مورد الأنام في شرح شرائع الإسلام - ج4

- الشيخ مهدي كاشف الغطاء المزيد...
348 /
1

[في الخيارات]

خيار الغبن

قال المصنف (رحمه الله): الرابع: خيار الغبن: من اشترى شيئاً، و لم يكن من أهل الخبرة بقيمته وقت العقد، على تفصيل سيأتي و ظهر فيه غبن لم تجر العادة بالتغابن به، كان له فسخ العقد المشهور بين الأصحاب رضي اللّه عنهم ثبوت خيار الغبن، و هو من إضافة المسبب إلى السبب، و هي بمعنى اللام، أو بمعنى من، و هو في اللغة الخدع، و المغبون المخدوع، و عند المتشرّعة هو الشراء بغير القيمة إذا كان التفاوت لا يتسامح به عادة، مع الجهل بالقيمة حال العقد، أو البيع كذا، أو الزيادة نفسها على القيمة بهذين الشرطين، أو العقد المشتمل على زيادة، أو المركب منهما، و الفرق بين المعنى اللغوي و المتشرعي، أو الشرعي أو العرفي العام أو المعنى الثاني اللغوي واضح، باعتبار أن الخدع الذي يظهر انه مأخوذ في معناه علم الخادع و قصده ذلك، و المعنى المذكور لم يعتبر فيه ذلك، فلا بد من حمله على أحد المعاني المتقدمة، و لأنه أخص باعتبار انه بخصوص المعاوضة.

و على كل حال فيدل على ثبوت هذا الخيار الإجماع محصلا و منقولا، كما في مقامين من التذكرة، الأول بلفظ: عند علمائنا، و الثاني بلفظ: الإجماع، و عن الغنية: انه بدليل الإجماع، و عن كشف الحق نسبته إلى مذهب الإمامية، و عن الخلاف نسبة الخلاف لأهل الخلاف، و نقل الشهرة كثير من الأصحاب، كما عن المهذب البارع، و غاية المراد، و في الروضة: في المشهور بعد قول الماتن و هو ثابت، و في المسالك: المشهور

2

بين الأصحاب خصوصا المتأخرين منهم ثبوت خيار الغبن، و في التنقيح: بل ذكره المتاخرون، يريد أن عملهم عليه، و استدلوا عليه مضافاً لما ذكرنا بأحاديث الضرر التي منها: موثقة زرارة عن أبى جعفر (عليه السلام) في حديث:

أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا ضرر و لا ضرار

، و رواية عقبة بن خالد عن أبى عبد الله (عليه السلام) في حديث:

أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا ضرر و لا ضرار على مؤمن

، و ما روى العلامة (رحمه الله) في التذكرة مرسلا:

لا ضرر و لا ضرار في الإسلام

، و نحوها غيرها.

و فيه: انه أما أن يراد به النفي فيكون كذبا، ضرورة وجود الضرر و الإضرار، أو النهي فيكون متعلقا بخارج عن المعاملة، بل لو تعلق بنفسها لأفاد فسادا، و أين هو من إثبات الخيار، على أن الضار هو القاصد لذلك، فيكون أخص مما نحن فيه، على أن هذه الروايات مرمية بالإجمال، لأن خارجها اكثر من داخلها، فهي ساقطة عن درجة الاستدلال، و لو كانت أحاديث الضرار معمولا بها عند الأصحاب لأثبتت خيارات لا تحصى، و أحكام لا تستقصى.

و يمكن أن يقال في توجيه الروايات: أن المراد بها النفي، و الغرض من ذلك أنه لا ضرر مشروع في الشريعة و التكاليف الشرعية ابتداء، و لا ضرار فيها بالنسبة إلى ما يتعلق بتكاليف المكلفين بعضهم ببعض، بمعنى أن الشارع لم يشرع و يجوز أن يضر المخلوقين بعضهم بعضا، و ليس المدار على كل ضرر، بل المدار على الضرر المعتبر عرفا، لأن غيره غير مشمولا للمقام، إذ هو كالفرد الأندر، فلا يكون خارجها اكثر من داخلها، و لا تثبت خيارا إلا فيما يلزم منه الضرر المعتبر، لا كل ضرر كفوات الرغبة و ما أشبهها، و كون الضار هو القاصد لذلك، ممنوع، بل هو أعم من ذلك، و على هذا لا دلالة فيها على المطلوب أيضا، لأنه يكون الكلام في شيء آخر، و هو أن أحاديث الضرر

3

غاية ما دلت عليه على هذا التقدير: أن ما استلزم ضررا ليس من حكم الشارع في شيء، فيلزم نفي الحكم عما استلزم ضررا، و أما إثبات حكم آخر فيحتاج إلى دليل، فغاية ما يقال في البيع المستلزم للضرر: أن الشارع لم يحكم بصحته، و هو معنى الفساد، فدعوى أن أدلة الضرر تدل على ثبوت الخيار ممنوعة، بل هي على فساد المعاملة أدل، و فيه تأمل، لأن نفي الضرر إذا أريد منه عدم المشروعية لما فيه ضرر، مضافا إلى أصالة صحة البيع، و حليته، و نفي الإلزام بالارش للإجماع على عدمه، يستفاد منه الحكم، مضافا إلى فهم الأصحاب، و ان الخيار وجه جمع بين الحقين، و رفع للضرر من الجانبين.

و استدلوا عليه أيضا بقوله تعالى: (إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ)، لأن المغبون لو علم بالحال و ما يظهر عنده من التفاوت في المال لم يرض، و فيه: إن المراد بالتراضي هو الحاصل حال العقد، فيكون هذا العقد مشمولا لعموم الآية، و عدم الرضا المعلق على العلم لا مداراً عليه، و إلا لفسدت جملة من العقود، لأن كل نادم لو علم الندم لما قدم، مع أنكم لو اعتبرتم عدم الرضا المعلق بحال العلم، لزمكم الفساد، فكيف حكمتم بالصحة و اثبتم خيارا، و جعلتم دليله هذا؟، و استدل العلامة في التذكرة أيضا بان الخيار إنما اثبت العيب لانه غبن، فكذا هنا، و هذا قياس لا نقول به و لا نعول عليه، و استدلوا على ذلك القول بقوله: (عليه السلام)

لا يحل مال امرئ إلا بطيب نفسه

، و النهي عن أكل مال الغير بالباطل، و بما دل على حرمة الغش و النجش، و فيه: إنا إن قلنا بشمول هذا العقد لقوله (تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ)، و لم نعتبر عدم الرضا المعلق على العلم، فليس من مورد ما ذكرتم، و ان لم يكن مشمولا لها، لزم الحكم بالفساد، فلا دلالة على ما تدعون، و أما حرمة الغش و النجش، فالنهي إن تعلق بالخارج عن المعاملة، لم يؤثر

4

فيها شيئا، و ان تعلق بها أفسدها، مع أن الغش و النجش هو التدليس، و بين الغبن و التدليس بون بعيد.

و استدلوا أيضا بخيار تلقي الركبان اذا غبنوا، قال في المسالك: و الأخبار بخصوصه خالية منه، نعم ورد في تلقي الركبان تخيّرهم إذا غبنوا، و في الحدائق: و ما ذكروه من حديث الغبن في تلقي الركبان لم اقف عليه في كتب الأخبار، و لا في كتب الفروع، أقول: لعل الشهيد أراد أن الغبن هو علة الخيار، لا انه مصرح به في الرواية كما يشعر به كلام العلامة في التذكرة، حيث قال:) و لان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) اثبت الخيار في تلقي الركبان، و إنما أثبته للغبن (، فعلى هذا لا دلالة في الرواية، إذ يكون على هذا التقدير من العلة المستنبطة غير المرضية عندنا، و لو أراد الشهيد (رحمه الله) أنها رواية مرسلة على هذا النحو، فدلالة الرواية على المطلوب غير واضحة، و على كل حال فالاستدلال بها لا يخلو من شوب الإشكال.

و استدلوا أيضا بقول أبى عبد الله (عليه السلام):

غبن المسترسل سحت

، و بقوله (عليه السلام):

غبن المؤمن حرام

، و برواية أخرى و هي

لا يغبن المسترسل فان غبنه لا يحل

، و في الاستدلال بهذه الأخبار نظر:

أما الأول: فغاية ما دل عليه، أن غبن المسترسل سحت، فيحتمل أن يكون السحت كناية عن الحرام، فيكون غبنه نفسه حرام، و الغبن خارج عن المعاملة، فلا يؤثر فيها شيئا، فلا دلالة فيه على شيء، و يحتمل أن تقول: أن السحت ظاهر في حرمة المال، فيكون المراد بالغبن المغبون به، فتكون الرواية المغبون به سحت، و غاية ما دلت عليه حرمة المال المغبون به، فيحتمل أن يكون لفساد المعاملة، و يحتمل أن تقول: أن حرمة

5

التصرف لا تنافي الملكية، كما في مثال المفلس المحجور عليه، فلا دلالة فيها على ثبوت الخيار بوجه.

و أما الثاني: فغاية ما دل على حرمة غبن المؤمن، فان عاد النهي فيها إلى المعاملة نفسها لزم الفساد، و إلا لم يؤثر شيئا سوى فعل الحرام.

و أما الثالث: فكالأول، مع انهما أخص من المدعى، كما عن مجمع البحرين: من أن الاسترسال: الاستيناس و الطمأنينة إلى الإنسان، و الثقة به فيما يحدثه، و اصله السكون و الثبات، و الخاص لا يدل على العام.

فالعمدة في إثبات هذا الخيار إنما هو الاجماعات المنقولة، بل الإجماع المحصل فضلا عن الشهرة المنقولة و المحصلة، فلا يلتفت إلى ما في الدروس، و ربما قال المحقق في الدرس بعدم خيار الغبن، و يظهر من كلام ابن الجنيد: لان البيع مبني على المكايسة و المغالبة، و لا الى ما في المسالك: من أن كثيرا من المتقدمين لم يذكروه، و نقل عن المصنف في الدروس، القول بعدمه، لأن النقل عن المحقق إنما هو في مجلس الدرس، المبني على الاحتمالات الضعيفة الواهية، و ربما تلجئه التلامذة إلى ذلك، فيجعله وجها، كيف و قد أفتى في الكتاب بثبوته؟!، و لان ابن الجنيد لا يعبأ بخلافه، مع ما مر عليك من سرد الإجماعات، لأنه غالبا موافق للعامة في فتاويه، مع أن المنقول الاستظهار منه كما سمعت، و أما قول الشهيد في المسالك: أن كثيراً من المتقدمين لم يذكروه فقال والدي (رحمه الله) في شرح اللمعة: و قد خلت عن ذكره الهداية، و المقنع، و المقنعة، و الاستبصار، و المراسم، ثمّ قال بعده بيسير: لانحصار غير الذاكر له بمن ذكرنا، و استظهار صاحب الكفاية عدم ثبوت الإجماع، الأظهر عدمه، و عدم نقل الشيخ

6

الإجماع في الخلاف عليه، مع أن عادته نقل الإجماع في الخلافيات، فكيف بمثل المسألة، لا يؤثر أثرا،

و اعلم أن الأصحاب رضي اللّه عنهم اشترطوا لهذا الخيار أمرين:

أحدهما: عدم علم المغبون بالقيمة وقت العقد،

و في التذكرة، و المسالك الإجماع عليه، و نفى عنه الخلاف بعض المتأخرين، مضافا إلى انه مع العلم ادخل الضرر على نفسه، و الناس مسلطون على أموالهم، فلا خيار مع العلم قطعا، نظير ما لو تجددت الزيادة بعد الملك، و لا فرق بين من تمكن من العلم بالتوقيف و غيره، قال بعض المعاصرين: و قد يشكل الأول أن لم يكن اجماعا، بانه هو ادخل الضرر على نفسه، فلا خيار له، و هو حسن.

ثمّ اعلم: أن عدم العلم ليس شرطا لثبوت الخيار، و انما هو شرط لتحقق الماهية، فمع فقده لا يصدق الغبن، و إليه يشير ما في مجمع البرهان حيث قال: بل لا يقال له المغبون إلا معه، مع انه يمكن أن يقال: انه شرط لثبوت الخيار له لا لتحقق معناه، دل عليه الإجماع، و لكنه بعيد ينافيه العرف، و ما تقدم من الاجماعات، على أن الغبن سبب لثبوت الخيار مطلقا، و لا فرق في الجاهل بين من اقدم على البيع بالمسمى، و لو فرض انه يساوي أضعافه، و عدمه، لان أقدامه لا يرفع كونه مغبونا، و المغبون بالخيار بين الرد و الامساك، و يمكن أن تقول: انه اقدم على ضرر نفسه، و الناس مسلطون على أموالهم، و الأصل اللزوم، فلا خيار له، و احتمال أن يكون بمنزلة إسقاط الخيار لا وجه له، لان الإسقاط فرع الثبوت، و مثله ما لو عرف القيمة و لكن لم يعرف أن الزيادة و النقصان مما تؤدي إلى الغبن أم لا، فيحتمل القول بعدم ثبوت الخيار، لأنه اقدم على الضرر فلا يصدق عليه انه مغبون، و هو مختار الأستاذ في شرح القواعد، و يحتمل القول بثبوت الخيار لانه لم يقدم على هذه الزيادة و النقيصة و لكنه اقدم على غيرها فيثبت له

7

الخيار، و هو الأقوى، و المدار على العلم بالقيمة في مكان العقد، فلو علمها في قطر آخر، أو إقليم آخر، لم يكن عالما، و لو علم القيمة فاخبره الغابن، فصدقه، فهو كالجاهل، و هل يلحق بالعلم الظن المتاخم؟ الظاهر ذلك، و أما مطلق الظن و الشك، فمن الجهل.

ثمّ اعلم: أن المدار على العلم و الجهل وقت العقد، فالعلم بعده لم يؤثر شيئا، و كذا قبله لو لم يستمر اليه، و المراد بالعقد الناقل، فالعلم بعد العقد غير الناقل، قبل حصول النقل، كالعلم حال العقد، فلو علم قبل القبض في الصرف، و قبض كان عالما، و كذا في الفضولي قبل الإجازة، لو قلنا أنها ناقلة، و كذا المراد بالعقد الناقل تمامه، فلو علم بين الإيجاب و القبول، كان عالما.

ثمّ اعلم: أنه لا شك و لا ريب في أن علم المالك رافع للغبن، و أما علم الولي و الوكيل المتصرف فكذلك، إلا أن يقال: أن عقدهما باطل و الحال هذه، إلا انه مخالف للغبطة و المصلحة، و كذا الولي الإجباري، إلا أن يقال: أنه يجب عليه تجنب المفسدة، فعقده باطل كذلك، و كما أن علمهما رافع للغبن، فجهلهما مسلط على الخيار، و أما الوكيل على الصيغة، فالظاهر أنه لا مدار على علمه، كما لا مدار على جهله، و لو علم المالك و كان الوكيل المتصرف جاهلا فالظاهر عدم ثبوت الخيار، لأنه اقدم على ضرر نفسه، و الناس مسلطون على أموالهم، و إلا لنهاه أو عزله، و لا فرق بين الجهل البسيط و المركب، و يمكن الفرق بينهما، فتأمل، و يلحق بالجهل الذهول، و النسيان، و ما اشبههما، و يثبت الجهل بالقيمة السوقية المتعارفة وقت العقد، باقرار الغابن، و بالبينة إذا امكن اقامتها، و هل يقبل قوله فيه مع يمينه؟ الظاهر ذلك، كما قواه في الروضة، و نفى عنه البعد في جامع المقاصد. و استظهره في المسالك، و احتمله قويا في شرح المختصر الصغير، لأصالة عدم العلم، و لأن العلم و الجهل من الامور التي تخفى غالبا، فلا يطلع

8

عليها إلا من قبل من هي به، و يحتمل العدم، لأصالة لزوم العقد و وجوب الوفاء به، فيستصحب إلى أن يثبت المزيل، و اشكله الشهيد بانه ربما تعذر اقامة البينة، و لم يمكن معرفة الخصم بالحال، فلا يمكن الحلف على عدمه، فيسقط الدعوى بغير بينة، و لا يمين، و فيه تأمل، و أما النسيان فقد يقوى عدم قبوله بقوله: لان الأصل عدمه، كما أن الأصل عدم العلم، و فيه تأمل أيضا، إذ المدار ليس على الأصل، و انما هو على ما يخفى غالبا و لا يطلع عليه إلا من قبله، و على هذا لا فرق بين الجهل و النسيان، هذا فيما لو امكن في حقه الجهل، أما لو لم يمكن في حقه كان علم ممارسته لذلك النوع، في ذلك الزمان و المكان، بحيث لا يخفى عليه قيمته، لم يلتفت إلى قوله.

ثانيهما: كون الزيادة و النقصان فاحشا لا يتسامح به عادة،

كما في المسالك، و القواعد، و التذكرة، و مجمع البرهان، و الحدائق، و جواهر الكلام، و المدار في التسامح و عدمه على وقت العقد، فلو اختلفت الاوقات، بان كانت في بعضها يتغابن به، و في بعضها لا يتغابن، فالمدار على وقت العقد، و المدار على الزيادة الفاحشة، و النقيصة الفاحشة، عن القيمة وقت العقد أيضا، فلو تجددتا بعده لم يؤثر اجماعا، كما في التذكرة، و كذا لو كانتا قبله، ما لم يستمر اليه، و المراد بوقت العقد من مبدئه إلى تمام الملك، ففي الصرف إلى حين القبض، و في غيره إلى تمام القبول، فلو تجددت بينهما كانت حين العقد، و كذا الفضولي على القول بان الإجازة ناقلة، و على الكشف فالمدار على العقد نفسه، و المراد بالقيمة قيمة بلد العقد لا بلد المتعاقدين، سواء وافقت بلد احد المتعاقدين أو لا، و لو لم يكونا في بلد رجعا إلى أهل الخبرة بقيمته، في ذلك المكان، مع احتمال الرجوع إلى بلدهما لو اتفقا بالقيمة.

9

ثمّ اعلم: أنه لما لم يقدر الشارع للزيادة و النقيصة حدا، علم انه قد احاله إلى العرف و العادة، جريا على القاعدة المعهودة عند الشرع، من رد الناس إلى العرف فيما لم ينص فيه على شيء، فما يقال له في العرف غبن يثبت الخيار فيه، و ما لا يقال له غبن لا يثبت فيه الخيار، و تثبت القيمة وقت العقد، بالعلم، و البينة، و تثبت الزيادة باقرار الغابن، و البينة، و العلم أيضا، و لو اختلفتا في أن القيمة مما يتغابن بها وقت العقد، أو لا، فعلى مدعي الغبن البينة، لأصالة لزوم العقد، و لو اتفقا على الزيادة، و اختلفا أنها قبل العقد أو بعده، فتبنى على جهل التاريخ، و يحكم بتاخر المجهول عن المعلوم، مع احتمال الحكم بلزوم العقد إلى أن يثبت المزلزل، و على كل حال، فيثبت خيار الغبن من حينه، لا من حين ظهوره، على الاظهر، و تظهر الثمرة في ترتب احكام الخيار عليه، التي من جملتها الاسقاط، فلو اسقطه و الحال هذه، سقط و ان لم يكن عالما به، و يتخير بين الفسخ و الامضاء مجانا، و لا يثبت به ارش اجماعا، كما في التذكرة، لا بعد التصرف، و لا قبله، للأصل و لانجبار الضرر بالخيار، و حرمة القياس على المعيب، و هل يسقط الخيار ببذل الغابن التفاوت، أو لا؟ وجهان، بل قولان، المشهور بين المتأخرين العدم، كما في الحدائق، لان الخيار قد ثبت فلا يزول إلا بدليل، و لم يثبت أن زوال الضرر مقتضي لزوال الخيار، لان الدليل هو الإجماع، كما مر عليك، لا حديث الضرر، و لان دفع الضرر لا يخرج المعاملة المشتملة على الغبن عن اشتمالها عليه، لأنها هبة مستقلة، لا ارش، لأنه منفي بالإجماع، و لعدم وجوب قبول الهبة، باعتبار اشتمالها على المنة، و هي ضرر، و الضرر لا يجب بمثله، بل لو قبلها لم يسقط خياره، لان قبول هبة الغابن لا يسقط خيار المغبون، و ليس التفاوت مستحقاً له، فلو دفعه على سبيل الاستحقاق لم يحل له أخذه، و قطع في الحدائق بسقوط الخيار، باعتبار أن دليله الضرر، و ظاهر أن بذل

10

التفاوت يدفعه، و للاقتصار فيما خالف الأصل على القدر المتيقن، و محل الضرورة، لان أدلة اللزوم عامة للأفراد، و الأزمان، و مع الشك يحكم باللزوم.

و فيه: عدم انحصار الدليل بحديث الضرر، و لو سلمنا الانحصار، فغاية ما دل عليه هو عدم مشروعية الضرر، و لما لم يكن معلوم هنا لكثرة ما يندفع به الضرر، حكمنا بمشروعيته منجبرا بالخيار، أما مشروعيته منجبرا بغير ذلك، فلا، لأن المعلوم من الشارع جبر ضرر العقود بالخيار، و للإجماع عليه، و لأنه جمع بين الحقين، لا أنه مخير بين تسلط المغبون على الفسخ، و بين دفع التفاوت، و أدلة اللزوم مطلقة في الأزمان، تأمل، قال في التذكرة: لو بذل الغابن التفاوت، احتمل سقوط خيار المغبون، لانتفاء موجبه، و هو النقص و عدمه، لأنه يثبت له فلا يزول عنه إلا لسبب شرعي، و لم يثبت، قال في الحدائق: و تردد العلامة في التذكرة هنا، فقال و نقل العبارة المتقدمة، مع أنه قد ادعى الإجماع على عدم ثبوت الارش به، و أنت خبير بان هذه المسألة غير تلك، لان الغرض من ثبوت الارش هو الالزام به، و هذه المسألة لو دفعه من طيب نفسه، هل يسقط به الخيار أو لا؟ و لو دفع التفاوت في مقابل ترك الفسخ كان ذلك منوطا بالتراضي، كما في غيره من أنواع الخيار.

و اعلم: أن هذا الخيار ثابت في كل معاوضة مالية محضة، كالبيع و الإجارة و المزارعة و المساقاة و الصلح، و غيرها من المعاوضات، لاشتراك العلة و هو الضرر، إن كان هو الدليل، و الغبن إن كان الدليل الإجماع، لان العلامة في التذكرة قال: الغبن سبب ثبوت الخيار للمغبون عند علمائنا، و قال في مقام آخر: و إنما يثبت الخيار للمغبون خاصة، دون الغابن إجماعا، و لم يفصل في بعض العقود دون بعض، فيكون العلة هي الغبن، فيتبعها الخيار، و احتمل بعض المعاصرين، الفرق بين الصلح و غيره، لابتناء

11

الصلح على المسامحة، و قواه ثمّ قال: و يحتمل الفرق بين الصلح الاسقاطي، و الصلح العقدي، و هو الاظهر، و يظهر ذلك من بناء المتعاقدين، و الأقوى ثبوته في سائر عقود المعاوضات كما تقدم، و هل يثبت لو ثبت على الفور أم متراخيا؟ وجهان، بل قولان:

وجه الأول: أنه المتيقن مما خالف الأصل، و لان التراخي يستلزم ضرر على الغابن، لان القيم و الأسعار تختلف باختلاف الأوقات و الحالات، و لان أدلة اللزوم و عموماته، ك(أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، عامة للازمان، كما هي عامة للأفراد، فالمشكوك فيه من الازمان يدخل في العموم، كما هي قاعدة العموم.

و وجه الثاني: أن الخيار قد ثبت، فيستصحب لبقاء علة الإثبات، و هي الغبن و الضرر، و عدم الدليل على خصوص الفورية، و ان أدلة اللزوم مطلقة بالنسبة إلى الازمان لا عامة، و ان الحكم ليس خاص بمحل اليقين، و ان ما استلزم ضررا نقول به، و إلا فلا، و ما يقال: من أن العموم لو سلم فان الاستصحاب يخصصه لا وجه له، لأنه على هذا التقدير يقع الشك في المخصص، هل هو الخيار على الفور أو على التراخي، فيقتصر في المخصص على القدر المتيقن، و هو الخيار فوريا، لأنه لم يثبت من إطلاق و لا عموم حتى يتبع، بل من دليل لفظي في الجملة، و اجماع، و على القول بالفورية، لو جهل الفورية، أو اصل الخيار، كان الخيار متراخيا إلى حين العلم، فيكون فوريا من حينه، قال بعض المتأخرين: على إشكال في جهل الفورية، لتفويته على نفسه ما كان له، بلا معارض، و هو حسن، قال الشهيد (رحمه الله) عنه، قول المصنف إذا شاء، قد يستفاد من المشيئة، أن الخيار فيه على التراخي، كما هو أحد القولين في المسألة، و عندي: أن استفادة ذلك من العبارة محل نظر.

12

و اعلم: أن الخيار خاص بالمغبون دون الغابن إجماعا، كما في التذكرة، و لاختصاصه بالضرر الذي شرع الخيار لتلافيه، إلا إذا كان مغبوناً من طريق آخر، فيثبت له الخيار، باعتبار أنه مغبون أيضا، و يسقط هذا الخيار باشتراط سقوطه في متن العقد، لقوله: (عليه السلام)

المسلمون عند شروطهم

و لا يجدي لو وقع بعد العقد، أو قبله، إلا إذا بنى العقد عليه، و كان متمما له، و يسقط أيضا بالالتزام بالعقد و امضاءه، سواء كان قبل العلم بالغبن، أو بعده، لأن الخيار من حين العقد كما مر، و في الأول إشكال، و يسقط أيضا بإسقاطه بعد العقد، مع ظهور الغبن و عدمه، لما مر أيضا، و لو اسقط قبل العقد، لم ينفع، لأنه فرع الثبوت، و لم يثبت، و يسقط أيضا بالتصرف، لو كان مشترطا به السقوط، و يسقط بالصلح على إسقاطه بمال معين، و يسقط أيضا بعدم الفسخ فورا، مع العلم بالفورية، واصل الخيار، و مع العلم بأصل الخيار، و لو جهل الفورية في وجه، و يسقط ببذل التفاوت في وجه، بل قول، كما مر، و يسقط بالتصرف، مع ظهور الغبن، و العلم بالخيار، سواء كان المغبون البائع أو المشتري، و المراد به تصرف ذي الخيار لدلالته على الرضا، سواء كان ناقلا، أو غير ناقل، لازما، أو غير لازم مطلقا، و كذا يسقط بالتصرف الناقل، أو المانع من الرد قبل العلم بالخيار و ظهور الغبن في المشهور.

و لهذا قال (قدس سره): و لا يسقط الخيار بالتصرف، إذا لم يخرج عن الملك، أو يمنع مانع من رده، كالاستيلاد في الأمة، و العتق، و الانعتاق، و التلف، و الحيلولة، و اطلاق العبارة يشمل ما لو كان المتصرف عالما بالخيار بعد ظهور الغبن، أو عدمه، و ليس كذلك، لأن الظاهر، أن التصرف بعد ظهور الغبن، و العلم بالخيار، مسقط للخيار، كما تقدم عندك، و يشمل أيضا، ما لو كان المتصرف الغابن فيما وصل إليه من العوض، و المغبون في العين المغبون فيها، و مقتضى قوله:) إذا لم يخرج عن الملك، أو يمنع مانع من

13

رده (، أنه مع الخروج و حصول المانع، يسقط الخيار، و هو لا يتم إلا إذا كان المتصرف هو ذو الخيار، لأنه لا يمكن رد العين حينئذٍ، فيسقط خياره، و أما إذا كان المتصرف الغابن، فلا، بل لو فسخ رجع عليه بالمثل و القيمة، و يشمل ايضا المخرج اللازم و الجائز، مع أنه سياتي في الجائز عدم السقوط، بل يرجع في العين و يفسخ، فيردها على الغابن، إذا لم يناف فورية الخيار.

و تنقيح المسألة: أن المغبون أما البائع، أو المشتري، أو هما معا، كما اذا وقع البيع على شيئين في عقد واحد، و كان كل واحد منها بثمن معين، في أحدهما الغبن على البائع، و في الآخر على المشتري، أو كما إذا وقع البيع في برية، و لكل منهما بلد، و كل منهما مغبون، لكل منهما بالنسبة الى بلده، أو كما إذا تعارضت البينتان، فقامت واحدة على أن البائع مغبون للمشتري، و قامت الاخرى على أن المشتري مغبون للبائع، أو كما إذا حكم لكل منهما حاكم، بأنه مغبون لصاحبه، و الواقع أما انتفاع فقط، و أما تلف، و أما تصرف، و التلف أما من البائع، أو من المشتري، أو منهما، أو بآفة سماوية، أو من اجنبي، و التصرف أما في الثمن أو في المثمن أو فيهما، أما من البائع أو المشتري أو منهما معا، أو من اجنبي، مع العلم، أو الجهل، أو الاضطرار، أو الإلزام الشرعي، كتوقف انقاذ العبد أو الامة من الغرق أو الحرق على التصرف، و المتصرف أما بوكيله أو بنفسه أو بوليه أو بالفضولي مع الإجازة، و التصرف أما بالنقل، و بغيره، و الناقل أما جائز بالعارض أو بالأصل أو غير جائز، و مورده أما العين أو المنفعة، و غير الناقل أما مانع من الرد، كالاستيلاد و العتق أو غير مانع من الرد، و كيف كان، فأما أن يفيد تغييرا، أو استحالة، أو لا، و التغيير أما بالزيادة أو النقصان أو هما معا، و الزيادة أما حكمية، كقصارة الثوب أو عينية كالصبغ أو هما معا، و النقصان أما عينيا كالعيب أو حكميا

14

كالقيمة، و أما أن يكون بالامتزاج، أما بغير جنس، أو بالجنس، و الذي بغير الجنس، أما أن يمكن تميزه، أو لا، و الذي بالجنس أما بالمساوي، أو بالأعلى أو بالأردإ، و هو أما على وجه الاضمحلال أو الاستهلاك، او لا، و المانع من الرد أما أن يزول قبل العلم بالغبن أو بعده أو يستمر، و الزائل بعد العلم أما أن يزول قبل الحكم بالمثل و القيمة أو بعده، و الزائل بعد الحكم أما أن يزول قبل القبض أو بعده، و الحاصل أن صور المسألة عديدة لا تنتهي إلى حد.

و تفصيل ذلك: أن المغبون إن تصرف فيما انتقل إليه مع العلم بالغبن و الخيار فالظاهر سقوط خياره كما تقدم لدلالة التصرف على الرضا المسقط للخيار مطلقا بجميع أقسامه، سواء كان مخرجا عن الملك أو مانعا من الرد أو لا، و ان تصرف مع الجهل بهما أو بأحدهما فان لم يكن التصرف مخرجا عن الملك و لا مانعا من الرد فلا شك ببقاء الخيار، لأنه مصداق

لا ضرر و لا ضرار

، و أما لو كان مخرجا عن الملك أو مانعا من الرد فالمشهور كما في الروضة في خصوص المشتري على الظاهر، و الأشهر كما في شرح القواعد للأستاذ سقوط الخيار، و في القواعد كما في الكتاب مع تفاوت يسير في الألفاظ، و في التذكرة: و لا يسقط هذا الخيار بتصرف المغبون لأصالة الاستصحاب إلا أن يخرج عن الملك ببيع أو عتق و شبهه لعدم التمكن من استدراكه، و على ما في التذكرة ينزل إطلاق المتن، و عبارة القواعد، و ينبغي أن يقيد المخرج عن الملك باللازم لان غير اللازم متمكن من استدراكه فلا يجري فيه التعليل، و يرشد إليه أيضا، تمثيل العلامة في التذكرة و القواعد حيث قال: إلا أن يخرج عن الملك بالبيع و شبهه.

و استدلوا على سقوط الخيار، بهذا التصرف بأنه هو ادخل الضرر على نفسه، فلا يلتفت إلى ضرره، و بان الأصل في العقود اللزوم، و بان المعلوم من ثبوت الخيار ما

15

دامت العين في ملكه و يمكنه إرجاعها، أما لو خرجت عن ملكه أولم يمكنه إرجاعها، فثبوت الخيار يحتاج إلى دليل.

لا يقال كيف حكمتم فيما لو كان المتصرف الغابن، فيما انتقل إليه ببقاء الخيار، و جواز الفسخ و الرجوع عليه بالمثل و القيمة، لان الفرق واضح، باعتبار أن تصرف ذي الخيار، تصرف في حق نفسه، فيتجه سقوط الخيار به، و تصرف غير ذي الخيار تصرف في حق غيره، و من المعلوم عدم سقوط حق شخص بتصرف آخر؟ و نظر فيه الشهيد (قدس سره) في اللمعة فقال: و فيه نظر، للضرر مع الجهل بالغبن فيمكن الفسخ و إلزامه بالقيمة أو المثل و كذا لو تلفت العين أو استولد الأمة، و في مجمع البرهان بعد أن ذكر ان تصرف الغابن فيما انتقل إليه لا يسقط خيار المغبون مطلقا، سواء كان التصرف مخرجا أو غير مخرج، قال: و أما تصرف المغبون بمال الغابن فيحتمل ذلك أيضا، لان الجهل عذر، و كأنه ما رضى، و لهذا ثبت له الخيار، و لكن ظاهر عبارة التذكرة أنه ليس له الفسخ مع الخروج عن ملكه، و نقل العبارة المتقدمة ثمّ قال: و فيه تأمل، لحصول الضرر المنفي، مع انه ما اثبت له ذلك إلا لدفعه، و ما فعله إلا جهلا، و اعتقاد عدم الغبن، نعم لا شك أن الاحوط ذلك.

و قال الأستاذ في شرح القواعد: و يحتمل بقاء الخيار فيفسخ و يدفع المثل أو القيمة، و قد مر عليك، أنه هو ادخل الضرر على نفسه لتصرفه فلا يلتفت إلى ضرره، قال في الروضة: و هذا الاحتمال متوجه، لكن لم اقف على قائل به، و هو مما يؤذن بضعفه، و كما لا يختص هذا الخيار بالمشتري لان خبر تلقي الركبان في البائع مضافا إلى الاشتراك في حديث الضرار، و في الغبن الذي نقل الإجماع على تسبيبه للخيار، و ان ذكره المصنف خاصة لانه من باب المثال لا إرادة الخصوصية لا يختص التصرف المخرج

16

عن الملك و المانع من الرد في كونه مسقطاً بخصوص خيار المشتري كما في الروضة قال: و الاحتمال السابق قائم هنا، و احتمل عدم الاختصاص قويا في المسالك لشمول التعليل المتقدم، و هو عدم التمكن من الاستدراك لهما معا، و لان الفسخ و إرجاع المثل أو القيمة قد يستلزم ضررا، و الضرر لا يجبر بمثله، و اطلاق الحكم ببطلان الرجوع مع التصرف المخرج عن الملك و المانع من الرد في كلام الأصحاب يشملهما معا أيضا.

في جامع المقاصد: و لو تصرف البائع في الثمن فهل يسقط خياره، أم لا؟ و هل يفرق بين التصرف المخرج عن الملك و غيره؟ لا اعلم في ذلك تصريحا، لكن في عبارة التذكرة ما يقتضي عدم سقوط الخيار هنا بالتصرف إذا كان مخرجا عن الملك، و نقل عبارة التذكرة المتقدمة، ثمّ قال: و هو شامل لما قلناه مع احتمال أن يريد به تصرف المشتري خاصة إذا كان هو المغبون، لكن ما استدل به بعينه قائم فيما ذكرنا، و انت خبير بضعف هذا الاحتمال لعموم لفظ المغبون، فضلا عن عموم التعليل، فيظهر منه (قدس سره) عدم الفرق بين البائع و المشتري في ذلك، و في مجمع البرهان بعد أن ذكر من فرق بينهما قال: و هم اعرف بذلك، و الظاهر عدم الفرق ايضا، و بمجموع ما ذكرنا ظهر لك أنه لا وجه لما في اللمعة من قوله: و لا يسقط بالتصرف إلا أن يكون المغبون المشتري و قد اخرجه عن ملكه و في جواهر الكلام بعد أن نقل العبارة قال: و هو كما ترى لا نعرف له وجها و لا دليلا بل و لا موافقا.

قلت وجهه واضح، و هو لما كان المشتري إذا تصرف و اخرج عن ملكه إنما يتصرف في العين و إرجاع مثل العين أو قيمتها، و الفسخ يستلزم ضررا، باعتبار أن الأغراض قد تتعلق بالعين نفسها، و الضرر لا يجبر بمثله بخلاف البائع فانه إنما تصرف في الثمن، و الثمن في الغالب نقدا فإرجاع مثله أو قيمته لا يستلزم ضررا لان الأغراض

17

التي تتعلق بعين الثمن قليلة، فصار مسقطا من المشتري و غير مسقط من البائع، و لكن فيه: أنه قد يكون غير النقد فتتعلق بعينه الأغراض التي تتعلق بعين المثمن، و من هنا يمكن للفقيه التفصيل بين ما كان الثمن فيه غير النقد فيكون التصرف المذكور مسقطا و بين ما كان نقدا فلا يسقط، و يظهر من التنقيح الموافقة له في ذلك حيث قال: و ان كان هو- اي المغبون- المشتري لم يسقط بتصرفه إلا أن يخرج عن ملكه أو يمنع مانع، هذا كله في تصرف من له الخيار و هو المغبون.

أما تصرف الغابن، و هو من لا خيار له فلا يسقط خيار المغبون سواء كان مخرجا عن الملك أو مانعا من الرد أو لا، للاستصحاب و فتوى الأصحاب و حديث الضرر و ما دل سواه على ثبوت الخيار، و لان ضرر المغبون لا يسقط اعتباره بتصرف من لا ضرر عليه و هو الغابن، و احتمال أن الخيار يفوت بفوات العين كما قلنا في تصرف من له الخيار لا ينبغي التفوه به بعد ملاحظة النصوص و الفتاوى، فان كان المغبون البائع فلا يسقط خياره بتصرف المشتري فان فسخ و وجد العين باقية على ملك المشتري و لم تتغير تغيرا يوجب الزيادة و النقصان و لا مانع من ردها اخذها، لان الفسخ يقتضي رجوع كل مملوك إلى مالكه، و لو احتاج الرد إلى مئونة، فهل المؤنة على البائع أو على المشتري؟ الظاهر الأول، و ان وجدها منتقلة عن ملكه بعقد لازم كالبيع و شبهه رجع عليه بالمثل و القيمة كما في الروضة و المسالك و جامع المقاصد جمعا بين ما يقتضي بقاء الخيار و عموم ما دل على صحة العقد و لزومه، و في مجمع البرهان: فيبطل على تقدير الفسخ و لو كان عتقا أو كتابة أو استيلاد فيرجع المال إليه، و قيل انه على تقدير الفسخ و الاخراج، له المثل أو القيمة فلا يبطل شيئا من العقود، بل هو بمنزلة التلف، و فيه تأمل، و مقتضى الخيار ما تقدم، فتأمل.

18

أقول: مقتضى الخيار رجوع كل مال إلى صاحبه، إن لم يمنع منه مانع كما ذكرنا، و أما لو منع منه المانع كما تقدم فمقتضاه الرجوع إلى المثل أو القيمة جمعا بين الادلة، قال بعض المتأخرين: و هذا و ان لم يذكره غيره في المقام بل لا يخلو من قوة إلا انه يمكن أن يتحصل من كلامهم في غيره و هو بيع من لا خيار له أن فيه وجوها أخر أيضا، منها البطلان، نظراً إلى أن حق الخيار كحق الرهانة لا يصح معه التصرف إلا بالاذن و منها الصحة لكن متزلزلا كالاصل لعدم زيادة الفرع عليه و فيه قوة أيضا، و منها التفصيل بين العتق و نحوه فينفذ في الأول و ينتقل إلى المثل و القيمة دون غيره و هو حسن، و لكن المراد بالتزلزل التزلزل بالنسبة إلى المغبون لا إلى الغابن فلو اختار اخذ العين فسخت كل العقود، و هل المراد بالقيمة قيمة يوم العقد الأول أو قيمة يوم العقد الثاني أو قيمة يوم الفسخ أو قيمة يوم القبض أو الاعلى ما بين يوم العقد الثاني و يوم الفسخ أو الاعلى ما بين يوم الفسخ و يوم القبض؟ وجوه، أوجهها الثاني، لانه هو يوم تعلق حق الخيار بالقيمة.

و يحتمل إن تقول: أن حق الخيار متعلق بالعين أيضا إلى يوم الفسخ لاحتمال عودها إلى الغابن باقالة أو بمعاملة جديدة فياخذها المغبون إذا فسخ فيكون المدار على يوم الفسخ، و يحتمل أن تقول إلى يوم القبض فلو رجعت إليه قبل القبض اخذها المغبون، و من هنا يعلم وجه الاعلى ما بينهما، و لكن الاوجه ما استوجهناه لأنها لو عادت إليه بعد خروجها عن ملكه الزامه بارجاعها يحتاج إلى دليل، تأمل، و لو وجدها منتقلة عنه بعقد جائز كالبيع بالخيار و الهبة قبل القبض، ففي الروضة: الزم بالفسخ فان امتنع فسخه الحاكم فان تعذر فسخ المغبون، و في المسالك احتمل قويا الزامه بالفسخ فان امتنع فسخ الحاكم، فان تعذر قيل: بفسخ المغبون، بل قيل: إن له الفسخ مطلقا، و هو

19

بعيد، و فيه: إن اقصى ما دل عليه الجمع بين الادلة هو الرجوع إلى المثل و القيمة حال وجود العين المنتقلة عنه و أما الزامه بالفسخ فيحتاج إلى دليل، مضافا إلى انه حال الفسخ لا بد و أن ينتقل إليه شيء عوض ما رده من العوض، و ليس إلا المثل أو القيمة، و يلزم في ذلك الزامه بطلب الشراء جديدا و طلب الاقالة في العقد اللازم، و ذلك لا يقوله أحد، مضافا إلى ما في الترتيب من مخالفة القواعد لان الترتيب هكذا: فان امتنع جبره الحاكم، فان اصر على الامتناع فسخ الحاكم، فان تعذر فسخ عدول المسلمين، فان تعذر فسخ المغبون.

و لو وجدها منقولة المنافع على وجه اللزوم كالاجارة و التحبيس جاز له الفسخ و انتظار انقضاء المدة، و تصير العين ملكه من حينه، و ليس له فسخ الاجارة لأنها نماء ملكه و قد استوفاها و ليست مما يتجدد و إنما هي قائمة بالعين، و من هنا لم يستحق عليه رد عوض المنافع المستوفاة، نعم تظهر ثمرة الملك في استيفاء المنافع التي لا تدخل في المنفعة كالحمل و الثمرة و العتق و نحوها، و في المسالك: و هل يرد العوض عاجلا؟ يحتمله، لعود الملك إليه بالفسخ، و دخوله على تحمل الصبر و عدمه، نظرا إلى المنع من الانتفاع التام، و الأول أقوى، و أنت خبير بان الثاني لا ينبغي احتماله، لانه إنما استوفى نماء ملكه، واخذ حقه، و الفسخ يقتضي رجوع كل ملك إلى مالكه، فلو عاد ملكه إليه، فعدم تسليمه له لا وجه له.

و لو وجدها منقولة المنافع بعقد جائز كالسكنى المطلقة فله الفسخ- اي المغبون- لان مدار فسخ السكنى على من انتقل إليه الملك.

و لو وجدها على ملكه مع عدم امكان ردها، كالمستولدة فقد حكم في الروضة و المسالك باخذ القيمة، و استقربه في القواعد، و في جامع المقاصد: انه الاصح، و يحتمل

20

اخذ العين لسبق حقه على الاستيلاد، و يحتمل عدم جواز الوطء في مدة الخيار، فيكون الاستيلاد كلا استيلاد، و هو مشكل.

و ان وجدها على ملكه، و لكنها متغيرة بصفة محضة كقصارة الثوب و طحن الحنطة اخذها، و هل يستحق عليه المشتري اجرة عمله؟ الظاهر ذلك، و جزم به في الروضة و قال: في وجه قوي في المسالك لانه عمل محترم و للزوم الضرر عليه و الضرر لا يجبر بمثله.

و قال بعض المعاصرين: إن العمل قد وقع في ملكه فلا يستحق به عوضا و ليس بجيد، نعم لا وجه لما في الروضة، حيث قال: و لو زادت قيمة العين بها شاركه في الزيادة بنسبة القيمة لانه بعد الرجوع عليه باجرة عمله لا يستحق شيئا و الزيادة إنما حصلت من صفة راجعة للمال، و يحتمل ضعيفا الرجوع إلى المثل و القيمة هنا و وجهه ظاهر.

و لو وجدها متغيرة، و لكن بزيادة عين من جهة، و صفة من أخرى، كالصبغ و نحوه، صار شريكا كما في الروضة و المسالك، و انما كان الصبغ كذلك لان العوض لا يقوم بنفسه و لا ينتقل، و إلا لقام بنفسه و ليس له اجرة عمله في ذلك.

و لو وجدها ناقصة، اخذها مجانا و لا شيء له كما في المسالك، و الروضة، و في الأول: و ان كان النقص بفعله، فالظاهر انه كذلك لانه تصرف في ملكه تصرفا مأذونا فيه فلا يتعقبه ضمان، و هو مشكل لان الظاهر أن العين مضمونة في يد من لا خيار له، فكما لو فسخ و وجدها تالفة أو متلفة رجع بالمثل أو القيمة فكذلك بالنقصان فهو غير مستند إليه كالتلف، و مستند إليه كالاتلاف.

و لو وجدها ممتزجة بغيرها، فان كان بمساوٍ، أو اردأ صار شريكا كما في المسالك و الروضة، و لكن ينبغي أن تقيد الشركة بنسبة القيمة و دفع الارش أن فرض النقصان

21

بالمزج، و يحتمل الرجوع إلى المثل و القيمة في الثاني لأنها بحكم التالفة، و ان كان باجود ففي سقوط خياره أو كونه شريكا بالنسبة أو الرجوع إلى الصلح و نحوه احتمالات ثلاث كما في المسالك، أو اوجه كما في الروضة، و الظاهر أن وجه الأول سقوط الخيار في التلف و الاتلاف، مع أن الأصحاب رضي اللّه عنهم يحكمون بالرجوع إلى المثل أو القيمة و لا يسقطون الخيار فيهما، كما سيظهر لك أن شاء الله تعالى، و في المسالك: و الثالث لا يخلو من قوة لبقاء ماله و اصالة بقاء خياره، و ظني أن هذا التعليل إنما هو للثاني لا الثالث، و ان النسخ الموجودة عندنا غلط و من هنا ظهر لك أن الثاني أقوى، و لانه لا فرق بين المزج بالاجود و بين المزج بالاردإ.

و لو وجدها ممتزجة بغير الجنس، فان امكن تميزها وجب تميزها، و مئونة التمييز على المغبون، و ان لم يمكن تمييزها اخذ المثل أو القيمة لأنها كالتالفة، و فيها يأخذ المثل أو القيمة، ثمّ إن المانع من الرد إما أن يستمر، أو يزول، فان استمر، استمر الرجوع إلى المثل أو القيمة، و ان زال فأما أن يزول قبل الفسخ، و الظاهر حينئذٍ اخذ العين، و يمكن أن يفرق هنا بين مانع الاستيلاد و غيره باعتبار عدم خروج العين عن الملك فيه، و انما منع المانع من ردها و قد زال، بل يمكن الفرق في غيره كالبيع، فان عادت العين بالإقالة و نحوها أخذها، و ان عادت بشراء و نحوه فلا، لأنها في الأول عادت بذلك الملك الأول، و في الثاني بغيره، و الفسخ في الخيار إنما يقتضي إبطال ملكه لها بذلك السبب لا مطلقا.

و لو زال بعد الفسخ قبل الحكم بالعوض، فوجهان اخذ العين لان المانع من ردها قد زال، و العدم لبطلان حقه بالخروج عن ملكه فلا يعود، يمكن هنا الفرق بين مانع الاستيلاد و غيره كما تقدم. و الظاهر أن الثاني أقوى، لان حال الفسخ لا بد من شيء ينتقل إليه عوض رد العوض، و ليس إلا المثل و القيمة، و لو زال بعد الحكم

22

بالعوض، فالأوجه حينئذٍ اخذ العوض، مع انه يمكن أن تقول: إن الحكم بالعوض إنما كان للحيلولة، و قد زالت فيزول بزوالها.

ثمّ اعلم: انه لا معنى للحكم بالعوض في هذا المقام، لان المدار على حال الفسخ الذي به يتشخص ما للفاسخ، و لو وجدها تالفة رجع بالمثل أو القيمة، و كذا لو وجدها متلفة، و قد ظهر لك هذا من تضاعيف ما تقدم.

و لو وجدها مستحيلة رجع إلى المثل أو القيمة على الاظهر، و يمكن القول: بالرجوع اليها مع الارش، و لو وجدها زائدة عينا محضة، كالغرس و الزرع و ما أشبههما، فان كانت الزيادة مبنية على الدوام كالغرس و نحوه تخير بين القلع بالارش و الإبقاء بالاجرة، لانه مقتضى الجمع بين الحقين، إذ الوضع كان بحق، و لو رضي ببقائه و اختار المشتري قلعه فلا ارش له، بل و عليه تسوية الأرض و اصلاح ما يعتريها من الفساد بقلعه، و ان لم يكن مبنيا على الدوام بل كانت له غاية وجب بقاءه بالاجرة، و ليس له القلع بالارش، لأن له أمد ينتظر، و لان الضرر لا يجبر بمثله.

و لو وجدها متعيبة أخذها مع الارش، و لا مدار على زيادة القيمة الناشئة من العيب كالخصى. هذا كله لو لم يتصرف في الثمن تصرفا مخرجا عن الملك أو مانعا من الرد و إلا لو تصرف كذلك سقط خياره على ما تقدم، و ما تقدم من الكلام آت هنا برمته.

و لو كان المغبون المشتري فلا يسقط خياره بتصرف البائع في الثمن مطلقا، بل يفسخ و يرجع إلى المثل و القيمة على نحو ما ذكر، و أما تصرفه فيما غبن فيه، فان لم يكن مخرجا عن الملك و لا مانعا من الرد فلا يسقط خياره، و لو كان مانعا من الرد، أو مخرجا عن الملك فيسقط خياره كما تقدم، إلا أن يعود إلى ملكه بحيث لا ينافي الفورية، و ظاهر

23

المسالك أن نقل المنافع على وجه اللزوم من مسقطات الخيار، و في الروضة: ظاهر كلامهم انه غير مانع، و نقل العين و المنفعة على وجه الجواز غير مسقط قطعا، بل يفسخ و يفسخ، و كذا لو تصرف تصرفا اثر فيها نقصا، و في الروضة: إن كان النقص من قبله ردها مع الارش، و ان كان من قبل الله تعالى، فالظاهر انه كذلك، كما لو تلفت، و لو كانت الأرض مغروسة فعليه قلعه من غير ارش، إن لم يرض البائع بالاجرة، و في خلطه بالاردإ الارش، و بالاجود أن بذله له بنسبة فقد الصفة، و إلا فاشكال، و كان الشهيد (رحمه الله) بنى على أن التلف غير مسقط للخيار.

و الحق انه مسقط، لعدم التمكن معه من رد العين، و في جامع المقاصد: أما لو تلف بنفسه ففي سقوط الخيار تردد، ينشأ من عدم التمكن من رد العين، و من عدم التقصير من المشتري، فلا يسقط معه حقه، و أما الاتلاف فلا شك و لا شبهة في انه أقوى من التصرف المخرج عن الملك، و المانع من الرد فلا شك في سقوط الخيار معه، و لعدم التمكن من رد العين الذي عليه مدار هذا الخيار، و ان خرج من جانب من لا خيار له، و لم يكن هناك مسقطا فللإجماع و شبهه فلا فرق في سقوط خيار المشتري بين الاتلاف و التلف و الحيلولة و التصرف المخرج أو المانع من الرد و عدم التقصير لا ينافي سقوط الخيار، و كأنهم رضي اللّه عنهم لم يبنوا هذه المسألة على قواعدهم المقررة من أن التلف في زمن الخيار ممن لا خيار له، و على هذا ينفسخ العقد و لا يبقى خيار و لا يحتاج إلى فسخ، و قد مر عليك شرح قول المصنف (رحمه الله): و لا يثبت به ارش فراجعه.

و نزيد هنا: إن أصالة عدم الالتزام بشيء و ارتفاع الضرر بالخيار، و انه لا ارش إلا في عيب، و قياسه على العيب لا نقول به، و اجماع التذكرة كما مر ينفي و قد مر

24

عليك ايضا أن هذه غير مسالة بذل التفاوت لان ذلك عن طيب نفس و هذا عن استحقاق فراجعه.

خيار التأخير

الخامس من أقسام الخيار، خيار التأخير: و هو من إضافة المسبب إلى السبب، و الإضافة فيه بمعنى من، أو بمعنى اللام كما تقدم في خيار الغبن، فكل من باع و لم يقبض الثمن، و لا سلم المبيع، و لا اشترط تأخير الثمن، فالبيع لازم ثلاثة أيام للأصل، و الإجماع، و الأخبار الآتية، فان جاء المشتري بالثمن، و إلا كان البائع أولى بالمبيع، هذا الخيار ثابت بالإجماع، كما في الخلاف و الغنية و في الجواهر: لان إجماع الطائفة على ذلك، و في الانتصار بعد قوله: و مما انفردت به الإمامية. دليلنا على ما ذهبنا إليه الإجماع المتكرر، و في التذكرة: تخير البائع بين فسخ العقد، و الصبر و المطالبة بالثمن، عند علمائنا اجمع، و في المسالك: هذا النوع من الخيار مما أطبق الجمهور على عدمه، كما أطبق أصحابنا على ثبوته، و في التنقيح: إن هذا النوع من الخيار من خواص أصحابنا، و في الحدائق: و الأصل فيه بعد الإجماع، و يدل عليه بعد الاجماعات المذكورة حديث الضرار، لان الصبر أبدا مضر بالبائع، و قد قال (عليه السلام):

لا ضرر و لا ضرار

، فوجب أن يضرب له اجل يتمكن فيه من التخلص من الضرر فضرب له الثلاثة أيام.

لا يقال: أن الضرر كما يندفع بالخيار يندفع ببطلان البيع أيضا فلا يتعين الخيار؟ لأنا نقول: إن البطلان قد يكون على البائع اضر من التأخير، فجبره به مما لا وجه له، و كذلك اخذ العين مقاصة لاحتياجها إلى الرجوع إلى الحاكم، و غير ذلك من الكلف و هو ضرر، فلا يجبر به الضرر.

25

و الأخبار الخاصة التي منها: سأل أبو الحسن (عليه السلام) عن الرجل يبيع البيع و لا يقبضه صاحبه و لا يقبض الثمن، قال:

الأجل بينهما ثلاثة أيام، فان قبضه بيعه، و إلا فلا بيع بينهما

، و منها: إن العبد الصالح (عليه السلام) قال:

من اشترى بيعا فمضت ثلاثة أيام، و لم يجيء فلا بيع له

، و منها: ما روي عن عبد الرحمن بن الحجاج قال:

اشتريت محملا أعطيت بعض الثمن، و تركته عند صاحبه، ثمّ احتبست أياما، ثمّ جئت إلى بائع المحمل لأخذه، فقال: قد بعته، فضحكت، ثمّ قلت: لا و الله لا ادعك، أو أقاضيك، فقال: أ ترضى بأبي بكر بن عياش، قلت: نعم فاتيناه فقصصنا عليه قصتنا، فقال: أبو بكر بقول من تحب أن نقضي بينكما بقول صاحبك أو غيره؟ قلت: صاحبي، قال: سمعته يقول: من اشترى شيئا، فجاء بالثمن ما بينه و بين ثلاثة أيام، و إلا فلا بيع له

، و منها: ما روي عن أبى جعفر (عليه السلام)

انه قال: بعد قول السائل له، الرجل يشتري من الرجل المتاع، ثمّ يدعه عنده فيقول آتيك بثمنه، قال: إن جاء فيما بينه و بين ثلاثة أيام، و إلا فلا بيع له

. و ينجبر ما في سندها من القصور بفتوى المشهور فلا حاجة في البحث عنه، و أما الدلالة فواضحة لان المفهوم من نفي البيع عن المشتري ثبوته للبائع، فالنفي حينئذٍ أما أن يتسلط على الصحة، أو على اللزوم، و تسلط النفي على الصحة مما لا وجه له هنا، لان الصحة لا تتبعض، لاستحالة كون العقد صحيحا بالنسبة إلى البائع، و باطلا بالنسبة إلى المشتري، و تسلط النفي على اللزوم يثبت المطلق، و لا ينافي هذا ما تقدم من قوله (عليه السلام):

فلا بيع بينهما

، لأنه إذا ثبت الخيار لأحدهما فقد انتفى اللزوم بينهما، و لان المقابلة تقضي بتسلط النفي على اللزوم، إذ معنى قوله (عليه السلام):

26

إن جاء ما بينه و بين ثلاثة أيام

، أن البيع لازم فيقابله، و إن لم يجئ فلا لزوم، و لوقوع الحكم في حين الخيار في بعض الأخبار، فيستفاد منه نفي اللزوم، و لان البيع قد أطلق على اللزوم في خيار المجلس، في قوله (عليه السلام):

ليجب البيع

، أي ليثبت اللزوم، و إلا فالبيع ثابت، فإرادة ثبوته مما لا وجه لها، فتأمل.

و في خيار الرد في قوله (عليه السلام):

فان آتاك بمالك، و إلا فالبيع لك

، و الحاصل: أن حمل البيع على اللزوم هنا بالقرائن المذكورة مما لا باس به، فتأمل. و يمكن القول: بان البيع مستعمل في معناه، و النفي متسلط على اللزوم، لشيوع البيع في اللزوم، فيكون من قبيل الوصف الزائد، فيتسلط النفي عليه، و فيه: انه ليس مصرحا به حتى يتسلط النفي عليه، و لان النفي هنا لا يمكن حمله على نفي الحقيقة و الماهية ضرورة صدور العقد، و البيع اسم للأعم من الصحيح و الفاسد، فأما أن يحمل على الصحة المستمرة، أو على اللزوم، و يرجح الثاني، لشيوع الاستعمال في مثله، و لا يمكن حمله على الصحة الأصلية، لأنه لا قائل بكون الفسخ من اصله، بل هو فسخ من حينه، و لان البطلان ربما يكون إضراراً بالبائع، و الخيار إنما شرع للإرفاق به، فحملها على البطلان مما لا وجه له، و لان النفي، إنما صدر بعد توهم حظر الفسخ على البائع، فيكون مثبتا لجواز الفسخ، و هو معنى نفي اللزوم، و لفهم المشهور نفي اللزوم في ذلك، و هم اعرف بمواقع الألفاظ.

و قد ظهر لك من مجموع ما ذكرنا: أن الأخبار المذكورة تدل على صحة البيع، و ثبوت الخيار بعد الثلاثة بالشرائط المتقدمة، كما هو المشهور بين الأصحاب، شهرة محصلة و منقولة، و نقل عن ظاهر الشيخ و ابن الجنيد و الصدوق القول

27

بالبطلان، و عن المبسوط نسبته إلى رواية الأصحاب، و في الحدائق: فان الحق هو ما ذهب إليه الشيخ و ابن الجنيد، و قال فيها: غاية ما تدل عليه الأخبار، هو أن البيع مع عدم القبض و الاقباض، و عدم اشتراط التأجيل صحيح، و لزومه مراعى بهذه الثلاثة، فان حصل القبض و الاقباض أو أحدهما فيها لزم البيع، و إلا بطل من اصله.

و فيه ما مر بيانه في دلالة الأخبار على نفي اللزوم و هو معنى الصحة، فقوله: و إلا بطل من اصله، لا وجه له، نظير قوله: و كيف يختص النفي باللزوم، أي بعد الثلاثة، كما ادعاه، أي العلامة في المختلف، مع انه في ضمن الثلاثة كذلك، لان لزومه مراعى بحصول التقابض في ضمن الثلاثة منهما، أو قبض أحدهما، و ان اختلف وجه عدم اللزوم في الحالين، لان اللزوم في الثلاثة غير مراعى بشيء، و انما المراعى استمرار اللزوم، و هو غير اللزوم ضرورة، فاختصاص النفي باللزوم بعد الثلاثة واضح، فالقول بالبطلان مردود بالأصل و الظاهر و فقد المبطل و الإجماع المتكرر المنقول على الخيار و تطابق الفتوى عليه من أجلاء الأصحاب، مع شذوذ المخالف، مع أن النقل عن ظهرهم، فحمل فتاويهم على الصحة ممكن، كما يشهد به ورودها في الخيار، كذا قيل، و أما ما عن المبسوط من نسبة البطلان إلى رواية الأصحاب، فليس فيها ما يقتضيه نصا، و لا ظاهرا، بل ظاهرها الصحة كما تقدم عندك.

و أعلم أن الأصحاب رضي اللّه عنهم اشترطوا لهذا الخيار شروطا:

أحدها: عدم تقبيض البيع،

للاجماع، كما في المصابيح، و للاقتصار على مورد النص في ما خالف الأصل، و هو أصالة اللزوم في العقود، و لان التقبيض

28

مؤكد للبيع، فيكون كإسقاط الخيار، و لان التقبيض رضاء باللزوم، و الرضاء باللزوم مسقط للخيار، و لا ينافي ما ذكرنا ما يوجد في بعض الأخبار، من دوران الخيار مدار عدم قبض الثمن، كصحيحة زرارة حيث اشتملت على قوله:

ثمّ تدعه عنده

، في السؤال الظاهر في الاقباض للمبيع، و أما إطلاق الأخبار الأخر، فيشمل صورتي الاقباض و عدمه، أن قلنا: أن القبض في المتاع هو الأخذ باليد، و إن قلنا: إنه انتقال، لم يكن للاطلاق ظهور في ذلك، و لعل استنادهم إليها، مع اشتراطهم عدم اقباض المبيع، مبني على ذلك.

و الحاصل: أن المسألة غنية عن الاستدلال، نعم في الدروس: لو قبض المبيع فلا خيار، و في بعض كلام الشيخ: أن للبائع الفسخ متى تعذر الثمن، و فيه قوة، و في المسالك و كان مستنده خبر الضرار، إذ لا نص فيه بخصوصه، و ليس ببعيد، إلا أن التمسك بلزوم العقد، و وجوب الوفاء به، أقوى، واخذه مقاصة يرفع الضرر أن تمكن من اخذ العين، و إلا فلا يرفع بالفسخ. و فيه أيضا مضافاً إلى انجبار الضرر بأخذ العين مقاصة، انجباره بالإلزام بالقيمة، بعد تقبيض المبيع، لانه قبل التقبيض لا يلزم بالقيمة، من جهة انحباس العين عنه، و هو المبيع، و لا كذلك لو قبض، بل يلزم بالقيمة حينئذٍ، و ان أخبار الحجر ترده، إذ المحجور عليه لم يتمكن من دفع الثمن، فيتعذر حينئذٍ الثمن، فينبغي أن يفسخ البائع عليه بيعا، قبل الحجر، و كذلك لو باع شخص من آخر شيئا، فمات المشتري، و كان دينه مستغرقاً التركة، كان البائع كأحد الديانة، و على هذا ينبغي أن يتسلط على الخيار، إذ قد تعذر الثمن.

29

و يرده أيضا اللزوم المفهوم مع التقبيض من بعض الأخبار، و كقوله (عليه السلام):

فان قبضه و إلا فلا بيع

، و المستفاد من كلام الأصحاب، حيث اشترطوا للخيار عدم تقبيض المبيع، و قبض الثمن، فيستفاد منه اللزوم مع أحدهما، و الحاصل: أن كلامه (قدس سره) مناف للإجماع على الظاهر، فالحكم بالخيار عند تعذر الثمن بعد التقبيض و قبله، قبل الثلاثة و بعدها مما لا وجه له، و لا فرق في عدم التقبيض بين أن يكون اختياريا، أو اضطراريا، أو نسيانا، مع مطالبة المشتري و عدمها، إذ لا يجب مع مطالبة المشتري التسليم، إلا أن يكون قد سلم الثمن، و لو قبض جميع المبيع، فارجعه إليه، فلا خيار لصدق التقدير، و قوله (عليه السلام):

ثمّ يدعه عنده

، في سؤال أبي جعفر (عليه السلام) أي لم يقبضه، لا انه قبضه و اودعه عنده، لانه لو قبضه و اودعه عنده، أو جعله رهنا إلى أن يأتيه بالثمن، كان قابضا له، لأن هذه اليد يد نيابة، و يد النائب يد المنوب عنه، و انتفاء التقبيض في بعض المبيع، كعدم التقبيض، فتقبيض البعض لا يسقط الخيار، لصدق عدم التقبيض معه، فيتناوله النص، و للإجماع المحصل، فضلا عن المنقول، و لخصوص خبر المحمل، و ان لم يكن من قول الإمام، و لاناطة الأسماء بتمام المسميات، و الشروط كالشطور، فعدم تقبيض الشرط، كعدم تقبيض جزء المبيع.

و لا فرق في ذلك بين تقبيض المبيع، و قبض الثمن، و احتمال التفصيل بينهما، يرده مع عدم القائل به ضرر التبعيض، و عدم شمول الدليل، فإذا مضت الثلاثة أيام كان له الفسخ في الجميع، لا في غير المقبوض، للزوم تبعيض الصفقة، و تبعيض الصفقة عيب، و لا عبرة في التقبيض الفاسد، فلو قبضه المبيع، فبان مستحقا للغير، كلًا أو بعضا، كان كلا قبض، فلا يسقط معه الخيار، نعم تقبيض المعيب صحيح، فلا

30

خيار معه، و ان كان له إبداله، و لا بد من كون القبض بأذن المالك، و هو معنى التقبيض، فلو وقع بغير اذن المالك، فلا اثر له، و لو قبض بلا اذن فاجاز المالك القبض، لزم.

و نقل عن الشيخ (رحمه الله) عدم اعتباره لفقدان التقبيض، و هو ضعيف، فبناء على أن الإجازة كاشفة، لا يجوز له الفسخ بعد المدة، فيما إذا تقدم القبض عليها، و تأخرت الإجازة عنها، نعم على النقل يجوز ذلك، و لو إلجاء على التقبيض، فقبض فالظاهر عدم سقوط خياره، لأنه كلا قبض، و كذا لو اكره عليه على الظاهر، نعم لو اكره على أحد شيئين، أحدهما التقبيض، فاختاره فالظاهر سقوط الخيار، و لو باعه ما كان عنده، و كان قابضا له، كالوديعة و العارية، فالظاهر أن المدار على الإذن في القبض الجديد، و لا مدار على القبض الأول، مع احتمال سقوط الخيار هنا، و احتمال سقوط اعتبار التقبيض.

و الظاهر اشتراط القصد فيه، فتقبيض الذاهل، و الغافل، و الساهي، و السكران، و النائم، و المغمى عليه، كلا تقبيض، مع احتمال أن نقول إن المدار على صدق التقبيض و عدمه، فلا مدار على القصد و الاختيار، و العاقد عن اثنين، إنما يكون القبض و التقبيض بنيته، فان أوقع تقبيضا، سقط خياره، و ان لم يوقع تقبيضا، كان له الخيار مطلقا، أن كان أصيلا، و لا يفسخ إلا مع ملاحظة الغبطة و المصلحة، أن كان وليا، أو وكيلا، و التمكين من القبض ليس قبضا، إلا على القول: بان التخلية قبض مطلقا، أو فرض المسألة فيما قبضه التخلية، و إلا فلا يسقط الخيار، و ان أسقطنا

31

الضمان، لمنع عموم بدلية التمكين عن القبض، و دليل المنع بقاء حق الحبس، حتى يقبض الثمن، بخلاف المقبوض فلا حق فيه.

ثانيها: عدم قبض الثمن،

اقتصارا فيما خالف الأصل على القدر المتيقن، و لاندفاع الضررية، و لخصوص بعض الأخبار المتقدمة، فإنها مشعرة بذلك، و اتلافه أقوى من قبضه، فلا يكون مسقطاً للخيار، إلا إذا كان لتمام الثمن، و كان قبضا صحيحا، و جميع ما تقدم آتٍ هنا، إلا أن الفرق بينه و بين ما تقدم اشتراط اذن المالك في قبض المبيع، و هنا لا يشترط ذلك، و ربما أشعرت به بعض الأخبار المتقدمة من مجموع السؤال و الجواب، لان فيها التقبيض في المبيع و القبض في الثمن، و ظاهر الأول الإذن بخلاف الثاني، و الفرق بينهما، إن قبض الثمن من فعل البائع، كاقباض المبيع، فيسقط حقه بهما، و قبض المشتري ليس فعلًا له، و لا يسقط حقه بفعل غيره، و لو باعه بما في ذمته، فهو كالمقبوض، فلا خيار حينئذٍ، و لو بذل المشتري الثمن، و امتنع البائع من قبضه، قبضه الحاكم، و سقط خيار البائع، اقتصارا فيما خالف الأصل على القدر المقطوع به.

و يؤيده قوله (عليه السلام):

فان جاء بالثمن فيما بينه و بين ثلاثة أيام، و إلا فلا بيع بينهما

، فان ظاهره: إن جاء به فالبيع لازم، و يساعده الاعتبار أيضا، و كما لا فرق في التقبيض، لا فرق بالقبض، بين أن يتولاه بنفسه، أو بوليه، أو بوكيله، و لا يشترط في القبض النية في المعين، فلو نوى الخلاف لم يقدح، فلا فرق بين النية و عدمها، و فيه الخلاف، و كذا في الكلي، ما لم ينوِ الخلاف، كما لو قبضه على انه عارية أو وديعة،

32

فحينئذٍ يقوم وجه عدم اعتبار القبض، و لكن الأقوى اعتباره، و تعتبر النية في التقبيض على الظاهر.

ثالثها: عدم اشتراط تأجيل الثمن مطلقا،

حل الاجل أو قصر، زاد على الثلاثة أو نقص عنها، فمتى ما حصل الشرط سقط الخيار إجماعا، كما في المصابيح و غيرها من كتب الأصحاب، سواء أ كان الشرط منهما، أو من أحدهما، و عملا بالأصل السالم عن معارضة النص و الإجماع، و لأنه مع اشتراط الأجل الواجب مراعاته طال أو قصر، فلا مدار على الثلاثة، و لا اعتبار بها، و لان قوله: و لا قبض الثمن، يعني فيما من شأنه القبض، و هو الثمن الحال، لأن الظاهر من النفي كونه عدم الملك، و لأنه مع الرضا بالأجل، ادخل ضرر التأخير على نفسه، فلا يلتفت إلى ضرره، و الخيار إنما شرع إرفاقا له، فإذا اقدم عليه، فلا خيار له.

و لا فرق في اشتراط التأجيل، بين أن يكون بلفظ الشرط الصريح، أو بغيره، و لا تحتسب الثلاثة بعد انقضاء الأجل، من حين الحلول، و اثباتها كذلك منافٍ لظاهر الفتوى و الدليل، لأن الأصل اللزوم، و اثبات الخيار يحتاج إلى دليل، و حديث الضرار لا يقوم بنفسه، فهي كحالها وقت الأجل، و لو اذن بالتأخير فالظاهر سقوط خياره، للاقتصار على القدر المتيقن فيما خالف الأصل، و لأنه ادخل الضرر على نفسه، و لو اشترط التأجيل في بعض الثمن، فأخر البعض الحال، فالظاهر سقوط الخيار، كما عن التذكرة و القواعد و الإيضاح و كنز الفوائد، لسقوط الخيار في البعض المؤجل، فلو فسخ في الحال، لزم تبعيض الصفقة، و للاقتصار فيما خالف الأصل

33

على المتيقن، و لو تعدد البائع و المشتري، أو الثمن، فاشترط التأجيل في أحدهما، لا يسقط الخيار في الآخر، و ان اتحد العقد، لأنه بمنزلة العقود المتعددة.

رابعها: عدم اشتراط التأجيل في المبيع،

فمتى ما اشترط ذلك، سقط الخيار، لأنه المستفاد من قوله: لم يقبض المبيع، الظاهر في عدم الملك، و اقتصارا على المتيقن فيما خالف الأصل، و لأن تأخير الثمن في مقابلة تأخير المبيع و حبسه، فلا ضرر عليه بالتأخير و أي ضرر عليه إذا لم يسلم المبيع في تأخير الثمن؟ و لو سلم فلا يقوم حديث الضرر بنفسه، و لو اذن في تأخير المبيع، فالظاهر عدم سقوط الخيار هنا، فتأمل جيدا.

خامسها: عدم كون المبيع كليا في الذمة،

فلو باع كليا في الذمة، لم يطرد الخيار، اقتصارا فيما خالف الأصل على مورد القطع، لأن ظاهر الادلة، التعيين، باعتبار أن الغالب في المبيع التعيين، و لا اقل من الشك، فيأخذ بالمتيقن من الادلة، و كلام الأصحاب، و لانتفاء الضرر الذي هو سبب في ثبوت الخيار، لأنه في المعين ممنوع من التصرف فيه بعينه، و ذلك ضرر، بخلاف الكلي، فانه ليس بمعين في الشيء حتى يمتنع منه، هذا ظاهر جملة من الأصحاب كما قيل.

و قيل: بثبوت الخيار في بيع الكلي، و نقل عليه الإجماع، و استقربه بعض أساطين المتأخرين، استنادا إلى الإجماع الخاص، و لإطلاق بعض الاجماعات المنقولة الشاملة باطلاقها لصورتي: ما إذا كان المبيع كليا، أو معينا، و لعموم الأخبار الشامل لكلا الصورتين، و تغيير الصورة الموجب للشك الموجب للاقتصار على القدر المتيقن فيما خالف الأصل، و انتفاء علته، و هو الضرر الذي شرع الخيار من أجله، ممنوعان.

34

فعلى هذا: لا فرق بين أن يكونا عينين، أو كليين، أو مختلفين، و الأول لا يخلو من قوة، نعم لا يشترط ذلك في الثمن، لان الخيار إنما شرع لدفع ضرر البائع، و لا فرق في ضرره بتأخير الثمن بين أن يكون معينا، أو كليا، مع أن الأغلب في الثمن أن يكون كليا، كما أن الأغلب في المبيع أن يكون معينا، فاطلاق الأخبار و كلام الأصحاب شامل له قطعا على الظاهر، نعم عن الانتصار و الخلاف بيع معين بثمن معين، فقيدوا الثمن بالتعيين، و يحمل كلامهم: أما على مجرد التمييز، أو على الاحتراز عن السلف و النسيئة، فيكون احترازا عن التأجيل، لا عن الكلية، فتأمل جيدا.

سادسها: الخلو عن خيار البائع مطلقا،

غبنا، أو عيبا، أو شرطا، من أي أنواع الخيار كان، نعم عن العلامة في التحرير، و الحلي، تخصيصه بالشرط، و هو لا وجه له، كما سترى في الاستدلال، لاندفاع ضرر التأخير الذي شرع الخيار من أجله بغيره، و لدلالة النصوص و الفتاوى، على سبق اللزوم ثلاثا على الخيار، فينتفي فيها الخيار، فلو انتفى فيها اللزوم بثبوت الخيار انتفى الخيار، و ليس المراد باللزوم في الثلاثة انتفاء خصوص خيار التأخير فيها، فلا ينافي اللزوم ثبوت غيره، إذ المراد منه بالنسبة إلى هذا الخيار خاصة، لأن الثابت بالتأخير اصل الخيار، لا الخيار المخصص بالتأخير، و ان كان التأخير سبباً لثبوت الخيار، إذ الحكم لا يتقيد بالسبب.

و ذهب بعض المعاصرين إلى ثبوت الخيار و الحال هذه، لان ضرر التأخير ليس علة يدور مدارها الحكم، بل العمدة في ثبوت هذا الخيار خصوص الأخبار في هذا الباب، و اللزوم في الثلاثة في النصوص، و كلام الأصحاب محمول على اللزوم

35

بالنسبة إلى هذا الخيار، لا مطلقا، فلا ينافيه ثبوت خيار أخر، و ابتناء الخيار على اللزوم في الثلاثة ممنوع، و يؤيده انه: لو اشترط الخيار بعد الثلاثة فهو في الثلاثة لازم، فلا ينافي اشتراط الخيار اللزوم في الثلاثة.

هذا كله بالنسبة إلى خيار البائع، و أما خيار المشتري فلا يسقط هذا الخيار على الظاهر، سواء أ كان كخيار الحيوان اصليا، أو عارضيا كخيار الغبن و الشرط، للزوم الضرر الذي شرع من أجله الخيار، و للعموم في الاخبار الشامل لصورتي: ما لو كان الخيار، و عدمه، و عن الحلي و العلامة) أعلى الله تعالى في الأخرى مقامه (انه كخيار البائع، و الظاهر انه في خصوص الشرط أيضا، للاقتصار على المتيقن فيما خالف الأصل، و لأن اشتراط الخيار من المشتري، بمنزلة اشتراط التأخير، و تأخير المشتري الثمن بالشرط، ينفي خيار البائع، لرضاه بالتأخير، و يلزمهما عدم ثبوته في بيع الحيوان، إذ لا فرق بين الخيار الاصلي، و المشترط، و عموم الادلة حجة عليهما، و كون اشتراط الخيار بمنزلة اشتراط التأخير ممنوع، فالاقوى حينئذٍ عدم السقوط بذلك، لأن اللزوم المفهوم من كلام الأصحاب و من الأخبار في الثلاثة مختص بالبائع، و أما المشتري فلا مانع من خياره لوجود بعض اسبابه، و لو تجدد للبائع خيار بعد الثلاثة، فهل يسقط هذا الخيار أم لا؟ وجهان من عموم النص، و من اندفاع الضرر، و في الدروس: و يحتمل اطرادها، فلو اشترطه المشتري فسخ البائع بعد الثلاثة، و لو شرطاه و خرج الخيار فكذلك، و يلزمه على هذا التقدير تأخير الثلاثة عن محلها، و احتسابها من انقضاء خياره، إذ مقتضى كلام الأصحاب و اخبار الباب اللزوم في الثلاثة كما عرفت، و ظاهرها الثلاثة المتصلة بالعقد.

36

و كيف كان، إذا اجتمعت هذه الشرائط المتقدمة، لزم البيع ثلاثة أيام، لزوما مطلقا بالنسبة إلى هذا الخيار و إلى غيره من الخيارات بحيث يكون اللزوم شرطا لثبوت الخيار، فبانتفائه ينتفي الخيار، و لكن ذلك من طرف البائع، و أما من طرف المشتري فالاظهر انه ليس كذلك، دليله أصالة اللزوم في العقود افرادا، و ان ما تاخر حينئذٍ منه ما بعد الثلاثة لخصوص الدليل يبقى على حكم الأصل، و الإجماع المنقول و الأخبار الدالة على ذلك، إذ معنى قوله (عليه السلام):

من اشترى بيعا، فمضى ثلاثة أيام، و لم يجئ فلا بيع له

انه إن لم يمضِ ثلاثة أيام، أو جاء، فالبيع لازم، و نحوها غيرها من الأخبار في الدلالة على المراد.

و المراد من الأيام هنا، كأيام خيار الحيوان، دخول الليلتين المتوسطتين فيها قطعا، و لكن الإشكال في أن دخولها حكميا، أو وصفيا، أو حقيقيا، أو مجازيا، فيمكن أن تقول: أن اليوم مقول على ما بين طلوع الفجر، أو طلوع الشمس إلى الغروب، أو المغرب، و الليالي إنما دخلت حكما، و ليست داخلة في مسمى الأيام، و يمكن أن تقول: أنها داخلة دخولا وصفيا، و كما يقال اليوم على المعاني المذكورة، يقال عليها و على ما يشمل الليل، بطريق الاشتراك اللفظي، أو المعنوي. و يمكن القول: بان الهيئة التركيبية موضوعة بوضع جديد، فيكون الليل جزء الموضوع له. و يمكن القول: بان اليوم في العدد مجاز لما يشمل الليل. و يمكن القول: بأنه مجاز في المفرد، و أما الليلتين اللتين على الحدين، أما الأولى، فالظاهر انه أن ادخلها دخلت، و ان أخرجها خرجت، فهو بالنسبة إليها من قبيل المشترك اللفظي بين الكل و جزئه.

37

و يمكن أن يقال: إنها خارجة لا محالة، و انما تدخل حكما لو وقع العقد أول الليل، لبعد الطفرة، و أما الليلة المتأخرة فهي خارجة قطعاً.

و لا تختلف معاني الآحاد في استعمال واحد، لأن الليالي إنما تدخل حكما، لا اسما، و احتمال دخولها في مسمى اليوم ضعيف جدا، و أما الكسر فالظاهر احتسابه، و لا فرق بين قليله و كثيره، مع احتمال التفرقة بينهما فيحتسب الأول يوما تاما دون الثاني، و تدخل حينئذٍ الليالي الثلاثة على هذا التقدير، و يحتمل عدم احتسابه رأسا، و هو بعيد لبعد الطفرة، و ابعد منه احتسابه مطلقا يوما تاما.

و على تقدير خروج الليالي، هل تلفق منها الأيام، أو لا تلفق؟ وجهان اقواهما الثاني، و الكسر إنما يعطى مثله منسوبا لذلك اليوم، فعوض الثلث الثلث، و عوض الربع الربع، و هكذا، و لا عبرة بطول اليوم و قصره، فلو كان يوم الكسر قصيرا، فطالت الأيام، لا مدار على هذه الزيادة، فلا يعوض الثلث بربع، و لا الربع بخمس.

و مبدأها من حين العقد، أو حين الملك، فمن حين القبض فيما توقف عليه، و من حين الإجازة على القول بانها ناقلة، و على القول بانها كاشفة من حين العقد، أو من حين التفرق، أو من حين انقضاء الثلاثة في بيع الحيوان، على القول بثبوت الخيار للبائع فيه، أو من حين التفرق، و لو سقط خيار المجلس بالشرط، أو بغيره، و خيار الحيوان على القول بثبوته للبائع، وجوه: اقواها الاخير، لدلالة الأخبار، و فتوى الاخيار، على اللزوم بالثلاثة، و هو ظاهر في لزوم الجميع، فلو احتسب من حين العقد لزم الجواز في البعض، و هو ينافي اللزوم في الجميع، بل قد لا يتحقق

38

اللزوم فيها اصلا في بعض الصور، و هو فيما إذا استمر المجلس ثلاثة أيام مثلا، و أما أنها من حين التفرق، و لو سقط الخيار فلدلالة الأخبار على ذلك، إذ المفهوم من قوله (عليه السلام):

أن جاء فيما بينه و بين ثلاثة أيام

، انه من حين الافتراق، إذ لا يعقل المجيء حال الاجتماع، إلا إذا أريد به مجرد دفع الثمن، و هو خلاف الظاهر.

و اختار العم) سلمه الله تعالى (احتسابها من حين العقد، قال: لظهور إرادة البدأة من العقد في امثال هذه المواضع، و إلا لذكر غيره، كما يراد باللزوم، اللزوم في مقابلة هذا الخيار الخاص، لا مطلقا، للجمع بين أدلة خيار المجلس، و هذه الادلة كما يراد بالمجيء بالثمن رده، انتهى، و في جميع ما ذكره كلام تقدم، فلا تغفل عنه.

و اعلم: أن هذا الخيار مختص بالبيع مع اجتماع الشرائط المتقدمة فلا يتعداه إلى غيره من العقود، بلا خلاف، كما في المصابيح و شرح اللمعة، للوالد طاب ثراه، و اقتصارا على المتيقن، فتوى و رواية، فيما خالف أصالة اللزوم فيها، و حديث الضرر مع عدم الانجبار لا يقوم بنفسه، فضلا عن معارضته بالاجماعات المنقولة، و ورود الادلة بخصوصه مما يكشف عما قلناه.

و كاختصاصه بالبيع، اختصاصه بالبائع إجماعا، كما في المصابيح، فلا يثبت للمشتري، و عن المفيد و المرتضى النص عليه، و حكاية الإجماع، و هو ظاهر باقي الأصحاب، حيث حكموا بالخيار للبائع، و ضربوا صفحاً عن المشتري و خياره، و حكى عليه الإجماع والدي (قدس سره)، و هو مقتضى الأصل، إذ الأصل اللزوم مطلقا، بالنسبة إلى البائع و المشتري، و بالنسبة إلى جميع الحالات و الاحوال، خرج منه خصوص البائع مع اجتماع الشرائط المتقدمة، و يبقى الباقي داخلًا تحت الأصل.

39

و مما يرشد إلى ما ذكرنا تخصيصه بالنصوص دون المشتري، و تنقيح المناط بين البائع و المشتري، لم يثبت حتى يحكم على أصالة اللزوم، نعم استشعر الشهيد في الدروس ثبوته للمشتري من الأصحاب، حيث لم يحكموا بإجباره على نقد الثمن، و هو لا وجه له، لأن عدم الاجبار على النقد، إنما نشأ من انحباس المبيع عند البائع، مع لزوم الضرر بالتأخير، و من الرضا بالتأخير كما هو الظاهر، و ترده الاجماعات المنقولة على لسان جملة من جماهير الأصحاب.

و لو شك في كون العقد بيعا، أو ليس ببيع، لم يثبت الخيار لأصالة اللزوم في العقود، و يحتمل القول بثبوته، لأن الأصل في نقل الأعيان أن يكون بيعا، و إليه يرجع مع الشك، و إذا حكم بأنه بيع يثبت الخيار، و غيره من أحكام البيع، و كذا لو شك في كونه بائعا، أما لو اشتبه البائع بالمشتري، ففي سقوط الخيار، أو ثبوته لهما، أو إخراج البائع بالقرعة، وجوه أجودهما الأخير. و لو اتحد البائع و المشتري، كالوكيل عنهما، أو الولي عنهم، فوجهان أحدهما سقوط الخيار، إذ مبدأ هذا الخيار من حين تمام الثلاثة، التي مبدئها من حين الافتراق المبني على التعدد. و ثانيهما ثبوته و يفسخ عن البائع له بحسب الولاية، أو الوكالة، و هو الأقوى. و لا فرق في مدة هذا الخيار بين الجارية و غيرها، كما هو المشهور بين الأصحاب رضي اللّه عنهم و نسبه بعضهم إلى ظاهر الأكثر، و عن البعض نسبته إلى ظاهر الأصحاب، لعموم النص و للزوم التأخير اكثر من ذلك الضرر على البائع، خلافا لما عن ظاهر الصدوق في الفقيه، و المقنع، بل لما عن صريح الفقيه استنادا لرواية على بن يقطين

قال: سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن رجل اشترى جارية، و قال: اجيئك بالثمن، فقال: إن جاء فيما بينه و بين شهر و إلا

40

فلا بيع له

، و في الحدائق: فهو غير معمول عليه عند الأصحاب، بل لا قائل به، و لعله يريد نفي القائل الصريح و إلا فقد سمعت القائل، وردها في الدروس بالندرة، و في محكي المختلف يمنع صحة السند، و هو لا باس به على الظاهر كدلالتها، و تؤيد بأصل اللزوم أيضا، أي استصحابه فيما بعد الثلاثة، و لكن العمل على المشهور أولى لندرة الرواية و شذوذها و غرابة اختصاص الامة بهذا الحكم دون غيرها، و لزوم الضرر على البائع بالتأخير اكثر من ذلك، و الخيار إنما شرع لدفعه، فحملها على الاستحباب أولى، فيكون للصبر غايتان: غاية وجوب، و غاية استحباب، غاية الوجوب الثلاثة، و غاية الاستحباب الشهر، و عن الاستبصار: و احتمال حملها على استحباب الصبر، و تخصيص العمومات بها كما خصصت بغيرها، و ظاهره في خصوص الجارية، فالفرق بيننا و بين ما في الاستبصار: إنا لا نفرق بين الجارية و غيرها، و نجعلها من باب المثال، فالصبر مستحب في كل مبيع شهر، و يجعله في خصوص الجارية، و بما ذكرنا يرتفع غرابة اختصاص الامة بهذا الحكم، إذ لا اختصاص لها بشيء، فهي و غيرها سواء في الحكم.

لا يقال: إن هذا الخيار على الفور، فكيف يعقل الصبر شهرا، و الفسخ بعده؟ لأنا نقول: إن جعلنا الخيار على التراخي كان الحكم وفق القواعد، و ان جعلناه على الفور كان لخصوص الدليل، فان قلنا إن الجارية في الرواية مثال، فلا كلام في عموم الحكم، و إلا فيقتصر على مورد النص حينئذٍ، فلا يسري الحكم لابعاضها، و لو بيعت منضمة إلى شيء أخر، فالظاهر عدم جريان الحكم، إلا إذا كانت الضميمة غير

41

مقصودة كثيابها و ما شاكلها، و ان كانت مقابلة بعوض و المشكوك فيها لا يلحقها الحكم.

تذنيب في مسقطات هذا الخيار

و هي أمور:

احدها: إحضار المشتري الثمن بعد الثلاثة، و تمكين البائع منه،

كما قطع به العلامة في التذكرة و القواعد، قال في التذكرة: لو مضى ثلاثة أيام فما زاد و لم يفسخ البائع البيع، و احضر المشتري الثمن و مكن منه، سقط الخيار لزوال المقتضي لثبوته، و هو التضرر بالتأخير.

و فيه: إن التضرر بالتأخير علة لثبوته لا لدوامه و استمراره، و زوال علة الثبوت في الابتداء لا يستلزم زوال المعلول، و في شرح اللمعة للوالد (قدس سره) و زوال العلة لا ينفي البقاء، لجواز أن يستند إلى علة أخرى، و فيه: إن الكلام في سقوط الخيار الثابت بهذا السبب لا في مطلق الخيار، فثبوته لعلة أخرى لا ينافي سقوطه بالنسبة إلى هذه العلة، فالأولى أن يقال: إن هذه علة لابتداء الثبوت لا الدوام و الاستمرار، فسقوطها و زوالها لا ينافي بقاء المعلول. و الحق بل ربما نسب إلى ظاهر الأكثر حيث حكموا بثبوت الخيار و لم يتعرضوا للإحضار و عدمه، و فيه تأمل عدم السقوط للأصل، و لا اقل من الشك فنستصحب، و لما ذكرنا، و لأنه يمكن أن يكون التأخير نفسه هو السبب لا التضرر الحاصل منه، و حينئذٍ لا يزول بالإحضار، هذا كله على القول بالصحة و ثبوت الخيار، و أما على القول بالبطلان فلا ثمرة لهذا الكلام اصلا، و على الاحضار بعد الثلاث، أما لو احضره فيها فلا إشكال بسقوط الخيار حينئذٍ،

42

كما يشعر به قوله (عليه السلام)

إن جاء فيما بينه و بين ثلاثة أيام

و لكن مع التمكين، فلو لم يمكن منه لم يسقط الخيار، و لو امتنع من قبضه دفعه إلى الحاكم و سقط خياره، لأنه ولي الممتنع.

ثانيها: المطالبة بالثمن بعد الثلاثة،

كما عن ظاهر المشايخ و الديلمي و الحلي، حيث خيروا بين الفسخ و المطالبة بالثمن، و هو مبني أما على أن المطالبة كناية عن الالتزام، إذ هي مشعرة بالرضا بالعقد، فإدا قطع بعد الرضا بالعقد و الالتزام به لم يسقط على هذا قطعا، و أما على أن هذا الخيار فوري، و المطالبة منافية للفورية فيسقط، باعتبار المنافاة للفورية، و على هذا لا فرق بين العلم بعدم الرضا و عدمه، و الحق كما في التذكرة و القواعد و المسالك و الروضة، و عن كنز الفوائد عدم السقوط للأصل و لوجود سببه، و لأنه حق ثبت شرعا، فلا يسقط إلا بمسقط شرعي، و كون المطالبة كناية عن الالتزام، و مشعرة بالرضا في محل المنع، و كون المطالبة منافية للفورية أول الكلام إذ الفورية عرفية لا حكمية، فلا تنافيها المطالبة و شبهها، بل يلزمهم التفصيل بين العالم بالخيار و غيره، لأن الجهل بالخيار عذر، فيثبت له بعد العلم فورا، فالمطالبة قبل العلم غير مسقطة، هذا بالنسبة إلى المطالبة بعد الثلاثة، أما قبلها فلا شك في عدم اسقاطها، لأن الالتزام و الرضا بالعقد إنما يكون مسقطا بعد الثبوت، و كذا المنافاة للفورية إذ لا فورية قبل الثبوت.

ثالثها: التراخي بالفسخ بعد ثبوت الخيار،

و هو مبني على أن ثبوت هذا الخيار هل هو على الفور، أو على التراخي؟ فاذا كان على الأول كان مسقطا، و إلا فلا، و في جواهر الكلام و المصابيح، و عن الشهيد في قواعده، و العلامة في ظاهر

43

التذكرة اختيار الثاني، و ذكر غير واحد من المتأخرين، إنه لم يعثر على قائل بالاول هنا، و لكنه محتمل و ان لم يوجد به قائل، و يمكن أن يستند له بالاقتصار على المتيقن فيما خالف اصل اللزوم، لان أدلة اللزوم عامة للأزمان كعمومها للأفراد، و المشكوك فيه من الزمان داخل في حكم العام، بأن منشأ ثبوت الخيار إنما هو الضرر، فيقتصر على ما يندفع به، و هو ثبوت الخيار فوريا، و بأن ثبوت الخيار متراخيا ضرر على المشتري، و الضرر منفي خصوصا، لو كان هو المقتضي لثبوت الخيار، إذ الضرر لا يجبر بمثله.

و يستدل على الثاني باطلاق ما دل على ثبوت الخيار، فانه يتناول الازمنة و لا يتقيد إلا بدليل شرعي، و بأنه حق ثبت فيستصحب، و لا يعارضه استصحاب اللزوم، لأن استصحاب الخيار وارد، فيكون مقدما، و عن المحقق الكركي التردد في فورية هذا الخيار مع حكمه بها في خيار الغبن و الرؤية، و ليس منشأ تردده تعارض الاصلين، و هما اصل اللزوم و استصحاب الخيار، لأنه مشترك في المقامين وجار في الخيارين، فلا معنى للجزم في أحدهما و التردد في الأخر، نعم كان منشأ احتمال كون المقتضي هنا إطلاق الادلة، لا الاستصحاب و نحوه، و على كل حال فالمراد بالفورية العرفية لا الحكمية، فالجهل بالحكم لا بالموضوع، و السهو و النسيان، و الاجبار، و زعمه صدور الفسخ منه، و نحوها كلها اعذار، فيثبت الخيار بعد ارتفاعها على الفور أيضا، و أما جهل حكم الفورية، فالظاهر انه ليس عذرا فيسقط معه الخيار، لأنه هو ادخل الضرر على نفسه بتركه الفسخ، خلافا لما عن صاحب الحدائق في خيار الغبن.

44

قاعدة

و هي: إن أدلة لزوم العقد و وجوب الوفاء به، هل هي عامة للزمان كعمومها للأفراد؟ فيكون معنى لزوم العقد أن اثره مستمر إلى يوم يبعثون، للقطع بأنه ليس المراد من الوفاء بالعقد الوفاء به آنا ما، لان الوفاء به هو العمل على مقتضاه، و مقتضاه عرفا هو الدوام، و كذا بحسب قصد المتعاقدين، و لفهم المشهور منها الدوام، و هم اعرف بمواقع الألفاظ، و لأنها لو لم تفد العموم الزماني، لخلت عن الفائدة أولا، بل يكون مفادها الإطلاق بالنسبة إلى الزمان لا العموم، فلا تفيد إلا لزوما، و إلا لما تحقق استصحاب في الخارج.

فعلى الأول: إذا دل دليل على ثبوت الخيار من إجماع، أو أخبار، أو ضرر، أو غيرها، اخذ بالمتيقن منه، و كان المشكوك فيه داخلا في العموم، إذ يكون من قبيل الاستثناء من العموم.

و على الثاني: يستصحب اللزوم و يستصحب الخيار، و يحكم استصحاب الخيار على استصحاب اللزوم، إذ يكون وارداً عليه، و الذي يقوى في النظر هو الأول، و ان الخيار على التراخي لإطلاق ادلته لا باستصحابه، اذ لا استصحاب على ما قلنا.

رابعها: الإسقاط بعد الثلاثة،

لأنه حق مالي يسقط باسقاط مستحقه كغيره من الحقوق المالية، و لا فرق بين فوريته و تراخيه، لأنه حق واحد بسيط و الزمان تابع، فإذا اسقطه سقط، و ليس مما يتجدد بتجدد الزمان، فيقال أن إسقاطه الآن لا يقتضي سقوطه في الزمن المتجدد، بل يقتضي سقوط الخيار الثابت، الآن و ذلك بعد لم

45

يثبت، و من هنا يعلم: أنه ليس كخيار الحيوان لو اسقطه بحصة خاصة من الزمان، بل يسقط بتمامه، بخلاف خيار الحيوان كما حقق في محله، هذا فيما لو اسقطه بعد الثلاثة، أما لو اسقطه قبلها، فهل يسقط بإسقاطه أو لا؟ وجهان اقواهما العدم، لعدم ثبوته فلا يعقل إسقاطه، لأنه فرع الثبوت، و كون العقد سببا لثبوته متقدما لا يكفي في ذلك، بل يكون حاله كحال النفقة التي ستأتي، فكما لا يصح اسقاطها الآن مع كون العقد سببا، فكذلك هذا.

و علل الوجه الثاني و هو السقوط: بتقدم السبب الذي هو العقد، و جعل الفرق بينه و بين النفقة، أنه حق واحد مستمر، و هي حقوق موزعة على الزمان، و فيه: إن تقدم السبب لا يكفي كما مر، و لو كان مجزيا لما كان فرقا بين الحق الواحد و المتعدد، بل كان كل منهما يسقط و العلة واحدة.

خامسها: اشتراط سقوطه في صلب العقد،

لا متقدما عليه، و لا متأخرا عنه، إلا إذا ابتنى العقد عليه، أو كان من لواحقه و توابعه، عملا بادلة الشروط و بالاجماع المنقول، كما عن تعليق الارشاد و كنز الفوائد و الدروس، و احتمال العدم لأن سببه مما يتجدد، و ليس مقارنا للعقد، فلا يصح لأنه إسقاط قبل الثبوت، و ان الذي يصح اشتراط سقوطه هو ما كان سببه مقارنا للعقد، كخيار الغبن و العيب و التدليس و ما شابهها ضعيف لأن هذا الكلام مبني أما على التأخير هو السبب لثبوت الخيار لا غير، أو على أن السبب هو العقد و التأخير، و أما لو جعلنا العقد هو السبب لثبوت الخيار لا يتم هذا الكلام، مع انه هو الظاهر، و لا شك في صحة اشتراط سقوط ما سببه العقد، سواء أقارن أم تاخر، و يمكن القول بان السبب في

46

ثبوت هذا الخيار، إنما هو العقد و التأخير، و لكن المجوز لذلك إنما هو أدلة الشروط و الإجماع المنقول، و هذا هو العمدة في المقام، و المائز بين اشتراط السقوط و الإسقاط، و يمكن أن يقال: أن معنى اشتراط السقوط، أي سقوطه وقت ثبوته لا الآن، و لكن يلزم منه جواز ذلك في النفقة و غيرها، مع أنا لا نقول به، مضافا إلى ما فيه من الشبه بالتعليق فتأمل.

سادسها: لا يثبت هذا الخيار في صرف و لا في سلم،

لتوقف الأول على التقابض في المجلس، و الثاني على قبض الثمن، و قد نقل جماعة الإجماع على الأول، و على الثاني أيضا، و قد عرفت أن عدم القبض و التقبيض شرط في ثبوت هذا الخيار، و بحصول أحدهما ينتفي.

سابعها: لا يثبت هذا الخيار فيما لو كان العاقد واحدا عن اثنين،

كما في المصابيح و كتاب الوالد (قدس سره) لظهور التعدد من الأخبار، و لأن مبدأ هذا الخيار من حين الافتراق المقتضي للتعدد، و اقتصارا على المتيقن فيما خالف اصل اللزوم، و الحق ثبوته، و ظهور التعدد من الأخبار مسلم، و لكنه محمول على التعدد الاعتباري، و لكون مبدأه من حين الافتراق، ذلك فيما يمكن فيه الافتراق، و الاقتصار لا وجه له بعد ورود الأخبار.

ثامنها: لا يثبت هذا الخيار في بيع من ينعتق على المشتري،

لأنه ينتقل بمجرد العقد إليه و يدخل في ملكه، و في الصحيح فيمن ينعتق من الرجال و النساء، انهم إذا ملكوا عتقوا، و العتق لا يقع متزلزلا، و الحر لا يعود رقا، نعم على القول بالانتقال بعد مضي الخيار يتجه الثبوت و يحتمل ثبوت الخيار بالقيمة، لأن العتق بمنزلة التلف،

47

فيكون جمعا بين الدليلين، و يحتمل وقوف العتق على انقضاء الخيار، و هو ضعيف، و يحتمل التفصيل بين العالم و الجاهل، فان كان عالما بأنه ينعتق على المشتري، كان قادما على سقوط خيار ه، و إلا كان له الخيار، فيقف العتق، و هو كسابقه في الضعف.

تاسعها: يسقط هذا الخيار بتصرف البائع بالثمن بعد الثلاثة،

و هو مبني على انفكاك التصرف عن القبض و حصوله من دونه، و على جريانه في جميع الخيارات تعبدا، أو لدلالته على الرضا بالعقد، أو الالتزام به، و أما التصرف في الثلاثة ففيه وجهان: أحدهما سقوط الخيار لتقدم سببه الذي هو العقد، و ثانيهما العدم لعدم ثبوت الخيار، و السقوط فرع الثبوت، و هو أقوى لأنه المتيقن من سقوط الخيار بالتصرف.

و هل يجوز للمشتري التصرف في المبيع في الثلاثة، أو لا يجوز؟ الظاهر الجواز، و ان معناه من التصرف في زمن خيار البائع، لمنافاته لحقه، إذ الحق بعد لم يثبت، فلو تصرف بناقل لازم، احتمل أن يكون للبائع سلطان على ارجاع عينه، فينفسخ عقوده و يأخذ عينه، و يحتمل رجوعه إلى المثل و القيمة و هو أقوى، أما لو كان بناقل جائز، فيحتمل ذلك مع احتمال الزامه بالفسخ، و النماء في الثلاثة و بعدها مطلقا قبل الفسخ للمشتري، كما أن نماء الثمن للبائع، و لو تلف المبيع بآفة سماوية كلا أو بعضا، كان من مال البائع عرضه على المشتري، أو لا إذا كان التلف في الثلاثة وفاقا للمشهور، كما في الحدائق و المصابيح و كتاب الوالد و في الدروس و عند الشيخ، و الاكثر انه من البائع، و هو الأقوى، و في المسالك: و ذهب الأكثر إلى انه من

48

ضمان البائع، و عن الرياض: استقر عليه مذهب المتأخرين كافة، و نسب إلى الشيخ و القاضي و ابن ادريس و العلامة و ولده و لابي و الشهيدين و الكركي و الصيمري، و عن الخلاف حكاية الاتفاق عليه، و قيل من مال المشتري، و نسب للمفيد و السيد و الديلمي و الحلبيين، و في الانتصار و عن الغنية الإجماع عليه، و يدل على الأول الإجماع المنقول، و القاعدة النبوية: و هي كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائع، الثابتة بالنص و الإجماع كما في كلام جملة من الفحول، و رواية عقبة بن خالد عن أبى عبد الله (عليه السلام)

في رجل اشترى متاع من رجل و اوجب له غير انه ترك المتاع و لم يقبضه، و قال: آتيك غدا إنشاء الله، فسرق المتاع من مال منّ يكون؟ قال: من صاحب المتاع الذي هو في بيته، حتى يقبض المتاع و يخرجه من بيته، فاذا اخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقه، حتى يرد إليه ماله

و هي مجبورة بالشهرة المحصلة و المنقولة، و مؤيدة بموافقتها للقاعدة المتقدمة، بل هي أحد ادلتها فلا وجه للمناقشة في سندها، و لا في دلالتها بعد فهم المشهور، لأنهم اعرف بمواقع الألفاظ.

و يدل على الثاني إجماع الغنية و الانتصار، و هو ممنوع و معارض بمثله، مجبورا بالشهرة و استقرار ملك المشتري في الثلاثة، و كون التأخير لمصلحته فيكون التلف منه. و الجواب: منع الملازمة بين استقرار الملك و كون التلف منه، و عدم قابلية هذا التعليل، لتخصيص الأصل المنصوص و المجمع عليه فيما بينهم، و لأنه لا يقتصر على البائع، باعتبار انه لا طريق له إلى الفسخ، و به يفترق عن التلف بعد الثلاث، و لان النماء للمشتري، فيكون التلف منه، كما يستفاد من بعض نصوص خيار الشرط.

49

كذا قيل و لا يرد النقض بالتلف بعد الثلاث، لأنه مدفوع بالإجماع هناك دون المسألة، و هذا كله لا ينهض بشيء بعد القاعدة النبوية، و الخبر المؤيدين بفتوى المشهور، و ذهب ابن حمزة إلى انه من ضمان البائع، إلا أن يعرضه عن المبتاع، فينتقل إلى ضمانه، و عن المختلف استظهاره من أبى الصلاح، و نفي البأس عنه، قال في الوسيلة: و ان تلف المبيع قبل التسليم، كان من ضمان البائع، و ان كان بغير تفريط منه، إلا أن يكون عرض التسليم و لم يتسلم المبتاع، و هذه العبارة مطلقة فتخصيصها بالتالف في الثلاثة مما لا وجه له، و قال في الكافي: فان هلك المبيع في مدة الثلاثة أيام فهو من مال المبتاع، و بعدهن من مال البائع، و هو صريح في موافقة المفيد، فلا أرى لما استظهره العلامة منه وجها، و ما نقله من قوله: فان كان تأخيره من قبل المبتاع فهلاكه و نقصه من ماله لا دلالة فيه على ما نحن بصدده بوجه، إذ لعل معنى تأخيره من قبل المبتاع- أي انه امتنع من قبضه أو التمس على التأخير- و الوجه في كلام ابن حمزة هو: أما جعل التمكين و العرض قبضا، و هو في محل المنع، إذ صدق اسم القبض بمثل الفرض المزبور لم يثبت، و أما تنزيل التمكين منزلة القبض، في نقل الضمان للزوم حصول الضرر لولاه، و مقتضاه ضمان المشتري مع حصول التمكين مطلقا في الثلاثة و بعدها، و النقل للضمان بالتمكين، نقل عن الشيخ و جماعة، و عن ظاهر الخلاف إجماع الأصحاب عليه، فيشكل إطلاق القول بضمان البائع في الثلاثة من الأكثر، و فيما بعدها من الجميع أن ثبت الإجماع، و من خصوص القائل به إن لم يثبت، و لا يندفع إلا باشتراط عدم التمكين في اصل الخيار كما عن التحرير، أو جعل محل النزاع في ما إذا انتفى التمكين، كما عن السرائر، فعلى هذه النسبة القول بالتفصيل

50

لابن حمزة ليس على ما ينبغي، نعم يكون الكلام مع الشيخ (رحمه الله) في نقل الضمان بالتمكين، فالحق عدمه، و اجماع الخلاف ممنوع، و معارض باجماع الغنية المعتضد بالشهرة المحصلة، و المحكية عن المهذب و غاية المرام، و بعموم ما دل على ضمان البائع مع عدم القبض، من غير فرق بين التمكين و غيره، و بترك الاستفصال في رواية عقبة عن الصادق (عليه السلام)، و حديث الضرر لا يعمل به على عمومه، مع انه يمكن اندفاعه بقبض الحاكم، أو جبره على القبض، و كذلك لو تلف المبيع، بعدها أي الثلاثة على الاشبه و قد حكى عليه الإجماع جماعة، حتى بلغ حد الاستفاضة.

و يدل عليه بعد الإجماع القاعدة الثابتة بالنص و الإجماع و هي كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه، و رواية عقبة المتقدمة المؤيدة بالاجماعات المنقولة، و بالقاعدة المذكورة.

و المناقشة إنما هي في التلف قبل الثلاث، لان البيع لما كان لازما، فالمال للمشتري مخلصا، فكان كالوديعة عند البائع، فلا ضمان عليه، و التلف إنما يكون من صاحب المال و هو المشتري.

أما بعد الثلاث فلا كلام، يكون التلف من البائع، لانه لما كان له الخيار و بيده الفسخ فكان المال له، فيكون التلف منه حيث لم يفسخ، لكن عورض بما قرر أيضا عندهم، انه إذا تلف المال في زمن الخيار فهو من مال من لا خيار له، و ان كان لهما الخيار فهو من المشتري، و ذلك يقتضي كون التلف من المشتري بعدها، و ضعفه ظاهر فانه مع اختصاصه بالتالف في زمن الخيار مردود باختصاص ما ذكر بالمقبوض، كما هو معلوم من مذهبهم، أما غيره فمن البائع مطلقاً. هذا كله على القول بصحة العقد