكون الاستشفاء تعليلا و يصير محصله انه يجوز تناول بول الإبل لكونه مما يستشفى به يعنى انه لما كان لهذا النوع نفع معتد به و هو كونه مما يستشفى به فلهذا جاز شربه حتى في حال الاختيار و هذا أبعد من الأول لأن النسخ الصحيحة غير مشتملة على لام الجر مضافا الى ان مقتضى هذا الوجه هو كون ضمير يجوز يعود الى البول و هو غير متعارف و انما المتعارف اسناد الإباحة و الحل إلى الأعيان و اسناد الجواز الى ما هو من قبيل الأفعال مع ان كونه بنوعه مما يستشفى به لا يصلح علة للإباحة مطلقا حتى في غير حال الاستشفاء اللهم الا ان يلتزم بترجيح الوجه الأول و يوجه بان تخصيص بول الإبل بجواز الاستشفاء به انما هو من جهة الاشتباه بحسب الصغرى بمعنى ان القائل زعم ان غيره من الأبوال لا منفعة فيه أصلا حتى يستشفى به و هو لما كان مشتملا على منفعة طبية استثنى من عدم جواز الشرب في حال الاستشفاء به و هو مع ذلك لا يخلو من بعد و كيف كان فالحق حرمة شربه كسائر الأبوال للاستخباث و جواز شربه للتداوي على مد غيره من الأبوال لرواية المفضل بن عمر عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) انه شكى اليه الربو الشديد فقال له اشرب أبوال اللقاح فشربت ذلك فمسح اللّه دائي و غيرها من الاخبار التي ذكرها (المصنف) (رحمه الله) و إذ قد عرفت ذلك فلنوضح المقال في حكم التكسب به فنقول قد يقال بجوازه و هؤلاء فريقان أحدهما من يقول بجوازه مع المنع من التكسب بغيره من الأبوال و مستنده كما في الجواهر (رحمه الله) دعوى الفرق بين بول الإبل و بين بول غيرها بعدم كونه من الخبائث لأن العرب لا تستخبثه بل تتداوى به و تشربه عند أعوان الماء و قلته و هم المرجع في الفصل بين الطيبات و الخبائث دون سائر الناس لأنهم المخاطبون بالقرآن و السائلون في قوله (تعالى) يَسْئَلُونَكَ مٰا ذٰا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبٰاتُ و لأنهم أناس لا تغلب عليهم العيانة من التنعم الحاصل في غيرهم و فيه ان الألفاظ موضوعة للمعاني الواقعية و كون المخاطبين يميزون المصاديق على غير الوجه الذي يميزها غيرهم لا يجعل الألفاظ ظاهرة فيها نعم فهم أهل اللسان معتبر بمعنى ان ما يفهمونه من اللفظ لازم الاتباع و لا يلزم

من ذلك اعتبار تمييزهم المصاديق غاية ما في الباب ان يصير اعتقاد كل طائفة طريقا الى الواقع بالنسبة اليه و اين ذلك من كونه هو المناط مطلقا و ثانيهما من يقول بجواز الاكتساب به مع القول بجواز الاكتساب بسائر الأبوال (أيضا) كالمحقق (رحمه الله) في (الشرائع) نظرا الى مشاركتها له في الطهارة و المنفعة و وافقه على ذلك صاحب الجواهر (رحمه الله) و يظهر ما فيه مما قدمناه و قد يقال بالمنع من الاكتساب به فضلا عن غيره من أبوال مأكول اللحم فكيف بأبوال غيره و هو الّذي حكاه (المصنف) (رحمه الله) عن العلامة و ابن سعيد (رحمه الله) و قال في الجواهر و ربما خص جواز بيع أبوال الإبل بالاستشفاء بها عند الضرورة لا غير بل جعل ذلك قولا و نسب الى الشيخ (رحمه الله) في النهاية بل قيل ان قول العلامة (رحمه الله) في القواعد و التذكرة إلا بول الإبل للاستشفاء يحمله (أيضا) بناء على كون ذلك قيدا للمستثنى لا تعليلا للاستثناء بل جعل ما في (المسالك) و غيرها من جواز بيعها ان فرض لها نفع مقصود كغيرها من الأبوال قولا رابعا ثم قال (رحمه الله) و التحقيق رجوع القولين إلى الأول الذي هو الجواز مطلقا و لكن ذكر القيد لإرادة إخراج المعاملة عن السّفه المعلوم اعتباره في صحة المعاوضات كما هو واضح انتهى و لا يخفى ما في إرجاعهما إلى الأول من التكلف ضرورة مخالفة أول هذين لأول الأقوال بالعموم و الخصوص و ان الأخير منهما غير مبين المراد كما أشرنا إليه سابقا فكيف يتسير الحكم برجوعه إلى أول الأقوال ثم ان المختار عندنا حرمة الاكتساب به بناء على ما اخترناه من عدم جواز شربه إلا لضرورة الاستشفاء نعم لو قلنا بجواز شربه اختيارا كان اللازم هو الحكم بجواز الاكتساب به فتدبر

قوله كما يدل عليه قوله (عليه السلام) في رواية الجعفري أبوال الإبل خير من ألبانها

لم يذكر (المصنف) (رحمه الله) ذيل الرواية و هو مما يتوقف عليه الاستدلال بها على جواز شرب أبوال الإبل و ذلك لان هذا القدر الّذي ذكره منها مجمل محتمل لأمرين لأنه كما يحتمل ان يكون قد صدره لإفادة ترجيح أبوالها على ألبانها فيستفاد منه جواز شرب أبوالها من حيث انها إذا كانت خيرا من ألبانها و هي مما يجوز شربه قطعا كان شرب الأبوال جائزا قطعا (كذلك) يحتمل ان يكون قد صدر في مقام ذم ألبانها و (حينئذ) فتصير الرواية أجنبية عما أراد (رحمه الله) الاستدلال بها عليه و (الظاهر) انه اعتمد في الاستدلال على ذيل الرّواية و قد رواها في كتاب الأطعمة من الوسائل بتمامها عن الجعفري قال سمعت أبا الحسن موسى (عليه السلام) يقول أبوال الإبل خير من ألبانها و يجعل اللّه الشفاء في ألبانها و ذلك لأنه إذا كان في ألبانها الشفاء و كان أبوالها خيرا منها لم يسر احتمال ذم الألبان و تعين ان يكون المراد مدح الأبوال بإباحتها و وجود الشفاء و يمكن انه (رحمه الله) اكتفى بما ذكره (رحمه الله) من حيث انه إذا دار الأمر بين كونه مسوقا لبيان ذمّ ألبان الإبل و بين كونه مسوقا لبيان مدح أبوالها كان منصب المعصوم (عليه السلام) قرينة على إرادة الثاني من حيث تضمن الثاني حكما شرعيا دون الأول و قد تقرر

15

في الأصول انه إذا دار الأمر في كلام المعصوم (عليه السلام) بين حمله على معنى عرفي و بين حمله على معنى شرعي كان الثاني هو التعين لان غرض اللّه سبحانه من نصب الامام (عليه السلام) ليس الا تبليغ الأحكام و ان وظيفته ليست الا التكلم على طبق ما نصب لأجله الّا ان (يقال) ان ذم الألبان لا ينحصر وجهه في بيان المعنى العرفي فيمكن ان يكون وجهه بيان كراهة ألبان الإبل لكن يمكن دفعه بان ذلك مما علم خلافه من الخارج

[المسألة الثانية يحرم بيع العذرة النجسة من كل حيوان]

قوله يحرم بيع العذرة النجسة من كل حيوان على المشهور

لا يكاد يظهر من كلمات أهل اللغة عموم العذرة لفضلة غير الإنسان ففي المصباح العذرة وزان كلمة الجزء و لا يعرف تخفيفها انتهى و مثله غيره من كلماتهم بل ربما أشعر بالاختصاص ما ذكره فيه بعد الكلام المذكور حيث قال و تطلق العذرة على فناء الدار لأنهم كانوا يلقون الجزء فيه فهو مجاز من باب تسمية الظرف باسم المظروف انتهى و قال في مادة (خرء) خرء بالخمرة يخرء من باب تعب إذا تغوط و اسم الخارج جزء و الجمع خروء مثل فلس و فلوس و قال الجوهري هو خرء بالضم و الجمع خروء مثل جند و جنود انتهى و التعبير بالتغوط ظاهر في اختصاص الجزء بفضله الإنسان لاختصاص الغائط به قال في المصباح الغائط اسم للمكان المطمئن الواسع من الأرض و جمعه غيطان و اغواط و غوط ثم أطلق الغائط على الخارج المنقذر من الإنسان كراهية تسميته باسمه الخاص لأنهم كانوا يقضون حوائجهم في المكان المطمئن فهو من باب مجاز المجاورة ثم توسعوا فيه فاشتقوا منه و قالوا تغوط الإنسان انتهى و في المجمع ايضا ما يظهر منه اختصاص العذرة بالإنسان لأنه قال و قد تكرر ذكر الجزء كجزء الطير و الكلاب و نحو ذلك و المراد ما خرج منها كالعذرة للإنسان انتهى و قال في المصباح في مادة (رجع) ان الرجيع الروث و العذرة فعيل بمعنى فاعل لانه رجع عن حالته الاولى بعد ان كان طعاما أو علفا انتهى و يفهم منه اختصاص العذرة بأكل الطعام و ان العذرة غير الروث و سيجيء في كلام (المصنف) (رحمه الله) حكاية التصريح باختصاص العذرة بعذرة الإنسان عن بعض أهل اللغة و كيف كان فقد أفاد (رحمه الله) إرادته المعنى الأعم من لفظ العذرة بتصريحه بقوله من كل حيوان غاية ما هناك ان يكون الاستعمال مجازيا هذا و مقابل المشهور ما يحكيه عن المحقق الأردبيلي (رحمه الله) و من تبعه

قوله بل في التذكرة كما عن (الخلاف) الإجماع على تحريم بيع السرجين النجس

الموجود في التذكرة ما لفظه لا يجوز بيع السرجين النجس إجماعا منا انتهى و سيأتي ذكر عبارة الخلاف بعينها في شرح قول (المصنف) (رحمه الله) في ذيل المسئلة و استشكل في الكفاية في الحكم تبعا للمقدس الأردبيلي (رحمه الله) و عن المنتهى الإجماع على تحريم بيع العذرة و (الظاهر) ان المراد بالسرجين هنا مطلق الرجيع مجازا و الا فهو معرب سركين و لا يستعمل إلا في وجيع الخيل و البغال و الحمير قال في المصباح السرجين الزبل كلمة أعجمية و أصلها سركين فعريت الى الجيم و القاف فيقال سرقين ايضا و عن الأصمعي لا أدرى كيف أقوله و انما أقول روث و انما كسر أوله لموافقة الابنية العربية و لا يجوز الفتح لفقد فعلين بالفتح انتهى و مثله غيره من كلمات أهل اللغة

قوله و يدل عليه مضافا الى ما تقدم من الاخبار يعني الأخبار

العامة من خبر تحف العقول و غيره

قوله رواية يعقوب بن شعيب ثمن العذرة سحت

قال في المصباح السحت بضمتين و إسكان الثاني تخفيف هو كل مال حرام لا يحل اكله و لا كسبه انتهى و منه يعلم وجه دلالة الرواية و قد يذكر في عداد ما يستند اليه الحكم مرسل الدعائم عن جعفر بن محمّد (عليه السلام) عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) عن على (عليه السلام) ان رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) نهى عن بيع العذرة و قال هي ميتة يعنى انها كالميتة فيجري عليها بحكم عموم التشبيه ما يجرى عليها و ما في سنده و سند الرواية السابقة من الإرسال و الجهالة غير قادح بعد الانجبار بالشهرة المحققة و الإجماع المنقول فيصيران دليلين لولا الإجماع المحقق مضافا الى ما سمعته من الأدلة على تحريم التكسب بالأعيان النجسة التي هو منها و الى ان البيع مشروط بالملك و العذرات غير مملوكة باتفاق علمائنا بل ليست من المتمولات عرفا و لهذا لا يضمنها من أتلفها

قوله نعم في رواية محمّد بن مضارب لا بأس ببيع العذرة

ذكر لفظة مضارب بالضاد و الباء في شرح الإرشاد للمحقق الأردبيلي (رحمه الله) ثم احتمل كونها بالصاد و الدال المهملتين و الفاء بعدهما فإنه (رحمه الله) قال في مقام الاستدلال و يؤيده رواية محمّد بن مضارب في (الكافي) و يحتمل مصادف لوجوده في الرجال دونه عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) و سماعة بن مهران عنه (عليه السلام) (أيضا) قال لا بأس ببيع العذرة انتهى قلت ما ذكره (رحمه الله) حق إذ ليس في كتب الرجال ذكر من محمّد بن مضارب و انما ذكر من تعرض لصاحب الاسم محمّد بن مصادف الى ان انتهى الأمر الى صاحب منتهى المقال الذي هو أخر من صنف في فن الرجال فقال محمّد بن مصادف مولى ابى عبد اللّه (عليه السلام) روى عن أبيه اختلف قول (الغضائري) (رحمه الله) ففي أحد الكتابين انه ضعيف و في الأخر انه ثقة و الأولى عندي التوقف فيه (الخلاصة) و نحوء و في (التعليقة) لكن سيجيء عنه في أبيه ان محمّدا لبة؟؟؟ ثقة أقول ما يأتي فإنما هو أحد قولي (الغضائري) الذي أشار إليه في (الخلاصة) انتهى ما في منتهى المقال و لما ذكرنا تردد في مفتاح الكرامة عند الإشارة الى الخبر حيث قال و قد حمل الشيخ (رحمه الله) في الاستبصار الثانية على عذرة غير الإنسان كما حملها على ذلك في خبر محمّد بن مضارب أو مصادف هذا و قد بقي هنا شيء و هو انه ربما توهم كون الكليني (رحمه الله) مخالفا في المسئلة حاكما بالجواز و أنت خبير بان ذكر الرواية لا يستلزم الفتوى بمضمونها ثم لا يخفى ما في الرواية المذكورة من الوهن لكونها موافقة لفتوى أبي حنيفة و المروي عنه هو الصادق (عليه السلام) المعاصر له و معلوم ان الموافق لمذهب العامة يطرح عند التعارض

قوله و جمع الشيخ (رحمه الله) بينهما بحمل الأول على عذرة الإنسان و الثاني على عذرة البهائم و لعله لأن الأول نص في عذرة الإنسان ظاهر في غيرها بعكس الخبر الثاني فيطرح ظاهر كل منهما بنص الأخر

وجه اختلاف الخبرين في النصوصية و الظهور على وجه التعاكس مع كون اللفظ واحدا و هو لفظ العذرة هو نصوصية التركيب و ظهوره باعتبار الحكم الّذي اجرى على الموضوع فحرمة البيع التي أجريت على العذرة في الخبر الأول ثبوتها لعذرة الإنسان متيقن بالإضافة إلى ثبوتها لعذرة غير الإنسان بعد فرض شمولها لهما و جريان حكم اباحه البيع المدلول عليها بقوله (عليه السلام) لا بأس في الخبر الثاني على عذرة غير الإنسان متيقّن بالإضافة إلى جريانه على عذرة الإنسان و الى هذا أشار في الوافي حيث قال بعد حكاية جمع الشيخ (رحمه الله) عن التهذيبين ما لفظه و لعله استفاد التخصيص من النجاسة و الطهارة انتهى و لكن لا يخفى ان هذا الوجه مبنى على شمول العذرة لهما معا على حد سواء و الا كان الاستعمال في الخبر الأول حقيقيا غير مفتقر إلى القرينة و في الثاني مجازيا مفتقر إليها و قد عرفت ظهور كلماتهم في عدم العموم بقي هنا شيء أشار إليه صاحب الجواهر (رحمه الله) و هو ان المنقول عن الشّيخ (رحمه الله) في (التهذيب) حمل رواية الجواز على عذرة البهائم من الإبل و البقر و الغنم و في الاستبصار حملها على عذرة غير الادميّين و الظاهر ان مرجع التأويلين إلى شيء واحد و هو الحمل على الأرواث الطاهرة إذ لا فرق بين أنواع ما يؤكل لحمه في جواز البيع و لا بين أنواع ما لا يؤكل لحمه في المنع و قد صرح هو في المحكي عن مبسوطه و خلافه بجواز بيع السراجين الطاهرة و تحريم بيع النجسة من دون تفصيل بل نقل على ذلك في (الخلاف) إجماع الفرقة و إطلاق كلامه في الاستبصار محمول على إرادة البهائم التي ينتفع بعذارتها غالبا و لهذا خصها بالذكر في (التهذيب) و لم يذكر غيرها من الحيوانات المأكولة اللحم مع القطع بمساواته لها في الحكم و من ذلك يعلم ان الشيخ (رحمه الله) لا خلاف له في المسئلة فما عساه يتوهم من عبارته من جواز بيع عذرة غير الأدمي و ان كانت نجسة في غير محله

قوله و يقرب هذا الجمع رواية سماعة

(انتهى) ليس المراد بهذا الكلام تعيين هذا الجمع من بين وجوه الجمع بل المراد تقديمه على الرجوع الى المرجحات الخارجية و ما بعده من المراتب و ذلك لان رواية سماعة لا يتأتى منها الدلالة

16

على خصوص مقتض الجمع المذكور من كون المنهي عنه هو بيع عذرة الإنسان و المرخص فيه هو عذرة البهائم و لهذا قال (رحمه الله) بعد ذكر الرواية في وجه دلالتها فان الجمع بين الحكمين في كلام واحد لمخاطب واحد يدل على ان تعارض الأولين ليس الا من حيث الدلالة ثم فرع عليه عدم الرجوع فيه الى المرجحات السندية و بنى عليه دفع الاعتراض بان علاج الخبرين المتباينين كليّا هو الرجوع الى المرجحات و لم يقل في تقريب وجه دلالتها انها تدل على ان ما يحرم بيعه هي عذرة الإنسان و ما يجوز بيعه هي عذرة البهائم و اما الإشارة إليه بلفظ هذا حيث قال و يقرب هذا الجمع فإنّما هي من جهة كونه أوّل وجه قيل في مقام الجمع بحيث لم يقترن به غيره في الذكر فالإشارة إليه بهذا ليس من باب خصوص شخصه بل بعنوان كونه جمعا بقي هيهنا شيء و هو ان المراد برواية سماعة ما ذا فنقول الّذي يعطيه مساق كلام (المصنف) (رحمه الله) هو ان المراد بها مؤدى الجمع الذي حكاه عن الشيخ (رحمه الله) و الأقرب عندي حمل قوله (عليه السلام) لا بأس ببيع العذرة على الاستفهام الإنكاري و قد وجدت في الوافي بعد ما سنح لي هذا الوجه كلاما ظاهره الإشارة إليه فإنه ذكر فيه ما نصّه و لا يبعد ان يكون اللفظتان مختلفتين في هيئة التلفظ و ان كانتا واحدة في الصورة انتهى ثمّ انه أورد بعض المعاصرين على كلام (المصنف) (رحمه الله) هذا بعد نقله بأنه ليس في الخبر ما يدل على ان ذلك في كلام واحد و مجرد الجمع بينهما في الرواية غير قاض بذلك إذ قد يجمع فيها ما سمعه منه (عليه السلام) في مجلسين فصاعدا و لعل الاولى التزام ان الاعراض عن كل من الإطلاقين قاض بسقوطهما عن الحجية فيما أعرضوا عنه من افراد كل منهما مع ان (الظاهر) اختصاص العذرة بفضلة الإنسان فالمعارضة بينهما انما هي فيها و لا محيص عن طرح الخبر فيها و لا عبرة بتأويله و حمله على غيرها و (حينئذ) فلا جهة للميل الى جواز بيع أرواث باقي ما لا يؤكل كما استظهر من النهاية و الاستبصار خصوصا بعد الإجماع عن الخلاف و التذكرة و غيرهما على تحريم بيع السراجين الجنة (مطلقا) و بعد القطع بعدم الفرق بينها و بين غيرها كما يظهر من (المسالك) و غيرها فلاحظ و تأمل انتهى و هو جيد مضافا الى انا لو سلمنا ظهور الكلام في مجلس واحد أمكن حمل ذيل الحديث و هو قوله (عليه السلام) لا بأس ببيع العذرة على الإنكار فيوافق ذيله و لا يصير شاهدا لما ذكره

قوله و احتمل السبزواري (رحمه الله) حمل خبر المنع على الكراهة و فيه ما لا يخفى من البعد

أما أولا فلان الجمع فرع التكافؤ و رواية محمّد لا تكافؤ الأخبار العامة و الخاصة المتعاضدة المعتضدة بالشهرة و الإجماع المنقول و امّا ثانيا فلان لفظ السّحت و الحرام و النهى عن بيعه المقترن بما هو تعليل أو توضيح له من قوله (عليه السلام) هي ميتة يعنى انها كالميتة تأبى من الحمل على الكراهة و لم يعهد استعمال السّحت في الكراهة و لا مساس له بها لما عرفت من تفسير المصباح له بأنه كل مال حرام لا يحل اكله و لا كسبه

قوله و أبعد منه ما عن المجلسي من احتمال حمل خبر المنع على بلاد لا ينتفع به و الجواز على غيرها

و الوجه في ذلك انه يتجه عليه مع بعد الحكم في نفسه من جهة الاختلاف في حكم موضوع واحد بالنسبة إلى الأمة مع كون بناء أحكام الشرع على الاطراد و الكلّية و عدم شاهد عليه ان سؤال الرجل عن بيع العذرة بقوله انى رجل أبيع العذرة يدل على اتخاذه لبيعها حرفة و هو غير معقول عند عدم الانتفاع و قد أجاب (عليه السلام) بقوله حرام بيعها و ثمنها مضافا الى ما تقدم في رفع الحمل السابق من عدم التكافؤ

قوله و نحوه حمل خبر المنع على التقية لكونه مذهب أكثر العامة

الوجه في ذلك ان مجرد كونه مذهب أكثر العامة لا يفيد مع كون فتوى معاصر الإمام الذي صدر منه الحكم هو الجواز كما فيما نحن فيه حيث ان الجواز فتوى أبي حنيفة المعاصر لمن صدر منه اخبار المنع و هو الصّادق (عليه السلام) فخبر الجواز اولى بالحمل على التقية مضافا الى ما تقدم في سابقيه من عدم مكافئة خبر الجواز لخبر المنع فتدبر

قوله و الا فرواية الجواز لا يجوز الأخذ بها من وجوه لا تخفى

لكونها موافقة لمعاصر الامام من العامة و مخالفة للشهرة و الإجماع المنقول و الاخبار العامة مثل قوله (عليه السلام) أو شيء من وجوه النجس

قوله و استشكل في الكفاية في الحكم تبعا للمقدس الأردبيلي (رحمه الله) ان لم يثبت الإجماع

قال المحقق الأردبيلي (رحمه الله) في شرح الإرشاد و يفهم من (شرح الشرائع) عدم الإشكال في عدم جواز بيع روث ما لا يؤكل لحمه للنجاسة و الخباثة و في المأكول جوز البعض (مطلقا) و منع الآخرون (مطلقا) للاستخباث إلا بول الإبل للاستشفاء للنص و ما فهمت دلالة الاستخباث و النجاسة على عدم الملكية و عدم جواز البيع و القنية كما ادعيت أيضا في المنتهى و في (الدروس) (أيضا) و في التذكرة و لا يجوز بيع السّراجين؟؟؟ النجس عينا و ذلك يدل على طهارة البول و الروث من البغال و الحمير و الدّواب لعدم المنع من البيع و الشراء و فيه تأمل و ينبغي عدم الإشكال في جواز البيع و الشراء و القنية فيما له نفع مقصود محلل لعدم المنع منه عقلا و شرعا و لهذا ترى ان عذرة الإنسان تحفظ بل تباع و ينتفع بها في الزراعات في بلاد المسلمين من غير نكير و (كذلك) أرواث البغال و الحمير و الدواب؟؟؟ مع الخلاف في طهارتها و لعلّ هذا مؤيد للطهارة فلو لم يكن إجماع يمنع من قنية النجاسة و بيعها ينبغي تجويزهما للأصل و حصول النفع المقصود للعقلاء مع عدم دليل صالح لذلك و ان كان فاقتصر على ما يدلّ عليه من بيع النجاسة و قنيتها و تحمل عليها رواية يعقوب المتقدمة و امّا غيرها فينبغي جواز بيعها و و قنيتها لما تقدم و عليه يحمل رواية محمّد و اما الأكل فلا يكون جائزا إلا للاستشفاء ان ثبت بدليل كما في بول الإبل للنص و الإجماع ان صح و ثبت و الا فالمنع متوجه للاستصحاب و دليل عدم الشفاء في المحرم انتهى فقد استفيد منه التوقف في حكم العذرة بل الميل الى جواز بيعها لو لا قيام الإجماع و حكى عن المحقق الخراساني موافقته و وافقهما المحدث الكاشاني (رحمه الله) فذهب الى ان المعتمد جواز بيع العذرة و نحوها تمسكا بالأصل و عموم أحلّ اللّه البيع و عدم دليل معتمد به على المنع فإن النجاسة و الاستخباث لا يصلحان له و لحديث كلّ شيء مطلق حتى يرد فيه نهى و لظاهر الاذن في المستثنيات من المحرفات ككلب الحائط و العبد الكافر و نحوهما حيث ان استثنائها لوجود النفع فيها فيصح بيع كلّ ما فيه نفع و منها العذرة حيث ينتفع بها في الزرع و الغرس و يندفع جميع ذلك بما ذكرناه من انجبار الاخبار بالشهرة المحققة بل الإجماع المنقول لو فرضنا عدم تحقق الإجماع فتحصل من جميع ما قدمنا لك ذكره في المسئلة ان الحق عدم جواز بيع العذرات النجسة و لكن بقي هنا أمران ينبغي التنبيه عليهما تتميما للمقال في هذا المقام الأول انه هل يجوز الانتفاع بها في التسميد و نحوه الوجه هو الجواز و النهى عن التقلب في شيء من وجوه النجس ناظر الى التصرفات المتعارفة التي يجرونا في سائر الأشياء و بالجملة الأصل جواز الانتفاع بالنجس و قد ورد النص بجواز هذا النوع من الانتفاع بالعذرة ففي الوسائل في كتاب الأطعمة مسندا الى جعفر بن محمّد (عليه السلام) عن أبيه عن على (عليه السلام) انه كان لا يرى بأسا ان يطرح العذرة في البساتين مضافا الى ان مثل ذلك مما لا اشكال فيه و لا خلاف قال في (المبسوط) ان سرجين ما لا يؤكل لحمه و عذرة الإنسان و خرء الكلاب لا يجوز بيعها و يجوز الانتفاع بها في الزروع و الكروم و أصول الشجر بلا خلاف انتهى و مثله الكلام في الصبغ بالدم و نحوه الثاني انه ذكر بعض من تأخر ان المذكور في كلمات العلماء هو عدم جواز بيع أرواث ما لا يؤكل لحمه و هذا العنوان ليس مستلزما للنجاسة عند جميع الأصحاب فإن سهم من قال بنجاسة ذرق الدجاج كالشيخ (رحمه الله) في (المبسوط) مع ان الدجاج مما يؤكل لحمه قال (رحمه الله) في كتاب الطهارة و ما أكل لحمه فلا بأس ببوله و ورثه و ذرقه الا ذرق الدجاج خاصة و ما يكره لحمه فلا بأس ببوله و روثه مثل البغال و الحمير و الدواب ان كان بعضه أشد كراهة من بعض و في أصحابنا من يقول بول البغال

17

و الحمير و الدّواب و أرواثها نجس يجب إزالة قليله و كثيره انتهى كما ان عنوان ما لا يؤكل لحمه ليس مستلزما لنجاسة روثه عند جميع الأصحاب كما في الخفاش فإنه ممّا يحرم لحمه مع ان منهم من قال بطهارة فضلته و هي مشتملة على النفع في الجملة كالتسميد و (حينئذ) يتوجه في المقام سؤال و هو ان من قال بحرمة أرواث ما لا يؤكل لحمه ان كان ممّن يقول بطهارة فضلة الخفاش هل تدخل هي بوصف الطهارة في عنوان أرواث ما لا يوكل لحمه التي حكم بحرمة بيعها و ان من قال بجواز بيع أرواث ما يؤكل لحمه ان كان ممن يحكم بنجاسة ذرق الدّجاج أو بنجاسة أبوال البغال و الحمير هل يحكم بجواز بيع ذرق الدّجاج بوصف النجاسة مع اشتماله على نفع كالتسميد و التّدبيغ مثلا أم لا ثمّ استظهر أن أرواث ما لا يؤكل لحمه يخرج روث ما يؤكل لحمه و ان كان نجسا و ان أرواث ما يؤكل لحمه يخرج روث ما لا يؤكل و ان كان طاهرا كفضلة الخفاش على القول بطهارتها فسيء منهما لا يدخل في كلمات العلماء و لا تحت الأدلة فيجوز عند من ذكر العنوانين في كلامه بيع ذرق الدجاج و ان كان نجسا و لا يجوز بيع فضلة الخفاش و ان كانت طاهرة عنده فلا يجوز ان ينسب الى الشيخ (رحمه الله) حيث أفتى بنجاسة ذرق الدجاج و ذكر في فصل ما يصح بيعه و ما لا يصح ما لفظه و امّا سرجين ما لا يؤكل لحمه و عذرة الإنسان و خرء الكلاب و الدم فإنه لا يجوز بيعه انتهى انه يقول بعدم جواز بيع ذرق الدّجاج لعدم شمول العنوان الذي ذكره و هو سرجين ما لا يؤكل لحمه لان المفروض ان لحمها محلّل و عندي ان هذا ليس ممّا يستشكل فيه لان خصوص ما يؤكل لحمه و ما لا يؤكل ليس عنوانا في هذا الباب و لا يدور الحكم مدار شيء منهما و انّما العنوان هي الأعيان النجسة الا ترى ان المحقق (رحمه الله) مثلا قال فالمحرم أنواع الأوّل الأعيان النجسة كالخمر و الأنبذة و الفقاع (انتهى) فالعنوان ما عرفت و الخمر و ما بعدها من قبيل المثال و المثال لا يخصّص العنوان و (كذلك) الشيخ (رحمه الله) في (المبسوط) قال قيل العبارة التي تقدم ذكرها فامّا نجس العين فلا يجوز بيعه كجلود الميتة قبل الدباغ و بعده و الخمر و الدم و البول و العذرة و السرقين ممّا لا يؤكل لحمه و لبن ما لا يؤكل من البهائم و امّا النجس بالمجاورة فلا يخلو من أحد أمرين امّا ان يكون جامدا أو مائعا الى أخر ما قال فما ذكره ليس الّا من باب المثال و قد عرفت انه لا يتأتى منه تخصيص العنوان و أوضح ممّا ذكرناه في الدلالة على ان المناط انّما هي النجاسة و الطهارة عبارة الخلاف حيث قال (رحمه الله) فيه سرجين ما يؤكل لحمه يجوز بيعه و قال أبو حنيفة يجوز بيع السراجين و قال الشافعي لا يجوز بيعها و لم يفصلا دليلنا على جواز ذلك انه طاهر عندنا و من منع منه فإنما منع النجاسة و يدلّ على ذلك بيع أهل الأمصار في جميع الأعصار لزروعهم و تنانيرهم و لم أجد أحد أكره ذلك و لا خلاف فيه فوجب ان يكون جائزا و امّا النجس منه فلدلالة إجماع الفرقة و روى عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) انه قال إذا حرم اللّه شيئا حرم ثمنه و هذا محرّم بالإجماع فوجب ان يكون بيعه محرما انتهى فالذي يقتضيه كلمات العلماء هو انا لو قلنا بنجاسة ذرق الدجاج صار حاله حال العذرة النجسة فلا يجوز بيعه و ان قلنا بطهارته جاز بيعه بشرط عدم دخوله تحت شيء من العنوانات الموجبة للتحريم أو فساد البيع ككونه مما لا يترتب عليه نفع و لا فائدة و كذا الحال في فضله الخفاش فان قلنا بنجاستها حرم بيعها و الا جاز ان ترتب عليها فائدة كما هو الواقع من التسميد به و رواية تحف العقول (أيضا) تعطى ما ذكرناه حيث قال فيها أو شيء من وجوه النجس فهذا كله حرام محرم (انتهى)

قوله و ربما يستظهر من عبارة الاستبصار القول بجواز بيع عذرة ما عدا الإنسان لحمله اخبار المنع على عذرة الإنسان و فيه نظر

عبارة الاستبصار هي التي أفادت الجمع الذي حكاه (المصنف) (رحمه الله) عن الشيخ (رحمه الله) أولا و وجه النظر ان (الظاهر) ان عذرة الإنسان في كلامه من باب المثال لكل رجيع نجس لكن يدفعه ان مقابلة كل من عذرة الإنسان و عذرة البهائم بالاخر تدلّ على ان المراد بهما جمع أقسام العذرة و ان المراد بالإنسان و البهائم جميع أقسام الحيوان و أهل اللغة و ان كانوا مختلفين في معنى البهيمة فإن منهم من يقول بأنها عبارة عن كل ذات قوائم أربع من الحيوان سوآء كانت من دواب البر أم من دواب البحر و منهم من يقول بأنها عبارة عن كل حيوان لا يميّز يعنى ما عدا الإنسان كائنا ما كان كما وقع التصريح به في كلام بعضهم الا ان المقابلة تدلّ على ان المراد بالبهائم التي هي جمع البهيمة في كلام الشيخ (رحمه الله) انما هو المعنى الثاني و مقتضى ذلك اختصاص عذرة الإنسان برجيعه لا عمومها لرجيع سائر الحيوانات المحكوم بنجاسة و ان شئت قلت ان أصالة الحقيقة في الإنسان و العذرة المضافة إليه تقتضي الاختصاص و لازم ذلك ان يصير قرينة على ان المراد بالبهائم في كلامه مطلق الحيوان فالمبين قرينة للحمل الّا ان يقال ان فتواه في (الخلاف) و (المبسوط) قرينة على مراده في عبارة الاستبصار لأنه صرّح فيما حكى عنهما بجواز بيع السراجين الطاهرة و تحريم بيع النجسة من دون تفصيل و يمكن ان يقال في وجه النظر ان غاية ما حصل من كلام الشيخ (رحمه الله) انّما هو الجمع بين الخبرين الخاصين و لا يلزم من ذلك أخذه لذلك مذهبا لاحتمال اعتماده على الاخبار العامة المجبورة بالشهرة مثل قوله (عليه السلام) أو شيء من وجوه النجس و معلوم انها تشمل كل رجيع نجس و ان لم يكن رجيع الإنسان و لا يندفع هذا بأنّه لم يعلم من حال الشيخ (رحمه الله) انه اعتمد على الاخبار العامة لأن قيام الاحتمال المساوي يمنع الظهور الّا ان يقال ان ظهور لفظ الإنسان في معناه الموضوع له بعد تساوى الاحتمالين في اعتماده على الاخبار العامة واف بما استظهره المستظهر من كلامه (رحمه الله) و الاولى ان يقال في وجه النظر ان مجرّد التصدي للجمع بين الخبرين لا يدلّ على اتخاذ وجه الجمع مذهبا لان ذلك قد يكون لغرض أخر مثل إبداء إمكان الجمع بين الاخبار المتنافية لرفع الطعن من الذين في قلوبهم زيغ بأنّها لو كانت حقه و كان مصادرها معادن العلوم الإلهية لم يوجد فيها اختلاف و قد صرّح الشيخ (رحمه الله) بان تعرضه للجمع بينهما انّما هو لدفع وقوع مثل ما وقع لبعض من انحرف عن طريقة الشيعة لذلك

[فرع حكم بيع الأرواث الطاهرة]

قوله الأقوى جواز بيع الأرواث الطاهرة التي ينتفع بها منفعة محلّلة مقصودة

يدل على الجواز الأصل و امّا أشار إليه (المصنف) (رحمه الله) بتوصيفها به من كونها أعيانا طاهرة ينتفع بها منفعة محلّلة مقصودة كالايقاد و التسميد قال في جامع المقاصد و يجوز بيع أرواث ما يؤكل لحمه لأنها عين مملوكة ينتفع بها في الزرع و غيره و به صرّح في المنتهى انتهى و قد دلت الاخبار على جواز الاكتساب بما فيه منفعة محلّلة مقصودة و يعضده ما حكاه (المصنف) (رحمه الله) من نفى الخلاف و دعوى الإجماع و مع ذلك قد جرت السيرة المستمرة على الانتفاع بها و المعاوضة عليها إلا في نادر من البلاد بل من دون استثناء و لا ينافي ما ذكرناه دعوى الإجماع على حرمة بيع العذرة النجسة الاختلاف الموضوعين و لو فرض قيام الإجماع على حرمة بيع كلّ رجيع على وجه العموم الشامل لمأكول اللحم و غيره طاهرا أو نجسا كان ذلك من الإجماع على أمر عام قابل للاستثناء منه فيكون الإجماع على جواز بيع الأرواث الطاهرة مخصّصا لذلك العموم و استدل صاحب الجواهر (رحمه الله) بقوله (تعالى) أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ و قوله (تعالى) تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ و في الاستدلال بهما نظر لأنهما لا يدلان الا على ان البيع و التجارة قد امضاهما الشارع و اما ان اى شيء قابل لتعلقها به و أي شيء غير قابل لذلك فهو مسكوت عنه و استدل بعض من تأخر أخذا من كلام صاحب الجواهر (رحمه الله) بقوله (عليه السلام) لا بأس ببيع العذرة في رواية محمّد و ذكر في وجهه انّه ان كان المراد بها الأرواث الطاهرة بقرينة الأخبار المانعة عن بيع العذرة فهو عين المطلوب و ان كان المراد بها عذرة الإنسان أو مطلق العذرة دلت الرّواية على جواز بيع الأرواث الطاهرة بالفحوى ولى فيه نظر لانه على فرض ظهور لفظ العذرة في عذرة الإنسان و كونها مرادة لا يبقى مناص من طرحها

18

و مع طرح المنطوق لا يبقى وجه للأخذ بما هو مدلول عليه بالفحوى و استدل هو (أيضا) بذيل خبر سماعة بعد ملاحظة الجمع بينه و بين صدره فيه (أيضا) نظر لان الجمع بحمل صدره على النجس و حمل ذيله على الطاهر انما يفيد في سقوط دلالته على جواز بيع العذرة النجسة من جهة فوات ظهوره و لا يفيد في الاستدلال به على جواز بيع الطاهر لانه لا يجعله نصا و لا ظاهرا في ذلك و الدليل لا يصير دليلا إلا بالصراحة أو الظهور فالعمدة ما ذكرناه في مقام التوضيح لما افاده (المصنف) (رحمه الله) و غيره

قوله و يرد على الأول ان المراد بقرينة مقابلته لقوله تعالى يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبٰاتِ الأكل لا مطلق الانتفاع

لا يخفى ان هذا مبنى على كون انحصار المقدر في طرف إحلال الطيبات في الأكل بخصوصه مسلما لكنه لا يخلو عن خفاء فيحتمل ان يكون من جهة ان الطيب حقيقة في المستلذ و أن اللذة حقيقة فيما يوجد في المأكول و المشروب من ملائمة الطبع فالمطلوب موقوف على مقدّمتين لا بد من إثباتهما فيدلّ على الاولى ما ذكره في كنز العرفان حيث قال في كتاب المطاعم و المشارب ما صورته الطيب يقال لمعان الأول ما هو مستلذ الثاني ما حلله الشارع الثالث ما كان طاهرا الرابع ما خلا عن الأذى في النفس و البدن و هو حقيقة في الأول انتهى ما أهمنا ذكره من كلامه (رحمه الله) و يدلّ على الثانية ما في مجمع البحرين عن ابن الأعرابي من ان اللذة الأكل و الشرب بنعمة و كفاية انتهى و حيث كان الطيب عبارة عن المأكول اللذيذ تعين تقدير الأكل فيتعين تقديره في مقابله (أيضا) و هو قوله (تعالى) يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبٰائِثَ و يؤيد ما عن ابن الأعرابي انه حكى في ترجمة القاموس عن الزمخشري انه فسر اللذة بما معناه الطعم المعجب و صرّح المترجم في تفسير اللذيذ بأنه عبارة عن الشيء المعجب طعمه و ان الطعم المعجب ليس عبارة عن مفهوم الحلاوة و ان اللذة عام و الحلاوة خاص و ذكر ان اللذة ترادف لفظ مزه بالفارسية و ان الحلاوة مرادف لفظ شيرينى و ان الطعم أعم من اللذة فهو بالفارسية مرادف لفظ چاشنى انتهى ما ذكره منقولا بترجمته و على هذا فقوله تعالى إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ و قوله (تعالى) وَ هُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ و أمثالهما مبنية على تشبيه المعقول بالمحسوس كما في وصف اللفظ بالعذوبة و بالحلاوة و قد شاع التجوز بالطيب عن غير المطعومات و لا يمنع ذلك من حمل اللفظ على معناه الحقيقي ما لم تقم قرينة صارفة و (الظاهر) ان قول بعضهم لذ الشيء يلذ من باب تعب لذاذا و لذاذة إذا صار شهيها مبنى على التوسعة في الاستعمال و اما تفسيره بضد الا لم فهو مبنى على اصطلاح علماء المعقول و اما ما ذكره الإمام الرازي في مفاتيح الغيب المعروف بالتفسير الكبير في تفسير قوله (تعالى) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّٰهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبٰادِهِ وَ الطَّيِّبٰاتِ مِنَ الرِّزْقِ حيث قال و يدخل تحت الطيبات من الرزق كل ما يستلذ و يشتهي من أنواع المأكولات و المشروبات و يدخل (أيضا) تحته التمتع بالنساء و بالطيب انتهى فإنما هو اجتهاد و لو فرض قيام النص أو القرينة على المراد لم يوجب ذلك ثبوت الوضع و انما أوجب تحقق الاستعمال و هو أعم من الحقيقة و المجاز و قد عرفت شيوع استعماله في المعنى المجازي و لا يتوهم انه كثر استعماله في المعنى المجازي حتّى بلغ حد الحقيقة لأن هجر المعنى الأول انما يتحقق إذا ترك استعمال اللفظ فيه و اما إذا استعمل فيه و استعمل في المعنى المجازي لم يتحقق الهجر و ان كان الاستعمال في الثاني أكثر و يمكن ان يقال في وجه تعين تقدير الأكل بالنسبة إلى الطيبات انه قد وقع التصريح بالفعل المضاف الى الطيبات الذي تعلق به الحل في آيات متعددة فمنها قوله تعالى في سورة البقر يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ كُلُوا مِمّٰا فِي الْأَرْضِ حَلٰالًا طَيِّباً و منها قوله (تعالى) في السورة المذكورة (أيضا) يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبٰاتِ مٰا رَزَقْنٰاكُمْ وَ اشْكُرُوا لِلّٰهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّٰاهُ تَعْبُدُونَ و منها قوله تعالى في سورة طه كُلُوا مِنْ طَيِّبٰاتِ مٰا رَزَقْنٰاكُمْ وَ لٰا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَ مَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوىٰ فالتصريح بحل أكل الطيبات في الآيات المذكورة دليل على ان الفعل المقدر في هذه الآية انما هو الأكل و إذا كان المحلل في جانب إحلال الطيبات هو الأكل بخصوصه كان المحرم في جانب تحريم الخبائث (أيضا) هو الأكل بقرينة المقابلة لكن الإنصاف انه لا ملازمة بين التصريح بالأكل في الآيات المذكورة لو فرض ان وضع الطيب لما هو أعم من المأكول و المشروب و غيرهما و بين كون المقدر هو الأكل في غيرها نعم يمكن ان يخرج التصريح به مؤيّدا بعد ثبوت المطلوب من الخارج

قوله و على النبوي و غيره ما عرفت من ان الموجب لحرمة الثمن حرمة عين الشيء بحيث يدلّ على تحريم جميع منافعه أو المنافع المقصودة الغالبة و منفعة الروث ليست هي الأكل المحرم فهو كالطين المحرم كما عرفت سابقا

توضيح ذلك ان الأدلة و ان دلت على تحريم أكل الأرواث الا ان ذلك لا يقتضي حرمة التكسب بها حتى بضميمة قوله (عليه السلام) ان اللّه إذا حرّم شيئا حرّم ثمنه و قوله (عليه السلام) لعن اللّه اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها و أكلوا أثمانها إذ لا يخفى عليك ان تحريم أكل شيء انما يقتضي حرمة التكسب به لو كان ذلك الشيء مأكولا مقصودا منه الأكل كاللحوم و الشحوم و نحوهما و الأرواث ليست (كذلك) إذ الفائدة المقصودة منها شيء أخر غير الأكل و ليس ذلك بمجرم و المحرم منها و هو الأكل غير مقصود و معنى قوله ان اللّه إذا حرم شيئا حرّم ثمنه انه تعالى إذا حرم الغاية المطلوبة من شيء حرم ثمنه و لم يجز بيعه لذهاب فائدته المقصودة منه و لا عبرة بغيرها فيكون بذل المال في مقابلته أكل مال بالباطل ثم ان تحريم الغاية المطلوبة يقع على وجهين أحدهما ان يقع التصريح بتحريمها بخصوصها و الثاني ان يحرم جميع المنافع فيدخل فيه تحريم الغاية المطلوبة أو معناه ان اللّه إذا حرم شيئا بقول مطلق فيصير المراد به تحريم المنفعة المقصودة أو تحريم جميع المنافع و كيف كان فالحديث لا يتناول الأرواث نعم يتجه ذلك في الطحال و نحوه من محرّمات الذبيحة المقصود منها الأكل الذي قد حرم فافهم

[المسألة الثالثة يحرم المعاوضة على الدم]

قوله يحرم المعاوضة على الدم بلا خلاف بل عن النهاية في شرح الإرشاد لفخر الدين و التنقيح الإجماع عليه و يدل عليه الاخبار السابقة

المراد بالدم الذي حكم عليه بحرمة المعاوضة عليه انما هو الدم النجس و لا إشكال في حرمة المعاوضة عليه و يدل عليها وجوه الأوّل العمومات الناطقة بحرمة التكسب بنجس العين بملاحظة قيام الإجماع على نجاسته الثاني ما دلّ من الكتاب و السنة على تحريمه مثل قوله (تعالى) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ (انتهى) بضميمة قوله (عليه السلام) ان اللّه إذا حرّم شيئا حرم ثمنه و ان شئت قررت هذا الدليل بوجه أخر بأن تقول انه غير منتفع به حيث نهى الشارع عن المنفعة التي من شأنها ان ترتب عليه و هو الأكل لكونه من جنس ما من شأنه الأكل فلا عبرة بالانتفاع به في مثل الصّبغ مثلا لو جوّزناه و كذا الانتفاع به في مثل التسميد فتكون المعاملة سفهية و المعاملة السفهية باطلة و يترتب عليه حرمة التصرف في عوضه و كون الاقدام على المعاملة (حينئذ) يتصف بالحرمة التشريعية و ان شئت قررته بوجه ثالث بان تقول ان الدم غير مملوك باتفاق علمائنا بل هو من قبيل ما ليس بمتمول عرفا و لهذا لا يضمنه من أتلفه و قد اشترط في صحة البيع كون المبيع مملوكا فيبطل البيع عند انتفاع مملوكيته و يترتب عليه الحرمة التشريعية الثالث الإجماع الذي حكى (المصنف) (رحمه الله) دعويه عن الجماعة المؤيد بعدم الخلاف فيفيد الوثوق بل يمكن تحصيل الإجماع (حينئذ) الرابع مرفوعة أبي يحيى الواسطي الذي يذكرها (المصنف) (رحمه الله) بملاحظة انجبارها بعدم الخلاف ثم انه هل يجوز الانتفاع به في الصبغ فيجوز بيعه لذلك لم نر من جوزه و ان كان مقتضى ما يحكيه (المصنف) (رحمه الله) فيما سيأتي عن المحقق الثاني (رحمه الله) في حاشية الإرشاد لتوجيه صحة بيع الأصباغ المتنجسة من انها تؤل الى حالة تقبل معها التطهير هو الجواز و الصحة هيهنا (أيضا)

19

و ذلك لان ما ذكره من الأول إلى الطهارة موجود هنا ايضا و ان كان أصل التعليل محلّ نظر عندنا من جهة ان الأصباغ المعرضة للبيع لا تؤل إلى الطهارة و انما يؤل إليها الثياب المصبوغة هذا و لو لا قوله بل ذلك هو المقصود منها لكان القائل ان يقول ان مراده (رحمه الله) هو ان نفس الأصباغ قابلة لان تجفف ثم تغمس في الماء كما يفعل بالكوز و الخشب المتنجسين و نحوهما مما تسرى النجاسة إلى أعماقه فيلزم في تطهيره وصول الماء إليها و كيف كان فلم نجد مصرحا بالجواز و ان استظهره (المصنف) (رحمه الله) فيما سيأتي من مسئلة الأصالة الانتفاع بنجس العين أو العكس من قول الشّهيد الثاني (رحمه الله) في الروضة و الدّم و ان فرض له نفع حكمي كالصبغ

[فرع حكم بيع الدم الطاهر]

قوله و اما دم الطاهر إذا فرضت له منفعة محلّلة كالصبغ لو قلنا بجوازه ففي جواز بيعه وجهان اقويهما الجواز لأنها عين طاهرة ينتفع بها منفعة محللة (انتهى)

أورد عليه بوجوه الأوّل ان تقييد الصبغ بقوله لو قلنا بجوازه لا يظهر له وجه إذ ليس جوازه ممّا يكون للريب فيه مجال فان النجس يدخل في عنوان عموم النهى عن التقليب في النجس بخلاف الدم الطاهر فليس هناك عموم يدل على المنع فالصبغ به داخل تحت أصالة الإباحة كأكل التفّاح و أمثاله الثاني ان تعليل الجواز بأنها عين طاهرة ينتفع بها في مقابل إطلاق تحريم الدّم بضميمة قوله (عليه السلام) ان اللّه إذا حرم شيئا حرم ثمنه أشبه شيء بالتمسك بالأصل في مقابل الدّليل بل مندرج تحت ذلك العنوان بعينه الثالث ان ما ذكره من ان قصد المنفعة المحرمة في المبيع موجب لبطلان البيع ممنوع إذا لم يقم عليه دليل الا ترى انه لو قصد بايع الحنطة ببيعها احتكار مشتريها لم يصح لأحد ان يحكم ببطلان البيع و امّا مثل بيع العنب ليعمل خمرا فهو منصوص و كلامنا في غير موارد النص من حيث ان مجرد قصد المنفعة المحرمة من المبيع موجب لبطلان البيع فنحن نطالب بالدّليل عليه و يمكن دفع الأول بأن المفروض إذا صار من قبيل أكل التفاح و نحوه ينشأ إباحته من أصالة الإباحة فخلافهم في ان مقتضى الأصل هو الإباحة أو الحظر كاف في وجه صحة التقييد بقوله لو قلنا بجوازه و الثاني بأن (المصنف) (رحمه الله) اعتبر في تحريم البيع تحريمه بقول مطلق و جعل مآل ذلك الى أحد الأمرين من تحريم جميع منافعه أو تحريم أهم منافعه الذي يتبادر عند الإطلاق بحيث يكون غيره غير مقصود و قال انه على التقديرين يدخل الشيء لأجل ذلك فيما لا ينتفع به منفعة و فيما نحن فيه ليس تحريم الدّم مرادا به تحريم جميع منافعه و انما المراد به خصوص تحريم اكله و ليست المنفعة التي هي الصبغ به و التسميد به من قبيل ما لا يقصد به أصلا بحيث يصير بعد تحريم اكله مما لا ينتفع به بالمرة فتأمل و الثالث بان المراد بما ذكره (المصنف) (رحمه الله) من ان قصد المنفعة المحرمة موجب لبطلان البيع انما هي المنافع التي هي من خواص المبيع و منافعه المختصة به و قد وقع التصريح بالفرق بين قصد المنفعة المحلّلة و المحرمة و انه يصحّ البيع على الأول دون الثاني فيما لو كان المبيع مشتملا على الجهتين في رواية تحف العقول فالنقض عليه بمثل الاحتكار مما لا مساس له بالمقصود ثم ان الأقوى هو الوجه الثاني أعني عدم جواز بيعه بدلالة قوله (تعالى) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ بضميمة قوله (عليه السلام) ان اللّه إذا حرم شيئا حرم ثمنه و إطلاق مرفوعة الواسطي من جهة نهى أمير المؤمنين (عليه السلام) عن بيع الدم الشامل لقسميه النجس و الطاهر بل قد وقع النهى فيها عن خصوص بيع الدم الطاهر و هو الطحال الّذي بيّن (عليه السلام) كونه و ما و ذلك لان (المصنف) (رحمه الله) لم يذكر تمام الحديث و قد ذكر فيه بعد الطحال ما صورته و النّخاع و الخصى و القضيب فقال له بعض القصابين يا أمير المؤمنين ما الطحال و الكبد الّا سواء فقال له كذبت يا لكع ايتني بتورين من ماء أنبئك بخلاف ما بينهما فاتى بكيد و طحال و تورين من ماء فقال شقوا الكبد من وسطه و الطحال من وسطه ثم أمر فمرسا في الماء جميعا فابيضت الكيد و لم ينقص منها شيء و لم يبيض الطحال و خرج ما فيه كله و صار دما كله و بقي جلد و عروق فقال له هذا خلاف ما بينهما هذا لحم و هذا دم

قوله و صرّح في التذكرة بعدم جواز بيع الدّم الطاهر لاستخباثه

قال (رحمه الله) و الدم كله نجس فلا يصح بيعه و كذا ما ليس بنجس منه كدم غير ذي النفس السائلة لاستخباثه انتهى و فيه نظر لان الخبيث عبارة عما تستكرهه النفس و تستقذره مع قطع النظر عن تحريم الشارع فالاستكراه بملاحظة نهى الشارع لا يوجب الخباثة ألا ترى ان لحم الخنزير بل لحوم الحمير المكروهة مما تستكرهه النفس لكن هذا الاستكراه ناشىء من الف النفس بالشرع و نهى الشارع و كذا الحال في الخمر و على هذا نقول ان الدم مع قطع النظر عن الشرع ليس بخبيث

[المسألة الرابعة في حرمة بيع المنى لنجاسته و عدم الانتفاع به]

قوله لا إشكال في حرمة بيع المنى لنجاسته و عدم الانتفاع به إذا وقع في خارج الرحم

اعلم ان المنى على ما يستفاد من كتب اللغة إنما يقال على ما خرج من مخرجه الأصلي الّذي هو رأس الذكر و لا يسمى ماء الفحل قبل خروجه منه منيا لأنه مأخوذ من قولهم منى و امنى إذا أراق و لا يصدق الإراقة الا بخروجه من المخرج قال في المصباح في وجه تسمية منى الذي هو أحد المشاعر ما لفظه و سمى منى لما يمنى به من الدماء اى يراق الى ان قال و المنى معروف و امنى الرجل أمناء أراق منيّه و منى يمنى من باب رمى لغة و المنى فعيل بمعنى مفعول و التخفيف لغة فيعرب أعراب النقوص انتهى و لهذا ذكر (المصنف) (رحمه الله) قسمين بحسب حالتيه بعد الخروج و هما وقوعه في خارج الرحم و وقوعه فيه و حكم بالنجاسة في كلتا الحالتين و لم يتعرض لجعل ما قبل الخروج بعنوان كونه من أقسام المنى بحسب أحواله لما عرفت و لعدم صحة الحكم بالنجاسة فيه نعم لما كان الماء الفحل (مطلقا) سواء سمى منيا أم لا حالة اخرى و هي ما بعد تحركه من المبدء قبل ان يستقر في الرحم و كان يسمى عسيبا على ما يراه بعضهم تعرض له بعد الفراغ عن البحث عن حكم المنى بقسميه

قوله و لو وقع فيه (فكذلك) لا ينتفع به المشتري لأن الولد نماء الأم في الحيوانات عرفا و للأب في الإنسان شرعا

يعنى انه لو وقع في الرحم كان ايضا ممّا لا ينتفع به المشترى و ان انتفع به غيره و هو مالك التي وقع في رحمها فقوله لا ينتفع به المشترى بيان لقوله (فكذلك) و الاقتصار على هذا وحده مع ذكره فيما وقع في خارج الرحم النجاسة و عدم الانتفاع جميعا لعدم كون الأمرين جميعا مسلما عند الجميع فأراد تحرير المقصود على وجه ينم على مذاق من يرى طهارته في هذه الصورة فاستند الى التعليل الّذي ذكره جماعة من كون الولد نماء الام ثم اعرض عنه فبين ان المتعين هو التعليل بالنجاسة و ان دخل من الباطن في الباطن لكون ذلك هو الّذي بنى عليه و اختاره ثم استدرك قول بعض من منع من النجاسة في هذه الصّورة و لا يخفى عليك ان هذا التعليل انما يتم في صورة شراء غير صاحب الأنثى التي وقع المني في رحمها و الا فلو فرض شراء صاحب الأنثى المذكورة إياه بعد وقوعه في رحمها لم يجر هذا التعليل و هو ان المشترى لا ينتفع به معلّلا بان الولد نماء الأم في الحيوانات عرفا و انّه لا يبقى فيه مالية عرفية حتى يصحّ نقله لذلك الى من يريد شرائه

قوله لكن الظّاهر ان حكمهم بتبعية الام متفرع على عدم تملك المنى و مقتضى التفرع ان عدم تملك المني

علة لكون الولد نماء الأم في الحيوان فلا يصحّ ان يكون هو علة لعدم الانتفاع الذي هو عبارة أخرى عن عدم التملك

قوله لكن قد منع بعض من نجاسته إذا دخل من الباطن الى الباطن

هو صاحب مفتاح الكرامة (رحمه الله) قال و ليست نجسة ما لم تظهر الى خارج الفرجين على الظاهر فتأمل انتهى

قوله و قد ذكر العلامة (رحمه الله) من المحرمات بيع عسيب الفحل و هو ماءه قبل الاستقرار في الرّحم كما ان الملاقيح هو ماؤه بعد الاستقرار كما في جامع المقاصد

لما فرغ من البحث عن حكم المنى بقسميه باعتبار حاليته و كان لماء الفحل حالة اخرى و هي ما بعد تحركه من المبدء الى ان يستقر في الرحم استقراره المعتاد و ما بينهما من حالة جريانه في مجاري ذكر الفحل و فرج الأنثى تعرض لذلك بهذه العبارة و وجه اختيار إسناده

20

إلى العلامة (رحمه الله) هو انه ان لم يكن يجري في الحكم بحرمته الوجهان اللذان ذكرهما من عدم الانتفاع على الوجه المذكور و النجاسة و كان المدرك الذي يمكن استفادته منه مما وقع الخلاف في لفظه و معناه فلم يقع من غير العلامة (رحمه الله) تفسيره بهذا المعنى الّذي هو بيع ماء الفحل في الحالة المذكورة حتى ينطبق على هذا المقام الّذي هو (رحمه الله) بصدد تفضيله و توضيح ذلك انه قال العلامة (رحمه الله) في القواعد و نهى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) عن بيع حبل الحبلة و هو البيع بثمن مؤجل إلى نتاج نتاج الناقة و عن المجرد هو بيع ما في الأرحام و عن بيع عسيب الفحل و هو نطفة و عن بيع الملاقيح و هي ما في بطون الأمهات و المضامين و هي ما في أصلاب الفجول هذا كلامه (رحمه الله) و هو و ان لم يصرّح بكون العسيب عبارة عما تحرك من المبدء من ماء الفحل الا ان مقابلته بما في أصلاب الفحول يدل على ذلك و قال في جامع المقاصد في شرح قوله و عن بيع عسيب الفحل و هو نطفته ما نصه الموجود في كلام المعتمدين عسب الفحل قال في الجمهرة و العسب عسب الفحل الى ان قال و في الحديث نهى عن عسب الفحل اى لا يؤخذ لضرابه كرّا و في نهاية ابن الأثير انه نهى عن عسب الفحل عسب الفحل ماؤه فرسان كان أو بعيرا أو غيرهما و عسبه ايضا ضرابه الى ان قال و انما أراد النهي عن الكرا و في فائق الزمخشري النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) نهى عن عسب الفحل اى عن كرا قرعه و العسب الفرع يقال عسب الفحل الناقة يعسبها عسبا و الفرق بينه و بين الملاقيح ان المراد بها النطفة بعد استقرارها في الرحم و العسب الماء قبل استقرارها و المجر أعمّ من كلّ منهما انتهى ما في (جامع المقاصد) و في المصباح عسب الفحل الناقة عسبا من باب ضرب طرقها و عسبت الرجل عسبا أعطيته الكراء على الضراب و نهى عن عسب الفحل و هو على حذف مضاف و الأصل عن كراء عسب الفحل هذا فقد عرفت ان الجماعة المذكورين قد فهموا من نهى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) عن عسب الفحل النهى عن كراه لا عن بيعه مضافا الى أنهم نقلوه بلفظ العسب على وزن فلس و حكى موافقتهم فيما ذكر من اللفظ و المعنى عن الصحاح و القاموس و قال في مفتاح الكرامة توجيها لعدول العلامة (رحمه الله) عما فهموه الى البيع بعد احتمال انهم أرادوا بالكراء الثمن و القيمة و ان كلامهم يؤل الى البيع (حينئذ) ما لفظه لأن استيجار الفحل للضراب ليس محرما عند علمائنا قال في التذكرة و نهاية الأحكام و غصب السّرائر و الشّرائع و ان اجرة ضراب الفحل ليست محرمة عندنا و في الأول انه مذهب أهل البيت (عليه السلام) و ان ما قاله في (المبسوط) من انه لا اجرة له لأن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) نهى عن كسب الفحل فهو حكاية مذهب المخالفين فلا يتوهم متوهم انه اعتقاده انتهى

قوله و عن غيره

إشارة الى ما حكاه في مفتاح الكرامة عن حواشي الشهيد (رحمه الله) من العبارة التي هي عين عبارة جامع المقاصد

قوله و علل في الغنية بطلان بيع ما في أصلاب الفحول بالجهالة و عدم القدرة على التسليم

لا يخفى عن حرمة البيع (حينئذ) تصير تشريعيته و الغرض من ذكر هذا الكلام بناء على ما فسرنا به العسيب استفادة من كلام العلامة (رحمه الله) هو الإشارة إلى جريان مثل هذه العلة في العسيب ايضا و عن عمّمنا ما في جامع المقاصد من قوله قبل استقرارها في الرحم بالنسبة الى ما قبل التحرك كان مورد تعليل الغنية بعض افراد العسيب ثم انه قال في الغنية و لما ذكرناه من الشرطين نهى ايضا عن حبل الحبلة و هو نتاج النتاج و عن بيع الملاقيح و هو ما في بطون الأمّهات و عن بيع المضامين و هو ما في أصلاب الفحول لان ذلك مجهول غير مقدور على تسليمه انتهى و أراد بالشرطين ما أشار إليهما في ذيل العبارة لأنه قال قبل العبارة المذكورة بأسطر و اشترطنا ان يكون المعقود عليه معلوما لان العقد على المجهول باطل بلا خلاف لانه بيع الغرر الى ان قال و اعتبرنا ان يكون مقدورا على تسليمه تحفظا مما لا يمكن ذلك فيه كالسمك في الماء و الطير في الهواء فان ما هذا حاله لا يجوز بيعه بلا خلاف انتهى و (الظاهر) انه أراد بثبوت الجهالة جهالة عينها بحسب المقدار و يحتمل ان يكون مراده ما ذكره في المصباح في ذيل قوله و نهى عن عسب الفحل و هو على حذف مضاف و الأصل عن كراء عسب الفحل من قوله لان ثمرته المقصودة منه غير معلومة فإنه قد يلقح و قد لا يلقح فهو غرر انتهى ثم ان التعليل الذي حكاه عن الغنية قد علل به في التذكرة في طي الشرط الخامس من شروط العوضين قال (رحمه الله) لا يجوز بيع الملاقيح و هي ما في بطون الأمهات و لا المضامين و هي ما في أصلاب الفحول الى ان قال و لا نعرف خلافا بين العلماء في فساد هذين البيعين للجهالة و عدم القدرة على التسليم لأن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) نهى عن بيع الملاقيح و المضامين انتهى و لعلّ (المصنف) (رحمه الله) لم يعثر عليه حيث أسند التعليل إلى الغنية و اقتصر عليه

[المسألة الخامسة يحرم المعاوضة على الميتة و اجزائها التي تحلها الحياة من ذي النفس السّائلة]

قوله يحرم المعاوضة على الميتة و اجزائها التي تحلها الحياة من ذي النفس السّائلة

اعلم ان ميتة هذا النوع من الحيوان على قسمين الأوّل ما كان طاهر العين بحسب الأصل و أصنافه كثيرة و منها الحية كما هو المنقول عن صاحب المطالع (رحمه الله) و جماعة من القدماء و غيرهم أوّلهم الشيخ (رحمه الله) من مشاهدتهم ذبحها و سيلان دمها و المعروف من مذهب الأصحاب عدم جواز التكسب بهذا القسم و باجزائه التي تحلها الحياة و هذا هو القدر المتيقن فيما أطلق فيه الميتة من معاقد الإجماعات و النصوص في مقابل ما ليس له نفس سائلة و هذا النوع يفرق فيه بين اجزاء الحيوان إذا كانت ممّا تحله الحياة و بين ما إذا كانت ممّا لا تحله فيجوز الانتفاع منها بالثانية دون الاولى و يترتب عليه جواز التكسب بها و الفارق هي الأخبار فعن الصادق (عليه السلام) عشرة أشياء من الميتة ذكيته القرن و الحافر و العظم و السن و الانفحة و اللبن و الشعر و الصّوف و الريش و البيض و قد وقع تعليل الحكم في الانفحة في خبر أخر بأنها ليس لها عروق و لا فيها دم و لا لها عظم انما تخرج من بين فرث و دم الثاني ما كان نجس العين قال بعض من تأخر ان هذا القسم لا فرق في اجزائه بين ما كان مما تحله الحياة و بين ما كان مما لا تحله لأن الميتة عبارة عن مجموع الحيوان دون خصوص شيء من الاجزاء فيجري حكم الميتة في النوعين كليهما فيجتمع في النوع الثاني كالنوع الأوّل عنوانان كونه ميتة و كونه نجسا لان النوع الثاني من نجس العين نجس كالنوع الأوّل و يظهر اثر ذلك فيما لو كان للميتة حكم خاص مثل بطلان الصلاة باستصحاب شيء منه نسيانا بخلاف النجس فتأمل فإن هذا مجرد فرض و الا فليس عنوان الميتة على وجه الخصوصية مما له حكم في الصّلوة و الّذي له فيها حكم انما هو اجزاء الحيوان الغير المأكول اللحم

قوله و عن رهن الخلاف الإجماع على عدم ملكيتها

قد ذكر في باب الرهن عن الخلاف ما نصه إذا كان الرهن شاة فماتت زال ملك الراهن عنها و انفسخ الرهن إجماعا فإن أخذ الراهن جلدها فدبغه لم يعد ملكه و قال الشافعي يعود ملكه قولا واحدا و هل يعود الرهن على وجهين قال ابن خيران يعود الرهن و قال أبو إسحاق لا يعود دليلنا إجماع الفرقة على ان جلد الميتة لا يطهر بالدباغ و إذا ثبت ذلك لم يعد الملك إجماعا لان من خالف في ذلك خالف في طهارته و يدل عليه (أيضا) قوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ و ذلك على عمومه انتهى و دعوى الإجماع و ان وقعت في مورد خاص الا ان من المعلوم عدم الفصل بينه و بين غيره من أقسام الميتة و يؤيد الاستدلال بعموم الآية في ذيل الكلام

قوله و خصوص عد ثمن الميتة من السحت في رواية السكوني

و بمعناها غيرها من الرّوايات فعن السكوني عن ابى عبد اللّه قال السّحت ثمن الميتة و ثمن الكلب و ثمن الخمر و مهر البغي و الرشوة في الحكم و أجر الكاهن و عن محمّد بن على بن الحسين قال قال (عليه السلام) أجر الزانية سحت و ثمن الكلب الّذي ليس بكلب الصيد سحت و ثمن الخمر سحت و أجر الكاهن سحت و ثمن الميتة سحت الحديث و عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه في وصية النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لعلى (عليه السلام) قال يا على من السحت ثمن الميتة (انتهى) و رواية سماعة قال سئلته عن جلود السباع ا ينتفع بها فقال إذا رميت و سمية فانتفع بجلده و اما الميتة فلا

قوله و لذا قال في الكفاية و الحدائق ان الحكم لا يخلو

21

عن اشكال

قد ذكر بعض من تأخر لاحتمال جواز البيع في كلامهما وجوها الأصل و العمومات و خبر الصيقل و ما بمعناه من الخبر الأخر و ان ما دل على المنع من بيع النجس نصا و إجماعا ظاهر في كون المانع منه انما هو حرمة الانتفاع به لا مجرد النجاسة أو مجرد كونه ميتة مثلا و لهذا أطبقوا على جواز بيع الكافر و كلب الصّيد معلّلين بحل الانتفاع به و ان النجاسة غير مانعة منه و قد أخذ هذا الوجه الأخير من كلام (المصنف) (رحمه الله) الّذي ذكره في ذيل قوله و الإنصاف ثم ان ذلك البعض أورد على ما ذكره بان الجميع كالاجتهاد في مقابلة النص و الإجماع و ان الرواية مع شذوذها كما في الرياض و غيرها و مع قرب حملها على التقية كما يومي اليه كونها من قبيل المكاتبة قاصرة سندا و دلالة فلا بأس بطرحها و نسج على منواله بعض المعاصرين ثم أيد ما ذكره بان التدبر في كلامهم قد يفيد القطع بكون النجاسة بنفسها من الموانع و لا يلتفت الى ما قد يوهم خلاف ذلك من بعض عبارات الخلاف و الغنية و نحوهما مما هو في مقابلة العامة و المجاراة معهم أو لبنائهم على حرمة الانتفاع بالنجس (مطلقا) فيكون داخلا فيما لا ينتفع به و ان كان في نفسه مانعا لو فرض جواز الانتفاع به الا انه غير ثابت عندهم فلم يتعرضوا له فلاحظ و تأمل انتهى و أنت خبير بأنه لم يأت في مقابلة كلام (المصنف) (رحمه الله) بما يتجه مقابلته به لان مجرد دعوى القطع مما لا يتم في مقابل ما ذكره و وجه الحاكي عنه

قوله و يمكن ان يقال ان مورد السؤال عمل السيوف و بيعها و شراؤها لا خصوص الغلاف مستقلا و لا في ضمن السيف على ان يكون جزء من الثمن في مقابل عين الجلد

لا يخفى عليك بعد الفرض على وجه لا يخطر ببال غير (المصنف) (رحمه الله) خصوصا من كان في عرض الناس من أهل الأسواق الّذين منهم السائل مضافا الى ان هذا خلاف ظاهر شرائها مقدما على بيعها فان الجلود هي التي يشتريها ثم يبيعها و السيوف انّما يعملها و مخالف لظاهر قوله و مسّها بأيدينا و ثيابنا فان الجلود هي التي يسئل عن مسها دون السيوف و الضمائر كلها متطابقة في الرجوع الى شيء واحد

قوله الّا من حيث التقرير الغير الظاهر في الرضا

لانه من قبيل السكوت الذي هو مجمل ساكت عن افادة مقصد من المقاصد الا بعد العلم بانضمام شرائط التقرير بأسرها

قوله نعم ذكر في التذكرة شرط الانتفاع و حليته بعد اشتراط الطهارة و استدل للطهارة بما دل على وجوب الاجتناب عن النجاسات و حرمة الميتة

قال في التذكرة في أوّل الفصل الرابع الذي عقده لبيان شرائط العوضين في البيع ما لفظه و يشترط فيها أمور الأول الطهارة مسئلة يشترط في المعقود عليه الطهارة الأصلية فلا تضر النجاسة العارضة مع قبول التطهير و لو باع نجس العين كالخمر و الميتة و الخنزير لم يصحّ إجماعا لقوله (تعالى) فَاجْتَنِبُوهُ- حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ و الأعيان لا يصحّ تحريمها و أقرب مجاز إليها جميع وجوه الانتفاع و أعظمها البيع فكان حراما و لقول جابر سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) و هو بمكة يقول ان اللّه و رسوله حرم بيع الخمر و الميتة و الخنزير و الأصنام ثمّ تعرض لمسائل كثيرة هي من فروع المقام حتى انهى المقال الى ان قال الشرط الثاني المنفعة مسئلة لا يجوز بيع ما لا منفعة فيه فإنه ليس ما لا فلا يؤخذ في مقابلة المال كالحبة و الحبتين من الحنطة و لا نظر الى ظهور الانتفاع إذا ضم إليها أمثالها و لا إلى انها قد توضع في الفخ أو تبذر و لا فرق بين زمان الرخص و الغلاء و مع هذا فلا يجوز أخذ حبة من صبرة الغير فإن أخذت وجب الرد فان تلفت فلا ضمان لانه لا مالية لها و هذا كله للشافعي أيضا و في وجه أخر لجواز بيعها و ثبوت مثلها في الذّمة و ليس بجيد الى ان قال ما أسقط الشارع منفعته لا نفع له فيحرم بيعه كآلات الملاهي مثل العود و الزمر و هياكل العبادة المبتدعة كالصليب و الضم و آلات القمار كالنرد و الشطرنج ان كان رضاضها لا يعد ما لا و به قال الشافعي و ان عد مالا فالأقوى عندي الجواز مع زوال الصفة المحرمة هذا كلامه (رحمه الله) فاستفاد (المصنف) (رحمه الله) من عد المنفعة شرطا ثانيا في مقابل اشتراط الطهارة و من اعتباره في المنفعة ان تكون محللة كما دل عليه قوله ما أسقط الشارع منفعة لا نفع له و من الاستدلال لاشتراط الطهارة بما دل على وجوب الاجتناب عن النجاسات الّذي هو مسوق لمجرد تحريم المباشرة ان اشتراط الطهارة أمر وراء اشتراط المنفعة و ان انتفاع الاولى لا يوجب سلب الثانية عما من شأنه أن تحصل منه فلا يكون حرمة بيع النجس مستندة الى انتفاء المنفعة و هو خلاف ما قرره (المصنف) (رحمه الله) من ان حرمة بيع النجس انما هي من جهة كونه مسلوب المنفعة و انه إذا ثبت له منفعة جاز بيعه لانتفاء المانع

قوله و الإنصاف إمكان إرجاعه الى ما ذكرنا فتأمل و يؤيده انهم أطبقوا على بيع العبد الكافر و كلب الصيد و علله في التذكرة بحل الانتفاع به

(انتهى) وجه الإرجاع ان النسبة بين نجاسة الشيء و انتفاء المنفعة فيه هي العموم من وجه فتجتمعان في الأبوال النجسة مثلا و تفترق الاولى عن الثانية في العبد الكافر و ينعكس الأمر في الحشرات المحكوم بطهارتها فنقول (حينئذ) ان العلامة (رحمه الله) لما أخر ذكر اشتراط المنفعة عن اشتراط الطهارة أراد بذلك اعتبار اشتراط وجود المنفعة التي ليس مدار انتفائها نجاسة الشيء ضرورة ان من الأشياء ما هو طاهر و مع ذلك لا منفعة له و ان كان لو فرض انه لو كان قد قدم اشتراط المنفعة لم يكن وجه لذكر اشتراط الطهارة لأجل إفادة الاحتراز عن الأشياء التي انتفت منافعها من جهة النجاسة ضرورة ان اشتراط المنفعة (حينئذ) يكون مغنيا عن اشتراط الطهارة فيلزم ان يكون اشتراطها لأمر غير اشتراط كون الشيء ذا منفعة و أراد باشتراط الطهارة الاحتراز عما سلبت منفعة بسبب النجاسة لا عن كل نجس بدليل تعليله جواز بيع كلب الصيد بحل الانتفاع و لا ينافيه التمسك في اشتراط الطهارة بما دل على الأمر بالاجتناب عن النجاسة و تحريم الميتة لأن ذلك يصحّ ان يكون لغرض إفادة ان الشارع إذا أمر بالاجتناب عن شيء أو حرم شيئا فقد أسقط منفعة عن درجة الاعتبار و لم يدع (المصنف) (رحمه الله) أوّلا إلّا إمكان الإرجاع و ان كان قد أيده بعد ذلك بذكره تعليل جواز بيع كلب الصّيد بحل الانتفاع و يعلم من التأييد ان امره (رحمه الله) بالتأمل ليس لتوهين ما ذكره بل للايصاء بالتدبر فيه

قوله و مما ذكرنا من قوة جواز بيع جلد الميتة لو لا الإجماع إذا جوزنا الانتفاع به في الاستقاء يظهر حكم جواز المعاوضة على لبن اليهودية المرضعة بأن يجعل تمام الأجرة أو بعضها في مقابل اللبن فان نجاسته لا تمنع عن جواز المعاوضة عليه

و مثله استيجار الفحل للضراب المقصود منه الماء الذي حكموا بحرمة بيعه من جهة نجاسته ففي اللبن المذكور و ماء الفحل اشكال من جهة نجاستها و قد نصوا على ان استيجار اليهودية للإرضاع مكروه و ان أجرة فحل الضراب (كذلك) فيتوجه السؤال (حينئذ) بأنه كيف جاز ذلك مع عدم صحة بيع شيء منهما لكونه نجسا و المقصود من الاستيجار ليس الّا ذلك المحكوم بنجاسة الممنوع من بيعه و استراح من ذهب الى ان الدخول من الباطن الى الباطن ليس موجبا للنجاسة فيبقى على الطهارة الثابتة له كما عرفت الإشارة إليه من صاحب مفتاح الكرامة (رحمه الله) في مسئلة حرمة بيع المنى و مثله صاحب الجواهر (رحمه الله) حيث قال في باب الرضاع عند قول المحقق (رحمه الله) و لا تسترضع الكافرة بعد استفادة الجواز مع الكراهة من الأدلة و ذكر خبر يدل على منعها من شرب الخمر حال إرضاعها للولد فلا يقدح نجاسة اللبن (حينئذ) انتهى و هو (رحمه الله) و ان لم يذكر الوجه في عدم القدح الّا انه ذكر بعض مشايخنا انه سمع منه شفاها في مجلس البحث ان لبن الكافرة انما ينجس بعد خروجه و اما مع دخوله من الباطن الى الباطن كما عليه الحال عند رضاع الطفل فلا يتصف بالنجاسة فلا ضير (حينئذ) و يشكل الأمر على من يقول بان الدخول من الباطن بمنزلة الخروج في الاتصاف بالنجاسة (كالمصنف) (رحمه الله) فيلزمه ان يقول ببطلان الإجارة ضرورة ان المقصود منها انما هو منفعة العين المستأجرة

22

فهي التي وقع المعاوضة عليها و ليست الا من قبيل الأعيان النجسة فتقضي (رحمه الله) عن الاشكال المذكور بأن نجاسة لا تمنع من جواز المعاوضة عليه و أورد عليه بعض مشايخنا بالمنع من ذلك نظرا الى ان النجاسة عنوان غير عنوان حرمة الانتفاع الا انه قد يتفق اجتماعهما و أقول الباعث له على هذا الإيراد على التدبر في كلام (المصنف) (رحمه الله) و ما استشهد به من جواز بيع العبد الكافر و كلب الصّيد و نحو ذلك فتدبر ثم لا يتوهم ان الإجارة لا تصحّ مع تلف العين و انما تقع على ما هو من قبيل المنافع المخصة لان ذلك كلام من جهة أخرى و المفروض ان في الشرع موارد خاصة لم يجر عليها الشارع حكم الإجارة فأمضاها مع تحقق تلف العين فيها و ان شئت توضيح الحال قلنا قد حكى عن (المصنف) (رحمه الله) في بعض ابحاثه انه التزم بثبوت استيجار المرضعة للإرضاع بالنص و الإجماع و بأنه يجب تعيين المرتضع بما يرفع الجهالة بل المرضعة بل محلّ الإرضاع على ما قيل و استند في ذلك الى ان العقد المذكور لمكان مخالفته للقواعد بسبب تركبه من نقل العين و المنفعة لا بد من الاقتصار فيه على القدر المعهود من الشرع و من هنا اقتصر بعضهم في تصحيحه على النص و الإجماع بعد العجز عن تطبيقه على القاعدة الا ان منهم من جعله منطبقا عليها و هو الأقوى و بيان ذلك انه لا إشكال في ان البيع تمليك العين و الإجارة تمليك المنفعة و ان الواجب في كل منهما وجود ما اشترط فيهما من بلوغ المتعاقدين و كمالهما و معلومية العوضين و مملوكيتهما و غير ذلك مما قضت الأدلة بوجوبه فيهما و اما العقد المشتمل على تمليكهما معا كالعقد المذكور و استيجار البئر للاستقاء و الحمام لاستعمال مائه و إتلاف قدر من مائه و الفحل للضراب و الكحال لذر الكحل في العين و الصباغ للصبغ و الكاتب للكتابة و الخياط للخياطة مع كون المداد و الخيوط من مال الأجير دون المستأجر و المنحة للحلب و أشباه ذلك من الإجارات المشتملة على نقل العين و المنفعة فإن بنينا على انحلاله الى عقدين بيع بالنسبة إلى تمليك العين و اجارة بالإضافة إلى نقل المنفعة نظير قولك بعتك الدار و أجرتك العبد للخدمة سنة بعشرة دراهم فلا إشكال في الصّحة و وجوب إحراز شرائط كلّ من العقدين و ان احتيج معه الى التقسيط و ان لم نقل بالانحلال ففي وجوب إحراز شرائطهما نظر إذ قد يقال ان العقد في هذه المواضع نوع خاص متداول في العرف و العادة و قد دلت الأدلة على إمضائه في الشرع فلا يجب اندراجه تحت أحد العقدين حتى يعتبر فيه ما يعتبر فيهما و دعوى حصر المعاوضات الشرعية في العناوين المعروفة مما لا تفي به حجة واضحة كما يشهد بهذه الدّعوى صحة الإباحة بالعوض مع خروجها عنها لكن الإنصاف وجوب اعتبار شرائط العقدين في العقد المذكور ضرورة ان مقتضى حدهما كعموم أدلتهما صدق عنوانهما عليه إذ لم يؤخذ انتفاء أحدهما في صدق الآخر في حديهما بل لا وجه لأخذ ذلك بعد فرض صدقهما عليه و كونه من مصاديقهما بل قضية اعتبارهم جملة من الشروط المعهودة فيهما خروج المعاوضة الفاقدة لها عن حقيقتهما أو بطلانها بل لا يعقل الخروج عن المعاوضات المعروفة و اما الإباحة بالعوض فان لم يكن فيها تمليك فلا (نسلم) إفادتها لأزيد من رفع الحظر و الّا فهو بيع رخص في التعبير عنه بالإباحة أو هبة؟؟؟ معوضة (كذلك) نظير تحقق البيع بلفظ القبالة و من هنا صح ان يقال على تقدير كونه معاوضة مستقلة غير مندرجة تحت المعاوضات بعدم صحتها نظر الى فقد ما ينهض لكفاية لفظ الإجارة الموضوعة لنقل المنافع في الأعيان بل هو مناقض لمعناها الحقيقي و ارادة مجرد التمليك الجامع بين تمليك العين و المنفعة غير مجدية و إرادتهما معا من اللفظ الواحد غير صحيحة فعمومات البيع و الإجارة غير كافية في صحة الإجارة المذكورة نعم لو كان أحدهما مقصودا بالتبع لم يجب إحراز شرائطه كما في الإرضاع و ضراب الفحل على ما سنذكره هذا هو الكلام من حيث الكبرى و امّا تشخيص ان المواضع المذكورة المشتملة على مفاد كلا العقدين من اى قبيل فمجمل القول فيه انها ليست من قبيل ما اشتمل على العقدين أعني الإجارة و البيع لأن الإجارة فيها على ما في جامع المقاصد انما وقعت على العمل المقيد بالعين لا على العمل و العين معا و مجرد تفاوت الأجرة قلة و كثرة أعمّ من أخذ العين على وجه الجزئية و الانتقال الى التقسيط غاية ما هناك ان العين ان

لم تكن مملوكة كالنطفة في ضراب الفحل و اللبن في الإرضاع ان قلنا بكونه من الخبائث فلا إشكال إذ لا تمليك إلا بالنسبة إلى العين (حينئذ) لأن العقد على هذا وقع على إيصال النطفة إلى الرحم و اللبن إلى المعدة و كون الإيصال المذكور هو الغرض الأصلي لا يفيد وقوعه على تمليك النطفة و اللبن المفروض عدم مقابلتهما بالمال و ان كانت مملوكة ففي مثل اللبن على تقدير ملكيته نلتزم ببقائه في ملك مالكه و اما في مثل الخيوط و المداد و الصبغ و الكحل و نحوها فان كان هناك عادة خارجية تقضى بكونها على المستأجر أو الأجير كما في صورة الاشتراط و الا فيكون انتقالها الى ملك المستأجر كالانتقال بمقتضى الشروط السائغة في المعاوضات الشرعية و الوجه في ذلك ان إتلاف العين في مثل ذلك مقدمة للعمل الواجب الذي وقع عليه الإجارة فيكون انتقالها الى ملك المستأجر بمقتضى نفس ذلك العقد المتضمن عرفا لإتلافها هذا و امّا فيما يفتقر الى الشرط الخارجي كالجص و الآجر في استيجار البناء فيحكم فيه بالدخول مع الشرط المذكور و بعدمه مع عدمه انتهى ما حكى عنه (رحمه الله) ولى فيه تأمل من وجهين أحدهما ان ما حكم به من فساد المعاملات المذكورة على تقدير خروجها عن المعاوضات المعهودة المتعارفة من جهة عدم صحّة استعمال لفظ الإجارة الموضوع لنقل المنافع انما يتم لو أوقعت بلفظ الإجارة و ليس ذلك بمعهود في غالب الموارد و ان لم ننكر وقوعها به أصلا و رأسا و انّما يوقعونها بالمقاولة المتعارفة أو بمجرد الفعل كما في دخول الحمام و ثانيهما ان التفصيل بين اللبن و مثل الخيوط بالحكم ببقاء الأول على ملك مالكه دون الثاني لا نعرف له وجها بل اللازم اجراء حكم الثاني على الأول (أيضا)

[فرعان]

[الأول حكم بيع الميتة منضمة إلى مذكى]

قوله و ان كان مشتبها بالميتة لم يجز بيعه (أيضا) لأنه لا ينتفع به منفعة محللة بناء على وجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين فهو في حكم الميتة من حيث الانتفاع فأكل المال بإزائه أكل للمال بالباطل كما ان أكل كلّ من المشتبهين في حكم أكل الميتة

لا يخفى ان هذا الحكم مبنى على القول بوجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين كما صرّح به (المصنف) (رحمه الله) و اما على القول بجواز مباشرة المشتبه بالمحصور اما (مطلقا) كما هو احتمال في كلام الفاضل القمي (رحمه الله) و حكى القول به عن ظاهر بعض أو مع إبقاء ما يحتمل وجود الحرام بوجوده فقد يقال ان الحكم هو جواز بيعه اما (مطلقا) أو مع إبقاء ما يحتمل وجود الحرام في ضمنه بان يبيع واحدا و يبقى الأخر فيما لو كانت الشبهة ذات ظرفين و على قياسه فيما زاد على ذلك و قد يقال انا ان اخترنا القول بجواز مباشرة المشتبه بالمحصور مع لزوم إبقاء ما هو بقدر الحرام و النجس لم يكن لجواز بيعه وجه لان جواز بيعه ليس على حد طهارته لانه بعد تعارض استصحاب عدم تنجس كلّ منهما باستصحاب عدم تنجس الأخر يعول على أصالة الطهارة التي حكمها جواز الملاقاة و المباشرة و هذا بخلاف مقام البيع فإنه لا بد من إحراز كون المبيع ملكا و كونه مما يصحّ بيعه فإذا تعارض الأصلان لم يبق هناك أصل يعول عليه في كون المبيع ملكا و كونه مما يصحّ بيعه لأن أصالة الطهارة لا تفيد كونه ملكا ضرورة انه لا ملازمة بين الطهارة و بين كونه ملكا الا ترى انه قد يكون الشّيء طاهر أولا يكون ملكا للإنسان و ان كان في خصوص المورد يكون على تقدير كونه طاهرا يستلزم الملكية الا ان العبرة بمؤدى الأصل على الوجه الكلّي و لا عبرة بخصوص المقامات فتأمل و ان اخترنا القول بجواز مباشرة المشتبه بالمحصور (مطلقا) حتى المحتمل الأخير (فحينئذ) يبنى الأمر على ان حرمة البيع هل ترتبت على عنوان خاص كالعذرة مثلا أم ترتبت على نجاسة ما يراد بيعه كما دل عليه قوله (عليه السلام) أو

23

شيء من وجوه النجس فعلى الأول لا يجوز البيع لأن أصالة الطهارة لا مساس لها بعنوان العذرة و لا عدمها فلا تحرز شيئا منهما و لا بد في الحكم بشيء من جواز البيع و عدم جوازه من إحراز شيء من العنوانين الذين ترتب على واحد منهما أحد الحكمين و على الأخر الحكم الأخر و على الثاني يجوز البيع لان المفروض ان حرمته انما ترتبت على عنوان كون المبيع نجسا و قد قامت أصالة الطهارة برفع العنوان الّذي هو مناط الحرمة فيتحقق الجواز فان قلت هذا التفصيل بعينه يجرى على الفرض السابق (أيضا) و هو ما لو قلنا بوجوب إبقاء ما هو بقدر الحرام و النجس في الشبهة المحصورة فما وجه الفرق بين حكميهما حيث حكمت هناك بعدم صحة جواز البيع بقول مطلق و هاهنا بنيت على التفصيل فالجواب ان الفرق هو انه ليس هيهنا حكم بوجوب الاجتناب أصلا فيبني على أصالة الطهارة في جميع أطراف الشبهة لجريانه فيها بأسرها بخلافه هناك فإن القائل به ملتزم بوجوب الاجتناب في الجملة و جواز الارتكاب في الجملة و لا يتأتى من أصالة الطهارة تعيين خصوص أحدهما للحكم عليه بها إذ لا مرجح لأحدهما على الأخر في إجراء الأصل فيه و الحكم بطهارته و بعبارة أخرى أصالة الطهارة في كلّ منهما معارضة بها في الأخر بعد العلم الإجمالي و صلاحية الأخر لإجراء أصالة الطهارة بدلا عن الأول و هذا الجواب قد أجاب به بعض من تأخر في دفع السؤال المذكور و لكنه لا يلائم تعليل حرمة البيع و عدم إحراز كون المبيع ملكا بالأصل بأنه لا ملازمة بين الطهارة و بين كونه ملكا بل كان اللازم تقريره بأن أصالة الطهارة غير صالحة لتعيين شيء منهما و إذ قد عرفت ذلك فلنرجع الى تفصيل ما افاده (المصنف) (رحمه الله) على وجه يفيد الخبرة بأطراف المسئلة فنقول قال في الدروس إذا اختلط المذكى بالميتة و لا طريق الى تمييزه لم يحل اكله و في جواز بيعه على مستحل الميتة قولان فالجواز قول النهاية لصحيحة الحلبي عن الصادق (عليه السلام) و المنع ظاهر القاضي و فتوى ابن إدريس (رحمه الله) قال الفاضل هذا ليس ببيع حقيقة و انما هو استنقاذ مال الكافر برضاه و يشكل بان ماله محرم إذا كان ذميا الّا على الوجه الشرعي و من ثم حرم الربا معه و قال المحقق (رحمه الله) ربما كان حسنا إذا قصد بيع المذكى فحسب و تبعه الفاضل و يشكل بجهالته و عدم إمكان تسليمه متميزا و لو وجد لحما مطروحا لا يعلم فالمشهور و كاد يكون إجماعا انه يطرح على النار فان انقبض فهو ذكى و ان انبسط فهو ميت و توقف فيه الفاضلان و العمل بالمشتهر و يمكن اعتبار المختلط بذلك الا ان الأصحاب و الاخبار أهملت ذلك انتهى و يستفاد منه وجوه أحدها الجواز (مطلقا) بمعنى جواز بيعه على مستحل الميتة و حرمة أكله على المسلم و هو المحكي عن الشّيخ (رحمه الله) في النهاية و الوسيلة و الجامع و ثانيها المنع (مطلقا) و القائل به ابن إدريس (رحمه الله) و القاضي على ما استظهره منه و حكى عنه ايضا ان الأحوط تركه و لعل الشهيد (رحمه الله) استظهر المنع من هذه العبارة ثالثها التفصيل بأنه ان قصد بيع المذكى وجده كان صحيحا و الا فلا و هو الّذي استحسنه المحقق (رحمه الله) في كتاب الأطعمة و الأشربة من (الشرائع) و العلامة في الإرشاد رابعها الرجوع الى الرّوايات الواردة في اللحم الّذي لم يعلم أنه ذكي أو ميت فعن ابى عبد اللّه (عليه السلام) في رجل دخل قرية فأصاب بها لحما لم يدر اذكى هو أم ميت فقال فاطرحه على النار فكلّ ما انقبض فهو ذكى و كل ما انبسط فهو ميت و عن محمّد بن على بن الحسين قال قال الصادق (عليه السلام) لا تأكل الجري الى ان قال و إذا وجدت لحما لم تعلم اذكى هو أم ميتة فالق قطعة منه على النار فان انقبض فهو ذكى و ان استرخى على النار فهو ميتة و مثلهما ثالثة رواها الشيخ (رحمه الله) و افتى بمضمونها الشهيد (رحمه الله) بل ادعى عليه الشهرة و بلوغ مرتبة تكاد تصير إجماعا فاحتمل (رحمه الله) ان يعمل في المختلط (أيضا) بمقتضاها لكنه قال ان الأصحاب أهملوا ذلك هنا حيث أخذوا مذهب غيره و الاخبار أهملت ذلك حيث وردت في غير المورد لأنها انما وردت في اللحم المجهول الحال الذي جهله ابتدائي بخلاف هذا المورد فإنه مقرون بالعلم بأن أحدهما ميتة و الأخر مذكى غاية ما في الباب ان العلم إجمال لا تفصيلي حجة القول الأوّل الأصل و تحقق

المنفعة فيه بالنسبة اليه و صحيحة الحلبي قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول إذا اختلط المذكى بالميت باعه ممن يستحل الميتة و أكل ثمنه و حسنة الحلبي كما قال المحقق الأردبيلي (رحمه الله) عنه (عليه السلام) (أيضا) انه سئل عن رجل كان له غنم و بقر و كان يدرك الذكي منهما فيعزله و يعزل الميتة ثم ان الميتة و الذكي اختلطا كيف يصنع به قال يبيعه ممن يستحل الميتة و يأكل ثمنه فإنه لا بأس به قال في الوسائل و روى على بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى ابن جعفر (عليه السلام) مثله حجة القول الثاني وجوه الأول ان الميتة الواقعية موجودة في المقام فيشملها ما دل على المنع من بيع الميتة فيجب الاجتناب عنه و لا يحصل الا بالاجتناب عن الكل الثاني ان الاجتناب عن الميتة في جميع استعمالاتها و الانتفاع بها واجب عند الاشتباه و الاختلاط فلا يبقى لها منفعة محللة و ما لا منفعة له محللة يحرم التكسب به لان اللّه إذا حرم شيئا حرم ثمنه الثالث ان جملة من الاخبار دلّت على انه عند دوران الأمر بين الحلال و الحرام يغلب جانب الحرام مثل قوله (عليه السلام) ما اجتمع الحلال و الحرام الأغلب الحرام الحلال و غيره من الاخبار و القائل بجواز البيع هنا يلتزم بتغليب جانب الحلال و هو خلاف مقتضى الاخبار الرابع ما حكى من الاستدلال عن بعض القائلين بالمنع و هو ان المختلط بالميتة بحكم الميتة في الأكل فكذا في البيع و توجيهه انه في الحقيقة تمسك بتنقيح المناط القطعي ضرورة ان المناط هو وجود الحرام على وجه يجب الاجتناب عنه و هو كونه في محصور ممكن التحرز و يمكن إرجاعه إلى الوجه الثاني الخامس ان تجويز الاقدام على المباشرة في مثل ذلك يؤدى الى تفويت غرض الشارع من التحريم لأنه إذا صار الاختلاط سببا لجواز المباشرة و ترتيب أحكام المباح صح التوصل الى المحرمات بخلطها بالمباحات بحيث لا تتميز عند المباشرة كخلط ماله بمال الغير و خلط إنائه الذي فيه الماء بالإناء الّذي فيه الخمر و جعل زوجته مشتبهة بالأجنبية و المباشرة في حال الاشتباه و ذلك تفويت غرض الشارع من الحلال و الحرام و الطاهر و النجس السادس ان بيعه اعانة على الإثم بناء على كون الكفار مكلفين بالفروع كما هو المذهب السّابع ان المروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انه يرمى بهما جميعا حجّة القول الثالث تطبيق نصوص الجواز على القاعدة و رفع المانع من حرمة الانتفاع بالميتة استنادا الى ان اللّه إذا حرم شيئا حرم ثمنه و غيره و لكن أورد عليه بوجوه حكى كثير منها عن لك الأول ان ذلك تقييد للنص بما لا دليل على التقييد به لكن هذا الوجه لا يخلو من نظر لانه يمكن دعوى ان ما دل على عدم جواز بيع الميتة دليل على التقييد الثاني ان مجرد قصد البائع إلى بيع المذكى وحده لا يفيد مع فرض كون المشترى ممن يستحل الميتة و يقصد إلى شرائهما جميعا فعلى ما ذكره يفسد البيع من جهة عدم تطابق قصدي المتبايعين و تطابقهما مما يعتبر في البيع بغير اشكال الثالث انه مع عدم التمييز يكون المبيع مجهولا و لا يمكن إقباضه فلا يصح بيعه منفرد الرابع انه قد يأخذ البائع أكثر من ثمن المذكى إذا باع الاثنين ظاهرا فيسري الجهل الى الثمن الخامس انه لا بد في صحة البيع من تعين المبيع و هو هيهنا ليس بمتعين فلو فرض ان أحد المختلطين بقر و الأخر شاة و المفروض ان لا علم يكون المذكى هو البقر أو الشاة و قد قصد بيع المذكى لزم عدم تعين المبيع و تحقق الغرر و الجهالة و ذلك موجب لفساد البيع و الفرق بين هذا الوجه و بين الوجه الثالث هو ان المناط هناك عدم إقباضه منفردا و هنا نفس عدم تعين المبيع المستلزم للغرر و الجهالة المستلزمين لفساد البيع السّادس انه بعد فرض كون المبيع هو الحيوان المذبوح فيصير من قبيل ما يلزم اعتباره بالوزن و مع فرض الاشتباه و الاختلاط و عدم تعين المبيع لا يتعين وزنه و قدره و معلوم ان بيع ما يلزم اعتباره جزافا فاسد السّابع انه إذا فرض ان المبيع إنما أوقع على المذكى وحده فالتقييد بكون البيع على من يستحل الميتة لا وجه له لكونه مانعا من هذا الحمل لأنه إذا فرض ان المقصود انما هو بيع المذكى كان اللازم جواز بيعه على من لا يستحل الميتة أيضا و تقرير هذا الإيراد على هذا الوجه اولى من تقريره بان المستحل مشارك

24

بغير المستحل في الحكم الذي هو عدم جواز الانتفاع المقتضى لعدم صحة البيع من غير المستحل لأن الأصح مخاطبة الكفار بالفروع وجه الأولوية ان ما بيناه إيراد على تقييد من قيد بالمستحل و تفضيل بينه و بين غيره و ما ذكره هذا المقرر إيراد على نفس الاخبار مدفوع بكونه اجتهادا في مقابلة النص فتدبر و قد أشار الى بعض ما ذكرناه المحقق الورع الأردبيلي (رحمه الله) فقال و لما كان يعنى جواز البيع خلاف ما تقرر عندهم من عدم جواز التصرف في الميتة و عدم إباحة أكل ثمنها ذكروا انه يقصد بيع المذكى لا الميتة و فيه (أيضا) إشكال من جهة لزوم صحة بيع المجهول و هم لا يجوزونه و من جهة انه قد يأخذ أكثر من ثمن المذكى فإنه يبيع الاثنين ظاهر أو من جهة انه يقصد بيع الواحد و المشترى أكثر و انه لو كان مع قصد ذلك يصح البيع لصح بيعه من غير المستحل (أيضا) و مع ذلك فيه انه ما يحل له ان ينتفع به فلا يجوز البيع عليه فتأمل انتهى ثم ان العلامة (رحمه الله) في المختلف على ما حكى عنه لما راى ان الروايتين المذكورتين لجواز البيع على المستحل لا تنطبقان على القاعدة تأولهما بأنه ليس بيعا بل استنقاذ مال الكافر برضاه و قال المحقق الأردبيلي (رحمه الله) في شرح الإرشاد بعد نقل ما عن المختلف و هو جيد لكن ينبغي تخصيص الحكم بمن يحل ماله من الكافر الحربي الغير المأمون لا الّذي و لا المأمون و لا المنتمي بالإسلام و كأنه مقصوده و ترك للظهور و لكن حمل الروايتين على ذلك لا يخلو من بعد و كذا عبارات الأصحاب و انه (حينئذ) لا يحتاج الى قولهم فيقصد بيع المذكى و هو ظاهر (فالظاهر) انه بيع حقيقي مع العمل بهما و (حينئذ) ينبغي ان يقال بالاستثناء من عدم جواز بيع المجهول لو سلم خصوصا إذا كان المشتري يشترى المعلوم و لم يكن عنده مجهول فإن العلة الغرر و لا شك (حينئذ) في عدمه منهما معا و هو ظاهر و كذا عن الغرر بقصده أحدهما و قصد المشتري إيّاهما و لكن ينبغي ان لا يبيع بأكثر من ثمن المذكى و حمل الخبرين على هذا و ان كان بعيد أو يخصص عدم الانتفاع بالميتة و عدم جواز أكل ثمنه إلا في هذه الصورة و كذا تسليط الكافر على أكل الميتة للنص و الشهرة و من لم يعمل بخبر الواحد مثل ابن إدريس (رحمه الله) يطرحهما و لم يجوز بيعه انتهى و قد ذكرنا كلامه (رحمه الله) لاشتماله على فوائد منها مصيره الى خلاف العلامة (رحمه الله) حيث حكم بأنه على تقدير العمل بالخبرين بيع حقيقي و منها دعوى الشهرة على مضمون الخبرين هذا و أورد بعض من تأخر على ما حكى عن العلامة (رحمه الله) أولا بما أورده عليه بعضهم من ان ذلك مناف لأصل الحقيقة مخالف لظاهر الخبرين فان المذكور فيهما انما هو البيع و اين هو من الاستنقاذ و ثانيا بان المقصود من الاستنقاذ ان كان ما هو برضى الكافر كما هو مقتضى تقييده فيما نقل عنه (رحمه الله) من كلامه فرضاه لم يتعلق الا ببذل المال في مقابل المذكى و الميتة جميعا و معلوم ان رضاه ببذل العوض في مقابل الميتة لا بجعل العوض مباحا لكون المعاوضة غير مشروعة و ان كان ما ليس برضى الكافر فهو مع كونه منافيا لتقييده يتجه عليه انه لا يخلو اما ان يكون الكافر ذميا و اما ان يكون حربيا فالأول لا يجوز المعاملة معه الا على الوجه الذي يعامل به مع المسلمين فلا يجوز استنقاذ أمواله الا بالمعاوضة المشروعة فيما بين المسلمين مضافا الى انه ليس في أهل الذمة الّذين يستحلون الميتة التي هي ما لم يذك على وجه مشروع عندنا من يشترى من المسلمين ذبائحهم حتى يباع عليهم و لهذا ورد في بعض الاخبار تعبير من يجوز الأكل من ذبائح أهل الكتاب بأنهم إذا لم يجوزوا الأكل من ذبائحكم فكيف تلتزمون أنتم بالأكل من ذبائحهم و الثاني لم يكن موجودا في زمان صدور الاخبار و مكانه فإنها صدرت عن الصادق (عليه السلام) في الكوفة و لم يكن في ذلك الوقت في تلك الحدود كافر حربي بل كلهم كانوا مسلمين أو أهل ذمة و من كان من أهل حرب يدخل في بلاد الإسلام فإنما كان يدخل بعنوان الأمان فيرتفع عنه حكم الحربي و لم يعهد نقل المذكى و الميتة إلى البلاد البعيدة الا ان يراد بمستحل الميتة خصوص الكافر المعاهد الذي ليس من أهل الكتاب و لم يحارب و لم يلتزم بالذمة لكنه معاهد لأهل الإسلام

في دفع العدو إذا أقبل إليهم فإنه لا يجرى عليه أحكام أهل الذّمة أو يراد به العامة القائلون بطهارة جلد الميتة بالدباغة فيباع الجلد و يدفع إليهم الميتة تماما بالتبع فتحصل مما ذكرنا انه لا وجه لتأويل الخبرين بل لا بد اما من الفتوى بهما و اما من طرحهما لكن الفتوى بهما مما لا وجه له إذ هما مع انهما لا مورد لهما مخالفان للكتاب و السنة القطعية حيث وقع النهى فيهما عن الميتة و الانتفاع بها فيلزم طرحهما و ترك العمل بهما هذا محصل ما ذكره و جعل هذا البيان تفسيرا لما حكاه عن الشيخ الفقيه المحقق جعفر الغروي (رحمه الله) في شرحه على القواعد من ان الخبرين مسوقان للتعجيز و أنت خبير بما فيه اما أوّلا فلان مراد العلامة (رحمه الله) من التقييد بالرضا افادة مجرد كون دفع المال بالرضا في مقابل أخذه منه قهر أو ليس مراده (رحمه الله) خصوص الرضا بالمعاملة فلا يتجه الإيراد عليه بأنه رضى بدفع المال في مقابل الميتة و اما ثانيا فلان ما ذكره من انه ليس في أهل الذمة من يشترى من المسلمين ذبائحهم يكذبه الوقوع الخارجي فإن امة المسيح (عليه السلام) قد رأيناهم يأكلون ذبائح المسلمين و يشترون منهم نعم اليهود لا يستحلون ذبائح غير أهل ملتهم و الخبر الذي أشار إليه ناظر إليهم و اما ثالثا فلان ما ذكره من ان الثاني لم يكن موجودا في زمان صدور الاخبار و مكانه يتجه عليه ان عدم الوجود في ذلك الزمان و ذلك المكان مما لا مدخل له في دفع الحكم المدلول عليه بالخبرين لان مؤديهما هو ان حكم اللّه سبحانه هو جواز بيع المذكى و الميتة من المستحل و هذا يصحّ في صورة تحقق مستحل يجوز بيعه عليه في مكان من الأمكنة في زمان من الأزمنة بل يصح مع عدم وقوع المصداق خارجي أصلا لأن الجواز يدور مدار الإمكان و ليس حكما طلبيا حتى يلزم التكليف بغير المقدور و امّا رابعا فلان التخصيص بالمعاهد مما لا وجه له فإنه مبنى على ما ذكره من انتفاء الحربي في ذلك الزمان و ذلك المكان اللذين صدر فيهما الاخبار و احتمال التخصيص بالعامة أبعد لاشتماله مع ما ذكر على البعد من اللفظ فإنهم لا يقال عليهم انّهم مستحلون للميتة مضافا الى ان بيع الجلد لا يقال عليه بيع الميتة و اما خامسا فلان قطعية الكتاب و السنة انما هي بحسب الصدور دون الدلالة لكون ما تضمن منهما حكم الميتة مطلقات أو عمومات و مخالفة الخبرين لهما انما هي بالإطلاق و التقييد أو العموم و الخصوص فنحكم بالعمل بهما في مقابل العمومات المذكورة و غيرها من كل ما خالفهما من القواعد التي أشار الى جملة منها المحقق المذكور (رحمه الله) في طي كلامه و نلتزم بان مضمونهما حكم تعبدي ثبت في مقابل العمومات على خلاف القواعد لكون أحدهما صحيحا و الأخر حسنا و قد عمل بمضمونهما الشيخ (رحمه الله) و ابن حمزة و ابن سعيد و وافقهم صاحب الجواهر (رحمه الله) و صاحب المستند (رحمه الله) و حكى عن المحدث الكاشاني (رحمه الله) و هو الأقوى إذ لا مجال لطرح اخبار أهل البيت (عليه السلام) بغير موهن قال في الجواهر و بالجملة فالمتجه العمل بالخبرين الجامعين لشرائط الحجية خصوصا بعد الشهرة المحكية في مجمع البرهان و ابن إدريس (رحمه الله) طرحهما على أصله انتهى و في المستند ثم ان ما دل عليه الصحيحان من جواز البيع لمستحلى الميتة مذهب جماعة منهم الشيخ (رحمه الله) في النهاية و ابن حمزة و هو الأقوى للصحيحين المذكورين المخصصين للأخبار المانعة عن الانتفاع بالميتة (مطلقا) و عن بيعها لاخصيتهما المطلقة منها من وجوه انتهى و مما ذكرنا من كون الحكم تعبديا مخصوصا بمورده يعلم انه لا يجرى مثله عند اشتباه الخل و الخمر و كذا في غيرهما من الموارد فتدبر فان قلت كيف يجوز ذلك الحكم بجواز البيع مع انك تقول بوجوب الاجتناب عن الشبهة المحصورة و الدليل العقلي القائم بوجوب الاجتناب قائم هنا و هو وجود الحرام الواقعي بين المشتبهين فلا بد من ترك البيع بالنسبة إلى الجميع من باب المقدمة قلت الفرق بين هذا المقام و بين الشبهة المحصورة المتعارفة كالانائين المشتبه طاهرهما بالنجس واضح لأن أدلة الاجتناب عن النجس أو المحرم الواقعي قائمه هناك بخلاف ما نحن فيه إذ لم يرد هناك ما يوجب رفع اليد عن الواقع بخلاف هذا المقام فان ترخيص الشارع في البيع على مستحل الميتة يكشف عن انه رفع

25

اليد عن الواقع بالنسبة الى هذا الأثر و بعبارة أخرى رتب جواز البيع على المستحل على مجرد الاشتباه الواقع في مورد الخبرين المذكورين فلو كان هناك ايضا كاشف عن ترتيب الأثر على المشتبه و رفع اليد عن الواقع لقلنا به و بالجملة ما لم يرد من الشارع دليل على رفع اليد عن الواقع لزم الاحتياط في تحصيل البراءة عن الحكم الواقعي المعلوم و لو إجمالا فإذا ورد دليل على رفع اليد عنه لزمنا الأخذ به و مما حررنا لك في تحقيق المسئلة تعرف ان أدلة المنع غير ناهضة به في خصوص هذا المورد و انه يستفاد من الخبرين وجوب الاجتناب عن جميع أنواع التصرف فيهما حتى البيع على غير مستحل الميتة و انه يجوز بيعه على مستحل الميتة و ذلك لكونه (عليه السلام) في مقام البيان فلم يبين الا البيع على المستحل فيفيد الحصر خصوصا في الحسنة المسبوقة بالسؤال بأنه كيف يصنع به فأجاب (عليه السلام) بأنه يبيعه ممن يستحل الميتة و يأكل ثمنه و لا بأس به و بهذا البيان يندفع تردد المحقق الأردبيلي (رحمه الله) في دلالتهما على وجوب الاجتناب و عدمها هذا و بقي الكلام على ما ذكره الشهيد (رحمه الله) من احتمال الرجوع الى رواية الانقباض و الانبساط و يقع الكلام هنا في مقامين الأول كون أصل الامارة و العلامة ثابتة من الشرع في حد ذاته فنقول (حينئذ) قد عرفت ورود الرواية و ان الشهيد (رحمه الله) قال في (الدروس) ان العمل بمضمونها كاد يكون إجماعا بل عن الشّهيد الثاني (رحمه الله) انه نفى عن اجماعية البعد في (المسالك) مؤيدا لها بموافقة ابن إدريس (رحمه الله) الّذي لا يعمل بالآحاد عليه و عن الغنية و بعض أخر الإجماع عليه لكن استشكل المحقق الأردبيلي (رحمه الله) في العمل بالرواية لضعفها بوقف إسماعيل بن عمر و اشتراك شعيب و الإجماع منقول بل رده بعضهم على مدعيه إلا انا نقول ان ما هو القدر المتيقن في هذا المقام يكفينا و هو وجود رواية مجبورة بعمل الأكثر و لا حاجة لنا إلى أزيد من ذلك و ان زاد بعضهم كصاحب المستند ان السند صحيح عمن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه و كصاحب الجواهر (رحمه الله) حيث جعل ضعف خبر شعيب منجبرا برواية البزنطي الذي هو من أصحاب الإجماع و يوضح ما ذكرناه ما في غاية المراد حيث نقل فتوى الجماعة بها كابن بابويه و الشيخ (رحمه الله) و ابى الصّلاح و ابن زهرة و ابن إدريس (رحمه الله) و قطب الدين الكيدري و نجيب الدين بن سعيد صاحب كتاب الرحمة و المحقق في النافع و ذكر انه احتج عليه بعضهم بالإجماع (أيضا) و انه غير بعيد ثم ذكر الرواية ثم قال و هذه و ان كان في بعض رجالها كلام الا ان عمل الكافة يؤيدها و لا أعلم أحد خالف فيها الا ان المحقق (رحمه الله) في الشرائع و الامام (المصنف) (رحمه الله) أورداها بلفظ قيل مشعرا بالضعف انتهى و لم ينسب الخلاف ممن عداهما الا الى الإيضاح و التنقيح و الصيمري و ابى العباس و المحقق الثاني في حاشية الإرشاد و الروضة لكن مع ذلك كله لا يخلو المقام عن الإشكال لأن خبر لشعيب قد اشتمل على السؤال عن حال اللحم المطروح في القرية الذي لم يعلم حاله من جهة أنه ذكي أو ميت و معلوم ان التكلم انما هو بلسان المتشرعة حيث يسمون ما عدا المذكى ميتة و لو انتفى شرط من شروط التذكية كالاستقبال و التسمية و وقع الجواب عنه بالطرح على النار من دون استفصال عن ان طرف الشك هل هو كونه ميتة بسبب انتفاء أصل الذبح أو كونه ميتة بسبب وقوع الذّبح فاقد الشيء من الشرائط و (حينئذ) نقول ان هذا الحكم الواقع في الجواب على الوجه الّذي وقع اعنى العموم بحسب أصناف الميتة مخالف للواقع قطعا ضرورة أن الانقباض و الانبساط أمران ناشئان عن اقتضاء طبيعتي المذكى و الميتة و من البين ان الاستقبال بالحيوان عند الذبح و عدم الاستقبال به لا دخل لهما في تبدل الانقباض بالانبساط أو العكس و كذا التسمية و نحوها من الشرائط نعم ذبح الحيوان و عدم ذبحه بان يخنق مثلا يمكن ان يصيرا سببين لما ذكر نظرا الى ان الذبح الموجب لخروج الدّم المنجذب من اجزاء الحيوان التي منها لحمه صالح لان يصير سببا لانقباض اللحم عند طرحه على النار كما ان عدمه الموجب لعدم خروج الدم و بقائه صالح لان يصير سببا لانبساط اللحم عند طرحه عليها بان يجعل اللّه (تعالى) هذه الخاصة في طبيعة اللحم و الدم و اما صيرورة الاستقبال و تركه و

أمثال ذلك سببا لما عرفت فواضح الفساد إذ لا ربط و لا مناسبة بينهما و على هذا فيصبر الحديث موهونا بمخالفته لضرورة الوجدان فيترك لذلك و بهذا البيان يندفع ما ذكره في المستند حيث قال و هل الاختيار عند الاشتباه في الذبح و عدمه أو يجري فيما إذا شك مثلا في التسمية أو الاستقبال أو كون الذّابح مسلما مثلا أم لا ظاهر بعضهم الثاني و هو مشكل جدا إذا الظاهر ان السؤال عن الميت حتف انفه انتهى وجه الاندفاع انه لا مستند لما استظهره خصوصا بعد ما بينا من حديث ترك الاستفصال المفيد للعموم اللّهم الا ان يتجشم دعوى تصير وسيلة إلى كون المقام ليس من قبيل ما يفيد ترك الاستفصال فيه العموم و ذلك بان يقال ان السؤال له وجه ظاهر لا من جهة كون الغالب في المشكوك في كونه مذكى أو ميتة هو كون طرفي الشك المذكى و الميت حتف انفه لظهور منع هذه الغلبة بل من جهة ان الغالب من افراد الميتة في الخارج هو ما لم يذبح نظرا الى ان غير أهل الإسلام يقتلون الحيوان الذي يريدون أكل لحمه بغير الذبح فلا يخرج الدم فيكون موردا للامتحان بالنار و على هذا فيصير مورد الحديث مختصا بما دار الأمر في الشك في كونه مذكى أو ميتة مدار الشك في كونه مذبوحا أو غير مذبوح و يلزم الرجوع في غير مورد الحديث و هو ما لو شك فيه من جهة وجود شرط التذكية بعد إحراز الذبح إلى أصالة عدم التذكية لكن هذه الغلبة غير ثابتة و لو فرض تحققها في الواقع فليست مما تحققه أهل الشرع و اعتمدوا عليه في صرف اللفظ عن موضوعه اللغوي أو العرفي بل لا التفات لهم الى غلبة في الوجود و لا علم لهم بها و بعد ذلك كله ففي النفس من ثبوت العلامة المذكورة و مطابقتها للواقع شيء فلا بد من الامتحان فان ظهر مخالفتها للواقع كشف عن عدم صدور الرّواية عن الامام (عليه السلام) الثاني انه على تقدير العمل بما دل على الامتحان بالنار و الانقباض و الانبساط هل يتعدى الى صورة اختلاط المذكى و الميتة كما مال اليه الشهيد (رحمه الله) أم لا قال صاحب الجواهر (رحمه الله) بالثاني استنباط الى ضرورة كونه علامة للمطروح الّذي لا يعلم كونه بأجمعه مذكى أو ميتة لا المختلط الّذي هو مفروض المسئلة و ان دعوى عدم الفرق بينهما في ذلك ممنوعة بعد حرمة القياس على انه بعد تسليمه يقتضي جواز كل من البيع على المستحل و الامتحان بالنار عملا بمجموع النص و وافقه على ذلك بعض مشايخنا و عندي ان الحق في هذا المقام هو الأول لأنا قد علمنا من النص ان المراد به ان الانقباض علامة الموت و ان الانبساط علامة وقوع التذكية عليه و بعبارة أخرى الموت علة للانقباض و التذكية علة للانبساط فتعمل العلامتين في كل منهما لكونهما رافعين للاشتباه فلا يفترق في ذلك صورة التعدد و الاشتباه بعد القطع بوجود العلة و العلامة غاية ما في الباب انه في صورة الاختلاط يعلم إجمالا بوجود الميتة بينهما و ذلك غير قادح بعد كون كل منهما في جد ذاته مشتبه الحال لان المعلول لا يتخلف عن علته فيظهر عند الامتحان انبساط المذكى و انقباض الميتة فتميز أحدهما عن الأخر بتبعية إعمال تلك القاعدة و تينك العلامتين و قد نبه على ما ذكرناه المحقق الأردبيلي (رحمه الله) بعد نقل كلام الشهيد (رحمه الله) و ان كان ما ذكرناه من البيان أوضح حيث قال و هو غير بعيد إذا كان مذهبه في ذلك ذلك و عمل بهذه الرواية الى ان قال لانه لا يعلم من الرواية ان كل ما انقبض فهو حلال و ما انبسط فهو حرام فهو بعينه جار فيما نحن فيه ثم قال فإيراد شرح (الشرائع) بتضعيفه مع تسليم الأصل ببطلان القياس مع انه قياس مع الفارق إذ في اللحم المطروح وجود الميتة مشكوك بخلاف ما نحن فيه فان وجودها متيقن و ليس كل ما يجري في المشتبه يجري في الميتة محل تأمل لما علم من الرواية العلة و هي حصول العلم بتعيين أحدهما و هو أعم من المطروح و المشتبه بالميتة على انه ليس بفارق فان المطروح بحكم الميتة شرعا عندهم و ان كل واحد من الميتة و المشتبه يحتمل ان يكون ميتة فوجود الميتة يقينا هنا لا ينتفع فلا بد ان يمنع

26

استقلال العلة مع الاشتباه و مثله يرد في جميع القياسات المنصوصة العلة أو يمنع الأصل فتأمل انتهى و اما ما ذكره صاحب الجواهر (رحمه الله) من انه بعد تسليمه يقتضي جواز كل من البيع على المستحل و الامتحان بالنار عملا بمجموع النصوص فهو جيد في حد ذاته الّا انه لا يتجه على الشهيد (رحمه الله) لان كلامه (رحمه الله) ليس نصا و لا ظاهرا في تعين الرجوع الى الامتحان بالنار و انما مقتضى كلامه (رحمه الله) هو الرجوع إليه في الجملة فتأمل

قوله لأن الأصل في كل واحد من المشتبهين عدم التذكية غاية الأمر العلم الإجمالي بتذكية أحدهما و هو غير قادح في العمل بالأصلين

لأن العلم بطروء الإباحة على واحد منهما لا يرفع الحرمة عن ذلك المعين الذي يريد مباشرته و منشأ تلك الحرمة انما هو الأصل الجاري فيه بخصوصه و هذا الحال يجري في كل منهما إذا لوحظ بخصوصه

قوله و في مستطرفات السائر عن جامع البزنطي صاحب الرضا (عليه السلام) قال سئلته عن الرجل يكون له الغنم يقطع من ألياتها و هي أحياء

(انتهى) لما كان الكلام في الميتة و كان المعروف من مذهبهم أن القطعة المبانة من الحي في حكم الميتة و كان لازم ذلك ان لا يجوز بيعها كما لا يجوز بيع الميتة بتمامها و كان قد وقع من صاحب الكفاية (رحمه الله) خلاف في ذلك أشار بذكر هذا الخبر الى ذلك و يوضح المقام ما أفاده في الحدائق حيث قال ما اشتملت عليه الاخبار المتقدمة من تحريم الميتة و ان ثمنها سحت المراد به ما ينجس بالموت مما له نفس سائلة فيشمل ما قطع من جسده حيا كان أو ميتا و اما تخصيص صاحب (المدارك) و مثله صاحب المعالم ذلك بجسد الميت دون الاجزاء فهو ضعيف و قد تقدم البحث في ذلك في كتاب الطهارة في بحث النجاسات و قد أوردنا جملة من الاخبار الصّحيحة الصّريحة فيما ذكرناه الى ان قال و المشهور في كلام الأصحاب تحريم الاستصباح بما يقطع من أليات الغنم بناء على ما ذكرناه من انها ميتة و الميتة لا ينتفع بشيء منها مما تحله الحياة و نقل الشهيد (رحمه الله) عن العلامة (رحمه الله) جواز الاستصباح به تحت السّماء ثم قال و هو ضعيف الّا انه روى ابن إدريس (رحمه الله) في السرائر عن جامع البزنطي و ساق الرواية ثم قال رواه أيضا الحميري في قرب الاسناد عن عبد اللّه بن الحسين عن جده عن على بن جعفر (عليه السلام) عن أخيه (عليه السلام) مثله و الرواية المذكورة كما ترى ظاهرة الدلالة و ظاهر شيخنا المجلسي (رحمه الله) في البحار الميل الى العمل بهذه الرواية حيث قال بعد نقل الخلاف في هذه المسئلة و الجواز عندي قوي لدلالة الخبر الصّحيح المؤيد بالأصل على الجواز و ضعف حجة المانع إذا المتبادر من تحريم الميتة أكلها كما تحقق في موضعه و الإجماع ممنوع انتهى و فيه انه و ان كان المتبادر من الآية و هو قوله عزّ و جل حَرَّمَ عَلَيْكُمُ انما هو تحريم الأكل كما ذكره الّا ان الدليل على ذلك انما هو الاخبار الصريحة في ان الميتة لا ينتفع بشيء منها و من تلك الاخبار ما هو مخصوص بموضع البحث و ها أنا أورد لك ما حضرني الآن منها فمنها ما رواه في الكافي عن الحسن بن على الوشاء قال سئلت أبا الحسن (عليه السلام) فقلت جعلت فداك ان أهل الجبل تثقل عندهم أليات الغنم فيقطعونها فقال حرام هي ميتة فقلت جعلت فداك فيستصبح بها فقال اما علمت انّه يصيب اليد و الثوب و هو حرام و قوله و هو حرام اى نجس و عن الكاهلي قال سئل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام) و انا عنده عن قطع أليات الغنم قال لا بأس بقطعها إذا كنت تصلح بها مالك ثم قال ان في كتاب على (عليه السلام) ان ما قطع ميت لا ينتفع به و منها ما في الصّحيح عن على بن أبي المغيرة قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) جعلت فداك الميتة لا ينتفع بها بشيء قال لا الحديث و من المحتمل قريبا في الحديث المذكور خروجه مخرج التقية كما انهم ذهبوا الى طهارة جلد الميتة بالدباغ حسبما قدمنا تحقيقه في كتاب الطهارة و ابن إدريس (رحمه الله) في السرائر لما أورد خبر البزنطي المذكور قال لا يلتفت الى هذا الحديث فإنه من نوادر الاخبار و الإجماع منعقد على تحريم الميتة و التصرف فيها على كل حال إلا أكلها للمضطر انتهى و في الحدائق (أيضا) ما نصه و اما بيع الأدهان لفائدة الاستصباح فظاهر الأصحاب الاتفاق عليه و عليه تدل الاخبار الاتية و ظاهرهم (أيضا) الاتفاق على تخصيص ذلك بالدهن المتنجس دون ما كان نجسا من أصله كالاليات المقطوعة من الغنم قال في (المسالك) بعد نقل الخلاف في تخصيص الاستصباح بكونه تحت السّماء أو عمومه ما لفظه و موضع الخلاف ما إذا كان الدّهن متنجسا بالعرض فلو كان نفسه نجسا كأليات الميتة و المبانة من حي لم يصحّ الانتفاع به (مطلقا) لإطلاق النّهي عن استعمال الميتة و نقل عن العلامة (رحمه الله) جواز الاستصباح به تحت السماء و هو ضعيف انتهى أقول قد تقدم من الاخبار ما يدل على كلام العلامة (رحمه الله) المذكور هنا و اختاره شيخنا المجلسي (رحمه الله) و هو (أيضا) ظاهر الكفاية حيث نقل الرّوايتين المتقدّمتين الدالتين على ذلك بعد ان تنظر فيما ذكره في (المسالك) و أيّدهما بحسني الحلبي الواردتين في قطع اللحم المختلط ذكية بميتة و صحيحة حفص بن البختري في العجين بالماء النجس أقول و يؤيده (أيضا) روايتا الصّيقل المتقدمتان في الموضع الأول و المسئلة قوية الإشكال لتعارض هذه الاخبار الواردة في هذا المجال انتهى كلام

صاحب الحدائق و في جميع ما عرفته من كلامه غنى و كفاية عن شرح كلام (المصنف) (رحمه الله)

قوله و مع الإغماض عن المرجحات يرجع الى عموم ما دل على المنع عن الانتفاع بالميتة (مطلقا)

أقول التمسك بعموم ما دل على المنع من الانتفاع بالميتة في هذا المقام مشكل لأن القطعة المبانة من الحيّ ليست مما وضع له لفظ الميتة عرفا و لغة و لا شرعا لعدم ثبوت الحقيقة الشرعية فيها و لا حقيقة المتشرعة على وجه يحمل الخطاب الوارد عن الأئمة (عليه السلام) المشتمل عليها على ما يعم القطعة المبانة (أيضا) نعم هي بحكمها شرعا لا انها داخلة تحت عنوانها موضوعا و اما قول المحقق (رحمه الله) في كتاب الأطعمة و لا شربة و كل ما أبين من حي فهو ميتة يحرم اكله و استعماله (انتهى) (فالظاهر) انسياقه مساق قوله (عليه السلام) الطواف بالبيت صلاة و ان تردد صاحب الجواهر (رحمه الله) في كون المراد انها ميتة حقيقة أو حكما و يؤيد ما ذكرناه كلام العلامة (رحمه الله) في القواعد حيث قال و يلحق بالميتة ما قطع من ذي النفس السائلة حيا و ميتا انتهى

قوله مع ان الصّحيحة صريحة في المنع عن البيع

يعني رواية البزنطي المذكورة

[الثاني حكم المعاوضة على الميتة من غير ذي النفس السائلة]

قوله لأن أدلة عدم الانتفاع بالميتة مختصة بالنجسة

لانصراف تلك الأدلة إليها

[المسألة السادسة حرمة التكسب بالخمر و كل مسكر مائع و الفقاع]

قوله و الفقاع

و قال في مجمع البحرين الفقاع كرمان شيء يشرب يتخذ من ماء الشعير فقط و ليس بمسكر و لكن ورد النهى عنه قيل سمّى فقاعا لما يرتفع في رأسه من الزبد و الفقع ضرب من الكمأة و هي البيضاء الرخوة و (كذلك) الفقع كقرد انتهى

[المسألة السابعة حرمة التكسب بالكلب الهراش و الخنزير]

قوله يحرم التكسب بكلب الهراش و الخنزير البريين إجماعا على الظاهر المصرح به في المحكي عن جماعة و (كذلك) اجزاؤهما

التقييد بالبريين من جهة ان المشهود و المختار عنده (رحمه الله) هو طهارة البحريين قال (رحمه الله) في كتاب الطهارة بعد تضعيف قول السيد بطهارة ما لا تحله الحياة من اجزائهما ما لفظه و يتلوا هذا القول في الضعف تعميم العنوان للمجرى منهما كما عن الحلّي و استقربه في المنتهى لصدق الاسم لاشتراك اللفظ مع ان المحكي عن تحريره و تذكرته و نهايته التصريح بكون الصدق مجازا و ظاهر المحكي عن البيان التردد متمسكا بصدق الاسم و هو ممنوع و على فرض تسليمه فانصراف الإطلاق إلى البري مانع عن العموم و يؤيد الطهارة بل يدل عليها صحيحة ابن الحجاج المروية في الكافي في أخر كتاب الأطعمة في باب لبس الخزّ قال سئل أبا عبد اللّه (عليه السلام) رجل و انا عنده عن جلود الخز فقال ليس بها بأس فقال الرجل جعلت فداك انها في بلادي و انما هي كلاب تخرج من الماء فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) إذا خرجت من الماء تعيش خارجة من الماء فقال الرجل لا قال لا بأس و في التعليل إشارة إلى طهارة الخنزير البحري (أيضا) انتهى و في المستند ما نصه ثم المتولد منهما أو من أحدهما يتبع الاسم و مع عدم صدق الاسم ظاهر للأصل ككلب الماء و خنزيره على الأظهر الأشهر لعدم ثبوت كونه حقيقة إلا في البري كما في الذخيرة بل صرح الفاضل في النهاية و التحرير و التذكرة بكونه مجازا في غيره بل هو الظاهر عن الأكثر حيث خص التبادر بالبري و يظهر من المنتهى الاشتراك اللفظي و الحكم معه الطهارة (أيضا) لعدم جواز استعمال المشترك في معنييه و عدم الحمل بدون القرينة على القول بجوازه عليه ثم استدل بالروايتين اللتين ذكرهما (المصنف) (رحمه الله) ثم ان توضيح المقصود يتأتى بالتكلم في مقامين الأول في بيان حرمة التكسب بالكلب فنقول لا إشكال في ان الأصل بمعنى القاعدة الشّرعية

27

المستفادة من اخبار أهل العصمة (سلام اللّه عليهم) انّما هو عدم جواز التكسب به كما انه لا خلاف فيه بل عليه الإجماع بقسميه مضافا الى عموم ما ورد في النجاسات و المحرمات و السباع و نحوها من عمومات المنع و الاخبار المذكورة صنفان أحدهما ما دل على كون ثمنه سحتا كخبر الوصية عن الصّادق (عليه السلام) عن آبائه عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) يا على من السحت ثمن الميتة و ثمن الكلب و ثمن الخمر و مهر الزانية و الرشوة في الحكم و أجر الكاهن و عن تفسير على بن إبراهيم مسندا الى الصادق (عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انه قال من السحت ثمن الميتة و ثمن الكلب و عن مجمع البيان و كنز العرفان عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ان السحت هو الرشوة في الحكم و مهر البغي و كسب الحجام و عسيب الفحل و ثمن الكلب و عن تفسير العياشي عن الوشاء عن الرّضا (عليه السلام) انه قال ثمن الكلب سحت و السحت في النار و خبر السكوني عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) انه قال السّحت ثمن الميتة و ثمن الكلب و ثمن الخمر و مهر البغي و الرشوة في الحكم و أجر الكاهن و ثانيهما ما دل على النهى عن ثمنه (مطلقا) مثل ما عن معاني الأخبار مسندا الى الحسين (عليه السلام) انه نهى رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) عن خصال تسعة عن مهر البغي و عن عسيب الدابة يعني عسيب الفحل و عن خاتم الذّهب و عن ثمن الكلب و خبر الجراح عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) انه قال من أكل السحت ثمن الخمر و نهى عن ثمن الكلب و ما عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) انه نهى عن ثمن الكلب فان جاء صاحبه يطلبه فأملئوا كفه ترابا هذه هي الأخبار التي استفدنا منها القاعدة و هي ان الأصل في الكلب حرمة الاكتساب فيحتاج في إخراج شيء من افراده عن تحت حكم القاعدة إلى دليل خاص الثاني في بيان حرمة التكسب بالخنزير فنقول لا خلاف في حرمته و يدل عليها العمومات الناطقة بحرمة التكسب بالأعيان النجسة من خبر تحف العقول و ما وافقه في المؤدى و كذا الإجماع على ذلك بقسميه مضافا الى الإجماع على حرمة التكسب به على وجه الخصوص بل في (المبسوط) انه لا يصحّ بيعه و لا إجارته و لا الانتفاع به و لاقتناؤه بحال إجماعا و لكن في المنع من مطلق الانتفاعات به تأمل ان لم يقم إجماع عليه و قيامه في محل المنع و لعل مراد المبسوط هو الانتفاع الذي يتوقف على الطهارة و اما مثل ما هو المتعارف بين أهل الخيل من انهم يتخذونه في مرابط الخيل لتسمينها فلا حرمة فيه بل لو فرض إمكان الركوب عليه أو الحمل عليه لم يصحّ لأحد دعوى حرمتهما و اما إجزاؤه فهي على قسمين أحدهما ما لا تحله الحياة كشعره و عظامه و هذا القسم ان قلنا فيه بمذهب السيّد المرتضى (رضي الله عنه) من الطهارة كان الاكتساب به جائزا مع وجود نفع فيه كشعره و بعض عظامه لاجتماع وصفي الطهارة و النفع فيه مع احتمال ان يقال بعدم جواز الاكتساب به نظر الى تعميم مقصد الإجماع على حرمة الاكتساب بالخنزير فتأمل و ان قلنا فيه بالمشهور من النجاسة فلا إشكال في حرمة الاكتساب به بناء على عدم جواز الانتفاع به كما عزى ذلك الى الشهرة لعموم خبر تحف العقول و نحوه بل عن السرائر ان الأخبار المتواترة بعدم جواز استعمال شعره و ان لم أجده فيها نعم روى زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) قال قلت له ان رجلا من مواليك يعمل الحمائل بشعر الخنزير قال إذا فرغ فليغسل يده لكن هذه الرواية لا تدل على جواز العمل و الانتفاع إذ لعله (عليه السلام) علم ان السائل إنما أراد السؤال عن خصوص الطهارة و النجاسة فحكم (عليه السلام) بان العامل يغسل يده إذا فرغ و في رواية برد الإسكاف قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) من شعر الخنزير يعمل به قال خذ منه فاغسله بالماء حتى يذهب ثلث الماء و يبقى ثلثاه ثم اجعله في فخارة جديدة ليلة باردة فإن جمد فلا تعمل به و ان لم يجمد فليس له دسم فاعمل به و اغسل يدك إذا مسسته عند كل صلاة قلت و وضوء قال لا غسل يدك كما تمس الكلب و في روايته الأخرى قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) جعلت فداك انا نعمل بشعر الخنزير فربما نسي الرجل فصلى و

في يده منه شيء فقال لا ينبغي أن يصلى و في يده منه شيء فقال خذوه فاغسلوه فما كان له دسم فلا تعملوا به و ما لم يكن له دسم فاعملوا به و اغسلوا أيديكم منه لكن هذا التفصيل الذي دلت عليه الروايتان لم يعلم به أحد فهما متروكتان و امّا بناء على جواز الانتفاع بشعره و استعماله كما عن المختلف و كشف اللثام و غيرهما جواز استعماله في الحمائل و نحوها و ان لم يضطر إليه للأصل و إطلاق جملة من النصوص مضافا الى قوله (عليه السلام) ما لم يكن له دسم فاعملوا به بضميمة عدم القول بالفرق بين ماله دسم و غيره و (حينئذ) فيحمل النهى عن العمل بما فيه دسم على الكراهة أو على المنع قبل إذهاب دسمه حذرا من سراية نجاسة و إذا اضطر اليه استعمله إجماعا كما عن كشف اللثام و لعله يكفي في الاضطرار عدم كمال العمل بدونه من حيث كونه قويا لا ينقطع بسرعة فاستعماله يوجب كما العمل و يشهد به رواية برد الإسكاف قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) انى رجل خرّاز و لا يستقيم عملنا الا بشعر الخنزير نخرز به قال خذ منه وبره فاجعلها في فخارة ثم أو قد تحتها حتى يذهب دسمها ثم اعمل به وجه الشهادة ان الخرز يصير بغيره (أيضا) الّا انه به يصير كاملا بل الأخبار السابقة ظاهرة في الجواز من دون اعتبار الضرورة فافهم فقد يقال بعدم جواز الاكتساب به (أيضا) لعموم خبر تحف العقول و نحوه و هو وجيه و ثانيهما ما تحله الحياة كالجلد و غيره و في جواز الانتفاع به قولان أحدهما ما هو المنسوب إلى الشهرة من عدم جواز الانتفاع بشيء من افراد هذا القسم حتى الجلد (مطلقا) لعموم خبر تحف العقول و نحوه و قد يستدل عليه بنحو قوله (عليه السلام) فما له دسم فلا تعملوا به بضميمة عدم القول بالفرق بينه و بين غيره و الأخر جواز الاستقاء بجلده كما عن المقنع و القواعد و غيرهما اما على القول الأول فالمنع واضح لاجتماع وصفي النجاسة و عدم جواز الانتفاع به فيحرم الاكتساب و اما على الثاني فالمنع لا يخلو من وضوح (أيضا) لدلالة عموم خبر تحف العقول و نحوه على عدم جواز الاكتساب بشيء من وجوه النجس ثم ان بعض المعاصرين أيده اللّه تعالى بعد ان ذكر حكم اجزاء الخنزير ذكر ما لفظه و (الظاهر) ان اجزاء الكلب و الكافر كاجزائه يعنى الخنزير لعموم الأدلة لهما (أيضا) و اولى منه بجواز الانتفاع بها بل و بجواز التكسب بها كما يومي اليه جواز ذلك في أنفسهما (مطلقا) أو في الجملة انتهى أقول الأولوية ممنوعة لكن يظهر حكمها من المسلك الّذي سلكناه و لا دلالة في جواز التكسب بمجموعهما على جواز التكسب بإجزائهما خصوصا مع وضوح افتراق الكل و الجزء في الفائدة و الغرض المقصود منهما نعم الجزء المشاع كالنصف و الرّبع كالكل في الفائدة فيجوز بيع نصف العبد و نصف الكلب فتدبر

[المسألة الثامنة حرمة المعاوضة على الأعيان المتنجسة غير القابلة للطهارة]

قوله يحرم المعاوضة على الأعيان المتنجسة الغير القابلة للطهارة إذا توقف منافعها المحللة المعتد بها على الطهارة

هذا الحكم مما لا خلاف فيه و لا اشكال بل هو مما قام عليه الإجماع و لا إشكال في كونه مجمعا عليه و انما الإشكال في ان أهل الفتوى من اين استفاد و الحكم فنقول الّذي يصلح لذلك قوله (عليه السلام) في رواية تحف العقول لان ذلك محرم اكله و شربه و لبسه (انتهى) كما أشار إليه (المصنف) (رحمه الله) و قد تمسك (رحمه الله) (أيضا) لذلك بالنبوي من ان اللّه إذا حرم شيئا حرم ثمنه و برواية دعائم الإسلام و أورد عليه بعض من تأخر بأنه (رحمه الله) قد فسر تحريم الشيء بتحريمه (مطلقا) في الكتاب أو السنة حتى يصدق ان الشيء الفلاني محرم بقول (مطلقا) و يصير المراد بتحريمه (حينئذ) تحريم جميع الانتفاعات أو المنافع الظاهرة كما في مثل قوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ فيصحّ (حينئذ) بمقتضى النبوي المذكور ان اللّه حرم الميتة فقد حرم ثمنها (أيضا) و اين مثل ذلك فيما نحن فيه فإنه ان أراد بالدال على التحريم فيما نحن فيه الأدلة الخاصة الواردة في موارد خاصة من الأمر بالإراقة و التجنب و نحو ذلك فليست دالة على التحريم بالمعنى الّذي ذكره بل ليست دالة على التحريم أصلا و انما تدل على النجاسة و اين هي من الحكم على الشيء بالحرمة (مطلقا) و ان أراد الإجماع فذلك استناد إلى الإجماع لا الى قوله (عليه السلام) ان اللّه إذا حرم شيئا حرم ثمنه لان الاستناد اليه لا يصحّ الا بعد ثبوت التحريم لشيء حتى يستدل به على تحريم ثمن ذلك الشيء و يمكن دفعه بان المذكور في النبوي و المحكوم عليه بحرمة ثمنه انما هو ما حرم اللّه تعالى و لم يؤخذ فيه كون التحريم بلفظ خاص أو كونه في الكتاب أو السنة و قد قام الإجماع على حرمة المتنجس فيكون ثمنه (أيضا) حراما قولك ان ذلك استناد إلى الإجماع ممنوع لان هناك اجماعين أحدهما الإجماع على حرمة بيع

28

المتنجس و الأخر الإجماع على حرمة المتنجس و الإجماع الّذي هو المستند في المسئلة انما هو الإجماع على حرمة بيع المتنجس و حينئذ نقول انه لو استند في الحكم بحرمة المتنجس إلى الإجماع و حصل به الموضوع الذي عبر عنه في الحديث بتحريم الشيء ثم استند في ترتب حكم حرمة البيع عليه إلى النبوي فذلك ليس استنادا إلى الإجماع الذي هو المستند في المسئلة الا ان الإنصاف ان ذلك كلام صوري لأن الإجماع أمر لبى قام على حرمة أكل المتنجس أو شربه أو الصّلوة فيه و الا فليس هناك إطلاق لفظي كما في قوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ حتى يصير ذلك بمنزلة تحريم جميع المنافع أو تحريم المنافع الظاهر نعم لو جعل نفس تحريم الشيء في الحديث كناية عن تحريم المنافع الظاهرة أو تحريم جميعها كما هو (الظاهر) عرفا من اللفظ كان يصدق عند قيام الإجماع على تحريم شيء منهما ان اللّه حرم شيئا فكان يلزم تحريم ثمنه لكنه (رحمه الله) لم يلتزم بهذا و انّما فسر النّبوي بما عرفت لكن في المستند عن الغوالي ان اللّه إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه انتهى و (حينئذ) فيمكن تتميم المطلوب بضمّه إلى الإجماع على حرمة الأكل

[أما المستثنى من الأعيان المتقدمة]

[المسألة الأولى جواز بيع العبد الكافر بأقسامه]

قوله يجوز بيع المملوك الكافر أصليّا كان أو مرتدا مليا بلا خلاف ظاهر

لا إشكال في المعاوضة على المملوك الكافر عندهم مع كونه من الأعيان النجسة و قد حكموا بعدم جواز التكسب بها و على هذا فلا بد من الالتزام بشيء من وجوه أحدهما الاستثناء و الإخراج الحكمي كما هو مقتضى الاحتمال الذي ذكره في مفتاح الكرامة بقوله و قد يكون الرّقّ الكافر خارجا بالاخبار و الإجماع لا بان الإسلام مطهر له إذ قلّ من عدّه في المطهرات فلعله عندهم كالاستحالة و جميع النجاسات تقبل الطهارة بها فمرادهم بقبول الطهارة قبولها بغير الاستحالة انتهى و توضيحه ان عنوان القواعد انّما هو كل نجس لا يقبل التطهير و لما كان كل نجس قابلا للتطهير بالاستحالة جعلوها في حكم العدم فاعتبروا قبول التطهير و عدم قبوله بغير الاستحالة فما كان قابلا للتطهير بالاستحالة غير قابل له بغيرها داخل في العنوان و بعد جعل الإسلام بمنزلة الاستحالة من حيث تبدل العنوان به لانه يخرج به عن عنوان الكافر و يدخل في عنوان المسلم يبقى العبد الكافر (أيضا) داخلا فيكون خروجه بالاخبار و الإجماع خروجا حكميا و قد سمعت بعض مشايخنا يذكر من الأدلة الخاصة المخرجة للمملوك الكافر رواية إسماعيل بن الفضل قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن شراء مملوك أهل الذمة قال إذا أقرّوا لهم بذلك فاشتر و انكح فأوردت عليه بأنه لا دلالة فيها لأنّ السؤال انما هو عن حال مملوك أهل الذمة بإضافة المملوك إليهم و مساق السؤال انما هو لاستعلام ان كون المملوك لأهل الذمة مانع عن شرائه أم لا و ليس أهل الذمة صفة للمملوك فيمكن ان يكون المملوك بنفسه كافرا غير ذمي و يمكن مسلما الا ان يقال انه لو كان مسلما كان اللازم إجباره على البيع فأجاب بانا نتمسّك بالإطلاق لأن مملوك الّذي مطلق بالنسبة إلى كونه مسلما و كونه كافرا و قد رخص في الشراء منه و أنت خبير بأن السؤال مسوق لمقصود أخر أشرنا إليه فلا دلالة في الخبر على حال المملوك نفسه من حيث كونه مسلما أو كافرا فلا يتم التمسك بالإطلاق و الاولى الاستبدلال برواية أخرى لاسماعيل بن الفضل الهاشمي قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن سبي الأكراد إذا حاربوا و من حارب من المشركين هل يحل نكاحهم و شراؤهم قال نعم و كيف كان فهذا الوجه غير وجيه لان (الظاهر) ان عناوينهم مسوقة لبيان حال غير الأدمي من الأعيان النجسة و ما ذكر من ان عناوينهم مسوقة لبيان حال الأعيان النجسة التي لا تقبل التطهير إلا بالاستحالة و من جملتها ما نحن فيه مدفوع بان صدق العنوان هنا مفقود لوضوح توجه المنع الى كون الإسلام قسما من الاستحالة أو مثلها لأن الاستحالة تخرج الشيء عما هو عليه من العنوان الذاتي فإن ما هو أدنى مرتبة في التبدل بحسب الحقيقة انما هو الانتقال و مع ذلك يحصل فيه عنوان ذاتي مغاير لعنوانه الأول ككون الدّم دم الإنسان و كونه دم القمل فان كون الدم مضافا الى واحد منهما مقوم له غير المقوم الذي هو كونه مضافا الى الأخر بمعنى كونه جزء منه بحيث تصرف فيه جسمه و معدته حتى صار حقيقة غير الحقيقة الاولى و لهذا لا يحكمون بطهارة الدم الذي مصّه العلق بمجرد انتقاله الى بطنه و ليس في إسلام الكافر الا بمجرّد الاختلاف في الوصف و هو لا يقتضي انتفاء الحقيقة و تبدلها بحقيقة أخرى و يشهد بما ذكر ان الشّيخ (رحمه الله) في (المبسوط) جعل المقسم في المبيع الذي هو من قبيل النجس و الذي ليس من قبيله عبارة عن غير الآدمي فجعل غير الآدمي هو العنوان فقال و ما ليس بآدمي من البهيمة فعلى ضربين نجس و طاهر الى ان قال و اما غير الحيوان فعلى ضربين نجس و طاهر إلى أخر ما ذكره فعلم ان الكلام انما هو في الأعيان التي تمنع النجاسة من ماليتها و الانتفاع بها و الأمر في الكافر ليس (كذلك) لانه لا يتفاوت الحال في استخدامه عما لو كان مسلما فالعبد الكافر خارج عن عنوان النجاسات التي يحرم الاكتساب بها خروجا موضوعيا ثانيها ما ذكره صاحب الجواهر (رحمه الله) من خروج العبد الكافر عن العنوان موضوعا و لا حاجة الى الاستثناء من الحكم لان محل البحث في النجاسات من حيث عدم قبولها التطهير بغير الاستحالة و هو يقبله بالإسلام الذي ليس باستحالة قطعا قال بعض من تأخر أنه استفاد (رحمه الله) هذا المعنى من تقييد العلامة (رحمه الله) في القواعد النجس بكونه لا يقبل التطهير ثم أورد عليه بان كلام العلامة (رحمه الله) في عنوان النجس أعمّ عن الذاتي و العرضي لأنه (رحمه الله) بعد ان ذكر ان المحظور أقسام قال الأول كل

نجس لا يقبل التطهير سواء كانت نجاسة ذاتية كالخمر و النبيذ و الفقاع و الميتة و الدّم و أبوال ما لا يوكل لحمه و أرواثها و الكلب و الخنزير و أجزائهما أو عرضية كالمائعات النجسة التي لا تقبل التطهير الا الدّهن النجس لفائدة الاستصباح تحت السماء و قال المحقق الثاني (رحمه الله) في الشرح و احترز بعدم قبول التطهير عن المتنجس الّذي يقبله جامدا كان كالثوب أو مائعا كالماء فإنه يجوز بيعه كما سيأتي انتهى فإذا كان العنوان في كلامه أعم و كان عدم قبول التطهير احترازا عن نوع من العرصى لا يكون لهذا التقييد مساس بالأعيان النجسة بالأصل حتى يكون احترازا عن العبد الكافر و أقول هذا الإيراد لا مساس له بكلام صاحب الجواهر (رحمه الله) لانه لم يعلم أنه أخذه من كلام العلامة (رحمه الله) فيحتمل أنه أخذه من مطاوي كلماتهم و لوازم تلويحاتهم و اشاراتهم ثالثها ما افاده (المصنف) (رحمه الله) في طي كلامه في هذه المسئلة من ان خروج العبد الكافر انما هو بحسب الموضوع لكن لا من الطريق المذكور بل من جهة ان مقصودهم بالأعيان النجسة الأصلية الّتي لا يكتسب بها انما هي الأعيان التي يتوقف ماليتها على طهارتها و العبد ليس (كذلك) و من هنا يعلم ان العبد المرتد على تقدير عدم قبول توبته يجوز الاكتساب به هذا محصل ما افاده (المصنف) (رحمه الله) و لا حاجة الى التفصيل لإغناء كلامه (رحمه الله) عنه

قوله كاسترقاق الكفار و شراء بعضهم من بعض

قد وقع الإشارة إلى الأمرين في كلام للعلامة (رحمه الله) في مبحث بيع الحيوان من التذكرة حيث قال ما يؤخذ من دار الحرب بغير اذن الامام (عليه السلام) فهو للإمام (عليه السلام) خاصة للرواية لكن رخصوا (عليه السلام) لشيعتهم خاصة في حال غيبة الإمام (عليه السلام) في التملك و الوطي و ان كانت للإمام (عليه السلام) أو بعضها و لا يجب إخراج حصة غير الامام (عليه السلام) منها لتطيب مواليد الشيعة و لا فرق بين ان يسبيهم المسلم أو الكافر لان الكافر من أهل التملك و المحل قابل للملكية و كل حربي قهر حربيا فباعه صح بيعه و ان كان أخاه أو زوجته أو ابنه أو أباه و بالجملة كل من ينعتق عليه و غيرهم لان الصادق (عليه السلام) سئل عن رجل يشترى من رجل من أهل الشرك ابنته فيتخذها قال لا بأس و لان الصّادق (عليه السلام) سئل عن الرّجل فيشتري امرأة رجل من أهل الشرك يتخذها قال لا بأس اما غير من ينعتق عليه فلان القاهر مالك للمقهور بقهره إياه و اما من ينعتق عليه ففيه اشكال ينشأ من دوام القهر المبطل للعتق لو فرض و دوام القرابة الرافعة للملك بالقهر و التحقيق صرف الشراء الى الاستنقاذ و ثبوت الملك للمشتري بالتسلط ففي لحوق أحكام البيع (حينئذ) نظر انتهى و فيه دلالة على ما أشار إليه (المصنف) (رحمه الله) من كون تملك العبد الكافر و بيعه من جملة المسلمات عند فقهائنا في الجملة أي لو لم يمنع منه مانع أخر و قد عقد في أبواب بيع الحيوان في الوسائل بابا لجواز الشراء من أولاد أهل الحرب و نسائهم دون أهل الذمة و ذكر فيه الاولى من الروايتين ثم قال خصها الشيخ (رحمه الله) و غيره بأهل الحرب بقرينة خبر أخر مشتمل على النهى

29

عن شراء أولاد أهل الذمّة منهم انتهى

قوله و تبعه على ذلك شيخنا المعاصر

هو صاحب الجواهر (رحمه الله) حيث قال اما المرتد عن فطرة فالمتجه عدم جواز التكسب به بناء على عدم قبول توبته ظاهرا و باطنا و لعل من جوز بيعه كالمحقق الثاني (رحمه الله) على ما حكى عنه بل قيل انه ربما ظهر ذلك (أيضا) من رهن (المبسوط) و التحرير بناء على قبول توبته و قد فرغنا من البحث في بطلانه في كتاب الطهارة

قوله من تضادّ الحكمين

يعنى ان الحكم بوجوب قتله و الحكم بانتقاله إلى البائع بالبيع متضادان من جهة ان ما لا منفعة فيه لا يجوز بيعه فيبطل بيعه من هذه الجهة و وجه الصّحة ما أشار إليه من بقاء الملك نظرا الى ان كسبه لمولاه

قوله ثم ذكر المحارب الّذي لا يقبل توبته لوقوعها بعد القدرة عليه

و استدل على جواز بيعه يعنى ان العلامة (رحمه الله) ذكر العبد المحارب الّذي لا يقبل توبته من جهة وقوع التوبة منه بعد الاستيلاء عليه قال (رحمه الله) في التذكرة بعد قوله لعدم تحتّم قتله ما لفظه لاحتمال رجوعه إلى الإسلام فكذا القاتل في المحاربة إذا تاب قبل القدرة عليه فان لم يتب الا بعدها فالأقرب صحة بيعه لانه ممّن يصحّ إعتاقه و يملك استخدامه فصح بيعه كغير القاتل و لإمكان الانتفاع به الى حين القتل فيعتق فيجردون ولاء أولاده فصح بيعه كالمريض المأيوس من برئه هذا ما أشار إليه (المصنف) (رحمه الله) من كلامه

قوله نعم منع في التحرير و الدروس عن بيع المرتد عن فطرة و المحارب إذا وجب قتله للوجه المتقدم

لم يحضرني كتاب التحرير و لكن الموجود في الدروس هو التصريح بالحكم المذكور من دون إشارة إلى الوجه المتقدم قال فيها و منع الشيخ (رحمه الله) من بيع الجاني عمد أو لو وجب القتل بردة عن فطرة أو محاربة فالأقرب المنع من صحة بيعه نعم لو تاب في المحاربة قبل القدرة عليه صحّ و كذا يصحّ بيع المرتد لا عن فطرة و يكون مراعى بالتوبة انتهى و لعل مقصود (المصنف) (رحمه الله) انما هو نسبة الحكم إليها و تعليله بالوجه المتقدم مبنى على حدسه غير مراد به الحكاية

[المسألة الثانية جواز المعاوضة على غير الكلب الهراش في الجملة]

قوله يجوز المعاوضة على غير كلب الهراش في الجملة بلا خلاف

التقييد بقوله في الجملة للإشارة إلى انه ليس جميع ما عدا الهراش مما قام الاتفاق على جواز المعاوضة عليه الا ترى الى وقوع الخلاف في كلب الماشية و الخايط و الزرع و تنقيح المقال على وجه محيط بأطراف المسئلة أن أقوال العلماء في مسئلة الكلب مختلفة فمنها ما تفرّد به ابن ابى عقيل من المنع من بيع الكلب (مطلقا) و مستنده بعض العمومات التي تقدم ذكرها و منها ما عن الكاتب من المنع عن بيعه لكن مع استثناء الأسود البهيم منه و منها ما عن المقنعة و النهاية من قصر جواز التكسب به على السلوقي و لعله مبنى على حمل إطلاقات لجواز بيع كلب الصّيد عليه نظرا إلى انه هو المنساق منها لانصراف كلب الصيد اليه أو انه لا يتبادر و لا ينساق غيره منها فيبقى تحت عمومات المنع من التكسب به الا ان توجه المنع عليه جلي خصوصا بعد ملاحظة فتوى الأكثر و معونتها بل فتوى الجميع بناء على إطلاق السلوقي على مطلق كلب الصيد كما حكى عن بعضهم التصريح به فيمكن ان يكون مرادهما (أيضا) ذلك فيرتفع الخلاف كما احتمله بعضهم بل عن كشف الرموز الجزم به و مثله عن المنتهى و غيره فهذه الأقوال الثلاثة مما لا عبرة بشيء منها و بعد الاعراض عنها ينبغي تحرير المسئلة فنقول ان الكلاب التي تعارف استثناؤها عن الأصل المذكور أربعة أحدها كلب الصّيد و ثانيها كلب الماشية غنما أو غيرها و ثالثها كلب الزرع و ان لم يكن في حائط و رابعها كلب الحائط و ان لم يكن فيه زرع و لا خلاف من غير من عرفت في استثناء كلب الصّيد و جواز بيعه للاخبار الصريحة في استثنائه المفتي بمضمونها عند الأكثر فلا مجال للتشكيك في جواز بيعه فهو المتيقن خروجه عن اخبار المنع قطعا كما ان كلب الهراش داخل تحت اخبار المنع قطعا و انما الكلام في استثناء الثلاثة الأخر و المحكي في ذلك أقوال أربعة أحدها المنع من ذلك (مطلقا) و هو المحكي عن أكثر القدماء و المنسوب إلى الأشهرية فيما بينهم و ثانيها الجواز (مطلقا) و هو المشهور بين المتأخرين كما قيل بل هو متفق عليه كما يقتضيه عبارة التذكرة و الحواشي و ثالثها جواز بيع كلب الماشية و الزرع دون كلب الحائط و هو المحكي عن سلار و عن ظاهر الكاتب و أحد قولي الشيخ (رحمه الله) و القاضي (رحمه الله) رابعها جواز بيع كلب الماشية و الحائط دون كلب الزرع كما نسب الى سلار (رحمه الله) (أيضا) و الى صاحب الوسائل حجة القول الأول ما ذكره المحقق الأردبيلي (رحمه الله) من ان الأصل عدم التملك و البيع فرعه و الرّوايات الدّالة على المنع بعمومها مما عرفت خرج كلب الصيد بدليل أخر و بقي الباقي حجة القول الثاني ما أرسله في محكي (المبسوط) من انه روى ذلك يعنى جواز البيع في كلب الماشية و الحائط و ينجبر قصوره بما ذكره (المصنف) (رحمه الله) في الكتاب و يؤيد ذلك ما روى صحيحا كما قيل لا خير في الكلب الا كلب صيد أو ماشية و ما عن الغوالي فجاء الوحي باقتناء الكلاب التي ينتفع بها فاستثنى (صلى الله عليه و آله و سلم) كلاب الصيد و الماشية و الحرث و اذن في اتخاذها مع عدم القول بالفرق بين الثلاثة مضافا الى ثبوت الملك و جميع أحكامه لها حتى الوصية بها و جعلها مهرا و عوضا للخلع و جعلها عوضا في الإجارة و الصّلح و نحوهما بل و ثمنا للمبيع نظرا الى ان المروي هو ان ثمن الكلب سحت فلو عكس الأمر و جعل هو ثمنا للمبيع لم يصدق على المثمن انه ثمن فلا يدخل تحت روايات السحت و (حينئذ) فيمتنع المنع من خصوص بيعها بعد ثبوت الملك و جميع اثاره لها و ان كان المنع هو مقتضى ظاهر النصوص مع تسليم العموم فيها و الا فلا يبعد كونها من القضايا المهملة المقتصر فيها على المتيقن منها ككلب الهراش و نحوه و (حينئذ) فلا مخرج عن عمومات البيع و نحوه و لهذا صار اليه كثير ممن تأخر بل استفاضت حكاية الشهرة بل ربما حصر بعضهم المخالف في المحقق (رحمه الله) و ابن عمه و أجيب بالمنع من جميع ذلك و ان المحكي عن المصابيح ان الأشهر هو المنع من بيعها جمع فلا مجال للتمسك بالاتفاق و لا الإجماع المنقول على الجواز مع اشتهار الفتوى بخلافه و تردد العلامة (رحمه الله) الذي استفيد من كلامه دعوى الوفاق في بعض كتبه في جواز بيع كلب الصّيد فضلا عن غيره و الفارق بين الكلاب الثلاثة موجود كما يدل عليه حكاية القول الثالث

و الرابع و بعد تسليم ثبوت آثار الملك لا مانع من عدم ثبوت البيع لجواز انفكاك بعض الآثار عن بعض فان الحقوق يصحّ جعلها أثمانا و لا يصحّ بيعها و الوقف يجوز إجارته و لا يجوز بيعه فلا مانع من الالتزام بالملك و جميع اثاره بالنسبة إلى الكلاب الا جعلها أثمانا و المنع عن خصوص بيعها و الصّلح القائم مقام البيع بخصوصه للاخبار الناطقة بكون أثمانها سحتا و حرمة بيعها و لكن لا بد من الرجوع الى اللغة في جعلها ثمنا للمبيع هل يصدق على المبيع المعوض به الثمن أو ان الثمن عبارة عن خصوص مدخول الباء و لا يتم ذلك الا بان يجعل الكلب مبيعا و يقرر له ثمن و عوض حجة القول الثالث لعلها الإجماع المنقول عن اجارة الخلاف كما ذكره بعض الأواخر و الاخبار كقوله (صلى الله عليه و آله و سلم) من اتخذ كلبا الا كلب ماشية أو زرع أو صيد نقص من اجره كل يوم قيراط و كصحيح ابن قيس عن ابى جعفر (عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انه قال لا خير في الكلاب الا كلب صيد أو كلب ماشية عن الغوالي ان جبرئيل (عليه السلام) نزل على النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فوقف بالباب فاستأذن فأذن له فلم يدخل و قال انا معاشر الملائكة لا ندخل بيتا فيه كلب و لا صورة فقال النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لا ادع كلبا بالمدينة إلا قتلته فهربت الكلاب حتى بلغت الغوالي فقيل يا رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) كيف الصيد بها و قد أمرت بقتلها فجاء الوحي باقتناء الكلاب التي ينتفع بها فاستثنى (صلى الله عليه و آله و سلم) كلاب الصّيد و الماشية و الحرث و اذن في اتخاذها و في الجميع نظر اما الإجماع المنقول عن اجارة الخلاف فلان نص عبارته هو انه يصحّ اجارة كلب الصيد للصيد و حفظ الماشية و الزرع و للشافعي فيه وجهان أحدهما مثل ما قلناه و الأخر انه لا يجوز دليلنا ان الأصل جوازه و المنع يحتاج الى دليل و لان بيع هذه الكلاب للصيد يجوز عندنا و ما يصحّ بيعه يصحّ إجارته بلا خلاف انتهى و هذه العبارة لا دلالة لها على جواز بيع كلب الماشية و الزرع لانه على فرض تسليم ان لفظ عندنا يعطي الإجماع و ليس عبارة عن معتقده وحده فالجواز المدعى عليه الإجماع انما هو جواز بيع الكلب الصيد دون غيره فلا يثبت مقصد القائل بالقول

30

الثالث و اما الاخبار فلان جواز الاتخاذ أعم من جواز الابتياع و البيع و هو واضح حجة القول الرابع مرسل المبسوط حيث قال روى ذلك يعنى جواز البيع في كلب الماشية و الحائط و هو قاصر عن إثبات المطلوب من وجوه أحدها ان الراوي اعنى الشيخ (رحمه الله) لم يفت بمضمونه و ثانيها انه من طرق العامة على (الظاهر) و ثالثها قيام الإجماع على خلاف ظاهره كما استظهره بعض و قطع به بعض أخر تنبيه قال في التذكرة يحرم قتل ما يباح اقتناؤه من الكلاب إجماعا و عليه الضمان على ما يأتي الى ان قال اما كلب العقور فيباح قتله إجماعا لقوله (عليه السلام) خمس من الدّواب كلهن فاسق يقتلن في الحرم الغراب و الحدأة و العقرب و الفارة و الكلب العقور انتهى

قوله الثاني كلب الصّيد غير السلوقي و بيعه جائز على المعروف

ينبغي التنبيه على أمرين الأول انه هل يعتبر في جواز بيع كلب الصّيد كون الداعي إلى الاشتراء هو الاصطياد به و كون عرض البائع بيعه ليشتريه المشترى لذلك الوجه أو انّه لا يعتبر كون الداعي هو الاصطياد بل لو اشتراه لغرض أخر صحيح كالاسترباح به أو إظهار الثروة الداع عقلي ممضى عند الشارع كان البيع صحيحا و كذا لو اشتراه ذاهلا عن قصد الاصطياد لم يكن إشكال في صحّته لصدق بيع كلب الصّيد المجوز من جانب الشارع في الجميع نعم لو اشتراه لغرض محرم كأكل لحمه مثلا لم يكن البيع صحيحا الثاني ان ظاهر النصوص و الفتاوى اعتبار كونه كلب صيد فعلا فلا يجوز بيع الجر و القابل للتعليم و ان كان متولدا من المعلم كما نص عليه بعضهم للعمومات الدالة على حرمة بيع الكلب السالمة عن المعارض و قاعدة تبعية النّماء للملك فيما إذا كان متولدا من المعلم الذي هو مملوك شرعا مرجوحة بالنسبة إلى العمومات من جهة تخصيص الأصحاب الملكية لكلب الصيد بحال كونه كلب صيد غاية ما في الباب ان اتخاذ الجرو (حينئذ) يكون مثل اتخاذ الخمر للتخليل فيثبت له أولوية بالنسبة إلى غيره و لكن عن نهاية الأحكام و الروضة و المسالك الجزم بجواز بيعه بل عن المصابيح انه لازم لكل من جعل العلة المسوغة للبيع قصد الانتفاع فان النفع أعم من الحاصل و المتوقع فيشمله عمومات البيع و نحوه بل عمومات كلب الصيد لصدقه على المتولد منه و ان لم يتحقق منه الصّيد فإنه قد صار اسما لهذا النوع كالسلوقي و نحوه و لكن توجه المنع على ذلك جلي بل الكلب في لغة العرب لا يقال على الجر و فكيف مضافا الى الصّيد بل عن المصابيح (أيضا) انه لو سلم فما دل على جواز بيع كلب الصّيد معارض بما دل على تحريم بيع ما ليس بصيود فان بينهما عموما من وجه و الترجيح للثاني لمطابقته لعمومات المنع و لكن قد يقال ان المنساق من الثاني انما هو تحريم ما ليس من هذا النوع لا ما ليس بصيود فعلا (مطلقا) و ان كان محتملا فتأمل فإن دعوى الانسياق لا تخلو عن خفاء و يعلم بمقابلة ما ذكرناه و ملاحظة وجه الحكم ان كلب الصيد لو خرج عن فعلية الإضافة لمرض أو هرم أو نحوهما لم يجز بيعه قال بعض مشايخنا و مثل هذا الفرع ما لو انهدم الدار و أهلكت الماشية أو انحصد الزرع على القول بالجواز في هذه الكلاب فإنه لا يصحّ البيع بعد انهدام الدار و هلاك الماشية و حصاد الزرع لانتفاء العنوان و لي فيه نظر بل (الظاهر) صحة البيع و ليست هذه الأمثلة من قبيل انتفاء قابلية الاصطياد لمرض أو هرم أو نحوهما و انما هي نظيرة ما لو انتفى الصّيد فعلا مع بقاء قابلية الكلب للاصطياد فإنه لا إشكال في صحة البيع (حينئذ) فتدبر

قوله (عليه السلام) و اما الصيود فلا بأس به

قال في الوافي الصيود بالفتح الصائد

قوله و منها مفهوم رواية أبي بصير عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) ثمن الخمر و مهر البغي و ثمن الكلب الّذي لا يصطاد من السحت

لا يخفى ان هذا من مفهوم الوصف الذي لا يقول (المصنف) (رحمه الله) بحجيته بمعنى ان الوصف لا يفيد المفهوم كما هو المحرر في محله من محصل مذهب المنكرين لحجيته من رجوع الإنكار إلى الصغرى لكن لما كان من مذهب المنكرين هو ثبوته فيما لو اقتضى مقام خاص ثبوته كما قال الفاضل القمي (رحمه الله) مع إنكاره لحجية مفهوم الوصف بثبوته في قوله (عليه السلام) في خيار الحيوان ثلاثة أيام للمشتري بقرينة مقابلته لقوله (عليه السلام) في خيار غير الحيوان البيّعان بالخيار ما لم يفترقا فلذلك صح (المصنف) (رحمه الله) التمسك بمفهوم الوصف فيما ذكر من الخبر و غيره اعتمادا على دلالة المقام على إرادته من جهة كون الخبر مسوقا لإعطاء القاعدة حيث جعل الوصف هو الموصول الذي صلته قضية سالبة تؤل الى قولنا الكلب الّذي يصح سلب صفة الاصطياد عنه

قوله مع انه لا يصحّ في مثل قوله (عليه السلام) ثمن الكلب الذي لا يصيد أو ليس بكلب الصيد لان مرجع التقييد إلى إرادة ما يصحّ عنه سلب صفة الاصطياد

يعنى انه ان صح دعوى الانصراف في مثل رواية ليث سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الكلب الصيود يباع قال نعم و نحوه مما سبق الوصف بطريق الإثبات لم يصحّ دعواه فيما ذكره ممّا سبق الوصف بطريق السلب ضرورة ان المراد بسلب الاصطياد ليس هو سلب الاصطياد بالفعل و الا لم يصحّ البيع في شيء من افراد السلوقي (أيضا) إلا في حال اصطياده و ذلك معلوم البطلان فالمراد ان الكلب الّذي يصح سلب صفة الاصطياد عنه من جهة عدم كونه صاحب ملكته و مثل هذا المفهوم يعطى القاعدة و لا يكون قابلا لدعوى الانصراف لان دعواه إنما تجري فيما هو من قبيل المطلق لا فيما يفيد الكلية و العموم و بهذا البيان يعلم ان في كلامه (رحمه الله) إيماء الى ما ذكرناه من كون الكلام مسوقا لإعطاء القاعدة

قوله كلب الماشية و الحائط و هو البستان و الزرع

ليس الزرع تفسيرا للحائط و انما هو بالجر معطوف على الحائط أو الماشية على اختلاف الرأيين في المعطوف الثاني من حيث عطفه على المعطوف الأول أو المعطوف عليه و يشهد بما ذكرنا قول الشهيد (رحمه الله) في اللمعة إلا كلب الصيد و الماشية و الزرع و الحائط حيث عطف الحائط على الزرع و العطف دليل على المغايرة و يشهد به (أيضا) عبارة المصباح حيث قال فيه أحاط تقوم بالبلد إحاطة استداروا بجوانبه و حاطوا به من باب قال لغة في الرباعي و منه قيل للبناء حائط اسم فاعل من الثلاثي و الجمع حيطان و الحائط البستان و الجمع حوائط انتهى

قوله و ظاهر الفقرة الأخيرة لو لم يحمل على الاولى جواز بيع الكلاب الثلاثة و غيرها كحارس الدور و الخيام

اختلف القائلون بجواز بيع الكلاب الثلاثة التي هي كلاب الماشية و الزّرع و البستان في جواز بيع كلب الدار أو السوق أو الخيام أو السور أو نحو ذلك فعن ظاهر ابن حمزة الجواز كما هو محتمل كلام ابن الجنيد (رحمه الله) و عن صريح فخر المحققين و ابن فهد و المحقق الثاني و الشهيد الثاني و القطيفي (قدس سرّهم) و غيرهم للمشاركة في المنفعة و نحوها مما تقدم مع خبر السكوني عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) انه قال ان رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) رخص لأهل القاصية في كلب يتخذونه الى غير ذلك و لكن الأقوى المنع كما عن ظاهر التحرير و المنتهى الإجماع على ذلك للعمومات السالمة عن المخصص المعتبر بل عن شرح القواعد ان عدم جواز التكسب بما عدا الأربعة مقطوع به للإجماعات المنقولة و لما دل على اشتراط غلبة الانتفاع في الجهة المحللة و ليس فيما عداهن الى غير ذلك و ان كان الإنصاف ان الفرق بين ما ذكر و بين الثلاثة بحسب لاعتبار و العمومات مع قطع النظر عن الشهرة و الإجماعات المنقولة مما لا يخلو من نظر كما صرّح به بعض المتأخرين بل قد يراد بالحائط في كلامهم ما يشمل ذلك و ان كان حقيقة في البستان كما نسب الى تصريحهم و نص أهل اللغة بل قد يراد بالثلاثة المثال لمطلق الحارس كما قيل و (حينئذ) فلو جاز بيعه (أيضا) لزم تخصيص الروايات كلها بكلب الهراش و هو بعيد جدّا ان لم يقطع بعدمه لعدم الفائدة في تحريم ثمنه إذ هو مما لا يقتني و لا يباع و لا يشترى و (الظاهر) ورود الاخبار فيما ينتفع به من الكلاب و ما يبذل بإزائه الثمن مع ما يلزمه من تخصيص الأكثر كما قيل

قوله و هو الأوفق

يعنى وفاق المحقق (رحمه الله) اى المنع من بيع الكلاب الثلاثة

قوله سوى ما أرسله في (المبسوط) من انه روى ذلك يعنى جواز البيع في كلب الماشية و الحائط المنجبر قصور سنده و دلالته لكون المنقول مضمون الرواية لا معناها و لا ترجمتها باشتهاره بين المتأخرين

اما انه ليس ترجمة الرواية فلان ترجمة كلام الغير عبارة عن تفسيره بلغة اخرى قال في المصباح ترجم فلان كلامه إذا بينه و أوضحه و ترجم كلام غيره إذا عبّر عنه بلغة غير لغة

31

المتكلم انتهى و الترجمة في كلام (المصنف) (رحمه الله) قد أريد بها الكلام الذي يتحقق به الترجمة كما لا يخفى على من تدبر في سياقه و اما انه ليس معناها فلان نقل الكلام بالمعنى عبارة عن نقل تمام ما افاده الكلام بعبارة أخرى من دون زيادة و لا نقيصة في شيء من أجزاء الكلام و مدلوله كما لا يخفى على من له خبرة بكلمات الأصوليين في البحث عن جواز نقل الخبر بالمعنى و عدم جوازه و معلوم ان ما ذكره الشيخ (رحمه الله) من جواز البيع في كلب الماشية و الحائط ليس معنى الرواية الواردة في هذا الباب ضرورة ان الرواية لا تكون الا كلاما تاما و جواز البيع ليس من قبيل الكلام التام فلو فرض ان لفظها هو انه لا بأس ببيع كلب الماشية و الحائط لم يكن ما ذكره الشيخ (رحمه الله) معناه بل يكون هو الحاصل من المعنى و لبّ المطلب بعد إسقاط الخصوصيات التي اشتمل عليها و هذا هو المعبر عنه بالمضمون هذا و لكن يبقى هنا شيء و هو ان ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) هنا من جبر الدلالة بالشهرة مناف لما هو خيرته من عدم صلاحية الشهرة لجبر الدلالة كما صرّح به في رسالته التي عملها في حجية الظن بناء منه على ان ظهور الألفاظ انما يعتبر من باب الظن النوعي الذي هو كون الدال بحيث لو خلى و طبعه لافاد هو بنفسه الظن بإرادة المعنى المقصود به و ان لم يتحقق منه فعلية افادة الظن و مع حصول الضعف في الدلالة بالإجمال أو بنوع من القصور فيها كما في مفهوم الوصف لا يتحقق مناط الحجية و معيارها الذي هو كون الدال بحيث لو خلى و طبعه لافاد المعنى المقصود به فما افاده هنا من انجبار الدلالة بالشهرة مناف لما استقر عليه مذهبه في الأصول و يمكن رفع الإشكال بأن هذا انما هو تقرير لما أمكن ان يقال في المقام و الا فهو قد ردّ جبر الخبر بالشهرة بقوله و اما شهرة الفتوى بين المتأخرين فلا يجبر الرواية خصوصا مع مخالفة كثير من القدماء و مع كثرة العمومات الواردة في مقام الحاجة و خلو كتب الرواية المشهورة عنه حتى ان الشيخ (رحمه الله) لم يذكر في جامعه و لكن دفع الاشكال المذكور بهذه العبارة موقوف على ان يكون المراد بقوله لا يجبر الرواية عدم جبرها سندا و دلالة و لو أريد بها نفى جبر الرواية سندا فقط كما لا يلائمه ذيل العبارة و هو قوله و خلو كتب الرواية المشهورة عنه لم يكن كلامه (رحمه الله) مفيد الرد جبر قصور الدلالة من جهة كون المنقول هو مضمون الرواية بالشهرة بل بقي مسكوتا عنه و لكن الأظهر ان مراده بالعبارة المذكورة رد مطلق كون الشهرة جابرة للخبر سواء كان من باب الدلالة أم من باب السند كما ينبئ عنه عدم تقييد الجبر بالسند حيث قال فلا يجبر الرواية و لم يقل لا يجبر سند الرواية غاية ما في الباب اختصاص بعض الشواهد اعنى خلو الكتب بخصوص السند و لا ضير بعد ان كان المقصود نفيه و لو بانضمام نفى غيره (أيضا) إليه فإن قلت كيف صح (للمصنف) (رحمه الله) وصف ما نسبه الشيخ (رحمه الله) من المضمون إلى الرواية بضعف الدلالة مع ان عبارة الشيخ (رحمه الله) غير قاصرة عن الدلالة على ما اراده به فيبقى احتمال قصور لفظ الامام (عليه السلام) الذي نقل الشيخ (رحمه الله) مضمونه عن الدلالة على ذلك المضمون لاحتمال ان لفظه (عليه السلام) كان ظاهرا في غيره (فحينئذ) نقول ان هذا المضمون الذي نقله الشيخ (رحمه الله) يجب قبوله بحكم ما دل على وجوب تصديق العادل غاية ما هناك انه يبقى احتمال غفلة الشيخ (رحمه الله) عن ظهور لفظ الامام (عليه السلام) في معنى غير ما فهمه هو و نقل مضمونه فتنفى بأصالة عدم الغفلة التي هي من جملة الأصول التي يعتبرها العقلاء و يعوّل عليها العلماء فيلزم قبول المضمون الذي نقله الشيخ (رحمه الله) بحكم دليل وجوب قبول قول العادل و الأصل المعوّل عليه من دون حاجة الى جبره بالشهرة و لا غيرها مما هو صالح لجبر الدليل الضعيف كما ينفى احتمال الغفلة عن الراوي بأصالة عدمها إذا شككت في انه هل سمع تمام لفظ الامام (عليه السلام) أو غفل عن بعض ألفاظ (عليه السلام) فلم ينقله لك قلت فهم الروايات قد صار فيما بين الفقهاء من الأمور الاجتهادية التي يقع فيها الخطاء كثيرا و لهذا ترى بعضهم يخطى بعضا في فهم الروايات و قد يستدل بعضهم بخبر على فتوى و يستدل أخر بذلك الخبر بعينه على خلاف تلك

الفتوى فأصالة عدم الغفلة في أمثال هذا الموارد التي يكثر فيها الغفلة و الخطاء مما لا عبرة به عند العقلاء الذين ليس مدركها الا بنائهم و السر في ذلك ان أمثال هذه الأصول عند (المصنف) (رحمه الله) انما يعتبر من باب الظن النوعي و هذا النوع من أصالة عدم الخطاء ليس مما من شأنه افادة الظن لو خلى و طبعه و لهذا لم يعتبر هو (رحمه الله) أصالة عدم الخطاء و الغفلة في الأمور الحدسية فافهم

قوله و اما شهرة الفتوى بين المتأخرين فلا يجبر الرواية

لا يخفى انه اعتبر في الشهرة التي نفى عنها صلاحية جبر الرواية قيدين أحدهما كونها في الفتوى و الأخر كونها بين المتأخرين و لا إشكال في كون القيد الأول للاحتراز لان شهرة الرواية تجبر سندها قطعا إذا كان ضعيفا و اما القيد الثاني فاتضاح الحال فيه يتوقف على ملاحظة أقسام الشهرة في الفتوى فنقول انها اما ان تنعقد بين القدماء أو بين المتأخرين و على التقديرين اما ان يستند من انعقد بهم الشهرة في تلك الفتوى المشهورة الى ذلك الخبر أم لا فهذه أقسام أربعة و على التقادير اما ان يراد جبر السند أو جبر الدلالة فهذه ثمانية اما جبر الدلالة فلا يتأتى من الشهرة (مطلقا) الا ان تكشف عن قرينة قطعية و الكشف عن القرينة في شهرة المتأخرين أضعف منه في شهرة القدماء ضرورة انقطاع الوسائط بين الامام (عليه السلام) و بين المتأخرين بخلاف المتقدمين و هل يلحق الكشف عن القرينة ظنا بالكشف عنها قطعا قال (المصنف) (رحمه الله) في رسالة حجية الظن نعم و (الظاهر) ان مستنده قيام بناء العقلاء من أهل اللسان على اعتبار القرينة المكشوف عن وجودها كشفا ظنيا و ليس ببعيد فقد علم حكم الأقسام الأربعة و بقي حكم أربعة أخرى الأوّل اشتهار الفتوى بين القدماء مع استنادهم في فتواهم الى ذلك الخبر و هذا القسم يورث الاطمئنان بصدور الخبر لكشف استنادهم عن قيام قرينة عندهم على صدور ذلك الخبر و ان كان راويه ضعيفا على اصطلاح المتأخرين الثاني اشتهارها بينهم مع عدم استنادهم فيها إليها هذا القسم لا عبرة به في جبر الخبر الضعيف لأنه إذا علم عدم استنادهم إليها لم تكن الموافقة بين فتواهم و بين الخبر الاتفاقية و يحتمل ان مدرك فتواهم خبر أخر ضعيف الدلالة عندنا و لو فرض الشك في استنادهم إليها كان ذلك بمنزلة العلم بالعدم الثالث اشتهارها بين المتأخرين مع استنادهم فيها الى ذلك الخبر و هذا القسم يورث جبر الخبر الضعيف إذا كشف عن قيام قرينة على صدور الخبر موجبة للقطع أو الاطمئنان بصدوره على ما نراه من كون المعتبر هو الخبر الموثوق بصدوره و وجه كشفه عنها هو عدالتهم المانعة من الاقتحام بغير علم و دقة أنظارهم العاصمة عن الاشتباه غالبا و ان كان القسم الأول أوثق و أقرب من الوقوع من هذا القسم الرابع اشتهارها بينهم مع عدم استنادهم فيها الى ذلك الخبر و حكم هذا القسم يعلم مما ذكرنا في القسم الثاني بطريق الأولوية و إذ قد عرفت ذلك فاعلم ان الشهرة في الفتوى التي عليها كلام (المصنف) (رحمه الله) انما هي الشهرة التي لم يعلم استناد المتأخرين الى الخبر الذي هي موافقة له و ان لم يدع العلم بعدمه و ان المراد بجبر الرواية ما هو أعم من جبر السند و من جبر الدلالة و (حينئذ) نقول ان شهرة القدماء التي لم يعلم استنادهم الى الخبر الذي هي موافقة له (أيضا) ليست صالحة لجبر شيء من الدلالة و السند فتقييد (المصنف) (رحمه الله) بقوله بين المتأخرين ليس للاحتراز عن شهرة القدماء و انما هو لبيان الواقع و توطئة لقوله خصوصا مع مخالفة كثير من القدماء

[المسألة الثالثة جواز المعاوضة على العصير العنبي إذا غلى]

قوله الأقوى جواز المعاوضة على العصير العنبي إذا غلا و لم يذهب ثلثاه و ان كان نجسا

اعلم ان العصير العنبي يلاحظ فيه حالات ثلث احديها حالته الأصلية التي لم يطرئها غليان و لا تحول الى الخمر و في هذه الحالة لا إشكال في التكسب به و سائر التصرفات لكونه طاهرا مباح التناول الثانية ان يعرضه النشيش و الغليان من قبل نفسه حتى يصير خمرا و حكمه بحسب هذه الحالة حكم الخمر

32

في جميع اقسامه من حرمة التناول و التكسب به و نجاسته و جواز اتخاذه للتخليل و غير ذلك لانه من افراد الخمر الثالثة ان يطرئه الغليان بالنار و لكن قيل ذهاب ثلثيه و اما بعددها بهما فهو دبس و لهذا لم يجعل الحالات أربعا و قد وقع الخلاف في جواز المعاوضة عليه بين المتعرضين لذكر المسئلة و ان كانت غير مذكورة في كلمات الأقدمين و انّما تعرض لذكرها جماعة من الأواخر و (المصنف) (رحمه الله) قوى الحكم بالجواز

قوله بناء على انه مال قابل للانتفاع به بعد طهارته بالنقص

و جواز الاكتساب يدور مدار المالية و نحرز كونه مالا اما بالقطع به و اما بدعوى أن المالية ليست شيئا زائدا على السّلطنة العرفية و استيلاء اليد و ان اليد دليل الملك حتّى في الشبهة الحكمية كما حكى عن المحقق الثاني (رحمه الله) فمع الشك في المالية تعتمد على دلالة اليد على الملك و اما بالاستصحاب لانه كان قبل الغليان مالا قطعا و قد وقع الشك في خروجه عن المالية بالنجاسة الحاصلة من الغليان فتستصحب فالحاصل انه يتحقق ماليته بشيء من الوجوه الثلاثة غاية الأمر انّه مال معيوب قابل لزوال عيبه

قوله و وجب عليه غرامة الثلثين و اجرة العمل فيه حتى يذهب الثلثان كما صرّح به في التذكرة

(انتهى) اما انه يجب غرامة الثلثين فلانه أتلفهما على المالك بالنقص الحاصل بالغليان المستند الى فعل الغاصب مباشرة في أوّل الأمر و تسبيبا في أخره لأنه أغلاه فصار سبب لتطهيره بالغليان حتى يذهب تمام الثلثين و من المعلوم ان الأغراض تختلف من العقلاء في أموالهم فقد يكون مراد صاحب العصير تخليله على تلك الحالة الأصلية فيكون صيرورته دبسا منافيا لغرضه و اما انه يجب عليه اجرة العمل حتى يصير دبسا بذهاب الثلثين فلما ذكره في التذكرة حيث قال في كتاب الغصب لو غصب عصيرا فأغلاه حرم عندنا و صار نجسا لا يحل و لا يطهر إلا إذا ذهب ثلثاه بالغليان فلو رده الغاصب قبل ذهاب ثلثيه وجب عليه غرامة الثلثين و الوجه انه يضمن (أيضا) غرامة الخسارة على العمل فيه الى ان يذهب كمال الثلثين لانه ردّه معيبا و يحتاج زوال العيب إلى خسارة و العيب من فعله فكانت الخسارة عليه انتهى ثم ان ما ذكرناه من غرامة الناقص كالثلثين فيما نحن فيه ليس من قبيل الأحكام المتلقاة بالقبول عندهم لوقوع الخلاف فيه قال في التذكرة بعد ما حكم بضمان ما نقص من الزيت لو غصبه فأغلاه ما نصه لو غصب عصيرا فأغلاه فنقصت عينه دون قيمته مثل ان كان صاعين قيمتهما أربعة دراهم فلما أغلاه عاد الى صاع قيمته أربعة دراهم قال الشيخ (رحمه الله) لا يضمن الغاصب الناقص من العين هنا لانه مجرّد مائية رطوبة لا قيمة لها و للشافعية وجهان أحدهما انه يضمن ما نقص من العين كالزيت لانه مضمون بالمثل و الثاني انه لا يغرم شيئا لأنه إذا أغلاه نقصت المائية التي فيه و صار ربا و لهذا يثخن و يزيد حلاوته فالذي نقص منه لا قيمة له بخلاف الزيت فإنه لا مائية فيه فالذاهب زيت له قيمة بخلاف العصير فان حلاوته باقية و الذاهب منه ليس إلا المائية و الرطوبة التي لا قيمة لها و الوجه عندي انه لا فرق في الضمان بين الزيت و العصير لان الذاهب في الزيت (أيضا) الرطوبة المائية خاصة إلا أن مائية أقل قال له بعض الشافعية و الخلاف المذكور فيما إذا غلا العصير يجرى فيما إذا صار خلا و انتقض عينه دون قيمته و كذا إذا صار الرطب تمرا و العنب زبيبا انتهى

قوله عدا ما في مفتاح الكرامة من ان الظاهر المنع للعمومات المتقدمة و خصوص بعض الاخبار مثل قوله (عليه السلام) و ان غلا فلا يحل بيعه و رواية أبي كهمش

(انتهى) لم ينقل (المصنف) (رحمه الله) عبارة مفتاح الكرامة على وجهها و العبارة التي ذكره (المصنف) (رحمه الله) غير خالية عن الخلل و نحن نأتي بعبارته بعينها قال (رحمه الله) و اما إذا غلا عصير العنب بالنار و لم يذهب ثلثاه فلا ريب في نجاسته كما بيّناه في غير موضع بل ادعى عليها الإجماع و (الظاهر) (أيضا) عدم جواز بيعه لأنه (حينئذ) خمر كما صرّح به جماعة أو كالخمر إذا أعد للتخليل كما نص عليه المحقق الثاني (رحمه الله) و هو (الظاهر) من عبارة النهاية عند قوله و يكره الاسلاف فيه و يظهر منها و من اطعمة السرائر و غيرها في مواضع تظهر على الفقيه و هو الذي تقضى به قواعد الباب و يدلّ عليه إطلاق قول الصادق (عليه السلام) في خبر ابى كهمس فيما رواه ثقة الإسلام و ان غلا فلا يحل بيعه و مفهوم قوله (عليه السلام) (أيضا) فيما رواه الكليني (أيضا) عن ابى بصير حيث سئله عن ثمن العصير إذا بعته قبل ان يكون خمرا و هو حلال فلا بأس إذ مفهومه ثبوت البأس إذا لم يكن حلالا و هو حال الغليان و قوله (عليه السلام) (أيضا) في مرسل ابن الهيثم إذا تغير عن حاله و غلا فلا ضير فيه حتى يذهب ثلثاه و من الخبر المنفي بيعه فتأمل هذا ما في مفتاح الكرامة و ابى كهمس بالسين المهملة بخطه (رحمه الله) قال في باب الكنى من منتهى المقال أبو كهمس له كتاب رويناه عن جماعة عن ابى المفضل عن حميد عن القسم بن إسماعيل عنه ست اسمه الهيثم بن عبيد أو عبيد اللّه ثم ذكر ما يدلّ على تشيعه ثم قال و في كثير من المواضع كهمش بالمعجمة قيل لم توجد هذه اللغة و الموجود انما هو بالمهملة و معناه القصير على ما في (صلى الله عليه و آله و سلم) انتهى ما أوردنا ذكره و في باب الهاء من أبواب الأسماء من الكتاب المذكور الهيثم بن عبد اللّه أبو كهمس كوفي عربي له كتاب ذكره سعد بن عبد اللّه في الطبقات (النجاشي) و في (البرقي) ابن عبيد الشيباني أبو كهمس الكوفي أسند عنه انتهى فإنه قد كان يصغر اسمه و يرخم و في (التعليقة) في (الكافي) عن الحجاج الخشاب عن أبي كهمس الهيثم بن أبي عبيد و فيه؟؟؟ (أيضا) عن ابن بكير عنه و اسمه هيثم بن عبيد و (الظاهر) الاتحاد على ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) هذا ما في منتهى المقال و اما ابن الهيثم فهو بالهاء ثم الياء المنقطة بنقطتين من تحت ثم الثاء المثلثة بخط صاحب مفتاح الكرامة (رحمه الله) و اسمه محمّد ذكره العلامة (رحمه الله) في القسم الأوّل من كتاب الخلاصة قال (رحمه الله) محمد بن الهيثم بن عروة التميمي كوفي ثقة روى أبوه عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) انتهى و المرسل الذي أشار إليه مذكور في باب تحريم العصير العنبي و التمري و غيرهما إذا غلا و لم يذهب ثلثاه من كتاب الأطعمة و الأشربة من الوسائل عن محمّد بن يحيى عن احمد بن ابى نجران عن محمّد بن الهيثم عن رجل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سئلته عن العصير يطبخ بالنار حتى يغلى من ساعته ا يشربه صاحبه فقال إذا تغير عن حاله و غلا فلا خير فيه حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه

قوله و في الجميع نظر اما في العمومات فلما تقدم و اما الأدلة الخاصة فهي مسوقة للنهى عن بيعه بعد الغليان نظير بيع الدبس و الخل من غير اعتبار اعلام للمكلف و في الحقيقة هذا النّهي كناية عن عدم جواز الانتفاع ما لم يذهب ثلثاه فلا يشمل بيعه بقصد التطهير مع إعلام المشتري نظير بيع ماء النجس

المراد بالعمومات في كلام (المصنف) (رحمه الله) كقواعد الباب في عبارة مفتاح الكرامة (رحمه الله) هو حديث تحف العقول و حديث فقه الرّضا و حديث دعائم الإسلام و ما أرى مؤديها و أشار (رحمه الله) بقوله ما تقدم الى ما ذكره في ان (الظاهر) منها العنوانات النجسة و المحرمة بقول (مطلقا) لا ما يعرضانه في حال دون حال لكن لا يخفى عليك ان ما أورده على التمسّك بالعمومات في محلّه و اما ما ذكره من الحمل في مقام الإيراد على الأدلة فهو في غاية البعد كما لا يخفى على من له خبرة بأساليب الكلام و ان كان تمسك صاحب مفتاح الكرامة (رحمه الله) (أيضا) بها ساقطا اما بالنسبة إلى رواية أبي كهمس فيتضح بذكر منتها فإنه قال سئل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن العصير فقال لي كرم و انا أعصره كل سنة و اجعله في الدنان و أبيعه قبل ان يغلي قال لا بأس و ان غلا فلا يحل بيعه ثم قال هو ذا نحن نبيع تمرنا ممن نعلم انه يصنعه خمرا فان ظاهر يغلى في السؤال أنه يغلى بنفسه فيصير خمرا كما هو مقتضى اسناد الغليان و عدم التقييد بالنار خصوصا مع سبق قوله و اجعله في الدنان فان الجعل فيها مظنة الغليان بنفسه لا مظنة الغليان بالنار و كذا ظاهر قوله (عليه السلام) في الجواب و ان غلا هو الغليان بنفسه و صيرورته خمرا فلا دخل له بقضية الغليان بالنار و اما بالنسبة إلى رواية أبي بصير فيتضح بذكر منتها (أيضا) و ذلك انه قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ثمن العصير قبل ان يغلي لمن يبتاعه ليطبخه أو يجعله خمرا قال إذا تعبه قبل ان يكون خمرا و هو حلال فلا بأس فإن الحكم بحرمة البيع و عدم حرمته مفهوما و منطوقا قد أنيط بصيرورته خمرا و عدم صيرورته و قوله و هو حلال بيان لعدم صيرورته خمرا لا إشارة الى ما قبل

33

غليانه بالنار كما هو مقتضى سؤال السائل حيث قال عن ثمن العصير قبل ان يغلي فقوله (عليه السلام) و هو حلال تنبيه على علة الجواز الذي هو كونه معنونا بعنوان موجب للحل و هو كونه عصيرا لا خمرا و كان الّذي عداه الى حمل قوله (عليه السلام) و هو حلال على معنى انه ما قبل الغليان هو إشارة السائل إلى غرض المشترى و هو الطبخ أو جعله خمرا و أنت خبير بان ذلك لا يوجب حمل فعل البائع على ما قيل اغلائه بالنار مضافا الى ان جعل مناط حرمة البيع في رواية تحف العقول و غيرها هي العنوانات دون ما يعرضه الحرمة في حال دون حال مما يؤكد كون المراد في الخبرين هو كون صيرورته خمرا مناطا لحرمة البيع في هذين الخبرين الخاصين فتلك العمومات قرينة على المراد بهما مضافا الى ظهور دلالتهما و اما بالنسبة إلى مرسل بن الهيثم فهو انه ليس الجواب بنفي الخير عنه عند التغير عن حاله و الغليان نصا في حرمة البيع و لا ظاهرا بل (الظاهر) هو حرمة شربه أو نجاسة استعماله خصوصا بقرينة العمومات السابقة التي اناطت حرمة البيع بالعنوانات دون ما يحرم في حال دون حال هذا فان قلت ان رواية عمر بن أذينة تردّ ما ذكرت و ذلك انه قال كتبت الى ابى عبد اللّه (عليه السلام) اسئله عن رجل له كرم أ يبيع العنب و التمر ممن يعلم انه يجعله خمرا أو سكرا فقال انما باعه حلالا في الا بأنّ الذي يحل شربه أو أكله فلا بأس ببيعه بيان ذلك انه (عليه السلام) اعطى معيارا كليا و قانونا و هو ان بيع الشيء ان كان في وقت حله كان بيعه صحيحا و الا فلا و لا ضير في كون المورد هو بيع العنب و التمر بعد كون المناط الّذي أفاده (عليه السلام) كليا و (حينئذ) فمقتضى ذلك القانون انه ان باع العصير بعد غليانه و قبل ذهاب ثلثيه كان بيعه حراما لانه باعه في الا بأنّ الّذي يحرم شربه و هذا يهدم بنيان ما ذكر من ان بيع العصير بعد غليانه بالنار و قبل ذهاب ثلثيه يجوز بيعه قلت ان المعيار الذي ذكره الامام (عليه السلام) مما لا يضر بحالنا لان المعيار انما هو في مقابل ما لا يجوز بيعه من العنوانات لا في مقابل مجرد عارض يتفق في حال دون حال الا ترى ان السوء انما هو عن بيع العنب و التمر ممن يعلم انه يجعله خمرا أو سكرا و كل من الخمر و المسكر عنوان مستقل معروض للحرمة فيندرج في الأدلة الدالة على حرمة بيع ما عنون بعنوان هو مستقل في الحرمة فكأنه (عليه السلام) قال ان بيعه حلال لانه باعه في الإبان الّذي لم يعنون بعنوان مستقل موجب للحرمة و هو صيرورته خمرا و اين هو من عروض منا يدور مدار حال دون حال فلا يجرى ما ذكره من المناط في العنوان المستقل من دوران الحرمة مداره وجودا و عدما في الأمر العرضي الذي يجري في حال دون حال فيقال انه قبل الغليان بالنار يجوز بيعه و بعد غليانه بها لا يجوز بيعه فتدبر ثم ان بعض من تأخر قد استحسن ما أجاب به (المصنف) (رحمه الله) عن الاخبار الخاصة و قال ان ما ذكره (رحمه الله) و ان كان بعيدا في بادى الرأي الا انه بعد ملاحظة الأخبار الواردة في العصير يحصل الجزم بما ذكره (رحمه الله) في بيان المراد بالاخبار الخاصة التي تمسك بها في مفتاح الكرامة و ذلك انه لم يرد في الاخبار سؤال عن نجاسة العصير و لا الجواب بها و انما ورد فيها بيان المنع من شربه أو ما يعمه من الانتفاع مع سبق سؤال و بدونه فعن حماد بن عثمان عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال سالته عن شرب العصير قال تشرب ما لم يغل فإذا غلا فلا تشربه قلت اى شيء الغليان قال القلب و عن ذريح قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول إذا نشّ العصير أو غلا حرم و قد تقدم رواية محمّد بن الهيثم و لهذا حكم جماعة بمجرد حرمة العصير بالغليان دون نجاسته و على هذا فالأخبار الخاصة التي تمسك بها في مفتاح الكرامة مسوقة لبيان الاحتراز عما يقع معه المكلف في الحرام و هو بيعه بغير اعلام لأن المشتري (حينئذ) يشربه و يباشره فيكون قد ارتكب الحرام في الواقع و بيان التزام ما لا يقع معه في الحرام و هو ان يبيعه قبل الغليان أو يعلمه بذلك و أنت خبير بما فيه لأن ملاحظة تلك الاخبار لا تفيد ظهور الأخبار الخاصة المذكورة في

المعنى الذي ذكره (المصنف) (رحمه الله) و قد يستدل لما اختاره في مفتاح الكرامة من حرمة بيع العصير بعد الغليان و قيل ذهاب الثلثين بوجه أخر تقدم الإشارة إليه في كلامه و هو إطلاق اسم الخمر عليه في بعض الاخبار مثل ما عن التهذيب سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل من أهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج و يقول انه قد طبخ على الثلث و انا اعلم انه يشربه على النصف فقال خمر لا تشربه (انتهى) فيكون مثل قوله (عليه السلام) الطواف بالبيت صلاة فيكون مشاركا لها في جميع الأوصاف أو الأوصاف الظاهرة و منها النجاسة و حرمة البيع أو النجاسة وحدها فيتفرع عليه حرمة البيع و فيه ان حرمة البيع ليست من الأوصاف الظاهرة و كذا النجاسة و لهذا خالف في ثبوتها لنفس الخمر جماعة و على تقدير ثبوت نجاسة لا يتفرع عليها حرمة البيع لما عرفت من ان سبب تحريم البيع انما هي العنوانات دون ما يعرضه النجاسة في حال دون حال كما في العصير العنبي

[المسألة الرابعة جواز المعاوضة على الدهن المتنجس]

قوله يجوز المعاوضة على الدهن المتنجس على المعروف من مذهب الأصحاب

تقييد الدهن بالمتنجس احترازا عن النجس فإنه لا يجوز المعارضة عليه و ان قال بعضهم بجواز الإسراج به و قد تقدم ذكره في كلام (المصنف) (رحمه الله) و ليس التقييد بقوله على المعروف احترازا عن مقالة قائل معرف بخلاف ذلك إذ لم يعرف قائل بخلافه بل احتياط من جهة احتمال قائل غير معروف ثمّ ان ظاهر الأكثر بل الجميع عموم الجواز لجميع افراد الدهن كما هو مقتضى إطلاق معقد الإجماع المدعى في المقام لكن في ما ظاهره قصر الجواز على خصوص الزيت قال فيه ما لفظه و ان كان يعنى النجس بالمجاورة مائعا فلا يخلو من أحد أمرين اما ان يكون مما لا يطهر بالغسل مثل السمن أو يكون مما يطهر فان كان مما لا يطهر بالغسل مثل السمن فلا يجوز بيعه و ان كان مما يطهر بالغسل مثل الماء فإنه و ان كان نجسا فإنه إذا كوثر بالماء المطهر فإنه يطهر و قيل ان الزيت النجس يمكن غسله و الاولى ان لا يجوز تطهيره لانه لا دليل عليه فما هذا حكمه يجوز بيعه إذا ظهر و اما الطاهر الذي فيه منفعة فإنه يجوز بيعه لأن الذي منع من بيعه نجاسة و زوال ملكه و هذا مملوك الى ان قال يجوز بيع الزيت النجس لمن يستصبح به تحت السماء و لا يجوز الا لذلك انتهى و لكن له (رحمه الله) في كتاب الأطعمة و الأشربة كلام يظهر منه ان ذكر الزيت انما هو من باب المثال قال و ما ان كان مائعا فالكلام في السّمن و الزيت و الشيرج و البزر و هذه الادهان كلها واحد فمتى وقعت الفارة و ماتت فيه نجس كله و يجوز عندنا و عند جماعة الاستصباح به في السراج و لا يؤكل و لا ينتفع به في غير الاستصباح و فيه خلاف و رووا أصحابنا انه يستصبح به تحت السماء دون السقف الى ان قال و جملته أن الأعيان النجسة على أربعة أضرب نجس العين و هو الكلب و الخنزير و ما تولد منهما أو من أحدهما و ما في معناهما و هما ما استحال نجسا كالخمر و البول و العذرة و الجلد الميتة فكل هذا نجس العين لا ينتفع به و لا يجوز بيعه بحال الثالث ما ينجس بالمجاورة و ينتفع بمقاصده و يمكن غسله و هو الثوب فهذا يجوز بيعه و البزر مثله الرابع ما اختلف في جواز غسله و هو الزيت و الشيرج فمن قال لا يجوز غسله لم يجز بيعه و من قال يجوز غسله فالبيع على وجهين فعندنا و ان لم يجز غسله فيجوز الانتفاع به بالاستصباح فينبغي ان نقول انه يجوز بيعه بهذا الشرط انتهى و وجه ظهوره في ذلك أمران أحدهما ضم الشيرج اليه و الثاني بيان ان جواز الانتفاع به بالاستصباح سبب للقول بجواز بيعه و هذا موجود في السّمن و غيره من الادهان و كيف كان فالحق عدم الفرق بين الزيت و غيره من الادهان و النصوص مشتملة على غير (أيضا) كشمول معقد الإجماع لجميع ما عداه على حد شموله له نعم قد يتأمل في شموله للادهان التي لم يعهد استعمال الطاهر منها في الإسراج كدهن الورد و نحوه كغير الادهان من المتنجسات و لكن قد جزم بعضهم بشمول النصوص لها كشمول معقد الإجماع حملا لما في النص على المثال و لا بأس به بناء على اتحاد الجميع في المالية بالنسبة إلى الاستصباح و ان لم يستعمل الطاهر من ذلك فيه عندهم لمكان غلائه و قيام غيره مقامه على نحو قيام الشحم مقام السّمن و جريان العادة باستعمال السّمن فيه أحيانا مع الانحصار و نحوه و عدم جريانها به في نحو دهن الورد غير قاض بالفرق بينهما بعد اشتراكهما في القابلية له

34

التي عليها مدار المالية لا على فعلية الاستعمال و اما لو قلنا بالفرق بين الادهان في صيرورتها مالا عرفا بسبب الاستصباح بمعنى انه يصير سببا لمالية بعضها دون بعض فهل يحكم (حينئذ) بكون الاستصباح تمثيلا لمطلق الانتفاع حتى يلزمه ان ما فيه منفعة منها و لو لم يكن المنفعة خصوص الاستصباح يجوز بيعه و ما ليس فيه منفعة لا يجوز بيعه أو يقال بالقطع بعدم الفرق بينها في جواز الاستصباح و جواز التكسب به و ان اختلفت في صيرورتها لا بسببه أو بدعوى عدم القول بالفصل بينها من جهة جواز الاستصباح و جواز التكسب به و في الجميع تأمل و لكن الثاني أقرب الى التعبد بالنص ان قلنا بشموله المطلق الادهان بجعل المذكور فيه مثالا و كذا الى التعبد بمعاقد الإجماعات

قوله و جعل هذا من المستثنى من بيع الأعيان النجسة مبنى على المنع

لما كان كلامه (رحمه الله) في المستثنيات و ذكر انها تذكر في مسائل أربع و كانت هذه المسئلة هي الرابعة و كان الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل حاول (رحمه الله) توجيه كون ما ذكره في هذه المسئلة من قبيل المستثنى فذكر ان جعل الدهن المتنجس من المستثنى من الأعيان النجسة بالمعنى الأعم الشامل للنجسة و المتنجسة مبنى على أحد الأمرين الذين هما المنع من الانتفاع بالمتنجس الا ما خرج و المنع من بيع المتنجس و ان جاز الانتفاع به نفعا محللا مقصودا لانه على كل منهما يصحّ الاستثناء فيقال على الأول يحرم الانتفاع بالمتنجس الا هذا المتنجس الخاص الذي هو الدهن فإنه يجوز الانتفاع به حتى ببيعه و استيفاء ثمنه و على الثاني يحرم بيع المتنجس و ان كان له منفعة محللة مقصودة الا هذا المتنجس المشتمل على المنفعة بخصوصه بخلاف ما لو قلنا بجواز الانتفاع بالمتنجس الا ما خرج و جواز بيع المتنجس الّذي ينتفع بها نفعا محللا فإنه يصير الحكم المخالف المستثنى منه عبارة عن أنه لا يجوز بيع المتنجس الذي ليس فيه منفعة محللة فإذا قيل في مقام الاستثناء الا الدهن للاستصباح كان الاستثناء منقطعا من جهة كون الدهن من افراد المتنجس الّذي فيه منفعة لا من افراد ما ليس فيه منفعة فتدبر

قوله و قد تقدم ان المنع عن بيع النجس فضلا عن المتنجس ليس الّا من حيث حرمة المنفعة المحللة المقصودة

لا يخفى ان حرمة المنفعة المحللة لا تتصور الا بغرض التحليل على وجه الشأنية فتأمل

قوله و الاخبار مستفيضة

مما لم يذكره (المصنف) (رحمه الله) صحيحة زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) قال إذا وقعت الفأرة في السّمن فماتت فان كان جامدا فألقها و ما يليها و كل ما بقي و ان كان ذائبا فلا تأكله و استصبح به و الزيت مثل ذلك و صحيحة الحلبي قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) من الفارة و الدابة تقع في الطعام و الشراب فتموت فيه قال ان كان سمنا أو عسلا أو زيتا فإنه ربما يكون بعض هذا فان كان الشتاء فانزع ما حوله و كله و ان كان الصيف فارفعه حتى تسرج به و موثقة سماعة قال سئلته (عليه السلام) عن السّمن (السّمن) تقع فيه الميتة فقال (عليه السلام) ان كان جامدا فالق ما حوله و كل الباقي فقلت الزيت فقال (عليه السلام) أسرج به و خبر معاوية عنه (عليه السلام) في جرذ مات في زيت ما تقول في بيع ذلك فقال (عليه السلام) بعه و بيّنه لمن اشتراه ليستصبح به قال في الوافي جرذ كصرد ضرب من الفار انتهى و هو بالذال المعجمة كما يظهر من كتب اللغة حيث انهم يذكرونه في باب الذال المعجمة لا في باب الدال المهملة

[الإشكالات التي تقع في الاكتساب بالدهن المتنجس]

[الأول هل أن صحة البيع مشروطة باشتراط الاستصباح]

قوله و نحوه مجردا عن دعوى الإجماع عبارة (المبسوط) و زاد انه لا يجوز بيعه الا لذلك و ظاهره كفاية القصد

أقول ظاهر ذيل ما حكيناه عن المبسوط في أول المسئلة هو اعتبار الاشتراط لانه قال فعندنا و ان لم يجز غسله فيجوز الانتفاع به بالاستصباح فينبغي ان نقول انه يجوز بيعه بهذا الشرط انتهى و هذه العبارة أظهر في الدّلالة على الاشتراط من دلالة العبارة التي حكاه (المصنف) (رحمه الله) على مجرد القصد لكونه أخص فيحمل الظاهر على الأظهر الا ان يحمل ما حكيناه على كونه عدولا لكونه متأخرا

قوله و كيف كان فقد صرح جماعة بعدم اعتبار قصد الاستصباح

هذا قول ثالث في المسئلة و هو الحق إذ لم يجعل الاستصباح في النصوص غاية للبيع و انما جعل غاية لبيان المشترى ذلك للبائع نعم يجب مجرد الاعلام التضمن النصوص الأمر بالبيان و الاعلام

قوله و يمكن ان يقال باعتبار قصد الاستصباح إذا كانت المنفعة المحللة منحصرة فيه و كان من منافعه النادرة التي لا يلاحظ في ماليته كما في دهن اللوز و البنفسج و شبههما

(انتهى) محصل هذه العبارة إلى أخرها قول رابع و هو التفصيل بين ما ذكره من الغرض و هو انحصار المنفعة المحللة في الاستصباح و كان هو من المنافع النادرة الغير الملحوظة في مالية ذلك الدهن فيعتبر قصد الاستصباح حينئذ و بين ما لو كان الاستصباح منفعة غالبة متعارفة يكون باعتبارها ماليته أو من منافعه المساوية للأكل فلا يعتبر (حينئذ) قصد الاستصباح في البيع و أورد عليه بعض المعاصرين بما نصه و فيه مع إمكان كونه خرقا للإجماع المركب بعد تسليم شمول كلماتهم لذلك كما هو المفروض و الا لم يكن وجها رابعا كما هو واضح ان المالية تابعة للقابلية للانتفاع به في الفوائد المعتادة المقصودة أو غيرها و ان منع من فعليتها مانع من غلاء القيمة و غيره كما لو غلت قيمة السّمن و نحوه و لا شاهد على حصرها بالأول بل هو على خلافه كما يساعد عليه الوجدان و الفطرة المستقيمة فتأمل فيه و النص لعله كاشف عن ذلك لا عن إثبات مالية شرعية مخالفة للعرف و العادة كما ان اللازم انما هو العمل بظاهره مع عدم المانع منه و ظاهره انما هو صورة الإطلاق المنصرف إلى النادرة بحكم الشارع فلا يكون أكلا للمال بالباطل و لا ينافيه انصرافه عرفا إلى الفوائد المحرمة مع عدم قصدها للمتعاقدين بالخصوص و دعوى ان انصرافه إليها مستلزم لقصدها (كذلك) فيبطل عهدتها على مدعيها بل لا يبعد الصحة مع قصد جميع المنافع التي منها المحللة فينصرف الثمن شرعا إليها و يلغى قصد غيرها و لم يثبت كونه مانعا منها و اولى بها ما لو لم يلتفتا الى المنافع أصلا لأنه مال واقعي شرعا قابل لبذل المال بإزائه و لم يقصد به خصوص المنافع المحرمة التي لا يصحّ بذل المال بإزائها كما جزم به بعضهم بل قد يقال بها ان لم يكن إجماع على عدمها مع قصد المحرمة خاصة لأن بذل المال انما هو بإزاء العين التي هي مال عرفا أو شرعا لا في مقابلة المنافع المحللة أو المحرمة و انما الشرط وجود الاولى فيها خاصة و لذا يصح مع الغفلة عن ملاحظتها و قصد المحرمة انما هو من الدواعي لقصد نقل العين اليه و لم يثبت كونه مانعا منها و ان كان حراما بل و ان كان البيع المشتمل عليه حراما إذ لا يلزم منه الفساد في نحو ذلك لا عرفا و لا شرعا و لعله لذا قال الفاضل في محكي التذكرة بأن الجارية المغنية لو بيعت بأكثر مما يرغب فيها لو لا الغناء فالوجه التحريم و لا داعي لحمله على ارادة الفساد منه فتأمل جيد انتهى

قوله فلو لم يعلم المتبايعان جواز الاستصباح بهذا الدهن و تعاملا من غير قصد الى هذه الفائدة كانت المعاملة باطلة لأن المال مبذول مع الإطلاق في مقابل الشيء باعتبار الفوائد المحرمة

المراد بهذا الفرض هو ما لو كان هناك قصد منهما إلى الفوائد في الجملة لكن لم يكونا قاصدين إلى الفائدة الخاصة و ذلك بحكم الجمع بين التعليل الّذي علل به هذا الحكم و بين قوله ثم لو علمنا عدم التفات المتعاملين الى المنافع أصلا أمكن صحتها لانه مال واقعي قابل لبذل المال بإزائه (انتهى)

قوله و اما فيما كان الاستصباح منفعة غالبة

(انتهى) عطف على قوله و يمكن ان يقال باعتبار قصد الاستصباح إذا كانت المنفعة المحللة منحصرة فيه فيصير الحاصل من المعطوف و المعطوف عليه هو التفصيل بين ما لو كان الاستصباح من المنافع النادرة للدهن و بين ما لو كان من المنافع الغالبة أو المساوية فيعتبر القصد إلى المنفعة المحللة النادرة التي هي الاستصباح في الأول بخلاف الأخيرين فإنه لا يعتبر فيهما القصد إلى المنفعة المحللة الغالبة أو المساوية

قوله كما يومي الى ذلك ما ورد في تحريم شراء الجارية المغنية و بيعها

لعل المراد بذلك ما رواه في الوسائل عن محمّد بن على بن الحسين قال سئل رجل على بن الحسين (عليه السلام) عن شراء جارية لها صوت فقال (عليه السلام) ما عليك لو اشتريتها فذكرتك الجنة يعني بقراءة القران و الزهد و الفضائل التي ليست بغناء فاما الغناء فمحظور لكن يشكل الأمر في هذه الرواية من جهة ان شيئا مما بعد قوله يعنى ليس من لفظ المعصوم (عليه السلام) و الإيماء انما يحصل بذلك و الا فالسؤال انما هو عن شراء جارية لها صوت و هو أعم من الغناء و هو (رحمه الله) أشار الى ما ورد في تحريم شراء الجارية

35

المغنية نعم لو علم ان قوله فاما الغناء فمحظور من لفظ الامام (عليه السلام) كان في الرواية إيماء الى ما ذكره لكنه غير معلوم و يحتمل ان يكون (المصنف) (رحمه الله) قد أراد بذلك ما رواه فيها مسندا عن عبد اللّه بن الحسن الدينوري قال قلت لأبي الحسن (عليه السلام) جعلت فداك ما تقول في النصرانية أشتريها و أبيعها من النصراني فقال اشتر و بع قلت فانكح فسكت عن ذلك قليلا ثم نظر الىّ و قال شبه الإخفاء هي لك حلال قال قلت جعلت فداك فاشترى المغنية و الجارية تحسن أن تغني أريد بها الرزق لا سوى ذلك قال اشتر و بع و وجه الإيماء ان حرمة بيعها بقصد الفائدة التي هي الغناء كانت مسلمة عند السائل فلهذا قيد بقوله أريد بها الرزق لا سوى ذلك فاذن المعصوم (عليه السلام) في شرائها و بيعها و يشكل الأمر بأنه لو باع الجارية المغنية بأكثر مما تباع به لو لم تكن مغنية و كان مقصوده بذلك الاكتساب و الربح صدق عليه انه يريد الرزق الا ان يقال ان مثل ذلك يوجب القدح في الدلالة دون الإيماء الذي حاول (المصنف) (رحمه الله) إثباته أو يقال ان المراد بالرزق ما يعيش به مما فيه الكفاية لا ما زاد على ذلك فيدخل الزائد فيما نفاه بقوله لا سوى ذلك لكن هذا لا يخلو من نظر لأن غاية ما يتأتى منه هو ان لا يزيد البائع على ثمن الجارية لو لا الغناء ما يوازي الغناء الا انه إذا صار ثمنها المتعارف بسبب الغناء ما يريد على ثمنها لو لا الغناء و اربح البائع عند بيعها ما يكتفى به و يرتزق صدق عليه انه أراد الرزق لا سوى ذلك

[الثاني هل يجب الإعلام مطلقا أو لا و هل وجوبه نفسي أو شرطي]

قوله ان ظاهر بعض الاخبار وجوب الاعلام فهل يجب (مطلقا) أم لا و هل وجوبه نفسي أو شرطي

التقييد بقوله (مطلقا) يظهر وجهه من التفصيل الذي يذكره بقوله الذي ينبغي ان يقال (انتهى) و محصل الكلام ان ظاهر جملة من النصوص وجوب الإعلام بنجاسة الدّهن المتنجس الذي يباع و حكى تنصيص الأكثر عليه بل احتمل عدم الخلاف فيه في الجملة فاصل الحكم مما لا اشكال فيه و انما الإشكال في ان وجوبه نفسي عملا بظاهر الأمر فيصح البيع بدونه و ان أثم بتركه أو شرطي فيتوقف صحة البيع عليه فلا يصحّ بدونه و لو تركه وقع البيع فاسدا و قد اختلف في ذلك كلماتهم في خصوص المقام و غيره و الذي يقتضيه التحقيق انما هو الأول كما فصلنا القول فيه في الأصول و محصل الوجه في ذلك ان مقتضى الأصول اللفظية انما هو ذلك لان إطلاقات البيع غير مقيدة باشتراط صحته بأخبار المشترى و ان الأمر بالإعلام (أيضا) (مطلقا) غير مقيد بكونه لصحّة البيع و قد حررنا في محله ان الوجوب الغيري مما يحتاج انفهامه من اللفظ الى التقييد على خلاف الوجوب النفسي فان انفهامه منه غير محتاج الى التقييد فيكون الأمر بالإعلام يحكم ترك التقييد ظاهرا في النفسي كما ان إطلاقات البيع تقضى بعدم اشتراط صحته بالإعلام فمقتضى العمل بأصالة الإطلاق في الدليلين هو التسالم من طرفين على وجوبه و عدم اشتراط صحة البيع به و ذلك ما ذكرنا من وجوبه النفسي و قد حكى القول به عن نص كثير منهم بل نسب الى ظاهر الأصحاب قال المحقق الأردبيلي (رحمه الله) فلو لم يبين فظاهرهم انعقاد العقد و يكون الترك سبب الإثم على ذلك التقدير و موجبا للخيار لا غير لان غايته نهى في غير العبادة و هو ليس بمقتض للفساد كما حقق في محله انتهى و لكن في المستند انه قد يوجه الفساد يعنى عند ترك الإعلام بان الإعلام اما شرط جواز البيع أو صحته أو مشكوك في شرطيته و الفساد على الأولين ظاهر و كذا على الثاني لحصول الإجمال في تخصيص عمومات الصحة فلا يكون حجة في موضع الإجمال ثم قال و يضعف بان تجويز البيع في الصحيحة (مطلقا) و الأصل عدم الاشتراط و عطف قوله يبينه لا يبينه فلا إجمال انتهى فما اخترناه مما لا اشكال فيه بل لا يظهر فيه خلاف صريح كما عرفت الإشارة اليه الا انه وقع الخلاف في توجيه الوجوب على وجوه الأول ان ذلك حكم تعبدي و رد من جانب الشارع في هذا المورد بخصوصه فلا يتعدى به عن مورده الى غيره الثاني ان ذلك من جهة كون النجاسة عيبا خفيا و ان كل عيب خفي يجب على البائع بيانه قال المحقق الأردبيلي (رحمه الله) ثم ان (الظاهر) وجوب إعلام المشتري بالنجاسة في الدهن و غيره من سائر المتنجسات التي يجوز البيع معها للرواية المتقدمة و لأن النجاسة عيب خفي فيجب إظهاره كما قيل في سائر العيوب ليسقط خيار المشترى و الا يكون تدليسا و يكون له الخيار انتهى و لازم هذا التعليل هو التعدي الى كل متنجس و ان لم يكن من قبيل الادهان و الى كل معاوضة و ان لم يكن بيعا فيجب الاعلام في جميع ما ذكر دون غيرها مما ليس معاوضة و أورد عليه (المصنف) (رحمه الله) في ذيل الكلام بان وجوب الاعلام على القول به ليس مختصا بالمعاوضات (انتهى) الثالث انه غش بما يخفى فيجب تركه و يتحقق ببيانه فيتعدى الى كل معاوضة مشتملة على الغش بما يخفى و اختلاف هذا الوجه مع الثاني انما هو بالحيثية الرابع ان الإيقاع في النجس الواقعي محرم فيتعدى الى كل ما هو مندرج في هذا العنوان مما هو من قبيل البيع و غيره كالتبرع به و هبته و غير ذلك الخامس ان الإيقاع في المحرم الواقعي من حيث كونه مشتملا على المفسدة الواقعية محرم فيتعدى الى غير النجس (أيضا) من المحرمات الواقعية كما يتعدى الى غير المعاوضات (أيضا) و هذا الوجه نبّه عليه (المصنف) (رحمه الله) و فصّل الحال فيه بقوله و في قوله (عليه السلام) يبينه لمن اشتراه ليستصبح به إشارة إلى وجوب الاعلام (انتهى) ثم انه بعد ما علم من وجوب إعلام المشتري فهل يجب اعلامه (مطلقا) حتى لو كان كافرا لم يختص وجوبه بما إذا كان المشترى مسلما فعن الشهيد (رحمه الله) الثاني فلا يجب إذا كان المشترى كافرا و في كشف اللثام و يجب إعلام المشتري بنجاستها إذا كان مسلما انتهى و لعل الوجه فيه كون الاخبار لغوا لانه لا يعتقد وجوب الاجتناب عنه و لا يجتنب أصلا و ربما الحق بالكافر في عدم وجوب الاعلام المسلم الّذي لا يرى نجاسة ذلك الشيء كمن لا يرى نجاسة الغسالة فإذا تنجس الدهن بالغسالة و

هو يريد بيعه على من لا يرى نجاستها لم يلزمه اخباره و إطلاق النصوص حجة عليهما جميعا مضافا الى ما قيل في دفعه من ان الكفار مكلفون بالفروع فتأمل فإن هذا لا يدفع الدليل بالتقرير الّذي بيناه لان مجرد كونهم مكلفين بالفروع واقعا لا يجدى في دفع اللغوية من حيث عدم اعتقاده و عدم التزامه بما أعلمه به فتدبر ثم ان وقت الاعلام الواجب هل هو ما قبل العقد أو ما بعد متصلا به أو انّه يجوز بعده (مطلقا) و لو ترخي الزمان بل تصرف المشترى فيه و باشره على وجه يسري إليه نجاسة فنقول ظاهر الاخبار وجوب اقتران الاعلام بالبيع فلا يجوز التأخير عمدا بل لا يعتبر قوله إذا أخبر بعد قبض المشترى و تصرفه فيه و ان لم يكن تأخير الاعلام عن عمد لأنه في الحالة المتأخرة ليس صاحب يد لخروجه عن يده و تصرفه و سلطنته بمجرد بيعه و إقباضه و قول غير صاحب اليد لا يقبل فقد تحصل انه لا بد من اقتران الاعلام بالبيع و بقي انه هل يلزم ان يكون قبل عقد البيع أو يجوز الاعلام بعده متصلا به فنقول الوجه هو الأول لأن أكثر أخبار الاعلام و ان كانت بحسب الظاهر صالحة لمجرد الاقتران من دون افادة لزوم كون الاعلام قبل العقد الا ان خبر قرب الاسناد ظاهر في ذلك لانه قال (عليه السلام) فيه اما الزيت فلا تبعه الا لمن تبين له فيبتاع للسراج فإنه يدل على تقدم البيان و تفرع ابتياع المشترى للسراج عليه مع انه لو بين له قبل البيع فقد لا يقدم على ابتياعه الا ان يقال ان غاية ما هناك ان يكون للمشتري الخيار و كيف كان فطريق الاحتياط في امتثال الأمر بالإعلام هو تقديمه على عقد البيع فرعان الأول انه هل يقبل قول البائع إذا لم يكن هو المالك و انما كان وكيلا كالدلال و نحوه فيجب على المشترى الاجتناب عنه في غير الاستصباح به إذا كان المبيع دهنا و الاجتناب عما لا يجوز استعماله فيه إذا كان غيره من المتنجسات أم لا فيه اشكال من جهة عدم كونه زائد و ليس هناك دليل صالح لوجوب الاجتناب و الالتزام بما أخبر به الثاني انه هل يقبل قول الفضولي في الإعلام بكون المبيع متنجسا أم لا الظاهر هو الثاني لأنه ليس مالكا و لا صاحب يد و هو اولى بعدم القبول من الوكيل كما يكشف عنه اطباقهم على ان الخيارات انما يثبت للمالك دون الفضولي و انه وقع لبعضهم كلام في ثبوت الخيار للوكيل أو المالك فيما إذا كان العاقد هو الوكيل

قوله لبعض الأخبار المقدمة

و هو ما عن ابى بصير في الموثق حيث

36

قال (عليه السلام) في ذيله و أعلمهم إذا بعته لان ظاهر الأمر المطلق انما هو الوجوب النفسي لا غير

قوله فإن الغاية للإعلام ليس هو تحقق الاستصباح إذ لا ترتب بينهما شرعا و لا عقلا و لا عادة بل الفائدة حصر الانتفاع فيه بمعنى عدم الانتفاع به في غيره

يعنى ان معنى قوله ليستصبح به ليس ما يرادف قولنا ليتحقق الاستصباح منه قهرا بل معناه من جهة كونه فعلا اختياريا و كون المنفعة التي لا مبغوضية فيها عند الشارع هو الاستصباح انما هو بيان انه لا ينتفع به انتفاعا اختياريا إلا في المنفعة المباحة فالاستصباح كناية عن الانتفاع الاختياري المباح فافهم

قوله ففيه إشارة إلى وجوب اعلام الجاهل بما يعطى إذا كان الانتفاع الغالب به محرما يجب تعلم عادة وقوعه في الحرام لو لا الإعلام فكأنه قال أعلمه لئلا يقع في الحرام الواقعي بتركك لاعلامه

لا يخفى ان الحكم بوجوب الإعلام بنجاسة الدهن المتنجس ليس محلا للتوقف عملا بالأخبار الواردة في موردها الذي وردت فيه و انّما الكلام إذا باع شيئا ممّا عداه من المتنجسات من مأكول أو ملبوس أو غيرهما ممّا يباشره المشترى برطوبة فيقع في ملاقاة النجاسة الواقعية مع جهله بها أو يصلّى فيه فتقع صلوته في المتنجس الواقعي فهل يجب على البائع اخباره و مثل البيع غيره من وجوه النقل الى غيره الّذي ذهب إليه العلامة (رحمه الله) في التذكرة انما هو وجوب الاعلام قال في ذيل المسئلة الاولى من مسائل اشتراط الطهارة في العوضين في البيع ما نصه و ما عرضت له النجاسة ان قبل التطهير صح بيعه و يجب إعلام المشتري بحاله و ان لم يقبله كان كنجس البعض انتهى و قد أشار (المصنف) (رحمه الله) بهذا الكلام الى موافقته و انه يجب على كل من يعطى المتنجس غيره اعلامه بنجاسته إذا كان جاهلا بها سواء كان الإعطاء على وجه البيع أو الهبة أو غيرهما من وجوه الإعطاء و استفاد ذلك من الخبر الدال على وجوب الإعلام بنجاسة الدهن المتنجس بتقريب ان الأمر بالإعلام في الدهن انما هو لغرض ترك الأكل و فعل الاستصباح و ليس ذلك الا من جهة ان الأكل لما كان من جملة ما هو مبغوض للشارع محظور عنده في الواقع فكأنه قال أعلمه لئلا يقع بإعطائك إياه و تركك الإعلام بحاله في المحرم الواقعي و (حينئذ) فيحصل من الخبر قاعدة كلية و هي ان كل مورد صار إعطاء المعطى مع تركه الاعلام سببا و مقتضيا للوقوع فيما هو محرم في الواقع وجب عليه الاعلام و انما اقحمنا لفظ الإعطاء في بيان الضابط ليصير وافيا بالفرق بين ترك الاعلام مع الإعطاء كما هو مقصودنا بالبحث و بين تركه بغير إعطاء و هو الّذي حكى عن العلامة (رحمه الله) الحكم بوجوب الاعلام فيه ورده فلا يرد الثاني نقضا على الضابط و يكون إدخال باء السّببية في قوله تركك باعتبار كونه مما له دخل في تأثير السّبب بمعنى المقتضى الذي هو الإعطاء في وجود مسبّبه الذي هو الوقوع فيما هو محرم واقعي و الا فلا فرق بين نفس الترك هيهنا و بينه في الثاني لأنه ليس سببا في شيء منهما لأن العدمي ليس صالحا للتأثير في الوجود مع ان (المصنف) (رحمه الله) قال في مقام التعبير عن الثاني بل قد يقال بوجوب الاعلام و ان لم يكن منه تسبيب و معلوم انه لو كان السببية للترك كان محققا هناك فلم يكن لنفى التسبيب وجه فالضمير في قوله منه عائد إلى المكلف و عدم التسبيب انما هو بعدم الإعطاء و بما ذكرنا من معنى السببية في الباء يرتفع ما يتوهم في بادئ الرأي من المنافاة بين إثبات التسبيب هنا و ما افاده الباء الداخلة على الترك من معنى السببية و بين ما سيصرح به في الأمر الرابع من كون سكوت العالم عن اعلام الجاهل فيما نحن فيه شرطا هذا و للتأمل فيما أفاده (رحمه الله) مجال إذ لقائل أن يقول بعد الإغماض عن ظهور كون الحكم تعبديا غير معلوم الوجه مختصا بمورده بحيث لا يصلح للتعدي عنه الى غيره انه بعد البناء على التعدي عن مورده لا وجه للتعدي الى كل ما يعطى من ملبوس و فراش و غطاء و وطاء و مأكول و مشروب و غير ذلك من المتنجسات التي يلزمها مباشرة الآخذ لها برطوبة أو يلزمها الوقوع في المحرم الواقعي مع عدم الاعلام كالصّلوة في اللباس و السجود على ذلك المأخوذ ان كان مما يصح السّجود عليه لجواز اختصاص الأكل بما لا يجري في غيره فإن أكل المتنجس من حيث كون المأكول يصير جزء من البدن يورث قسوة القلب و عدم استجابة الدعاء و نحو ذلك مما لا يرفعه الطريق الظاهري الذي هو مأمور به بالفعل من أصالة الطهارة و نحوها و هذا بخلاف مثل الصّلوة و السّجود و نحوهما مما يكفى فيه الطريق الظاهري الذي هو مأمور به بالفعل الا ترى انه لو صلّى في لباس متنجس غير مسبوق بالعلم بنجاسته بحكم أصالة الطهارة أو استصحابها ثم تبين انه كان متنجسا في حال الصّلوة كانت صلوته صحيحة عند الأكثر و منهم (المصنف) (رحمه الله) فلو كان الوقوع في خلاف الواقع قادحا في جميع المقامات كان اللازم عليه إعادة الصّلوة لانه صلّى في النجاسة الواقعية فالحاصل انه بعد البناء على التعدي لا بد و ان يقتصر على وجوب الإعلام بالنجاسة في خصوص ما يراد اكله دون غيره كيف لا و المستفاد من الاخبار الناطقة بالأمر بالإعلام و هو التنزه عن الأكل و لا أقل من كونه هو القدر

المتيقن فلا يتعدى في وجوب الإعلام الى غير المأكول

قوله مثل ما دل على ان من افتى الناس بغير علم لحقه وزر من عمل بفتياه

يعنى ان الوزر الذي كان يلحق العامل بتلك الفتيا لو كان عالما بمخالفتها للواقع يلحق المفتي لا يخفى عليك ان في دلالة هذا النوع من الاخبار على ما حاول (المصنف) (رحمه الله) الاستدلال به عليه نظرا لأن أصل الفتوى بغير علم مما هو مبغوض عند الشارع و ليس مبغوضيتها من باب الوقوع في خلاف الواقع و لهذا كان الفتوى بغير علم مجرمة حتى لو طابقت الواقع و يدل على هذا إطلاق ما رواه مفضل بن يزيد قال قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) أنهاك عن خصلتين فيهما هلك الرجال أنهاك أن تدين للّه بالباطل و تفتي الناس بما لا تعلم و يؤيده ما رواه في الفقيه عن الصادق (عليه السلام) من ان القضاة أربعة ثلثه في النار و واحد في الجنة رجل قضى بجور و هو يعلم فهو في النار و رجل قضى بجور و هو لا يعلم فهو في النار و رجل قضى بحق و هو لا يعلم فهو في النار و رجل قضى بحق و هو يعلم فهو في الجنة

قوله و مثل قوله (عليه السلام) ما من امام صلى بقوم فيكون في صلوتهم تقصير الا كان عليه أوزارهم

لا بد و ان يراد بالتقصير تقصير الامام يصحّ به صلوتهم في الواقع مثل ان يصلّى بهم بغير وضوء أو يحدث في الثناء أو ينوي الرياء أو يصلّى في لباس مغصوب أو متنجس و نحو ذلك لا التقصير الصادر من المأمومين مثل ان يصلوا بغير وضوء أو يحدثوا في الأثناء أو نحو ذلك إذ لا يصير الامام على الثاني سببا في تقصيرهم فلا يطابق الحديث المقصود الّذي سيق للاستدلال به عليه و (الظاهر) انه (رحمه الله) ذكر الروايتين أخيرتين لإفهام هذا المعنى لان قوله (عليه السلام) فيكون في صلوته و صلوتهم تقصير ظاهر في ان يفعل الامام فعلا يوجب قصور صلوته و صلوتهم و قوله (عليه السلام) لا يضمن الامام صلوتهم الا ان يصلى بهم جنبا يدل على ان التقصير من الامام من حيث ان الصّلوة بهم جنبا فعله لا فعل المأمومين هذا و لا يخفى ما في دلالة الخبر المذكور من التأمل لأنه لا بد من تقييده و تقييد ما بعده بالخبر الأخير من جهة صراحته في حصر الضمان في الصّلوة بهم جنبا و (حينئذ) فيكون مدلول الاخبار الثلاثة انحصار الضمان و حمل الوزر و الإثم في الصّلوة بهم جنبا فيكون غير ذلك ممّا لا وزر فيه و لا اثم فلو صلّى بهم بغير وضوء أو غير ذلك لم يكن عليه وزرهم و إثمهم و يكون الانحصار في خصوص مورد خاص دليلا على كونه بخصوصه مما فيه مفسدة فلا يسرى الحكم الى مطلق السّببية للوقوع في خلاف الواقع فلا يتم ما رامه (رحمه الله)

قوله فان في كراهة ذلك في البهائم إشعارا بحرمته بالنسبة إلى المكلف

لا يخفى ان مجرد الاشعار لا ينهض دليلا بعد سقوط غيره مما عرفت من مرتبة الدلالة

قوله و يؤيده ان أكل الحرام و شربه من القبيح و لو في حق الجاهل

ما ذكره من ثبوت القبح في الواقع لما هو محرم في الواقع حق و ما استشهد به من حديث الاحتياط مما لا ريب فيه الا انا نمنع من حرمة التسبيب لوقوع المكلف في الحرام الواقعي عند قيام طريق ظاهري في حقه يوجب الإباحة بالنسبة إليه في مرحلة الظاهر

قوله ثانيها ان يكون فعله سببا للحرام كمن قدم الى غيره محرما و مثله ما نحن فيه

لا ريب في ان المراد مما نحن فيه هنا انما هو الإعطاء لا ترك

37

الاعلام لان الأول هو الذي يكون مع تقديم المحرم الى غيره من واد واحد و لأنه (رحمه الله) سيصرح بان السكوت الّذي هو عدم الاعلام من قبيل الشروط بالنسبة إلى الوقوع في الحرام الواقعي

قوله و لذا يستقر الضمان على السّبب دون المباشر الجاهل بل قيل انه لا ضمان ابتداء الا عليه

الفرق بين هذا القول و ما قبله هو انه على الأول يشتركان في الضمان بمعنى انه يجيء في حق المباشر الضمان بمداخلته بالمباشرة و يجيء في حق السّبب الضمان بمداخلته بالسّببية لكن يستقر على الأقوى فإذا كان السّبب أقوى استقر عليه نظير مسئلة تعاقب الأيدي فيجيء في حقّ كل من اثبت يده على المغصوب حكم الضمان بإثبات يده عليه ثمّ انه يستقر على من تلف في يده و هذا بخلاف الثاني فإنه بناء عليه لا يتحقق حكم الضمان ابتداء إلا في حق السبب الأقوى و هذا أوفق بالقاعدة لأن الإتلاف في نظير الأول انما طرء بعد إثبات الأيدي على المغصوب الموجب لصحّة تضمين كل منهما ثم ان إتلاف الطاري أوجب استقراره على المتلف و هذا بخلاف ما نحن فيه لأن قوة السّبب أمر ثابت من ابتداء الأمر و ليس أمرا طارئا بعد طرو ما يشترك فيه السبب و المباشر من منشأ الضمان

قوله و هذا يكون على وجهين أحدهما ان يكون من قبيل إيجاد الداعي على المعصية اما لحصول الرغبة فيها

وجه كون إيجاد الداعي من قبيل الشّروط مع انه في بادى الرأي أشبه بالمقتضى هو ان مقتضى الفعل انما هو العزم عليه فان اقترن به شروط وجود الفعل المعزوم عليه و انتفى الموانع تحققت العلة التامة للفعل و الا فلا و اما قبل تحقق العزم فلا يوجد المقتضى للفعل و ذلك لان أول ما يبدو للفاعل هو تصور الفعل ثم يميل اليه ثم يعزم عليه فتصور الفعل و الميل اليه من من مقدمات العزم التي قد يتحقق معها العزم و قد لا يتحقق فلا يكونان مقتضيين بل يصيران من قبيل الشروط لأنها عبارة عما لا يلزم من وجوده وجود المشروط و يلزم من عدمه عدمه و على هذا القياس العناد بل هو من مقدمات الميل الى الفعل الذي هو سبّ الحق فإنه إذا حصل العناد في قلب الكافر تصور سبّ الحق ثم مال اليه ثم انه قد يعزم عليه و قد لا يعزم فإذا لم يكن الميل مقتضيا فعدم كون العناد الذي هو من مقدماته من قبيل المقتضي أولى بالإذعان و بما ذكرنا ظهر وقوع المسامحة من (المصنف) (رحمه الله) في التعبير بالموجب و الموقع الظاهرين في المقتضى و ان التعبير بهما انما هو باعتبار وقوع الفعل بعدهما أحيانا فافهم

قوله و اخرى مع عدم الحرمة الفعلية بالنسبة إلى الفاعل كسكوت العالم عن اعلام الجاهل كما فيما نحن فيه فان صدور الحرام منه مشروط بعدم اعلامه فهل يجب رفع الحرام بترك السكوت أم لا و فيه اشكال

مقتضى رد أخر الكلام إلى اوله و الجمع بينهما هو ان إعطاء المتنجس للجاهل مقتض للوقوع فيما هو محرم واقعي و ان السّكوت شرط له و ان المحرّم انّما هو الإعطاء و ان الحكم بحرمة السكوت الذي هو ترك الاعلام مشكل لما عرفت من انه قوى تحريم المقتضى لوقوع الغير فيما هو محرم واقعي و استشكل في حرمة شرطه و هذه النتيجة الحاصلة من مجموع كلامه (رحمه الله) مع غرابتها تنافي ما ذكره في أول كلامه لانه قرر المقال في وجوب الاعلام و حرمة تركه عند إعطاء المتنجس لمن هو جاهل بنجاسته و ليس هذا الكلام عدولا عما قرره أولا لأنه ذكره في طي حاصل الكلام السابق و هو (رحمه الله) اعرف بما قال

[الثالث هل يجب كون الاستصباح تحت السماء]

قوله المشهور بين الأصحاب وجوب كون الاستصباح تحت السّماء بل في السرائر ان الاستصباح به تحت الظلال محظور بغير خلاف

و في كشف اللثام انه قطع به الأصحاب و زاد بعض الأواخر في تأكيد ما ذكر ان الشهيد (رحمه الله) نسبه في غاية المراد الى نص الأصحاب و لا يخفى عليك انه لم يلاحظ من كلام الشهيد (رحمه الله) الا مبتدأة و لم ينته نظر الى أخره و ها انا اذكر لك عبارته بعينها قال في كتاب الأطعمة النص من الأصحاب على تحريم الاستصباح بالدهن النجس بالعرض تحت الظلال نص عليه المفيد و الشيخ في النهاية و الخلاف و القاضي و ابن إدريس (رحمه الله) و المحقق و ادعى ابن إدريس عليه الإجماع و لكن الشيخ في (المبسوط) اختيار كراهة الاستصباح به تحت الظلال و ابن الجنيد أطلق جواز الاستصباح به و الروايات المذكورة في التهذيب هنا مطلقة ففي صحيحة معاوية بن وهب عن الصّادق (عليه السلام) انه سئل عن زيت مات فيه جرذ قال ليستصبح به و كذا في صحيحة زرارة و باقي الأحاديث و أنكر ابن إدريس قول الشيخ في (المبسوط) غاية الإنكار و قال هو محجوج بقوله في جميع كتبه انتهى و هل يلحق بالدهن المتنجس ما يفيد فائدته بمعنى انه مما يستصبح به و لكنه ليس منه موضوعا كشمع العسل المعروف و كالنفط و الشموع البيض المتعارفة في هذا الزمان التي تجلب من بلاد الانكريز؟؟؟

على تقدير ثبوت تنجسها فيجوز الاستصباح بها (مطلقا) و بيعها لذلك أو يختص الجواز بالاستصباح بها تحت السّماء دون الظلال كل على مذهبه في الدهن المتنجس أولا يلحق به أصلا لخروجه عن مورد النص الوجه هو اللحوق بحكم تنقيح المناط القطعي فتأمل

قوله لكن الأخبار المتقدمة على كثرتها و ورودها في مقام البيان ساكتة عن هذا القيد

(انتهى) و من هنا قيل انه مال الشهيد الثاني (رحمه الله) الى الإطلاق حاكيا له عن (المبسوط) و العلامة في (المختلف) و موضع من (الخلاف) و تبعه الأردبيلي (رحمه الله) كما ستعرف و وافقه الخراساني على ما حكى بل عن فخر المحققين انه قواه في الإيضاح بل لعله هو الظاهر من إطلاق المحكي عن ابن الجنيد بل قد يقال انه يمكن تقييد الإطلاقات الدالة على انه يستصبح به بالمرسل الّذي حكاه (المصنف) (رحمه الله) من (المبسوط) بعد انجباره بنفي الخلاف في كلام ابن إدريس و يقطع الأصحاب في كشف اللثام و بالشهرة المحققة و أصالة عدم جواز الانتفاع المدلول عليه بالأخبار الواردة في موارد خاصة من المتنجسات كالناطق بالأمر بالإراقة و نحوه و بالأدلة العامة مثل قوله تعالى وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ فضلا عن التكسب به فيقتصر على المتيقن من كونه تحت السماء و لكن الإنصاف ان الحكم بالتقييد مما لا يقوم عليه حجة لأن المرسلة مع ما هي عليه من وصف الإرسال مما اعرض عنه المرسل حيث أفتى بكراهة الاستصباح تحت السّقف و الشهرة لا حجة فيها و سائر ما نقل ليس نصا في الإجماع حتى يتحقق الإجماع المنقول فيستند اليه على تقدير اعتباره بل لا يفيد الظن بدعوى الإجماع (أيضا)

قوله لكن لو سلم الانجبار

وجه عدم التسليم هو ان مجرد الشهرة الحاصلة في الفتوى من دون علمنا باستناد أهل الفتوى الى الخبر الضعيف الذي وافقته الفتوى المشهورة لا يوجب انجبار ضعفه لكونه (حينئذ) أجنبيا عما قامت الشهرة عليه

قوله أو الإرشاد لئلا يتأثر السقف بدخان النجس الذي هو نجس بناء على ما ذكره الشيخ (رحمه الله) من دلالة المرسلة على نجاسة دخان النجس إذ قد لا يخلو من اجزاء لطيفة دهنية تتصاعد بواسطة الحرارة

قال في كتاب الأطعمة من (المبسوط) و اما ان كان مائعا فالكلام في السّمن و الزّيت و الشيرج و البذر و هذه الادهان كلها واحد فمتى وقعت الفارة و ماتت فيه نجس كله و يجوز عندنا و عند جماعة الاستصباح به في السّراج و لا يؤكل و لا ينتفع به في غير الاستصباح و فيه خلاف و رووا أصحابنا انه يستصبح به تحت السّماء دون السقف و هذا يدل على ان دخانه نجس غير ان عندي ان هذا مكروه فاما دخانه و دخان كل نجس من العذرة و جلود الميتة كالسربين و البعر و عظام الميتة عندنا ليس بنجس فاما ما يقطع بنجاسته قال قوم دخانه نجس و هو الذي دل عليه الخبر الذي قدمنا من رواية أصحابنا و قال اخرون و هو الأقوى عندي انه ليس بنجس هذا كلامه (رحمه الله) و أورد عليه أولا بأن دخان النجس و ان قيل فيه بالنجاسة كما يدل عليه تقييد عدم النجاسة في كشف اللثام بقوله على الأقوى الا ان المشهور و المختار عدم نجاسته لتحقق الاستحالة و في شرح الإرشاد للمحقق الأردبيلي (رحمه الله) انه نقل الإجماع في طهارة دخان الأعيان النجسة انتهى و ثانيا بانا لو سلمنا نجاسة الدخان لكن حرمة تنجيس السقف كغيره مما لا دليل عليه بل الدليل على جوازه الا ان ينتهي إلى مرتبة عدم المبالاة بالنجاسة و بالشريعة قال المحقق الأردبيلي (رحمه الله) في شرح الإرشاد ان غاية ما يلزم تنجيس السقف و ذلك ليس بحرام بل أكثر السقوف و الجدران لعدم تجنب العمال عن النجاسة حين العمل و لهذا اجوز استعمال الكفار في البناء و الإجماع بعدم جوازه تحت السقف غير ظاهر لوجود الخلاف و الدّليل انتهى و لكن

38

لا يخفى على من تدبر في كلام الشيخ (رحمه الله) سقوط الإيراد الأول لأن الشيخ لا يحكم بنجاسة الدخان المذكور حتى يورد عليه بان الحق طهارته مضافا الى ان الحكم بالاستحالة لا وجه له لان تحقق الاستحالة في جميع اجزاء الدخان غير معلوم ان لم ندع عدمه بالوجدان كما لا يخفى على من تدبر في حاله و لهذا ترى ان الجرم الحاصل منه إذا اتخذ ليصنع منه الخبر يوضع في قرطاس فيطلي بالعجين و يوضع على حجارة في التنور فينجذب منه الدهن الى القرطاس و قد أجاد (المصنف) (رحمه الله) في التعبير حيث قال إذ قد لا يخلو من اجزاء لطيفة دهنية فإن معناه ان جميع اجزائه لم تستحل بل منها ما هو مستحيل و منها ما هو غير مستحيل و قد اختلطا كما أجاد الشهيد (رحمه الله) في الإشارة إلى الأمرين اللذين ذكرناهما في رفع الإيراد الأول حيث قال في كتاب الأطعمة من غاية المراد ما نصه و اما دخان هذا الدهن و سائر دخان الأعيان النجسة فقد نص الشيخ (رحمه الله) و ابن إدريس (رحمه الله) و المحقق (رحمه الله) انه طاهر لاستحالته و ادعى عليه ابن إدريس (رحمه الله) إجماعنا لاستحالته و خروجه عن مسمى النجس و النهى عنه تحت الظلال لا نعرف علته و قال الشيخ في (المبسوط) على القول بتحريم الاستصباح تحت الظلة بكون الدخان نجسا ثم قوى عدم النجاسة و (المصنف) (رحمه الله) في المختلف نفى بعد القول بنجاسة هذا الدخان لبعد استحالته كله بل يلزمه تصاعد شيء من اجزائه قبل احالة النار لها بسبب السخونة المكتسبة من النار الى ان يلقى المظل فينجسه ثم قوى الجواز (مطلقا) الا ان يعلم أو يظن بقاء شيء من عين الدهن فيحرم تحت الظلال انتهى ما في غاية المراد و قوله (رحمه الله) بنجاسة هذا الدخان حيث اتى باسم الإشارة يتضمن نكتة و هي اختصاص النجاسة بدخان الادهان دون سائر أقسام الدّخان من دخان الأعيان النجسة فإنها طاهرة قطعا و عندي ان التفصيل بين دخان الدّهن و دخان غيره في كمال القوة لتحقق الاستحالة في غير الدهن و عدم تحققها في الدهن كملا من حيث اشتماله على اجزاء لطيفة دهنية بل لو شك في تحقق الاستحالة جرى استصحاب عدمها ثم ان الشيخ (رحمه الله) في (المبسوط) ذكر بعد كلامه الذي قدمنا ذكره ما يظهر منه بعض ثمرة البحث عن طهارة الدّخان و نجاسته قال (رحمه الله) فإذا ثبت هذا فمن قال الدّخان ليس بنجس فلا كلام و من قال نجس فان علق بالثوب منه شيء فان كان يسيرا كان معفوا عنه كدم البراغيث و ان كان كثيرا وجب غسله فاما إذا سجر التنور بالأعيان النجسة و تعلق بوجه التنور دخانه فان كان نجسا فلا يخبر عليه حتى يزال بمسح أو غيره فان خبر عليه قبل المسح كان ظهر الرغيف نجسا و وجهه طاهر فلا يحل اكله حتى بغسل ظهره و على ما قلناه يسقط عنا جميع ذلك انتهى و هو كلام جيد لو لا قوله فان كان يسيرا كان معفوا عنه كدم البراغيث

قوله و لو رجع الى أصالة البراءة (حينئذ) لم يكن الا بعيدا عن الاحتياط

أقول لا ريب في حسن الاحتياط و اما وجوبه فلا مجال له مع عدم قيام الحجة و لو كان الحكم مشهور الان الشهرة لا حجة فيها

قوله لإبائها في أنفسها عنه و إباء المقيد عنه

اما إباء الروايات في أنفسها عن التقييد فلكونها مع كثرتها و ورودها في مقام البيان ساكتة عن هذا القيد و اما إباء المقيد عن التقييد فلابتناء التقييد اما على نجاسة دخان المتنجس المخالفة للمشهور و اما على كون الحكم تعبدا محضا و هو بعيد

قوله ثم ان العلامة (رحمه الله) في (المختلف) فصل بين ما إذا علم بتصاعد شيء من اجزاء الدّهن و ما إذا لم يعلم فوافق المشهور في الأول

يعني في الحكم بحرمة الإسراج به تحت السقف و قد عرفت مما حكيناه من عبارة غاية المراد ان العلامة (رحمه الله) جعل الظن بتصاعد الشيء من اجزاء الدهن كالعلم به في الحكم و لم يذكره (المصنف) (رحمه الله) فيرد على اعتبار الظن انه لا دليل على اعتباره

قوله و الا لكان الاولى تعليل التعبد به

اى بعدم حرمة التنجيس و إرجاع الضمير المجرور بالباء في العبارة إلى حرمة التنجيس باعتبار عدمها لا باعتبار وجودها

[الرابع يجوز الانتفاع بالدهن المتنجس في غير الاستصباح]

قوله أو يطلى به الأجرب أو السفن

وجدت في نسخة معتبرة من الخلاف مصححة على نسخ معتبرة انه ضبط السفن بفتحتين فان الشيخ (رحمه الله) ذكر فيه انّه روى عن جابر انه سمع رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) عام الفتح بمكة يقول ان اللّه و رسوله حرم بيع الخمر و الميتة و الخنزير و الأصنام فقيل يا رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) أ فرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن و يدهن بها الجلود و يستصبح بها الناس فقال لا هو حرام ثم قال قائل اللّه اليهود ان اللّه لما حرّم عليهم شحومها حملوها ثم باعوها فأكلوا ثمنها و كتب في هامش الكتاب نقلا عن الصّحاح ان السفن جلد خشن كجلود التماسيح يجعل على قوائم السيوف انتهى قلت هذا المعنى و ان كان يبعده ذكر الجلود بعد السفن في الحديث الا انه لا مبعد عنه في عبارة (المصنف) (رحمه الله)

قوله و الذي صرح به في مفتاح الكرامة هو الثاني

قال فيه بعد ان حكى ان لك ان مقتضى تعليل الاعلام في الخبر بالاستصباح الاعلام بالحال و البيع لتلك الغاية ما لفظه قلت و هو الذي يقتضيه الأصل إذ الأصل عدم الانتفاع فيقتصر فيه على موضع اليقين انتهى

قوله و وافقه بعض مشايخنا المعاصرين

هو صاحب الجواهر (رحمه الله) قال في ذيل الكلام على ما أرسله الشيخ (رحمه الله) من الاستصباح بالدهن المتنجس تحت السماء ما لفظه فيمكن التقييد بالمرسل المزبور بعد انجباره بما سمعت و بأصالة عدم جواز الانتفاع بالنجس فضلا عن التكسب به الى أخر ما قال

قوله و البذر

بالذال المعجمة لا الزاي قال في مجمع البحرين من كلام الفقهاء الثقل في البدر عيب هو يفتح الباء و كسرها مفسر بدهن الكتان و أصله محذوف المضاف اى دهن البذر انتهى

قوله و لكن الأقوى وفاقا لأكثر المتأخرين جواز الانتفاع الا ما خرج بالدليل

و ممن صار الى ذلك المحقق الأردبيلي (رحمه الله) حيث قال الظاهر عدم اختصاص الجواز بفائدة الاستصباح بل يجوز جميع الانتفاعات ما لم يكن دليل على تحريمه مثل الاستعمال فيما يشترط فيه الطهارة و يجوز صرف الزيت النجس في الصابون و ادهان الحيوانات كما صرح البعض بل الإنسان ثم تطهير البدن للأصل و عدم الدليل على المنع و للإشعار في هذه الاخبار الى ذلك حيث ما نفى غير الأكل و ان جواز الاستصباح لعدم شرط الطهارة و لعدم الفرق بل الاستعمال في نحو الصابون و ادهان الحيوانات و استعمال الجلود و الخشبات؟؟؟ و غيرها أبعد من شبهة وصول دخانه النجس إلى الإنسان المنتفع بضوئه و لهذا ترى وجود الدخان في الدماغ لو جلسنا عند السرج قريبا خصوصا في بيت ضيق و لعل هذا هو سبب المنع عن تحت السقف لا التعبد إذ لا نص بل مجرد الاجتهاد على ما يظهر فانّ (الظاهر) جواز سائر الانتفاعات في سائر المتنجسات الا فيما ثبت عدم الاستعمال بإجماع و نحوه كما في النجاسات العينية (مطلقا) حتى في إليه الميتة و ان أبينت من حي على ما قالوا و ان نقل عن (المصنف) (رحمه الله) الشهيد (رحمه الله) جواز الاستصباح بها تحت السماء كغيره فلا إجماع و شمول الأدلة له غير ظاهر و العقل و الأصل يجوزه فيه و في المتنجس فيما لا يشترط فيه الطهارة انتهى

قوله و يدل عليه أصالة الجواز و قاعدة حل الانتفاع بما في الأرض

و يؤيد ذلك ما ورد في موارد خاصة كجواز الاستقاء يشعر الخنزير و نحوه لغير مشروط بالطهارة و لو بالفحوى لكونه من الأعيان النجسة و تجويز الصبغ بالمتنجس في ظاهر كلام جماعة و ان احتمل المحقق الثاني (رحمه الله) ان يكون من جهة ان له حالة يقبل فيها التطهير لانه ليس في محله لان ما يقبل التطهير انما هو الثوب المصبوغ به لا نفس الصبغ فلا ينفع ذلك في تجويز استعماله بنفسه و كذا في بيعه نعم لو قلنا بان نفس الصبغ يقبل التطهير باتصاله بماء مطهر له أو بمزجه به و ان صار مضافا نظرا الى ان الماء في حال وصوله الى اجزاء الصّبغ ليس مضافا فهو مطهر غاية ما في الباب انه تعرضه الإضافة بالامتزاج و ليس بقادح لانه مسبّب من الامتزاج متأخّر عنه (فحينئذ) يصير ممّا له حالة يقبل فيها الطهارة أغنى ما بعد الاتصال أو الامتزاج و يؤيد ذلك ايضا ما سيجيء في كلام (المصنف) (رحمه الله) عن الشهيد (رحمه الله) من ورود الرواية ببيع الدهن لمن يعمله صابونا إذ لو لا جواز الانتفاع بجعله صابونا كان البيع عليه اعانة على الإثم و بيعا لغاية محرمة فكان اللازم حرمته فان قلت لعل جواز بيع الدهن لما ذكر مبنى على ان له حالة يقبل فيها التطهير فيخرج عن محل الكلام و هو الانتفاع بالمتنجس و ذلك لان الدهن إذا كان متنجسا فعمل صابونا و كذا اللبن إذا تنجس فعمل جبنا صارا متنجسين لكنهما

39

إذا جففا بحيث ارتفع عنهما الرطوبة و القيا في الماء الكر أو الجاري مثلا فبقيا مدة يسرى فيهما الماء الى اعماقهما طهرا قطعا (فحينئذ) نقول انه يجوز بيع الدهن المتنجس ليعمل صابونا لكونه مما له حالة فيها يقبل التطهير و ان أبيت عن قبول الصابون للطهارة بالوجه المذكور فقل ان حاله حال الدراهم و الدنانير التي تعملها أهل الشرك فيتنجس الذهب و الفضة في حال ذوبهما فكما ان لهما حالة قبل فيها الطهارة و هي ما بعد الجمود لان ظواهرها تطهر و بهذا الاعتبار يصحّ استعمالها و الاكتساب بها (فكذلك) الصّابون فإنه يطهر ظاهره بعد الجمود ثم بعد الاستعمال في غسل الثياب مثلا يقبل ظاهر ما بقي منه الطهارة إذا غسل بماء مطهر و هكذا لكن هذا الطريق و ان أوجب قبول نفس الصابون الطهارة الا انه يشكل الحال في رغوته فيسري فيه البحث عن ان المتنجس و هي الرغوة هل يجوز استعماله أم لا فالوجه هو الأول فالجواب ان قبول الصّابون للطهارة بالوجه الأول مسلم كالجبن كما ان قبولها بالوجه الثاني مسلم لكن يشكل الأمر في رغوته كما ذكر الا ان ذلك لا ينفع في تجويز بيع الدهن المتنجس لأن الذي له حالة يقبل فيها التطهير انما هو الصّابون دون الدهن المتنجس لانه قد استحال إلى شيء أخر و هذا الجواب ذكره بعض من تأخر ولي فيه نظر لعدم تحقق استحالة الدهن في الصّابون بل المحقق خلافه و يشهد بذلك انه لو تحققت لطهر بالاستحالة الا ان يقال ان المانع من الطهارة (حينئذ) امتزاجه بما تنجس به فبعد استحالته لا يستحيل ما امتزج به و هو متنجس فلا يقبل الطهارة لكن انه لو استحال الدّهن لاستحال ما امتزج به لان التغيير عن الحالة الأولى موجود في كليهما فدعوى استحالة أحدهما دون الأخر تحكم فتأمل و بعد ذلك كله نقول ان دعوى استحالة الدهن في الصّابون يكذبه الوجدان و ليس حاله الأمثل حال اللبن الذي صار جبنا و هذا القدر من تبدل الحال و الوصف لا يتحقق به الاستحالة ثم نقول بعد ذلك انه يصحّ ان يقال ان للدهن حالة يقبل فيها التطهير في ضمن الصابون كما انك تقول في الذهب و الفضة المتنجسين في حال ذوبانهما ان لهما حالة يقبلان فيها التطهير و هو ما بعد الجمود فتأمل ثم ان ما ذكر من قياس الصابون بالذهب و الفضة ليس في محله لان لهما بحسب ما يقصد بهما من الانتفاع حالة يقبلان فيها الطّهارة و هي حالة الجمود و ليس للصابون بحسب ما يقصد به من المنفعة و هو التنظيف و الغسل به حالة طهارة لأن مجرد طهارة ظاهره لا يحصل ما هو الغرض المقصود فيشكل الحكم بجواز البيع لمجرد تلك الحالة الغير المفيدة فتحصّل من جميع ما ذكرنا ان الحق جواز الانتفاع بالمتنجس (مطلقا) و يؤيده ما أشار إليه المحقق الأردبيلي (رحمه الله) من ان الاستصباح قد ذكر في النص من باب المثال و انه لا خصوصية له من بين فوائد الدهن و لهذا قوبل بالنهي عن الأكل و كان ذلك لسهولته بالنسبة إلى باقي المنافع و غلبة الاحتياج اليه لا لخصوصية فيه نعم يستثني من الانتفاعات المتعلقة بالمتنجس صورتان أشار إليهما (المصنف) (رحمه الله) في طي كلامه إحديهما استعماله في الأكل و الشرب و فيما هو مشروط بالطهارة كالصلاة و نحوها و ثانيتهما ما لو كان الاستعمال على وجه عدم المبالاة بالنجاسة الموجب لعدم المبالاة بالدّين

قوله فمنها قوله تعالى إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ وَ الْأَزْلٰامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطٰانِ فَاجْتَنِبُوهُ

قال في مجمع البحرين بعد ذكر هذه الآية قيل الرجس بالكسر القذر و قيل العقاب و الغضب كما نقله الفرّاء في قوله (تعالى) كَذٰلِكَ يَجْعَلُ اللّٰهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ ثم قال بعض الأفاضل الرجس و ان كان بمعنى القذر و هو أعم من النجاسة الا ان الشيخ (رحمه الله) قال في التهذيب ان الرجس هو النجس بلا خلاف و ظاهره انه لا خلاف بين علمائنا في انه في الآية بمعنى النجس انتهى و أقول ان الالتزام بكون الرجس في الآية هو خصوص النجس مما يأبى عنه مساقها لانه قد جعل فيها خبرا عن الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام و من البين انه كما يصحّ الاخبار بالنجاسة عن الخمر (كذلك) يمتنع الاخبار بها عن قرينتيه؟؟؟ الذين هما الأنصاب و الأزلام فلا بد و ان يكون بمعنى عام يصح حمله على الجميع و هو القذر أو العقاب و الغضب بمعنى سبب العقاب و الغضب

قوله و من بعض ما ذكرنا يظهر ضعف الاستدلال على ذلك بقوله تعالى وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ بناء على ان الرجز هو الرجس

قال في مجمع البحرين الرجز بكسر الراء أو ضمها اما العذاب كما هو قول الأكثرين فيكون الأمر بهجرانه امرا بهجران أسبابه الموجبة له أو النجاسة فهو (حينئذ) صريح في وجوب توقّي النجاسة في الصّلوة و كذا قاله بعض المفسرين و فسره البعض بالأوثان و سميت رجزا لأنها سبب الرجز الذي هو العذاب انتهى و من ذلك يعلم الوجه في تقييد (المصنف) (رحمه الله) بقوله بناء على ان الرجز هو الرجس ثم ان بعض ما ذكره (رحمه الله) عبارة عن ان الرجس ما كان (كذلك) في ذاته لا ما عرض له ذلك فيختص بالعناوين النجسة و هي النجاسات العشر مع انه لو عم المتنجس لزم ان يخرج عنه أكثر الأفراد فإن أكثر المتنجسات لا يجب الاجتناب عنه فلبس المتنجس و التوسد عليه و التدثر به بل الجوامد كلها خارجة عن حرمة الانتفاع بها و كذا المائعات القابلة للتطهير اما بالاتصال بالماء المطهر أو بالامتزاج به أو كونها مما له حالة يقبل فيها التطهير كالعجين المتنجس و نحوه بناء على انه له حالة هي التجفيف يقبل فيها التطهير (أيضا) و كونها قد تنجست بنفس ذلك الاستعمال كتنجس الدهن عند ادهان جلد الحيوان أو الإنسان النجس كما لو كان فيه جرح يدمي فان الدهن يتنجس بأول الاستعمال فتتميم ذلك الاستعمال يصير من قبيل استعمال المتنجس و ليس بمحرم كما أشار إليه بعض من قال بأن الأصل حرمة الانتفاع بالمتنجس كصاحب الجواهر و حيث قال يمكن القول باقتصار المنع على المتنجس سابقا قبل الاستعمال امّا ما تنجس به كطلي الأجرب مثلا فلا انتهى و كذا ما يقبل ظاهره التطهير بعد الجمود كالقير و الفضة و الذهب و نحوها إذا تنجست مايعة ثم جمدت فلا بأس بالتكسب بها مايعة باعتبار ان لها حالة يقبل ظاهرها التطهير فيها و به يحصل النفع المقصود و كذا الدهن المتنجس بالاستصباح به و كذا التبرد بالماء المتنجس بصبه على جلدة إذا كان مقصوده بعد ذلك المتطهر لمشروط بالطهارة و غير ذلك مما يشمله التقلب في المتنجس مما ليس بمجرم كالخضاب بالحناء المتنجس و بل الصّبغ و الطين بالماء المتنجس

قوله إذ لا يخفى ان المراد هنا حرمة الأكل بقرينة مقابلته بحل الطيبات

كون المراد بحل الطيبات هو أكلها اما من جهة الظهور العرفي لو من جهة وقوع التصريح في ايات عديدة بحل الطيبات فيصير قرينة على ان المحذوف من جنس المذكور

قوله و فيه ما تقدم من ان المراد بوجوه النجس عنواناته المعهودة لأن الوجه هو العنوان و الدهن ليس عنوانا للنجاسة و الملاقي للنّجس و ان كان عنوانا للنجاسة لكنه ليس وجها من وجوه النجاسة في مقابل غيره و لذا لم يعدوه عنوانا في مقابل العناوين النجسة

أورد عليه بعض المعاصرين بان المتبادر من الوجه انما هو مطلق الجهة و العنوان و لو بقرينة التعليل و عدم تعداده بالخصوص غير قادح لكفاية العموم له عن ذلك كما في باقي النجاسات بل قد يكون قوله أو شيء من وجوه النجس معطوفا على وجه من وجوه الفساد فيكون كالنص في خصوص الملاقي له و أنت خبير بان توجه المنع الى ما ذكره من التبادر جلي و صيرورة التعليل قرينة انما يتم لو كان كل واحد من النهى عن الأكل و الشرب و اللبس و الإمساك و التقلب علة مستقلة حتى تتم صيرورته قرينة بان أكل المتنجس حرام قطعا و ليس (كذلك) بل التعليل انما هو بالمجموع و يصير حاصله كون الشيء منهيا عنه (مطلقا) بحيث يحرم جميع منافعه أو يحرم منافعه الظاهرة كما ذكره (المصنف) (رحمه الله) سابقا في معيار كون الشيء منهيا عنه الموجب لحرمة التكسب به و (حينئذ) نقول ان المتنجسات لم يعلم كونها منهيا عنها بقول (مطلقا) بحيث يحرم جميع منافعه أو يحرم منافعه الظاهرة حتى ان المتنجس لو كان من قبيل الملبوس حرم لبسه مثلا فكيف يكون التعليل قرينة على دخول المتنجسات و اما قوله و عدم تعداده بالخصوص غير قادح لكفاية العموم من ذلك كما في باقي النجاسات ظاهره ان عدم تعداده في الحديث غير قادح لان عموم قوله أو شيء من وجوه النجس يكفي في إفادة المطلوب و يشهد بذلك انه اكتفى فيه عن ذكر باقي أفراد النجاسات الغير المذكور في الحديث بذكر العموم فيه و على هذا يكون الكلام أجنبيا عن تعداد

40

الفقهاء للمتنجسات في مقابلة النجاسات بل يكون حديث الاكتفاء بالعموم عن ذكر المتنجسات و الاكتفاء بذكر العموم عن ذكر باقي النجاسات منافر الان من تعرض منهم للنجاسات ذكر الجميع و من ترك فقد ترك الجميع فالاكتفاء بالعموم عن باقيها مما لا يتحقق له معنى هناك و أنت خبير بان كلامه بالمعنى الذي ذكر مما لا مساس له بكلام (المصنف) (رحمه الله) لان فاعل لم يعدده في كلامه هو ضمير الجمع العائد إلى الفقهاء ثم انه على ما حققه (المصنف) (رحمه الله) من ان المراد بوجوه النجس هي العنوانات المعهودة لا يلزم تخصيص الأكثر على ما عرفت و اما على ما ذكره المعاصر المذكور فتخصيص الأكثر لازم كما تقدم بيانه و قد أشار الى دفعه بما حاصله انه يمكن ان يكون المراد به المنع من استعمال المتنجس على نحو استعمال الطاهر بحيث لا يتعقبه تطهير منه و نحوه فلا يستفاد منه المنع منه مع معارضته بما فيه (أيضا) من ان كل شيء يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات فحلال بيعه و شراؤه و إمساكه و استعماله و هبته و عاريته ثم قال أيده اللّه و منه يظهر صحة التكسب به لغير الاستصباح كخبر النوادر عمومات البيع و نحوه و اليه صار بعض من تأخر حاكيا له عن غيره كما عن الشهيد (رحمه الله) و الكركي و غيرهما انتهى و لكن يتجه عليه اشكال و هو ان المراد بوجوه النجس ليس هو خصوص المتنجسات بل ما يعمها و النجاسات الأصلية و (حينئذ) فجعل المنهي عنه خصوص ما كان من الاستعمال على نحو استعمال الطاهر بان لا يتعقبه تطهير يبطل الاستدلال به في حرمة استعمال الأعيان النجسة و قد استدل هو و غيره فيها و يمكن دفعه بان المراد بوجوه النجس ما هو أعم من الأعيان النجسة و المتنجسة غاية ما في الباب انه قد قيد حكم التحريم بالنسبة إلى القسم الثاني بان لا يتعقبه تطهير هذا و لكن يرد على هذا المعيار انه ان استعمله بقصد تطهيره بعد ذلك و لكن اتفق انه لم يتعقبه تطهير لم يكن نفس الاستعمال (حينئذ) حراما مع انه يصدق عليه انه استعمال لم يتعقبه تطهير و اما ما ذكره من انه يظهر من قوله (عليه السلام) كل شيء يكون لهم فيه الصّلاح صحت التكسّب به فإن أراد به صحة التكسب بالدهن المتنجس كما هو الظاهر فهو صحيح و ان أراد مطلق المتنجس فلا بد من تقييده لان مجرد جواز الانتفاع بالمتنجس لا يستلزم صحة التكسب به لأنها تدور مدار صدق المالية الدائرة مدار المنفعة المعتد بها ثم ان بعض مشايخنا أجاب عن اشكال تخصيص الأكثر بوجه أخر و هو ان المراد النهى عن الانتفاعات و التقلبات المتعارفة المعلومة في الشرع من الأكل و الشرب و لبسه في الصّلوة مثلا و تملكه و استعماله في مشروط بالطهارة و يتجه عليه ان المراد بوجوه النجس ليس هو خصوص المتنجس بل ما يعمه و الأعيان النجسة فإذا أريد بالنهي عن استعمال وجوه النجس الاستعمالات المعهودة المذكورة لم يصحّ الاستدلال به على حرمة الانتفاع بالأعيان النجسة بما يخرج عن تلك الاستعمالات المعهودة و لكنا نلتزم به كما التزم به (المصنف) (رحمه الله) حيث اختار ان الأصل في الأعيان النجسة هو جواز الانتفاع خرجت الانتفاعات المعهودة من الأكل و الشرب و الاستعمال في مشروط بالطهارة و بقي غيرها تحت الأصل

قوله و الأول لا يشمل الا الحكم الواقع مورد الخلاف لانه الظاهر من قوله دليلنا إجماع الفرقة

و الحكم الواقع مورد الخلاف في كلام الشيخ (رحمه الله) هو جواز الاستصباح لانه هو الذي أثبته الشيخ (رحمه الله) و أبو حنيفة و أنكره ابن داود في ضمن عموم نفى الانتفاع في خصوص السمن

قوله و اما جماع السيد (رحمه الله) في الغنية فهو في أصل مسئلة تحريم بيع النجاسات و استثناء الكلب المعلم و الزيت المتنجس لا فيما ذكره من ان حرمة بيع المتنجس من حيث دخوله فيما يحرم الانتفاع به

لا يخفى ان المفيد لحرمة بيع المتنجسات و دخولها فيما يحرم الانتفاع به عبارة واحدة و هي قوله و يدخل في ذلك كل نجس لا يمكن تطهيره عقيب اشتراطه في المبيع ان يكون مما ينتفع به منفعة محللة فإن دخول المتنجسات في ذلك أوجب ترتب حكم حرمة البيع عليها و (حينئذ) نقول ان دلالة عبارة السيّد (رحمه الله) على ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) من التفكيك بين حرمة بيع المتنجس و بين دخوله فيما يحرم الانتفاع به و كون حرمة بيعه من حيث دخوله فيه برجوع الإجماع إلى الأول دون ما بعده انما يتم بان يكون لفظ ذلك إشارة إلى مفهوم ما تحفظ عنه فيكون معنى قوله و يدخل في ذلك ما يرادف قوله (رحمه الله) و يدخل فيما تحفظنا عنه اى حكمنا بعدم جواز بيعه كل نجس لا يمكن تطهيره فإنه (حينئذ) يمكن ان يقال ان الإجماع راجع الى الحكم بعدم جواز بيع كل متنجس و اما كون ذلك الحكم من جهة كون المتنجس مما لا يجوز الانتفاع به فذلك مما لا يتوجه اليه دعوى الإجماع لأن دعواه انما ترجع الى الحكم لا الى علته أو بان يكون المراد بالدخول هو الدخول حكما لا موضوعا بان يكون معنى قوله و يدخل في ذلك كل نجس انه يلحق بما يحرم به الانتفاع به من حيث الحكم كل نجس فإذا اتبعه بدعوى الإجماع رجعت الى اللحوق حكما أعني حرمة بيع المتنجس لا الى كونه من جهة حرمة الانتفاع به و أنت خبير بان كلا الوجهين خلاف ما يقتضيه ظاهر سياق الكلام إذ ليس ظاهره الا انه يدخل فيما يحرم منافعه كل نجس لا يقبل التطهير دخولا موضوعيا و إذا دخل في ذلك لم يجز بيعه لان حكمه كان هو عدم جواز بيعه فإذا اتبعه بدعوى الإجماع رجعت الى دخول النجس المذكور فيما لا يجوز الانتفاع به دخولا موضوعيا فكلامه (رحمه الله) ظاهر في دعوى الإجماع على كون النجس المذكور مما لا يجوز الانتفاع به و بواسطة كونه من جملة ما لا يجوز الانتفاع به يدل على عدم جواز بيعه حيث بين ان حكمه ذلك مضافا الى ذلك انه على الوجهين المذكورين لا يستفاد من كلام السيّد (رحمه الله) كونه قائلا بأن حرمة بيع المتنجس من حيث دخوله فيما يحرم الانتفاع به دخولا موضوعيا كما اعترف به (المصنف) (رحمه الله) فافهم

قوله و لا يخفى ظهوره في جواز الانتفاع بالمتنجس و كون المنع من بيعه لأجل النص يقتصر على مورده

وجه ظهوره في ذلك اشتماله على قوله من المائعات المتنجسة التي يمكن الانتفاع بها في بعض الوجوه ضرورة ان المراد بالإمكان هو الجواز الشرعي و معنى قوله و كون المنع عن بيعه لأجل النص يقتصر على مورده هو ان المنع عن بيع المتنجس انما هو من جهة النص على المنع منه و الا كان اللازم هو الحكم بجوازه حيث جاز الانتفاع به فيقتصر في المنع على مورده الذي هو البيع و لا يتعدى الى سائر الانتفاعات بان يحكم بمنعها و أنت خبير بأنه ليس في العبادة المذكورة ما يدل على هذا لان قوله و انما خرج هذا الفرد بالنص معناه انه خرج بيع الدهن للاستصباح عن تحت القاعدة التي صرحوا بها من عدم جواز بيع المائعات النجسة بدلالة النص على جوازه و لهذا قال بعده و الا كان ينبغي مساواتها لغيرها من المائعات المتنجسة التي يمكن الانتفاع بها في بعض الوجوه يعنى مساواتها في عدم جواز بيعها بحكم القاعدة التي صرحوا بها و يجرى هذا المجرى النص الذي تمسك به في رد من الحق ببيعها للاستصباح ببيعها ليعمل صابونا فان النص الذي يلزمه الخروج عن مورده هو ما دل على جواز بيع الدهن لخصوص الاستصباح نظرا الى ان القائل بالإلحاق يتعدى عن المورد الخاص الذي هو الاستصباح الى غيره و كونه مخالفا للأصل معناه انه مخالف للقاعدة التي صرحوا بها من عدم جواز بيع المائعات و لهذا اتبعه بقوله فان جاز يعنى بيع الدهن لجعله صابونا من جهة تحقق المنفعة فينبغي مثله يعنى جواز البيع في المائعات النجسة التي ينتفع بها كالدبس يطعم النحل و التالي أعني جواز البيع في المائعات المذكورة باطل فالمقدم الذي هو جواز بيع الدهن ليعمل صابونا مثله فالوجه ان يقال في توجيه كلام (المصنف) (رحمه الله) ان قوله و كون المنع من بيعه لأجل النص يقتصر على مورده مسوق لبيان إبراز لازم جواز الانتفاع بالمتنجس و ان ظهور عبارة لك في ذلك انما هو بحكم اللزوم لا من جهة انه صرح به في منطوق كلامه فتدبر

قوله ثم لو قلنا بجواز البيع في الدهن لغير المنصوص من الانتفاعات المباحة فهل يجوز بيع غيره من المتنجسات المنتفع بها في المنافع المقصودة المحللة كالصبغ و الطين و نحوهما أم يقتصر على المتنجس المنصوص و هو الدهن غاية الأمر التعدي من حيث غاية البيع الى غير الاستصباح

لا يخفى ان القائل بجواز بيع الدهن لسائر الانتفاعات المباحة يحمل استثناء الدهن للإسراج من باب المثال اما بظهور نفس الكلام في ذلك أو بمعونة الدليل الخارجي و كيف كان فينبغي تفصيل القول في بيع المتنجسات و تقديم كلام من الشهيد (رحمه الله) في القواعد

41

قال (رحمه الله) قد يترتب أحكام على أسباب يمكن اعتبارها في الحال و المال فيقع لذلك اشكال و صورها كثيرة ثم أخذ في بيانها الى ان قال الخامسة عشر في جواز بيع الدهن النجس الوجهان ان قلنا بقبوله الطهارة أما الماء فقابل لها و توهم بعضهم ان تطهير الماء لا يقع بالمكاثرة بل باستحالته من صفة النجاسة الى صفة الطهارة فعلى هذا لا يصحّ بيعه قبل تطهيره كما لا يصحّ بيع الخمر و ان رجي انقلابها نظرا الى الحال السّادسة عشر بيع السّباع جائز تبعا للانتفاع بجلدها و هو نظر الى المال السابعة عشر بيع الات الملاهي ذات الرصاص المتقوم في صحته الوجهان إذ لا منفعة لها في الحال و يحتمل الجواز ان اتخذت من جوهر نفيس لأنها مقصودة في نفسها بخلاف الخشب فإن فإن قصده بعيد هذا ما أهمنا من كلامه (رحمه الله) و (حينئذ) نقول لا يخلو اما ان يكون المتنجس من قبيل الجوامد القابلة للتطهير كالثياب المتنجسة و الفرش و البسط و الأواني و الجواهر و أمثالها و هذا القسم لا إشكال في جواز بيعه بل ادعى عليه الإجماع بل الضرورة قال في المستند و اما القابلة له يعنى الجوامد المتنجسة القابلة للتطهير كالثوب المتنجس و الحبوب فيجوز بيعها و التكسب بها بالإجماع بل الضرورة و في الاخبار عليه الدلالة انتهى نعم ذكر الشيخ (رحمه الله) في (المبسوط) بعد تقسيم النجس الى قسمين نجس بالمجاورة و نجس العين ما لفظه و اما النجس بالمجاورة فلا يخلو من أحد أمرين اما ان تكون النجاسة التي جاورته ثخينة أو رقيقة فان كانت ثخينة تمنع من النظر اليه فلا يجوز بيعه و ان كانت رقيقة لا تمنع من النظر اليه جاز بيعه هذا ما أهمّنا من كلامه (رحمه الله) و المنقول في توجيه بطلان البيع في الجامد الذي عرضه نجاسة سترته عن النظر أمران أحدهما انه إذا كان مستورا يصير مجهولا فلا يصحّ بيعه لذلك و ثانيهما انه في الصّورة المفروضة يكون عين النجاسة داخلة في المبيع و كلا الوجهين راجعان إلى أمر خارج لا مدخل لهما بالنجاسة و الا فالمستور بها و غيره سيان في أصل التنجس و على هذا يصحّ لنا ان ندعى ان الشيخ (رحمه الله) موافق لغيره في عدم منع نفس التنجس و اما ان يكون المتنجس من قبيل الجوامد الغير القابلة للتطهير كالعسل و السمن الجامدين بعد التنجس في حال الميعان ضرورة ان الماء لا يسرى الى جميع اجزاء السّمن حتى لو القى في الماء الحار في حال غليانه و الدبس لا يطهر باقيا على كونه دبسا إذ لا يطهر الا بعد امتزاج الماء بجميع اجزائه و لا يتحقق الا بعد ان يصير ماء (مطلقا) و حكمه حكم المائعات المتنجسة الغير القابلة للتطهير بلا خلاف ظاهر و ستعرف حكمها نعم لو أصابها النجاسة في حال الجمود أخذ منه موضع النجاسة و كان الباقي طاهر أو يدل عليه صحيحة زرارة إذا وقعت الفأرة في السمن و مات فان كان جامدا فألقها و ما يليها و كل ما بقي و ان كان ذائيا فلا تأكله و استصبح هو الزّيت مثل ذلك و نحوها غيرها و على هذا يجوز بيعه و لو باع المجموع من المتنجس و الطاهر كان البيع باطلا من جهات أخر خارجة عما نحن فيه كالجهل بمقدار الطاهر و نحو ذلك و اما ان يكون من قبيل الجوامد التي يقبل التطهير ظاهرها و لا يقبله باطنها كالذهب و الفضة و النحاس و نحوها المذابة المتنجسة في حال ذوبانها و هذا القسم له حالتان إحديهما حالة الذوبان و الأخرى حالة الجمود ففي الحالة الأولى يجوز بيعه من جهة ان له حالة لاحقة يقبل ظاهرها الطهارة فيها و يصحّ الانتفاع به في تلك الحالة و لا يتوقف ماليته على طهارة باطنه كالدراهم و الدّنانير المسكوكة بسكة يباشرها أهل الشرك و قد يتوقف في بيعه في الحالة المذكورة و الوجه ما ذكرناه و منه يظهر جواز بيعه في الحالة الأخرى بطريق اولى و من هنا يعلم جواز بيع العجين المتنجس و الطين المتنجس لان للأول حالة صيرورته خبزا و للثاني حالة اليبس و هما في هاتين الحالتين قابلان للتطهير و صرّح بما ذكرناه صاحب الجواهر (رحمه الله) في العجين و اما ان يكون من قبيل المائعات و هي على قسمين أحدهما نفس الماء و الأخر غيره اما الأول فقد يقال فيه إذا تنجس بعدم جواز بيعه بوجوه أحدها انه قد علل حرمة بيع الخمر في بعض الاخبار بنجاستها و لذلك تعدوا بحكم العلة المنصوصة إلى النبيذ المسكر الذي هو نجس فكذا الماء فيحرم بيعه لنجاسة التي هي علة

منصوصة في الخمر و ثانيها ما عرفت سابقا من تعليل صحة بيع العنب أو التمر ممن يعلم انه يجعله خمرا بأنه انما باعه في الإبان الذي يحل شربه أو أكله فلا بأس ببيعه و (حينئذ) فلا يجوز بيع الماء النجس لان بيعه في حال التنجس بيع له في الإبان الذي لا يحل شربه و ثالثها الروايات الناطقة بالأمر بإراقة الماء المتنجس كصحيحة البزنطي عن الرجل يدخل يده في الإناء و هي قذرة قال يكفى الإناء و صحيحة البقباق و فيها قال رجس نجس اى الكلب لا تتوضأ بفضله و أصيب ذلك الماء الحديث و صحيحة أبي بصير عن الجنب يجعل الرّكوة أو التور فيدخل إصبعه فيه قال ان كانت يده قذرة فليهرقه الى غير ذلك من الاخبار التي من جملتها رواية الإنائين المشتبهتين وجه الاستدلال ان الماء يخرج بالتنجس عن المالية و الا لم يكن للأمر بإراقتها وجه لعدم جواز إتلاف المال و ممن ذهب الى هذا القول صاحب المستند (رحمه الله) و لكنك خبير بما في الوجوه المذكورة اما في الأول فلان إسراء العلة المنصوصة إنما يجوز بما يليق بها و لعلة في حرمة بيع الخمر انما هي النجاسة الذاتية الغير القابلة للتطهير أصلا إلا بالخروج عن الحقيقة الأصلية مع عدم نفع مباح مقصود فيه و اين ذلك من الماء المتنجس الذي يقبل الطهارة بالاتصال بالكر أو الجاري مع وجود نفع فيه و لو مع عدم الطهارة الا ترى ان الماء الكثير المجتمع من مياه نجسة ممّا له نفع موجود مقصود كما يتفق كثيرا في بلاد العجم انه يباشر الكلب الثلج في حال ميعانه فيذوب تدريجا و يلاقي ذلك المكان النجس الى ان يجتمع من المجموع ماء كثير في غدير و شبهه ينفع في سقي الزرع و البساتين و غيرهما و مثله الحال في غيره من المياه القليلة لأنه لا ينحصر منفعة الماء في الشرب و اما في الثاني فلنظير ما مر فان العنب يعرضه حالات مختلفة فيحرم في الأوان المتأخرة لاتصافه بصفة الخمرية و قد باعه في حال الخل ممن يعلم انه يجعله خمرا و الماء ليس (كذلك) لانه متنجس قابل للتطهير و قابل للانتفاع به بدون التطهير فقياس أحدهما بالاخر قياس مع الفارق و اما في الثالث فلان الأمر بالإراقة في الاخبار كناية عن النجاسة و ليس الأمر باقيا على معناه الأصلي حتى يدل على زوال المالية عن الماء بسبب التنجس فالحق ان الماء يصحّ بيعه في حال تنجسه لان ماليته و المنفعة المقصودة به لا تتبع الطهارة بل هو قابل للتطهير كما عرفت و اما الثاني و هو ما كان من قبيل غير الماء من المائعات التي لا تقبل التطهير باقية على حقيقتها مما لا يقبل التطهير أصلا كالدهن و ان استثنى بحسب الحكم أولا يقبله الا بالخروج عن حقيقته يمزجه بالماء المطلق و صيرورته ماء (مطلقا) كالدبس و ماء الحصرم و ماء الورد و أمثال ذلك و مرادهم بالمائعات في هذا القسم أعم مما كان باقيا على ميعانه الحاصل له في حال ملاقاة النجاسة و مما حصل الجمود بعد ذلك كالدّهن و الدبس الذين انجمدا بعد ملاقاتها فعنوانهم شامل لهذا القسم (أيضا) و لهذا لم يجعلوا هذا قسما مستقلا و نحن قد أفردناه بالذكر توضيحا و كيف كان فالمشهور عدم جواز بيع هذا القسم و ممن قال بهذا القول ابن إدريس (رحمه الله) في السرائر حيث قال و كل طعام أو شراب حصل فيه شيء من الأشربة المخطورة أو شيء من المحرمات و النجاسات فان شربه و عمله و التجارة فيه و التكسب به و التصرف فيه حرام مخطور و انتهى و عن العلامة (رحمه الله) جواز بيعه و الظاهر انه مبنى على مخالفته للأكثر في الصغرى بمعنى اختياره أن المائعات المذكورة قابلة للتطهير كما حكى عنه القول بقابليتها له و حكى عنه في المنتهى ما لفظه و يطهر المضاف بإلقاء كر دفعة و ان بقي التغير ما لم يسلبه الإطلاق فيخرج عن الطهورية انتهى و في القواعد لو نجس المضاف ثم امتزج بالمطلق الكثير فغير أحد أوصافه فالمطلق على طهارته فان سلبه الإطلاق خرج عن كونه مطهر الا طاهر انتهى فيدل كلامه (رحمه الله) على ان المضاف ان مزج بالكر طهر و ان لم يخرج عن الإضافة فهو قابل للتطهير من دون صيرورته ماء (مطلقا) و صرّح بعضهم باستظهار بناء جواز البيع هنا على ذلك و حكى عن المحقق الثاني (رحمه الله) قول ثالث و هو الجواز ان قصد مزجه بالماء المطلق الى ان يصير ماء لطهارة المضاف باستهلاكه في الكثير المطلق قال بعض من تأخر ان هذا القول ان كان مبنيا على ظاهر

ما نقل عنه من تخصيص الجواز بما إذا قصد

42

المشترى مزجه بالماء الطاهر على وجه يخرج عن حقيقته بحسب الظاهر و يشيع في الماء حتى لا يرى غيره فهذا جار في الأعيان النجسة بالذات (أيضا) فلم لا يقول بجواز بيعها و ان كان مبنيا على القول بطهارة الماء المضاف المتنجس بمجرّد اتصاله بالماء المطلق فقد وجدنا في جامع المقاصد في شرح العبارة التي حكيناها عن القواعد انه قال و امّا الثاني أعني الحكم بطهارة المضاف النجس مع بقاء الإضافة باختلاطه بالكثير الطاهر فهذا مختار (المصنف) (رحمه الله) في هذا الكتاب و في غيره و هو مشكل لأن طهارة النجس متوقفة على شيوع الماء الطاهر في جميع اجزائه و اختلاطها به و ذلك غير معلوم على انه بالشيوع ينفصل اجزاء المطلق بعضها عن بعض فيزول وصف الكثرة فيتنجس بالملاقاة و الأصح الخروج عن الطهارة (أيضا) انتهى و حكى عن المحقق الثاني (رحمه الله) (أيضا) قول رابع و هو جواز بيعها فيما لا يتوقف الانتفاع به على طهارته كالمائعات المقصود منها الصبغ بخلاف المقصود منها الأكل و الشرب و نحوهما لكنه (رحمه الله) استدرك بناء الجواز على انها تؤل الى حالة يقبل معها التطهير لكن بعد جفافها بل ذلك هو المقصود منها هذا و قد عرفت الكلام عليه فيما تقدم و قال في الجواهر بعد ذكر هذا القول بل الحق به بعض مشايخنا الصابون مدعيا انه كالصّبغ قال فلا إشكال (حينئذ) في الغسل بما يبقى من رغوته المتنجسة لكنه كما ترى و الاولى الاستناد في خروج ذلك الى السّيرة ان كانت كما انه يمكن القول باقتصار المنع على المتنجس سابقا قبل الاستعمال اما ما تنجس به كطلي الأجرب مثلا فلا مع ان الأحوط اجتناب مطلق ما لا يضطر اليه من ذلك انتهى و حكى عن جماعة قول خامس و هو جواز بيع المتنجس ممن يستحله قال في المستند يظهر عن الاخبار جواز بيع المتنجس على من يستحله من أهل الذمة ففي رواية زكريا بن آدم عن قطرة خمر أو نبيذ قطرت في قدر فيها لحم كثير و مرق كثير قال يهراق المرق أو يطعمه لأهل الذّمة أو الكلاب الى ان قال فقلت فخمر أو نبيذ قطر في عجين أو دم فقال فسد قلت أبيعه من اليهود و النصارى و أبين لهم فإنهم يستحلون شربه قال نعم و في مرسلة ابن ابى عمير في العجين يعجن من الماء النجس كيف يصنع به قال يباع ممن يستحل الميتة و بمضمونها أفتى جماعة منهم صاحب (المدارك) و والدي العلامة (رحمه الله) و هو الأقوى خلافا للشيخ (رحمه الله) في (التهذيب) حيث قال بعد ذكر المرسلة المذكورة و نقل مرسلة أخرى هي أنه يدفن و لا يباع و بهذا الخبر نأخذ دون الأول انتهى و أورد على القول بيعه على من يستحله بضعف المستند مع كونه معارضا بما استند اليه الشيخ (رحمه الله) فلا يصلح للعدول به عن الأصل الذي هو كون الكفار مكلفين و ان أمكن العدول عنه لو اتفق دليل معتبر مخرج عنه ثم ان الحق انما هو القول الأول و يدل عليه رواية تحف العقول و رواية دعائم الإسلام و رواية فقه الرضا مضافا الى قاعدتين ادعى بعض الأساطين كونهما مسلمتين عندهم يجعل إحديهما صغرى و الأخرى كبرى فيستنتج المطلوب امّا الأولى فهي ان كل نجس يحرم الانتفاع به و قد حكى عن العلامة (رحمه الله) ما يعطى أن النجس عبارة عما يحرم الانتفاع به و ان ما يحرم انتفاعاته سيأتي في كلام (المصنف) (رحمه الله) و عن قواعد الشهيد (رحمه الله) ما لفظه النجاسة ما حرم استعماله في الصّلوة و الأغذية للاستقذار و للتوصل بها الى الضرار ثم ذكر ان قيد الأغذية لبيان مورد الحكم و فيه تنبيه على الأشربة كما ان في الصّلوة تنبيها على الطواف انتهى و امّا الثانية فهي ان كل ما يحرم الانتفاع به يحرم بيعه قال فخر المحققين (رحمه الله) في الإيضاح في شرح قول العلامة (رحمه الله) و الأقرب في أبوال ما يؤكل لحمه التحريم للاستخباث الا بول الإبل للاستشفاء ما لفظه هذا قول المفيد (رحمه الله) و الشيخ في النهاية و ذهب ابن إدريس و (المصنف) في المختلف الى الجواز لانه طاهر ينتفع به فيسوغ بيعه كغيره و انا اذكر قاعدة يعرف منها مسائل الخلاف و الوفاق و منشأ الاختلاف في كل مسائل البيع فأقول ما لا منفعة فيه أصلا لا يجوز العقد عليه أصلا لأن ذلك يكون من أكل المال بالباطل فيحرم لقوله تعالى وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ و لم يقصد باذل ما ينتفع به الى الهبة فيجوز له و هذا الّذي لا منفعة فيه لا يصح تملكه كالخمر و الميتة

لأن الخمر إذا أجزنا تخليلها فقد سهل اقتناؤها للتخليل و اما ما فيه منفعة مقصودة فلا يخلو من ثلاثة أقسام أحدها ان يكون سائر منافعه محرمة و الثاني ان يكون سائر منافعه محللة و الثالث ان يكون بعضها محللا و بعضها محرما فان كانت سائر منافعه محرمة صار كالقسم الأول الّذي لا منفعة فيه كالخمر و الميتة و ان كانت سائر منافعه محللة جاز بيعه إجماعا كالثوب و العبد و العقار و غير ذلك من ضروب المال و ان كانت منافعه مختلفة فهذه المواضع من المشكلات و مزال الاقدام فنقول قد تقدم أصلان جواز البيع عند تحليل سائر المنافع و تحريمه عند تحريم جميعها فإذا اختلفت عليك فانظر فان كان جلّ المنافع و المقصود محرما منهيا حتى صار المحلل من المنافع كالمطرح فان البيع ممنوع و واضح إلحاق هذا بأحد الأصلين لأن المطرح من المنافع كالعدم و إذا كان كالعدم صار كان الجميع محرم و أشار إليه بقوله (عليه السلام) لعن اللّه اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها و ان كان الأمر بعكس ذلك كان الحكم بعكسه و هو ان يكون المقصود من المنافع و جلها مباحا و المحرم مطرح في المقصود فواضح إلحاق هذا بالأصل الثاني و هو ما حلّ سائر منافعه و أشكل من هذا القسم مما يكون فيه منفعة محرمة مقصودة مرادة و سائر منافعه سويها محلل مقصود فان هذا ينبغي إلحاقه بالقسم الممنوع لان كون هذه المنفعة المحرمة مقصودة يؤذن بأن لها حصّة من الثمن لان العقد اشتمل عليها كمال مشتمل على سائر المنافع سواها و هو عقد واحد على شيء واحد لا سبيل الى تبعيضه و المعاوضة على المحرم ممنوع فيمنع الكل و إذا وقع من هذا النوع مسائل يشكل على العالم إذ ير المنفعة المحرمة ملتبس أمرها هل هي مقصودة أم لا و يرى ما سويها منافع مقصودة محللة فيمنع من التحريم لأجل ان المقصود من المنافع محلل و لا يطلق القول بالإباحة لأجل الإشكال في تلك المحرمة هل هي مقصودة أم لا و يتساهل أخر فيقول بالكراهة فاحتفظ بهذا الأصل و سياق كلامه (رحمه الله) يعطى ان حرمة بيع ما يحرم جميع منافعه من قبيل مسائل الوفاق لان من قبيل مسائل الخلاف و هذا المقدار من قبيل المسلمات و ان كان يمكن ان يقال في صورة اختلاف المنافع ان المقصود بالبيع ان كان هي المنفعة المباحة المعتد بها عند العقلاء فالبيع صحيح جائز و ان كان المقصود هي المنفعة المحرمة بأن تكون المنفعة المعتد بها عند العقلاء محرمة فالبيع حرام فيقال ان بيع الخمر و شرائها بقصد التخليل جائز صحيح و بيعها و شراؤها للسكر بها محرم باطل و كذا بيع الصّنم المتخذ من الخشب للإيقاد جائز و لاتخاذه معبود إحرام و كذا بيع العنب ليؤكل أو يتخذ منه المشروبات المباحة جائز و بيعه ليعمل خمر إحرام و هكذا و كيف كان فالظاهر أن المقدمة الثانية و هي ان كل ما يحرم الانتفاع به يحرم بيعه مما قام الإجماع عليه بل لا يبعد دعواه عند كون أعظم منافعه محرما خصوصا مع إيقاع البيع بقصد تحصيله بل لا يبعد ذلك ايضا عند كون احدى المنفعتين المتساويتين في المرتبة محرمة إذا وقع البيع لغرض تلك المنفعة المحرمة و اما المقدمة الأولى فإنها و ان التزم بتسليمها بعضهم كما هو مقتضى ما حكيناه عن صاحب الجواهر (رحمه الله) ردا على بعض مشايخه ممن قال بأنه لا إشكال في الغسل برغوة الصابون المتنجسة ثم استند في خروج ذلك الى السيرة و كذا غيره ممن زعم كونها مما قام الإجماع عليه الا ان الحق أنها بإطلاقها بأن يكون جميع أقسام الانتفاع بالمتنجس محرمة لم يقم عليها الإجماع بل هي غير مسلمة فالاختصار بالحناء المعجون بالماء المتنجس لا دليل على حرمته و كذا بل الطين به أو سقى الدواب أو تنظيف جلده به عن الأوساخ ثم تطهيره لما هو مشروط بطهارة البدن و أمثال ذلك فتدبر

قوله و هذا هو الذي يقتضيه استصحاب الحكم قبل التنجس

يعنى ان دوران المنع عن بيع النجس مدار جواز الانتفاع به و عدمه بان يجوز البيع

43

عند وجود الانتفاع هو مقتضى استصحاب حكم جواز بيع ذلك الشيء الّذي عرضه التنجس قبل عروضه فإنه يستصحب إذا شك في الحكم بعد عروضه

قوله مع انه لا يقبل التطهير و انما القابل هو الثوب

هذا بالنظر الى أصل طبيعة الصبغ من حيث عدم اقتضائها بقاء جرم منه على الثوب يعد في العرف جسما و ان كان قد يتفق في بعض افراده بقاء الجرم فيصير قابلا للطهارة بناء على كفاية مجرّد وصول الماء الى جميع اجزاء المتنجس في الكر أو الجاري من دون حاجة الى العصر بل يمكن القول بطهارة الصّبغ مع بقائه فيما يحتاج الى التعدد و العصر في بعض الأحيان إذا بقي في مطاوي الثوب و لم يوجب صيرورة ماء الغسالة المنفصل منه مضافا

[بقي الكلام في حكم نجس العين من حيث أصالة الانتفاع به في غير ما ثبتت حرمته أو أصالة العكس]

قوله و يظهر من الحدائق في مسئلة الانتفاع بالدهن المتنجس في غير الاستصباح نسبة ذلك الى الأصحاب

قال فيها المفهوم من كلام الأصحاب تخصيص الانتفاع بهذا الدهن بصورة الاستصباح خاصة فلا يتعدى الى غيرها بناء على تحريم الانتفاع بالنجس (مطلقا) خرج منه ما وردت اخبار الاستصباح المذكورة فيبقى ما عداه

قوله و قال العلامة (رحمه الله) في التذكرة يجوز اقتناء الأعيان النجسة لفائدة و نحوها في القواعد

قال (رحمه الله) في التذكرة ما نصه و يحرم اقتناء الأعيان النجسة إلا لفائدة كالكلب و السرجين لتربية الزرع و الخمر للتخليل و يحرم (أيضا) اقتناء المؤذيات كالحيات و العقارب و السّباع انتهى و مثله عبارة عدو يعلم من ذلك ان (المصنف) (رحمه الله) عبر بما عبر به من باب النقل بالمعنى فاتى بما هو مؤدى المستثنى و ينبغي تفصيل القول في بيان ان اقتناء الأعيان النجسة و اتخاذها هل هو جائز أم لا و محلّ الكلام هنا ما لم يكن مالا كالعبد الكافر و كلب الصّيد و كذا الكلاب الثلاثة الأخر على القول بكونها أموالا كما هو ظاهر جماعة فان مثل ذلك لا إشكال في اقتنائه و انما الكلام فيما لم يكن ما لا (فحينئذ) نقول لا يخلو اما ان يكون اقتناؤها لفائدة لم يقع النهى عنها في الشرع كالانتفاع بعذرة الإنسان بالتسميد حيث ادعى الشيخ (رحمه الله) في (المبسوط) الإجماع على جواز الانتفاع به و بسرجين ما لا يؤكل لحمه في الزروع و الكروم و أصول الشجر و كذا غير ذلك كاقتناء الكلب لحفظ الدور أو الخيام و هكذا و هذا القسم لا إشكال في جواز اقتنائه و لو بحكم الأصل بل نقول ان منه اقتناء الخمر للتخليل و هو منصوص على جوازه معلل بما يمكن التسري منه الى غيره فعن زرارة قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) من الرّجل يأخذ الخمر فيجعلها خلا قال لا بأس و عن ابى بصير عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) انه سئل عن الخمر تعالج بالملح و غيره لنحوّل خلّا قال لا بأس بمعالجتها قلت فانى عالجتها و طينت رأسها ثم كشفت عنها فنظرت إليها قبل الوقت فوجدتها خمرا أ يحل لي إمساكها قال لا بأس بذلك إنما إرادتك أن يتحول الخمر خلا و ليس أرادتك الفساد و قال العلامة (رحمه الله) في التذكرة يجوز اقتناء كلب الصّيد و الزرع و الماشية و الحائط دون غيره لقوله (عليه السلام) من اتخذ كلبا الا كلب ماشية أو صيد أو زرع نقص من اجره كل يوم قيراط و لو اقتناه لحفظ البيوت فالأقرب الجواز و هو قول بعض الشافعية و بعض الحنابلة لأنه في معنى الثلاثة و منع منهم بعضهم لعموم النهى و امّا ان يكون لفائدة وقع النّهى عنها في الشرع و هذا القسم لا إشكال في حرمته و هو واضح و امّا ان يكون ذاهلا غير ملتفت إلى الفائدة المحرمة و لا الى غيرها و هذا القسم يمكن ان يحكم فيه بجواز الاقتناء للأصل و لكن الذي يفهم من كلام العلامة (رحمه الله) في التذكرة المتقدم ذكره كالقواعد هو ان ملاحظة الفائدة المباحة شرط في الجواز و انه لا يحكم به الا معها لكن الشأن إقامة الدليل على ذلك فان مدعيه مطالب بها بمقتضى القاعدة و قد انتصر له (رحمه الله) بعض من تأخر بأنه (رحمه الله) استفاد من الاخبار و الأدلة الشرعية ان الأعيان النجسة مرغوب عنها عند الشارع بل المطلوب عنده و المحبوب لديه هو إتلافها و إزالتها لا حفظها و اقتناؤها و قد نهى في خبر تحف العقول عن إمساك ما كان من وجوه النجس و عدّ كثيرا من النجاسات في خبر دعائم الإسلام من وجوه الفساد و في الخبر المذكور في الكلب في عبارة التذكرة التي حكيناها أخيرا دلالة على ذلك و كذا رواية الغوالي المتضمنة لقول النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لا ادع كلبا الا قتلته فالحاصل انه يستفاد من الرجوع الى الأدلة الشرعية ان ما لا فائدة فيه من الأعيان النجسة ككلب الهراش و نحوه من النجاسات التي لا فائدة فيها مقصودة يحرم اقتناؤها و ليس ببعيد عند الجمود على ظواهر الأدلة هذا ما ذكره ذلك البعض و مقتضاه نظرا الى التمسك بعموم حديث تحف العقول ان جواز اقتناء النجس الذي فيه فائدة يحتاج الى الدليل و تحصيل الرّخصة فيه و لكن قال المحقق الأردبيلي (رحمه الله) و (الظاهر) انّه لا نزاع في جواز اقتناء الأعيان النجسة مع حصول نفع مقصود للعقلاء انتهى و المحكي عن المنتهى انه قال فيه كل ما لا منفعة فيه من الأعيان النجسة يحرم اقتناؤها كالخنزير لانه سفه و لو كان فيه منفعة جاز اقتناؤه و ان كان نجسا يحرم بيعه كالكلب و الخمر للتخليل و لكنه يكره لما فيه من مباشرة النجاسة و كذا يحرم اقتناء المؤذيات كالحيات و العقارب و السّباع لحصول الأذى منه و قال المحقق الأردبيلي (رحمه الله) بعد ذكره جواز اقتناء الأعيان النجسة لا كلام فيه للأصل و حصول النفع و اما تحريم اقتناء المؤذيات فليس بواضح الدّليل الا مع الخوف

الواجب دفعه و كذا تحريم حفظ الأعيان النجسة مثل الخنزير أو الكلب العقور مع عدم المنفعة بوجه الا ان يؤدى الى الخوف و الإسراف و السفه كما أشار (رحمه الله) اليه انتهى بقي هنا شيء و هو انه استفيد من عبارة المنتهى ان اللام في عبارة التذكرة الداخلة على الفائدة ليست للغاية حتى يفيد انه مع عدم ملاحظة الفائدة يصير الاقتناء محرما بل هي للتوقيت اى عند وجود الفائدة

قوله و لا ذكر خصوص الصّبغ مع ان الأكل هي المنفعة المتعارفة المنصرف إليها الإطلاق

(انتهى) يمكن المناقشة في هذا بان الصبغ مثال للنفع الحكمي و لا مجال للعدول عنه إلى الأكل الذي ليس صالحا لصيرورته مثالا للنفع الحكمي لكونه أظهر أفراد المنفعة المتعارفة كما اعترف هو (رحمه الله) به و يمكن رفعها بأنه تسامح بذكر المثال الذي هو الصبغ عن الممثل له و هو النفع الحكمي فيصير مآل الكلام إلى انه لم يحسن ذكر النفع الحكمي مع وجود الأكل الذي هو أظهر المنافع

قوله لكن مع تفصيل لا يرجع الى مخالفة في محل الكلام

أراد (رحمه الله) تفصيله بين الانتفاع بالنجس أو المتنجس من باب عدم الاكتراث بالدين و بين الانتفاع بشيء منهما لا من ذلك الباب و وجه عدم رجوعه إلى المخالفة في محل الكلام هو ان حرمة عدم الاكتراث بالدين مسلم بين الجميع و ليس جهة الكلام الإثبات الحرمة أو نفيها في صورة لا يتحقق فيها عدم المبالات فليس التفصيل المذكور تفصيلا في محل النزاع و انما هو تفصيل بينه و بين غيره

قوله على عدم الاكتراث بالدين

قال في مجمع البحرين في الحديث لا يكترث لهذا الأمر أي لا يعبأ به و لا يباليه

قوله و إطعامها لجوارح الطير

قال في مجمع البحرين في قوله تعالى مِنَ الْجَوٰارِحِ اى الكواسب اى الصّوائد من السباع و الطير سميت بذلك لأنها كواسب بأنفسها يقال جرح إذا اكتسب

قوله كالتسميد

قال في المصباح السّماد وزان سلام ما يصلح به الزرع من تراب و سرجين و سمدت الأرض تسميد أصلحتها بالسماد

قوله كما يدل عليه وقوع السؤال في بعض الروايات عن الجص يوقد عليه العذرة و عظام الموتى و يجصص به المسجد فقال الامام (عليه السلام) ان الماء و النار و قد طهراه

قال في الوسائل محمّد بن الحسن بإسناده عن الحسن بن محبوب قال سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن الجص يوقد عليه بالعذرة و عظام الموتى ثم يجصص به المسجد ا يسجد عليه فكتب الىّ بخطه (عليه السلام) ان الماء و النار قد طهراه ثم قال و رواه الصدوق بإسناده عن الحسن بن محبوب ثم قال أقول تطهير النار للنجاسة بإحالتها رمادا أو دخانا و تطهير الماء اعنى ما يجبل به الجص يراد به حصول النظافة و زوال النفرة انتهى و على هذا فلا بد من ان يراد بالتطهير المسند الى الماء و النّار معنى كلى هو مطلق التنظيف الا ان قيامه بالنار بحسب نظر الشارع و قيامه بالماء بحسب أنظار أهل العقول و العادة حتى لا يلزم استعمال لفظ واحد

44

في معنيين متباينين و قال في الوافي بعد ذكر الحديث ما لفظه لعل المراد بالماء الماء الممزوج بالجص فيكون من قبيل رش الماء على المظنون النجاسة أومأ المطر الذي يصيب ارض المسجد المجصّص بذلك الجص و كأنه كان بلا سقف فإن السنة فيه ذلك و المراد بالنار ما يحصل من الوقود التي يستحيل بها أجزاء العذرة و العظام المختلطة بالجص رمادا فإنها تطهر بالاستحالة و الغرض انه ورد على ذلك الجص أمران مطهران هما النار و الماء و لم يبق ريب في طهارته فلا يرد السؤال بان النار إذا طهرته أو لا فكيف يحكم بتطهير الماء له ثانيا إذ لا يلزم من ورود المطهر الثاني تأثيره في التطهير انتهى و لا يخفى عليك بعد التوجيه الثاني لتطهير الماء بان يكون مراده (عليه السلام) تطهير ماء المطر إياه و كذا الأول لأن الماء الممزوج بالجص ليس مما فيه شأنية التطهير الشرعي حتى يجوز اسناد التطهير اليه و ما ذكره في ذيل الكلام من التعبير عن الماء بالمطهر الثاني لا وجه له الأعلى القول بكون الماء القليل مطهرا كما هو مذهبه فلا يتم الجواب على مذهب الأكثر فظهر مما ذكر ان ما ذكره في الوسائل أوجه بالتقريب الّذي بيناه فتدبر

قوله بل في الرّواية إشعار بالتقرير

من جهة تعبيره بصيغة الماضي المنبئ عن الوقوع المشعر من جهة وقوعه في مقام الاخبار بعلمه به و انه لم يقع منه نهى عن ذلك من جهة حصول الطهارة فيكون تقرير أولا يتوهم ان التقرير انما هو من باب عدم التعرض لإنكار هذا العمل في جواب السّائل إذ لا محل لذلك لعدم كون السائل هو الفاعل لذلك الفعل و التقرير عبارة عن إمضاء الفعل من فاعله و السكوت عنه و عدم كون السّائل هو الفاعل و انما كان يسئل عن حكم ما فعله غيره مع قطع النظر عن قبحه بالنسبة إلى الفاعل أمر ظاهر و يؤيد ما ذكرناه انه لو كان مراد (المصنف) (رحمه الله) هذا الوجه كان اللازم عليه ان يعبره بالدلالة لا بالاشعار لان نفس سكوته يكون على ذلك التقدير تقرير

قوله نعم يمكن ان ينزل على الانتفاع به على وجه الانتفاع بالطاهر بان يستعمله على وجه يوجب تلويث بدنه و ثيابه و سائر الات الانتفاع به كالصّبع بالدم و ان بنى على غسل الجميع عند الحاجة الى ما يشترط فيه الطهارة

لا يخفى بعد هذا الحمل من جهة بعد الحكم بحرمة التلويث مع البناء على التطهير نعم الكراهة ليست ببعيدة من حيث ان تلويث الآلات يصير معرضا للغفلة عن تطهير بعضها أو عدم إمكان التطهير مضافا الى ان الرواية التي استشهد بإشارتها ليس فيها تقييد بالبناء على الغسل فهي ظاهرة في حرمة التلويث المؤدي إلى أكل النجاسة و الصّلوة فيها و نحو ذلك فلا تنطبق على المدعى

قوله حرام هي ميتة

يعنى ان المقطوع حرام بدلالة سياق الكلام من حيث اقتران قوله (عليه السلام) هي ميتة لأن (الظاهر) انه قد أخبر بالحرام عما أخبر عنه بأنه ميتة و ان الثاني بمنزلة العلة للأول و ليس مراده (عليه السلام) ان القطع حرام فتدبر

قوله بحملها على حرمة الاستعمال على وجه يوجب تلويث البدن و الثياب

لا يخفى ان لفظ الحمل لم يقع في محله لان ذلك ظاهر الرواية بل صريحها حيث قال فيها اما علمت انه يصيب اليد و الثوب و هو حرام و معلوم ان الحمل انما يقال فيما يخالف الظاهر

قوله و اما حمل الحرام على النجس كما في كلام بعض فلا شاهد عليه

البعض المشار اليه هو صاحب الحدائق (رحمه الله) و قد تقدم نقل كلامه عند تعرض (المصنف) (رحمه الله) لذكر مذهب صاحب الكفاية في الألية المقطوعة من الغنم

قوله كما يشير اليه قوله تعالى وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ

قد تقدم منه (رحمه الله) ان ايات التحريم و الاجتناب و الهجرة ظاهرة في الانتفاعات المقصودة في كل نجس بحسبه و هي في مثل الميتة الأكل و في الخمر الشرب و في الميسر اللعب به و في الأنصاب و الأزلام ما يليق بحالهما و (حينئذ) فلا يبقى الا ان احتمال المخالف الظاهر من الأمر بهجر النجس مطلق مزاولته الشاملة للانتفاع الظاهر و غيره كالتلويث و يكون المراد بالإشارة ذلك الاحتمال المخالف للظاهر و مثل هذا مما لم يتعارف إرادته بلفظ الإشارة و انما المتعارف إرادته من لفظ الإشارة المسندة إلى الكلام هو افادته اللوازم الخفية الغير المقصودة و ليس من لوازم هجر النجس بمعنى ترك الانتفاع المتعارف منه ترك تلويث الثوب و البدن و غيرهما مع قصد التطهير

قوله ثم ان منفعة النجس المحللة للأصل أو للنص قد تجعله مالا عرفا الا انه منع الشرع من بيعه كجلد الميتة إذا قلنا بجواز الاستقاء به لغير الوضوء

(انتهى) اعلم ان جماعة من أصحابنا صرحوا بأن الأعيان النجسة كما يحرم بيعها (كذلك) لا تملك بأنفسها و ان وجد لها منفعة محللة كما اتفق في بعض الموارد كشعر الخنزير الذي وقع في بعض الاخبار جواز اتخاذها حبلا يستقى به بل نسب بعضهم عدم تملكها إلى الأصحاب و استظهر ذلك صاحب الجواهر (رحمه الله) من خبر تحف العقول حيث قال لان ذلك كله منهي عن اكله و شربه و لبسه و ملكه و إمساكه و حكاه عن تصريح بعض مشايخه جازما به و الاستظهار المذكور محل تأمل ثم انه (رحمه الله) أيده بعدم عدها أموالا عرفا مع أصالة عدم دخولها في الملك لتوقفه على أسباب شرعية لبطلان قول من قال بأنه شرعا تابع للسلطنة العرفية على الشيء و انه لبس الملك حقيقة إلا ذلك و هذا الأصل عبارة عن الاستصحاب و محصله ان الملك اختصاص خاص له آثار خاصة و أسباب خاصة و هو حادث مسبوق بالعدم كآثاره و أسبابه فليستصحب عدمه عند الشك و أنت خبير بان دعوى عدم عدها أموالا عرفا مجرد دعوى غير ثابتة بل الثابت خلافها و ان بطلان قول من قال بان الملك شرعا تابع للسلطنة العرفية مطالب بالدليل عليه و منه يظهر سقوط التمسك بالاستصحاب و انقطاعه بثبوت المالية و تحقق الاستيلاء عليه و كيف كان فقد خالف (المصنف) (رحمه الله) فيما عليه الجماعة فإنه قد أثبت المالية العرفية في بعض الصور و هي صورة ثبوت فائدة محللة مقصودة منه دون خلافها و أشار الى أثر الفرق بين ما حكم به من المالية العرفية و بين ما حكم به سائر الأصحاب هو انه على ما أفاده (رحمه الله) يجوز الهبة بعد ثبوت المقتضي الذي هو المالية و عدم المانع بخلافه على ما افادوه لكن هذا موقوف على عدم شمول التقلب المنهي عنه المذكور في خبر تحف العقول للهبة و لعله أشار (رحمه الله) الى ذلك بقوله فتأمل و يمكن ان يقال ان التقلب أخص من مطلق التصرف الشامل للهبة لكن يبقى الكلام في ان قبول الأخر للهبة صحيح و ممضى أم لا فان قلنا بصحة الهبة و عدم صحة القبول لزم التبعيض في تأثير العقد لخروج العين عن ملكه و عدم دخولها في ملك صاحبه و ان قلنا بصحة القبول (أيضا) اتجه عليه ان القبول تقلب بل إمساك منهي عنه بخصوصه في ذلك الخبر

قوله فمثل هذه أموال لا يجوز المعاوضة عليها و لا يبعد جواز هبتها لعدم المانع مع وجود المقتضى فتأمل

(الظاهر) ان الأمر بالتأمل للإشارة إلى منع كون مجرد المالية مقتضيا و ان المقتضى لعله هي المالية على وجه مخصوص و هو كون المال بحيث يصح المعاوضة عليه و قد قال العلامة (رحمه الله) في التذكرة في بيان ضابط العين الموهوبة كل عين يصح نقلها بالبيع يصح نقلها بالهبة لأن الهبة تمليك بآخر كالبيع و انّما يفرقان في العوض و عدمه فتصحّ هبة المشاع كما يصحّ بيعه على الحدّ الذي يجوز بيعه فيه عند علمائنا اجمع انتهى و قال في مسئلة اخرى الكلب قسمان مثل مملوك كلب الصّيد و الزرع و الماشية فهذا يصحّ هبته و إقباضه و الثاني غير مملوك و هو كلب الهراش و هذا لا يصحّ هبته كما لا يصح بيعه انتهى فدلّ ذيل كلامه على ان صحة هبة الكلب المملوك انما هي من جهة صحة بيعه فتدبر

قوله و قد لا تجعله مالا عرفا لعدم ثبوت المنفعة المقصودة منها لها و ان ترتب عليه الفوائد كالميتة التي يجوز إطعامها لجوارح الطير و الإيقاد بها و العذرة للتسميد فان الظاهر انها لا تعد أموالا عرفا

لا يخفى عليك انه يتجه عليه المنع من انتفاع المالية من الميتة عرفا فيما لو كانت في مال الحياة ملكا له فانا لا نسلّم انها لا تعد (حينئذ) مالا له عرفا و كذا غيرها من العذرة و غيرها في البلاد التي شاع اتخاذها للتسميد

قوله و الظاهر ثبوت حق الاختصاص في هذه الأمور الناشي اما عن الحيازة و اما عن كون أصلها مالا للمالك

اعلم انه بعد القول بعدم ملكيتها (مطلقا) كما هو مذهب الأكثر أو القول بعدم ملكيتها في بعض الصور كما هو خيرة (المصنف) (رحمه الله) يقع الكلام تارة في اختصاص تلك العين التي منعنا ملكيتها بمن هي في يده حتى لا يجوز لغيره المبادرة إلى أخذها بدون اذنه و هذا

45

بحث عن تحقق موضوع الاختصاص و اخرى في انه بعد ثبوت الاختصاص هل يجوز المعاوضة عليها بان يكون من قبيل الحقوق حتى يصحّ الصّلح عليها و المعاوضة عنها نقلا و إسقاطا أو إسقاطا فقط و أكثر الحقوق من هذا القبيل كحق الرّجوع و حق الغيبة و السّبق الى مكان من المسجد و هذا أقلّ مرتبة الحق و ما لا يجوز ذلك فيه لا يكون حقا بل هو مجرّد حكم شرعي فيقع الكلام في مقامين المقام الأول و هو الذي أشار إليه (المصنف) (رحمه الله) بهذا الكلام في انه هل يثبت الاختصاص في تلك العين التي منعنا ملكيتها لمن استولى عليها أم لا فالذي ذهب اليه بعض أهل العصر هو الثاني قال ان ظاهره يعنى خبر تحف العقول عدم جواز إمساكها فلا يكون له حق الاختصاص بها كما هو مقتضى الأصل و لكن قد يدعى الاتفاق على جواز إمساك نجس العين لبعض الفوائد و (حينئذ) فالمراد به في الخبر ما يرجع الى الأكل و الشرب لا (مطلقا) الا انه في غير محله نعم لا ريب في قصوره عن الخروج عن الأصل الا انه لا يفيد ثبوت حق الاختصاص شرعا بل الأصل عدمه هذا كلامه و الذي ذهب إليه جماعة ثبوته فيما له منفعة محللة لا تعد بسببها مالا عرفا و تمسك بعضهم لذلك يتحقق الظلم عرفا بالمزاحمة له و أورد عليه بعض المعاصرين بالمنع من تحقق الظلم و هو غريب إذ ليس الظلم إلا عبارة عن إيلام الغير بغير استحقاق و هو موجود و أورد عليه (أيضا) بعض من تأخر بان تحقق الظلم بمزاحمته عنه لا يقضى بثبوت حق الاختصاص له به و استند في نفى الملازمة الى ان مزاحمة من يمشى على سكة في مكان مباح و دفعه عنها الى ما خرج عنها ظلم مع انه ليس له حق الاختصاص بتلك السّكة و ذلك المكان المباح و هو أغرب ضرورة أن الاختصاص بكل شيء انما يكون بحسب استعداده و قابليته و ليس استعداد السكة في المكان المباح الا لتمر عليها المارة و معلوم ان المرور انما يتفق في زمان يسير فالمار له حق اختصاص بتلك السكة في زمان مروره بقدر ذلك الزمان و يتحقق الظلم ايضا بإبطال حقه فيه و قد أوردت عليه بهذا الوجه شفاها فأجاب بأن الظلم أعم موردا من الحق نظرا الى ان ضرب رجل و شتمه (أيضا) ظلم مع انه لا حق هنا و أنت خبير بأنه يتجه عليه ان الموضوع هناك منتف إذ ليس هناك شيء يمكن اعتبار حق بالنسبة إليه فالظلم الناشئ من منع شيء يضاف الى الرّجل دليل على اختصاصه به و الاولى في الإيراد على الاستدلال هو ان يقال ان ثبوت تحقق الظلم موقوف على ثبوت الحق و لهذا نقول ان إتلاف الخمر الغير المحترمة ليس ظلما على صاحبه فلو أريد إثبات الحق بثبوت الظلم لزم الدور و هو باطل و لعلّ هذا مراد المعاصر المذكور و ان كان لا يفي به ظاهر عبارته و تمسك (المصنف) (رحمه الله) للقول الثاني الّذي اختاره بوجهين أشار إليهما في هذه العبارة أحدهما ان الحيازة سبب لثبوت حق الاختصاص و ثانيهما الاستصحاب و ليس شيء منهما بمفيد اما الأول فلانه لا ريب في توقف صحة الحيازة على جريان أدلتها و (حينئذ) نقول ان كان الدليل هو قيام الإجماع و السيرة على صحة الحيازة و جوازها فكل منهما بمنزلة القضية المهملة التي هي في قوة الجزئية و القدر المتيقن منها غير هذا المقام و ان كان هي الأخبار فلم نجد منها الا ما تداول ذكره في كتبهم و ألسنتهم و هو من حاز ملك و ما ذكره الشيخ (رحمه الله) في أول كتاب أحيا الموات من المبسوط من قوله (عليه السلام) من سبق الى ما لم يسبقه اليه مسلم فهو أحق به و لا مجال للتمسك بشيء منهما اما الأول فلان كونه نصا غير معلوم و قد حكى لي بعض من سبقنا إلى الاستفادة من (المصنف) (رحمه الله) من علماء عصرنا هذا انه (رحمه الله) كان يتأمل في كونه حديثا و على تقدير تسليم كونه حديثا أو بناء الاستدلال به على كونه قاعدة مجمعا عليها فليس مؤدّاه الّا ثبوت الملك دون ثبوت الحق فلا يفي بإثباته عند انتفاء الملك مضافا الى ان مؤداه أصل بيان تحقق الملك بالحيازة من دون نظر الى ان مورده ما ذا فلا يتوجه الا عند إحراز قابلية المورد من الخارج و اما المورد الّذي شك في انه قابل للملك بالحيازة فلا يتأتى منه إثبات قابلية ذلك المورد و هو ظاهر و اما الثاني فلان مقتضاه و المنساق منه هو السبق الى

غير المنقولات كالأراضي و أمثالها من الأعيان الثابتة فلا يفيد حكم المنقولات من مثل الظبي و الطيور و الحطب و الحشيش و نحو ذلك و الأعيان النجسة من قبيل الثاني دون الأوّل و لو تنزلنا عن ذلك و قلنا ان الانسياق المذكور ظهور بدوي لا عبرة به قلنا ان مورده انما هو فيما إذا كان هناك حق مشترك سابق في شيء فسبق أحد المشتركين اليه كالأوقاف العامة من مثل المسجد و الرباط و نحوهما فان الموقوف عليهم على وجه العموم مشتركون في ثبوت حق لهم في الموقوف فإذا سبق أحدهم إلى الجلوس في مكان من المسجد أو النزول في الرباط صدق عليه انه سبق الى ما لم يسبق اليه مسلم فهو أحق به فيكون اولى بذلك المكان و يكون الحق الحاصل له حق السّبق و هذا بخلاف حق الحيازة و حق التحجير إذ ليس قبل الحيازة و التحجير حق لأحد في المحاز و لا في المحجر فيثبت الحق بهما فلا يكون شيء من ذلك من حق السّبق و قد صدر كل من هذين الوجهين من واحد من أهل العصر عند الكلام على هذا الحديث الثاني شفاها و لكن الإنصاف انه لا وجه شيء منهما اما الأول فلان المتبع من دلالة الألفاظ انما هو ظواهرها و لا يظهر من لفظ الحديث اختصاص بخصوص الأعيان الثابتة و قد تمسك صاحب الجواهر (رحمه الله) لثبوت تملك الماء بإحرازه في إنية أو مصنع أو حوض بقوله (عليه السلام) من سبق الى ما لم يسبق اليه مسلم فهو له و ليس بينه و بين الحديث المذكور فرق إلا في إبدال لفظ أحق بلفظه له و ذلك خارج عن موضع الدلالة لان من يدعى الاختصاص بالأعيان الثابتة يستشمه من قوله (عليه السلام) من سبق الى من لم يسبق اليه مسلم فالحق ان لفظ الحديث شامل للمنقولات و غيرها من الأعيان الثابتة و لا مجال للإصغاء الى الدعاوي التي لا تبلغ حدا يمكن ان يقال انه مما يشعر به اللفظ فتدبر و اما الثاني فلاندفاعه أولا بالمنع من اختصاص مورده بما إذا كان هناك حق سابق مشترك بين من سبق اليه و غيره لكون اللفظ أعم من ذلك و مثل هذه الدعاوي مما يلحق بالوسواس فهي على حد الدعوى السّابقة في عدم العبرة بها لخروجها عن ظواهر الألفاظ و ثانيا ان مقتضى الاخبار ثبوت اشتراك الناس في المباحات و لا يختص بمثل الأوقاف العامة و يكفيك في إثبات ذلك ما ذكره العلامة (رحمه الله) في التذكرة حيث قال و الأصل في استواء الناس في المباحات ما رواه العامة عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) انه قال الناس شركاء في ثلث الماء و النار و الكلاء و من طريق الخاصة ما رواه احمد بن محمّد عن محمّد بن سنان عن ابى الحسن (عليه السلام) قال سئلته عن ماء الوادي فقال ان المسلمين شركاء في الماء و النار و الكلاء و لا خلاف في ذلك بين علماء الإسلام انتهى فتأمل فإن قلت هذا الحديث لم نقف عليه مسندا و قد أرسله في (المبسوط) فالجواب انه وقع الاستدلال به في كثير من الموارد فيكشف ذلك عن كونه متلقى بالقبول عندهم و عملهم به جابر لضعفه لو كان فلا حاجة الى تجشم البحث عن سنده فان قلت لو كان ضعيفا فإنما ينجبر بقدر عملهم به و لا يتم ذلك إلا في المورد الذي عملوا به و لازم ذلك انه يبقى على عدم الحجيّة في غير مورد العمل و فيما نحن فيه و هو ثبوت حق الاختصاص بالنسبة إلى الأعيان النجسة لم يستندوا اليه و لم يعملوا به فلا يصحّ لنا الاستناد إليه في إثبات الحق بالنسبة إليها قلت هذا الكلام كثيرا ما يجرى على السنة مشايخنا و من قلدهم من الطلبة الا أن الحق عندي هو التفصيل بأنه ان كان عدم تمسكهم به ناشئا عن اعراضهم عن إجرائه في المورد الخاص كان ذلك كاشفا عن قرينة افادتهم المقصود به فلا يكون حجة و الا فإن كان من جهة عدم تعرضهم و عدم التفاتهم الى ذلك الفرع الذي هو من موارد الحديث فذلك غير ضائر لأن عملهم به في مورد خاص يكون جابرا له بمعنى صدور لفظه و اين هذا من مقام الدلالة و بعد انجبار ضعفه بالعمل به تصح جهة النقص في صدوره و يبقى دلالة اللفظ متبعة بحكم الأدلة الدالة على حجية ظواهر الألفاظ فعلم مما ذكرنا ان سقوطه عن الاعتبار في صورة إعراضهم عنه بالنسبة إلى مورد خاص ليس مستندا الى ضعف السند بل هو أمر راجع الى الدلالة و اعراضهم يصير كاشفا عن قرينة دلت

على ان المراد به غير ذلك المورد كما انه لو كان المورد

46

مما لا يفي نفس اللفظ بشموله و قد وجدنا انهم تمسكوا به في ذلك المورد صار ذلك كاشفا عن القرينة على فهم المراد و يظهر لك مما بينا ان ضعف السند لا دخل له بأمر الدلالة و انه لا فرق في كشف عملهم عن القرينة بين ما لو كان السند صحيحا و بين ما لو كان ضعيفا مضافا الى ان من الأساطين من افتى بما يوافقه في المؤدى قال العلامة (رحمه الله) في التذكرة و كذا تصح الوصيّة بما يحل الانتفاع به من النجاسات كالكلب المعلم و الزيت النجس لإشعاله الى أخر ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) في المتن فان قلت كيف يصحّ الاستدلال بالحديث المذكور و قد ورد على وجهين أحدهما من سبق الى ما لم يسبقه اليه مسلم فهو أحق به و الأخر من سبق الى ما لم يسبق اليه مسلم فهو له و اللام للملك فيصير ذلك قرينة على ان المراد بالأول أيضا الأحقية الثابتة في موارد الملك دون غيرها قلت أولا لا منافاة بينهما صدور أو دلالة فيؤخذ بكل منهما بمقدار دلالته فيؤخذ بالعام في موارده و بالخاص في موارده إذ ليسا متنافيى الظاهر و ثانيا ان وضع اللام ليس للملك بل للاختصاص الذي هو قدر مشترك بينه و بين غيره من موارد الاختصاص مثل الجل للفرس كما يرشد إليه قاعدة تقديم الاشتراك المعنوي حيث دار الأمر بينه و بين الاشتراك اللفظي و الحقيقة و المجاز مضافا الى انه وقع الاستدلال بما اشتمل على اللام على الاختصاص قال العلامة (رحمه الله) في كتاب احياء الموات من التذكرة المرتفق بالمشارع و المساجد إذا أطال العكوف عليها فالأقرب انه لا يزعج لأنه أحد المرتفقين فقد ثبت له السّبق باليد و ان لم يفد أولوية فلا أقل من المساواة و قال (عليه السلام) من سبق الى ما لم يسبق اليه مسلم فهو له انتهى فالوجه ان المراد بالأحقيّة هي الأحقيّة المطلقة الشاملة للملك و الحق و كذا المراد بالاختصاص هو الاختصاص المطلق الشامل للملك و الحق فتحصل مما ذكرنا انه يحكم بثبوت الحق بالسّبق إلى الأعيان النجسة إذا اشتملت على منفعة محللة مقصودة و امّا الثاني و هو الاستصحاب فلان الثابت سابقا في حال حيوة الحيوان انما هو الملك دون مجرد حق الاختصاص فاستصحاب الملكية لإثبات حق الاختصاص المباين له لا وجه له الا ان يقال ان الثابت سابقا هو حق الاختصاص مع شيء زائد و هو الملك فإذا ارتفع ذلك المزايد و شك في بقاء المزيد عليه جرى الاستصحاب لكنه ممنوع و قد أجاد بعض المعاصرين حيث أشار الى بعض ما ذكرناه لانه علل ثبوت حق الاختصاص بتحقق الظلم عرفا بالمزاحمة و منع منه ثم قال أو لأدلة الحيازة أو لأن أصلها مال للمالك كما لو مات حيوانه و نحوه و لعلّهما اولى بالمنع (أيضا) مع ظهور الاولى في الملكية مع فرض صحة الحيازة فتدبر انتهى الا انه ان أراد بظهور الاولى ظهور حديث من سبق فقد عرفت ما فيه المقام الثاني في انه بعد ثبوت الاختصاص هل يصحّ الصّلح عليه حتى يكون حقا أم لا يصحّ حتى يكون مجرد حكم شرعي و قد أشار (المصنف) (رحمه الله) الى هذا بقوله و (الظاهر) جواز المصالحة على هذا الحق بلا عوض بل دفع العوض بناء على انه لا يعد ثمنا النفس العين (انتهى) فالذي يظهر من عبارة التذكرة التي حكاه (المصنف) (رحمه الله) هيهنا هو كونه حقا يصح الصّلح عليه ثم بعد كونه حقا قد يقال بعدم جواز الصّلح عليه هنا كما عن مفتاح الكرامة نظرا الى ان الصّلح عليه اكتساب بالعين التي تعلق بها الحق و هي من قبيل النجس و قد نهى في خبر تحف العقول عن الاكتساب بالأعيان النجسة و قد يقال بالجواز نظرا الى ان الخبر المذكور الذي هو مستند الحرمة ضعيف لا يعمل به الا بمقدار الانجبار و لم يتحقق عمل الأكثر و لا عمل جماعة به في محلّ الكلام و هو الحق المذكور فيبقى الصّلح عليه على أصالة الجواز و استشكل (المصنف) (رحمه الله) في الحكم و قال بعض من تأخر ان القدر المتيقن من جواز أخذ المال في مثل المقام هو ان يبذل طالب العين النجسة ما لا على ان يرفع يده عنها فيكون المال في مقابل رفع اليد عنها لا في مقابل العين و لا في مقابل الحق المتعلق بها و نسب الى (المصنف) (رحمه الله) انه اشترط زيادة على ذلك ان يجوز الباذل العين ثم قال ان ذلك مبنى على صحة الحيازة الاولى و الا فلم تصحّ الحيازة الثانية (أيضا) لعدم الدليل لانه لو قام الدليل على صحة الحيازة صحت

الاولى و الثانية جميعا و الا لمن يصحّ شيء منهما و الفرق بينهما ان الأول لا يحتاج إلى الحيازة بل هو مبنى على عدم وقوعها و الثاني موقوف على صحة الحيازة (مطلقا) و لما لم يدل الدليل على صحتها كان الاولى عدم اعتبارها ثم ان ذلك البعض استظهر ثبوت الحق استناد الى فتاوى الفقهاء و انا أقول قد عرفت مما ذكرناه ان لا دليل على ثبوت الحق و فتاوى الفقهاء لا حجة فيها ما لم تصل الى حد الإجماع و ان أدلة الحيازة غير وافية بالحيازة في هذا المقام

قوله بل دفع العوض بناء على انه لا يعد ثمنا لنفس العين

لانه عوض حق الاختصاص و هو مغاير لنفس العين

قوله و الخمر المحترمة لثبوت حق الاختصاص فيها

قال في كتاب الرهن من التذكرة الخمر قسمان محترمة و هي التي اتخذ عصيرها ليصير خلّا و انما كانت محترمة لأن اتخاذ الخل جائز إجماعا و العصير لا ينقلب إلى الحموضة إلا بتوسط الشدة فلو لم يحترم و أريقت في تلك الحال لتعذر اتخاذ الخل و الثاني خمر غير محترمة و هي التي اتخذ عصيرها لغرض الخمرية فالأولى لا يجب إراقتها و هل يجب إراقة الثاني فيه قولان للشافعية انتهى ما أهمنا ذكره

قوله و الظاهر ان مراده بغير الإرث الصّلح الناقل

لم يتعرض للهبة المعوضة هنا لعدم جريانها في المقام لان ضابط الموهوب هو ضابط المبيع قال العلامة (رحمه الله) في القواعد في بيان ضابطه كل ما جاز بيعه جاز هبته انتهى و قد قدمنا مثله عن التذكرة و معلوم انه ليس هنا الا حق الاختصاص

قوله و ذكر بعض الأساطين بعد إثبات حق الاختصاص ان دفع شيء من المال لافتكاكه يشك في دخوله تحت الاكتساب المحظور فيبقى على أصالة الجواز

هذا الكلام تأييد لما ذكره من انه لو بذل مالا على ان يرفع يده عنها كان حسنا من جهة مصير بعض الأساطين أيضا اليه مع الإشارة إلى وجهه و ذلك لان الافتكاك عبارة أخرى عن بذل المال على ان يرفع يده عما عليه يده يحوزه الباذل

قوله ثم انه يشترط في الاختصاص بالحيازة قصد الحائز للانتفاع و لذا ذكروا انه لو علم كون حيازة الشخص للماء و الكلاء لمجرد العبث لم يحصل له حق

هذا الشرط مغاير لما اشترطوه من لزوم قصد التملك فيشترط فيما هو قابل للمملوكية قصد الانتفاع مضافا الى قصد التملك و فيما ليس قابلا لها مجرد قصد الانتفاع به من جهة تعذر قصد التملك و ليس هذا بدلا عن قصد التملك فيما هو قابل للملك بان يعتبر قصد التملك فيما هو قابل للملك و قصد الانتفاع فيما ليس قابلا لذلك بدلالة استشهاده بحيازة الماء و الكلاء لمجرد العبث ضرورة أنهما قابلان للملك و أراد بالانتفاع الانتفاع بنفسه لا الانتفاع المترتب عليه مثل بذل المال على رفع اليد و لكن الإنصاف عدم ثبوت هذا الشرط من كلماتهم إذ ليس مرادهم باشتراط قصد الانتفاع في الحيازة على تقدير صحة الحكاية اشتراط قصد الانتفاع بعينه حتى يخرج قصد الانتفاع بالمال الّذي يأخذه في مقابل ما حازه بل المراد به ما قابل العبث فعلى هذا فالاحتطاب و الاحتشاش لداعي أخذ المال في مقابل ما حازه من الحطب و الحشيش يوجب تملكه لهما لو كذا الحال في غيره لان قوله (عليه السلام) من سبق الى ما لم يسبق اليه مسلم فهو أحق به لا يتأتى منه اعتبار قصد الانتفاع به بعينه نعم يتأتى منه اعتبار القصد إلى الحيازة لأنه لا يتحقق الفعل الاختياري إلا بالقصد فعلى هذا نقول انه لا يتأتى ذلك من كلماتهم و انه ليس عليه دليل صالح و اما ما استشهد به من انهم ذكروا انه لو علم كون حيازة الشخص للماء و الكلاء لمجرد العبث لم يحصل له حق فلا شهادة فيه على اعتبار قصد الانتفاع لان العبث عبارة عن الفعل الصادر لغير غرض عقلائي بل (الظاهر) انهم أرادوا بذلك بيان انه لو لم يقصد التملك و انما حاز لمجرد العبث لم يحصل له حق و من المعلوم ان جمع العذرة ليبادل له؟؟؟ مال فتؤخذ منه ليس من قبيل العبث هذا مضافا الى ما يرد على ذلك من انه لو كان المراد بالانتفاع الانتفاع بنفس ذلك الشيء لزم ان لا يملك الحطب و نحوه من يجوزه ليحمله الى البلد و يبيعه و ان أريد به ما هو أعم من ذلك بان يكون مقصوده ترتب نفع عليه فذلك موجود فيما فرضه من مثال جمع العذرات ليبذل له مال فتؤخذ منه (فالظاهر) انه لا يعتبر قصد

47

الانتفاع و انما يعتبر قصد التملك فيما هو قابل للملك و قصد الاختصاص فيما ليس بقابل لذلك فعلى هذا نقول بتحقق الحيازة ممن جمع العذارات ليأخذ على رفع اليد عنها مالا لا عليها بنفسها الّا ان يدعى قيام الإجماع على اعتبار قصد الانتفاع من المجاز بنفسه و هو غير معلوم و قد تتبّعنا كلماتهم فلم نجد لما اعتبره من كون الحائز قاصدا للانتفاع شاهد إلا بالنسبة إلى تحقق الملك و لا بالنسبة إلى تحقق الأولوية و في اعتبار قصد التملك فيما هو قابل للتملك خلاف بينهم قال العلامة (رحمه الله) في التذكرة المياه العامة مباحة للناس كافة كل من أخذ منها شيئا و أحرزه في إناء أو بركة أو مصنع أو برء عميقة و شبهه ملكه الى ان قال و من أخذ شيئا في إناء ملكه و لم يكن لغيره مزاحمته فيه كما لو احتش أو احتطب و هو قول أكثر الشافعية و قال بعضهم انه لا يملكه لكنه يكون اولى من غيره و الحق الأول و لو زاد الماء المباح فدخل شيء منه ملك انسان بسيل أو جريان لم يكن لغيره أخذه منه ما دام فيه لتحريم الدخول في ملك غيره بغير اذنه فهل يملكه مالك الملك قال الشيخ (رحمه الله) لا يملكه و هو أصحّ قولي الشافعيّة كما لو وقع في ملك الغير مطر أو ثلج فمكث في ملكه أو فرخ طائر في بستانه أو توحل ظبي في أرضه أو وقعت سمكة في سفينة لم يملكه بذلك بل بالأخذ و الحيازة فعلى هذا لو تخطى إنسان إلى ملك غيره و أخذ من ذلك الماء لم يكن لمالك الأرض استرداده و كان ملكا للثاني باستيلاء يده و تحيزه في آنيته و الوجه الثاني للشافعية انه يكون ملكا لصاحب الأرض فإن أخذ غيره كان له استرداده و المعتمد الأول لأن الإنسان لا يملك ما لم يتملك الا بالميراث الا ترى ان لو وهب لغيره شيئا أو اباحه له لا يملكه الا بتملكه فإذا دخل الى ملكه لم يملكه بذلك و يخالف وقوع السّمكة في السفينة و الظبي في الأرض وقوع الصّيد في الشبكة المغصوبة فإن الصّيد هنا يملك لأنّ الشّبكة كيده وضعها لذلك انتهى و قال في الدروس في أوّل كتاب المشتركات امّا الماء فاصله الإباحة و يملك بالإحراز في إناء أو حوض و شبهه و باستنباط بئر أو عين أو اجرائهن من المباح على الأقوى انتهى و قال قبل ذلك في أخر كتاب احياء الموات تاسعها يعنى شرائط الأحياء قصد التملك فلو فعل أسباب الملك و قصد غير التملك (فالظاهر) انه لا يملك و كذا لو خلا عن قصد و كذا سائر المباحات كالاصطياد و الاحتطاب و الاحتشاش فلو اتبع ظبيا يمتحن قوته فاثبت يده عليه لا بقصد التملك لم يملك و ان اكتفينا بإثبات اليد ملك و ربما فرق بين فعل لا تردد فيه كبناء الجدران في القرية و التسقيف مع البناء في البيت و بين فعل يحتمل كإصلاح الأرض للزراعة فإنه محتمل لغير ذلك كالنزول عليها و اجراء الخيل فيها فيعتبر فيه النية بخلاف غير المحتمل و يكون وزان ذينك كوزان صريح اللفظ و كنايته و يضعف بان الاحتمال لا يندفع و نمنع استغناء الصريح عن النية انتهى و قال في جامع المقاصد في إحياء الموات عند قول العلامة و لو حفر في المباح لا للتملك بل للانتفاع فهو أحق بها مدة مقامه عليها و قيل يجب بذل الفاضل من مائها عن قدر حاجته و فيه نظر القائل بذلك الشيخ (رحمه الله) لقوله (عليه السلام) الناس شركاء في الثلاثة النار و الماء و الكلاء و لا دلالة فيه لان الاشتراك في الأصل لا ينافي تجدد الملك و الاختصاص كالمحرز في الآنية و لان المفرد المحلى باللام لا يعم و ما ورد من الاخبار عن النهى عن منع فاضل الماء و نحوه فهو محمول على الكراهة و وجه النظر ان تملك المباحات ان لم يحتج إلى نية فقد ملك هذا الماء فلا يجب عليه بذل فاضله كسائر أمواله و على القول بالاحتياج في التملك إليها فهذا كالتحجير يفيد الأولوية و (حينئذ) فلا دليل على وجوب بذل الزائد هذا حكم ما إذا قصد بالحفر التملك أو قصد عدمه اما لو لم يقصد شيئا فقد قال في التذكرة الأقوى اختصاصه به لانه قصد بالحفر أخذ الماء فيكون أحق و هنا ليس له منع المحتاج عن الفاضل عنه لا في شرب الماشية و لا الزرع و فيه نظر لان مع الاختصاص لا دليل على وجوب بذل الفاضل عن صاحبه مع انه قد حقق فيما بعد انه ان كان الفعل الذي فعله

للاحياء لا يفعل في العادة مثله الا للتملك كبناء الدار و اتخاذ البستان ملكه به و ان لم يوجد منه قصد التملك و ان كان مما يفعله المتملك و غير المتملك كحفر البئر في الموات و زرعه قطعة من الموات اعتمادا على ماء السّماء افتقر تحقق الملك الى تحقق قصده فان قصد أفاد الملك و الا فإشكال ينشأ من ان المباحاة هل تملك بشرط النية أم لا و للشافعية وجهان و ما لا يكتفى به المتملك كتسوية موضع النزول و تنقيته عن الحجارة لا يفيد التملك و ان قصده و هذا كنصب الأحبولة في طرق الصّيد فإنه يفيد الملك و إغلاق الباب إذا دخل الصّيد الدار على قصد التملك يفيد الملك و دونه وجهان و توحل الصّيد في أرضه التي سقاها لا بقصد الصيد لا يقتضي التملك و ان قصده هذا كلامه و إشكاله الذي ذكره ينافي الجزم الذي تقدم و الذي يقتضيه النظر عدم اشتراط النية في تملك المباحات للأصل و لعموم قوله (عليه السلام) من أحيى أرضا ميتة فهي له و اشتراط النية يحتاج الى مخصص و الأحياء في كلّ شيء بحسبه كما سيأتي إنشاء اللّه تعالى فحفر البئر الى ان يبلغ الماء احياء و ليس في الباب ما يدل على الاشتراط ممّا يعتد به و غاية ما يدل عليه ما ذكروه ان قصد عدم التملك مخرج للاحياء عن كونه سببا للملك إذا الملك القهري هو الإرث كما صرح به في التذكرة فإنه قال في قريب أول بحث المياه في جملة كلام له ان الإنسان لا يملك ما لم يتملك إلا في الميراث فعلى هذا ان نوى التملك بالاحياء ملك و كذا ينبغي إذا لم ينو شيئا بخلاف ما لو نوى العدم فلا يملك و (حينئذ) فيتصور التوكيل في حيازة المباحات و احياء الموات و سيأتي (إن شاء الله) (تعالى) ثم نعود الى مسئلة الكتاب و الأصح فيها عدم الملك و عدم وجوب بذل الفاضل لكن لا يجوز بيعه الا بعد الحيازة انتهى و الحاصل انه ليس في كلام أحد اشتراط قصد الانتفاع في تحقق الأولوية التي هي حق الاختصاص نعم وقع في كلام جماعة اشتراط قصد التملك بالحيازة و اين هو من الاتفاق على ذلك خصوصا مع تغاير الموردين الذين هما التملك و قصد الاختصاص و خصوصا مع كون النسبة بين قصد التملك و قصد الانتفاع عموما من وجه و على تقدير وقوع اشتراط قصد الانتفاع في كلامهم فالانتفاع يعم الانتفاع بأخذ المال على بذله أو على رفع اليد عنه فافهم

و ينبغي تذييل البحث عن الاكتساب بالأعيان النجسة بالتنبيه على أمور

الأول انه ذكر في مفتاح الكرامة انه لا فرق في ذلك يعنى النجس الذي لا يقبل التطهير بين المائع و الجامد

الّذي لا يقبل التطهير سواء كان مائعا و اصابته النجاسة ثم جمد أو اصابته النجاسة و هو جامد كما إذا اختلط الطحين بشيء من نجس العين كالخرء المدقوق بحيث لا يمكن انفصاله عنه الا ان نقول في الأخير انه ليس ينجس و لا متنجس فالمدار على التنجيس و عدم قبول التطهير كما أفصحت به عباراتهم و انعقدت عليه إجماعاتهم كما ستعرف و قد يلوح من الأستاد خلاف ذلك انتهى و أورد عليه بعض من تأخر بأنه ليس هناك عنوان موجب لحرمة بيعه لان الطحين المذكور لا يصدق عليه انه نجس و لا انه متنجس فلا وجه للحكم بحرمة البيع و لا دليل عليه قال الا ان يدعى ان المناط الذي في النجس و المتنجس من عدم النفع موجود بعينه فيما نحن فيه ثم منع من ذلك مستندا الى ان عنوان النجس و المتنجس غير عنوان ما لا نفع فيه و ان كانت النسبة بينهما عموما من وجه فقد يجتمعان و قد يفترقان فالمناط انما هو عنوان النجس و المتنجس و ليس شيء منهما بموجود و الا فالنفع موجود كتعليق الدواب أو البعير به قلت مع كون بعض ما ذكره مما أشار إليه هو بنفسه قد أشار الى ذلك كله صاحب الجواهر (رحمه الله) بقوله ثم انه ينبغي الجزم بخروج الطحين و نحوه إذا مزج معه سحيق النجاسة على وجه لا يتميز عنه عما نحن فيه ضرورة عدم كونه نجسا و لا متنجسا نعم قد يحتمل المنع عن بيعه باعتبار عدم التمكن من منفعته المقصودة مع انه لا يخلو ذلك عن مناقشة انتهى

الثاني ان البيع المحرم و كذا غيره من العقود المحرمة بالتعلق بما يحرم الاكتساب به هل هي فاسدة ايضا أم محرمة من دون فساد

48

و لا إشكال في ان الحكم هو الأول و انما الكلام في وجه الفساد فنقول اما على ما نراه نحن فهو ان النواهي المتعلقة بأمثال العقود المذكورة للإرشاد إلى الفساد فتكون الحرمة متولدة منه كما انه قد يكون الفساد متولدا من الحرمة و اما من لم يلتفت الى هذا المسلك فاستند كل طائفة منهم في الحكم بفساد العقد الى وجه فمنهم من استند فيه الى الإجماع على فساد العقود التي وصفناها لك و منهم من استند في ذلك الى ظواهر الاخبار كخبر تحف العقول حيث قال فيه أو شيء من وجوه النجس فهذا كله حرام محرم لان ذلك منهي عن اكله و شربه و لبسه و إمساكه و التقلب فيه فجميع تقلبه في ذلك حرام و النبوي ان اللّه إذا حرم شيئا حرم ثمنه و منهم من استند في ذلك الى انا و ان لم نقل بأن الحرمة تستفاد من الاخبار الخاصة الخارجية بل قلنا باستقادتها من نفس النواهي المتعلقة بعنوان الاكتساب و ان لم نقل بكون تلك النواهي للإرشاد بل قلنا بكونها للتحريم لكنا نقول ان تلك النواهي تعلقت بجميع آثار المعاملة التي تعلقت بها و النهى عن جميع الآثار يقتضي الفساد لشيء من وجهين أحدهما ان المعاملة بدون ترتب الآثار تعود سفهية و المعاملة بهذا الوصف فاسدة و ثانيهما ان النهى عن جميع الآثار يستلزم الفساد في نظر أهل العرف و ان لم تكن هناك ملازمة عقلية واقعية إذ يمكن عقلا ان يكون المبيع قد انتقل إلى المشترى و يكون الثمن قد انتقل إلى البائع و لكن لا يجب تسليمه المبيع إلى المشتري مثلا و لا ملازمة بين مالكية رجل و بين وجوب الدفع اليه الا ترى ان المحجور عليه من التصرف في ماله السفه و نحوه مالك و لا يجب تسليم ماله و الملازمة العرفية كافية و منهم من استند في ذلك الى ارتفاع مقتضى الصحة لكن ذكر ان هذا في بعض الموارد و هو المولى المحقق البهبهاني (رحمه الله) حيث فصل بين ما لو كان مقتضى صحة المعاملة منحصرا فيما يناقض التحريم مثل أحل اللّه البيع فان الحل يناقض التحريم و بين ما لو كان مما لا يناقض التحريم بان كان لمجرّد بيان الحكم الوضعي مثل قوله (عليه السلام) إذا التقى الختانان وجب المهر و قوله (عليه السلام) الصّلح جائز بين المسلمين فحكم بالفساد عند تعلق النهي في الأول لارتفاع مقتضى الصّحة بما يناقضه بخلافه في الثاني فإن ما لا يناقض التحريم من مقتضى صحته لا يرتفع بالنهي (فحينئذ) لا تبطل تلك المعاملة و هذا الكلام و ان أورد عليه بعض من تأخر بأن مثل قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ مما هو مقتضى الصّحة ناظر الى ترتيب الآثار و كذا قوله تعالى أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ نظرا الى ان حل البيع الذي حكم به الشارع معناه حله على الوجه المتعارف بين الناس و (حينئذ) نقول لا منافاة بين ترتيب الأثر على العقد بل ترتيب جميع الآثار عليه و بين حرمة نفس العقد و لكن الإنصاف ان هذا الوجه غير وارد عليه لان حله و الوفاء به إذا كان عبارة عن ترتيب جميع الآثار و ان شئت قلت على الوجه المتعارف فالنهي عنه ايضا يتوجه اليه بذلك الاعتبار و يكون عبارة عن النهى عنه بجميع اثاره فتدبر

الثالث انه قال بعض الأساطين فيما لو علم أحد المتبايعين يكون المبيع من الأعيان النجسة

كما لو علم ان اللحم مما لم يدك و اعتقد الأخر بكونه من قبيل الطاهر ان البيع يبطل (حينئذ) و استند في ذلك الى وجهين أحدهما ان البيع و غيره من العقود من قبيل ما هو سبب واحد و السّبب الواحد لا يتبعض في التأثير سواء كان هو العقد أم غيره و ثانيهما العمومات الدالة على تحريم بيع الأعيان النجسة أو خصوص العذرة مثلا و هي شاملة لما إذا علما جميعا بكون ما وقع عليه البيع من الأعيان النجسة أو العذرة مثلا و ما إذا لم يعلم واحد منهما و ما إذا علم أحدهما دون الأخر خرج عن عنوان العمومات الدالة على التحريم ما إذا لم يعلم أحد منهما و بقي الباقي تحت عنوانها و لا يخفى ما في الوجهين اما الأوّل فلان عدم جواز تبعض العقد الواحد في التأثير ان أريد به مثل خروج المبيع عن ملك البائع و عدم دخوله في ملك المشترى بأن يكون تأثير العقد ذلك أو مثل خروج المبيع عن ملك البائع و عدم دخول ثمنه في ملكه فهو صحيح الا ان مثله هنا غير لازم لان العقد ممضى في حق غير العالم تماما بمعنى انتقال ماله الى صاحبه و بالعكس بحسب (الظاهر) فجواز العقد و صحته (حينئذ) من الأحكام الظاهرية في حقه و غير ممضى في حق العالم تماما بمعنى عدم انتقال ماله الى صاحبه و عدم انتقال مال صاحبه إليه في الواقع و لا مانع من تخالف الحكم الواقعي و الحكم الظاهري و له موارد في الفقه و منها ما لو أقرت المرأة بزوجية رجل و أنكر هو فيمضي في حق كل منهما مقتضى إقراره و ان أريد به عدم جواز تخالف مقتضى العقد باعتبار المتعاقدين أو غيرهما من مقومات العقد و لو بحسب اختلاف الحكم الواقعي و الظاهري فهو ممنوع و لا يلتزم به مثله لان ذلك ينشأ من الغفلة عن مقتضى الحكم الواقعي و الظاهري و لا يصدر من مثله و اما الثاني فلان عمومات تحريم بيع النجس أو العذرة مثلا ليست إلا كسائر خطابات الشرعية مسوقة البيان الحكم الواقعي و الحكم الجاري على جهلهما أو جهل أحدهما ليس الا من الأحكام الظاهرية التي لا تندرج في مؤدى الخطاب بالأحكام الواقعية و ليس الوافي ببيان اعتبار الأحكام الظاهرية الا أدلتها فلا تدخل في أدلة الأحكام الواقعية

الرّابع انه قد علم حرمة الانتفاع بالنجاسات العينية بالأكل و الشرب و اباحة اتخاذها لعلف الدواب و إطعام الجوارح

لكن على كراهة قال في المستند يجوز سقى الدواب و إطعامها المسكر و سائر المحرمات و المتنجسات على الأصحّ الأشهر للأصل و العمومات و حصر المحرمات و عدم الدليل على التحريم نعم يكره ذلك لروايتي أبي بصير و غياث المصرحتين بأنه يكره ذلك و عن القاضي تحريمه و لعله لحمل الكراهة في الخبرين على الحرمة و لا وجه له بعد كونها أعم بحسب اللغة انتهى و هل يجوز إطعامها للأطفال و المجانين و غير العالمين بنجاستها و بعبارة أخرى إطعامها لمن من شانه التكليف نوعا و ليس بمكلف فعلا و هم أفراد الإنسان الغير المتوجه إليهم الخطاب بالاجتناب عن النجس بالفعل فمنعه رئيس الفقهاء في في عصره على ما حكى عنه نظرا الى ان إطعامها لمن عرفت من الصنف يقتضي إطعامها لعياله من حيث لا يعلمون و كذا غيرهم من المسلمين و غيرهم فينفتح باب مباشرة النجاسات و قد تعلق غرض الشارع بالتجنب عنها فيتحقق خلاف غرضه و في المستند في الباب الرابع من كتاب الأطعمة و الأشربة ما لفظه المعروف في كلامهم كما في الكفاية انه يحرم سقى الأطفال المسكر و يدل عليه روايتا عجلان إحديهما من سقى مولودا مسكرا سقاه اللّه من الحميم و ان غفر له و الثانية قال اللّه (عز و جل) من شرب مسكرا أو سقاه صبيا لا يعقل سقيته من ماء الحميم معذبا و مغفورا له و رواية أبي الربيع الشامي و فيها بعد السؤال عن الخمر و لا يسقيها عبد لي صبيا صغيرا أو مملوكا إلا سقية مثل ما سقاه من الحميم يوم القيمة معذبا بعد أو مغفورا له ثم قال و هل يختص ذلك بالمسكر أو يتعدى الى سائر المحرمات ظاهر المحقق الأردبيلي (رحمه الله) الثاني حيث قال هنا و الناس مكلفون بإجراء أحكام المتكلفين عليهم انتهى ثم قال (رحمه الله) و في ثبوت ذلك التكليف للناس (مطلقا) نظر و لا يحضرني الآن دليل على التعميم الموجب لتخصيص الأصل و اللّه سبحانه هو العالم انتهى أقول لا ريب في ان للخمر امتيازا عن غيرها من النجاسات و المتنجسات لاشتمالها على مفاسد مبغوضة في نظر الشارع و اما بالنسبة إلى غيرها فتوضيح المقال انه ذكر بعض مشايخنا انا لو سلمنا حرمة إطعام من عرفت فإنما نسلمها بالنسبة إلى النجاسات الأصلية دون المتنجسات و أنت خبير بأنه لا سبيل الى هذا التفصيل لأنه إن لوحظ غرض الشارع فلا فرق بالنظر اليه و بين النجس بالذات و المتنجس بالعرض في حرمة التناول اختيارا و مبغوضيته و ان لوحظ بالنسبة إلى الأدلة فليس هناك دليل يوجب حرمة إطعام النجس الأصلي لمن عرفت دون المتنجس بالعرض الا ان يقال ان وجوه النجس عبارة عن النجاسات الأصلية دون العرضية و ان إطعامها الغير تقلب فيه من المطعم و لا يخلو استفادته من اللفظ عن خفاء لان التقلب لا بد في صدقه من صدق نوع تصرف في العرف و لهذا نقول ان إيقاد العذرة و الميتة مثلا في الأتون و في كورة الجص أو الأجر ليس تصرفا و لا انتفاعا بل هو إتلاف نعم قد ذكر (المصنف) (رحمه الله)

49

في مسئلة وجوب الإعلام بنجاسة الدّهن المتنجس عند بيعه ان صيرورة المكلف علة تامة لوقوع المكلف الأخر في المحرم و القبيح الواقعي كما لو أكرهه على شرب الخمر أو شيء من المحرمات الأخر أو صيرورته سببا كما لو قدم اليه طعاما مغصوبا فأكله و هو لا يعلم بالغصب محرم فعلى هذا يدخل إطعام المكلفين الغير العالمين في القسم الثاني فيجري عليه حكم الحرمة

الخامس ان حرمة الانتفاع بالأعيان النجسة في حال الاختيار مما لا اشكال فيه

غاية ما في الباب اختلاف القولين فيه من جهة ان الأصل حرمة الانتفاع الا ما خرج أو بالعكس و على كل حال فالحرمة المثبتة مما لا ريب فيه في حال الاختيار انما الكلام في ان تلك الحرمة ثابتة في مقام الضّرورة كالتداوى بها مثلا أم لا فالّذي اختاره بعض من تأخر تبعا لجماعة هو الثاني فيجوز التداوي بها سواء كان بالخمر أم غيرها من الأعيان النجسة لأن الضّرورة تبيح المحظورات و لكن قد عقد في الوسائل بابا لعدم جواز التداوي بشيء من الخمر و النبيذ و المسكر و غيرها من المحرمات مشتملا على اخبار كثيرة منها ما عن عمر بن أذينة قال كتبت الى ابى عبد اللّه (عليه السلام) اسئله عن الرّجل ينعت له الدواء من ريح البواسير فيشربه بقدر أسكرجة من نبيذ ليس يريد به اللذة انما يريد به الدواء فقال (عليه السلام) لا و لا جرعة ثم قال ان اللّه عزّ و جلّ لم يجعل في شيء مما حرم دواء و لا شفاء و قد تأول هو و غيره تلك الاخبار بان اللّه تعالى لم يجعل في الحرام بوصف كونه حراما شفاء و عند الضرورة يخرج عن كونه حراما فيصير مباحا و شفاء و لكنه غير موافق لمساق الخبر المذكور و غيره من الاخبار الا ان توجه بان ما وقع من السؤال فيها يشتمل على امراض هيّنة غير مهلكة و التداوي بها في مثل تلك الأمراض غير جائز و انما يجوز التداوي بها في الأمراض الشديدة التي يظن معها تلف النفس لا مثل قراقر البطن و أرياح البواسير فالتداوى بها منها حرام و لا شفاء في الحرام أو توجه بان مثل هذه الأمراض يمكن علاجها بدواء أخر فلا يجوز التداوي بها منها و انما يجوز التداوي بها فيما لا بد لها في التداوي منه فما لم ينتف بدلها فهي حرام لم يجعل اللّه فيها شفاء و مع انتفاء البدل تباح فيجوز التداوي بها و قد جعل اللّه فيها شفاء و هذان التوجيهان يمكن استفادتها من اخبار الباب فتدبر و يعجبني توضيح المقال في المسئلة على وجه يحصل به شفاء الغليل فأقول و باللّه التوفيق ان تناول الخمر قد يكون في مقام الاضطرار من غير جهة المرض و قد يكون للتداوي عن المرض شربا و قد يكون للتداوي من رمد العين بالاكتحال بها و قد يكون بالاحتقان فهذه مسائل أربع

المسئلة الاولى في حكم شربها في مقام الاضطرار

و قد وقع الخلاف في الخمر و في الطين (حينئذ) بعد اطباقهم على ان سائر المحرمات مباحة عند الضرورة قد اذن الشارع في أكلها و شربها عندها و لا بد من معرفة المضطر الّذي هو الموضع ثم البحث عن حكمه قال في الجواهر اما المضطر فعن النهاية انه هو الذي يخاف المتلف على نفسه لو لم يتناول قال فيها و لا يجوز ان يأكل الميتة إلا إذا خاف تلف النفس فإذا خاف ذلك أكل منها ما يمسك رمقه و لا يمتلئ منه و في (المسالك) وافقه عليه تلميذه القاضي و ابن إدريس و العلامة في (المختلف) و لعله لانه المتيقن من الرّخصة و الخبر المفضل و مرسله محمّد بن عبد اللّه و محمّد بن عذافر المتقدمين و فيه ان عنوان الرّخصة المضطر الذي لا ريب في تحققه بغير ذلك و الخبران المزبوران بعد الإغماض عن السند لا دلالة فيهما على الاختصاص و آية المخمصة مع عدم القائل بتقييد الاضطرار فيها حتى من الخصم لا تصلح لتقييد إطلاق غيرها لو سلم ظهورها في التقييد من جهة الشرطية و من هنا قال (المصنف) (رحمه الله) بل (المشهور) كما في (المسالك) و كذا يتحقق الاضطرار لو خاف المرض بالترك بل و كذا لو خاف الضعف المؤدي إلى التخلف عن الرفقة مع ظهور امارة العطب بذلك أو الى الضعف عن الركوب أو المشي المؤدي إلى خوف التلف بل الظاهر تحققه بالخوف على نفس غيره المحترمة كالحامل تخاف على الجنين و المرضع على الطفل و بالإكراه و بالتقية الحاصلة بالخوف على إتلاف نفسه أو نفس محترمة أو عرضه أو عرض محترم أو ماله أو مال محترم يجب عليه حفظه أو غير ذلك من الضرر الذي لا يتحمل عادة بل لو كان مريضا و خاف بترك التناول طول المرض أو عسر علاجه فهو مضطر عرفا و لا فرق في ذلك كله بين السفر و الحضر إذ المدار على صدق الاضطرار الظاهر تحققه بخوف الضرر الذي لا يتحمل عادة إذا كان خوفا معتدا به عند العقلاء لا مجرد وهم فضلا عن العلم و الظن بل قد يدعى تحققه عرفا مع عدم معارضة واجب من حفظ النفس و نحوه انتهى كلام صاحب الجواهر (رحمه الله) و سبقه الى تفسير المضطر بما ذكره المحقق الأردبيلي (رحمه الله) الا انه قال في ذيل كلامه و ينبغي الملاحظة في ذلك كله و الاحتياط فان الدليل هو ظاهر العقل و بعض العمومات فلا بد من الاقتصار على المعلوم و ذلك لا يخلو عن اشكال و عسر فتأمل انتهى و مثلهما صاحب المستند (رحمه الله) الا انه قال في مقام التعليل كل ذلك لصدق العسر و الحرج و الضرر و الاضطرار معه عرفا انتهى و قال العلامة (رحمه الله) في الإرشاد و يباح للمضطر و هو خائف التلف لو لم يتناول أو المرض أو طوله أو عسر علاجه أو الضعف عن مصاحبة الرفقة مع خوف العطب عند التخلف أو عن الركوب المؤدي إلى الهلاك تناول كل المحرمات الى ان قال و يجب التناول للحفظ و لو قصد التنزه حرم و يستبيح كل ما لا يؤدى الى قتل معصوم فيحل الخمر لازالة العطش و ان حرم التداوي به و لو وجد البول اعتاض به عن الخمر انتهى و في القواعد المضطر و هو كل من يخاف التلف على نفسه لو لم يتناول أو المرض أو الضعف المؤدي إلى المتخلف عن الرفقة مع ظهور العطب أو ضعف الركوب المؤدي إلى خوف التلف و لو خاف طول المرض أو عسر علاجه فالأقرب انه مضطر سواء كان المضطر حاضرا أو مسافرا انتهى و إذ قد عرفت ذلك نقول يباح تناول الخمر عند الاضطراب وفاقا لجماعة منهم الصّدوق (رحمه الله) و الشيخ و ابن إدريس و ابن سعيد و المحقق في كتاب الأطعمة و الأشربة و جماعة بل هو (المشهور) لنا على ذلك أهمية حفظ النفس بل غيره مما ذكر و نفى الحرج و الضرر في الدين إذ لا حرج و لا ضرر أعظم من الصبر على تلف النفس و نحوها مع وجود ما يمكن دفع الضّرورة به و عموم ما عن الدعائم ثم قال على (صلوات اللّه عليه) المضطر يأكل الميتة و كل محرم إذا اضطر اليه و خصوص موثقة الساباطي في الخمر عن الرجل اصابه عطش حتى خاف على نفسه فأصاب خمرا قال يشرب منه قوته و المروي عن الدعائم إذا اضطر المضطر إلى أكل الميتة أكل حتى شبع و إذا اضطر الى الخمر شرب حتى يروى و ليس له ان يعود الى ذلك حتى يضطر اليه و مرسلة العلل و شرب الخمر جائز في الضرورة

و ربما يؤيد بحلية الدم و الميتة و لحم الخنزير التي هي أشد حرمة و أغلظ من الخمر عند الضرورة خلافا للمحكي عن الشيخ (رحمه الله) في (المبسوط) و (الخلاف) فقال فيما لو لم يوجد الا الخمر انه لا يجوز دفع الضرورة بها استنادا الى ثبوت حرمتها في الكتاب و عدم معارضة آيات الاضطرار لها لتصدرها بحرمة الميتة و الدم و لحم الخنزير فهي المباحة للمضطر و لا تقاومه اخبار الحلّية لها لان كل خبر خالف الكتاب فهو مردود و لرواية الفضل بن شاذان عن الرّضا (عليه السلام) في كتابه إلى المأمون و المضطر لا يشرب الخمر لأنها تقتله و رواية العلل عن ابى بصير عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال المضطر لا يشرب الخمر لأنها لا تزيده الا شرا و لأنه إن شربها قتلته فلا يشرب منها قطرة قال في الوسائل قال و روى لا تزيده الا عطشا قال الصّدوق جاء الحديث هكذا و شرب الخمر جائز في الضرورة انتهى و أجيب أولا بأن استثناء المضطر (أيضا) ثبت من الكتاب فان قوله تعالى وَ مٰا لَكُمْ أَلّٰا تَأْكُلُوا مِمّٰا ذُكِرَ اسْمُ اللّٰهِ عَلَيْهِ وَ قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مٰا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلّٰا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ (مطلقا) و كذا ايات نفى العسر و الحرج و ثانيا بان خاص السنة لا يعد مخالفا لعام الكتاب و لهذا يخص الثاني بالأول إذا كان خاصا (مطلقا) كما في المقام إذ الموثقة و رواية الدعائم خاصان (مطلقا) و كذا مرسلة العلل و لا يعارضها رواية العلل لأنها معللة بما إذا كان المفروض خلافه و قال في الوسائل بعد كلامه الذي حكيناه في ذيل رواية أبي بصير هذا محمول على خوف الضرر من شرب الخمر (أيضا) بقرينة التعليل أو على ضرورة دون الهلاك هذا و أقول الأقرب في حمل الرواية بملاحظة روايته المتضمنة لقوله (عليه السلام) لا تزيده الا عطشا على ما لو كان سبب الضرورة هو العطش بخصوصه و على هذا فلا اشكال

50

فيما ذكر فيها من ان الخمر تقتله و ذلك لان من المعروف ان من بلغ به العطش حد النهاية ان شرب الماء دفعة تصدع كبده فمات و لهذا تعارف عند أهل البادية ان من كان حال ذلك يذيبون له السمن و يحررونه حرارة خفيفة فيشربونه إياه و من أضره الماء في مثل الحالة المذكورة يضره الخمر (أيضا) و يقتله و بعد ذلك كله نقول التحقيق المطابق لما هو مسلك اهله هو ان روايات الجواز مما افتى بمضمونها الأكثر بل من عدا الشيخ (رحمه الله) و انها موافقة لعمومات الاضطرار و دليل ارتفاع العسر و الضرر بل دليل العقل فلا تقاومها روايات المنع و بعد ذلك لا حاجة بنا الى تجشم البحث عن أحوال أسانيد الطرفين

المسئلة الثانية في حكم التداوي بها من المرض شربا

و قد رفع الخلاف فيه فمنع منه جماعة منهم المحقق في كتاب الأطعمة من (الشرائع) و العلامة (رحمه الله) في الإرشاد حيث قال و لا يجوز التداوي بشيء من الأنبذة و لا بشيء من الأدوية معها شيء من المسكر أكلا و شربا انتهى و مثله عبارة المحقق بتفاوت يسير و هذا القول هو (المشهور) بين الأصحاب و نقل عن (الخلاف) دعوى الإجماع عليه كما في (حاشية الإرشاد) للمحقق الأردبيلي (رحمه الله) و عن (المسالك) و نسبه في كشف اللثام إلى الأكثر و اجازه جماعة منهم القاضي (رحمه الله) و ابن إدريس (رحمه الله) و الشهيد (رحمه الله) في الدروس و صاحب الكفاية على ما حكى عنهم و فصل العلامة (رحمه الله) في (المختلف) و الشهيد الثاني و صاحب المفاتيح على ما حكى عنهم فجوزوا التناول و المعالجة مع خوف تلف النفس (مطلقا) و منعوا فيما دونه عن المسكرات أو كل محرم و قال العلامة (رحمه الله) في القواعد كل ما لا يؤدى الى قتل معصوم حل كالخمر لازالة العطش و قيل يحرم و اما التداوي به فحرام ما لم يخف التلف و يعلم بالعادة الصّلاح ففيه (حينئذ) إشكال و كذا باقي المسكرات و كل ما مازجها كالترياق و شبهه أكلا و شربا انتهى و ظاهره التفصيل بين خوف التلف بتركه مع العلم بالصلاح بتناوله بالتوقف (حينئذ) و بين غيره فيحرم قطعا و هذا غير القول المحكي عن (المختلف) و محمل النزاع في هذه المسئلة هو ما لو انحصر الدواء في الخمر و اما صورة عدم الانحصار فلا نزاع في حرمتها بل الكل ملتزمون بها كما صرح به في كشف اللثام قال في ذيل قول العلامة (رحمه الله) و اما التداوي به فيحرم (انتهى) ما لفظه اما إذا لم ينحصر الدواء فيه فظاهر متفق عليه و امّا عند الانحصار (فكذلك) عند الأكثر انتهى و وافقه في نفى الخلاف عن الحرمة مع عدم الانحصار صاحب الجواهر (رحمه الله) و يعطيه كلام صاحب المستند (رحمه الله) حيث قيد العنوان بالانحصار و استدل صاحب الجواهر (رحمه الله) على عدم الجواز في صورة العلم بعدم الانحصار مضافا الى كونه مجمعا عليه غير متنازع فيه بإطلاق أدلة التحريم السالمة عن معارضة الرخصة فيه للمضطر المعلوم عدم تحققه في الفرض ثم قال بل لعله (كذلك) مع عدم العلم بالانحصار العدم تحقق عنوان الرخصة (أيضا) انتهى و هو جيد حجة القول الأول عمومات حرمة المسكرات أو مع سائر المحرمات كتابا و سنة و خصوص الاخبار و هي كثيرة منها صحيحة الحلبي قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن دواء عجز بالخمر فقال لا و اللّه ما أحب ان انظر اليه فكيف أتداوى به انه بمنزلة شحم الخنزير أو لحم الخنزير و ترون أناسا يتداوون به و حسنة عمر بن أذينة قال كتبت الى ابى عبد اللّه (عليه السلام) اسئله عن الرجل بيعت له الدّواء من ربح البواسير فيشربه بقدر سكرجة من نبيذ صلب ليس يريد به اللذة انما يريد به الدّواء فقال لا و لا جرعة و قال ان اللّه عزّ و جلّ لم يجعل في شيء مما حرم دواء و لا شفاء قال المحقق الأردبيلي (رحمه الله) بعد ذكر الروايتين و الروايات كثيرة و هما أوضحهما سندا و الباقية ضعيفة و رواية قائد بن طلحة انه سئل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن النبيذ يجعل في الدواء قال لا ينبغي لأحد ان يستشفى بالحرام و رواية عمر بن يزيد قال حضرت أبا عبد اللّه (عليه السلام) و قد سئله رجل به البواسير الشديد و قد وصف له دواء سكرجة من نبيذ صلب لا يريد به اللذة بل يريد به الدواء فقال لا و لا جرعة قلت و لم قال لانه حرام و ان اللّه لم يجعل في شيء مما حرمه دواء و لا شفاء و رواية الحلبي قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) من دواء يعجز بالخمر لا يجوز ان يعجز به انما هو اضطرار فقال لا و اللّه لا يحل للمسلم ان ينظر اليه فكيف يتداوى به و انما هو بمنزلة شحم الخنزير الذي يقع في كذا و كذا لا يكمل به فلا شفاه اللّه أحدا شفاه خمرا أو شحم خنزير و رواية ابن ابى يعفور قال كان إذا أصابته هذه الأوجاع فإذا اشتد به شرب الحسو من النبيذ فتسكن عنه فدخل على ابى عبد اللّه الى ان قال فأخبره بوجعه و شربه النّبيذ فقال له يا بن ابى يعفور لا تشربه فإنه حرام انما هذا شيطان موكل بك فلو قد يئس منك ذهب فلمّا رجع الى الكوفة هاج به وجع أشد مما كان

فأقبل أهله عليه فقال لا و اللّه لا أذوقن منه قطرة فيئسوا منه و اشتد به الوجع أياما ثم اذهب اللّه عنه فما عاد اليه حتى مات و رواية أبي بصير قال دخلت أم خالد العبدية على ابى عبد اللّه (عليه السلام) و انا عنده فقالت إنه يعتريني قراقر في بطني و قد وصف إلى أطباء العراق النبيذ بالسويق فقال ما يمنعك من شربه فقالت قد قلدتك ديني قال فلا تذوقي منه قطرة لا و اللّه لا اذن لك في قطرة منه فإنما تندمين إذا بلغت نفسك الى هيهنا و أومى بيده الى حنجرته بقولها ثلثا ا فهمت فقال نعم قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) ما يبل الميل ينجس حبا من ماء يقولها ثلثا و رواية على بن أسباط عن أبيه قال كنت عند ابى عبد اللّه (عليه السلام) فقال له رجل ان بي أرواح البواسير و ليس يوافقني إلا شرب النبيذ قال فقال مالك و لما حرم اللّه و رسوله يقول ذلك ثلثا عليك بهذا المريس الذي تمرسه بالليل و تشربه بالغداة و تمرسه بالغداة و تشربه بالعشي فقال هذا ينفخ البطن فقال ادلك على ما هو أنفع من هذا عليك بالدعاء فإنه شفاء من كل داء قال فقلنا له فقليله و كثيره حرام قال نعم قليله و كثيره حرام و عن تفسير العياشي عن شيخ من أصحابنا عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال كنا عنده فسيلة شيخ فقال ان بي وجعا و انا أشرب له النبيذ و وصفه له الشيخ فقال ما يمنعك من الماء الذي جعل اللّه منه كل شيء حي قال لا يوافقني قال فما يمنعك من العسل قال اللّه (تعالى) فيه شفاء للناس قال لا أجده قال فما يمنعك من اللبن الذي نبت منه لحمك و اشتد عظمك قال لا يوافقني قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) تريد أن أمرك بشرب الخمر لا و اللّه لا أمرك و رواية إسماعيل بن محمّد قال قال جعفر بن محمد (عليه السلام) نهى رسول اللّه عن الدواء الخبيث حجة القول الثاني صدق الاضطرار و الضرورة المجوزين للتناول في مفروض المسئلة و هو صورة الانحصار مع توقف العلاج عليه و أدلة نفى العسر و الحرج و الضرر و الضرار و رواية المفضل و هي طويلة و فيها علم تعالى ما يقوم به أبدانهم و ما يصلحهم فأحله لهم و اباحة تفضلا منه عليهم به و لمصلحتهم و علم ما يضرهم فنهاهم عنه و حرم عليهم ثم اباحه للمضطر فأحله في الوقت الذي لا يقوم بدنه الا به فأمره أن ينال منه بقدر البلغة الحديث و فحوى موثقة الساباطي في الخمر عن الرجل اصابه عطش حتى خاف على نفسه فأصاب خمرا قال يشرب منه قوته و فحوى رواية سماعة المحكية عن طب الأئمة عن رجل كان به داء فأمر بشرب البول فقال لا يشربه فقلت انه مضطر الى شربه قال ان كان مضطرا الى شربه و لم يجد دواء لدائه فليشرب بوله و اما بول غيره فلا حجة القول الثالث اما على الجواز عند خوف تلف النفس فهي قوله تعالى وَ لٰا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ و قوله تعالى وَ لٰا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ و قوله تعالى وَ لٰا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّٰهُ إِلّٰا بِالْحَقِّ و وجوب حفظ النفس عقلا و نقلا و كون محافظتها مقدمة على أكثر الواجبات و اما على عدم الجواز فيما عداه فهي الأخبار التي تمسك بها أرباب القول الأول حجة القول الرابع اما على عدم الجواز في الشق الثاني من تفصيله فهي الإطلاقات الدالة على التحريم و اما على التوقف في الشق الأول فهي ما ذكره في كشف اللثام في بيان منشإ الاشكال المذكور في عبارة القواعد بقوله من عموم قوله تعالى وَ لٰا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ و من عموم أخبار النهي عن التداوي به و انه تعالى لم يجعل الشفاء في محرم و الأظهر عندي جواز شربه للتداوي فيما إذا كان هناك خوف تلف النفس بتركه و كان المريض عالما بالصلاح بشربه عادة و لا مجال للتوقف (حينئذ) بوجوب حفظ النفس عقلا و شرعا فهو حكم قطعي و لهذا جاز في مقام الضرورة كما عرفت و لم يعلم من الاخبار خلافه لورودها في القراقر و ريح البواسير و نحوهما و اما التعليل بنفي الشفاء في الحرام (فالظاهر) انه ناظر الى ان مثل لا يبيح شرب الخمر فهو