فقه الإمامية، قسم الخيارات

- الميرزا حبيب الله الرشتي المزيد...
674 /
3

بحث الخيارات

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ، الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ، مٰالِكِ يَوْمِ الدِّينِ

، و الصلاة و السلام على خير خلقه و أشرف أنبيائه محمد و آله الطيبين الطاهرين المعصومين، روحي لهم الفداء.

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

بحث الخيارات القول في الخيار يقع في مواضع: تارة في موضوعه، و أخرى في أقسامه، و ثالثة في أحكامه. فههنا مقاصد:

موضوع الخيار

الأول- في موضوعه، فنقول: لفظة «الخيار» من الخيرة، فهو في اللغة بمعنى المشيئة و الإرادة. فيكون اسم مصدر، لأنه يفيد معنى الاختيار بناءا على أن اسم المصدر عبارة عن كل مجرد يفيد معنى المزيد كما قيل.

و أما في اصطلاح الفقهاء فهو عبارة عن ملك فسخ العقد كما ذكره الأكثر، أو عن ملك إقرار العقد و إزالته كما ذكره صاحب «الجواهر» (قده)، أو عن ترجيح أحد طرفي العقد الجائز كما ذكره صاحب «التنقيح».

و الأنسب من تلك المعاني- بقاعدة النقل- هو المعنى الأخير، لكون النقل فيه نقلا من العام الى الخاص، فيكون نقلا راجحا. بخلاف المعنيين الأوليين، لكون النقل فيهما نقلا مباينا، لان ملك الفسخ و الإقرار عبارة عن السلطنة التي تكون سببا لاختيار أحد الطرفين و ترجيحه، الا انه لما كان الترجيح عبارة عن الفعلية فهو خارج عما عليه اصطلاح الفقهاء، إذ الخيار عبارة عن السلطنة و الملكية

6

الثابتة لذي الخيار و ان لم يأت مقام الفعلية أصلا بخلاف الترجيح.

فعلى المعنى الأخير لا يتحقق الخيار إلا إذا رجح الإقرار أو الفسخ و أراد أحدهما فعلا، فهو خلاف الحق و التحقيق، فدار الأمر بين المعنيين الأوليين.

فاختار شيخنا العلامة (قده) التعريف الأول كما هو المشهور ظاهرا، و أورد على ما في «الجواهر»- حيث اختار التعريف الثاني- بأنه ان أريد من افرار العقد إبقاؤه على حاله فيكون ذكر الجزء الأول في التعريف مستدركا، لغناء الجزء الثاني عنه، لأن القدرة و السلطنة على الفسخ لا تتحقق إلا إذا كان كلا الطرفين من الفسخ و الإبقاء مقدورا.

فالنكتة في كون الجزء الأول مستدركا دون الجزء الثاني مع أنهما في استغناء أحدهما عن الأخر على السواء، اما أن الجزء الأخير قد ذكره الأكثر فهو مسلم عندهم و انما زاد الجزء الأول صاحب «الجواهر» فتكون الزيادة منه مستدركة، أو أنه غلب في الاصطلاح في ملك الفسخ و اشتهر فيه فصار حقيقة فيه، فملك الإقرار انما يكون حينئذ مطويا فيه تبعا لا أنه عبارة عن ملك الإقرار و ان أفاد ملك الفسخ أيضا تبعا الا أنه خارج عما عليه بناؤهم.

و ان أريد من إقرار العقد إلزامه، ففيه: أن مرجعه إلى إسقاط الحق، فلا ينبغي أخذه في تعريفه. مع أنه منتقض بالخيار المشترك، فإنه إذا كان لأحد المتعاقدين خيارات متعددة من جهات متكثرة من خيار الشرط و المجلس و الغبن و العيب مثلا إذا أسقط أحدها فلا يلزم منه ملك إلزام العقد، لعدم اللزوم حينئذ مع بقاء غيره على حاله.

بعبارة أخرى: هذا التعريف لا يصدق على أحد تلك الخيارات المشتركة بعد ظهور الإلزام في مقابل الإزالة في اللزوم المطلق، إذ لا يتحقق الإلزام في العقد حينئذ بمجرد إسقاط واحد من تلك الخيارات، بل لا بد في اللزوم من إسقاط الجميع.

7

ثم انه بهذا القيد- أعني ملك إلزام العقد- يحصل الفرق بين ملك الإزالة و جواز الرجوع الحاصل من جهة الخيار و بين ملك الإزالة و جواز الرجوع الحاصل في العقود الجائزة كالهبة و القرض و غيرهما كجواز الرجوع للزوج في العدة. ضرورة أن جواز الرجوع في العقود الجائزة من قبيل الحكم فلا يسقط بالإسقاط، بخلاف جواز الرجوع في الخيارات فيسقط بإمضاء العقد و إلزامه، فيصير من قبيل الحق.

ثم ان الفرق بين الحكم و الحق بأحد من أمور ثلاثة: أحدها- كل ما ينتقل الى المورث فهو حق و الا فحكم، و ثانيها- ما كان قابلًا للإسقاط و الإبراء فهو حق و الا فحكم، و ثالثها- ما كان قابلًا للمعاوضة و المصالحة- بأن ينتقل الى الغير بصلح و غيره- فهو حق و الا فحكم.

و لا شك ان هذه الوجوه ليست ما بها يمتاز الحق عن الحكم بحسب الذات بل انما هي آثار لها، فيشكل الفرق بحسب الذات. و عند الشك في ان الشيء الفلاني حق أو حكم- كما إذا شككنا في جواز الرجوع في عدة المرأة للزوج حق حتى يقبل الانتقال و الإسقاط أو حكم- يصعب الأمر، حيث لا أصل في البين، حيث لا طريق لتشخيصه الا التنصيص من الشارع، فإنهما متحدان صورة و مختلفان حقيقة، كفرض الصلاة و نفلها و فرض الصوم و نفله، حيث ان إتيان نفل الصوم لمن عليه صوم واجب ليس بجائز دون فرض الصلاة. فهذا يكشف عن اختلاف حقيقتهما.

فان قام الإجماع في مورد على آثار الحق و لوازمه من قبول الاسقاط و الانتقال فنحكم بالحق أو على عدمه فنحكم بأنه من قبيل الحكم، أو ورد النص على تعيين أحدهما فيؤخذ به و عند فقدانهما فهل الأصل يقتضي الحق أو يقتضي أنه من قبيل الحكم.

8

و المحكي عن المحقق القمي (قده) أن جواز الرجوع في الهبة و العدة قابل للصلح و الاسقاط. فعلى تقدير عدم ورود نص و دليل عليه لا بد أن يقال: ان الأصل عنده (قده) هو الحق فيكون هو المرجع عند الشك. و لكن ذهب شيخنا العلامة (قده) إلى انه لا أصل في البين، فهو حسن بحسب تشخيص ذاتهما و حقيقتهما لعدم الأصل فيهما.

نعم، نحن نقول: و ان لم يكن في مقام تشخيص حقيقتهما أصلا جاريا الا أنه يكفينا إجراء الأصل في آثارهما و لوازمهما، فإنه بعد ما ثبت جواز الرجوع للزوج في العدة مثلا فنشك في سقوطه بعد قوله «أسقطت» أو «صالحت» فمقتضى الأصل و الاستصحاب بقاؤه و عدم سقوطه و عدم قبوله للصلح، فنحكم حينئذ بأن جواز الرجوع هنا من قبيل الحكم ليس بحق حتى يقبل للصلح و الاسقاط، و هكذا في غيره في سائر المقامات المشكوكة، فعند الشك بينهما الأصل يقتضي أن يكون حكما لا حقا. هذا تمام الكلام في موضوع الخيار.

أحكام الخيار

و أما أحكامه و أقسامه، فقبل الخوض فيه لا بد من تمهيد مقدمة و هي: ان

الأصل هل يقتضي اللزوم أو الجواز

حتى يكون هو المعول عند الشك و فقدان الدليل على تعيين أحدهما؟ فنقول هنا مقصدان: أحدهما- في تعيين الأصل في خصوص البيع، و ثانيهما- في مطلق العقود و الإيقاعات من أسباب المعاملة.

أما الأول فنقول: ذكر العلامة (قده) في غير واحد من كتبه ك «القواعد» و «التذكرة» أن الأصل في البيع اللزوم، و تبعه غير واحد من الفقهاء «(رضوان اللّه عليهم)»، و لم نجد من سبقه في ذلك الأصل، فيقع الكلام في معنى ذلك الأصل و المراد منه ثم في مدركه.

9

و المستفاد من كلماتهم أنه قابل لأحد من المعاني الأربعة: الأول الراجح- يعني أن الأرجح في البيع- اللزوم كما احتمله في «جامع المقاصد»، و الثاني- الاستصحاب، و الثالث- القاعدة المستفادة من العمومات، الرابع- المعنى اللغوي بمعنى الوضع و البناء.

(أما الأول) فقد ذكر في «جامع المقاصد» أن المدرك فيه هو الكثرة و الغلبة حيث قال ما هذه عبارته: و ان الأرجح فيه ذلك نظرا الى ان أكثر أفراده على اللزوم- انتهى.

و ان كان ظاهر كلامه أراد الكثرة بحسب الإفراد، الا أنه قد أورد عليه شيخنا العلامة (قده) في كتابه بأنه: ان أراد غلبة الإفراد فغالبها ينعقد جائزا لأجل خيار المجلس و الحيوان أو الشرط، فلا يتفق بيع في الخارج الا معه خيار المجلس إلا أقل قليل كالبيع على من ينعتق عليه و غيره كما سيأتي، و هذا هو الوجه في تعبيره (قده) بالغالب. و ان أراد غلبة الأزمان فهي لا تنفع في الإفراد المشكوكة، إذ الشك في الفرد المشكوك ليس من جهة الزمان حتى يلحق بالكثرة الزمانية، بل هو من جهة الفرد الخارجي الذي هو غير سائر الأفراد الجائزة في كثرة الأزمان لو سلم الكثرة فيها، فغلبة الأزمان في أفراد لا توجب إلحاق حكم فرد آخر بها لاختلاف الصنفية، فان فرد بيع الصرف صنف و السلم صنف و المعاطاة و النسيئة و غيرها، فلا يلحق حكم واحد إلى الأخر بمجرد الغلبة الحاصلة فيه.

نعم إذا شككنا في خصوص زمان في تلك الأفراد التي غالبها زمانا اللزوم يصير الأرجح بحكم الغلبة اللزوم، مع أنه لا يناسب ما في القواعد من الاستثناء من ذلك الأصل من قوله: و انما يخرج من الأصل لأمرين ثبوت الخيار أو ظهور العيب، إذ المخرج انما هو أفراد البيع، أعني البيع الذي ثبت فيه الخيار أو ظهر فيه العيب، فلا وجه لإخراجه من غلبة الأزمان.

10

ثم ان المحكي من الشيخ الأورع الشيخ علي ابن صاحب «كشف الغطاء» وجهه آخر في مدرك الرجحان، و هو: ان المتبادر من عقد البيع و صيغته هو الدوام، بمعنى أن الظاهر و المتبادر من قولك «بعتك» إدخال المبيع في ملكك على الدوام، بأن يكون المبيع ملك المشتري دائما و لو أراد إرجاعه فلا يرجع بمقتضى العقد، فيصير حينئذ مقتضى العقد بحكم الظهور و التبادر إنشاء الملكية الدائمة للمشتري. و معلوم أن دوام الملكية للمشتري لا يمكن للبائع إبطاله و إرجاعه إلى ملكه، لمنافاته لما هو المتبادر من مقتضى العقد. ثم قال (قده)- على ما حكي عنه-: و فيه تأمل.

أقول: يمكن المناقشة فيه:

أولا- بمنع الصغرى، أي التبادر و الظهور، فان الظاهر من العقد إنشاء التمليك من غير أن يكون مقيدا بالدوام، بل انما هو مطلق و مهمل من هذه الجهة.

فيكون التأمل حينئذ إشارة إلى التأمل في أخذ الدوام في صيغة البيع و عدم الجزم في دعواه.

و ثانيا- سلمنا ظهور الصيغة و تبادرها في الدوام الا أنه لا ينفع في نفي الخيار، لعدم المنافاة في كون الملك دائما للمشتري مع كونه قابلًا للفسخ و الإزالة.

ألا ترى في العقود الجائزة أنه تدل صيغة «وهبت» مثلا بأن الموهوب ملك للمتهب على الدوام غير مغيا بشيء الا أنه مع ذلك يقبل للفسخ.

و بعبارة أخرى: ان الملكية الدائمة على قسمين: قسم تنجزي غير قابل للفسخ و قسم تزلزلي للفسخ. فغاية الأمر بعد التسليم بالتبادر المذكور تكون الملكية دائمية، و هذا يجتمع مع التزلزل، لأن الملكية التزلزلية أيضا دائمية غير مغياة بغاية، غاية الأمر أن دوامها على سبيل التزلزل قابلة لسلطنة الفسخ كما هو المدعى في البيع الخياري.

11

الا أن يوجه بأنه: بعد ثبوت الدوام في مدلول العقد يتم اللزوم بضميمة «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» على سبيل الإمضاء، بتقريب أن يقال: ان الملكية الدائمية التي هي مدلول العقد يجب الوفاء بها على كل حال، أي قبل قوله «فسخت» و بعده، فيصير الحاصل من الإمضاء بالعمومات مع الالتزام بالعموم الاحوالي في تلك العمومات هو الالتزام بالملكية حتى بعد الفسخ، فيكون الفرق حينئذ بين هذا الاستدلال و بين الاستدلال الاتي بالعمومات مستقلا ان هذا الاستدلال مبني على كون العمومات من باب الإمضاء لمقتضى العقد و الاستدلال الاتي من باب الاستقلال و الابتداء من غير توقفه على جعلها من باب الإمضاء.

فعلى هذا يندفع ما قيل من أنه بعد الاحتياج الى التمسك بالعمومات يصير الاستدلال بأخذ الدوام في مدلول الصيغة لغوا، لاستغناء الاستدلال بالعمومات عن هذه. فتأمل. فعلى هذا أيضا ينحصر وجه التأمل في منع الصغرى.

ثم ان بعض التلامذة استدل بأخذ قيد الدوام بوجه آخر، و هو أنه لو لم يكن في الصيغة دلالة على الدوام يستفاد الدوام من ظهور حال المتعاقدين بأن غرضهما إرادة الملكية الدائمية و عدم ارادة الفسخ و وقوعه و يعد أيضا من مدلول العقد لا من جهة التبادر بل من جهة ظهور حال المتكلم كالقرائن العامة.

في الاستصحاب الذي هو مدرك اللزوم

و أما الاستصحاب: قال شيخ الفقهاء في «الجواهر»: أنه ركيك بعيد، و قال شيخنا العلامة (قده): انه حسن. أقول: كلاهما حسن من وجه:

أما وجه الاستبعاد: أنه لا يناسب بحسب الصناعة النحوية كنظائره من الاحتمالات، فان كون اللزوم خبرا و محمولا على الأصل بالاحتمالات الثلاثة له وجه، بأن يقال الأرجح في البيع اللزوم، و القاعدة المستفادة اللزوم أو الوضع

12

و البناء في البيع اللزوم بخلاف الاستصحاب. ضرورة أنه ليس بلزوم، فلا يقع اللزوم خبرا للأصل. نعم هو دليل اللزوم كما تفطنه (قده) و صرح به.

و أما وجه الاستحسان: أنه بحسب المطلب تام و غير وارد عليه ما يرد على سائر الاحتمالات، فان استصحاب الملكية أمر مسلم عندهم حتى يعلم بالمزيل، فحيث يصح الشك في مزيلية الفسخ و وجود الرافع للملكية السابقة يصير المحكم و المرجع الاستصحاب على إبقاء ما كان من الملكية.

و أما ركاكته بحسب التركيب النحوي. فمندفع بأنه قابل للتأويل بعد معلومية المرام، بأن يقال: مقتضى الاستصحاب اللزوم، أو أنه يقتضي و يوجب اللزوم.

ثم انه قد يورد على الاستصحاب أنه عبارة عن إبقاء الملكية، و هذا غير مناف لثبوت الخيار و قبول الفسخ و انما هو مناف لفعلية الفسخ. و هو ليس من الخيار إذ الكلام في أنه مع ثبوت الملكية لطرف هل للطرف الأخر سلطنة الفسخ أم لا.

ثم أجاب: بأنه بعد ما فسخ و لم يؤثر علمنا انتفاء الخيار و انتفاء سلطنة الفسخ قبله، إذ لو كان الخيار لأثر بفعلية الفسخ، فمتى عدم التأثير استكشف عدم السبب الذي هو الخيار.

و فيه من الاشتباه و الخلط ما لا يخفى.

أما في إيراده فإنه اشتبه عليه اجراء الاستصحاب، إذ هو لم يجر قبل الفسخ و لا أثر له بل وقت الاستصحاب انما هو بعد الفسخ كما ذكره شيخنا العلامة (قده)، بل أن الشك في حصول المزيل انما يقع بعد قوله «فسخت» لا قبله لعدم الشك في بقائه- أو على تقرير ما في العناوين تقديرا- بمعنى لو فسخ يقع الشك في بقاء الملكية و زوالها فنستصحب. فعلى هذا يجري الاستصحاب قبل الفسخ لكن على تقديره و فرض وقوعه، و من المعلوم أنه مناف للخيار على هذا الفرض.

و أما في جوابه فلاشتماله على المصادرة، لأن الكلام في تأثير الفسخ

13

و عدمه، ففرض عدم تأثيره حتى يستكشف منه عدم ثبوت الخيار مصادرة واضحة.

و أما القاعدة المستفادة من العمومات

فنقول: ان العمومات المستدل بها على اللزوم من الكتاب و السنة كثيرة فنقتصر بجليها و أوضحها دلالة:

«فمنها»- قوله تعالى «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ»،

فإنه يستدل بالاية الشريفة على الصحة تارة و على اللزوم أخرى، و المقصود هنا الأخير.

و الإيراد عليها بأن العقد عبارة عن عهد الولاية و الميثاق و غير ذلك من الإشكالات. مدفوع بما قد أسلفناه في المعاطاة.

و كيفية دلالتها على اللزوم كما ذكرها شيخنا العلامة (قده) في كتابه، و ملخصها:

انها تدل على مساوق للزوم و مساويه، إذ معنى الوفاء بالعقد ترتب آثار مقتضياته، و من مقتضياته ملكية المبيع للمشتري مثلا، فيجب ترتب آثار الملكية للمشتري في جميع الأحوال قبل الفسخ و بعده بمقتضى العموم الاحوالي، و من جملة آثار الملكية للمشتري حرمة تصرف البائع مطلقا.

و أورد على ذلك بوجوه عمدتها ثلاثة:

(الأول) ما ذكره العلامة (قده) و تبعه جل من تأخر عنه، و هو أن معنى الآية الشريفة وجوب الوفاء على مقتضى العقد من الجواز و اللزوم ان جائزا فجائز و ان لازما فلازم، بمعنى أن العقود لما كانت قسمين قسم جائز و قسم لازم، فيجب الوفاء على مقتضى الجواز في العقود الجائزة، بأن ترتب آثار الملكية للغير قبل الفسخ و لنفسه بعده، و يجب العمل على مقتضى اللزوم في العقود اللازمة، بمعنى وجوب ترتيب آثار الملكية للغير مطلقا سواء فسخ أم لا، لعدم تأثير الفسخ في العقد اللازم.

و أورد عليه شيخنا العلامة (قده) أن اللزوم و الجواز من الأحكام الشرعية للعقد و ليسا من مقتضيات العقد في نفسه مع قطع النظر عن حكم الشارع، بل انما هو

14

مستفاد من نفس الأمر بالوفاء على العقد، فلو أخذ في نفس العقد الذي هو موضوع الحكم يلزم الدور.

و بعبارة أخرى: ان اللزوم و الجواز ليسا مأخوذين في موضوع الحكم- أعني العقد- فاذا تعلق الحكم- أعني وجوب الوفاء- يصير المعنى وجوب الوفاء على مقتضى العقد و مدلوله، و مقتضى العقد و مدلوله ليس إلا الملكية و حصول النقل لمال كل منهما للآخر، فوجوب الوفاء على الملكية المدلولة للعقد عبارة عن ترتب آثار الملكية، و منها حرمة التصرف من دون رضا الأخر مطلقا، سواء كان قبل الفسخ أم بعده.

و ملخص مرامه: ان العقد طبيعة واحدة و مقتضاه- أعني الكمية- طبيعة واحدة ليس فيهما تعدد و لم يؤخذ في مهيتهما التعدد من الجواز و اللزوم حتى يتعلق الحكم بهما، بل مقتضى العموم الاحوالي في الأمر- أعني «أَوْفُوا»- و موضوعه- أعني العقود- وجوب العمل على مقتضاه على نسق واحد، و هو ترتيب آثار الملكية الذي هو مساوق للزوم، الا ما خرج بالدليل من عدم لزوم الوفاء كما في العقود الجائزة.

و أورد عليه شيخنا الأستاد «دام ظله»: بان تعدد أحكام الملكية من الجواز و اللزوم و غيرهما دليل قطعي على تعدد نفس الملكية، ضرورة أن اختلاف الآثار يدل على اختلاف المؤثر، و تعدد اللوازم كالحرارة و البرودة مثلا يدل على تعدد الملزوم من الماء و النار مثلا، فحيث التزم (قده) على أن الجواز و اللزوم من أحكام الملكية لا بد من الالتزام بتعدد الملكية التي هي مقتضى العقد، لعدم تعقل ان تكون الملكية شيئا واحدا و لها آثار متباينة و متخالفة، بل لا بد من الالتزام بتعددها أيضا. غاية الأمر أن تكون في الصورة واحدة و لكن التعدد ثابت بحسب المعنى قطعا كنفل الصلاة و فرضها و نفل الصوم و وجوبه، فان عدم جواز نفل الصوم

15

لمن عليه فريضة و جواز نفلها دليل قطعي على اختلافهما بحسب الطبيعة و ان كانتا واحدة بحسب الصورة. و كذلك الملكية الجائزة و الملكية اللازمة و ان كانتا بحسب الصورة واحدة و لكنها مختلفة بحسب الطبيعة قطعا.

و حيث تعددت العقود بحسب مقتضياتها و اختلفت مهياتها فينطبق على ما سلكه العلامة (قده)، فيصير المعنى وجوب العمل على مقتضى العقد من التمليك الذي أثره حصول الملكية، و حيث أنها ليست على نهج واحد و هيئة واحدة بل بعضها لازم و بعض منها جائز. فليلاحظ فان كانت من القسم الجائز فتعمل عمل الملكية الجائزة و ان كانت من الملكية اللازمة فتعمل عمل الملكية اللازمة.

و هذا هو معنى وجوب الوفاء على العقد عنده، فيجب الوفاء على آثارها، ففي اللازم الالتزام بالملكية و عدم جواز الفسخ من دون اذن صاحبه، و في الجائز الالتزام بالملكية لصاحبه قبل الفسخ و اعمال الملكية له لا لنفسه و لنفسه بعد الفسخ و وجوب رد عوضه.

و بهذا التقرير يندفع ما أورد عليه ثانيا أنه على ما سلكه العلامة يلزم التجوز في أمر «أَوْفُوا»، حيث لا معنى لوجوب الوفاء في العقود الجائزة فلا بد من حمله على الترخيص بالنسبة إليه، فيلزم استعمال الأمر في القدر المشترك الشامل للوجوب و الترخيص.

و حاصل الدفع: انه لا مانع من إبقاء الأمر على معناه الحقيقي من الوجوب، إذ وفاء كل شيء بحسبه، ففي الجائز جائز، أي بحسب الوفاء به جائز، بمعنى وجوب ترتيب آثار الجواز عليه، و منها الالتزام بمالية صاحبه من دون الفسخ و حرمة تصرفه و أكله من دون اذنه مع عدم قصد استرجاعه و الالتزام بمالية نفسه بعد فسخه.

و كيف كان ملخص ما أفاده شيخنا العلامة (قده) في الرد أن الملكية ليس

16

لها قسمان بل انما هي طبيعة، فمقتضى وجوب الوفاء على آثار العقد ترتيب آثار الملكية التي منها حرمة التصرف من دون اذن صاحبه، و مع ضميمة العموم الاحوالي يتم المطلوب و يساوق اللزوم.

و قد أورد عليه أيضا (ثالثا) بعض بأن الجواز و اللزوم ليسا من مقتضيات العقد.

فيه: انه اشتباه في مرامه، إذ لو كان المراد من مقتضى العقد مدلوله و الموضوع له للعقد فالإيراد حسن، إذ مدلول العقد عبارة عن التمليك و إنشاء الملكية، فمدلول «بعت» عبارة عن ملكت. و لكن ذلك بعيد عما أراده العلامة (قده)، بل المراد أن الجواز و اللزوم من نتائج العقد و آثاره، حيث ان الحاصل من إنشاء الملكية الذي هو مدلول العقد هو الملكية، و تلك الملكية التي هي من آثار العقد و نتيجته على قسمين، إذ الوفاء به لا يتحقق الا بالعمل على نتائجه، و حيث كان المفروض أنه على قسمين فلا بد من اندراج كليهما تحت دلالة الآية الشريفة، فاذا تخرج عن الدلالة على خصوص أحدهما و إثباته بها.

و الاولى في الجواب أن يقال: ان معنى وجوب الوفاء بالعقد العمل بما يقتضيه من اللزوم، و الجواز لا يخلو من احتمالات ثلاثة:

أحدها- أن يكون متعلق الأمر هو الاعتقاد، يعني يصير حاصل الآية الشريفة يجب الاعتقاد على الجواز في العقود الجائزة و اللزوم في العقود اللازمة.

و ثانيها- كون الأمر للإرشاد، بمعنى أن العقود لما كانت على قسمين في الشرع جائز و لازم بحيث تبين لزومه و جوازه بالأدلة الشرعية الخارجية، فإذا كانت تلك العقود موضوعة لأمر «أَوْفُوا» فيصير المعنى حينئذ وجوب الوفاء على مقتضى تلك العقود من اللزوم و الجواز، ففي العقود اللازمة يجب الوفاء على آثار اللزوم و في الجائزة على آثار الجواز. فتعلق الأمر بالوفاء على ترتيب ذلك

17

الحكمين الثابتين في الشرع بالأدلة المبينة لشرعيتها، فتكون الآية حينئذ مسوقة لصرف التأكيد حيث لا يحصل منها حكم زائد على ذلك الحكمين كأمر «أَطِيعُوا اللّٰهَ»* في الواجبات و المستحبات حيث لا يريد منه حكما آخر، فتجب الإطاعة في الواجبات على نحو الوجوب و في المستحبات على نحو الاستحباب.

و ثالثها- ان الآية الشريفة مسوقة للإمضاء على ما هو المتعارف عند العرف من العقود من الجواز و اللزوم ان جائزا عند العرف فجائز شرعا و ان لازما فلازم شرعا.

أما الاحتمال الأول: فبعيد في باب المعاملات و التجارات، بل ليس مورد في المعاملات يجب الاعتقاد فيها.

و أما الثاني: فلأنه خلاف الظاهر، فلا يحمل عليه عند الدوران بينه و بين الأمر الشرعي، فمهما أمكن المعنى الشرعي لا يصار الى المعنى الإرشادي.

و أما الثالث: فلمنع كون العقود عند أهل العرف على قسمين، إذ لا يصار الى حمله على الإمضاء الأبعد إحراز القسمين عند العرف، فما ترى من اعمال الجواز في بعضها و اللزوم في الأخرى من أهل الأديان و غيرهم انما هو مأخوذ من الشرع المطهر. و لا أقل من الاحتمال، و هو يكفي في البطلان.

و لو، أغمضنا عن جميع ذلك نقول: هذا المعنى الأخير و ان لم يفد على لزوم مطلق العقود و لكنه يثبت على اللزوم في خصوص البيع قطعا. ضرورة كون البيع عند العرف من العقود اللازمة، فهذا يكفي في المقام من إثبات أصالة اللزوم في البيع، فالمختار حينئذ هو الالتزام بالوجوب الشرعي، فيصير وجوب الوفاء الإلزامي الشرعي متعلقا بالعقود.

فان قلت: كيف الحال مع أنك التزمت في تعدد الملكية على حسب تعدد الجواز و اللزوم في الجواب عن الشيخ، فتتعدد العقود حينئذ بالجواز و اللزوم.

18

قلت: ان الأمر انما تعلق على وجوب الوفاء بجميع العقود، و حيث لا يتعلق ذلك بالعقود الجائزة الا على سبيل الإرشاد- أعني ان جائزا فجائز و ان لازما فلازم- فلا بد من حمل الأمر على معناه الحقيقي، أعني الوجوب الشرعي و الالتزام بالتخصيص في العقود الجائزة: فيجب الوفاء بكل عقد الا ما خرج بالدليل جوازه لما حقق في الأصول إذا دار الأمر بين التخصيص و المجاز فالتخصيص أولى: فلا يصار إلى إرشادية الأمر لكونه مجازا الا بدليل قوي، كأوامر الاحتياط حيث قامت القرينة الداخلية و الخارجية على ارشاديتها، و هي مفقودة في المقام.

(و ثانيها) (1) ان الحكم مترتب على موضوعه، فاذا انتفى أو تبدل انتفى الحكم فكذلك في المقام، فان وجوب الوفاء انما هو مترتب على العقد الذي هو بمعنى المعاهدة، فوجوب ترتب آثاره من الملكية انما هو ثابت ما دامت الملكية باقية، و أما إذا شك في الملكية و بقاء العقد و آثاره فلا يترتب عليه الحكم. و من المعلوم وقوع الشك بعد حصول الفسخ من أحد الطرفين، فاحتمال تأثير الفسخ لكون العقد جائزا يوجب حصول الشك في الموضوع، فلا يجوز حينئذ ترتيب آثار الملكية و المعاهدة، فتسقط الآية الشريفة حينئذ عن الاستدلال باللزوم.

فيه: ان ذلك مدفوع بمادة الوفاء، إذ وجوب الوفاء عبارة عن عدم نقضه، فالآية الشريفة تدل على حرمة النقض و حرمة الفسخ، فهي دالة على عدم جواز الفسخ. و من المعلوم أن الحكم التكليفي هنا مستتبع للحكم الوضعي بالاتفاق على أمثال المقام، فما يحرم النقض و الفسخ لا يترتب عليه أثر من رجوع الملكية، إذ الحكم التكليفي المجرد عن الحكم الوضعي في غاية البعد، كما هو واضح (2).

____________

(1) أي ثاني الإيرادات الثلاث الواردة على كلام الشيخ في استدلاله بآية «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ».

(2) في أمثال المقام من أن الحلية و الحرمة في المعاملات ليستا ذاتية كالماء و الخمر على ما حققنا و أسلفنا في كلماتنا السابقة و اللاحقة من أن الحرمة المتعلقة بالمعاملة من البيع و النكاح مثلا حرمة ترتيب الآثار و الا نفس إيجاد السبب لا حرمة فيه أيدا فتدبر «منه».

19

(و ثالثها) عن السبزواري صاحب «الكفاية» ان القاعدة المستفادة من الآية الشريفة مطروحة بالقاعدة الثانوية في البيع من الجواز و ثبوت الخيار بمقتضى قوله «البيعان بالخيار ما لم يفترقا» و غيره. فالعمل حينئذ على القاعدة الثانوية.

فيه: ان الخيار في البيع انما ثبت فيما تحقق فيه المجلس، و أما البيوع التي ليس فيها خيار المجلس فلا، فخروج فرد أو إفراد من تحت القاعدة لا يوجب انقلابها بل العمل على أصالة اللزوم الا ما ثبت بالدليل خلافه، ففي مورد خيار المجلس كانت مخصصة و بقي الباقي تحت أصالة اللزوم.

«و منها»- قوله تعالى «أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ» فإنه يدل على حلية جميع التصرفات المترتبة عليه حتى بعد فسخ أحدهما من غير رضي الأخر، فيصير مستلزما لعدم تأثير الفسخ، إذ لو كان الفسخ مؤثرا لما كان يجوز له التصرف، و هو مناف للإطلاق.

و كذلك إطلاق حلية أكل المال بالتجارة عن تراض، فإن التجارة سبب لحلية التصرف مطلقا حتى بعد الفسخ. فتصير الايتان مساوقة للزوم.

و قد أورد عليهما الشبهة السابقة من تغير موضوع الحكم: بأن المفروض حصول الشك في تأثير الفسخ في رفع الآثار الثابتة، فلو فسخ يحصل الشك في بقاء الملكية للطرف الأخر، و مع ذلك كيف يحل له حلية التصرف فيه، إذ من المعلوم أنه مترتب على الملكية، فلا ينفع إطلاق «أَحَلَّ اللّٰهُ» في إثبات الملكية.

و كذلك آية التجارة، إذ بعد الفسخ يقع الشك في بقاء التجارة عن تراض إذ التجارة عن التراضي سبب لحلية مال الغير، و المفروض احتمال رجوعه للفاسخ فلا تثبت المالية للغير الا بالاستصحاب، فيخرج عن التمسك بالعمومات.

فالتحقيق أن يقال: ان كان المناط في الحكم- أعني الحلية- هو الملكية

20

بمعنى أن سبب الحلية و مناطها في «أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ» و في الآية الثانية حصول الملكية و جواز التصرف و الحلية من أحكامه و آثاره، فلا محيص عن الإشكال إلا بالاستصحاب، ضرورة قوام الحكم بمناطه و بقاء موضوعه.

و أما ان كان المناط نفس البيع و التجارة- بمعنى أن الشارع رتب على نفس المبادلة و التجارة أحكاما: «منها» حلية المال المتجر به مع التراضي و مال المبدل به مطلقا سواء فسخ أم لا بمقتضى الإطلاق و العموم الاحوالي- فلا وجه لتوجه الإشكال حينئذ، ضرورة أن الحلية ليست مترتبة على الملكية و المالية حتى يقال:

يقع الشك فيه بالشك في تأثير الفسخ، بل انما هي مترتبة على هذا الفعل، أعني البيع و التجارة، و هما ليسا إلا عبارة عن فعل المبادلة و لا يعتبر فيه الاستمرار، لأنه مما ينقضي بانقضاء الزمان.

«و منها»- قوله تعالى «لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ»*

و أكل مال الغير بمجرد الفسخ الذي لم يثبت تأثيره أكل بالباطل. و «الناس مسلطون على أموالهم» و أخذ مال صاحبه من دون رضاه مناف للسلطنة.

و يتوجه عليهما الاشكال السابق أيضا، بأن الشك بعد الفسخ انما هو في كونه مال الغير، فلا يتحقق موضوع «لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ»* حتى يصير حراما، لعدم معلومية صدق أموالكم المراد منه أموال الغير. و كذلك في أن التنافي للسلطنة انما هو بعد إحراز كونه مال الغير حتى ينافي للسلطنة، و المفروض حصول الشك في كونه مال الغير بعد الفسخ.

و يدفعه: ان أخذ مال الغير بالفسخ و الرجوع خلاف سلطنته الثابتة له، فالفسخ من دون رضائه منفي بحكم «الناس مسلطون على أموالهم»، إذ مقتضى جعل الشارع السلطنة له في ماله الثابت قبل الفسخ عدم جواز استرجاعه من دون رضائه. و كذلك في الآية الشريفة، فإن مقتضى قوله «لٰا تَأْكُلُوا»* حرمة تصرفات

21

المال، إذ المراد منه ليس خصوص الأكل الذي هو كناية عن مطلق التصرفات و حرمتها بالباطل، و من المعلوم ان استرجاع مال الغير بالفسخ من دون رضائه تصرف في ماله، و هو منتف بحكم الآية الشريفة. و الحاصل ان الاشكال المذكور سار في جميع أمثال تلك الأدلة. فمدفوع بما ذكرناه فلا تغفل.

«و منها»- «المؤمنون عند شروطهم».

فهو يدل على اللزوم بناءا على شمول الشرط على الإلزام و الالتزام الابتدائي كما حكي عن المحقق الأردبيلي، و استشهد لذلك موارد استعمالاته، كقوله في دعاء الصحيفة الشريفة «و لك يا رب شرطي أن لا أعود» و في دعاء الندبة «بعد أن شرطت عليهم الزهد في درجات هذه الدنيا الدنية».

و لكنه مدفوع بعدم مساعدة العرف بذلك، بل كلام أهل اللغة يساعد خلافه كما في «القاموس»: الشرط إلزام الشيء و التزامه في البيع و نحوه. فلا يشمل على الابتدائي، و الأمثلة المذكورة أيضا لا تنافي ذلك، إذ الأول في ضمن التوبة و الثاني في ضمن عهد الولاية لهم و السلطنة التامة العامة لهم- (صلوات اللّه و بركاته عليهم)- على رقاب غيرهم.

«و منها» قوله «البيعان بالخيار ما لم يفترقا و إذا افترقا وجب البيع»

حيث يدل على اللزوم بعد الافتراق.

و أورد عليه: أنه لا يدل على اللزوم في غير صورة الافتراق، فلا يشمل على جميع صور البيوع، فان البيع الذي ليس له محل و اجتماع و افتراق خارج عن مدلوله. و أما في صورة الافتراق فيما كان له مجلس و اجتماع و ان كان يدل على اللزوم و لكنه مقصور من هذه الجهة الثابتة فيه الخيار، فهو انما ينفي الخيار الحاصل في المجلس و بعد الافتراق ليس له ذلك الخيار، فوجوبه من هذه الجهة لا ينافي

22

جوازه من سائر الجهات. و سيأتي توضيح الحال فيه فانتظر.

بقي الكلام في مدرك من تمسك بأصالة الجواز

و بيان أن الوجه في ذلك استصحاب علاقة المالك الأول عند الشك في انقطاعه بالمرة بحيث لم يكن له سلطنة الرجوع أصلا، فهذا مقدم على استصحاب الملكية. استدل بها شيخنا العلامة (قده) في مبحث بيع المعاطاة.

و فيه: ان علقة الملكية ليس لها معنى آخر خارجا عن الملكية، بل هي عبارة عن السلطنة التامة على الشيء الذي هو عبارة أخرى عن الملكية، و من المعلوم أن الملكية قد زالت عنه بالفرض و ليست للملكية مراتب حتى نلتزم بالتفكيك بزوال بعض مراتبها و بقاء بعض آخر.

و ان أريد منها سلطنة الرجوع و إرجاعه إلى ملكه.

فيه: أنه ليس لهذا الاستصحاب متيقن سابق، فعلى التقدير الأول ليس شك لاحق لزوالها قطعا، و على التقدير الثاني ليس يقين سابق، إذ هذا المعنى عبارة أخرى عن الخيار و معلوم أنه تابع لدليله، و يستحيل أن يجتمع مع المتيقن السابق الذي هو عبارة عن الملكية.

و ربما يقال: ان الوجه فيه استصحاب الخيار الثابت في مجلس البيع بالنص و الإجماع فيما انقضى المجلس.

فيه: أولا- ان ذلك ليس بمطرد في جميع البيوع، فلم يثبت الأصل في البيع بل انما هو منحصر في البيع الذي حصل في المجلس دون غيره.

و ثانيا- ان ذلك لا يتم على مذهب من تمسك بالعموم عند خروج فرد في خصوص زمان، فما بعد ذلك الزمان هل يجب الرجوع الى العمومات أو الى الاستصحاب؟ فان ذلك محل النزاع و معركة الآراء كما يأتي تفصيله.

23

و ثالثا- انه لا مجرى لاستصحاب خيار المجلس فيما بعده، لعدم الشك اللاحق لانقطاع الخيار بتواتر الاخبار في أنه إذا افترقا وجب، فبعد دلالة الدليل على كون خيار المجلس مغيى بغاية الافتراق و عند انقضاء المجلس و تفرق الاجتماع لزم البيع، كيف يمكن جريان استصحاب الخيار، بل الواجب حينئذ استصحاب الملكية، فيبقى ذلك سليما عن الحاكم و المعارض- أعني استصحاب الخيار- فإنه لو كان جاريا كان مقدما و حاكما على ذلك الاستصحاب، الا أنه منقطع بالدليل فيبقى التمسك باستصحاب الملك سليما عن الحاكم.

هذا ما أفاده شيخنا العلامة الأنصاري (قده) في كتابه ثم أمر بالتأمل. و يمكن أن يكون إشارة إلى أنه بعد تواتر الاخبار في انقطاع الخيار لا مجرى لاستصحاب الملكية و لا محل له، إذ لا مسرح لإجراء الأصول بعد ثبوت الأدلة الاجتهادية كما قرر في الأصول، فعند الدليل الاجتهادي لا يجري الأصل، سواء كان موافقا له أو مخالفا.

و يمكن أن يكون إشارة إلى نفس المفرع، بمعنى أن كون استصحاب الملكية سليما عن الحاكم موقوف على عدم حجية استصحاب الكلي- أعني استصحاب الخيار- و أما لو قلنا بحجيته- كما اختاره في كتابه في الأصول- لكان الأصل حينئذ الخيار فيقدم على استصحاب الملكية. و لا ينافي استصحاب الخيار الكلي لتواتر الاخبار لانقطاع خيار المجلس، بتقرير أن يقال: انه لما ثبت في المجلس خيار بالدليل يقينا و هو حاصل في ضمن خيار المجلس، و لكن نحتمل مع كون ذلك الخيار فردا آخر أيضا من أفراد الخيار بحيث يتقوم به كلي الخيار أيضا، فإذا دل الدليل على انقطاع ذلك الفرد اليقيني و زواله و احتملنا مع ذلك بقاء الكلي ضمن فرد آخر الذي كان مشكوكا في زمان ذلك الفرد لا ضير في جريان

24

الاستصحاب بالنسبة الى ذلك الكلي لليقين السابق به و الشك اللاحق.

و هذا قسم من الأقسام الثلاثة من أقسام استصحاب الكلي الذي ذكره (قده) في الرسالة حيث فصل في القسم الثالث بين تبدل الفرد بفرد آخر أو حدوثه بعد زوال الأخر و بين احتمال كون الفرد مقارنا للفرد المعلوم، فيجوز استصحاب الكلي في الأخير دون الأولين. فعلى مختاره من جريان الاستصحاب الكلي في هذا القسم يتم استصحاب الخيار الحاكم على استصحاب الملكية فتثبت أصالة الجواز، إذ الفرد المعلوم- أعني خيار المجلس- احتمل كونه مقارنا للفرد الأخر، فإذا زال الفرد المعلوم و احتملنا قوام الكلي بالفرد الأخر المحتمل هو المستصحب الكلي حينئذ فأصالة عدم ذلك الفرد المحتمل لا ينفع في نفي الكلي لعدم كونه من أثره.

هذا، و لكن أورد عليه شيخنا الأستاد «دام ظله» بما حاصله منع جريان استصحاب الكلي في مثل الفرض بالنقض و الحل:

أما النقض: فاللازم عليه استصحاب الاشتغال عند الشك بين الأقل و الأكثر في الديون و الفرائض و استصحاب النجاسة بعد غسل موضع يصيب منه في الثوب مع احتمال قطرة أخرى غير معلومة معه في طرفه الأخر؟؟؟ مع أن ذلك لا يلتزم به أحد.

و أما الحل: فلان الشك فيه شك في الكمية لا الكيفية، كما في استصحاب الكلي عند الشك بين الفيل و البق مثلا، فان المتيقن وجود واحد الا أن الشك حاصل في الكيفية هل هي على نحو يطول عمره سنة أو سنتين أو ساعة مثلا. بخلاف المقام، فإن الكلي الحاصل في ضمن فرد يقيني له وجود و في ضمن الفرد المحتمل وجود آخر، فالوجود اليقيني قد ارتفع يقينا و وجوده الحاصل في ضمن الفرد المحتمل

25

كان محتملا من الأول فالأصل عدمه. فليس فيه يقين سابق حتى يجري فيه الاستصحاب.

و بعبارة أخرى: ان الكلي الذي فرض في هذا القسم يقع الشك من جهة كمية وجوده هل هو موجود في ضمن فرد آخر كما أنه موجود في ضمن هذا الفرد المتيقن. و من المعلوم ان الوجودين متغايران، ضرورة تغاير وجود فرد مع وجود فرد آخر و ان كان الموجود واحدا و الطبيعة الكلية واحدة مشتركة بينهما الا انه مع فرض تغاير الوجودين يصير مآل الاستصحاب في الكلي على تقدير ليس فيه حالة سابقة كوجوده في ضمن فرد محتمل، و على تقدير ليس فيه شك لاحق لارتفاع الفرد المتيقن. و تفصيل ذلك في الأصول فراجع.

فصار المختار حينئذ بطلان استصحاب الكلي، فبطل أصالة الجواز، فالمحكم حينئذ أصالة اللزوم لاستصحاب الملكية مع العمومات من الكتاب و السنة كما سبق ذكرها.

هذا كله في البيع، و أما الكلام في مطلق العقود فقد ظهر لك حقيقة الحال فيه أيضا من أن العمومات تقتضي اللزوم فيها، و لكن الظاهر من العلامة (قده) التفصيل، حيث ذكر في المسألة السابقة أن الأصل عدم اللزوم و الظاهر منه عدم اشتراط أصالة عدم اللزوم في غيرها مما يكون من قبيل المعاوضات، كما أن شيخنا العلامة الأنصاري (قده) استحسنه في خصوص المسابقة و شبهها مما لا يتضمن تمليكا أو تسليطا ليكون الأصل بقاء ذلك الأثر و عدم زواله بدون رضي الطرفين.

و لكن هذا موافق لما اختاره شيخنا الأستاد «دام ظله العالي» سابقا من التفصيل بين العقود فيما كان الحاصل منها ان كان من الآثار الثابتة و الصفات المعنوية فلازم الاستصحاب هذا المعنى الحاصل و الا بمعنى أنه لم يكن مفاد العقد الا مجرد الالتزام مثلا بحيث لم يحدث منه أثر و لا صفة كالمسابقة فالأصل فيه الجواز لعدم اجراء الاستصحاب.

26

فكل عقد يقتضي حصول الصفة لا حد من المتعاقدين كالملكية في البيع و الزوجية في النكاح و مطلق السلطنة في الوكالة فعند الشك في بقائه و زواله بدون رضي الأخر تستصحب تلك الحالة، و كل عقد ليس الحاصل منه حال من الأحوال و لا صفة من الأوصاف كالوديعة و المسابقة لم يجر فيه الأصل و ليس الأصل فيه اللزوم. الا أن ذلك التفصيل مخالف للقاعدة المستفادة من العمومات.

هذا كله بالنسبة إلى الشبهة الحكمية، و أما إذا شك في العقد الخارجي أنه من مصاديق العقد اللازم أو الجائز، فمن تمسك بالعمومات في الشبهات المصداقية فهو مستريح في الحكم باللزوم، و أما بناءا على ما هو الحق فيرجع الى الأصل العملي، أعني استصحاب الأثر الحاصل و عدم زواله بالفسخ إذا لم يكن هناك أصل موضوعي آخر يثبت أحدهما، كما إذا شك في أن الواقع هبة حتى يجوز الفسخ أو صدقة، فقد قال شيخنا العلامة (قده) مقتضى كون الأصل عدم قصده القربة كونه هبة.

و لكنه كما ترى مبني على حجية الأصل المثبت، و هو خلاف المختار. فمقتضى القاعدة ترتيب الآثار الشرعية المترتبة على ذلك الأصل و أما الحكم بكون العقد من العقود اللازمة فلا.

أقسام الخيار

أما الكلام في أقسام الخيار فربما يقال: انها لا تحصى بناءا على استفادة الخيار من قاعدة لا ضرر و غيرها كما سنشير اليه تحقيقا، الا أن المعنون منها خمسة كما فعله المحقق في «الشرائع» أو سبعة كما فعله في «النافع» و تبعه العلامة في بعض كتبه، و أربعة عشر كما في «الروضة»، و احتمل بعض شراحه ضعف ذلك.

و كيف كان نحن نقتفي أثر المعنونين و نسأل اللّه التوفيق، فنقول

27

[الأول:] خيار المجلس

الأول: خيار المجلس، المراد منه خيار عدم التفرق، و إضافته إلى المجلس اضافة الى بعض موارده من باب الفرد الغالب.

و ذكر بعضهم ان إضافته اضافة الحال الى المحل. فيه: انما يتحقق في المعاني و لا حلول للخيار في المجلس.

و ذكر آخر ان الإضافة إضافة اختصاص. فيه: كما ترى لا اختصاص في المجلس له لثبوته في غيره أيضا.

فالأولى أنها من باب اضافة الظرف الى المظروف، ك «ماء الكوز».

و كيف كان يقع الكلام في البحث في مواضع:

(الأول) في ثبوته:

لا إشكال في تحققه و ثبوته في الشرع بالنص و الإجماع، بل النصوص يمكن دعوى تواترها في المقام و عدم معارضتها لشيء من الاخبار. و ما ورد في خبر غياث عن جعفر عن أبيه عن علي (عليه السلام) قال: إذا صفق الرجل على البيع فقد وجب و ان لم يفترقا. مطروح محمول على اشتراط السقوط، و غير ذلك من المحامل.

و قد ذكر في «الجواهر» تبعا ل«لرياض» الأجود حمله على التقية من أبي حنيفة في فتواه التي أقدم بها هنا و غيرها من سائر فتاواه التي تحصى الى قرب أربعمائة حيث أفتاها على خلاف رسول اللّه (صلوات اللّه عليه و على عترته الطاهرين المعصومين) و لا غرابة في ذلك في مخالفته في الفروع بعد ما خالف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في وصيته في الأصول.

و كيف كان لا بد من تنقيح المقام في أنه هل يختص بخصوص المتبايعين المتعاقدين أو يعم كليهما. بعبارة أخرى: هل يختص بالموكلين أو بالوكيلين أو

28

يعمهما. و على الثالث هل العبرة في سقوط الخيار بتفرق الكل أو الموكلين أو الوكيلين أو يكفي تفرق أحدهما؟ وجوه و أقوال ناشئة من ورود الحديث الذي هو الأصل في ذلك، أعني قول الصادق (عليه السلام) في صحيحي ابن مسلم و زرارة عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): البيعان بالخيار حتى يفترقا. و نظيره قوله (عليه السلام) في صحيح الفضيل لما قال له: ما الشرط في غير الحيوان؟ البيعان بالخيار ما لم يفترقا فاذا افترقا فلا خيار.

فلا بد من بيان ورود الحديث و المراد من قوله «البيعان»، و هاهنا مقامان قد وقع الخلط بينهما و الاشتباه فيهما فلا بد من تفكيك الجهتين و التكلم في كل منهما، و هو:

ان ثبوت الخيار من باب حكم شرعي تعبدي ثابت باعتبار إيقاع العقد و إيجاد السبب من غير مدخلية لنص الموكل و اذنه فيه بل لا أثر لمنعه و عدم رضائه، لأنه حكم الهي ثبت للوكيل المجري لصيغة العقد من جهة استفادته من الدليل الشرعي.

و هذا أحد المقامين، و الأخر ما كان ثبوته للوكيل من جهة تفويض الموكل و الخيار لوكيله المجري للصيغة و توكيله في الخيار أيضا كتوكيله في إجراء العقد. فتختلف جهة النزاع في الصورتين و تختلف لوازمها، إذ من لوازم الأول عدم ثبوت الخيار للمالك بل ثبوته للفضولي، لأن الخيار حينئذ حكم ثابت من الشرع للعاقد، و ان العبرة في التفرق في سقوط الخيار تفرقتهما لا تفرق المالكين.

و أيضا لا معنى للتفصيل على هذا بين توكيل الموكل و تنصيصه على الخيار و عدمه و ابتناء جواز التوكيل على مسألة أخرى، و هي جواز التوكيل فيما لا يملكه الموكل حين التوكيل و عدمه، كما وقع في «المسالك» حيث قال: و أما الوكيلان فان لم ينص لهما الموكل على الخيار لم يكن لهما الفسخ، فينتفي الحكم عنهما. و ان

29

و كلهما فيه فان كان قبل العقد بنى على التوكيل فيما لا يملكه الموكل هل يصح بوجه أم لا؟ و سيأتي في بابه إن شاء اللّه تعالى. فان لم نجوزه لم يكن ذلك لهما أيضا و ان جوزناه أو كان التوكيل فيه بعد العقد في المجلس كان لهما الخيار ما لم يفترقا عملا بإطلاق الخبر. و هل ثبت مع ذلك للموكلين إذا حضرا المجلس؟ قيل نعم- الى آخره.

فإنك كما ترى هذه المقالات أجنبية عن ذلك المقام الأول الذي ينبغي التكلم فيه من جهة استفادته من الخبر، فالذي ينبغي أن نتكلم فيه أو لا دلالة الخبر على ثبوت الخيار للوكيل العاقد أم لا و تنقيحه، ثم على القول بعدم دلالته ينبغي أن يقال هل تثبت أدلة الوكالة ما ثبت للموكل من الخيار لوكيله أم لا تثبت. ضرورة أن إثبات الخيار للوكيلين بسبب التوكيل حيث كان التوكيل مستندا للخيار إثباتا و نفيا لا وجه لتمسكه بإطلاق الخبر و لا لتأجيله بالافتراق الذي هو أجل للخيار الثابت بسبب العقد.

كما أن من لوازم المقام الثاني إمكان هذا التفصيل و التشقيق بين الوكالة في أنها وكالة مطلقة- كان يقال أنت وكيل في البيع على الإطلاق و التصرفات كما هو سبيل العاملين و المضاربين و التجار- أو في خصوص العقد فقط أو في توكيله و تنصيصه في الخيار قبل العقد حتى يكون من قبيل التوكيل فيما لا يملكه أو بعد العقد.

و أيضا من لوازم ذلك المقام أن العبرة في التفرق تفرقهما أو ثبوت الخيار للمالكين و لو كان أحدهما في المشرق و الأخر في المغرب و غير ذلك، كما أنه حينئذ ليس خيار المجلس للفضوليين، كما سيتضح لك حقيقة الحال.

ثم ان الوكالة قد تكون في الفسخ و هذا لا كلام في صحته و خروجه عن مسألة المقام، و قد تكون في الخيار بعد العقد و هذا مبني على مسألة التوكيل فيما

30

يملكه، كما لو وكل الرجل في طلاق امرأته التي ما زوجها حين التوكيل، و قد تكون في البيع من جهة الوكالة في التصرف المالي كأكثر الوكلاء و العاملين في البلاد.

فلا بد حينئذ من البحث في تلك الجهات في مقامات:

[المقام] (الأول) في ثبوت ذلك الخيار للوكيل من جهة أنه عاقد،

هل يثبت ذلك من الشرع و يساعد عليه الحديث أم لا؟ فنقول بعونه تعالى:

لا اشكال بل لا خلاف في دخول العاقدين في مدلول الحديث الشريف و كونهما مرادين البيعان بعد ملاحظة ما لم يفترقا، و إذا افترقا حيث لا خلاف عندهم بل يمكن دعوى الإجماع القطعي على أن المراد من الافتراق و الاجتماع انما هو باعتبار مجلس العقد و مكانه و ظهوره في ذلك، و انما الإشكال في أنه هل يعتبر كونهما لأنفسهما أو أعم من أن يكونا عاقدين لنفسهما أو لغيرهما، فيثبت الخيار حينئذ للوكيل المجرد في إجراء الصيغة و لو لم يأذن المالك لخياره بل له ذلك و لو منعه؟

و جهان بل قولان.

و قد مال الى الثاني في «الحدائق»، تجمدا لصدق «البيعان» و إطلاقه على من أجرى العقد، سواء قلنا بأن البيع هو الصيغة و الإيجاب و القبول أو النقل، و الانتقال، فان العاقدين مجريان للصيغة و موجدان لسبب النقل و الانتقال و ناقلان أيضا أحد العوضين الى ملك الأخر، فيحكم بمقتضى الإطلاق على ثبوت الخيار للعاقدين و لو لم يكن نص من الموكل و لا اذن منه، فإن العبرة حينئذ هو العقد و اجتماعهما له و افتراقهما عنه.

و لكن الأقوى- وفاقا للمحققين- هو الأول، فيختص موضوع الحكم على العاقدين لأنفسهما، فيشمل على المالكين الأصليين إذا تعاقدا لنفسهما، و يدل على ذلك وجوه:

الأول: ما في «مع» من أن الغالب في العاقدين أن يكونا مالكين، فينصرف

31

البيعان الى العاقدين لنفسهما.

الثاني: تخصيص الغرض الملحوظ في جعل الخيار، و هو الإرفاق بالمالك، فان الخيار حق متعلق في مال المالك للإرفاق بحاله فيتبع، فان الغرض قد يخصص كما أنه قد يعمم. و معلوم أنه لا إرفاق للمالك في ثبوته للعاقدين بدون اذنه و عدم رضائه.

الثالث: وحدة السياق في بعض الاخبار بين هذا الخيار و خيار الحيوان، فكما أن خيار الحيوان ليس الا للمالك فكذلك هذا الخيار، كما هو ظاهر لمن لاحظ قول الصادق (عليه السلام) في صحيح الفضيل.

الرابع: ملاحظة الأشباه و النظائر من سائر الخيارات، حيث أنها لا تثبت الا للمالك، و التعدي منه الى موقع الصيغة و مجريها لا ينبغي للفقيه.

الخامس: ما ذكره شيخنا العلامة الأنصاري (قده) أن مفاد أدلته إثبات حق و سلطنة لكل من المتعاقدين على ما انتقل إلى الأخر بعد الفراغ عن تسلطه على ما انتقل اليه. و من المعلوم أن العاقدين لغيرهما ليس لهما سلطنة فيما انتقل عن الأخر بعد الفسخ، فلا يجوز له سلطنة في فسخ ما انتقل إلى الأخر.

السادس: منافاة ثبوت الخيار للأجنبي العاقد مع قاعدة «سلطنة الناس على أموالهم» فتأمل.

فيقتصر على القدر المتيقن من الخروج، و هو ما كان العاقد مالكا، و يستكشف على أن المراد من «البيعان» في الحديث الشريف هو العاقدان لنفسهما، فبانضمام بعض تلك الوجوه تطمئن النفس على عدم كون المراد من البيعان هو الذي كان موضوعا لحكم العاقدين فقط من دون صدقهما على المالك.

مضافا الى كفاية الوجه الثاني في المقام و مساعدة كلمات الفقهاء و عدم ظهور قول معروف في الخلاف مع ضعف مستنده، فإنه ربما يكون إطلاق «البيعان»

32

على العاقدين المجريين للصيغة فقط من دون أن يكونا مستقلين في التصرف من باب التوسع فقط، فلا يثبت المطلب حينئذ.

فظهر لك عدم الخيار لمن أجرى الصيغة إذا لم يكن أصيلا، فاذا أجرى الصيغة الوكيل في مجرد الصيغة فهل للمالكين خيار مطلقا- سواء حضرا في مجلس العقد أو لم يحضرا- أو ليس لهما أيضا خيار أم لهما الخيار إذا حضرا في مجلس العقد و الا فلا؟ وجوه بل أقوال:

(الأول) ما حكى شيخنا الأستاد «دام ظله العالي» عن الفاضل الجواد شارح «اللمعة»، و دليله أن ثبوت الخيار تابع للدليل، و لم يساعده في المقام، إذ البيعان لا يصدق على العاقدين لغيرهما كما ذكرناه، و كذلك لا يصدق على المالكين أيضا إذا لم يبيعا بأنفسهما الا من باب التوسع. و يشهد لذلك صحة السلب في قولنا انهما ما باعا و انما باع وكيلهما، و ما ذكروا أنه لو حلف على عدم البيع لم يحنث ببيع وكيله.

(الثاني) ما لعله المشهور المختار كما ذهب اليه شيخ الفقهاء (قده) ثبوته للمالكين مطلقا، سواء حضرا أو لم يحضرا و ان كان أحدهما في المشرق و الأخر في المغرب.

و يستدل على ذلك: تارة بالإطلاق و صدق البيعان عليه كما في «الجواهر».

و يندفع بالشبهة المذكورة من أن الصدق انما يكون من باب التوسع و لذا لم يحنث و يصح السلب عنه.

و أخرى ما ذكره شيخنا العلامة الأنصاري (قده) سليما عن تلك المناقشة، و هو عدم التبادر في خصوص المباشر، فان «البيعان» لا يتبادر منه حيث أطلق المباشرة في الصيغة و كونها صادرة، فحينئذ عدم التبادر دليل على الحقيقة بين المالك الذي لا يباشر بنفسه العقد و بين المالك المباشر، و حيث ينتفي احتمال

33

الاشتراك اللفظي بالأصل يثبت الاشتراك المعنوي، و هو المطلوب. فيكون مفاد البيعان في الحديث دخول المالكين مطلقا.

و لكن يدفعه ذيل الخبر الشريف، أعني تقييده بما لم يفترقا، فان عود الضمير الى «البيعان» لا يكون الا أن يكون المالكان موقعين للصيغة، إذ ليس الافتراق و الاجتماع هنا الا للعقد، فينتفى كون المراد من الموضوع مطلق المالك.

فالمحصل من الرواية أن البيعان المالكان ثابت لهما الخيار ما لم يفترقا عن مكان العقد و مجلسه، يعني ثبوت الخيار انما هو عند اجتماعهما و لا يكون اجتماعهما إذا كان أحدهما في المشرق و الأخر في المغرب.

و بعبارة صريحة: ان «ما لم يفترقا» قرينة كاشفة على أن الموضوع لحكم الخيار- أعني البيعان- لا بد أن يكونا مباشرين للصيغة حتى يلاحظ الافتراق و الاجتماع، فاذا خرج الفرد المباشر المجري للصيغة فقط من دون أن يكون مالكا و مستقلا في التصرف- كما سبق بالوجوه المذكورة- فانحصر مدلوله في المباشر الذي يكون مالكا، فلا يدل هذا الخبر على ثبوته لمطلق المالك، أعني ما كان مالكا للثمن و المثمن من دون مباشرته للصيغة، لظهور ان عدم الافراق و الافتراق انما هما ملحوظان بالنسبة إلى العقد كما يؤيده فهم الفقهاء «(رضوان اللّه عليهم)».

و كفاك في ذلك ما في «جامع المقاصد» حيث قال: و ان أريد بهما مالك المبيع و مالك الثمن لم يطابق أول الحديث إلا إذا كان المالكان هما العاقدين، لان قوله «ما لم يفترقا» لا يصدق في المالكين إذا كان العاقد غيرهما، لأنه يصير معناه حينئذ البيعان بالخيار ما لم يفترق المتعاقدان. و هو غير ظاهر الا أن يدعى وجود القرينة الدالة على مرجع هذا الضمير، و هي ذكر الافتراق المقتضي لسبق الاجتماع للعقد- إلخ.

34

و فيه: عدم كونه ظاهرا في لزوم التفكيك بين «البيعان» و بين الضمير، فلو سلمنا شمول البيعان على المالكين لكن عود الضمير إليهما قرينة على أن المراد منهما أن يكونا متعاقدين أيضا، فاعتبار اجتماع مجلس العقد في الثبوت و افتراقه في السقوط ينافي لتعميم البيعان على المالكين القريبين من مجلس العقد و إجرائه. الا أن يقال باختلاف الضمير و المرجع، و هو كما ترى.

و ثالثة: أن يقال في مدرك القول بتعميم «البيعان» على المالكين سواء حضرا أو لم يحضرا، و هو عموم الجهة الداعية لجعل الحكم و الغرض الموجب لثبوت الخيار- أعني الإرفاق على المالك- فان الخيار انما يثبت باعتبار كونه حقا متعلقا في مال المالكين لمجرد الإرفاق بهما و المصلحة لحالهما و التشفق عليهما، و من المعلوم لزوم اتباع الغرض الداعي للحكم إثباتا و نفيا خصوصا و عموما، فان الغرض كما يخصص الحكم كذلك يعممه أيضا، كقولنا «لا تأكل الرمان»، فاذا علمنا أن العرض و الداعي لجعل الحكم هو الحموضة- بقرينة تعقبه على قوله «ما دام حامضا» أو «إذا كان حامضا» أو «لحموضته»- فيخصص الرمان الى الحامض و يخرج الحلو عن شمول إطلاقه، كذلك يعممه على كل ماله الحموضة، و لا يلزم من ذلك اختلاف الضمير و المرجع بين قوله «ما دام حامضا» أو «إذا كان حامضا» مثلا و بين الرمان.

كذلك يقال في الخبر الشريف، فان حكمة الإرفاق كما ذكرنا سابقا تخصصه فخرج العاقدان لغيرهما عن شمول إطلاق البيعان، فانحصر مدلوله على العاقدين المالكين. و حيث كان شموله على المالكين الموكلين بالوجهين السابقين محل خدشة و مناقشة نقول: انها- أى حكمة الإرفاق- تعممه. فيطرد الحكم على موارد تلك الحكمة و مجاريها و ان كان موضوع الحكم قاصراً عنها.

فثبت الخيار بملاحظة الإرفاق و كونه حقا للمالك على المالكين الموكلين

35

سواء حضرا أو لم يحضرا، و لكن يجب ملاحظة ثبوته لهما و سقوطه عنهما دوام مجلس العقد و فواته بمقتضى قوله «ما لم يفترقا» و «إذا افترقا» لظهوره بل صراحته بثبوت الخيار ما لم يفترقا عن مجلس العقد و سقوطه و لزوم البيع إذا افترقا.

و ان شئت فقل بعبارة أوضح: انه لما كان المختار من «البيعان» العاقدين المالكين دون غيرهما و عاد الضمير إليهما أيضا من دون التفكيك و الاختلاف و لكن لهما حيثيتان الحيثية المالكية و الحيثية العاقدية، فثبوت الخيار انما هو من الحيثية المالكية لاقتضائها الجهة الموجبة للخيار، و بملاحظة تعميم الجهة يثبت للمالك مطلقا. و سقوط الخيار انما هو من حيثية العاقدي، و حيث لا تقتضي هذه الجهة العموم فلا عبرة في سقوطه افتراق المالكين، لان حكمة الإرفاق لا تقتضي لزمان الخيار أزيد من زمان مجلس العقد، بل عند التحقيق يقتضي اللزوم حتى يتسلط كل منهما في ماله على الإطلاق.

القول الثالث: و هو ثبوت الخيار للمالكين إذا حضرا في مجلس العقد.

تقريب الاستدلال: صدق «البيعان» عليهما، الا أنه لما كان مذيلا في الخبر الشريف بعدم الافتراق و هو يستلزم الاجتماع فيكون القيد قرينة على اعتبار الحضور و مقيدا لإطلاق البيعان، فإنما يحكم ثبوت الخيار لهما حيثما لم يفترقا مجلس العقد.

فان قلت: ان قوله «ما لم يفترقا» انما يكون قرينة لاعتبار الاجتماع على سبيل الإطلاق، لاستلزام الافتراق كونه مسبوقا للاجتماع، و أما اجتماعهما في مجلس العقد و حضورهما فيه فلا يدل، لقصور دلالته بمقدار هذا التقييد.

قلت: ذلك حسن فيما كان لقوله «ما لم يفترقا» عموم و إطلاق بحيث يعم صورة الحضور و عدمه، و لكن عمومه انما هو من جهة صدق المتعلق و قرينة الحكمة فهو لم يشمل فيما كان في مفروض المقام قدر متيقن، فان قوله «ما لم يفترقا»

36

المستلزم الاجتماع يتصور له فردان اجتماعهما في مجلس العقد و ثانيهما اجتماعهما في مطلق المكان سواء كان مجلس العقد أم لا. و حيث أن الأول متيقن فيحمل عليه فلا يشتمل الإطلاق على غيره، لعدم لزوم اللغوية التي هي المدرك في عموم الإطلاقات. فيكون المحصل من الرواية: ان «البيعان» بالخيار، و هو يشتمل على المالكين، سواء عقدا بنفسهما و باشرا في إجرائه أو كان المباشر غيرهما و لكن إذا حضرا في مجلس عقد المباشر.

و يرد عليه: ان المالكين يشترط حضورهما في مجلس العقد و لم يكونا بنفسهما مجريين فرد نادر، فلا ينصرف البيعان اليه لعدم شمول الإطلاقات للأفراد النادرة.

و الحاصل ان للمالكين ثلاثة أفراد: أحدها ما أجريا العقد بأنفسهما، و الثاني ما و كلا غيرهما في العقد مع حضورهما في مجلسه، و الثالث ما وكلا غيرهما و لم يحضرا في مجلس العقد.

فيخرج الثالث على اعترافه (قده) بالتقريب المذكور من أن عموم الإطلاقات انما هو على حسب اندفاع اللغوية و نحن نقول كذلك، و الثاني يخرج أيضا عن شمول النص لعدم شمول إطلاقه للفرد النادر كما هو الحال و المقرر في محله فانحصر مدلوله على المالكين إذا كانا عاقدين بأنفسهما.

و هذا هو المختار بحسب شمول النص و الجمود على دلالته، إذ لا يستفاد من إطلاقه أزيد من ذلك، و ذلك لا ينافي ما أمضينا من صدق «البيعان» على المالكين سواء عقدا بنفسهما و باشرا في العقد أو باشر غيرهما في العقد، بدليل عدم التبادر فإنه علامة الحقيقة في كون اندراج المالكين العاقدين أو موكلين تحت البيعان من باب الحقيقة، لأنا انما نقول بذلك بقرينة قوله «ما لم يفترقا». و حيث أن العبرة بذيل الكلام فيكون القيد مقيدا للبيعان، فبملاحظته لا ينصرف الا الى المالكين

37

العاقدين فيخرج الموكلين سواء حضرا أو لم يحضرا.

و لكن المختار في ثبوت الخيار هو القول الثاني، فيثبت للمالكين سواء حضرا أم لم يحضرا بل كان أحدهما في المشرق و الأخر في المغرب، و سواء كانا مباشرين أو موكلين. أما إذا كانا عاقدين فللنص، و أما إذا كانا موكلين سواء حضرا أم لم يحصر ا فلعموم حكمة الإرفاق الموجبة للخيار، حيث لا تأمل لهم في أن حكمة الخيار و المناط فيه هو الإرفاق على المالك، بل ذلك من باب المناط القطعي.

نعم سقوط الخيار انما يلاحظ بانقضاء مجلس العقد و افتراق العاقدين عنه، سواء كان العاقدان مالكين أو وكيلين عملا بالنص، فلا تجري حكمة الإرفاق بالنسبة إلى السقوط الى الموكلين حتى نقول باعتبار سقوط الخيار بافتراقهما أيضا.

فصار الحاصل من الرواية: ان ثبوت الخيار و سقوطه انما هو ملحوظ بالنسبة إلى العاقدين- سواء كانا مالكين أو وكيلين الا ما خرج كالوكيل في مجرد إجراء الصيغة بالوجوه المذكورة، فيعم المالكين و سائر أقسام الوكلاء أيضا كما سيتضح- فلا يشمل الموكلين و لا الوكيلين في مجرد اجراء العقد.

و انما عممنا ثبوت الخيار للموكلين بعموم المناط حيث يجري فيه، و أما بالنسبة إلى سقوط الخيار فلا لعدم عموم المناط، و حيث لا يجري المناط في سقوط الخيار بالنسبة إلى الموكلين فينحصر على العاقدين بجميع أقسامهما حتى من كان وكيلا في مجرد اجراء العقد، سواء كانا مالكين أو وكيلين بجميع أقسامهما، فيشتمل على جميع صور الوكالة حتى في صورة الوكالة على مجرد اجراء العقد لعدم مخرج و عدم مجيء الوجوه المذكورة بالنسبة إلى سقوط الخيار، فتكون العبرة في سقوط الخيار و لزوم البيع بتفرقهما كما سنذكره تفصيلا إن شاء اللّه تعالى في المقام الثالث.

فظهر لك مما ذكرنا من عدم ثبوت الخيار للوكيلين في مجرد إيقاع الصيغة

38

ثبوتا شرعيا ناشئا من جهة العقد عدم ثبوت الخيار للفضوليين، و ان جعلنا الإجازة كاشفة فلا خيار لهما في عقدهما، لا من جهة التوكيل و لا من جهة استلزام العقد حكم الخيار من باب التعبد الشرعي: أما الأول فلان المفروض عدم تحقق الوكالة في الفضولي، و أما الثاني فلما ذكرنا من أن الدليل قاصر عن ترتب الخيار لمجرد الصيغة من دون صدق «البيعان» بالوجوه السالفة.

و أما ثبوته للمالكين بعد الإجازة فقال شيخنا العلامة الأنصاري (قده) مع حضورهما في مجلس العقد وجه و اعتبار مجلس الإجازة على القول بالنقل له وجه- انتهى.

قد يقال في بيان مقصوده من تلك العبارة: ان الوجه في الوجه الأول بالنسبة إلى أصل ثبوت الخيار للمالكين حيث أن المالكين في الفضولي يمتازان عن غير صورة الفضولي بما سيذكره بعد من احتمال عدم الخيار، لأن الإجازة بمعنى الالتزام بالعقد فلا يحصل له الخيار.

و قوله «و اعتبار مجلس الإجازة له وجه» إشارة إلى تعميم ثبوت الخيار بحسب المورد، حيث أن الخيار انما يثبت في مجلس العقد لا غير للنص المذكور و لكن مجلس الإجازة خصوصا على القول بالنقل نازل منزلته، فيجيء لمجلس الإجازة ما كان لمجلس العقد من جهة اشتراكهما في النقلية، فالوجه حينئذ كون الإجازة كالعقد في كونها سببا للنقل.

و لكن الاولى أن يقال: ان تلك العبارة و ان كانت قاصرة إشارة الى ما ذكره بعض الفقهاء المتأخرين المقارنين لعصرنا بقوله: هل العبرة في ثبوت الخيار للمالك مجلس التمليك أو مجلس العقد؟ ففرع عليه أنه ان قلنا بأن العبرة بمجلس التمليك فيثبت الخيار للمالك حين الإجازة و مجلسها لا بمجلس إيقاع الصيغة و ان حضر فيه، و ان قلنا بالثاني يكون الخيار له في مجلس العقد لا في مجلس الإجازة حتى

39

أنه إذا انقضى مجلس العقد أو لم يطلعا زمانه ثم أجاز ليس له الخيار.

و الى ذلك أشار (قده) بقوله: ثبوته للمالكين في مجلس العقد وجه. و أشار الى الوجه الأول- أعني كون العبرة في ثبوته مجلس التمليك- بقوله: و اعتبار مجلس الإجازة على القول بالنقل له وجه. فعلم الوجه على هذا في تقييدها على القول بالنقل، خصوصا على القول بأنها عقد مستأنف، إذ مجلس التمليك انما يكون مجلس الإجازة على هذين القولين، و أما على القول بالكشف يكون مجلس التمليك مجلس عقد الفضوليين. فتدبر. و هذا هو المراد من العبارة.

ثم هذا كله مبني على عدم الفرق في ثبوت الخيار للمالك بين أن يكون أصيلا أو فضوليا لصدق «البيعان» على كليهما و مجيء حكمة الإرفاق على كليهما و يحتمل الفرق بعدم ثبوته للمالك المجيز و ان كان يعم الدليل الا أنه قد أسقط الخيار بإجازته لأنها في معنى الالتزام، خصوصا إذا كان أجازته بلفظ «التزمت».

و الى ذلك أشار (قده) بقوله: نعم يحتمل في أصل المسألة. ثم أمر بقوله «فتأمل» لعل وجهه منع دلالة «التزمت» و «أجزت» على سقوط الخيار، بل انما يدل على إمضاء العقد و التزامه مع شروطه و أحكامه، و من جملة أحكامه خيار المجلس، كما أنه ربما يكون من جملة أحكامه خيار الشرط و التدليس و غيرهما فالإجازة لا تنفى انقطاع لوازم العقد منه، بل انما هو رضاء بالعقد الصادر من الفضولي و ينزله منزلة العقد الصادر من نفسه.

المقام الثاني في بيان ثبوت الخيار للوكيل من جهة التوكيل

و أنه هل تقتضي أدلة الوكالة ثبوت الخيار الثابت للمالك، للوكيل أيضا أم لا؟ فنقول:

ان الوكيل تتصور وكالته على أقسام ثلاثة

40

«أحدها»- ما كان وكيلا في مجرد إيقاع العقد.

«و ثانيها»- ما كان وكيلا منصوصا في التصرف المالي و مستقلا فيه بحيث يشمل فسخ المعاوضة بعد تحققها، نظير العاملين في القراض، كما هو الحال في وكلاء التجار العاملين لهم من باب المضاربة و يسافرون الى البلاد و يبيعون و يشترون استقلالا من دون اطلاع التجار الموكلين في جزئيات تصرفاتهم.

«و ثالثها»- ما كان وكيلا في البيع من دون تصريح و تنصيص من الموكل بشيء من لوازمه، الا انها تستفاد من الإطلاق لو قلنا به.

أما الأول: فلا اشكال بل لا خلاف عدا ما عرفت من صاحب «الحدائق» في عدم ثبوت الخيار له، كما ذكرنا تفصيلا.

و أما القسم الثاني: فكذلك أيضا لا إشكال في ثبوته له و ان هذا القسم ليس محل كلامهم و خلافهم.

و أما القسم الثالث: فذهب شيخنا العلامة الأنصاري (قده) الى عدم الخيار له، لأن إطلاق أدلة الخيار مسوق لإفادة سلطنة كل من العاقدين على ما نقله عنه بعد الفراغ عن تمكنه من رد ما انتقل اليه، فلا ينهض لإثبات هذا التمكن عند الشك فيه و لا لتخصيص ما دل على سلطنة الموكل على ما انتقل اليه المستلزم لعدم جواز تصرف الوكيل فيه برده الى مالكه الأصلي.

و لكن التحقيق وفاقا لشيخ الفقهاء (قده) ثبوته لوجوه:

(الأول) لصدق «البيعان» الذي بمعنى العاقدين، فيطلق على كل من صدر منه العقد و تحقق منه إيقاع الصيغة و إنشاء النقل، سواء كان أصيلا أو وكيلا، فيعم ما كانا عاقدين لنفسهما أو لغيرهما، و انما خرج الوكيل في مجرد إيقاع الصيغة بالوجوه المذكورة و بقي ما عداه بحسب شمول إطلاقه، و هو ما كان مالكا أو وكيلا في البيع لا في مجرد الصيغة إذ العمدة من الوجوه المخرجة للوكيل في

41

مجرد العقد هو تخصيص حكمة الخيار، أعني الإرفاق على غير الوكيل في مجرد العقد لمنافاته مع الإرفاق، بخلاف الوكيل في البيع لعدم منافاة الإرفاق معه، إذ الإرفاق للوكيل إرفاق للمالك، و هذا انما هو في الوكيل المطلق لا في الوكيل في العقد كما سبق.

(الثاني) لو أغمضنا عن ذلك و قلنا بأن «البيعان» عبارة عن المالكين العاقدين يمكن التمسك بثبوت الخيار للوكيل المطلق أيضا بمقتضى الخبر المذكور من باب دخوله في موضوع الحكم و تنزيله منزلة المالك، فللبيعان موضوع حقيقي و موضوع تنزيلي: أما الأول عبارة عن المالك العاقد، أما الثاني عبارة عن الوكيل المطلق في البيع بحكم أدلة الوكالة، حيث أن مقتضى أدلة الوكالة تنزيل الوكيل منزلة الموكل، فيراد من «البيعان» الذي في النص المالك و الوكيل كلاهما، نظير ما يقال في الدليل الحاكم قبال التخصيص و الورود، فان التخصيص إخراج حكمي و إدخال للخاص تحت غير عنوان العام من باب الحكم، و أما الحاكم إخراج موضوعي أو إدخال موضوعي على حسب الاختلاف في لسان الدليل.

(الثالث) انه لو كان أدلة الخيار قاصرة عن ثبوت الخيار للوكيل باعتبار اختصاصها بالموكل و لكن يجري حكمه لوكيله بأدلة الوكالة، بتقرير: ان المستفاد من أدلة الوكالة أن ما ثبت للموكل ثبت للوكيل، فهذا ليس من باب الإدخال الموضوعي بل من قبيل إسراء حكم لموضوع الى موضوع آخر، بأن يقال الخيار الثابت للموكل بمقتضى قوله «البيعان بالخيار» ثابت للوكيل المطلق بمقتضى أدلة الوكالة التي تدل على قيام الوكيل مقام الموكل و فعله فعله و عمله نافذ مثله. و حيث أوجد البيع الوكيل فيه و قلنا بثبوت الخيار له كما هو المختار أو عدمه كما هو مسلك شيخنا العلامة الأنصاري، فهل للموكل حينئذ خيار أم لا؟

فيه أقوال

42

قول بعدمه، كما أن للوكيل ليس خيار كذلك ليس للموكل أيضا خيار.

و نسب ذلك الى الفاضل الجواد شارح «اللمعة».

و قول بثبوته للموكل دونه، كما هو المختار للشيخ العلامة (قده) في «المكاسب».

و قول بعدم ثبوته للموكل و ثبوته للوكيل، كما يظهر من أول كلام «المسالك» و آخره و حكي الميل اليه من «الحدائق».

و قول بثبوته له كثبوته للوكيل، كما هو المختار.

و دليل المثبت قد ظهر مما أسلفنا من صدق الاسم أعني صدق «البيعان» على المالكين الموكلين و إطلاقه عليه و من عدم التبادر من البيعان خصوص المباشر في الصيغة، فهو علامة الحقيقة بين المباشر و الموكل.

و يستدل على نفي الخيار للموكل بصحة السلب في المثال المتقدم السابق أنه ما باع بل باع وكيله، و استشهد لذلك بعدم الحنث.

و أما استدلال المثبت بعدم التبادر، مدفوع بأن عدم تبادر خصوص المباشر انما يدل على وجود معنى آخر معه بأن يكون هذا المعنى مع المباشر كلاهما معنى حقيقيا للفظ، أما تعيين المعنى الأخر الحقيقي و تعميمه الموكل فلا.

فظهر لك أن الوجه ثبوت الخيار للوكيلين من جهة كونهما نائبين عن الموكل و كون فعلهما مظهر فعل الموكل، فيسري ما ثبت له اليه من الخيار من حيث التوكيل لعدم الفرق في صدق البيع عليهما، بل ربما يكون صدقه على الوكيل أظهر من صدقه على الموكل، كما في صورة ما فرضنا الوكالة المطلقة من المالك لوكيل و سافر الوكيل الى البلاد للتجارة فالموكل في العجم و الوكيل في الهند مشغول بالبيع و الشراء، فمن المعلوم صدق البيع حينئذ على الوكيل أظهر من صدقه على الموكل الذي لم يطلع على تلك المعاملة.

43

و كل ذلك- أعني صدق البيع و ثبوت الخيار- على الوكيل انما هو من أثر الوكالة و ليس من جهة مجرد صدور العقد عنه حتى يكون من قبيل الحكم التعبدي، فللوكيل جهتان: جهة من حيث صدور العقد عنه و مباشرته فيه، و هذا كما ذكرنا لا يقتضي ثبوت الخيار له و لا يوجب ذلك المقدار لصدق البيعان عليه الجهة الأخرى من حيث التوكيل و كون شأن الوكيل شأن الموكل من جهة أدلة الوكالة.

فثبت الخيار للوكيل المطلق في البيع و التصرف لا في الوكيل المباشر في العقد من حيث المباشرة للعقد، فالمسلم من صدق البيعان على الوكيل هو الوكيل في البيع فيكون مصداقا للبيعان، كما أن المالكين الموكلين مصداق له، فاذا فرض تعدد الوكلاء من طرف واحد يتعدد الخيار على حسب تعدد الوكلاء و تراميهم، فاذا و كل المالك بالوكالة المطلقة وكيلا ثم الوكيل أيضا و كل شخصا آخر في البيع و التصرف يثبت الخيار لأشخاص ثلاثة و هكذا كما ذكر شيخنا العلامة الأنصاري (قده)، فقد يتحقق في عقد واحد الخيار لأشخاص كثيرة من طرف واحد.

و حينئذ هل ثبوت الخيار لهم على وجه الاستقلال- بأن يكون كل منهم ذا خيار، فان اختلفوا في الفسخ و الإجازة قدم الفاسخ و ان تقدمت الإجازة على الأخر، أو على وجه أن يكون المتقدم منهم نافذا و ان كانت الإجازة سابقة فلا ينفع الفسخ بعده، أو على عدم استقلال كل واحد منهم بل لا بد من اجتماعهم على الفسخ أو على الإجازة- وجوه.

و تحقيق الكلام: أن الحق الثابت لمتعدد لا يخلو اما أن يكون تعدده ذاتا أو عرضا، بمعنى أن يكون استحقاق كل من المتعددين لذلك الحق بحسب الذات و الاستقلال فيتعدد الحق حينئذ على حسب تعدد ذي الحق فيستوفي كل

44

منهم ما دام المحل باقيا، أو كان الحق بحسب الذات و الجعل واحدا للطبيعة السارية مثلا فيسري لمصاديق تلك الطبيعة فيتعدد على حسب تعدد مصاديقه.

مثال الأول حد القذف و حق الشفعة و القصاص إذا فرضنا أن ثبوتها لأشخاص متعددين إرثا أو أصالة انما هو على وجه الاستقلال، فلكل منهم سلطنة في استيفاء ذلك الحق، فلا يسقط بإسقاط بعضهم و عفوه حيث أراد الأخر استيفاءه، فكلما أخذ الحق و استوفى سقط من جهة حصول الاستيفاء و فوات المحل، فللكل الأخذ و الإسقاط.

ففي المقام إذا ثبت الخيار لأشخاص متعددين على وجه الاستقلال في تمام الحق يكون لكل واحد الفسخ و ان أجاز الأخر، فعند التعارض يقدم الفاسخ على المجيز، لعدم المنافاة بين الإجازة و الفسخ لعدم التعارض بينهما، إذ الإجازة عبارة عن إزالة الحق و إبقاء العقد على مقتضاه، لأن الإجازة لا تزيد على مقتضى العقد شيئا كما في «الرياض» و «المكاسب».

و ليس المراد من الإجازة استقرار العقد و جعله لازما، بل انما هو إسقاط حق، أي إسقاط السلطنة على الإزالة و الفسخ. و من المعلوم أن إسقاط الحق من أحد من المتعددين لا ينافي تشبث الأخر بحقه، فلو أجاز واحد منهم يصير ذلك منه إسقاط حقه الثابت له استقلالا لا إلزام العقد و إيجابه، فلو فسخ الأخر بعد تلك الإجازة تشبث بحقه و انحل العقد، كما إذا أسقط أحد الشريكين حد القذف و حق القصاص فلا يسقط حق الأخر فله الاستيفاء و لكن في القصاص يجب دفع حصة الأخر إلى أولياء المقتص منه جمعا بين الحقين.

و أما القسم الثاني- أعني ما كان ثبوته للمتعدد بحسب الفرض و السراية- فينظر الى دليل ذلك، فان دل على أن ثبوته لكل واحد على وجه الاستقلال- بمعنى أن لكل واحد سلطنة في إقرار ذلك الحق و إزالته- كان تصرف كل سابق

45

منهم نافذا حينئذ من السقوط و الاستقرار، كالوكلاء المستقلين، فيمضي السابق، من اجازة أحدهم أو فسخه فلا يؤثر اللاحق، سواء كان اجازة أو فسخا لفوات المحل و قابليته، فان بعد الإجازة الاولى يصير العقد لازما و يسقط الحق الواحد الثابت للكل، فلا يبقى وجه حينئذ للإجازة الثانية و لا لفسخه.

و ان دل على ثبوت الخيار في كل واحد على وجه الاستقلال في نصيبه حيث كان المورد قابلًا للتبعض لهم و التجزية كان حينئذ إجازة كل واحد منهم و فسخه نافذا في حقه لا في حق باقي شركائه.

و ان دل على ثبوته على المتعدد باعتبار انضمام بعضهم على بعض فلا بد حينئذ من الثبوت و السقوط اجتماع كل منهم على الإجازة أو على الفسخ، فلا يكفي سبق أحد منهم في النفوذ، فان الحق الواحد انما ثبت بالإرث أو بغيره بالمجموع.

و الحاصل ان الحق الواحد الحاصل للطبيعة سرايته و نشره إلى أفرادها لا يخلو من وجوه ثلاثة: اما على وجه الاستقلال بالنسبة إلى الكل حيث لم يكن المحل قابلًا للتبعض كحق الموكل إذا نشر على وكلائه، أو على وجه الاستقلال في نصيبه دون نصيب باقي الشركاء حيث كان المحل على وجه الإشاعة لهم و قابلًا للتبعض، أو على وجه اعتبار انضمام بعضها الى بعض.

و أما مسألتنا هذه فهي من قبيل القسم الأول، و لذا قال شيخنا العلامة الأنصاري في مكاسبه: فكل من سبق من أهل الطرف الواحد إلى إعماله نفذ و سقط خيار الباقين بلزوم العقد أو بانفساخه، و الوجه في ذلك أن خيار المجلس حق ثابت في طرف واحد من البائع و كذلك في طرف المشتري بقوله «البيعان بالخيار»، فثبوته على البيعان انما هو باعتبار ثبوت حكم للطبيعة فيسري في جميع مصاديقها

46

فثبوت الخيار للوكلاء انما هو كما ذكر من جهة توكيل المالك، فثبوته للعاقد لنفسه- أي المالك بالأصالة- و بالعاقد لغيره انما هو من جهة التوكيل لا من جهة صرف التعبد الشرعي الإلهي من جهة اقتضاء نفس العقد له.

فحيث أن ثبوت الخيار لوكلائه انما نشرت من جهة الوكالة من المالك فيسري حقه الواحد الى الكل، فكل من سبق إلى الإجازة كان حكمه حكم اجازة المالك فينفذ، فلا يؤثر الفسخ بعده. و كذلك من سبق الى الفسخ انحل العقد كصورة فسخ المالك، فمقتضى أدلة الوكالة الدالة على أن ما ثبت للموكل ثبت للوكيل نفوذ الإجازة و الفسخ من الوكلاء حسب نفوذهما من الموكل و سيأتي توضيح باقي الأقسام و وجهه في محله إن شاء اللّه تعالى فانتظر.

(و اما المقام الثالث)

فتبين لك الحال فيه من بعض ما ذكرنا.

قال شيخنا العلامة الأنصاري (قده): فهل العبرة فيه بتفرقهما عن مجلسهما حال العقد أو عن مجلس العقد أو بتفرق المتعاقدين فيكفي بقاء أصيل مع وكيل آخر في مجلس العقد؟ وجوه أقواها الأخير- انتهى.

و لكن التحقيق أن العبرة في السقوط انما هي بملاحظة مجلس العقد، لان الدليل المذكور انما يدل على ثبوت الخيار للبيعين اللذين يجتمعان في مجلس العقد و سقوطه عند تفرقهما و ثبوته للمالكين على المختار سواء حضرا أو لم يحضرا، انما هو في عقد الوكيلين باعتبار تنزيل عقدهما منزلة عقد المالكين أو بملاحظة حكمة الإرفاق و تعميمه، و لكن مع ذلك يسقط الخيار عن المالكين الموكلين تفرق الوكيلين باعتبار ظهور الدليل المذكور في اعتبار دوام مجلس العقد، فمع تفرقهما لم يثبت الخيار لفوات مجلس العقد، فيكون المدار على

47

مجلس العقد بمقتضى قوله «و إذا افترقا وجب»، أي إذا افترق اللذان مجتمعان في العقد فهما ليسا الا العاقدين، فقد يكونان مالكين أيضا و قد يكونان وكيلين، فلا يكفي بقاء موكل مع وكيل مباشر في المجلس، لصدق تفرق العاقدين اللذين هما مرجع الضمير. فحينئذ يكون اردأ الوجوه الوجه الأخير.

فيرد على ما قواه شيخنا العلامة (قده)- حتى على مذهبه- من ثبوت الخيار للمالكين إذا حضرا في مجلس العقد، إذ العبرة حينئذ هو تفرق من كان موضوعا لقوله بالخيار و هو الوكيلان أو المالكان، فكأنه قال: المالكان الحاضران في مجلس العقد بالخيار ما لم يفترقا و الوكيلان بالخيار ما لم يفترقا فيلزم حينئذ على مذهبه من اعتبار الحضور في مجلس العقد تفرق المالكين عن مجلس العقد يوجب البيع كما أن تفرق العاقدين يوجب البيع.

هذا بحسب دلالة الخبر على مسلكه من اندراج المالكين الموكلين تحت قوله «البيعان»، و أما بناء على مختارنا فلا عبرة بتفرقهما و اجتماعهما، لأنا إنما أثبتنا لهما الخيار لدليل خارجي أعني الإرفاق، سواء حضرا أو لم يحضرا اجتمعا في مكان واحد أم لا. نعم تكون العبرة في الثبوت و السقوط بمجلس العقد للمتعاقدين الوكيلين انعقادا و تفرقا، فعند تحقق البيع يثبت لهما الخيار لعلية الإرفاق، و عند تفرقهما يسقط عنهما الخيار لقوله «و إذا افترقا وجب البيع»، فتكون العبرة حينئذ في ثبوته دوام مجلس العقد و في سقوطه تفرقهما عنه.

(مسألة) في ما لو كان العاقد واحدا

لو كان العاقد واحدا اما لكونه وكيلا عن البائع و المشتري أو وليا عنهما، أو أصيلا من نفسه أو وليا أو وكيلا عن أحدهما، فهل يثبت له الخيار كثبوته

48

مع التعدد أم لا؟ وجهان بل قولان، المشهور المعروف بل كاد أن يكون إجماعا ثبوت الخيار بل في «الجواهر» لا أجد فيه خلافا بيننا، نعم حكى العلامة (قده) في «التحرير» قولا بعدم ثبوت الخيار و احتمله بعض الأصحاب بل استقربه فخر الدين (قده) و مال اليه المحقق الأردبيلي، و في «الحدائق»: أنه الأقرب و توقف في «التحرير» و في «جامع المقاصد»، و لو عد التوقف قولا لكانت في المسألة أقوال ثلاثة، الا أن لازم القول بالتوقف سقوط الخيار في مقام العمل للأصل المؤسس الذي يكون هو المرجع عند التحير و هو في المسألة كما ذكرنا أصالة اللزوم، و استدل على سقوط الخيار بوجوه:

(الأول) أن المقتضى للزوم موجود و المانع مفقود، أما الأول فللعمومات و الإطلاقات الدالة على اللزوم كما ذكرنا، و أما الثاني فلان المانع هو دليل الخيار لا يصلح للمانعية، و لا يثبت الخيار في صورة الوحدة لعدم ظهور قوله:

«البيعان» إلا في التعدد، فلا يثبت شموله على صورة كون العاقد واحدا.

(الثاني) قاعدة لا ضرر بتقريب: ان الخيار لو قلنا في صورة الوحدة لكان بلا أمر لعدم حصول الغاية عند الوحدة، إذ لا يتصور الافتراق الذي هو المضي لذلك الخيار فيكون الخيار الدائمي الذي هو بلا غاية و لا أمر ضررا للطرفين فهو منفي بقوله «لا ضرر و لا ضرار».

(الثالث) دلالة قوله «البيعان بالخيار ما لم يفترقا» على لزوم البيع عند كون العاقد واحدا و لعل الاستدلال بدلالة الخبر في صورة الوحدة لبعض الأجلة و لم يذكر كيفية دلالته، و لعل نظره ظهور قوله «ما لم يفترقا» على صورة التعدد أو من جهة مفهوم الوصف الضمني بأنه يستفاد من مادة الافتراق الاجتماع الذي يتصف به البيعان فيصير كمورد (البيعان المجتمعان) يثبت لهما الخيار و غير المجتمعين لم يثبت لهما الخيار كقوله «لي الواجد يحل عقوبته و غير الواجد لا يحل عقوبته» كما هو

49

الحال في مفهوم الوصف.

و يرد على الأول بإثبات المانع كما يظهر عند ذكر أدلة المثبتين، و على الثاني: (أولا) أن قاعدة لا ضرر انما يتمسك بها بثبوت الخيار لا لسلبه و سقوطه (و ثانيا) أنه انما ينفي الخيار و لا ينفي ثبوت أصل الخيار، فإن الذي يوجب الضرر- لو سلم- انما هو استدامة الخيار فهذا لا يدل على سقوطه من رأسه. و (ثالثا) لو تم ذلك انما يكون على مذهب الشيخ من عدم حصول النقل و عدم حصول الملك في زمن الخيار، أو على مذهب من يرى حصول الملك، الا أن من عليه الخيار مهجور عن التصرفات فلا يجوز له التصرف.

فعلى القولين يحصل الضرر بثبوت ذلك الخيار الذي لا أمد له، فلما سلمنا دوام الخيار لا يلزم الضرر على القول المشهور المعروف من جواز التصرف كيف يشاء في زمن الخيار، فعلى مذهب الحق و المشهور لم يستلزم ذلك الخيار ضررا حتى ينتفي بالقاعدة.

و يرد على الثالث: بمنع ظهوره في مطلق التعدد بحيث كان الواحد و ان اجتمع له الحيثان خارجا عنه، نعم انما يدل على التعدد من حيث البائع و المشتري، و من المعلوم أن الحيثان مجتمعان في العاقد الواحد أيضا لأنه بائع من جهة و مشتر من جهة أخرى، و أن مفهوم الوصف ليس بحجة فضلا عن أن يكون ضمنيا فلا يكون مثله في مثل المقام مدركا لثبوت الأحكام.

و استدل على القول بالثبوت بوجوه:

(الأول) الإجماع المنقول عن «الغنية» و يؤيده دعوى عدم الخلاف في المسألة و استظهار الإجماع المحصل.

(الثاني) حصول الاستقراء في استقرار سائر أحكام المتبايعين في العاقد الواحد حيث أنا وجدنا الأحكام الثابتة عند صورة التعدد ثابتة عند صورة الوحدة أيضا

50

من غير استشكال و تفرقة بينهما، و كذلك ما نحن فيه من ثبوت خيار المجلس في العاقد الواحد أيضا فإن الظن يلحق المشكوك بالأغلب.

(الثالث) مجيء حكمة الخيار عند صورة الوحدة أيضا فإن الذي كان موجبا لجعل الخيار انما هو الإرفاق على المالك و هذا لا يفرق بين أن يكون العاقد واحدا أو متعددا.

(الرابع) أن المقتضي للخيار في صورة التعدد ثابت في صورة الوحدة أيضا و هو البيع، إذ لا فرق في تحقق البيعية من المتعدد و الواحد و كذلك لا فرق في سببيته إذا صدر منهما، فكما انه إذا صدر من المتعدد سبب للخيار و كذلك سبب له إذا صدر من الواحد أيضا.

(الخامس) دلالة قوله «البيعان بالخيار ما لم يفترقا» من باب تنقيح المناط، حيث ان التعدد ليس له مدخلية في ثبوت الخيار حتى يكون صورة الوحدة خارجة عن ثبوت الخيار، بل انما المناط في ثبوته من حيث تعليق الحكم على البيعان هو كونه بيعا، سواء كان متعددا أو واحدا لعدم التأثير للتعدد في ذلك، فإنه لو أثر فيه لأثر في غيره من الأحكام و هو معلوم العدم لترتب جميع الأحكام مع الاتحاد، كذلك الخيار أيضا لأن البيع هو المناط في الثبوت من دون مدخلية في التثنية.

أو بأن يقال: أن دلالته عليه من جهة ترتب الحكم على الحيثية بتقريب أن يقال: ان الظاهر من تعليق الخيار بالبيعان ثبوته لهما من حيث هما بيعان، فالتثنية انما هي في قوة التكرار بالعطف، فيصير حاصل المعنى: أن البائع من حيث هو بائع بالخيار و المشتري من حيث أنه مشتري بالخيار. و معلوم أن العاقد الواحد بائع و مشتري، فيثبت له الخيار بالحيثين. و يندفع الكل:

أما الأول: فالمنقول منه موهون، حتى صارت الإجماعات المدعاة في

51

«الغنية» ضرب المثل في الموهونية، و يزيد في الوهن في خصوص المقام ذهابه في «الغنية» إلى سقوط الخيار على ما حكاه بعض أصحاب مجلس البحث، مضافا الى عدم دلالة إجماعه في الثبوت في المقام لعدم شمول دعواه الإجماع على مسألتنا هذه لأنه في مقام بيان دخول مجلس الخيار في ضروب البيع، فان عبارته المحكية حاصل مضمونها هكذا (أن خيار المجلس داخل في ضروب البيع لإجماع الطائفة) فإنه كما ترى انما هو في بيان دخوله في أقسام البيع من الصرف و السلم و غيرهما من أنواع البيع و ضروبه، أما من جهة كون العاقد و المبيع و المشتري فلا نظر لها، فليس في مقام بيانها و هذا واضح، و أما المحصل منه ظني لم يبلغ مرتبة العلم و الحجة، و دعوى عدم وجدان الخلاف كما في «الجواهر» ليس إجماعا فلا يصح أن يكون مدركا في المسألة.

و أما الثاني: فلان المعتبر من الاستقراء كونه على وجه يوجب العلم، و اما الاستقراء الظني فليس بحجة عندنا و ان كان استقراء تاما، إذ الغرض عدم افادته العلم في خصوص المورد، فمن ادعى افادته في المسألة العلم بثبوت الخيار للعاقد الواحد فهو مردود عليه، و اما إفادته الظن- لو سلمنا- لا ينفع على المستدل.

و أما الثالث: على كون الإرفاق حكمه، فلان من شأن الحكمة عدم الاطراد كما أن شأنه عدم الانعكاس و لا ينافي ذلك بما ذكرنا من كون الإرفاق علة لثبوت الخيار للمالكين، لأنه انما هو في فرض التعدد. و أما كونه علة في ثبوت الخيار في صورة الاتحاد أيضا غير معلوم، فيكفي في بطلان الاستدلال لعدم ثبوت العلية في مفروض الكلام و كونه حكمة لا ينفع، لكونه غير مطرد و لا ينعكس.

و أما الرابع: فلأنه ان أريد من كونه مقتضيا كونه سببا ناقصا، بحيث أن له مدخلية في ثبوت الخيار فمسلم، الا أنه يجتمع مع شرطية التعدد لان السبب الناقص يجتمع مع سائر الشرائط. و ان أريد به السببية المطلقة و العلة التامة، فمحل منع

52

و مصادرة بالمطلوب.

و أما الخامس: فلانة التزام بعدم دلالة الخبر بالمطلوب فكيف يستدل بالخبر على ثبوت الخيار؟! فان التمسك به- من باب تنقيح المناط أو من باب الحيثية- اعتراف بعدم الدلالة اللفظية، مع أن المقصود من الوجه الخامس إثبات الدلالة و كون الخبر شاملا لصورة الاتحاد، نعم يمكن التمسك بطريق آخر و هو العمدة في المقام و المعتمد لشيخنا العلامة الأنصاري (قده) و ان لم يصرح به و لكن أشار إليه تلويحا و هو التمسك بإطلاق قوله «البيعان» و صدقه على الواحد أيضا و تقريب ذلك يتم ببيان مقدمتين:

«المقدمة الاولى» أن التثنية لا شك في دلالتها على الاثنين و لكن قد يدل عليهما بشرط انضمام أحدهما إلى الأخر، و يسمى ذلك في ألسنة محققي المتأخرين بالارتباطي، و قد يدل عليهما لا بشرط الانضمام بل يدل على كل واحد منهما استقلالا و يسمى بالاستقلالي.

مثال الأول: (رفعا الصخرة عن فم البئر) و كذلك في الجمع: (رفعوا الصخرة عن فم القليب) و (هزم بهما أو بهم الأعداء) أو غير ذلك مما هو كثير في الاستعمالات.

و مثال الثاني: (جاء زيدان و رأيتهما) و هكذا و حيث أن التثنية بحسب وضعها لا تدل على تعيين أحدهما بل قابلة لكليهما بنفسها، فان دل الدليل أو القرائن الداخلية و الخارجية على تعيين خصوص الاستقلالي أو الارتباطي فيؤخذ به، و ان كان باعتبار مساعدة الامارة و الغلبة عليه لكفايته في أمثال المقام و ان لم تكن قرينة و لا أمارة و لا غلبة بل يحتمل كل منهما فنتوقف، فنعمل بمقتضى الأصول في الموارد الجزئية في مقام العمل.

و أما ما نحن فيه- أعني قوله «البيعان»- انما هو من قبيل الثاني أعني على وجه الاستقلالي لأمرين