أوثق الوسائل في شرح الرسائل

- الميرزا موسى التبريزي المزيد...
165 /
415

[في بيان قاعدة الضرر]

قوله قد ادعى فخر الدّين إلخ

قد اعترف المصنف (رحمه الله) في بعض رسائله المفردة لهذه القاعدة بعدم عثوره في الإيضاح بهذه الدّعوى من الفخر و لكنّي وجدتها في أواخر باب الرّهن في مسألة إقرار الرّاهن بعتق العبد المرهون قبل الرّهن قال و ثالثها العتق فنقول يجب عليه فكّ الرهن بأداء الدّين فإذا تعذّر و بيع في الدّين وجب افتكاكه فإن بذله للمشتري بقيمته أو أقل وجب فكّه و لو بذله بالأزيد و لو بأضعاف قيمته فالأصحّ وجوب فكه عليه لوجوب تخليص الحرّ فإنّه لا عوض له إلاّ التخليص و لا يمكن إلاّ بالأزيد من القيمة و ما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب و احتمال عدمه لإمكان استلزامه الضرّر بأن يحيط بمال الرّاهن و الضّرر منفي بالحديث المتواتر ضعيف و لا وجه له عندي انتهى فتدبر و قد جمع في أواخر كتاب المعيشة من الكافي بابا لهذه القاعدة و كثرة الأخبار الواردة فيها أغنت عن ملاحظة سندها و تمييز صحيحها عن ضعيفها و سليمها عن سقيمها فلا وجه لرميها بالضّعف في أخبارها كما صدر عن بعضهم نعم لا بد حينئذ من إيراد الكلام في دلالتها و في مقدار مدلولها و في ملاحظة معارضها إذ لا بدّ في تأسيس كلّ قاعدة من الكلام فيه من جهات من جهة الإثبات و من جهة دلالة الدليل المثبت لها و من جهة معارضاتها

قوله فلا تتعرض من الأخبار الواردة إلخ

من هذه الأخبار الواردة النبوي المشهور بين العامة و الخاصّة لا ضرر و لا ضرار في الإسلام و هو مروي في كتب الفقهاء و أرسلها في التذكرة و الذكرى و نهاية ابن الأثير عن النّبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و في بعض الكتب مرويّ بدون لفظ في الإسلام و منها ما نقله المصنف (رحمه الله) في كتاب المكاسب في مسألة حرمة الغشّ قال و في رواية العيون قال رسول اللّه (صلى اللّٰه عليه و آله) بأسانيد منّا ليس من المسلمين من غشّ مسلما أو ضرّه أو ماكره و منها رواية طلحة بن زيد عن الصّادق (عليه السلام) أنّ الجار كالنّفس غير مضارّ و لا آثم و منها رواية عقبة بن خالد عن الصّادق (عليه السلام) قال قضى رسول اللّه (صلى اللّٰه عليه و آله) بالشفعة بين الشركاء في الأرضين و المساكن و قال لا ضرر و لا ضرار و منها ما رواه في التهذيب عن هارون بن حمزة الغنوي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل شهد بعيرا مريضا و هو يباع فاشتراه رجل بعشرة دراهم فجاء و اشترك فيه رجلا بدرهمين بالرّأس و الجلد فقضي أنّ البعير برئ فبلغ ثمنه دنانير قال لصاحب الدّرهمين خمس ما بلغ فإن قال لا أريد إلا الرّأس و الجلد فليس له ذلك هذا الضّرار و قد أعطي حقّه إذا أعطي الخمس و منها ما روي عن محمّد بن الحسين قال كتبت إليه يعني أبا محمّد (عليه السلام) رجل كان له رحى على نهر قرية و القرية لرجل فأراد صاحب القرية أن يسوق إلى قريته الماء في غير هذا النّهر و يعطل هذه الرّحى أ له ذلك فوقع يتّق اللّه عزّ و جلّ و يعمل في ذلك المعروف و لا يضارّ لأخيه المؤمن و منها ما رواه عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال قضى رسول اللّه (صلى اللّٰه عليه و آله) بين أهل المدينة في مشارب النخل أنّه لا يمنع نفع البئر و بين أهل البادية أنّه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلاء فقال لا ضرر و لا ضرار و منها الأخبار المتضمّنة أن من أضرّ بشيء من طريق المسلمين فهو ضامن و منها الأخبار الواردة في العيون الضارة بعضها ببعض و قد يستدل على المدعى أيضا بالعقل و الكتاب و الأوّل كما ترى و الثّاني أيضا مثله اللّهمّ إلاّ أن يريد به ما دلّ منه على نفي العسر و الحرج و لكن صدق الضّرر عليها مطلقا كما ترى

قوله و هي الرّواية المتضمنة إلخ

ما نقله أوّلا رواه ابن مسكان عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) و يقرب منها ما رواه الحذاء عنه (عليه السلام) إلاّ أنّه ليس فيها لفظ الضّرر و الضّرار بل فيها أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله قال ما أراك يا سمرة إلا مضارا اذهب يا فلان فاقلعها و اضرب بها وجهه و ما نقله ثانيا رواه ابن بكير عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) و هذه الرّوايات كما ترى صريحة في ذمّ سمرة و عدم قبوله قول النّبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و عن روضة الكافي أنّه يعني سمرة بن جندب ضرب ناقة رسول اللّه (صلى اللّٰه عليه و آله) على رأسها فشجّها فخرجت إلى النّبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فشكت و عن شرح ابن أبي الحديد على النّهج أنّ معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم على أن يروي أنّ هذه الآية نزلت في عليّ (عليه السلام) وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا إلى قوله لٰا يُحِبُّ الْفَسٰادَ و أنّ هذه نزلت في ابن ملجم لعنه الله وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغٰاءَ مَرْضٰاتِ اللّٰهِ وَ اللّٰهُ رَؤُفٌ بِالْعِبٰادِ فلم يقبل فبذل مائتي ألف فلم يقبل فبذل ثلاثمائة ألف فلم يقبل فبذل أربعمائة ألف فقبل و روى ذلك و فيه أنّ سمرة بن جندب عاش حتّى حضر مقتل الحسين (عليه السلام) و كان من شرطة ابن زياد و كان أيّام مسير الحسين (عليه السلام) إلى العراق يحرص النّاس على الخروج إلى قتاله

قوله كان له عذق إلخ

قال الطّريحي العذق كفلس النخلة بحملها و أمّا العذق بالكسر فالكباسة و هي عنقود التمر و الجمع أغداق كأحمال ثمّ إنّ في المقام بحثا و هو أنّ النّبي (صلى اللّٰه عليه و آله) كيف

416

أمر بقلع عذق سمرة استنادا إلى قاعدة الضّرر و اندراج الواقعة فيها لأن تردّد سمرة إلى عذقه كما أنّه كان ضررا على الأنصاري كذلك قلع عذقه ضرر عليه فكيف قدم أحد الضررين على الآخر مع تساويهما في الاندراج تحت القاعدة و الجواب مع عدم قدح هذا الإشكال في الاستدلال أنّ سمرة كان قاصدا للإضرار على الأنصاري و لم يكن مقصوده مجرّد الانتفاع بعذقه و إن استلزم ضرر الأنصاري و لا ريب في حرمة الإضرار مع قصده و من هنا يظهر شمول الرّواية لصورة قصد الإضرار و لكن ليس المورد مخصصا لعموم اللّفظ

قوله و أمّا معنى اللّفظين إلخ

لا إشكال في معنى الضّر و أنّه ضدّ النّفع و المستفاد ممّا نقله عن الصّحاح أنّ المصدر هو الضّر و اسم المصدر هو الضّرر و أنّ المجرّد و المفاعلة منه بمعنى واحد و قيل الضّر بالفتح ضدّ النفع و بالضمّ الهزال و سوء الحال و أمّا لفظ الضّرار ففي مفهومه إجمال كما يظهر ممّا نقله عن النهاية إلاّ أنّه لا يضرّ بالاستدلال بالأخبار بعد تبين مفهوم لفظ الضّرر هو الاسم و الضّرار هو المصدر فيكون منهيّا عن الفعل الّذي هو المصدر و عن إيصال الضّرر الذي هو الاسم و يظهر من النهاية كون الضرار مصدرا للمجرّد كما أنّه مصدر للمفاعلة

قوله يتعدى بنفسه إلخ

مثل كبّه و أكبّ به و قد ذكر في أخر المصباح في فصل تعدية الثلاثي اللاّزم أربعة عشر موضعا تعدّى فيها الثلاثي و قصر رباعيّه و لم يذكر مادة الضّرر منها هناك

قوله بعد تعذر إرادة إلخ

لوجود الحقيقة في الشّرع و العادة بديهة و بعد تعذر إرادتها اختلفوا في المعنى المراد من اللّفظ على وجوه أحدها ما ذكره المصنف (رحمه الله) من أنّ المراد نفي الضّرر المشروع بمعنى عدم جعل الشّارع حكما يلزم منه ضرر على أحد تكليفيا كان أو وضعيّا فكل حكم تكليفي أو وضعي يلزم من جعله أو إمضائه شرعا ضرر على أحد من قبل اللّه تعالى أو من قبل العباد فهو منفي شرعا و غير مجعول للّه تعالى و لا ممضي عنده و هذا أظهر الوجوه في معنى الرّواية إذ لا يرد عليه سوى لزوم المجازية في الظرف أعني قوله في الإسلام إذ لا بدّ حينئذ من أخذ لفظ في بمعنى السّببية لأنّ المراد بالإسلام هو الأحكام الشرعية و الضّرر مرتّب عليها و مسبّب عنها لا مستقر فيها حتّى يتم معنى الظرفية و لكن لفظ في الإسلام لم يرد إلاّ في بعض الرّوايات المتقدّمة مع أن هذا المحذور أهون من سائر المحاذير الواردة على سائر الوجوه لمساعدة فهم العرف عليه و أمّا ما أورده عليه المصنف (رحمه الله) من منافاته للفقرة الثّانية أعني قوله و لا ضرار بمعنى المجازاة أو فعل الاثنين فمع ورود هذا الإشكال على كلّ تقدير و عدم اختصاصه بهذا الوجه أنه إنّما يرد على تقدير أخذه بأحد المعنيين المذكورين و هو غير متعين لاحتمال التأكيد فيه كما تقدّم و بالجملة أنا قد أشرنا إلى أن لفظ الضرار في الرّواية مجمل و أنّه غير مصادم للاستدلال بالفقرة الأولى أعني قوله لا ضرر لظهوره عرفا و لغة في ضدّ النّفع و كيف كان فالاستدلال بالرّواية على هذا الوجه على إثبات حكم وضعي إنّما هو باعتبار كون نفي الحكم الضّرري مستلزما لحكم وضعي مثل نفي لزوم البيع مع الغبن لاستلزامه الخيار للمشتري و جواز العقد بالنسبة إليه و نفي براءة ذمّة الضّار عن تدارك ما أدخله من الضّرر المستلزم لضمانه و هكذا و ثانيها ما احتمله المصنف (رحمه الله) من أخذ النفي بمعنى النهي بأن كان إنشاء التحريم مرادا من الجملة و هذا المعنى محكي عن البدخشي قال الضّرر و الضرار ممنوع منه شرعا و تحقيق ذلك أن النفي هاهنا بمعنى النّهي بقرينة أصل الضّرر الواقع انتهى و يؤيده قول النّبي (صلى اللّٰه عليه و آله) في قضية سمرة إنّك رجل مضارّ حيث ذمّه على فعل الضّرر و ثالثها أن يكون النفي باقيا على ظاهره و يكون مدخوله مقيدا بالإذن من الشّارع و المعنى لا ضرر مأذونا فيه شرعا و لا ضرار كذلك في الإسلام فكل فعل يكون فيه ضرر على الغير يكون غير مأذون فيه شرعا فيكون حراما فيرجع هذا المعنى إلى سابقه و يرد عليهما أولا أن حمل الجملة الخبرية على معنى الإنشاء و كذا التقدير فيها خلاف الظّاهر و لو بمعونة ملاحظة نظائرها مثل قوله لا عسر و لا حرج في الدّين مضافا إلى أصالة عدمها و ثانيا أن حمل النفي على إرادة معنى التحريم لا يتم في رواية الشفعة المتقدّمة إذ ليس فيها فعل يتعلق به التحريم مع أنّ الصّادق (عليه السلام) قد أثبت الشفعة فيها بقاعدة الضّرر لأنه إذا باع أحد الشّريكين حصّته من المال المشترك فيه فالفعل الّذي يمكن تعلق النّهي به إمّا إيقاع العقد أو إبقاؤه و الأوّل غير حرام بلا إشكال و الثّاني لا يعقل تعلق النّهي به لأن الإبقاء إنّما هو فعل اللّه تعالى دون المكلّف مع أن حرمة الإبقاء لا تستلزم ثبوت الشفعة لعدم المنافاة بين حرمة إبقائه و عدم ثبوت حقّ الشفعة للشفيع نظير عدم استلزام حرمة بيع الزاد و الرّاحلة على المستطيع للفساد و كذا لو باع ثوبا و اشترط في ضمن العقد أن يبيعه ثوبا آخر فإنّ بيع الثوب الآخر من الغير حرام لأجل وجوب الوفاء بالشّروط و لا تستلزم حرمته الفساد و الوجه في ذلك كلّه عدم تعلق النّهي بذات المعاملة و أركانها لتعلق النّهي في الأوّل بتفويت الحجّ و في الثّاني بعدم الوفاء بالشّرط و ثالثا أنّ العلماء قد استدلوا خلفا عن سلف و جيلا بعد جيل بهذه القاعدة في باب الخيارات من خيار الغبن و العيب و نحوهما و لا حرمة في البيع المغبون فيه و لا في بيع المعيب كيف لا و قد يجهل المتبايعان بالغبن و العيب و لا معنى للتحريم حينئذ و رابعا أن متعلق الحرمة هو أفعال العباد دون الأحكام مع أن العلماء ربّما يستدلون على الأعمّ منهما و لذا ترى أنّهم يقولون بعدم وجوب الوضوء فيما استلزم استعمال الماء الضّرر استنادا إلى هذه القاعدة و كذا بعدم وجوب الحجّ مع العلم أو الظنّ بالضّرر في الطّريق و لا معنى لحرمة إيجاب

الوضوء و الحجّ على اللّه تعالى عن ذلك هذا و يمكن دفع ما عدا الأوّل بحمل النّهي على بيان الحرمة التشريعيّة دون الذّاتيّة بأن يراد بتحريم الضّرر تحريم الالتزام بالحكم الّذي يترتب عليه الضّرر لوضوح حرمة الالتزام بالحكم المنفي شرعا و لعله لأجل ذلك قد صرّح المصنف (رحمه الله) برجوع المعنى الثّاني إلى الأوّل لوضوح ثبوت الحرمة على المعنى الأوّل أيضا لما عرفت من استقلال العقل بقبح الالتزام بالحكم المنفي شرعا غاية الأمر أنّ الحرمة على المعنى الأوّل تكون ثابتة بحسب العقل و على المعنى الثّاني مصرحا بها في الرّواية و خامسا أنّ حمل نفي الضّرر على إرادة النّهي عنه لا يناسبه تقييده بقوله في الإسلام إذ الإسلام عبارة عن نفس أحكامه سبحانه فيصير المعنى حينئذ يحرم فعل الضّرر في الأحكام و لا ريب في هجنته الهجنة في الكلام العيب مصباح و رابعها و هو ما يستفاد ممّا نقله المصنف (رحمه الله) عن الفاضل التّوني أن يكون المراد نفي الضّرر المجرد عن التدارك و الجبران في الإسلام لا بدعوى حذف قيد الجبران بل بدعوى كون الضّرر المتدارك غير ضرر ادعاء كدعوى دخول الشجاع في جنس الأسد على مذهب السّكاكي فلا حذف حتّى ينفي بالأصل إذ كما أن ما يحصل بإزائه نفع كدفع مال بإزاء عوض مساو له أو أزيد لا يسمّى ضررا كذلك الضّرر المقرون بحكم الشّارع بلزوم تداركه منزل منزلة عدمه و إن لم يسلب عنه مفهوم الضّرر حقيقة بمجرّد حكم الشّارع بالتدارك فإتلاف المال بلا تدارك ضرر صاحبه إن وجد في الخارج فهو منفي فلا بدّ أن يكون

417

مقرونا بحكم الشّارع بالضمان و كذلك تمليك المغبون ماله من غيره بإزاء ما دونه في القيمة من دون جبرانه بالخيار و هكذا و يرد عليه أوّلا أنّه مجاز فلا يصار إليه بلا دليل و ثانيا منع صحة التنزيل بمجرد حكم الشّارع بالتدارك إذ التّنزيل إنّما يصح مع التدارك فعلا لا بمجرّد الحكم به فتأمل و ثالثا أن الفقهاء ربّما يتمسكون بقاعدة الضّرر في نفي وجوب الوضوء مع الضّرر في استعمال الماء و في نفي وجوب الحجّ مع العلم أو الظنّ بالضّرر في الطّريق و نحوهما مع عدم تحقق الجبران في أمثالهما على تقدير وقوع التكليف و بالجملة أنّ الفقهاء لم يفرقوا في موارد القاعدة بين الضّرر العائد إلى نفس المكلّف و غيره و رابعا أن لفظ في ظاهر في معنى الظرفية و على هذا المعنى لا بد أن يجعل بمعنى السّببية إذ الإسلام عبارة عن نفس أحكام الشّرع و لا معنى لنفي الضّرر غير المتدارك في الإسلام إلاّ بجعل لفظ في بمعنى السّببيّة كما لا يخفى

قوله لأنّ فعل البادئ منهما إلخ

أي الأوّل منهما و في بعض النّسخ الثّاني بدل البادئ و الصحيح هو الأوّل و حاصله أنّه لو كان المراد بالرّواية نفي حكم شرعيّ ينشأ منه ضرر على أحد لا يبقى معنى للفقرة الثّانية أعني قوله و لا ضرار إذا أخذ بمعنى المجازاة أو فعل الاثنين أمّا على الأوّل فإنّه إذا أضرّ أحد غيره فبراءة ذمّة الضّارّ عن تدارك ما أدخل عليه من الضّرر منفية بالفقرة الأولى فلا بدّ من تداركه بالضّمان و هذا الحكم الوضعي أيضا منفي بالفقرة الثّانية لأنّ الضّمان حكم وضعي يترتب عليه ضرر على الضارّ أيضا بعنوان المجازاة فهو منفي بها و أمّا على الثّاني فإنّ شخصين إذا أضرّ كلّ منهما بالآخر فالبادئ منهما ضرر منفي بالفقرة الأولى و الضّرار حينئذ إنما يتحقق بفعل الثّاني لا بفعلهما و لعلّ من فسّره بمعنى الجزاء أخذه من معنى المضارة بمعنى فعل الاثنين لا أنّه معنى مستقل بحياله

قوله لكن لا بد أن يراد بالنهي إلخ

فيه تعريض على صاحب الجواهر لأنّه كما تقدّم سابقا ادّعى كون المراد بالنفي في الرّواية معنى النّهي و أنّه لا يدلّ على الفساد و عن المحقق القمي ره أيضا منع الملازمة بينهما على تقدير كون المراد بالنفي معنى النّهي

[حكومة قاعدة الضرر على جميع العمومات]

قوله ثمّ إنّ هذه القاعدة حاكمة إلخ

اعلم أنّا قد أشرنا سابقا إلى أنّ الكلام في تأسيس كلّ قاعدة يقع تارة من حيث بيان الدّليل المثبت لها و أخرى من حيث دلالتها و مقدارها و ثالثة من حيث المعارض و عدمه و قد أشار المصنف (رحمه الله) إلى الأولين و أراد أن يشير إلى الثالث هنا و ليعلم أنّه ليس في الكتاب و السّنة ما يعارض هذه القاعدة كليّة بأن يدلّ على عدم نفي الضّرر في الأحكام عموما نعم قد يدل دليل خاص على ثبوت حكم خاص في مورد الضّرر فيكون هذا الدّليل مخصّصا لعموم القاعدة و قد تكون العمومات مثبتة للحكم على وجه العموم فتشمل موارد الضّرر أيضا فيقع التعارض بينها و بين هذه القاعدة بالعموم من وجه و قد اختلف كلماتهم في تقديم هذه القاعدة أو ملاحظة المرجّحات و اختار المصنف (رحمه الله) الأوّل بدعوى حكومة هذه القاعدة عليها و إن شئت زيادة توضيح لذلك نقول إنّك قد عرفت ممّا ذكرناه و ذكره المصنف (رحمه الله) أنّ هذه القاعدة ممّا استفاضت بها الأخبار بل ادعى الفخر تواترها و هي المناسبة للملة السّمحة السّهلة إلا أنّ الإشكال في أنّها من قبيل الأصول فتعتبر حيث لا دليل على خلافها عموما و خصوصا حتّى يقال إنّ الأصل عدم هذا الحكم الضّرري إلاّ أن يثبت خلافه بدليل خاصّ أو عام ليكون جميع العمومات مقدّما عليها أو هي من قبيل الأدلّة و عليه فهل هي من قبيل الأدلة اللّفظية أو العقلية و على الأوّل فهل هي فائقة على سائر العمومات أو في عرضها حتّى يلتمس التّرجيح عند معارضتها معها وجوه أمّا الأوّل فهو لازم كلّ من قال بتدارك الضّرر المرتب على العمل بالحكم الشّرعي بالمثوبة الأخرويّة أو غيرها بمعنى عدم تحقق موضوع الضّرر حينئذ كما يظهر من صاحبي العوائد و العناوين لأنّ أدلة الأحكام إمّا مثبتة لنفس الحكم الضّرري كأوامر الزكاة و الخمس و الجهاد أو ما يشمل ذلك كالأمر بالوضوء الشّامل لصورة استلزام استعمال الماء للضّرر و على أيّ تقدير فالأمر يكشف عن وجود مصلحة في موارده فائقة على الضّرر الحاصل منه إذ الأوامر كالنواهي لا بدّ من أن تنشأ من وجود مصلحة في متعلقها سوى المثوبة الحاصلة من إطاعتها و امتثالها فكل مورد ضرري يشمله الدّليل خصوصا أو عموما أو إطلاقا لا تشمله أدلّة نفي الضّرر فيختص مورد هذه القاعدة كموارد الأصول العملية بموارد عدم وجود الدّليل عليها و من هنا يظهر فساد فرض التعارض بين هذه القاعدة على هذا التقدير أعني تقدير تسليم تدارك الضّرر بالمثوبة الأخرويّة و بين عمومات التكليف على ما عرفته من صاحبي العوائد و العناوين و حاصل ما ذكره بعد التّصريح بعدم تحقّق موضوع الضّرر فيما كان في مقابله نفع آجل أو عاجل أنّ كلّ ما ورد في الشّرع من الأحكام بعد وجود النّفع الأخروي في الجميع بل النفع الدّنيوي من دفع بليّة و حفظ مال و زيادة نعمة كما هو مقتضى الآيات و الأخبار في الزّكاة و الصّدقة و نظائرها لا يعدّ ضررا حقيقة و ذلك واضح بل ذلك في الحقيقة نفع لأنّ ما يصل إلى المكلّف بذلك من الخير أضعاف ما أصابه من النقص ظاهرا و ما ورد من مثل القصاص و نحوه فإنّما هو جبر لما وقع من الضّرر و كذلك الدّية و نحوها على ما قرّره الشّارع الحكيم و كل ما فيه تحمل المنقصة مقابل بمثوبة لا يخفى على من اعتقد بوعد الحق فلا ينتقض بورود ما هو ضرر في الشريعة و لا يلزم من ذلك عدم إمكان معارضة دليل بقاعدة الضّرر نظرا إلى كشفه عن نفع دنيوي أو أخروي إذ الأصل عدم تحقق ذلك و الفرض أنّ كونه ضررا في الظّاهر مقطوع به و مقابلته بالنفع محتملة فيما لم يقم دليل قويّ محكم دالّ على ثبوته فإذا تعارض مثلا دليل دالّ على ثبوت ضرر مع دليل نفيه بالعموم من وجه لا يعلم من ذلك تخصيص أحد الدّليلين بالآخر حتّى يعلم أنّه ليس من الضّرر فلا بد من دليل راجح مخصّص لذلك حتى نعرف أنّه خارج من هذا الموضوع فتدبّر جدّا و توضيحه أن الدّليل المثبت على قسمين قسم دالّ على نفس الضّرر كالزكاة و الحجّ و نحوهما و لا ريب أنّه بعد دلالة الدّليل على ذلك نعرف أنه ليس بضرر و قسم ليس كذلك فإن دليل وجوب الحجّ و التوضّي يشمل ما لو كان فيه ضرر بدني مثلا و لا يمكن أن يقال إنّه ليس بضرر إذ ما ثبت من الدّليل العوض على الوضوء و الحجّ لا على المضارّ الآخر الموجودة في ضمنهما و وجود المقابل للطبيعة لا يرفع الضّرر في اللّواحق و قس على ذلك ما يرد

عليك من نظائر ما دفعناه بقاعدة الضّرر انتهى محصّل ما ذكره و وجه الفساد يظهر ممّا أسلفناه لأن تسليم شمول أدلة وجوب التوضّي و الحجّ بعمومها لما فيه الضّرر البدني مثلا لا يجامع دفع ما يتدارك به الضّرر الحاصل منهما بالأصل و لا وجه لدعوى كون النفع العائد منهما محتملا إذ مع تسليم شمول عموم الأدلّة لصورة الضّرر فهو يكشف عن وجود مصلحة في الفعل يتدارك بها الضّرر الحاصل به سوى المثوبة الحاصلة بالإطاعة كيف لا و لو فرض أمر الشّارع بخصوص من يتضرر باستعمال الماء بالتوضّي فلا ريب في عدم قبحه لكشف الأمر عن وجود مصلحة فائقة على

418

الضّرر الحاصل منه و لا شكّ في عدم الفرق بين الأمر بعموم ما يشمل مورد الضّرر و بخصوص الفعل المتضمّن له فيما ذكرناه و هنا وجه آخر لكون هذه القاعدة من قبيل الأصول دون الأدلة ذكره المحقّق القمي (رحمه الله) قال فبما حكي عنه أنّه تعالى لا يرضى بإضرار بعض عباده بعضا و لا يفعل ما يضرّ بعباده و يجوز لمن تضرّر دفع الضّرر عن نفسه فالمراد بنفي الضّرر نفي ما هو زائد على ما هو لازم لطبائع التكاليف الثّابتة بالنسبة إلى طاقة أوساط النّاس البريئين عن المرض و العذر الّذي هو معيار مطلق التكاليف بل هي منتفية من الأصل إلا فيما ثبت و بقدر ما ثبت و لا يريد اللّه الضّرر إلاّ من جهة التكاليف الثّابتة بحسب أحوال متعارف الأوساط انتهى و إذا كان المراد بالضّرر هو الزّائد على الضّرر الحاصل في طبائع التكاليف بالنسبة إلى أوساط النّاس فنفي الضّرر حينئذ لا يعارض التكاليف الضّرريّة غير الزّائد ضررها على الضّرر الحاصل في طبائعها بالنسبة إلى الأوساط نعم هو يعارض الدّليل المثبت للتكليف الضّرري الزائد على ما في طبائعها بالنسبة إلى الأوساط فللقاعدة حينئذ جهة أصلية و جهة دليلية و لكن كلمات علمائنا الأخيار بل إجماعهم و أخبار أئمّتنا الأطهار (عليهم السلام) تدفع كونها من قبيل الأصل مطلقا أو في الجملة بحيث يتوقف جريانها في مورد على عدم الدّليل أمّا الأوّل فواضح و أمّا الثّاني فلما تقدم من الأخبار مستندا للقاعدة لتضمّن جملة منها لتمسّك النّبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و بعض خلفائه المعصومين (عليهم السلام) بالقاعدة في مقابل الأدلّة المنافية لها كما في قصّة سمرة حيث أمر بقلع العذق تمسّكا بالقاعدة مع مخالفتها لسلطنة المالك على التصرّف في أمواله و كذا قد أثبت الشّفعة بها مع مخالفتها لعموم وجوب الوفاء بالعقود و حكم فيمن اشترى بعيرا مريضا و أشرك فيه رجلا بدرهمين في الرّأس و الجلد و اتفق أن البعير برئ فبلغ ثمنه دنانير بأن له خمس ما بلغ و أنّه إن قال لا أريد إلاّ الرّأس و الجلد فليس له ذلك تمسّكا بالقاعدة مع مخالفتها لقاعدة الشّركة و إذا ثبت عدم كونها من قبيل الأصول ففي كونها من قبيل الأدلّة العقليّة أو اللفظيّة وجهان بل قولان و استدلّ على الأوّل في العناوين بما حاصله أنّ العقل كما يقبح إضرار النّاس بعضهم ببعض فيحرم لذلك كذلك يقبح الإضرار من اللّه تعالى عن ذلك فيحرم عليه أيضا بمعنى عدم جواز صدوره عنه سبحانه عقلا فإنّ الضّرر و الضرار مناف للطف و العدل على ما يفهم من معناهما و مثل ذلك غير مجوز عقلا أيضا كما أسلفناه في مسألة العسر و الحرج و أقول إنّ قبح الإضرار من المكلّفين إنّما هو مع قصده و أمّا لا معه فلا نسلّم قبحه و لعلّ المستدل أيضا لا ينكر ذلك و موضوع البحث هنا أعمّ ممّا صدر عن عزم و التفات و غيره فالدّليل لا يعمّ موارد المدّعى و أمّا قبحه من اللّه تعالى فإنما يتجه على تقدير إدراك العقل عدم تداركه بما هو أصلح للعبد و لعل الأمر بالفعل الضّرري لدفع ضرر أشدّ منه بدني أو مالي أو غيرهما أو منفعة كذلك أو لمجرد الابتلاء و بالجملة أنّ أمر الشّارع بفعل ضرري يكشف عن وجود مصلحة فيه فائقة على الضّرر الحاصل منه لقبح الإضرار من الحكيم على الإطلاق و هذا ليس بمجرّد احتمال حتّى يدفع بالأصل كما توهّم فتعين أن تكون القاعدة من الأدلة النقلية الثابتة بالأخبار المتقدّمة و هل هي في عرض سائر القواعد حتّى يلتمس الترجيح في موارد التعارض أو هي حاكمة عليها و الأوّل يظهر من غير واحد من المتأخرين قال المحقّق القمي ره قاعدة لزوم البيع تعارض قاعدة الضّرر و بينهما عموم من وجه و يحكم بالخيار ترجيحا للثّاني من جهة العقل و العمل و غيرهما و لو كانت من باب الأصل لما عارضت الدّليل انتهى و نقل المصنف (رحمه الله) عن الفاضل النّراقي و الثّاني هو المختار وفاقا للمصنف (رحمه الله) و يدل عليه وجوه أحدها ما أشار إليه المصنف (رحمه الله) من قياس هذه القاعدة على نظائرها من سائر القواعد من قاعدة العسر و غيرها فكما أنّ قاعدة العسر تقدّم على سائر أدلة التكاليف من دون ملاحظة الترجيح بينهما كذلك هذه القاعدة و ثانيها ما أشار إليه المصنف (رحمه الله) من ورود أخبار هذه القاعدة في مقام الامتنان على العباد و هو إنّما يتحقق فيما كانت العمومات و المطلقات مثبتة للتكاليف مطلقا حتّى في مورد الضّرر ليكون رفعها بهذه الأخبار عن موارد الضّرر منّة على العباد و لا نعني بالحكومة سوى هذا المعنى و لو لم

تكن العمومات و المطلقات مقتضية لثبوت مقتضياتها مطلقا حتّى في موارد الضّرر لم يكن للامتنان معنى في المقام و ثالثها أنّ معنى الحكومة كما أشار إليه المصنف (رحمه الله) أن يكون أحد الدليلين متعرّضا بمدلوله اللّفظي للآخر و مبيّنا للمراد منه إمّا بالتعميم في موضوعه أو التخصيص فيه أمّا الأوّل فمثل ما دلّ على الطّهارة بالاستصحاب أو بشهادة العدلين لحكومته على ما دلّ على أنّه لا صلاة إلاّ بطهور بالتعميم في موضوع الطّهارة في الدّليل المحكوم عليه لدلالته على كون المراد بها فيه أعم من الطّهارة الواقعية و الثابتة بالاستصحاب أو البيّنة و ذلك لأن دليل الاستصحاب أعني قوله لا تنقض اليقين بالشكّ متعرض بمدلوله اللّفظي لبيان حال ما دلّ على أنّه لا صلاة إلاّ بطهور مثلا و كذا دليل حجية البينة إذا قامت على طهارة ثوب المصلّي فإنّهما يبيّنان و يفسّران المراد بالطّهارة في قوله (عليه السلام) لا صلاة إلاّ بطهور و أنّها أعمّ من الطّهارة المعلومة و الطّهارة المستصحبة و ما قامت عليه البيّنة و أمّا الثّاني فكقاعدة الضّرر أو العسر أو غيرهما لدلالتهما على كون المراد بمتعلق التكليف في سائر العمومات و المطلقات ما عدا موارد الضّرر و العسر فتعرض الدّليل الحاكم لبيان المراد بالدليل المحكوم عليه تارة يكون بالتّعميم في موضوع الدّليل المحكوم عليه و أخرى بالتخصيص فيه و ممّا ذكرناه قد ظهر أنّ الأخبار الواردة في مقام بيان هذه القاعدة بالنسبة إلى أدلة التكاليف من قبيل ذلك لأنّ مقتضاها نفي الحكم الضّرري من بين الأحكام فهي تنادي بأعلى صوتها عدم تشريع حكم ضرري في جملة الأحكام الّتي تثبت بمقتضى أدلتها فكلّ حكم في مورد الضّرر غير مجعول للشّارع فهذه الأخبار مفسّرة و مبيّنة بمداليلها اللّفظية لحال سائر العمومات و المطلقات و مصرّحة بعدم شمولها لموارد الضّرر فلا تعارض بينهما حتى يلتجأ إلى ملاحظة التّرجيح في موارد الاجتماع إذ لا معنى للتعارض مع كون أحد الدّليلين مفسّرا للمراد بالآخر إمّا بالتعميم أو التخصيص فيه كما أشرنا إليه نعم لورود دليل خاص على ثبوت حكم ضرريّ في مورد خاص كان مخصصا لهذه القاعدة لعدم كونها من القواعد التي لا تقبل التخصيص و رابعها أنّ النّبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و بعض خلفائه المعصومين (عليهم السلام) قد استدلاّ بهذه القاعدة في مقابل سائر العمومات و المطلقات المثبتة للتكليف من دون ملاحظة الترجيح بينهما كما في قصّة سمرة و مسألة الشفعة و غيرهما ممّا تقدّم و لو لا قضية الحكومة بينهما لا يبقى وجه لتقديمها عليه من دون ملاحظة ترجيح بينهما و خامسها سيرة العلماء كما صرّح به المصنف (رحمه الله) في بعض رسائله قال في تقريبه عليه جرت سيرة الفقهاء في مقام الاستدلال في مقامات لا يخفى منها استدلالهم على ثبوت خيار الغبن و بعض خيارات أخر بقاعدة نفي الضّرر مع وجود عموم النّاس مسلّطون على أموالهم الدّال على لزوم العقد و عدم سلطنة المغبون على إخراج ملك الغابن بالخيار عن ملكه انتهى

قوله ثمّ إنّه

419

يظهر ممّا ذكرناه إلخ

توضيحه أن مقتضى حكومة قاعدة الضّرر على عمومات التكاليف أن لا تكون المصالح الّتي تنشأ منها الأحكام صالحة لتدارك ما يترتب عليها من الضّرر في بعض مواردها و إلاّ لم يكن لحكومة هذه القاعدة عليها وجه لأنّ الشّارع إذا أمر بالتوضي على وجه الإطلاق الشامل لصورة التضرّر باستعمال الماء كان ذلك كاشفا عن وجود مصلحة فيه حتّى في مورد الضّرر و إلاّ كان إطلاق الأمر خاليا من المصلحة إلاّ أنّ حكومة هذه القاعدة على إطلاق الأمر بالتوضي يكشف عن عدم وجود المصلحة في مورد الضّرر بمعنى عدم كون أصل مصلحة الحكم متداركة للضّرر الحاصل من استعمال الماء و إلاّ لم يكن لوضع الحكم عن مورد الضّرر معنى لارتفاع موضوع الضّرر حينئذ بتداركه بمصلحة مساوية له أو أقوى منه

قوله و قد يدفع بأن العمومات إلخ

الدافع هو صاحبا العوائد و العناوين و قد تقدم كلامهما عند شرح ما يتعلق ببيان حكومة هذه القاعدة على سائر العمومات و نقول هنا أيضا توضيحا لبيان مرادهما أنّ غاية ما يلزم من الأمر على وجه العموم أو الإطلاق هو حسن الطبيعة الّتي تعلق بها أو بأفرادها الأمر و وجود مصلحة فيها فإذا فرض ترتّب ضرر على العمل به في واقعة خاصّة فإطلاق الأمر أو عمومه إنّما يكشف عن وجود مصلحة في نفس الطبيعة مع قطع النّظر عن أفرادها و خصوصياتها و هذه المصلحة لم تلاحظ في مقابل الضّرر الحاصل من خصوصيات الأفراد فلا تصلح لتداركه فشمول الأمر بإطلاقه أو عمومه لمثل هذا الفرد موقوف على وجود مصلحة فيه زائدة على مصلحة الطبيعة حتّى يتدارك بها الضّرر الحاصل به و هذه المصلحة إن كانت ملحوظة في نظر الشّارع في نفس الأمر في مقابل الضّرر الحاصل منه صحّ تعلق الأمر به و حينئذ يخرج هذا الفرد من موضوع قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) لا ضرر و لا ضرار كسائر الأفراد الّتي لا يترتب عليها ضرر أصلا لارتفاع الضّرر فيه أيضا بالتدارك و إن لم تكن ملحوظة كذلك بأن لم تكن فيه مصلحة زائدة على مصلحة الطبيعة فقاعدة نفي الضّرر تمنع شمول عموم الحكم له و تخصّصه بغير موارد الضّرر و لا علم لنا بوجود هذه المصلحة الزّائدة في موارد الضّرر حتّى يقال بتداركه بها و مع تكافؤ احتمالي وجودها و عدمها تتعارض هذه القاعدة مع عموم الأمر بل أصالة عدم هذه المصلحة الزّائدة تقضي بكون المورد من موارد القاعدة لا كونه مشمولا لعموم الأمر فأمّا أشنعية هذا الدّفع من أصل التوهم فاعلم أنّ المصنف (رحمه الله) قد أشار بقوله إن سلم أوّلا إلى منع شمول إطلاق الأمر أو عمومه لموارد الضّرر و ثانيا على تقدير التسليم إلى منع عدم انجبار الضّرر الموجود بمصلحة الحكم أمّا الأوّل فإن مقتضى إطلاق نفي الضّرر في الأحكام عدم وجود مصلحة متداركة في موارد الضّرر و عدم شمول إطلاق الأمر أو عمومه لها كما أسلفناه في الحاشية السّابقة كيف لا و لو فرض احتمال وجودها في مورد الضّرر لم يبق مورد لهذه القاعدة لأنّها إنّما وردت في مقابل سائر العمومات و المطلقات فلو تعارض احتمال وجود المصلحة الزّائدة و احتمال عدمها في موارد الضّرر لا تكون هذه القاعدة مستقلة بنفي حكم في مورد إلاّ بضميمة الأصل إلاّ في موارد أصالة البراءة التي أغنتنا عن التمسّك بالقاعدة فيها و من لاحظ الأخبار الواردة في المقام على جهة الامتنان قطع بفساده و أمّا الثّاني فإن تسليم عموم الأمر أو إطلاقه لموارد الضّرر يكشف عن وجود المصلحة الزائدة فيها لا محالة و إلاّ بقي شموله لها بلا مصلحة و هو قبيح و محصّل ما ذكرناه هنا و في الحاشية السّابقة أنّ القاعدة إن لم تكن حاكمة على عموم الأمر فعمومه لموارد الضّرر يكشف عن وجود المصلحة الزائدة فيها لا محالة فيقع التعارض بينه و بين قاعدة نفي الضّرر و إن كانت حاكمة عليه فهو لا يتم إلا بتسليم عدم جبر المصلحة للضرر الموجود و ممّا ذكرناه قد ظهر أن خروج مثل الزكاة و الخمس و الجهاد من عموم قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) لا ضرر و لا ضرار إنّما هو من باب التخصّص دون التخصيص إذ لا بد فيها من وجود مصلحة متداركة لا محالة بناء على عدم صدق الضّرر مع تداركه بمصلحة موازية أو أقوى منه و لكنه لا يخلو من نظر لأن تدارك الضّرر إنّما يصحّح التكليف بالتضرر و لا يوجب خروجه من موضوع الضّرر فلا بد أن يكون خروج ما ذكرناه من باب التخصيص دون التخصّص

[انجبار وهن قاعدة الضرر بكثرة التخصيصات بعمل الفريقين بها]

قوله و لعلّ هذا كاف

يعني عمل العلماء في جبر وهن دلالة العام على مورد الشكّ و ربّما يقال بكفاية عدم إعراض الأصحاب عن العام في مورد التمسّك في جبر وهنه و الأقرب هو الأوّل و السرّ في كفايته أن وهن العموم بكثرة ورود التخصيص إمّا من جهة أنّه مع ورود مخصّصات كثيرة على عام و عدم معرفة جميعها بأعيانها يحصل العلم إجمالا بورود بعض المخصّصات عليه و مع الشكّ في مورد في بقائه تحت العام أو خروجه ببعض المخصّصات الّتي لا نعرفها تفضيلا بعود العام مجملا لا يجوز التمسّك به في مورد الشكّ و إمّا من جهة ضعف ظهور العام في العموم و الشّمول بتوارد المخصصات الكثيرة عليه و إن لم يكن هنا علم إجمالي بل الظن قبل الفحص في مثل ما نحن فيه حاصل بخروج مورد الشكّ من تحت العام إلحاقا له بالأعمّ الأغلب و يدفع الأوّل أنّه إنّما يتم في موارد العمل بالعام من دون ضميمة عمل العلماء لا معها لا بمعنى ارتفاع العلم الإجمالي بعملهم حتّى يمنع بل بمعنى كشف عملهم عن خروج مورد عملهم من أطراف العلم الإجمالي و بعبارة أخرى أن مورد الشك لما كان محتمل الدّخول في أطراف العلم الإجمالي فعملهم يكشف عن خروجه منها من أوّل الأمر و يدفع الثّاني أنّ غاية ما يقتضيه ورود المخصّصات الكثيرة على العام هو وجوب الفحص عن مخصصاته في مظانها و مظانها فيما نحن فيه هي الأخبار بضميمة عمل العلماء فبعد الفحص عنها كذلك يرتفع محذور وهن العموم و ذلك لأن العمل بالعمومات سيّما الموهون منها بكثرة التخصيص و إن كان مشروطا بالفحص عن مخصّصاتها عن مظانها إلى أن يحصل اليأس من وجدانها إلاّ أنّ مظان مخصّصات هذه القاعدة ليست مضبوطة معلومة حتّى يرجع في الفحص عنها إليها لأنّ أكثر التّخصيصات الواردة عليها معلوم بالإجماع دون النصّ فلا بد في العمل بها من الرّجوع إلى عمل الأصحاب الناقدين للآثار المرويّة عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) إذ بعد الرّجوع إليه يرتفع وهن العموم و يزول الظن المذكور و يحصل للعام ظهور في الشّمول و عدم خروج مورد الشكّ من العموم

قوله و إن كان في كفايته نظر إلخ

تقرير وجه النّظر أن كثرة التخصيص إن بلغت إلى مرتبة الاستهجان فلا بد من حمل قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) لا ضرر و لا ضرار على معنى آخر لا يلزم منه ذلك كما إذا حمل النفي على معنى النّهي أو غير ذلك و إن لم تبلغ إليها فلا يبقى فرق بين هذا العام و سائر العمومات المخصّصة فلا وجه لتخصيص الوهن بالدّلالة به مع أن ما ذكرناه من الوجهين في الحاشية السّابقة على تقدير تسليمهما إنّما يتم وجها في جبر وهن الدّلالة في موارد ثبوت عمل العلماء دون غيره و ظاهر المصنف (رحمه الله) كفاية عملهم في الموارد الكثيرة في جبر وهنها مطلقا حتّى في مورد لم يثبت عملهم بالعام فيه و هو لا يخلو من نظر لأنّ صلاحية عملهم للجبر إنما هو من جهة كشفه عن عدم خروج محلّ الشكّ من عموم العام و عملهم إنما يكشف عن ذلك في مورد عملهم لا مطلقا

قوله إلى منع أكثريّة الخارج إلخ

يمكن أن يقال علي تقدير تسليم أكثرية الخارج إن المستهجن منها ما كان الباقي بعد تخصيص الأكثر قليلا لا يعتد به في جنب الخارج كالواحد و الاثنين بالنسبة إلى عشرين أو ثلاثين بخلاف ما لو كان الباقي كثيرا في نفسه و معتدا به بحياله و إن كان الخارج أكثر منه كالعشرة بالنسبة إلى اثني عشر لمنع الاستهجان في الثّاني

420

فتأمل

قوله بعنوان واحد جامع إلخ

فإن قلت إنّ التخصيص النّوعي خلاف الظّاهر لا يصار إليه إلاّ بدليل لظهور العام في العموم الأفرادي و المخصّصات في كون خروج الخارج بعنوانه الخاصّ لا بعنوان عامّ مع أنّه مع عدم معرفة عنوان المخصّص يحتمل دخول محلّ الشّك في عنوان المخصّص فيعود العام من قبيل المخصّص بالمجمل قلت ليس مرادنا بالتخصيص النّوعي تخصيص نوع من الأفراد بل المراد تخصيص أفراد نوع واحد لكن لا بلحاظ كلي جامع بين الأفراد بل بلحاظ أشخاص الأفراد لكن من نوع واحد و دعوى عود محذور لزوم تخصيص الأكثر المستهجن مدفوعة بمنع استهجان هذا القسم من التخصيص لأنّا و إن قلنا باستهجان تخصيص الأكثر و لكنه ليس على إطلاقه إذ لا بد من استثناء بعض الموارد منه مثل الوقوع في مقام المزاح و الهزل و ما نحن فيه أيضا من جملة موارد الاستثناء و يشهد به تمسّك النّبي (صلى اللّٰه عليه و آله) بعموم لا ضرر في قصة سمرة و الصّادق (عليه السلام) في الشفعة فإن تمسّكهما بالعموم يكشف إمّا عن عدم ورود تخصيص الأكثر عليه بأن كان التخصيص بحسب النّوع و إمّا عن عدم استهجان تخصيص الأكثر و لكن يبقى الإشكال حينئذ في كون العام من قبيل المخصّص بالمجمل

قوله في قوله (عليه السلام) المؤمنون عند شروطهم إلخ

لأن الشّرط لغة إمّا بمعنى الإلزام و الالتزام بشيء مطلقا كما في الصّحاح و هو غير واجب إلاّ بمثل النذر و العهد أو في ضمن العقد مع شرائطه الخاصّة أو إلزام الشيء و التزامه في البيع و نحوه كما في القاموس و قد خرج منه ما خالف مقتضى العقد و ما حلّل حراما أو حرّم حلالا و غير ذلك

قوله قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ إلخ

عن مجمع البيان أنّ العقد أوكد العهود فاختلف في هذه العهود على أقوال أحدها أنّه عهود أهل الجاهليّة بينهم على النصرة و المؤازرة و المظاهرة و ثانيها أنّه عهود اللّه في حلاله و حرامه و ثالثها العقود التي يعاقدها النّاس بينهم و يعقدها المرء على نفسه كعقد الإيمان و رابعها أمر أهل الكتاب بالوفاء بما أخذ به ميثاقهم بالعمل بالتوراة و الإنجيل في تصديق نبيّنا (صلى اللّٰه عليه و آله) و ما جاء به من عند اللّه و أقواها القول الثّاني كما رواه ابن عبّاس و تدخل فيه جميع الأقوال الأخر انتهى و في الصّحيح كما صرّح به المصنف (رحمه الله) و هو المروي عن القمي عن الصّادق (عليه السلام) تفسيرها بالعهود

قوله ثمّ إنّه يشكل الأمر إلخ

وجه الإشكال أن ظاهر الرّوايات اعتبار الضّرر الشخصي و ظاهر العلماء حيث تمسّكوا بهذه القاعدة في إثبات خيار الغبن و العيب و الشّفعة هو اعتبار الضّرر النوعي بالتقريب الذي ذكره المصنف (رحمه الله) و يدل عليه أيضا استدلال الإمام عليه بهذه القاعدة لإثبات الشّفعة مطلقا في بعض أخبار الباب كما تقدّم في بعض الحواشي المتقدّمة و ربّما يقال إنّ الظاهر من الرّوايات اعتبار الضّرر الشّخصي فهو الأصل في كل مقام إلا أن يدل دليل خاص من خبر أو سيرة من العلماء في مورد خاص كما عرفت على اعتبار الضّرر النّوعي لكون ذلك قرينة لإرادته في الموارد الخاصة من قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) لا ضرر و لا ضرار من باب الدّعوى و تنزيل الضّرر النّوعي منزلة الشّخصي كما ارتكب مثله في قوله (عليه السلام) لا عسر و لا حرج في الدّين و حاصله اعتبار عموم المجاز في قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) لا ضرر و لا ضرار لعدم صحّة إرادة المعنى الحقيقي و المجازي من لفظ واحد كما هو واضح

قوله إلا أن يستظهر إلخ

كما ترشد إليه رواية الشفعة كما عرفته في الحاشية السّابقة

قوله أشكل إلخ

لكون نفي الضّرر حينئذ مستعقبا لضرر آخر فتتعارض فيهما القاعدة و حاصل ما أجاب به المصنف (رحمه الله) أنّ الضّرر الثّاني ليس بضرر لترتبه على تزلزل العقد كما في سائر العقود الجائزة و يحتمل أن يريد أنّ الضّرر الثّاني مرتب على جريان القاعدة في الضّرر الأوّل فلا تشمله القاعدة لاستناد ثبوته إليها و لعلّ الأمر بالتأمّل على الأوّل إشارة إلى أنّ الثّاني إنّما لا يكون ضررا على تقدير عدم لزوم العقد ابتداء مع قطع النّظر عن الضّرر الأوّل و الفرض أن تزلزل العقد إنّما نشأ من تقديم ضرر البائع و الشفيع على ضرر صاحبه و على الثّاني إشارة إلى أن عدم شمول القاعدة للضّرر الثّاني إنّما هو بالدّلالة اللفظية و إلاّ فلا ريب في شمولها له بتنقيح المناط نظير ما أجيب عمّا اعترض على ما أورد على المرتضى فيما ادعاه من الإجماع على عدم حجيّة خبر الواحد فإنّه أورد عليه باستلزامه عدم حجيّة ما نقله من الإجماع لكونه من جملة أخبار الآحاد و اعترض عليه بأنّه لا يشمل نفسه و أجيب عنه بأنّه و إن لم يشمل نفسه بالدّلالة اللفظيّة إلاّ أنّه يشمله بتنقيح المناط

[تعارض الضرريين مع فقد المرجح في البين]

قوله بالنسبة إلى شخص واحد إلخ

قال المصنف (رحمه الله) في رسالته المفردة في هذه القاعدة لو دار الأمر بين حكمين ضرريّين بحيث يكون الحكم بعدم أحدهما مستلزما للحكم بثبوت الآخر فإن كان ذلك بالنسبة إلى شخص واحد فلا إشكال في تقديم الحكم الذي يستلزم ضررا أقل ممّا يستلزمه الحكم الآخر لأنّ هذا هو مقتضى نفي الحكم الضرري عن العباد فإن من لا يرضى بتضرّر عبده لا يختار له إلا أقلّ الضررين عند عدم المناص عنهما انتهى و أقول أنّ الضّررين المتوجه أحدهما إلى العبد على وجه الدّوران لا يخلوان إمّا أن يتساويا بحسب المرتبة و الاعتقاد بأن كانا ماليين أو عرضيين أو نفسيين و يكونا مظنونين أو مقطوعين و إمّا أن يكون أحدهما راجحا بحسب المرتبة و الاعتقاد و الآخر مرجوحا كذلك و إمّا أن يكون أحدهما راجحا بحسب المرتبة و مساويا للآخر بحسب الاعتقاد و إمّا بالعكس و إمّا أن يكون لكل منهما جهة رجحان بأن كان أحدهما راجحا بحسب المرتبة و الآخر بحسب الاعتقاد و هذه أقسام خمسة أمّا الأوّل منها فلا إشكال في تخيّر المكلّف في أخذ أحدهما و دفع الآخر مع تساويهما في الكمّيّة و أمّا مع اختلافهما فيها فيدخلان في صورة رجحان أحدهما و أمّا الثاني و الثالث و الرّابع فيدفع الضّرر الرّاجح فيها و يؤخذ بالمرجوح مع تساويهما في الكميّة و أمّا مع اختلافهما فيها بمعنى كون المرجوح أكثر مقدارا من الرّاجح فهو يدخل في القسم الخامس أعني صورة رجحان كل منهما من جهة و ليعلم أن هذا القسم يختلف بحسب الأشخاص إذ رب شخص يتحمل الضرر المالي و إن كان كثيرا دون العرضي و إن كان قليلا و الضرر العرضي المقطوع به أولى من المالي المظنون في الجملة فلا بد من ملاحظة الأشخاص و دفع الرّاجح بحسب حالهم هذا كله فيما كان الضرران دنيويّين و إن كان أحدهما دنيويّا و الآخر أخرويّا كما في الزكاة و الخمس و الجهاد فلا يخلو إمّا أن يقوم على الأخروي دليل قطعي أو ظني معتبر فيقدم على الدنيوي لأنّ الضّرر الأخروي قليله أشدّ بمراتب من المهالك الدّنيويّة فضلا عن سائر مضراته و إمّا أن لا يقوم عليه دليل كذلك فيقدم الضّرر الدنيوي حينئذ لكون أصالة البراءة حينئذ مؤمنة عن الضّرر الأخروي المشكوك أو المظنون بظن غير معتبر

قوله أو شخصين فمع فقد المرجّح إلخ

قال المصنف (رحمه الله) بعد ذكر ما قدمناه في الحاشية السّابقة و إن كان بالنسبة إلى شخصين فيمكن أن يقال أيضا بترجيح الأقل ضررا أو مقتضى نفي الضّرر عن العباد في مقام الامتنان عدم الرّضا بحكم يكون ضرره أكثر من ضرر الحكم الآخر لأنّ العباد كلّهم متساوون في نظر

421

الشارع بل بمنزلة عبد واحد فإلغاء الشارع أحد الشخصين في الضّرر بتشريع الحكم الضرري فيما نحن فيه نظير لزوم الإضرار بأحد الشخصين لمصلحته فكما يؤخذ فيه بالأقل كذلك فيما نحن فيه و مع التّساوي فالرّجوع إلى العمومات الأخر و مع عدمها فالقرعة لكن مقتضى هذا ملاحظة ضرر الشّخصين المختلفين باختلاف الخصوصيّات الموجودة في كلّ منهما من حيث المقدار و من حيث الشخص فقد يدور الأمر بين ضرر درهم و ضرر دينار مع كون ضرر الدّرهم أعظم بالنّسبة إلى صاحبه من ضرر الدينار بالنّسبة إلى صاحبه و قد يعكس حال الشّخصين في وقت آخر انتهى و أقول إنّ تحقيق الكلام في المقام إنّ تعارض الضّررين تارة مع وجود المرجح لأحدهما و أخرى مع فقده أمّا الأوّل فلا إشكال في تقديم الرّاجح منهما و المرجّح أمور أحدها الملكيّة و سيجيء أن تصرّف المالك إذا استلزم تضرّر جاره يقدم ضرر المالك نعم قد يقدم ضرر الجار كما إذا غرس شجرا في ملكه فوقعت أجذاعه على ملك الجار فتقطع حينئذ أجذاع الشّجر الواقع في ملك الغير لاستلزام بقائها تصرّفا في ملك الغير فيدخل الضّرر حينئذ على المالك و ستقف على تحقيق الكلام في ذلك و ثانيها العرف و العادة بأن كان أحد الضررين في نظرهم مقدّما على الآخر قال في الرّوضة فيما لو باع الأصول و أبقى الثمرة و يجوز لكل منهما أي البائع و المشتري السقي مراعاة لملكه إلا أن يستضرا معا فيمنعان فلو تقابلا في الضرر و النّفع رجحنا مصلحة المشتري لأنّ البائع هو الذي أدخل الضّرر على نفسه ببيع الأصل و تسليط المشتري (أي بائع الأصول الذي بقيت له الثمرة) عليه الذي يلزمه جواز سقيه انتهى و لعلّ مراده أن البيع مستلزم عرفا لنقل جميع توابع المبيع و الحقوق الثابتة للبائع إلى المشتري و لا شكّ أنّ حق سقي الأصول كان إلى البائع قبل البيع فإذا باعها من دون استثنائه في ضمن العقد فهو بمنزلة اشتراط الدّخول في المبيع في نظر أهل العرف و إن لم يصرّح به و إن باع الأصول أوّلا من شخص ثمّ الثمرة من آخر قدم الأوّل لانتقال الحق إليه أولا و إن باعهما منهما بعقد واحد بأن كانت الأصول لأحدهما و الثمرة للآخر ففي بطلان العقد لأجل تعارض الحقين و عدم المرجّح و صحّته لأجل تقديم الأقل ضررا وجهان و ثالثها التفريط فيقدم ضرر غير المفرط منهما فإذا توقف إخراج الدّابة من الدّار على هدم الدّار أو ذبح الدّابة فإن كان دخولها فيها بتفريط من صاحب الدّار بأن فتح الباب فدخلت فيها يحكم بهدمها من دون ضمان أرش الهدم و إن كان بتفريط من صاحب الدابّة يحكم بهدمها مع ضمان صاحب الدّابة للأرش و لم يحتمل أحد ذبح الدّابة مع كون التّفريط من صاحبها إلاّ ما حكي عن الشّهيد في الدّروس و الفاضل في التّذكرة و لعلّ نظرهم في ذلك إلى كون ذي الرّوح محترما في نظر الشّارع و أنت خبير بأنّه إن ثبت الإجماع على الترجيح بالتّفريط و إلاّ فللنظر بل للمنع فيه مجال و أمّا إذا دخلت الدّابة في الدّار من دون تفريط من صاحبيهما قدم عند المشهور جانب من كان إخراج الدّابة من الدّار لمصلحته و هو صاحب الدّابة كما نقله المصنف (رحمه الله) في آخر كلامه هنا و أمّا الثّاني فيحكم فيه بتقديم أقل الضّررين و سيجيء الكلام فيه و في صورة تساويهما عند شرح قوله و أمّا في غير ذلك إلى آخره

قوله و قد ذكرنا توضيح ذلك إلخ

قال في المكاسب في مسألة التّولي من قبل الجائر في جملة كلام له إنّما الإشكال في أنّ ما يرجع إلى الإضرار بالغير من نهب الأموال و هتك الأعراض و غير ذلك من العظائم هل يباح كل ذلك بالإكراه و لو كان الضّرر المتوعّد فيه على ترك المكره عليه أقل بمراتب من الضّرر المكره عليه كما إذا خاف على عرضه من كلمة خشنة لا يليق به فهل يباح بذلك أعراض النّاس و أموالهم و لو بلغت ما بلغت كثرة و عظمة أم لا بدّ من ملاحظة الضّررين و الترجيح بينهما وجهان من إطلاق أدلة الإكراه و أنّ الضّرورات تبيح المحظورات و من أنّ المستفاد من أدلّة الإكراه تشريعه لدفع الضرر و لا يجوز دفع الضّرر بالإضرار بالغير و لو كان ضرر الغير أدون فضلا عن أن يكون أعظم و إن شئت قلت إن حديث رفع الإكراه و رفع الإضرار مسوق للامتنان على جنس الأمة و لا حسن في الامتنان على بعضهم بترخيصه في الإضرار بالبعض الآخر فإذا توقّف دفع الضّرر عن نفسه بالإضرار بالغير لم يجز و وجب تحمل الضّرر هذا لكن الأقوى الأوّل لعموم دليل نفي الإكراه لجميع المحرّمات حتى الإضرار بالغير ما لم يبلغ الدم و عموم نفي الجرح فإن إلزام الغير بتحمل الضّرر بترك ما أكره عليه حرج و قوله إنما جعلت التّقية لتحقن بها الدّماء فإذا بلغ الدم فلا تقية حيث دلّ على أن حدّ التقية بلوغ الدم فتشرع لما عداه و أمّا ما ذكر من استفادة كون نفي الإكراه لدفع الضّرر فهو مسلّم بمعنى دفع توجه الضّرر و حدوث مقتضيه لا بمعنى دفع الضرر الموجّه بعد حصول مقتضيه بيان ذلك أنّه إذا توجّه الضّرر إلى شخص بمعنى حصول مقتضيه فدفعه عنه بالإضرار بغيره غير لازم بل غير جائز في الجملة فإذا توجّه ضرر على المكلّف بإجباره على مال و فرض أن نهب مال الغير دافع له فلا يجوز للمجبور نهب مال غيره لدفع الجبر عن نفسه و كذلك إذا أكره على نهب مال غيره فلا يجب تحمل الضرر بترك النّهب لدفع الضّرر الموجّه إلى الغير و توهم أنّه كما يسوغ النّهب في الثاني لكونه مكرها عليه فيرتفع حرمته كذلك يسوغ في الأوّل لكونه مضطرّا إليه أ لا ترى أنه لو توقف دفع الضرر على محرّم آخر غير الإضرار بالغير كالإفطار في شهر رمضان أو ترك الصّلاة أو غيرهما ساغ له ذلك المحرّم و بعبارة أخرى الإضرار بالغير من المحرّمات فكما يرتفع حرمته بالإكراه كذلك يرتفع بالإضرار لأنّ نسبة الرّفع إلى ما أكرهوا عليه و ما اضطروا إليه على حدّ سواء مدفوع بالفرق بين المثالين في الصغرى بعد اشتراكهما في الكبرى المتقدّمة و هي أنّ الضّرر المتوجّه إلى الشخص لا يجب دفعه بالإضرار بغيره بأن الضّرر في الأوّل متوجّه إلى نفس الشّخص فدفعه عن نفسه بالإضرار بالغير غير جائز و عموم دفع ما اضطرّوا إليه لا يشمل الإضرار بالغير المضطرّ إليه لأنّه مسوق للامتنان على الأمّة فترخيص بعضهم في الإضرار بالآخر لدفع الضّرر عن نفسه إلى غيره مناف للامتنان بل يشبه الترجيح بلا مرجّح فعموم ما اضطروا إليه في حديث الرّفع مختص بغير الإضرار بالغير من المحرّمات و أمّا الثاني فالضّرر فيه أولا و بالذّات متوجّه إلى الغير بحسب إلزام المكره بالكسر و إرادته الحتمية و المكره بالفتح و إن كان مباشرا إلا أنّه ضعيف لا ينسب إليه في توجيه الضّرر إلى الغير حتّى يقال إنه أضرّ بالغير لئلا يتضّرر نفسه نعم لو تحمل الضّرر و لم يضرّ بالغير فقد صرف الضرر عن الغير إلى نفسه عرفا لكن الشّارع لم يوجب هذا و الامتنان بهذا على بعض الأمّة لا قبح فيه كما أنّه لو أراد ثالث الإضرار بالغير يجب على الغير تحمل الضّرر و صرفه عنه إلى نفسه هذا كلّه مع أنّ أدلّة الجرح كافية في الفرق بين المقامين فإنّه لا حرج في أن لا يرخص الشارع دفع الضّرر عن أحد بالإضرار بغيره بخلاف ما لو ألزم الشّارع الإضرار على نفسه لدفع الضّرر المتوجّه إلى الغير فإنه جرح قطعا انتهى كلامه رفع في الخلد مكانه

قوله و مثله إذا كان تصرّف المالك إلخ

اعلم أن لهذا المثال خصوصيّة بالنّسبة إلى سائر الموارد لكون قاعدة السّلطنة و قاعدة الحرج حاكمتين أو مرجعين هنا كما أشار إليه المصنف (رحمه الله) و سنشير إلى تحقيق في ذلك على وجه أوفى

قوله منشأ ما في التّذكرة من الفرق إلخ

الأقوى إلحاق المباحات و المشتركات مثل الطرق و المدارس

422

و الحانات المعدة لنزول المترددين كما سنشير إليه في بعض الحواشي الآتية بالأملاك في جواز التّصرف و عدم الضمان في الصّور الثلث من الصّور الأربع الآتية في بعض الحواشي الآتية كما حكي عن الشهيد أيضا أمّا جواز التّصرف فللأدلّة الدالة على جواز التّصرف فيها و عموم نفي الضّرر و إن قلنا بحكومته عليها كعموم السّلطنة كما سيجيء في بعض الحواشي الآتية إلا أنا قد أشرنا سابقا إلى أن العمل بعموم نفي الضّرر في مورد موقوف على ثبوت عمل الأصحاب به في هذا المورد و هو غير ثابت في المقام و أمّا عدم الضمان فلما سنشير إليه في بعض الحواشي الآتية من اختصاصه بما كان موجد سببه مذموما شرعا أو عرفا و ليس كذلك في المقام كما سنشير إليه

قوله بإخراج روشن إلخ

عن المالك الرّوشن و الجناح يشتركان في إخراج خشب من حائط المالك إلى الطريق بحيث لا يحصل إلى الحائط المقابل و يبنى عليه و لو وصل فهو السّاباط و ربّما يفرق بينهما بأنّ الأجنحة ينضم إليها مع ما ذكر أن يوضع لها أعمدة من الطريق انتهى و قال الطّريحي الرّواشن جمع روشن و هي أن تخرج أخشابا إلى الدّرب و تبني عليها و تجعل لها قوائم من السّفل

قوله لا يعدّ ضررا إلخ

فلا يعارض عموم نفي الضّرر عموم السّلطنة فضلا عن حكومته عليه

قوله لأنّ الضّرر لا يزال إلخ

يعني أنّ مورد أخبار نفي الضّرر هو ما ذكر من كون الضّرر على الغير بما يعتد به مع عدم الضّرر على المضرّ في ترك الفعل بل لو فرض إطلاقها لا بدّ من حملها على ذلك لأنّ الضّرر المتوجّه إلى الغير لا ينبغي أن ينفي بتحمل الضّرر على نفسه

قوله الأوفق بالقواعد تقديم المالك إلخ

تحقيق المقام يحتاج إلى بسط في الكلام لتنكشف به غواشي الأوهام فنقول إن الظاهر أن المشهور هنا تقديم جانب المالك و قد أورد المصنف (رحمه الله) في رسالته المفردة في هذه القاعدة شطرا من كلماتهم فلا بأس بنقله ثم تعقيبه بما يقتضيه المقام قال في المبسوط في باب إحياء الموات إن حفر رجل بئرا في داره و أراد جاره أن يحفر بالوعة أو بئر كنيف بقرب هذا البئر لم يمنع منه و إن أدّى ذلك إلى تغيير ماء البئر أو كان صاحب البئر يستقذر ماء بئره لقربه بالكنيف و البالوعة لأن له أن يتصرّف في ملكه بلا خلاف و قال في السّرائر في باب حريم الحقوق و إن أراد الإنسان أن يحفر في ملكه أو داره و أراد جاره أن يحفر لنفسه بئرا بقرب تلك البئر لم يمنع من ذلك بلا خلاف و إن نقص بذلك ماء البئر الأولى لأنّ النّاس مسلّطون على أموالهم و قال في مسألة أن لا حريم في الأملاك إن كل واحد يتصرف في ملكه على العادة كيف شاء و لا ضمان إن قضي إلى تلف إلا أن يتعدى ثم نقل قولين للشّافعي قال و أظهرهما عنده الجواز و هو المعتد لأنّه مالك للتصرف في ملكه و في منعه من تعميم التّصرفات إضرار به إلى أن قال و الأقوى أن لأرباب الأملاك أن يتصرفوا في أملاكهم كيف شاءوا فلو حفر في ملكه بئر بالوعة و فسد بها ماء بئر الجار لم يمنع عنه و لا ضمان بسببه و لكن يكون قد فعل مكروها انتهى و قريب منه ما في القواعد و التحرير و قال في الدّروس في إحياء الموات و لا حريم في الأملاك لتعارضها فلكل أحد أن يتصرف في ملكه بما جرت العادة به و إن تضرّر صاحبه و لا ضمان انتهى و في جامع المقاصد أنّه لما كان النّاس مسلّطين في أموالهم كان للإنسان الانتفاع بملكه كيف شاء فإذا دعت الحاجة إلى إضرام نار أو إرسال ماء جاز فعله و إن غلب على ظنّه التعدي إلى الإضرار بالغير انتهى موضع الحاجة و أقول إنّ ظاهر اقتصارهم في تقديم جانب المالك على التعليل بعموم السّلطنة من دون تعرض لشيء آخر هو تقدّم قاعدة السّلطنة على قاعدة الضّرر بمعنى حكومتها عليها لا أن يكون ذلك من جهة تقديم الأهمّ من الضّررين بعد تعارضهما أو كون القاعدة الأولى مرجعا بعد تعارضهما و بالجملة إنّ القاعدتين عندهم من قبيل الحاكم و المحكوم عليه دون المتعارضين حتى يلتمس الترجيح بينهما و كيف كان فتحقيق المقام يتوقف على بيان صور المسألة فنقول إن تصرف المالك في ملكه إمّا بحسب المتعارف و مقتضى الحاجة من دون علم و لا ظنّ بتضرّر الجار به لكن اتفق تضرره به أو مع العلم أو الظنّ به و على الثاني إمّا أن يكون تصرّفه لجلب منفعة بمعنى أن لا يتوجه إليه ضرر بترك التصرف سوى ضرر ترك التّصرف في ملكه و إمّا أن يكون لدفع مضرّة بأن يتوجّه إليه ضرر آخر سوى ضرر ترك التّصرف و إمّا أن يكون تصرّفه لغوا لا يعتد به عند العقلاء و هذه صور أربع و إنّما لم نشر في هذه الصّور إلى صورتي قصد الإضرار و عدمه لخروج صورة قصد الإضرار من محل الكلام في تقديم عموم السّلطنة أو عموم نفي الضّرر في الصّور المذكورة لما سنشير إليه من اشتراط القول بجواز التّصرف فيها مطلقا أو في الجملة بعدم قصد الإضرار و من هنا يظهر أن اعتبار المصنف (رحمه الله) لقصد الإضرار فيما استدركه بقوله نعم ليس على ما ينبغي لأنّ عدم جواز التّصرف فيه من جهة قصد الإضرار لا من جهة تحكيم عموم نفي الضرر على عموم السّلطنة لثبوت عدم الجواز فيه و إن قلنا بتحكيم الثاني على الأوّل كما ستعرفه كيف لا و لا فرق في الحكم بعدم الجواز بين الصّور المذكورة على اعتبار قصد الإضرار فلا اختصاص له بصورة عدم ترتب جلب منفعة أو دفع مضرّة على تصرّف المالك كما ستقف عليه اللّهمّ إلاّ أن يكون اعتباره لقصد الإضرار تبعا للمفصل لا لأجل تخيّله لمدخلية ذلك في الحكم بعدم الجواز في صورة عدم ترتّب جلب منفعة أو دفع مضرّة على تصرّف المالك فالاعتراض إنّما هو على المفصل لا على المصنف (رحمه الله) و حاصل الاعتراض أن الحكم بعدم الجواز في هذه الصّورة إن كان لأجل رواية سمرة أو غيرها ممّا سنشير إليه كما هو ظاهر المفصّل فلا وجه حينئذ لاعتبار عدم ترتب جلب منفعة أو دفع مضرّة على تصرّف المالك كما تقدّم و إن كان لأجل تحكيم قاعدة الضّرر على قاعدة السّلطنة كما ستقف عليه أيضا

فلا وجه حينئذ لاعتبار قصد الإضرار كما عرفت و كيف كان فالكلام في الصّور المذكورة تارة من حيث الحكم التكليفي بمعنى حرمة تصرّف المالك و عدمها و أخرى من حيث الحكم الوضعي أعني ضمان المالك للضّرر العائد من تصرّفه إلى الجار و بيان الملازمة بين الحرمة و الضّمان و عدمها لإمكان القول بالحرمة من دون ضمان أو بالجواز معه فالكلام في بيان أحكام الصّور المذكورة يقع في مقامين أمّا المقام الأوّل ففي بيان أحكام الصّور المزبورة تكليفا و نقول إن ظاهر المصنف (رحمه الله) هو الحكم بجواز التصرّف فيما عدا الصّورة الأخيرة و بعدمه فيها مطلقا لأنّ ما استدركه بقوله نعم و إن اختصّ بصورة قصد الإضرار إلاّ أنّ قوله لا يعدّ ضررا يشمل صورة عدم قصد الإضرار أيضا و كيف كان نقول في توضيح المقام إنّك قد عرفت أنّ صور المسألة أربع أمّا الأولى فلا إشكال كما لا خلاف في جواز التّصرف فيها لعموم السّلطنة و الفرض عدم علم و لا ظنّ بتضرّر الجار و أمّا الثانية فالظاهر أن حكم المشهور بالجواز إنّما هو في هذه الصّورة و لذا صرّح المحقّق الثّاني الّذي هو لسان الفقهاء فيما عرفت من كلامه بقوله و إن غلب على ظنّه التّعدي و لعل الوجه فيه حكومة قاعدة السّلطنة على قاعدة نفي الضّرر و لكنّ المصنف (رحمه الله) في رسالته المفردة في هذه القاعدة قد عكس الأمر فحكم بحكومة الثانية على الأولى و فيه نظر لأنّ الظّاهر أن قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) النّاس مسلّطون على أموالهم إخبار عمّا جرت عليه

423

طريقة النّاس في جميع الأعصار و الأصقاع و الملل و الأديان و إمضاء لطريقتهم و ليس واردا في مقام إنشاء جواز تصرّف أرباب الأملاك فيها و قد تقدّم في بعض الحواشي السّابقة ورود قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) لا ضرر و لا ضرار في الإسلام في مقام نفي الأحكام الضّرريّة فإذا فرض كون جواز تصرّف أرباب الأملاك فيها ثابتا من باب إمضاء الشّارع لطريقة النّاس فلا يشمله نفي الأحكام الضّرريّة فيثبت جواز التّصرّف و إن استلزم تضرّر الجار فإن قلت إنّ قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) لا ضرر و لا ضرار كما ينفي الأحكام الضررية كذلك ينفي إمضاء الشّارع لما فيه ضرر على العباد و لذا لو لم تكن أحكام الملل السّابقة منسوخة في شرعنا و كان بعضها متضمنا للضّرر على العباد ينفي بقاعدة نفي الضّرر مضافا إلى استقرار سيرة الأصحاب على خلاف ما ذكرت لأنّهم قد استندوا في خيار العيب و الغبن و كذا في إثبات الشّفعة إلى قاعدة الضّرر مع مخالفتها لقاعدة السّلطنة لأنّ تسلّط ذي الخيار و الشّفيع على فسخ العقد و نزع المال من يد صاحبه مناف لعموم السّلطنة الثّابتة بوقوع العقد صحيحا و قد تقدّم سابقا في أخبار نفي الضّرر استناد الصّادق (عليه السلام) إلى القاعدة في إثبات الشفعة مع أن قصّة سمرة أيضا شاهد صدق للمدعى قلت أمّا ما ذكرته أولا ففيه أنّك قد عرفت أنّ قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) النّاس مسلّطون على أموالهم وارد في مقام إمضاء طريقة العقلاء و عموم قاعدة الضّرر حينئذ و إن صلح لتخصيص عموم السّلطنة إلاّ أنّ عموم الثانية من حيث نظره إلى إمضاء عموم تصرفات ذوي الأموال الّتي من جملة أفرادها المتداولة تضرر الجار بتصرفهم مبيّن للمراد بالأولى و مخصّص لها بغير موارد تصرّف ذوي الأموال في أموالهم و ما يوضح ذلك أنّ قوله (عليه السلام) النّاس مسلّطون على أموالهم وارد في مقام رفع الضّرر عن المالك بحجره عن التّصرف في ملكه لكون حجره عنه ضررا عليه فهو من حيث وروده في مقام رفع الضّرر عن المالك آب عن التخصيص و أمّا ما ذكرته ثانيا من استقرار طريقة الأصحاب على تقديم قاعدة الضّرر على قاعدة السّلطنة في جملة من الموارد ففيه أنّ حكمهم بالخيار أو الشّفعة لقاعدة الضّرر ليس لأجل حكومتها على عموم السّلطنة بل هي سليمة من معارضته هنا بالخصوص لأنّ الضّرر الحاصل في البيع المغبون فيه إنما نشأ من لزوم العقد الّذي هو سبب لسلطنة المشتري في المبيع و قاعدة نفي الضّرر إنما تحكم على وجوب الوفاء بالعقود فانتفاء سلطنة المشتري حينئذ إنّما هو لأجل انتفاء سببها الّذي هو لزوم العقد لا أنّ السّلطنة باقية و قاعدة الضّرر حاكمة على عمومها فالمعارضة و الحكومة في الحقيقة إنما هما بين قاعدة الضّرر و قاعدة وجوب الوفاء لا قاعدة السّلطنة بل لا معارضة مع الحكومة و منه يظهر الكلام في الشفعة أيضا و أمّا ما ذكرته ثالثا من قصة سمرة فالجواب عنه يظهر بعد بيان مقدّمة و هي أنّ عموم قاعدة السّلطنة إنّما هو بحسب أفراد التّصرف لا بحسب كيفياته أيضا فهي تدلّ على جواز جعل المال وجه مصالحة أو صداقا في النكاح و كذا على جواز بيعه أو هبته أو إتلافه و هكذا و أمّا دلالتها على جواز نقل المال بالعقد الفارسي أو المعاطاة فلا عموم لها من هذه الجهة و بالجملة أنها منساقة لبيان أنحاء التّصرفات لا لبيان كيفيّاتها من حيث كيفيّة السّبب النّاقل و غيره و لذا قلنا بعدم جواز التمسّك بها في مسألة المعاطاة لإثبات صحّتها فإذا وقع التّصرّف في المال على جهة الحرمة فقاعدة السّلطنة لا تعارض الدّليل الدّال على حرمة هذا التّصرف و كذا إذا وقع على جهة الإضرار بالغير فلا تعارض قاعدة نفي الضّرر لما عرفت من سكوتها عن جهات التّصرف و كيفيّاته و إذا عرفت هذا نقول إنّ تصرّف سمرة في عذقه و مروره به كان على جهة الإضرار بالأنصاري لدخوله عليه من دون استئذان منه و اطلاعه عليه و على أهله على حالة لا يحبّ أن يطلع عليه على هذه الحالة كما يظهر من الرّوايات الواردة في قصّته لأن تصرّفه بنفسه كان مستلزما لتضرر الأنصاري نظير تضرّر الجار يجعل الدّار مدبغة أو مطبخة فأمر النّبي (صلى اللّٰه عليه و آله) بقلع العذق إنّما كان لأجل كون تصرّف سمرة على كيفية مستلزمة لتضرّر الأنصاري لا لأجل استلزام تصرّفه بنفسه لتضرّره حتّى يقال إنّ تصرّفه كان ثابتا بعموم السّلطنة فتقديم عموم نفي الضّرر عليه يكشف عن حكومته عليه هذا و مع تسليم كون قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) النّاس مسلّطون على أموالهم واردا في مقام

إنشاء جواز التّصرف لا إمضاء طريقة النّاس يمكن أن يقال إنّه وارد في مقام رفع تضرّر المالك بترك التّصرّف في ملكه بناء على كون حجر المالك عن التّصرف في ملكه ضررا عليه فيكون هذا الخبر حينئذ أخصّ مطلقا من عموم قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) لا ضرر و لا ضرار في الإسلام فيخصّص به و لكن مع ذلك كلّه يمكن أن يقال بحكومة قاعدة الضّرر على عموم السّلطنة كما هو واضح في غير ما نحن فيه كما إذا أكل على التخمة إذ لا يمكن أن يقال بجواز الأكل حينئذ لعموم السّلطنة و ليس هو إلا لحكومة قاعدة الضّرر عليه كذلك فيما نحن فيه أيضا فيما فرض عدم كون ترك المالك للتّصرّف ضررا عليه كما لو لم يتعلق به غرض و لم يكن محتاجا إليه و لم ينتفع بهذا التّصرف انتفاعا معتدا به فإذا فرض كون مثل هذا التصرف مستلزما للضّرر على الجار حكم بعدم جوازه كما سيجيء و ليس هذا أيضا إلاّ لحكومة قاعدة الضّرر على عموم السّلطنة اللّهمّ إلاّ أن يقال كما يظهر من المصنف (رحمه الله) هنا إن منع المالك عن التّصرف في محلّ الفرض ضرر عليه فإذا استلزم تصرّفه ضرر الجار تعارض ضررهما فيرجع بعد تساقطهما إلى عموم السّلطنة و قيل إلى عموم نفي الحرج لكون منع المالك من التّصرف في ملكه ضيقا عليه و لا أقل من الرّجوع إلى أصالة الإباحة و مع التّسليم نقول إنّه قد تقدّم في بعض الحواشي السّابقة أنّ عموم نفي الضّرر موهون بورود كثرة التخصيص عليه فلا يجوز العمل به في مورد إلاّ بعد انجبار وهنه بعمل العلماء فيه و قد تقدّم أنّ المشهور في المقام جواز تصرّف المالك و إن تضرر الجار به و أمّا عدم جواز الأكل على التخمة فهو لوجوب دفع الضّرر المظنون عقلا لا للحكومة المذكورة و أمّا الثّالثة فالأقوى فيها أيضا هو الجواز لعين ما تقدّم في الصّورة الثّانية بل هنا أولى لأنا و إن سلمنا عدم كون منع المالك من التصرّف إذا كان تصرّفه لمجرد جلب المنفعة ضررا و ضيقا عليه إلاّ أنّ الفرض هنا كون ترك تصرّفه مستلزما لتضرّره زائدا على الضّرر الحاصل بمجرّد المنع منه مضافا إلى أن تضرّره بترك التصرّف هنا ربّما يبلغ حدّ الضّرورة فيشمله ما دلّ على تحليل الحرام لمن اضطرّ إليه مثل قوله (عليه السلام) ما من شيء حرّمه اللّه إلاّ و قد حلّله لمن اضطرّ إليه و أمّا الرّابعة أعني صورة عدم تعلق غرض المالك في التّصرف بجلب منفعة أو دفع مضرّة بأن كان تصرّفه لغوا محضا مع عدم قصد الإضرار فيمكن أن يقال فيها بعدم جواز التّصرف لعموم نفي الضّرر و قد عرفت في الصّورة الثّانية حكومته على عموم السّلطنة إمّا مطلقا أو في خصوص هذه الصّورة و لا ريب في عدم صدق تضرّر المالك بترك التّصرف هنا حتّى يقال بتعارض ضرره مع ضرر الجار و الرّجوع إلى عموم السّلطنة و الجرح أو أصالة الإباحة

424

كما تقدّم في الصّورة الثّانية و هذا أيضا مراد المصنف (رحمه الله) بمنع التّعارض في هذه الصّورة لأنّ مجرّد منعه لا يقتضي تقديم جانب الجار إلاّ بتحكيم عموم نفي الضرر على عموم السّلطنة اللّهمّ إلاّ أن يكون المستند فيه رواية سمرة لأنّ ظاهرها عدم الجواز مع قصد الإضرار و إن قلنا بتحكيم عموم السّلطنة على عموم نفي الضّرر لكن يرد عليه أن ظاهرها و إن كان ذلك إلاّ أنّ إطلاقها سيّما بملاحظة موردها يشمل صورة ترتب منفعة على تصرّف المالك أيضا فلا وجه حينئذ لتخصيص الحكم بعدم الجواز بصورة عدم ترتبها عليه و كيف كان يدلّ على المدّعى أيضا ظاهر الإجماع لأنّ الفقهاء و إن لم يعنونوا الكلام في المقام بحسب الحكم التكليفي لأنّهم إنّما تعرضوا لحكمه الوضعي إلاّ أنّه يمكن استظهاره من إجماعهم على حكمه الوضعي أعني الضّمان بواسطة ما ستعرفه من الملازمة بين الحكمين و لعلّه من هنا قد ادعى المحقق القمي فيما حكي عنه في الفقه الإجماع على الحرمة هنا و حاصل ما حكي عنه هو نفي الخلاف عن جواز تصرّف المالك و عدم ضمانه فيما لم يكن تصرّفه زائدا على قدر الحاجة مع عدم العلم و الظنّ بتضرّر الجار به و كذا عن الحرمة و الضّمان فيما كان تصرّفه زائدا على قدر الحاجة مع العلم أو الظن بتضرر الجار به و يحتمل الحكم بالجواز هنا أيضا بعد منع القطع بتحقق الإجماع المذكور لما عرفت من ابتنائه على دعوى الملازمة المذكورة لا على إفتائهم بالحرمة بخصوصها إمّا لدعوى حكومة قاعدة السلطنة على قاعدة الضّرر و إمّا لدعوى أخصية الأولى من الثانية كما تقدّم في الصّورة الثانية إلاّ أن الأقوى هو عدم الجواز لظاهر الإجماع و ما تقدّم في الصّورة الثّانية من حكومة قاعدة الضّرر على عموم السّلطنة و لكنّا حيثما قلنا بالجواز مع تضرّر الجار به فهو مشروط بأمور أحدها أن لا يكون تضرّر الجار بالنفس و العرض أو بمال لا يتحمّل به و يستأصل به و هذا مستفاد من الشّرع لأنّ الشّارع أمر بحفظ نفوس النّاس و أعراضهم و أموالهم في الجملة و رفع عنهم الأحكام الضّرورية و العسر و الحرج منة فكيف يرضى بإدخال هذا الضّرر على الجار لأجل مراعاة حال المالك و عدم منعه من التّصرف لأجل جلب منفعة أو دفع مضرّة يسيرة و ثانيها أن لا يكون تضرّر الجار بمباشرة من المالك بأن يصدق عليه كونه متلفا لشيء من أموال الجار و يسند إليه الفعل حقيقة بحسب العرف كما إذا أرسل الماء الكثير إلى ملكه دفعة واحدة فتعدى إلى ملك الغير بحيث لم يقدر على دفعه فخرب ملك الغير به إذ لا ريب أنّ التخريب حينئذ إنّما يسند إلى المالك عرفا و إن كان هو في الحقيقة موجدا للسّبب لا مباشرا للفعل و مع صدق الإتلاف يحرم التّصرف و يضمن ما أضرّ بالجار لأدلة الإتلاف المصرحة بالحكمين و ثالثها أن لا يكون المالك قاصدا بتصرّفه إضرار الجار و إلاّ حرم تصرّفه مطلقا سواء كان مع قصده الإضرار قاصدا لجلب منفعة أو دفع مضرة أم لا و سواء كان ضرر الجار كثيرا أم يسيرا و ربّما يستدلّ عليه بقوله (صلى اللّٰه عليه و آله) في قصّة سمرة إنّك رجل مضارّ و الأولى أن يستدلّ عليه بقول النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) المروي عن دعائم الإسلام ليس لأحد أن يفتح كوة في جداره لينظر إلى شيء من داخل جاره فإن فتح للضّياء فوقع يرى له منه لم يمنع من ذلك فإنّه بإطلاقه يدل على حرمة الإضرار مع القصد إليه و لو مع تضمن جلب منفعة أو دفع مضرة أيضا بخلاف قصّة سمرة لعدم تعلّق غرضه إلاّ بالإضرار بالأنصاري و أمّا المقام الثاني فاعلم أنّك قد عرفت في المقام الأوّل أنّ الأقوى هو جواز التّصرف فيما عدا الصّورة الأخيرة من الصور الأربع و الأقوى فيما عداها أيضا عدم الضّمان لوجوه أحدها الإجماع على عدم ضمان المالك على ضرر الجار إذا كان مأذونا في التّصرف و ما حكي عن الشّهيد من القول بالضّمان في باب الغصب لعلّه مبني على القول بعدم الجواز و ثانيها أنّ الرّخصة المطلقة من الشّارع في فعل بمعنى عدم حكمه فيه بالضّمان لا يتعقبها ضمان و يستفاد من كلمات الأصحاب كون هذه الملازمة مسلمة عندهم و مفروغا منها بينهم منها ما حكي عن المحقق في نكت النّهاية من ضمان الزّوج دية الزوجة إذا دخل بها عنفا فماتت بعده ثم قال إنه كان مأذونا فيه من قبل الشّارع فلا يتعقبه الضمان و أجاب بعدم ثبوت الإذن من الشّارع في الدّخول بها بهذا النّحو و دلالة كلامه على المدّعى واضحة و منها إفتاء جمع

من الأصحاب بأن ولي الدّم إذا ضرب الجاني الّذي أراد الاقتصاص منه و تركه ظانّا بموته و اتفق أنّه لم يمت به و بريء من الجناية فإن كان قد ضربه بما يسوغ الاقتصاص به شرعا من الأسلحة و آلات الضّرب يجوز له قتله ثانيا و ليس للجاني أن يقتص من الجاني بما جنى به بقصد القصاص و اتفق عدم موته به و إن ضربه بغير ما يسوغ الاقتصاص به شرعا بأن ضربه بالحجارة أو الخشب مثلا فللجاني المضروب أن يقتص من ولي الدّم أولا بمثل ما جنى به أولا ثمّ يقتله ولي الدّم و علّل ذلك بالإذن من الشّارع في الاقتصاص بما سوّغ الشّارع الاقتصاص به فلا يتعقبه ضمان بخلاف الثّاني و منها ما عن المفيد و سلاّر و العلاّمة و الشهيدين و الفاضل المقداد و المقدس الأردبيلي قدس اللّه أسرارهم من أنّ رجلا لو أحدث في الطّريق ما أباحه اللّه تعالى له فوقع فيه غيره فتلف لا يضمن معلّلين بما تقدّم و منها ما في الشّرائع من أنّه لو حفر بئرا في الطريق المسلوك لمصلحة المسلمين بأن يشربوا من مائه فيما لم يكن في قربه ماء فوقع فيه غيره فمات قيل لا يضمن و هو حسن لأن الحفر كان سائغا فلا يتعقبه الضّمان و هو محسن و لا سبيل عليه و منها ما ذكره غير واحد من أنّه لو أخرج أحد الشركاء ميزابه إلى الطريق المرفوع فإن أصابت الغير به جناية فإن كان قد أخرجه بإذن من الشركاء لم يضمن و إلاّ ضمن لأنّ الإخراج إذا كان بإذنهم فهو مأذون فيه من قبل الشّارع فلا يتعقبه ضمان بخلاف ما لو لم يكن بإذنهم و المستفاد من هذه الكلمات التسالم على الملازمة المذكورة فتجعل هذه أصلا في كل مقام إلاّ ما أخرجه الدّليل فلا ينافيها ثبوت الضمان في بعض الموارد مع ثبوت الإذن فيه كالطّبيب و البيطار و معلّم الأطفال لثبوت الضّمان فيما حدث بخطائهم مع كونهم مأذونين من قبل الشّارع بل علاج الأمراض و تعليم الأطفال واجبان كفاية مع أن لنا أن نقول بخروج هذه الموارد من محل الكلام لأنّ محلّ البحث كما تقدّم عند بيان شروط الحكم بجواز تصرّف المالك إنّما هو ما لم يصدق فيه الإتلاف و المباشرة عرفا و إلاّ فأدلة الإتلاف كافية في إثبات الضّمان و لا ريب في صدق الإتلاف على ما يحدث بخطإ من ذكر لأنّ ذلك في المعلّم و البيطار واضح و أمّا الطّبيب فالمسلم من ضمانه إنّما هي في صورة مباشرة المعالج لا مع تعليم طريق العلاج للمرضى و ترتيب الأدوية و ما يناسب المزاج من الأغذية من دون مباشرة أصلا كما هو المتعارف بين الأطبّاء في أمثال هذا الزّمان و ثالثها أنا قد استظهرنا فيما أسلفناه ورود قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) النّاس مسلّطون على أموالهم في مقام رفع الضّرر و الضيق عن أرباب الأملاك بمنع التّصرف في أملاكهم و لا ريب أن ترتب الضّمان على تصرّفاتهم ضيق و ضرر عليهم فإثبات الضمان عليهم مناف للغرض و رابعها أن الظاهر من عموم السّلطنة هي السّلطنة

425

التّامة و ترتب الضّمان على تصرّفات المالك نقص في سلطنته فإن قلت إن تمّ هذا فهو ينافي ما ثبت شرعا من أنّه إذا أعتق رجل شقصه من العبد المشترك فيه يقوم عليه شقص شريكه فيعتق من مال المعتق مع إذن الشّارع في عتقه فهو يكشف عن جواز تعقب إذن الشّارع للضمان قلت أوّلا إنّ هذا خارج من محلّ الكلام لأنّ عتق الرّجل شقصه من العبد علّة تامّة شرعا لانعتاق شقص شريكه فمع عتق شقصه يصدق عليه أنّه متلف لشقص شريكه و قد عرفت خروج مثله من محلّ البحث و ثانيا إن انعتاق شقص شريكه لما كان مرتبا شرعا على عتق شقصه فعتقه لشقصه يعد عرفا تصرفا في الشقصين و لعلّ حكم الشّارع بالضمان هنا لأجل تصرّفه في شقص شريكه و هو خارج من محلّ الكلام لأنّ محلّ النّزاع إنّما هو تصرّف المالك في ملكه لا في ملك غيره و خامسها عدم الدّليل على الضمان فالأصل ينفيه لأنّ أسبابه منحصرة في اليد و الإتلاف و التسبيبات و الفرض في المقام عدم ثبوت يد المالك على ملك الجار و عدم صدق الإتلاف أيضا كما تقدم و أمّا السّببيّة فالمالك فيما نحن فيه و إن كان سببا لتضرّر الجار إلاّ أنّها غير معنونة في الأخبار حتّى يوجد بإطلاقها أو عمومها لأن الموجود فيها عنوان الإتلاف فلا بدّ أن يقتصر في إثبات الضمان بالتّسبيبات الّتي لا يصدق معها وصف الإتلاف على المتيقن من معاقد إجماعاتهم و مجامع كلماتهم و المحصّل من الأخبار المأثورة عن الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) و المتيقّن من ذلك هي الأسباب الّتي يكون موجدها مذموما شرعا أو عرفا و لا بأس بإيراد شطر من الأخبار النافية للضمان أو المثبتة له حتّى تظهر بها جلية الحال منها ما رواه علي بن إبراهيم مرسلا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال بهيمة الأنعام لا يغرم أهلها شيئا ما دامت مرسلة و مثلها رواية أخرى إلاّ أنّه ليس فيها قوله ما دامت مرسلة و منها ما رواه علي بن إبراهيم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال قال رسول اللّه (صلى اللّٰه عليه و آله) البئر جبار و جرح العجماء جبار و المعدن جبار و في النّهاية الجبار الهدر و العجماء الدابة و منه الحديث السّائمة جبار أي الدابة المرسلة في رعبها و عن الوحيد البهبهاني في حاشيته على الاستبصار قوله البئر جبار حمل على البئر الذي حفره في ملكه أو في أرض مباح لمصلحة المسلمين و يحتمل أن يريد به الأجير الذي يحفر البئر فانهارت عليه فمات فدمه هدر ثم نقل الإفتاء به عن العلاّمة في النهاية قال قوله و العجماء جبار المشهور بين الأصحاب أن الدّواب الّتي اعتيد إرسالها للرعي لا يضمن صاحبها جنايتها و قوله و المعدن جبار أي إذا انهار على من يعمل فيه أو إذا وقع رجل في الحفر التي حصلت بسبب إخراج المعدن انتهى و منها ما روي عن زيد بن علي عن آبائه عن علي (عليه السلام) أنّه كان يضمن الكلب إذا عقر نهارا و لا يضمن إذا عقر باللّيل و إذا دخلت دار قوم بإذنهم فعقرك كلبهم فهم ضامنون و إن دخلت بغير إذنهم فلا ضمان عليهم و نحوها خبران آخران و منها ما روي عن سعد بن ظريف الإسكاف عن أبي جعفر (عليه السلام) قال أتى رجل رسول اللّه (صلى اللّٰه عليه و آله) فقال إن ثور فلان قتل حماري فقال له النّبي (صلى اللّٰه عليه و آله) ائت أبا بكر فسأله فأتاه فسأله فقال ليس على البهائم قود فرجع إلى النّبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فقال له النّبي (صلى اللّٰه عليه و آله) ائت عمر فسأله فأتاه فسأله فقال مثل ما قال أبو بكر فرجع إلى النّبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فأخبره فقال له النّبي (صلى اللّٰه عليه و آله) ائت عليّا (عليه السلام) فاسأله فأتاه فسأله فقال عليّ (عليه السلام) إن كان الثور الدّاخل على حمارك في منامه حتى قتله فصاحبه ضامن و إن كان الحمار هو الدّاخل على الثّور في منامه فليس على صاحبه ضمان قال فرجع إلى النّبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فأخبره فقال النّبي (صلى اللّٰه عليه و آله) الحمد للّه الّذي جعل من أهل بيتي من يحكم بحكم الأنبياء (عليهم السلام) و قريب منها أخرى و منها ما روي عن السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه ضمن القائد و السّائق و الرّاكب فقال ما أصاب الرّجل فعلى السّائق و ما أصاب اليد فعلى الرّاكب و القائد و بمعناها أخبار أخر معلّلا في بعضها عدم ضمان الرّاكب إذا أصابت دابته برجلها بأن رجلها خلفه إذا

ركب و ضمان القائد إذا أصابت دابته بيدها بأنّه يملك يدها و منها ما روي عن هارون بن حمزة قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن البقر و الغنم و الإبل يكون في الرّعي فتفسد شيئا هل عليها ضمان فقال إن أفسدت نهارا فليس عليها ضمان من أجل أن صاحبه يحفظونه و إن أفسدت ليلا فإنّه عليها ضمان و نحوها خبران آخران في تفسير قوله تعالى وَ دٰاوُدَ وَ سُلَيْمٰانَ إِذْ يَحْكُمٰانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ و في أحدهما لا يكون النّفش إلاّ بالليل إن على صاحب الحرث أن يحفظ الحرث بالنهار و ليس على صاحب الماشية حفظها بالنهار إنّها رعاها بالنهار فما أفسدت فليس عليها و على صاحب الماشية حفظ الماشية باللّيل عن حرث النّاس فما أفسدت باللّيل فقد ضمنوا الحديث و المستفاد من هذه الأخبار و غيرها هو ما ذكرناه من كون التّسبيب سببا للضمان إذا كان موجد السّبب مذموما شرعا أو عرفا لا مطلقا كما هو مقتضى التعليلات الواردة فيها و الفرض في الصّور الثّلاث المتقدّمة هو جواز التّصرف من دون توجّه ذمّ شرعا أو عرفا إلى المالك فلا يتعقبه ضمان بمجرّد إيجاد السّبب و من هنا يظهر أنّ مقتضى التّحقيق هو الحكم بالضّمان في الصّورة الرّابعة لفرض حرمة التّصرف فيها فالمالك حينئذ مذموم في إيجاد سبب تضرّر الجار و اللّه أعلم و بقي في المقام أمران أحدهما أن جميع ما قدّمناه من جواز التّصرّف و الضمان و عدمهما في الصّور الأربع إنما كان فيما كان التصرف في الملك مستلزما لتضرّر الجار و هل يلحق به المباحات و المشتركات مثل الطّرق و المدارس و الخان المعدّ لنزول المترددين بمعنى أنا حيثما قلنا بجواز التّصرف و عدم الضمان في الأملاك كما في الصّور الثلاث المتقدّمة فهل يحكم بهما هنا أيضا أو لا و قد تقدّم الكلام فيه في بعض الحواشي السّابقة و ثانيهما أنّا حيثما قلنا بالضّمان في التّسبيبات الشّرعيّة فإذا تغير عنوان السّبب ففي بقاء الضمان إشكال كما إذا حفر رجل بئرا في ملك غيره عدوانا فإنّه لو وقع فيه رجل آخر أو دابته يضمنه و إذا اشترى هذا الملك أو انتقل إليه إرثا ففي بقاء الضّمان إذا وقع فيه غيره بعد الانتقال وجهان و كذا إذا حفر بئرا في طريق المسلمين لمصلحته فهو ضامن لما يقع فيه و إذا أدخل الطريق في ملكه بأن جعل لهم طريقا أخر من ملكه عوض الطريق الأوّل بناء على جوازه ففي بقاء الضّمان أيضا وجهان و إن قلنا بعدم الضمان لو حفره في ملكه ابتداء من استصحاب السّببيّة السّابقة و من تغير عنوان السّبب و هو الأقوى و لم أر من تعرض لهذا الفرع

قوله كما سيجيء

من نقل الاتفاق على جواز إضرار المكره بالغير

قوله تحمل الغير إلخ

يعني المالك

[جواز إضرار المكره بالغير دون القتل]

قوله بقلة الضّرر إلخ

لا يخفى أنّه بقي هنا حكم تساوي الضّررين فنقول إنّه إن رضي أحد الشخصين بإدخال الضّرر عليه مع ضمان صاحبه لما يدخل عليه من الضّرر فهو و إلاّ فربّما يظهر من الشّهيد في محكي دروسه تخير الحاكم في إدخال الضّرر على أيّ منهما أراد و لعلّه من باب السّياسة الثّابتة له و مع فقده فالقرعة لأنها لكل أمر مشكل و الأولى هو الرّجوع إلى القرعة و لو مع وجود الحاكم لما عرفته من العلّة

426

و قد اضطربت كلمات الأصحاب في المقام قال في التّذكرة لو غصب دينارا فوقع في محبرة الغير بفعل الغاصب أو بغير فعله كسرت لردّه و على الغاصب ضمان المحبرة لأنّه السّبب في كسرها و إن كان كسرها أكثر ضررا من تبقية الواقع فيها ضمنه الغاصب و لم تكسر انتهى و ظاهره أنّه تكسر المحبرة مع تساوي الضّررين و قال في الدّروس لو أدخل الدّينار في محبرته و كانت قيمته أكثر لم يكسر المحبرة و ضمن صاحبها الدّينار مع عدم التفريط ثم اعلم أنّ المصنف (رحمه الله) قد أشار إلى جملة من الأمور المتعلقة بقاعدة الضّرر و قد فصلنا الكلام فيها في الحواشي السّابقة

[الأمور التي تترتب على قاعدة الضرر]

و بقي الكلام في جملة أخرى أهملها فلا بد من التعرّض لها تتميما لفروعها و ما يتعلّق بها الأمر الأوّل أنّ المدار في نفي الحكم الضّرري صدق عنوان الضّرر عليه عرفا لعدم ثبوت حقيقة شرعيّة بل و لا متشرعة فيه فمثل إدخال النّقص بمثل حبّة حنطة أو قشر جوزة لا يصدق عليه الضّرر عرفا و إن كان ضررا في الواقع و بالجملة إن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص و الأموال و البلاد و الأزمان فربّ شيء يعد ضررا بالنّسبة إلى شخص دون أخر و في بلد دون أخر و في زمان دون أخر و مثل منع شخص من المنافع المحضة كالانتفاع بالمباحات لا يعدّ ضررا لأنّه كما نقله المصنف (رحمه الله) عن النهاية إدخال النقص على الغير و هو غير صادق عليه لأنّه منع من الانتفاع المحض لا إدخال نقص على الغير و لا إشكال فيه و إنّما الإشكال في إثبات حرمة هذا المنع إذا لم يدخل في عنوان آخر معلوم الحرمة كما إذا منعه من الانتفاع بحبس و نحوه لدخوله في عنوان الإيذاء و الظلم و أمّا إذا أرسل الماء إلى الأشجار المباحة فمنع الحطّابين من الانتفاع بها و نحو ذلك ممّا لا يدخل تحت عنوان محرم فالأظهر جوازه للأصل الأمر الثّاني أنّه ربّما يستشكل في القاعدة بالأحكام الضّرريّة الثّابتة في الشّرع كالزكاة و الخمس و الجهاد و نحوها و ربّما يجاب بأن المراد بالضّرر المنفي ما لم يحصل بإزائه نفع و إلاّ فما حصل بإزائه نفع دنيوي أو أخروي لا يسمّى ضررا فهو خارج من موضوع عموم نفي الضّرر و فيه نظر لأن حصول النفع بإزاء الضّرر يصحح التكليف بالضّرر لا أنّه يخرجه من موضوعه و الأولى أن يقال إن قاعدة نفي الضّرر ليست من القواعد العقلية غير القابلة للتخصيص فيجوز تخصيصها بما ثبت بالدّليل القاطع الأمر الثالث أنّ انتفاء الحكم الضّرري لما كان لأجل الضّرر فلا بدّ في الحكم بانتفائه من الاقتصار على ما يندفع به الضرر فإذا ثبت الخيار للبائع في المبيع المغبون فيه لدفع الضّرر الحاصل له من لزوم العقد يقتصر في إثباته على الزّمان الأوّل الّذي يمكن فسخ العقد فيه و لا يتعدى إلى الزّمان الثّاني و توضيح ذلك أن قاعدة نفي الضّرر قد يثبت بها الضّمان كما إذا أتلف مال الغير فإن إجراء أصالة براءة ذمّة المتلف يوجب تضرّر المالك فيحكم بضمانه بناء على ما ذكره بعض أواخر المتأخرين كما تقدّم سابقا و لنا فيه كلام يأتي إليه الإشارة و قد يثبت بها التضمين و قد يدور الأمر بين الضمان و التضمين كما إذا باع مال الغير فضولا أو غصبه فباعه مع جهل المشتري به لأنّه إذا رجع المالك إلى المشتري بالعين و منافعها التي استوفاها منها ضمن البائع له بما رجع المالك به إليه و الإشكال إنّما هو في أنّه قبل رجوع المالك هل يحكم بضمان البائع للمشتري فعلا أو للمشتري تضمينه بعد رجوع المالك إليه و يثمر ذلك فيما لو كان للبائع من المال بقدر ما يحج به فعلى الأوّل لا تحصل له الاستطاعة الشّرعية لاشتغال ذمّته بدفع ما ضمنه إلى المضمون له بخلافه على الثّاني و لكن لا يخفى أنّ ضرر المشتري يندفع بالحكم بجواز تضمين المشتري للبائع بعد رجوع المالك إليه كما أنّ في أرش العيب و التصدق بالمال الملتقط لا يحصل الضّمان إلاّ بعد مطالبة المشتري في الأوّل و صاحب المال في الثّاني فلا يحكم بالضّمان قبل رجوع المالك و مطالبة المشتري و قد يثبت بها الخيار كما في خيار الغبن و العيب و لكن الضّرر الحاصل للمشتري من لزوم العقد يندفع بثبوت الخيار له في الزّمان الأوّل الّذي يمكن فسخ العقد فيه فلا يصح إثباته في الزّمان الثاني أيضا بقاعدة نفي الضّرر و الاستناد في نفيه في الزّمان الثّاني إلى عموم وجوب الوفاء بالعقود بتقريب أنّه قد خرج منه الزّمان الأوّل بقاعدة نفي الضّرر و يعمل بعمومه في الثّاني لما عرفت من عدم اقتضاء القاعدة لخروجه أيضا فإذا لم يفسخ المشتري في الزّمان الأوّل سقط خياره في الزمان الثاني ضعيف لأنّ عموم قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ إنّما هو بحسب أفراد العقود لا بحسب أحوالها و أزمانها نعم يعمّها أيضا من حيث إطلاق الأحوال لا من حيث إطلاق اللّفظ و لكن إذا ثبت التقييد لعقد في زمان لا يبقى للعموم المذكور إطلاق بالنسبة إلى زمان آخر بعده لأنّ الإطلاق بحسب الأحوال إنّما كان ثابتا من جهة عدم تقييد الحكم بزمان أو حال فإذا ثبت تقيّده بزمان مثلا يصير اللّفظ مجملا بحسب العرف بالنّسبة إلى الأزمنة المتأخرة عنه نعم نفس قاعدة الضّرر كافية في نفي الخيار في الزمان الثّاني لأن

عدم الخيار في الزّمان الأوّل كما أنّه ضرر على المشتري كذلك ثبوت الخيار في الزّمان الثّاني ضرر على البائع فينفي كلّ منهما بالقاعدة مضافا إلى عموم السلطنة و أصالة فساد الفسخ في الزّمان الثّاني لما قرّر في محلّه من كون مقتضى الأصل في المعاملات هو الفساد و قد يتمسّك في إثبات الخيار في الزّمان الثّاني بالاستصحاب الذي هو حاكم على أصالة الفساد و فيه مع عدم مقاومته لقاعدتي نفي الضّرر و السّلطنة أن من شرائط جريان الاستصحاب بقاء الموضوع و هو هنا متغير لما عرفت من انتفاء الضّرر في الزّمان الثّاني بثبوت الخيار في الزمان الأوّل فإن قلت كيف تحكم بثبوت الضّمان أو التضمين أو الخيار بعموم نفي الضّرر و لا دلالة له على شيء منها بإحدى الدّلالات على كلّ من المعاني الأربعة المحتملة في قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) لا ضرر و لا ضرار في الإسلام الّتي تقدّمت عند شرح ما يتعلق ببيان معنى الرّواية أمّا على المعنى الثّاني و الثالث الراجعين إلى بيان تحريم الفعل الضرري فواضح إذ حرمة إتلاف مال الغير أو إيقاع العقد على مال الغير مع جهل المشتري أو إيقاعه على المبيع المعيب في الأمثلة المتقدّمة لا تدل على شيء من الضمان و التضمين و الخيار بإحدى الدّلالات مع منع الحرمة في الأخيرين و أمّا على المعنى الأوّل الرّاجع إلى نفي الحكم الضرري و كذا على الرابع الرّاجع إلى نفي الفعل الضّرري بلا انجبار و تدارك فلأنّ نفي الحكم الضّرري لا يقتضي إلاّ دفع الضّرر و هو لا يثبت الضّمان في مسألة الإتلاف و تضمين المشتري للبائع في مسألة التغريم و الخيار في بيع المعيب لإمكان دفعه بتدارك الضّرر من بيت المال أو من جانب اللّه تعالى في الدنيا أو الآخرة مضافا إلى عدم اقتضاء نفي الحكم الضّرري ثبوت الخيار في الثّالث لإمكان دفع الضّرر بثبوت أرش العيب أو بطلان العقد من رأسه و كذا نفي الفعل الضرري من دون جبران لا يثبت كون التّدارك و الجبران من مال الضّار لإمكان جبره من بيت المال لكونه معدّا لمصالح المسلمين أو في الآخرة أو في الدّنيا من جانب اللّه تعالى نعم لو دلّ دليل على عدم التدارك من غير مال الضارّ كان قاعدة نفي الضّرر مع هذا الدّليل مثبتا للضّمان لكنّ القاعدة لا تنهض لإثباته بنفسها كما هو المدّعى قلت إنا قد أسلفنا

427

سابقا أن المتعين في معنى الرّواية هو المعنى الأوّل فنقول حينئذ إنّه إذا أتلف مال الغير فتدارك ضرر صاحب المال إمّا من مال المتلف أو المسلمين أو بيت المال أو من جانب اللّه تعالى في الدنيا أو الآخرة و ما عدا الأوّل باطل أمّا الثّاني فلاستلزامه لتضرّر المسلمين وَ لٰا تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ و أمّا الثّالث فإنّ بيت المال معدّ للمصالح العامة للمسلمين لا لكلّ مصلحة لهم و الضّرر هنا غالبا حاصل لخصوص بعض المسلمين نعم لو فرض أنّ شخصا أوصى بثلث ماله أو بشيء منه لمثل ذلك أو لمطلق مصالح المسلمين جاز جبره منه و أمّا الرّابع فإنّ التدارك في الدّنيا خلاف الوجدان و أمّا في الآخرة ففيه مضافا إلى أصالة عدمه أنّ الظاهر بل المقطوع به أنّ المراد تداركه في الدنيا كيف لا و لو أريد تداركه في الآخرة انقلب التكليف في موارد الضّرر إلى استحباب الإضرار بالمسلمين لكونه سببا للأجر الأخروي بإزاء ما دخله من الضّرر و هو خير من الدّنيا و ما فيها مع أنّ ملاحظة الأخبار المتقدّمة سابقا الواردة في بيان هذه القاعدة تعطي خلاف ذلك و لذا أمر النّبي (صلى اللّٰه عليه و آله) في قصّة سمرة بقلع عذقه و قال إنك رجل مضارّ و كذا الصّادق (عليه السلام) حكم بالشفعة لنفي الضّرر العائد إلى الشفيع و كذلك في رواية هارون بن حمزة قد حكم لمعطي الدّرهمين بخمس ما بلغ من القيمة لنفي الضّرر فلم يحكم في شيء من هذه الأخبار برفع الضّرر الحاصل بالثواب الأخروي و المجازاة الأبديّة فإن قلت إن إثبات الضّمان حينئذ لا يكون بمجرّد قاعدة نفي الضّرر بل بها بضميمة ما عرفت من حصر التّدارك في مال المتلف مثلا قلت نعم و ليس المقصود أيضا إثبات الضّمان بقوله (صلى اللّٰه عليه و آله) لا ضرر و لا ضرار بدلالته اللّفظية من دون مدخلية شيء آخر أصلا فتدبّر هذا كلّه مضافا إلى أن تتبع موارد الضّمانات و الغرامات الثابتة شرعا و استقرائها يعطي ثبوت الضمان على الضّارّ و الغارّ دون غيرهما و قد حكموا فيمن وطئ بهيمة الغير بضمان الواطي قيمتها و كذا فيمن باع أمة بدعوى الوكالة في بيعها ثم استولدها المشتري ثم تبين كذبه في دعوى الوكالة فحكموا بضمان مدعي الوكالة للمشتري إذا رجع المالك إليه بأرش البكارة و قيمة الولد و هكذا في غير ذلك من موارد الضمانات و الغرامات و ناهيك شاهدا بصحيحة البزنطي من ضر بشيء من طريق المسلمين فهو ضامن و مثلها ما رواه المشايخ الثلاثة و صحيحة الكناني المتقدمة و هي دالّة على الضمان مع التّسبيب و مع المباشرة بطريق أولى هذا إن جعلت كلمة من فيها بمعنى في و إلاّ فإن بقيت على ظاهرها يفيد المباشرة نعم رواية الثلاثة صريحة في صورة التسبيب و يدلّ عليه أيضا آيات من الكتاب العزيز قال اللّه تعالى في سورة النحل وَ إِنْ عٰاقَبْتُمْ فَعٰاقِبُوا بِمِثْلِ مٰا عُوقِبْتُمْ بِهِ و قال جل و علا في سورة البقرة فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ و في سورة الشّورى جَزٰاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهٰا و من ذلك يظهر أيضا عدم جواز دفع الضّرر في مسألة التغريم و بيع المعيب و المغبون فيه من مال المسلمين أو بيت المال أو من جانب اللّه تعالى في الدنيا أو الآخرة نعم بقي احتمال دفعه في مسألة البيع بإثبات الأرش أو فساد العقد من رأس و يرد على الأوّل أن إثبات الأرش ضرر على البائع لأنّه بعد انتقال الثمن إلى البائع و المثمن إلى المشتري بالعقد اللاّزم كما هو الفرض فالرّجوع إلى البائع بالأرش إدخال نقص عليه مع أن إثبات الأرش تدارك للضّرر لا رفع له و قد تقدّم في بعض الأمور السّابقة أنّ قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) لا ضرر و لا ضرار وارد في مقام بيان دفع الضّرر لا إثباته و الأمر بتداركه و على الثّاني أنّك قد عرفت سابقا أنّه لا بدّ في نفي الحكم الضّرري من الاقتصار على ما يندفع به الضّرر الحاصل من ثبوت الحكم و لا شكّ أنّ الضّرر هنا حاصل من لزوم العقد فلا بدّ أن يكون المنفي لزومه مع بقاء جوازه لا فساده من رأس الأمر الرّابع أن ظاهر قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) لا ضرر و لا ضرار في الإسلام هو نفي الضّرر الواقعي بمعنى نفي الحكم المستلزم له في الواقع سواء كان المكلّف عالما به أو شاكّا فيه أو معتقدا للخلاف فيكون عدم الضّرر حينئذ من الشرائط الواقعيّة للعبادات نظير الطهارة بالنسبة إلى الصّلاة فإذا توضأ مع اعتقاد عدم التضرّر باستعمال الماء ثمّ انكشف خلافه فلا بدّ من

الحكم بالبطلان و لكن بناء الفقهاء في العبادات على خلافه حيث يعتبرون العلم بالضّرر أو الظنّ به و عدمهما في الصّحة و البطلان و عليه يكون عدم الضّرر من الشّرائط العلميّة دون الواقعيّة نعم قد جروا في المعاملات على مقتضى ظاهر لفظ الرّواية و لذا حكموا بخيار الغبن و العيب بقاعدة نفي الضّرر و لو مع اعتقاد المشتري عدمهما حين البيع ثمّ انكشف خلافه فحكموا بثبوت الخيار من حين البيع لا من حين ظهور الغبن و العيب و لذا ذكروا الغبن و العيب من أسباب الخيار لا ظهورهما و يمكن دفع الإشكال عن العبادات أيضا بما نبّه عليه المصنف (رحمه الله) في رسالته المفردة و حاصله مع توضيح مني أنّ قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) لا ضرر و لا ضرار في الإسلام وارد في مقام بيان المنة على هذه الأمّة و لا منة في رفع الأحكام الواقعيّة الثّانية لأنّ المنّة إنّما تحصل برفع حكم ضرري بحيث لو لا رفعه توجّه التكليف به إذا لا ضرر على العباد مع عدم توجّهه إليهم و الأحكام الفعلية دونها بل رفع الأحكام الواقعيّة الثّانية ربّما يوجب الضّرر على العباد لأنّه إذا فرض ارتفاع وجوب الوضوء في الواقع مع تضرّر استعمال الماء في الواقع و اتفق أنّ مكلّفا صلّى عشرين سنة ثم انكشف تضرّره بجميع الوضوءات الّتي صلّى بها فلا ريب أنّ الحكم ببطلان الصّلاة في هذا المدّة و وجوب قضائها ثانيا ضرر فاحش عليه و مناف للمنّة فالأوفق لها رفع الأحكام الفعليّة دون الواقعيّة فيكون عدم العلم بالضّرر أو الظنّ به شرطا في فعليّة الأحكام و توجّههما إلى المكلّفين لا الضّرر الواقعي خاصّة في تحقق الحكم الواقعي كذلك و حينئذ يكون اعتبارهم للضّرر الواقعي في المعاملات ثابتا على خلاف القاعدة فتدبّر الأمر الخامس أنّه لا إشكال في نفي الأحكام الوجوديّة بقاعدة نفي الضّرر تكليفية كانت أم وضعيّة و أمّا إذا ترتب ضرر على عدم الحكم في مورد كما إذا حبس الدّابة فمات ولدها أو قبض الرّجل فشردت دابته أو فتح قفس طائر فطار لأنّ الحكم بعدم الضّمان يوجب تضرّر صاحب المال ففي ثبوت الضّمان في أمثال هذه الموارد إشكال نعم يظهر التمسّك بالقاعدة في إثباته من صاحب الرّياض هذا مع قطع النظر عن اندراج هذه الموارد تحت عنوان موجب للضمان كالإتلاف و نحوه أو بناء على عدم العلم بكون السّببيّة في هذه الموارد سببا للضمان إذ كل سبب للإتلاف بعيدا كان أو قريبا ليس موجبا له بل المدار على صدق الإتلاف عرفا و على التّسبيبات في الجملة كما أشرنا إليه سابقا و لذا لم يحكم بعضهم بالضمان في هذه الموارد و كذا فيما حفر بئرا في ملكه أو في الأراضي المباحة فوقع فيه غيره و وجه الإشكال عدم دلالة نفي الضّرر على معانيه الأربعة المتقدّمة على ثبوت الضّمان هنا بل و على معنى خامس أيضا قد أهملنا ذكره هناك و هو أن يكون المراد بقوله (صلى اللّٰه عليه و آله) لا ضرر و لا ضرار في الإسلام نفي الضّرر في الأحكام الأولية بمعنى كونها بأسرها منافع بالنسبة إلى المكلفين و ليس فيها ضرر على العباد أصلا لأنّ الكلّ غير

428

مسمن و لا مغن عن شيء في المقام أمّا أوّلا فإنا قد أشرنا سابقا إلى أنّ هذه القاعدة موهونة بورود كثرة التّخصيص عليها و أنّه لا بدّ في العمل بها في مورد من جبر وهنها بعمل الأصحاب بها في هذا المورد و لم يعمل أحد بها في المقام سوى ما عرفته من صاحب الرّياض و أمّا ثانيا فإن نفي الحكم الواقعي في المقام بناء على المعنى الخامس الّذي عرفته لا يستلزم الضّمان لأنّه إذا فتح باب قفس طائر فطار فهذا الفعل في الواقع و إن لم يخل من أحد الأحكام الخمسة إلاّ أنّه يحتمل أن يكون حكمه في الواقع هي الحرمة و لم يرض به الشّارع في الواقع حتّى يترتّب عليه ضرر و أمّا الحكم بالجواز في الظّاهر لأصالة البراءة فهو مسامحة في العبارة و إلاّ فأصالة البراءة لا تقتضي إلاّ مجرّد نفي العقاب لا الإباحة الّتي هي أحد الأحكام الخمسة و مع التّسليم فالضّرر حينئذ يكون مرتّبا على وجود الحكم لا على عدمه كما هو المفروض في المقام و كيف كان فالقاعدة على هذا المعنى ساكتة عن نفي الضرر المرتّب على العدميّات و ستقف على زيادة توضيح لذلك و أمّا بناء على سائر المعاني المتقدّمة فأمّا على المعنى الثّاني و الثّالث الرّاجعين إلى بيان حرمة الفعل الضّرري فإنّ القاعدة و إن نفت جواز الفعل المذكور حينئذ كحبس الرّجل أو الدّابة و فتح القفس في الأمثلة المتقدّمة إلاّ أنّ مجرّد الحرمة لا يدل على الضّمان لعدم الملازمة بينهما مع أنّ الضّمان على تقدير تسليمه إنما هو مرتّب على نفي الحكم الوجودي الضّرري و هي إباحة الفعل لا على نفي عدم الحكم المثبت لوجوده كما هو الفرض في المقام لأنّ المقصود إثبات الضمان بنفي عدمه من جهة استلزام عدمه للضّرر على الغير و لا ربط بين تحريم الفعل و نفي عدم الضّمان المثبت لوجوده و أمّا على المعنى الرّابع أعني كون المراد نفي الضرر من دون تداركه و جبره في الإسلام فإنّ مرجعه إلى نفي الضّرر في الإسلام تنزيلا للضرر المتدارك منزلة عدمه كما تقدّم عند بيان هذا المعنى و تقدم هناك أيضا أن الأمر بالتّدارك و دفع العوض بعد حصول الضّرر إنما يصحّح التّكليف بالفعل الضّرري لا أنّه ليس بضرر و لو بالتّنزيل و بالجملة إنّه فرق بين الأمر بالتّدارك و فعليّته و التّنزيل إنّما يصحّ على الثّاني دون الأوّل كما صرّح به المصنف (رحمه الله) في بعض كلماته مع أنّ الحكم بالضمان لأجل تدارك الضّرر الحاصل بحبس الرّجل و البراءة أو فتح القفس خروج من عنوان البحث كما تقدّم و أمّا على المعنى الأوّل الرّاجع إلى نفي حكم ضرري في الإسلام كما هو ظاهر الرّواية فإنّ الفرض في المقام إثبات الحكم أعني الضمان من جهة ترتّب الضرر على عدمه بأن ينفي عدمه الملازم لوجوده لا نفي الحكم الوجودي المرتّب عليه ضرر كما هو مقتضى هذا المعنى و لا شكّ أنّ عدم الحكم ليس من الأحكام المجعولة حتّى يكون موردا للقاعدة بأن يقال إنّ عدم الضّمان من جملة الأحكام الّتي يترتّب عليها ضرر فتنفيه قاعدة نفي الضّرر لوضوح كفاية العدم في عدميّة العدم من دون حاجة إلى إنشاء الشّارع نعم يمكن إثبات الضّمان هنا لوجوه أخر أحدها أن يرتكب نوع مسامحة في الرّواية بأن يقال إنّ المراد بالإسلام فيها كلّ ما يعدّ منه عرفا أو ينسب إلى الشّارع و يجب أخذه منه من الوجوديّات و العدميّات و لا ريب أنّ عدم الضّمان كنفس الضّمان من جملة ذلك و كذا مؤديات أصالة البراءة فإنها و إن لم تكن حكما شرعيّا لأنّ مؤدى البراءة ليس إلاّ مجرّد نفي العقاب دون الإباحة كما أشرنا إليه إلاّ أنّه ينسب مؤديها عرفا إلى الشّارع و وجه المسامحة واضح لأنّ الإسلام في الحقيقة هو ما جاء به النّبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) و العدميّات ليست منه لما عرفت من عدم احتياجها إلى إنشاء الشّارع و كفاية إبقائها على عدمها السّابق في تحقّق عدميّتها و ثانيها أنّ العدميّات و إن لم تكن من الأحكام الشّرعيّة إلاّ أنّه يمكن إدخالها فيها باعتبار لوازمها الشرعيّة لأنّه إذا حبس الرّجل فشردت دابّته فعدم ضمان الحابس يوجب حرمة مطالبة المحبوس بما فات منه بحبسه و كذا يحرم عليه التّقاص من ماله عوض الفائت و كذلك يحرم عليه التعرض له و دفعه عن نفسه حين الإضرار فينفي ذلك كلّه بعموم نفي الضّرر فيثبت به الضّمان و ثالثها أن استدلال النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) في قصّة سمرة لعموم نفي الضّرر على تسلّط الأنصاري على قلع عذقه لأجل كون عدم تسلّطه عليه ضررا عليه و كذا استدلال الصّادق له على إثبات

الشّفعة لأجل كون عدم ثبوت الشّفعة للشّفيع ضررا عليه قرينة على دخول العدميّات أيضا في عموم الرّواية و حيث فرضنا استلزام عدم الضّمان فيما نحن فيه أيضا للضّرر فينفي بعموم نفي الضرر و رابعها قوله من أضرّ بطريق المسلمين فهو له ضامن بتقريب أن هذا الخبر من جملة الأخبار الواردة في بيان قاعدة نفي الضّرر كما تقدّم سابقا و لا ريب أن المناط في الضّمان هو تضرر المسلمين من دون مدخليّة الطريق فيه فيثبت الضّمان في كلّ ما استلزم تضرّرهم سواء كان من الأمور الوجودية أو العدميّة و خامسها عمومات الكتاب الواردة في جواز المقاصة مثل قوله تعالى جَزٰاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهٰا و قوله سبحانه فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ لدلالتها على جواز أخذ ما يساوي الضرر الداخل عليه مطلقا هذا و لكن في الجميع نظر أمّا الأوّل فلعدم الدّليل على جواز الاعتداد بمثل المسامحة المذكورة و إلاّ انهدم به أساس الفقه و أمّا الثّاني فإنّ قوله صلّى اللّه عليه لا ضرر و لا ضرار في الإسلام وارد في مقام بيان نفي الأحكام الضرريّة الّتي لو لا نفيها كانت ثابتة في الشّرع و بعبارة أخرى إنّه وارد في مقام بيان اختصاص عمومات الكتاب و السّنة و مطلقاتها بغير موارد الضرر فهو ناظر إلى رفع أحكام هذه العمومات و المطلقات عن موارد الضّرر و إن ترتب على ارتفاعها حكم آخر لا إلى إثبات حكم ابتداء بواسطة ترتب الضّرر على عدمه و إن استلزم عدمه بعض اللوازم الشّرعيّة فتأمّل و أمّا الثّالث فإن أمر النّبي (صلى اللّٰه عليه و آله) الأنصاري بقلع عذق سمرة لعلّه لأجل كون بقاء سلطنة سمرة على عذقه ضررا على الأنصاري لأجل كون عدم سلطنة الأنصاري على قلعه ضررا عليه و كذا حكم الصّادق بالشّفعة لعلّه لأجل كون لزوم العقد الثّابت بقاعدة وجوب الوفاء بالعقود ضررا على الشّريك لا لأجل تضرّره بعدم سلطنته على أخذ المال المشترك فيه و أمّا الرّابع فإن الخبر المذكور لا دخل له في إثبات قاعدة نفي الضّرر و إن ذكرناه في أخبارها لوروده في مقام بيان حكم الضّمان فيما أحدث أحد عملا في طريق المسلمين فتضرّر به آخر لا في مقام بيان نفي الأحكام الضرريّة كما هو مقتضى القاعدة و أمّا الخامس فإن غاية ما تثبته الآيتان هو جواز تقاص المستضر من مال المضرّ بمساوي ما دخل عليه من الضّرر و أمّا دلالتهما على ضمان المضرّ أيضا فلا و تظهر الثمرة في آثارهما المختصة بهما إذ على تقدير ضمانه يكون ذلك دينا في ذمّته فيقدم بعد الموت على تقسيم تركته بين الورثة و يؤخذ من صلب المال بخلافه على تقدير المقاصة من دون ضمان لعدم الدّليل على بقاء هذا الحكم إلى ما بعد الموت و انتقال المال إلى الورثة الأمر السّادس أنّه إذا توجه ضرر إلى مكلّف و توقّف دفعه على الإضرار بالغير أو توجّه ضرر إلى الغير و توقف دفعه على تحمل الضّرر عنه لا يجوز إدخال الضرر على الغير في الأوّل و لا يجب تحمّله في

429

الثّاني لأن الجواز في الأوّل و الوجوب في الثّاني حكمان ضرريان ينفيهما عموم نفي الضّرر و يتفرع على الأوّل ما ذهب إليه المشهور من عدم جواز إسناد الحائط المخوف وقوعه إلى جذع الجار خلافا للشّيخ مدعيا لعدم الخلاف فيه و لكنّه لأجل مخالفته للقاعدة أوّل تارة بالحمل على صورة خوف إهلاك نفس محترمة فيكون الحكم بالجواز حينئذ مبنيّا على تعارض الضّررين و تقديم الأهمّ منهما و هو النّفس و أخرى بالحمل على صورة عدم تضرّر الجار بالإسناد إلى جذعه أصلا كالاستضاءة بنار العبر و الاستظلال بحائطه و يتفرّع على الثّاني جواز إضرار الغير إكراها أو تقية بمعنى أنّه إذا أمره الظالم بالإضرار بالغير و علم بوصول ضرر منه إليه على تقدير المخالفة يجوز الإضرار بالغير حينئذ لعدم وجوب تحمّل الضّرر لدفع الضّرر عن الغير و ليس هذا من قبيل دفع الضّرر عن نفسه بإدخال الضّرر على غيره حتّى يدخل في الصّورة الأولى لأنّ الضّرر هنا متوجّه ابتداء إلى الغير بالإرادة الحتميّة من الظالم و إليه على تقدير المخالفة و ترك الامتثال فتوجّه الضّرر إليه إنّما هو في المرتبة الثّانية

[الأمر السابع مما يترتب على قاعدة الضرر]

الأمر السّابع أنّه لا فرق في الضّرر المنفي بين الحاصل منه من قبل اللّه تعالى كما إذا تضرّر باستعمال الماء في الوضوء لشدّة برودة الهواء مثلا و ما كان من قبل المكلّف و باختياره و عليه لا فرق أيضا بين الجائز شرعا كما إذا قصّر في الفحص عن قيمة ما باعه فصار مغبونا في البيع و بين الحرام كذلك كما إذا أجنب نفسه مع علمه بتضرّره بالغسل فعموم نفي الضّرر بنفي وجوب كلّ من الوضوء و الغسل و لزوم البيع نعم لو أقدم المكلّف على إدخال الضّرر على نفسه كما إذا باع بدون ثمن المثل عالما به فالقاعدة لا تنفيه لأنّ الحكم حينئذ لم يحصل بحكم الشّارع بل بفعله و إقدامه بل لا يبعد أن يكون نفي الضرر حينئذ مناقضا للقاعدة لأنّ إلزام المكلّف على خلاف مراده و مقصوده إضرار به فما ذكر صاحب الجواهر في وجه وجوب ردّ المغصوب إلى مالكه و إن استلزم تضرّر الغاصب بأضعاف قيمة المغصوب من أنّه هو الّذي أدخل الضّرر على نفسه بسبب الغصب لا يخلو من إشكال لأنّه إن أراد بإدخال الضّرر على نفسه إيجاد مقدّماته فقد عرفت أنّه لا يمنع جريان القاعدة و إن أراد الإقدام عليه بإرادته و قصده فهو ممنوع لأن الغاصب إنما يريد الانتفاع بالمغصوب لا إدخال الضّرر على نفسه و لكن أصل الحكم مشهور بل يكاد لا يوجد فيه خلاف و يمكن توجيهه بأن إحداث الغصب كما أنّه ضرر على المالك كذلك إبقاء المغصوب و عدم ردّه إليه فيتعارض ضرر الإبقاء العائد إلى المالك مع ضرر الرّد الحاصل للغاصب و حينئذ إمّا يحكم بتعارضهما و تساقطهما و الرّجوع إلى أصل آخر و هو عموم حرمة الإضرار بالغير لأنّ حرمته كحرمة الإضرار بالنفس ثابتة بأدلة أخر سوى أدلة نفي الأحكام الضّرريّة و إن كانت هي من جملتها و قد عرفت أنّ إبقاء المغصوب ضرر على المالك و بعد تعارض فردي عموم نفي الحكم الضّرري يرجع إلى عموم حرمة الإضرار و إمّا يرجح ضرر المالك لأن أخبار نفي الضّرر كما تقدّم سابقا إنما وردت في مقام الامتنان و المالك أولى من الغاصب في شمول المنة و الرّأفة من اللّه تعالى له عند دوران الأمر بينهما لأنّ الغاصب لأجل غصبه قد صار سببا لعدم تعلّق التفضل و المنّة من اللّه تعالى به فضّل اللّه ثوابنا في ميزان الأعمال بفضله و منّه و ليكن هذا آخر ما أردنا إيراده في المجلّد الثّاني من مجلّدات هذه التعليقة و قد وقع الفراغ منه بيد مصنّفه الجاني الفاني غريق بحار المعاصي موسى بن جعفر عفا اللّه عنهما في اليوم العشرين من الشّهر الأوّل من السنة 1292 اثنتين و تسعين بعد ألف و مائتين قد مضين من هجرة المصطفويّة على هاجرها آلاف صلاة و تحيّة أثبت اللّه تعالى أقدامنا يوم تزل فيه الأقدام

430

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

431

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

432

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

433

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

434

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

435

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

436

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

437

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

438

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

439

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

440

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

441

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

442

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

443

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

444

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

445

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

446

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

447

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

448

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

449

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

450

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

451

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

452

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

453

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

454

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

455

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

456

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

457

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

458

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

459

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

460

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

461

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

462

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

463

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

464

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}