أحكام الخلل في الصلاة

- الشيخ مرتضى الأنصاري المزيد...
246 /
7

[كلام الناشر]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّٰه ربّ العالمين و الصّلاة و السّلام على خير خلقه محمّد و آله الطيبين الطاهرين.

لم تكن الثورة الإسلاميّة بقيادة الإمام الخميني (رضوان اللّٰه عليه) حدثا سياسيّا تتحدّد آثاره التغييريّة بحدود الأوضاع السياسيّة القليميّة أو عالميّة، بل كانت و بدليل التغييرات الجذريّة التي أعقبتها في القيم و البنى الحضاريّة التي شيّد عليها صرح الحياة الإنسانيّة في عصرها الجديد حدثا حضاريّا إنسانيّا شاملا حمل إلى الإنسان المعاصر رسالة الحياة الحرّة الكريمة التي بشّر بها الأنبياء (عليهم الصلاة و السلام) على مدى التاريخ و فتح أمام تطلّعات الإنسان الحاضر أفقا باسما بالنور و الحياة، و الخير و العطاء.

و كان من أولي نتائج هذا التحوّل الحضاري الثورة الثقافيّة الشاملة التي شهدها مهد الثورة الإسلاميّة إيران و التي دفعت بالمسلم الإيراني إلى اقتحام ميادين الثقافة و العلوم بشتّى فروعها، و جعلت من إيران، و من قم المقدّسة بوجه خاصّ عاصمة للفكر الإسلامي و قلبا نابضا بثقافة القرآن و علوم الإسلام.

8

و لقد كانت تعاليم الإمام الراحل (رضوان اللّٰه تعالى عليه) و وصاياه و كذا توجيهات قائد الثورة الإسلاميّة و وليّ أمر المسلمين آية اللّٰه الخامنئي المصدر الأوّل الذي تستلهم الثورة الثقافيّة منه دستورها و منهجها و لقد كانت الثقافة الإسلاميّة بالذات على رأس اهتمامات الإمام الراحل (رضوان اللّٰه عليه) و قد أولاها سماحة آية اللّٰه الخامنئي (حفظه اللّٰه تعالى) رعايته الخاصّة، فكان من نتائج ذاك التوجيه و هذه الرّعاية ظهور آفاق جديدة من التطوّر في مناهج الدراسات الإسلاميّة بل و مضامينها، و انبثاق مشاريع و طروح تغييريّة تتّجه إلى تنمية و تطوير العلوم الإسلاميّة و مناهجها بما يتناسب مرحلة الثورة الإسلاميّة و حاجات الإنسان الحاضر و تطلّعاته.

و بما أنّ العلوم الإسلاميّة حصيلة الجهود التي بذلها عباقرة الفكر الإسلاميّ في مجال فهم القرآن الكريم و السنّة الشريفة فقد كان من أهمّ ما تتطلّبه عمليّة التطوير العلمي في الدراسات الإسلاميّة تسليط الأضواء على حصائل آراء العباقرة و النوابغ الأوّلين الذين تصدّروا حركة البناء العلمي لصرح الثقافة الإسلاميّة، و القيام بمحاولة جادّة و جديدة لعرض آرائهم و افكارهم على طاولة البحث العلمي و النقد الموضوعي، و دعوة أصحاب الرأي و الفكر المعاصرين إلى دراسة جديدة و شاملة لتراث السلف الصالح من بناة الصرح الشامخ للعلوم و الدراسات الإسلاميّة و روّاد الفكر الإسلاميّ و عباقرته.

و بما أنّ الإمام المجدّد الشيخ الأعظم الأنصاري (قدّس اللّٰه نفسه) يعتبر الرائد الأوّل للتجديد العلمي في القرن الأخير في مجالي الفقه و الأصول- و هما من أهمّ فروع الدراسات الإسلاميّة- فقد قرّر سماحة قائد الثورة الإسلاميّة

9

آية اللّٰه الخامنئي أن تقوم منظّمة الإعلام الإسلامي بمشروع إحياء الذكرى المائويّة الثانية لميلاد الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سره) و ليتمّ من خلال هذا المشروع عرض مدرسة الشيخ الأنصاري الفكريّة في شتّى أبعادها و على الخصوص إبداعات هذه المدرسة و إنتاجاتها المتميّزة التي جعلت منها المدرسة الأمّ لما تلتها من مدارس فكريّة كمدرسة الميرزا الشيرازي و الآخوند الخراساني و المحقّق النائيني و المحقّق العراقي و المحقّق الأصفهاني و غيرهم من زعماء المدارس الفكريّة الحديثة على صعيد الفقه الإسلامي و أصوله.

و تمهيدا لهذا المشروع فقد ارتأت الأمانة العامّة لمؤتمر الذكرى المائويّة الثانية لميلاد الشيخ الأعظم الأنصاري أن تقوم لجنة مختصّة من فضلاء الحوزة العلميّة بقم المقدّسة بمهمّة إحياء تراث الشيخ الأنصاري و تحقيق تركته العلميّة و إخراجها بالاسلوب العلمي اللّائق و عرضها لروّاد الفكر الإسلاميّ و المكتبة الإسلاميّة بالطريقة التي تسهّل للباحثين الاطّلاع على فكر الشيخ الأنصاري و نتاجه العلمي العظيم.

و الأمانة العامّة لمؤتمر الشيخ الأنصاري إذ تشكر اللّٰه سبحانه و تعالى على هذا التوفيق تبتهل إليه في أن يديم ظلّ قائد الثورة الإسلاميّة و يحفظه للإسلام ناصرا و للمسلمين رائدا و قائدا و أن يتقبّل من العاملين في لجنة التحقيق جهدهم العظيم في سبيل إحياء تراث الشيخ الأعظم الأنصاري و أن يمنّ عليهم بأضعاف من الأجر و الثواب منظّمة الإعلام الإسلامي الأمانة العامّة لمؤتمر الشيخ الأنصاري

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

بسم اللّٰه الرحمن الرحيم

الحمد للّٰه رب العالمين و الصلاة و السلام على محمّد و آله الطاهرين.

و بعد فالكتاب الذي بين أيدينا هو كتاب «أحكام الخلل في الصلاة» لاسوة العلم و التقوى الشيخ الأعظم الشيخ مرتضى الأنصاري (قدس سره)، و يسرّ لجنة التحقيق أن تقدّم كتابا آخر من مجموعة تراث الشيخ (قدس سره) إلى المحافل العلميّة لتنهل من فيض تحقيقاته الرشيقة، فنحمد اللّٰه على ما وفقنا له.

التعريف بالكتاب:

و لأجل أن يكون القرّاء الكرام على علم بخصوصيات الكتاب و المراحل التي مرّ بها في التحقيق لا بدّ أن نشير إلى النكات التالية:

الف- النسخ المعوّل عليها:

إنّنا عثرنا- لحد الآن- على أربع كراريس و كتب كتبت تحت عنوان الخلل و كلّها منسوبة للشيخ (قدس سره)، و ليس من البعيد أن يكون قد كتب حول ذلك مرارا و بأنحاء مختلفة. و مهما كان فلا بدّ من الإشارة إلى خصوصيات نسخها و النسخ التي تمّ درجها في هذا الكتاب.

أوّلا- خلل الصلاة: مخطوط يقع في 94 و رقة (16 10 سم) تفضّل به سماحة العلامة الحجّة الشيخ أحمد سبط الشيخ الأنصاري دامت بركاته مشكورا، و قال: إنّه بخط الشيخ الأنصاري (قدس سره)، و قد شطب على بعض عباراته و كتب بدلها عبارات أخرى في الهامش و هي نسخة منحصرة.

12

و الكتاب شرح لقواعد الأحكام للعلّامة الحلّي (قدس سره) جاء في أوله- بعد البسملة و التحميد-: «في التوابع و فيه فصول .. في أحكام السهو بالمعنى الأعم من الشك و تعلقه بالزيادة و النقصان ..».

و جاء في آخره: «.. و به يجاب عن الروايتين السابقتين» و منه يظهر أن الكتاب لم يكتمل بعد.

و هذا يكون القسم الأول من هذا الكتاب.

ثانيا- رسالتان في خلل الصلاة: و هما رسالتان في خلل الصلاة أيضا طبعتا مع كتاب الصلاة المطبوع بالطبعة الحجرية بالقطع الوزيري و موجودتان ضمن كتاب الصلاة المخطوط بخطّ الشيخ (قدس سره) الموجود في المكتبة الرضويّة برقم 11129 و التي تقدمت بمصوّرته المكتبة مشكورة، و هما تكوّنان القسم الثاني من الكتاب.

الرسالة الأولى: و هي زهاء عشرة صفحات تبدأ من الصفحة 215 من الحجرية، و أوّلها: «في الخلل الواقع في الصلاة، و هو إما عن عمد و إما عن السهو، و هي كما في الصحاح الغفلة ..» و آخرها: «.. فيدور الأمر بين الجمع بين الإعادة و فعل الأجزاء المنسيّة و بين ..» و بعد ذلك بياض.

و الذي تجدر الإشارة إليه، أن هذه الرسالة تضمّنت عدة أبحاث ترتبط ببطلان الصلاة، و لذلك تركناها فعلا.

و من جهة أخرى تضمّنت المخطوطة عدة مسائل متفرقة لم ترد في المطبوعة و رأينا من المناسب أن تطبع في الخاتمة كملحق من دون تعليق لنقص المطلب فيها.

و المقدار الذي طبع من هذه الرسالة شرح لبعض فقرأت إرشاد الأذهان للعلّامة الحلّي (قدس سره)، و يبدأ من قوله: «المطلب الثاني: في السهو و الشك: لا حكم للسهو مع غلبة الظن ..» و رأينا من المناسب أن نجعلها الأخيرة في الطبع.

الرسالة الثانية: و هي تبدأ- في المطبوعة- من الصفحة 225 بقوله بعد

13

البسملة و التحميد: «في الخلل الواقع في الصلاة، و هو إن كان عن عمد بالإخلال بما لا مدخليّة له ..» و تنتهي في الصفحة 247 بقوله: «.. فتجب المقدمات الغير المتمكّن من تحصيلها في زمان الوجوب المستقبل».

و هذه المجموعة تتألف من ثلاث و ثلاثين مسألة لكنها- مع الأسف- لم تكن مفرزة. و يبدو أن البحث عن بعضها لم يكن تاما أو كان لكنّه سقط من النسخة.

و رأينا من المناسب أن نقدّم هذه الرسالة على الأولى في الكتاب.

ثالثا- خلل الصلاة: مخطوط توجد منه نسخة في المكتبة الرضويّة بمشهد الإمام الرضا (عليه السلام) برقم 11128 تقع في 193 ورقة (22 17 سم) و هو شرح لشرائع الإسلام للمحقق الحلّي (قدس سره)، قال في أوّله بعد البسملة و التحميد: «قوله (قدس سره) الركن الرابع في التوابع و فيه فصول: الأول في الخلل الواقع في الصلاة ..» ثمّ قال- بعد نقل بعض عبارات الشرائع-:

«الخلل لغة فساد الأمر كما في الصحاح و اضطراب الشيء ..» و جاء في آخرها: «خاتمة في سجدتي السهو و هما ..» ثم بحث مقدار صفحة جاء في آخرها: «و التحقيق كما هو الظاهر من تتبع كلمات القدماء ..». و تتم العبارة في وسط السطر آخر الصفحة، و لكن يوجد على يسار الصفحة كلمة: «و لا من قبله» و هي دالة على وجود تتمة للبحث، و يؤيده أن بحثه عن الموضوع الذي افتتحه غير تام، و لكن لم نقف على تتمّته.

و لما كان ذلك يعد كتابا برأسه و لم يثبت لنا- فعلا- صحة نسبته إلى الشيخ (قدس سره) فلذلك لم ندرجه هنا بل أحلنا طبعه إلى إشعار آخر.

ج- صعوبات في طريق التحقيق:

و ممّا تقدّم يظهر للقارئ الكريم مدى الصعوبة الّتي لاقتها لجنة التحقيق لكثرة التشويش و السقط في النسخ، و الذي يهوّن الأمر وجود نسخة (الام) لدينا إذ بها تمكّنا من حلّ بعض المشكلات.

14

شكر و تقدير:

و نحن إذ نشكر جميع من اشتركوا في إنجاز تحقيق هذا الكتاب، و إخراجه بالشكل المناسب نخصّ منهم بالذكر:

1- صاحب الفضيلة سماحة حجة الإسلام و المسلمين (..) (1) الذي استفرغ وسعه لتحقيق القسم الأول من الكتاب.

2- و سماحة حجة الإسلام و المسلمين الشيخ محمد باقر حسنپور الذي حقق بعض ما تبقى من القسم الأول، و اشترك في تحقيق القسم الثاني من الكتاب.

3- و سماحة حجة السلام و المسلمين الشيخ مرتضى الواعظي الذي اشترك في تحقيق القسم الثاني من الكتاب أيضا.

4- و سماحة حجة السلام السيد هادي عظيمي الذي قام بتنظيم الفهارس الفنية للكتاب.

هذا و ينبغي أن لا ننسى فضل ما بذلته مؤسسة ولي العصر (عج) بمدينة خوانسار من جهود مشكورة، إذ فسحت المجال للمحققين- في بدء أعمال لجنة التحقيق في صيف عام (1411 ه. ق- 1369 ه. ش)- أن يستفيدوا من امكانيات تلك المؤسسة العامرة.

و ختاما نبتهل إلى اللّٰه تعالى أن يتغمد روح إمام الأمة- الإمام الخميني (قدس سره)- برحمته الواسعة و يحفظ خلفه الصالح آية اللّٰه السيد علي الخامنئي دام ظله الوارف ليحرس به الدين، و يقرّ به عيون المؤمنين، بمحمد و آله الطاهرين.

مسئول لجنة التحقيق محمّد علي الأنصاري.

____________

(1) لم نذكر اسمه نزولا عند رغبته و إصراره على ذلك.

15

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

[كتاب الصلاة]

[المقصد الرابع في التوابع]

المقصد الرابع: في التوابع (1) و فيه فصول:

[الفصل الأوّل في السهو]

الأوّل في السهو و فيه مطالب:

[المطلب الأوّل ما يوجب الإعادة]

الأوّل ما يوجب الإعادة كلّ من أخلّ بشيء من واجبات الصلاة عمدا بطلت صلاته، سواء كان الواجب فعلا أو كيفية أو شرطا أو تركا.

و لو كان ركنا بطلت بتركه عمدا و سهوا. و كذا بزيادته، إلّا زيادة القيام سهوا.

و الجاهل عامد إلّا في الجهر و الإخفات و غصبيّة الماء و الثوب و المكان، و نجاستهما و نجاسة البدن، و تذكية الجلد المأخوذ من مسلم.

____________

(1) رأينا من المناسب أن نذكر مجموع ما شرحه الشيخ (قدس سره) من كتاب قواعد الأحكام للعلامة الحلي (قدس سره) تيسيرا للقراء الكرام و إن كان سوف يذكر ذلك في مواضعه المناسبة.

18

إذا وجده مطروحا أو في يد كافر أو مستحل.

أو سها عن ركن و لم يذكر إلّا بعد انتقاله، و لو ذكر في محله أتى به.

و يعيد لو لم يعلم (1) أنّه من جنس ما يصلّى فيه، أو من جنسه (1)

بسم اللّٰه الرحمن الرحيم

الحمد للّٰه رب العالمين و الصلاة و السلام على محمّد و آله الطاهرين.

و لعنة اللّٰه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

(1) في التوابع و فيه فصول:

الفصل الأوّل في أحكام السهو في الصلاة بالمعنى الأعم من الشك، و من تعلقه بالزيادة أو النقصان.

و ذكر حكم تعمد الإخلال تطفّل أو تمهيد لحكم صورة السهو.

و فيه مطالب:

____________

(1) كذا في متن جامع المقاصد 2: 488 و كشف اللثام و مفتاح الكرامة، لكن في الإيضاح و الطبعة الحجرية من القواعد: لو تمّ من يعلم.

19

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

20

المطلب الأول فيما يوجب الإعادة منه اعلم: أنّ كلّ من أخلّ بشيء من واجبات ثبتت مدخليّتها في الصلاة، فإن كان ذلك منه عمدا بطلت صلاته، سواء كان الواجب فعلا، أو كيفيّة، أو شرطا، أو تركا، و سواء كان ركنا أم غير ركن.

و وجه البطلان في جميع ذلك بديهي، إذ لا معنى لمدخلية شيء في الصلاة المطلوبة و اعتباره فيها إلّا انتفاؤها بالإخلال به عمدا، و كون ما أتى به لا معه غير مطابق لما أمر به، و هو معنى البطلان في العبادات.

[الإخلال سهوا بغير الأركان]

و إن كان سهوا: فإن كان غير ركن، لم تبطل صلاته بمجرد الإخلال به، و لو قلنا بأصالة بطلان العبادة، و وجوب الإعادة بمجرد الإخلال و لو سهوا- كما حقّق في محله (1)- إذ لا يمكن فرض عدم ركنيّة شيء- بناء على هذا الأصل- إلّا إذا ثبت الدليل على عدم البطلان بالإخلال به سهوا.

[الإخلال سهوا بالأركان]

و إن كان ركنا بطلت الصلاة بالإخلال به، كما لو أخلّ عمدا، إذ لا نعني

____________

(1) فرائد الأصول 2: 483.

21

بالركن إلّا ما ثبت بطلان العبادة بتركه عمدا و سهوا.

[الزيادة في الركن سهوا]

و كذا زيادته، لأنّ فيها تغييرا لهيئة الصلاة و خروجا عن الترتيب الموظف- كما عن المعتبر (1)- و لقول أبي جعفر (عليه السلام) في رواية زرارة و بكير ابني أعين: «إذا استيقن أنّه زاد في صلاته المكتوبة لم يعتدّ بها و استقبل صلاته استقبالا» (2).

و قول أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في رواية أبي بصير: «من زاد في صلاته فعليه الإعادة» (3).

خرج من إطلاقهما ما دلّ الدليل على عدم إبطال زيادته.

و اعلم أنّ الحكم ببطلان الصلاة بترك الركن، أو زيادته عمدا و سهوا- كما وقع من المصنف (رحمه اللّٰه)- غير مفيد، إذ المفروض أنّ ركنية الشيء للصلاة إنما تستفاد من حكم الشارع ببطلان الصلاة بتركه عمدا و سهوا فالمهمّ التعرض لبيان أنّ أيّ جزء من أجزاء الصلاة تبطل بتركه الصلاة عمدا و سهوا، حتّى يعبّر عنه بالركن، و أيّ جزء منها ليس كذلك، حتى يعبّر عنه بغير الركن، فنقول و من اللّٰه الاستمداد:

[الإخلال بالنية]

أمّا ترك النيّة- و لو سهوا- فهو موجب لوجوب الاستئناف و الإعادة، سواء ذكرها في أثناء الصلاة أم لا، إجماعا، فهي- بناء على جزئيتها- من الأركان.

____________

(1) المعتبر 2: 379.

(2) الكافي 3: 354 باب من سها في الأربع و الخمس، الحديث 2، التهذيب 2: 194 الحديث 763. و الاستبصار 1: 376 الحديث 1428 و في جميعها زيادة: إذا استيقن يقينا، و أمّا في الوسائل فقد نقله عن الكليني و الشيخ (قدس سرهما) هكذا:

«إذا استيقن أنّه زاد في صلاته المكتوبة ركعة» راجع الوسائل 4: 938 الباب 14 من أبواب الركوع، الحديث الأول. و 5: 332 الباب 19 من أبواب الخلل، الحديث الأول.

(3) الوسائل 5: 332 الباب 19 من أبواب الخلل، الحديث 2.

22

[الإخلال بتكبيرة الإحرام]

و كذا تكبيرة الإحرام بلا خلاف يعرف، للروايات المستفيضة.

منها: رواية زرارة: «قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل ينسى تكبيرة الافتتاح؟ قال: يعيد» (1).

و رواية ابن أبي يعفور، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنّه قال في الرجل يصلّي، فلم يفتتح بالتكبير هل تجزيه تكبيرة الركوع؟ قال (عليه السلام): «لا، بل يعيد» (2).

و غير ذلك من الأخبار (3).

و لكثرتها و اعتضادها بالأصل المتقدم (4) و بعدم الخلاف في المسألة، بل بإجماع الأمّة إلّا الزهري و الأوزاعي- كما عن الذكرى (5)- يجب طرح ما خالفها ممّا دلّ على إجزاء تكبيرة الركوع- كما في رواية البزنطي، عن الرضا (عليه السلام) (6)- أو أجزاء قصدها عنها- كما في رواية الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (7).

أو وجوب قضائها بعد الصلاة، كما هو مقتضى إطلاق رواية ابن سنان:

«إذا نسيت شيئا من الصلاة ركوعا أو سجودا أو تكبيرا فاقض الذي فاتك

____________

(1) الوسائل 4: 715 الباب 2 من أبواب تكبيرة الإحرام، الحديث الأول، و فيه: «سألت أبا جعفر (عليه السلام).

(2) الوسائل 4: 718 الباب 3 من أبواب تكبيرة الإحرام، الحديث الأول، و فيه: «لا، بل يعيد صلاته إذا حفظ انه لم يكبر».

(3) راجع الباب 2 و 3 من أبواب تكبيرة الإحرام من الوسائل، هذا و قد كتبت عبارة: «كقوله: لا صلاة بغير افتتاح» تحت كلمة: «الأخبار» و لم نطمئن بكونها من جملة عبارة الأصل.

(4) يعني أصالة الركنية- المتقدمة-، انظر صفحة 20

(5) الذكرى: 178.

(6) الوسائل 4: 718 الباب 3 من أبواب تكبيرة الإحرام، الحديث 3.

(7) الوسائل 4: 717 الباب 2 من أبواب تكبيرة الإحرام، الحديث 9.

23

سهوا» (1).

إلّا أن يحمل على وجوب القضاء في الأثناء لا بعد الفراغ، و يكون المراد، وجوب قضائه مع ما بعده من الأفعال، مراعاة للترتيب المتّهم به في نظر الشارع، حتى أنّه أمر باستئناف الصلاة مراعاة له، كما في موثّقة إسحاق بن عمّار (2) الآتية في المسألة اللاحقة، و لا شك أنّ قضاء تكبيرة الافتتاح مع ما بعده من الأفعال هو بعينه استئناف الصلاة.

[الإخلال بالركوع]

و أمّا ترك الركوع: فإن لم يذكره حتّى فرغ من الصلاة، فهو موجب للإعادة: للأصل، و عدم الخلاف، و إطلاق ما سيجيء (3)، و قوله (عليه السلام): «لا تعاد الصلاة إلّا من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود» (4).

و إن ذكره، فإن كان قبل الدخول في السجود- المتحقّق بوضع الجبهة- فسيأتي (5) أنه يأتي به و تصح الصلاة.

و إن كان بعد تحقّق السجدتين، فالأظهر البطلان و وجوب الاستئناف، سواء كان في الأوليين من الرباعيّة، أو آخر الثلاثيّة، أو في ركعتي الثنائيّة، أم كان في أخيرتي الرباعيّة، للأصل، و استلزام التدارك لزيادة السجدتين، و عدمه لنقصان الركوع، و الأوّل يبطل بالأصل، و لإطلاق روايتي ابني أعين و أبي بصير المتقدمتين (6). و كذا الثاني، بالأصل، و الإجماع، و النص المتقدم في وجوب الإعادة من خمسة.

____________

(1) الوسائل 5: 337 الباب 23 من أبواب الخلل، الحديث 7.

(2) الوسائل 4: 933 الباب 10 من أبواب الركوع، الحديث 2.

(3) في الصفحة 24 و انظر الهوامش 1- 4 هناك.

(4) الوسائل 4: 770 الباب 29 من أبواب القراءة، الحديث 5.

(5) في الصفحة 76.

(6) راجع الصفحة 21 الهامش 2 و 3.

24

هذا كلّه، مضافا إلى الروايات الدالّة على ذلك:

منها: رواية رفاعة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «قال: سألته عن الرجل ينسى أن يركع حتى يسجد و يقوم؟ قال: يستقبل» (1).

و رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «إذا أيقن الرجل أنّه ترك ركعة من الصلاة و قد سجد سجدتين و ترك الركوع استأنف الصلاة» (2).

و عن إسحاق بن عمار: «قال: سألت أبا إبراهيم عن الرجل ينسى أن يركع؟ قال (عليه السلام): يستقبل حتى يضع كلّ شيء من ذلك موضعه» (3).

و رواية أبي بصير: «قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل نسي أن يركع؟ قال: عليه الإعادة» (4).

و عدم صحة بعضها غير قادح بعد الاعتضاد بمطابقة الأصل، و عموم ما دلّ على إبطال الزيادة و النقيصة (5)، و فتوى جمهور القدماء- عدا الشيخ- كالمفيد (6) و السيّد (7) و العماني (8) و الديلمي (9) و القاضي (10) و الحلّي (11) و الحلبي (12) و عامّة

____________

(1) الوسائل 4: 933 الباب 10 من أبواب الركوع، الحديث الأول.

(2) الوسائل 4: 933 الباب 10 من أبواب الركوع، الحديث 3.

(3) الوسائل 4: 933 الباب 10 من أبواب الركوع، الحديث 4.

(4) الوسائل 4: 933 الباب 10 من أبواب الركوع، الحديث 2.

(5) راجع صفحة 20- 21.

(6) المقنعة: 138.

(7) رسائل الشريف المرتضى (المجموعة الثالثة): 35.

(8) حكاه عنه العلامة (قدس سره) في المختلف 1: 129.

(9) المراسم 89.

(10) المهذب 1: 153.

(11) السرائر 1: 240.

(12) الكافي في الفقه: 118.

25

المتأخّرين- على ما حكي- (1) خلافا للمحكي عن الشيخ في المبسوط (2) و كتابي الأخبار (3)، حيث فصّل بين أخيرتي الرباعيّة و غيرهما بالبطلان في غيرهما، و بوجوب إسقاط السجدتين و الإتيان بالفائت و البناء عليه، استنادا في الأوّل إلى إطلاق ما مرّ، و عموم ما دلّ على إبطال كلّ سهو لحق بغير الأخيرتين من الرباعيّة (4). و في الثاني إلى رواية محمد بن مسلم: عن أبي جعفر (عليه السلام) «في رجل شكّ بعد ما سجد أنّه لم يركع؟ قال (عليه السلام): يمضي في صلاته حتّى يستيقن أنّه لم يركع، فإن استيقن أنّه لم يركع فليلق السجدتين اللّتين لا ركوع لهما ثمّ يبني على صلاته على التمام. و إن كان لم يستيقن إلّا بعد ما فرغ و انصرف فليقم و ليصلّ ركعة و سجدتين، و لا شيء عليه» (5).

بحمل إطلاقها على أخيرتي الرباعية، جمعا بينها و بين ما مرّ من الإطلاقات الدالّة على وجوب الاستئناف بحملها على ما عداهما بشهادة ما دلّ على إبطال السهو اللاحق لغير الأخيرتين.

و فيه: أنّه لا شهادة في أدلّة إبطال السهو اللاحق لغير الأخيرتين أصلا، إذ لا تعارض بينها و بين ما مرّ من إطلاق البطلان بنسيان الركوع، و تعارضها مع الرواية المتقدّمة الدالّة على عدم البطلان و وجوب إلقاء السجدتين مطلقا، بالعموم من وجه، فلا بدّ أوّلا من إثبات تقديم تلك الأدلّة على الرواية حتى تخصّص بها فتصير بعد التخصيص أخص مطلقا من الإطلاقات المتقدّمة في

____________

(1) حكاه في المدارك 4: 216.

(2) المبسوط 1: 109.

(3) التهذيب 2: 149 ذيل الحديث (584)، الاستبصار 1: 356 ذيل الحديث 7.

(4) الوسائل 5: 299 الباب الأول من أبواب الخلل، الحديث 1 و 4 و غيرهما.

(5) الاستبصار 1: 356 الحديث (1348) و أورد الوسائل 4: 937 في الباب 13 من أبواب الركوع الحديث، 7 و في صفحة 934 الباب 11، ذيل الحديث 2.

26

وجوب الاستئناف فتخصّصها، و هذا يحتاج إلى مرجّح أو شاهد آخر.

مضافا إلى أنّ الجمع بهذا النحو فرع التكافؤ، و قد عرفت ما عليه إطلاقات الاستئناف من المرجّحات. و يظهر منها ما عليه الرواية من الموهنات.

و بذلك يظهر ضعف ما عليه بعض متأخّري المتأخّرين (1) من التخيير بين البناء و الاستئناف؛ لأنّه أيضا فرع فقدان المرجّح في طرف أحد المتعارضين، و لا أقلّ من أنّه فرع لحجية المتعارضين مع قطع النظر عن التعارض، و الرواية المتقدّمة لمخالفتها للشهرة القديمة و الحديثة لا تصلح حجّة في إثبات حكم مخالف للأصول و القواعد- كما عرفت فيما نحن فيه.

و بذلك يظهر ضعف القول بإطلاق التلفيق و إسقاط السجدتين و البناء و لو في غير أخيرتي الرباعيّة- كما حكي عن الشيخ في المبسوط (2): أنه نسبه إلى بعض- و حكي عن العلّامة في المنتهى (3): نسبته إلى الشيخ نفسه، و لعلّه لإطلاق الرواية المتقدّمة، و قد عرفت ما فيها.

و هنا قول آخر محكيّ عن الإسكافي (4) و والد الصدوق (5)، و هو موافقة المشهور فيما إذا نسي الركوع من الركعة الاولى، و غيرهم في غيره. و لم يظهر مستند له عدا الرضوي (6)، و لا دليل على اعتباره سيّما مع مخالفته لعمل المشهور.

هذا كلّه إن ذكر نسيان الركوع بعد تحقّق السجدتين.

____________

(1) هو السيد السند (قدس سره) في مدارك الاحكام 4: 219. و حاصل كلامه (قدس سره): إمكان الجمع بين الاخبار بذلك مع أفضلية الاستئناف. و أيضا المحقق السبزواري (قدس سره) في الذخيرة: 358 حيث قال: «إن طريق الجمع هو هذا»، و لكنه قال: «القائل بالتخيير غير معلوم»، و على كل تقدير فلا خفاء في أولوية الاستيناف.

(2) المبسوط 1: 119 في فصل احكام السهو.

(3) منتهى المطلب 1: 408 الفرع الثاني من المسألة الأولى من المقصد الثاني في الخلل.

(4) حكاه عنهما (قدس سرهما) في المختلف: 129 في المسألة الثانية من فصل السهو.

(5) حكاه عنهما (قدس سرهما) في المختلف: 129 في المسألة الثانية من فصل السهو.

(6) الفقه المنسوب إلى الامام الرضا (عليه السلام): 116.

27

[نسيان الركوع و التذكر بعد سجدة واحدة]

و إن ذكره بعد سجدة واحدة، فالمشهور البطلان- أيضا- لإطلاق الروايتين الأخيرتين (1)، و للأصل، و استلزام تداركه الركوع لزيادة السجدة المبطلة بإطلاق روايتي ابني أعين و أبي بصير المتقدمتين، (2) و عدم تداركه لنقصان الركوع إجماعا (3).

مضافا إلى عدم القول بالفصل بين التذكر بعد السجدة الواحدة أو السجدتين.

و لو لا شهرة القول بالبطلان لأمكن المناقشة في الكلّ، للطعن في الروايتين بعدم صحتهما. مضافا إلى تعارضهما بمفهوم رواية أبي بصير المتقدمة (4) بالعموم من وجه، و التزام وجوب تدارك الركوع.

و لا يقدح زيادة السجدة الواحدة، لما سيجيء من الأخبار، و بها يخرج عن الأصل و عموم روايتي ابني أعين و أبي بصير (5).

و أمّا الإجماع المركّب فلم يثبت، و لذا توقّف بعض متأخّري المتأخّرين (6) في الحكم بالبطلان.

[الإخلال بالسجدتين]

و أمّا ترك السجدتين: فإن ذكره قبل الركوع في الركعة الأخرى

____________

(1) صفحة 24 الهامش 3 و 4.

(2) في الأصل: ابني بكير و أبي بصير المتقدمتين، و الصحيح ما أثبتاه راجع صفحة 21 و الهامش 2 و 3 هناك.

(3) يحتمل قويا سقوط جملة: «و هو مبطل» قبل كلمة إجماعا. و الا فما في المتن من «استلزام عدم تداركه لنقصان الركوع» أمر واضح لا يحتاج إلى الاستدلال عليه بالإجماع.

(4) المراد بها الرواية الأولى لأبي بصير الّتي تقدّمت في الصفحة 24.

(5) و في الأصل: «ابني بكير و أبي بصير» و الصحيح ما أثبتناه كما تقدّم آنفا.

(6) يمكن أن يستظهر ذلك من صاحبي المدارك و الذخيرة حيث اقتصرا على مناقشة دليل المبطل و لم يرجّحا في ظاهر عبارتيهما أحد الطرفين انظر المدارك 4: 216- 219، و ذخيرة المعاد: 358.

28

فسيأتي (1) أنه غير مبطل بل يجب الإتيان بهما و ما بعدهما- لو وقع فعل بعدهما.

و إن ذكر بعد الدخول في الركوع فالأشهر الأظهر- الذي عليه جمهور من تقدّم، و عامّة من تأخّر- بطلان الصلاة به و وجوب الاستئناف، للأصل، و استلزام تداركهما مع الركوع- الذي دخل فيه- زيادة الركوع، و لا معه فوات الترتيب، و عدم تداركهما نقصان السجدتين، و اللوازم الثلاثة بأسرها باطلة.

خلافا للمحكيّ عن الشيخ (2) فحكم في أخيرتي الرباعيّة نظير ما حكم في نسيان الركوع. و مستنده غير واضح.

و ما استدلّ له العلّامة في المختلف (3)- على ما حكي- من أنّ حكم السجدتين معا حكم الركوع مطلقا، قياس ممنوع الأصل.

[الإخلال بالقيام فيما هو ركن فيه]

و أمّا ترك القيام فيما هو ركن فيه كتركه حال تكبيرة الافتتاح، أو حال إرادة الدخول في الركوع- كأن يدخل فيه عن قعود- فالظاهر أيضا كونه مبطلا. و لم أحد فيه خلافا، عدا ما يحكى من الشيخ في المبسوط (4): من جواز التكبير للمأموم آخذا في الانحناء إذا أدرك الإمام راكعا، للأصل.

مضافا- في الأوّل- إلى رواية عمّار، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «في رجل نسي فافتتح الصلاة و هو قاعد؟ قال: يقوم فيفتتح، و لا يعتدّ بافتتاحه و هو قاعد» (5).

____________

(1) في صفحة 78.

(2) المبسوط 1: 119- 120، و الاقتصاد: 407 و حكاه عنه في المختلف 1: 130 المسألة 3 من احكام السهو، عن الجمل و العقود (الرسائل العشر): 188 الرقم 12.

(3) المختلف 1: 130، المسألة 3 من احكام السهو.

(4) حكاه في كشف اللثام 1: 215 عن المبسوط (1: 105 و فيه تأمل) و كذا في الخلاف 1: 340 المسألة 92.

(5) الوسائل 4: 704 الباب 13 من أبواب الخلل، و فيه: و لا يقتدي (و في نسخة: و لا يعتدي)، و لكن في التهذيب 2: 354 «و لا يعتد» كما في المتن.

29

و- في الثاني- إلى منع صدق الركوع إذا كان منحنيا لا عن قيام، لكن بطلان الصلاة في الحقيقة مستند- حينئذ- إلى ترك الركوع. مع أنّ في منع صدق الركوع على الانحناء لا عن القيام منعا.

و أمّا ترك غير ما ذكرنا من أفعال الصلاة نسيانا فسيأتي (1) أنه غير مبطل.

هذا حال النقص سهوا.

[زيادة ما يبطل نقصانه]

و أمّا زيادة ما أبطل نقصانه نسيانا: فمقتضى عموم إطلاق روايتي ابني أعين و أبي بصير المتقدّمتين (2)، و ظهور أنّ كلّ من قال بإبطال نقص جزء نسيانا، قال بإبطال زيادته كذلك، مضافا إلى أنّ في الزيادة تغييرا لهيئة الصلاة، و خروجا عن الترتيب الموظف كما قدّمنا (3) عن المعتبر، أن تكون مبطلة، إلّا زيادة القيام سهوا، فإنّ زيادة الركن منه لا يتصور إلّا بزيادة تكبيرة الافتتاح أو الركوع، فلا تتحقّق زيادته إلّا بعد زيادتهما، و بمجرد زيادتهما يثبت البطلان، فتأمّل جدّا.

[الجاهل بالمدخلية تقصيرا]

ثمّ إنّ ما ذكرنا في صدر المسألة من بطلان الصلاة بتعمّد ترك بعض ماله مدخلية فيها إنّما كان حكم العالم بالمدخلية، و أمّا الجاهل بها فإن كان مقصّرا في تحصيل المعرفة، فهو عامد إلّا في الجهر فيما لا ينبغي أن يجهر فيه، و الإخفات في عكسه.

وجه البطلان في غير المستثنى: أنّه لم يمتثل مع القدرة عليه، فهو كالعالم يجب عليه الإعادة في الوقت، بل و القضاء في خارجه، و لا أعلم فيه مخالفا.

مضافا إلى بطلان ما أتى به، حيث لا يتأتّى منه قصد التقرّب، و لهذا حكم المشهور ببطلان عبادة الجاهل و إن طابقت الواقع، فالبطلان فيما خالفه مستند إلى الأمرين.

____________

(1) في الصفحة 76.

(2) في الصفحة 21 و انظر الهامش 2 و 3 هناك.

(3) في الصفحة 21 و انظر الهامش 1 هناك.

30

[الجاهل بالمدخلية قصورا]

[1- لو كان الفعل بإذن شرعي]

و إن كان غير مقصّر، فإن كان ما يفعله في حال الجهل بأمر من الشارع و إذن شرعي، كما إذا صلّى مع الطهارة المستصحبة ثمّ انكشف- مع بقاء الوقت- كونه محدثا، فالأظهر عدم البطلان- بمعنى: أنه لا يجب عليه الإعادة مع انكشاف المخالفة في الوقت- لعدم الدليل عليه، و بقاء سقوط المأمور به الواقعي و براءة ذمّته عنه، لأنه حال الجهل كانت ذمته بريئته قطعا، و لا يقدح في ذلك زوال منشأ حدوث البراءة و السقوط- أعني جهله على النحو المخصوص- لما تقرّر في محلّه من عدم قدح زوال منشأ حدوث شيء في استصحابه، إلّا إذا علم كون الشيء دائرا مع المنشأ بقاء و ارتفاعا، و لهذا حكموا باستصحاب نجاسة الماء المتغير بالنجاسة بعد زوال التغيّر لاحتمال كون التغيّر ممّا يكفي حدوثه في حدوث النجاسة و بقائها من غير احتياج إلى بقائه، و ليس هذا مبنيّا على القول باستغناء الباقي عن المؤثّر- كما لا يخفى.

و على هذا فمن تطهّر بماء أو صلّى في ثوب أو مكان ثمّ انكشف غصبية ذلك الماء و الثوب و المكان، أو صلّى في ثوب أو سجد على مكان و جهل نجاستهما فانكشفت له، أو صلّى و لم يعلم نجاسة البدن، أو صلّى و لا يعلم عدم تذكية (1) الجلد المأخوذ من مسلم الملبوس، أو المستصحب في الصلاة فانكشف عدم تذكيته (2)، كلّ ذلك في الوقت، لا يجب عليه الإعادة، لما ذكرنا: من أصالة البراءة و استصحابها.

مضافا- في غير الأخير- إلى التعليل المستفاد من رواية زرارة: «قال:

قلت: فإن ظننت أنّه قد أصابه و لم أتيقن ذلك، فنظرت فلم أر شيئا ثم صلّيت فيه فرأيته فيه؟ قال (عليه السلام) تغسله و لا تعيد الصلاة قلت: و لم ذلك؟ قال (عليه السلام):

____________

(1) في الأصل: تزكية.

(2) في الأصل: تزكيته.

31

لأنّه كنت على يقين من طهارتك ثمّ شككت و ليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا» (1).

دلّت على أنّ علة عدم وجوب الإعادة مع نجاسة الثوب حال الصلاة في نفس الأمر هي عدم جواز نقض اليقين السابق بالشك الذي عرض له حين إرادة الصلاة، و إلّا فعند الفراغ منها عالم بارتفاع اليقين السابق، فكلما وجدت العلّة- كما في غير المثال الأخير من الأمثلة- وجدت المعلول، لأنّه احتمال مدخلية خصوص الطهارة و النجاسة مدفوع بكلّية الكبرى في قوله (عليه السلام):

«و ليس لك .. إلخ».

[2- لو كان الفعل غير مأمور به شرعا لا عقلا]

و إن كان ما يفعله حال الجهل لم يتعلق به أمر من الشارع و لا إذن بالخصوص، إلّا أنّ العقل حكم بقبح تكليفه بالواقع في هذا الحال، كما إذا صلّى معتقدا بأنّه متطهر فانكشف- في الوقت- كونه محدثا، فالأظهر أنّه يعيد، لأنّه لم يأت بالصلاة الواقعية و لا ببدلها- و الوقت باق و هو قادر- فيجب عليه الإتيان.

أمّا عدم إتيانه بالواقع: فلضرورة عدم اختلاف الواقع النازل من اللّٰه سبحانه إلى رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) باختلاف اعتقاد المكلّفين، غاية الأمر أنّ الاعتقاد إذا تعلّق بخلاف ما هو الواقع فيسقط عنه الواقع لقبح إرادته و طلبه، لا أن يصير المعتقد هو الواقع.

و أمّا عدم الإتيان ببدله، فلعدم الدليل على كون ما فعله بدلا، إذا غاية حكم العقل هو سقوط الواقع عنه حين الجهل لقبح تكليفه به، و وجوب ما اعتقده- بناء على أنّ مناط الإطاعة و المعصية هو الاعتقاد- و شيء منهما لا يثبت البدليّة.

و أمّا استصحاب السقوط و البراءة الجاري في القسم الأوّل فغير جار هنا،

____________

(1) الوسائل 2: 1061 الباب 41 من أبواب النجاسات، الحديث الأول.

32

لأنّ السقوط العقلي لا يقبل الاستصحاب، لأنّ حكم العقل المستقلّ لا يقبل التردّد و الإهمال الذي هو مورد جريان الاستصحاب، كما لا يخفى، و كذا حكم الشارع الناشئ عن حكم العقل المستقلّ، فحكم العقل بالسقوط و البراءة دائر مع قبح التكليف وجودا و عدما، و لا يحتمل أن يكون من قبيل النجاسة بالنسبة إلى التغيّر في المثال السابق.

و أمّا حكم الشارع بالسقوط مع قطع النظر عن قبح التكليف فلم يثبت حتّى يستصحب، و احتمال حدوثه بعد ارتفاع السقوط العقلي، و حدوث مناط آخر بعد ارتفاع المناط العقلي، مدفوع بالأصل.

و حاصل الفرق بين هذا القسم و القسم السابق: أنّ بقاء السقوط هناك لم يحتج إلى علة أخرى سوى العلة المحدثة له، و هنا يحتاج لأنّ حكم العقل بالسقوط المسبّب عن تقبيحه للتكليف لا يقبل أن يبقى بعد ارتفاع التقبيح، فحكم الشارع ببقاء السقوط- لو ثبت- فإنّما هو بعلة أخرى، فالشك في استمرار السقوط مسبّب عن الشك في حدوث علة أخرى، و إذا كان الأصل عدم حدوثها وجب الحكم بعدم استمرار السقوط.

فإن قلت: السقوط في الآن المتأخر- أعني زمان كشف الخطأ- لا يحتاج إلى علّة جديدة اخرى حتى يقال: الأصل عدمها، بل يكفي في علة السقوط عدم علة للثبوت.

قلت: من المعلوم أنّ المقتضي لاشتغال الذمّة حال الجهل و القصور ثابت- أعني .. (1) و المطلوبية- و إنّما الجهل و القصور مانع عنه، و ليست (2) الصلاة الواجبة بالنسبة إلى الجاهل بها العاجز عن الإتيان بها مثلها بالنسبة إلى المكلّف

____________

(1) موضع النقط في الأصل كلمة غير مقروءة، و لعلها: المحبوبية.

(2) في الأصل: و ليس.

33

قبل دخول الوقت.

و بالجملة: فرق بيّن بين ارتفاع التكليف لعدم وجود المقتضي له، و بين ارتفاعه لأجل وجود المانع، و ما نحن فيه من قبيل الأخير، فإذا فرضنا ارتفاع هذا المانع فقد صادف وجود المقتضي عدم المانع، فيتحقق المقتضى و هو التكليف، و احتمال قيام مانع آخر مقامه مندفع بالأصل.

و لا يعارض هذا الأصل استصحاب عدم التكليف: لأنّ حدوث التكليف من توابع عدم حدوث مانع آخر قائم مقام المانع المرتفع، و بعد إجراء الأصل في المتبوع فيترتب (1) عليه الحكم بثبوت توابعه و إن كان الأصل فيها لو خلّيت و أنفسها عدم الثبوت.

هذا كلّه، مضافا إلى أن الإجماع منعقد على أنّ كلّ من أدرك جزءا من الوقت يسع الفعل مستجمعا لشرائط التكليف به و لم يأت بنفس الفعل و لا ببدله فيجب عليه الإتيان به، و يعاقب على تركه، و إنما قال من قال هنا بعدم وجوب الإعادة، لادّعاء البدلية، و قد عرفت أنّ الأصل عدمها، لا أنّه مع تسليم عدم البدليّة يدّعى عدم وجوب الإتيان لأجل عدم الدليل.

مضافا إلى إطلاق دليل التكليف و شموله لهذا الشخص و عدم خروجه بمجرّد الإتيان بذلك المخالف الواقع (2)، لكن هذا يتمّ فيما كان دليل التكليف من الألفاظ المطلقة، فلا بدّ أن يتمّ في غيره بالإجماع المركّب و عدم القول بالفصل.

[3- كون الفعل غير مأمور به شرعا و عقلا]

و هنا قسمان آخران:

الأول- أن يكون ما يفعله غير مأمور به لا بحكم الشرع و لا بحكم العقل- أيضا- بقبح تكليفه بالواقع، كما إذا صلّى ساجدا على ما يشك أنّه ممّا يصح أن يسجد عليه أو لا، مع عدم جريان أصل في البين، أو صلّى في ثوب لم

____________

(1) كذا في الأصل.

(2) كذا، و الظاهر: للواقع.

34

يعلم أنّه من وبر ما لا يؤكل أو ما يؤكل، مع عدم أصل في البين. و الأظهر- هنا- الإعادة مع انكشاف المخالفة، بل و لا معه، بل و مع انكشاف الموافقة.

أمّا في الأوّل: فلوجهين: مخالفة الواقع، و عدم تأتّي قصد القربة، و ليس التكليف حال الجهل ساقطا لا بحكم العقل و لا بحكم الشرع، فلا يتصوّر هنا بقاء السقوط بل التكليف باق حال الجهل.

و أمّا في الأخيرين: فللوجه الأخير.

[4- لو كان الفعل منهيا عنه]

الثاني- أن يكون ما يفعله حال الجهل منهيّا عنه، كما إذا صلّى مع الشك في زوال حدثه السابق أو نجاسة ثوبه السابقة، و الحكم بالبطلان هنا أولى من السابق سواء ظهرت المطابقة أو المخالفة أم لم تظهر، و الوجه ظاهر ممّا مرّ.

[موارد الاختلاف]

ثمّ قد يقع الاختلاف في الحكم بالبطلان و عدمه في بعض الموارد لأجل الاختلاف في أنّ ذلك المورد من القسم الأوّل، أو من أحد الأخيرين، كما لو صلّى في جلد و لم يعلم أنّه من جنس ما يصلّى فيه لكونه مذكّى أو من غير جنسه لكونه ميتة إذا وجده مطروحا، أو في يد كافر أو مستحلّ الميتة أو مستحلّ ذبيحة أهل الكتاب، فإنّ منشأ الاختلاف في البطلان و عدمه هنا هو: أنّ عدم العلم يكون الجلد ميتة كاف في نظر الشارع في صحة الصلاة حتى تكون الصلاة في ذلك الجلد صلاة محكوما بصحتها عند الشارع كالصلاة مع عدم العلم بغصبيّة ماء الطهارة أو الثوب أو المكان، أو لا بدّ من العلم بكونه مذكّى إمّا واقعا أو بحكم الشارع، كما لو وجده في يد مسلم أو سوق المسلمين، فالصلاة في الجلد المذكور ليست ممّا صحّحها الشارع بل هي إمّا من القسم الرابع إذا اعتبرنا أصالة عدم التذكية، و إمّا من القسم الثالث إذا لم نعتبرها.

[الحق في غير الأخيرين]

و الحقّ- في غير الأخيرين- وجوب الإعادة، لأصالة عدم التذكية، و عموم ما دلّ على اشتراط العلم بها (1).

____________

(1) راجع الوسائل 3: 250 الباب 2 من أبواب لباس المصلّي.

35

و أمّا ما دلّ من الأخبار (1) على كفاية عدم العلم بكون الجلد ميتة، فهي و إن كانت أخص من تلك العمومات، و مقتضى القاعدة وجوب الخروج بها عنها و عن الأصل، لكنّها لاختصاص بعضها موردا بالموجود في أسواق المسلمين.

و انصراف بعضها الآخر- بحكم الغلبة- إليه و إلى المأخوذ من مسلم، لا يخصّصها بالنسبة إلى غير مورد الاختصاص و الانصراف، و لا كلام فيه.

[الحق في الأخيرين]

و إمّا في الأخيرين: فالأظهر عدم وجوب الإعادة، و إن كان مقتضى أصالة عدم التذكية وجوبها، إلّا أنّه يخرج عنه بالأخبار الكثيرة (2) الدالّة على جواز أخذ الجلود من أسواق المسلمين و من أيديهم السليمة عمّا يقبل لتخصيصها.

و لا يوجد ما يتوهم منه التخصيص عدا رواية أبي بصير: «قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الصلاة في الفراء؟ فقال: كان علي بن الحسين (عليه السلام) رجلا صردا (3) لا يدفئه فراء الحجاز، لأنّ دباغها بالقرظ (4)، فكان يبعث إلى العراق فيؤتى بالفرو فيلبسه، فإذا حضرت الصلاة ألقاه و ألقى القميص الذي كان يليه فكان يسأل عن ذلك فيقول: إنّ أهل العراق يستحلّون لباس جلود الميتة و يزعمون أنّ دباغه ذكاته» (5).

و رواية عبد الرحمن ابن الحجاج: «قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): إنّي أدخل سوق المسلمين- أعني هذا الخلق الّذين يدّعون الإسلام- فأشتري منهم

____________

(1) الوسائل 3: 332 الباب 55 من أبواب لباس المصلّي.

(2) الوسائل 2: 1071 الباب 50 من أبواب النجاسات، و 3: 310 الباب 38 من أبواب لباس المصلّي.

(3) الصّرد: من يجد البرد سريعا (مجمع البحرين 3: 85).

(4) القرظ- بالتحريك- ورق السلم، يدبغ به الأديم، و في الخبر: «أتى بهدية في أديم مقروظ» اي مدبوغ بالقرظ (مجمع البحرين 4: 289).

(5) الوسائل 3: 338 الباب 61 من أبواب لباس المصلي، الحديث 2 باختلاف يسير.

36

الفراء للتجارة، فأقول لصاحبها: أ ليس هي ذكيّة؟ فيقول: بلى. فهل يصلح لي أن أبيعها على أنّها ذكيّة؟ قال: لا، و لكن لا بأس أن تبيعها و تقول قد اشترط الذي اشتريتها منه أنّها ذكيّة؟ قلت: و ما أفسد ذلك؟ قال: استحلال أهل العراق للميتة و زعموا أنّ دباغ جلد الميتة [ذكاته] (1)، ثم لم يرضوا أن يكذبوا في ذلك إلّا على رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) (2).

و ما روى عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنّه قال: «تكره الصلاة في الفراء إلّا ما صنع في أرض الحجاز، أو ما علمت منه ذكاة» (3).

و في سند الروايتين الأوليين ضعف. مضافا إلى أن الاولى صريحة في لبس المعصوم (عليه السلام) له، و لو لا حكمه بذكاته لم يكن له وجه، فيتعيّن أن يكون نزعه لأجل حسن الاحتياط في عمود الدين.

و كذا الثانية صريحة في جواز بيع الجلود المذكورة و شرائها، و ليس إلّا من جهة الحكم بكونها مذكاة، و لا تدل إلّا على النهي عن بيع ما أخبر بذكاته على أنّه ذكّي.

و أمّا الثالثة، فلا تدل إلّا على الكراهة، و هي أعم من التحريم لو لم نقل بظهورها في الكراهة المصطلحة، كما يكشف عنه صيرورة اللفظ حقيقة فيها في العرف المتأخّر.

[الصلاة في جلد لم يعلم تذكيته]

ثمّ إن المستفاد من الأخبار إذن الشارع في الصلاة في الجلد المذكور، و أمّا عدم وجوب الإعادة لو انكشف كونه غير مذكى فيما مرّ في السابق (4) من أنّ ما يفعله المكلف حال الجهل بالواقع إذا كان بإذن من الشارع و أمر منه ثمّ انكشف

____________

(1) الزيادة: من المصدر.

(2) الوسائل 2: 1081 الباب 61 من أبواب النجاسات، الحديث 4 باختلاف يسير.

(3) الوسائل 3: 337 الباب 61 من أبواب لباس المصلّي، الحديث الأول.

(4) في الصفحة 30.

37

مخالفته للواقع فلا يجب الإعادة.

[الصلاة في جلد لم يعلم كونه مما يؤكل أو من غيره]

هذا كلّه فيما لو جهل حال الجلد الملبوس من حيث التذكية و عدمها، و أمّا لو جهل حاله من حيث كونه ممّا يؤكل أو من غيره، فالأقوى عدم صحة الصلاة فيه، و عدم الإذن فيه من الشارع.

و ما دلّ على عدم البأس بما يشترى من سوق المسلمين (1) فإنّما هو من جهة احتمال الموت، لا من جهة احتمال كونه ممّا لا يؤكل، فإذا لم يحصل من الشارع رخصة في الصلاة في الجلد المذكور، فإن لم يدخل في القسم الرابع من الأقسام السابقة من حيث إنّ قصد التقرّب بالصلاة في الجلد المذكور لا يتأتى، لعدم علمه بكونها هي الصلاة المطلوبة أم لا، و الإتيان به في مقام الامتثال نقض لليقين بالشك، فلا أقلّ من دخوله تحت القسم الثالث، و قد عرفت أنّ الحكم فيه الفساد مع كشف الخلاف، بل و مع عدمه.

مضافا إلى إطلاق رواية عبد اللّٰه بن بكير «قال: سأل زرارة أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الصلاة في الثعالب و الفنك و السنجاب و غيره من الوبر؟ فأخرج كتابا زعم أنّه إملاء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم): إنّ الصلاة في و بر كلّ شيء حرام أكله فالصلاة في وبره و شعره و جلده و بوله و روثه و كل شيء منه فاسد لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلّى في غيره ممّا أحلّ اللّٰه أكله» (2).

و ليس في سند هذه الرواية من يتأمل فيه إلّا «إبراهيم بن هشام» و «عبد اللّٰه بن بكير» و السند بهما عند أصحابنا المتأخرين لا يعرضه الضعف. و هي صريحة في وجوب الإعادة مطلقا من حيث العلم و الجهل حال الصلاة بكونه من ذلك.

____________

(1) الوسائل 3: 332 الباب 55 من أبواب لباس المصلي.

(2) الوسائل 3: 250 الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث الأول.

38

[توهم أصالة الحلية في المسألة]

و ما يتوهّم من أنّ الجلد المذكور إذا حكم بإباحة أكل لحم الحيوان الذي هو منه، لأجل عمومات «كلّ شيء حلال حتّى تعرف أنّه حرام» (1) فيدخل في جلد مأكول اللحم، فلا يشمله الخبر، و لا الأصل، لعلمه حال الصلاة بأنّ ذلك الجلد ممّا يؤكل شرعا، و لو لأجل أصالة الحليّة في الأشياء المشتبهة بالحرام. بل ذيل الخبر المذكور يدل على صحّة الصلاة، إذ يصدق عليه «أنّه ممّا أحلّ اللّٰه لحمه».

[رد هذا التوهم]

ففيه: أنّ المراد بقوله: «كلّ شيء حرام» كل حيوان هو بالنوع حرام الأكل، و لا ريب أنّ الاشتباه الخارجي و التردّد في فرد خاص بين كونه من الثعلب أو من الشاة إذا ارتفع و انكشف كونه ثعلبا فيصدق عليه أنّه صلّى في الحيوان الذي لا يؤكل لحمه- و هو الثعلب- و حلّية أكله حال الاشتباه لا يخرجه عن كونه ممّا لا يؤكل بالنوع، كحليّة أكله حال المخمصة أو للتداوي، فإنّه لا يصحّح الصلاة في جلده. فتأمّل.

فأدلة حلّية المشتبه لا تدلّ إلّا على الرخصة في الأكمل، و هي لا تلازم جواز الصلاة في جلده و إن كان الملازمة بينهما ثابتة في الواقع- بمعنى أنّه لو كان حلالا في متن الواقع جاز الصلاة في جلده- لكنّ التفكيك في مرحلة الظاهر بين المتلازمات الواقعية أكثر من أن يحصى، فإذا وجدنا حيوانا لا ندري أنه شاة أو ثعلب، فلا مانع من الحكم بحليّة أكل لحمه و عدم جواز الصلاة في جزء منه كما يحكم على المائع المشتبه بين الماء و البول بكونه غير منجّس للملاقي و غير مطهر للحدث و الخبث .. (2).

و نعم لو اشتبه حكم نوع من الحيوان- كالبغل- و أنّه ممّا يؤكل أم لا، و حكمنا في هذا الاشتباه الحكمي بأصالة البراءة، و أدخلنا هذا النوع في «ما

____________

(1) و رد ذلك في عدة روايات بعبارات مختلفة، منها ما نقله في الوسائل 12: 59، 60 الباب 4 من.

أبواب ما يكتسب به، الحديث 1 و 4.

(2) كانت في محل النقط كلمات لا تقرأ، و الظاهر انّ المطلب تام و ان الكلمات كانت زائدة.

39

أحلّ اللّٰه» فلا مضايقة في الحكم بجواز الصلاة في جلده. و الفرق بين الاشتباهين غير مشتبه، فتأمّل.

[توهم عدم توجه النهي في المسألة إلى الجاهل]

و قد يقال: إنّ فساد الصلاة في جلد غير المأكول إنّما ثبت بورود النهي في الأخبار (1) عنها فيه، لأنّ الرواية السابقة لعدم صحّتها غير ناهضة لذلك، و لا يتوجّه النهي إلى غير العالم فتباح له تلك الصلاة، فيرتفع المقتضي للفساد، كما لو صلّي جاهلا بغصبيّة اللباس أو المكان.

[رد هذا التوهم]

و فيه: أنّه إن أراد من ذلك أنّ معنى قوله (عليه السلام): «لا تصلّ في جلد الثعالب» (2) أنّه لا تصلّ في ما علمت أنه جلد الثعالب، لا فيما هو كذلك في نفس الأمر، فقد بينّا فساد ذلك في محلّه (3) و حققنا أنّ الألفاظ موضوعة للأمور الواقعية، وقعت في حيّز الطلب أم لا.

و إن أراد من ذلك، أنّ الحكم و إن تعلق بما هو في نفس الأمر جلد غير المأكول، لكن الشك في حال الجلد موجب للشك في حرمة الصلاة و عدمها، و مقتضى أصالة البراءة عدم حرمتها، فيرتفع موجب الفساد و هي الحرمة. ففيه:

أوّلا- أنّ المراد بالنهي عن الصلاة في أمثال المقام هو: بيان البطلان و عدم الاعتداد- بمعنى أنّ الصلاة باطلة و لا يعتد بها، فلا تفعل شيئا لا يترتّب [عليه] (4) أثر و فائدة- فإنّ التعبير عن البطلان و عدم الفائدة بمثل هذا كثير، أو الحرمة التشريعيّة التي تترتب على الفساد- و انتفاء هذه الحرمة لا يوجب انتفاء الفساد- لا الحرمة الذاتيّة التي يترتب عليه الفساد- كالصلاة في المكان المغصوب و في لباس الحرير و الذهب- حتّى ينتفي الفساد بانتفائها، فافهم.

____________

(1) الوسائل 3: 250 الباب 2 من أبواب لباس المصلي.

(2) راجع الوسائل 3: 258 الباب 7 من أبواب لباس المصلي، و الرواية منقولة بالمعنى.

(3) لم نقف عليه في مظانه.

(4) الزيادة اقتضاها السياق.

40

[زيادة الركعة على الفريضة سهوا]

أو زاد ركعة أو ركوعا (1)

مع أنّ بعض الأخبار تدلّ على «عدم جواز الصلاة في غير المأكول» (1) و «عدم الخير في الصلاة فيه» (2) و هما ظاهران في عدم الصحّة عرفا.

مع أنّ عدم نهوض الموثّقة للاستدلال بها ممنوع، لأنّها لا تقصر عن الصحيحة، لما ذكروا في ترجمة «إبراهيم بن هاشم» (3) و «ابن بكير» (4).

[قوله]: أو زاد ركعة أو ركوعا.

(1) إذا زاد المصلّي ركعة على الفريضة سهوا، فإن كانت غير رباعيّة و لم يجلس في الركعة الأخيرة من الفريضة، فلا إشكال في بطلان الصلاة، لما مرّ (5) من الأصل و القاعدة المستفادة من حسنة زرارة (6)- التي هي كالصحيحة، بل صحيحة على مذهب بعض مشايخنا في إبراهيم بن هاشم (7)- و رواية أبي بصير (8).

و مع ذلك فلم أجد في المسألة خلافا.

و إن كانت رباعيّة، فإن لم يجلس في الرابعة، بقدر التشهد فالظاهر عدم الخلاف أيضا في البطلان لما مر لما يأتي (9) و إن جلس في الرابعة، فإن تشهّد و نسي التسليم فقام و زاد ركعة، فحكم

____________

(1) راجع الوسائل 3: 251 الباب 2 من أبواب لباس المصلي.

(2) الوسائل 3: 252 الباب 3 من أبواب لباس المصلي، الحديث 2.

(3) راجع معجم رجال الحديث 1: 316 الترجمة رقم 332.

(4) راجع معجم رجال الحديث 10: 122 الترجمة رقم 6734.

(5) راجع صفحة 21.

(6) راجع صفحة 21 و الهامش 2 هناك.

(7) لعل المراد به المحقق النراقي (قدس سره) كما يظهر من كلامه في عوائد الأيام: 274.

(8) راجع صفحة 21 و الهامش 3 هناك.

(9) في صفحة 21 و الصفحة الآتية.

41

جماعة (1) بالبطلان، للأصل و القاعدة المذكورين، و لرواية الشحّام عن الرجل صلّى العصر ستّ ركعات أو خمس ركعات. قال (عليه السلام): «إن استيقن أنّه صلّى خمسا أو ستّا فليعد» (2).

و فيه نظر، للخروج عن الأصل و تخصيص القاعدة المتقدمة كالرواية،- مع ضعفها ب«أبي جميلة» و غيره و بأنّ فيه حكاية سهو النّبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم)- بصحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): «قال: سألته عن رجل صلى خمسا؟

فقال: إن كان جلس في الرابعة قدر التشهد فقد تمت صلاته» (3).

و مثلها رواية جميل بن درّاج في الفقيه: عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4).

و قريب منهما أخرى (5) غير سليمة السند ب«محمّد بن عبد اللّٰه بن هلال».

و موافقتها لمذهب العامّة (6) إنما تقدح لو لم تكن أخص مطلقا من القاعدة و الرواية السابقة، إذ مثل هذه المرجحات لا تلاحظ بين العام و الخاص المطلقين.

نعم لو كانت شهرة القول بالبطلان بحيث تمنع عن حصول الظنّ بها، لقدحت فيها و أسقطتها عن قوّة تخصيص القاعدة و الرواية. و لكن مثل هذه الشهرة غير متحققة، لفتوى جمع من الأعيان بالصحة في هذه الصورة، كالإسكافي (7) و الشيخ في الإستبصار (8) و الحلّي (9) و المحقّق في المعتبر (10).

____________

(1) كما في مفتاح الكرامة 3: 286 و الجواهر 12: 251.

(2) الوسائل 5: 332 الباب 19 من أبواب الخلل، الحديث 3.

(3) نفس المصدر، الحديث 4.

(4) الفقيه 1: 349، باب أحكام السهو، الحديث 1016.

(5) نفس المصدر صفحة 332، الحديث 5.

(6) الخلاف 1: 451 كتاب الصلاة، المسألة 196.

(7) حكاه عنه (قدس سره) في المختلف 1: 135، في ذيل مسألة: من شك و لم يدر كم صلى؟.

(8) الاستبصار 1: 377 باب من تيقن انه زاد في الصلاة، ذيل الحديث 4.

(9) السرائر 1: 245، 246.

(10) المعتبر 2: 380 و في النسبة تأمل.

42

و العلّامة في المختلف (1) و صاحب المدارك (2) و بعض مشايخنا المعاصرين (3) بل في صورة عدم التشهّد مع الجلوس بقدره- على ما حكي عن بعضهم- و المسألة لا تخلو عن اشكال.

و أشكل منها ما إذا لم يتشهّد، من الأصل و القاعدة و الرواية، مع أنّ البطلان هنا أشهر، فالروايات الخاصّة- المقدّمة- بالصحّة مع الجلوس أضعف، مضافا إلى قوّة احتمال إرادة فعل التشهّد من الجلوس بقدره، كما ذكره الشيخ في كتابيه (4)، و استحسنه في المدارك (5)، و حكى استحسانه فيه عن الشهيد في الذكرى (6).

و أمّا إذا لم تكن الصلاة رباعيّة و جلس بقدر التشهّد، فإن تشهّد- أيضا- فقد بنى بعض (7) صحتها على عدم جزئية التسليم.

و فيه نظر، لصدق الزيادة عرفا. و إن قلنا بعدم جزئيّة التسليم، فيدخل في القاعدة المتقدّمة السليمة هنا عمّا يخصصها، لأنّ الروايات- كما عرفت- مختصّة بالرباعيّة، فتأمّل.

و لو لم يتشهد، فالأظهر البطلان، لوقوع الزيادة في الصلاة، فيدخل في القاعدة، و لا مخصّص لها هنا.

____________

(1) المختلف 1: 135، ذيل مسألة: من شك و لم يدر كم صلى؟.

(2) المدارك 4: 222.

(3) لعل المقصود به المحقق النراقي (قدس سره) راجع المستند 1: 476 المسألة الاولى من الفصل الثاني في الخلل الواقع بالزيادة سهوا.

(4) التهذيب 2: 194 باب احكام السهو في الصلاة الحديث 67. و الاستبصار 1: 377 باب من تيقن انه زاد في الصلاة، الحديث 4.

(5) المدارك 4: 222.

(6) الذكرى: 219 المسألة الأولى من المطلب الثاني في السهو.

(7) الحدائق 9: 118- 119.

43

[زيادة الركوع سهوا]

أو نقص ركعة و ذكر بعد المبطل عمدا و سهوا- كالحدث- لا بعد المبطل عمدا- كالكلام (1).

و أمّا إذا زاد المصلّي ركوعا: فالمشهور- المنفي عنه الخلاف- هو البطلان، للأصل و القاعدة المتقدمتين، و يؤيّده رواية منصور بن حازم في رجل صلّى و ذكر أنّه زاد سجدة. فقال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) «لا يعيد الصلاة من سجدة و يعيدها من ركعة» (1).

بناء على أنّ الظاهر أنّ المراد من الركعة: الركوع، بقرينة مقابلتها للسجدة، فتأمل.

ثمّ: إنّ المراد زيادة الركوع في الأثناء (2). و أمّا زيادة الركوع في الزائد عن عدد الصلاة- كما إذا قام إلى الخامسة سهوا و ركع- فإنّ بطلان الصلاة هنا ليس متفقا، بل من يقول بعدم البطلان بزيادة الركعة المتحقّقة بكمال السجدتين، بل بزيادة ركعتين، يقول بعدم البطلان هنا بطريق أولى.

[قوله]: أو نقص ركعة و ذكر بعد المبطل عمدا و سهوا- كالحدث- لا بعد المبطل عمدا- كالكلام.

(1) [أقول]: إذا نقص المصلّي ركعة أو أزيد من صلاته سهوا فإن ذكر قبل فعل المنافي أتمّها بلا خلاف- على الظاهر- في صحّة الإتمام.

[نقصان الركعة و إتيان ما يبطل الصلاة عمدا]

و إن ذكر بعد فعل المنافي، فإن كان المنافي ممّا يبطل الصلاة عمدا لا سهوا، فالأظهر عدم وجوب الإعادة، بل قيل (3): هو الأشهر، للصحاح المستفيضة:

____________

(1) الوسائل 4: 938 الباب 14 من أبواب الركوع، الحديث 2.

(2) في الأصل: في أثناء.

(3) الجواهر 12: 265.

44

منها: صحيحة زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام): «في الرجل يسهو في الركعتين و يتكلم، قال (عليه السلام): يتمّ ما بقي من صلاته، تكلّم أو لم يتكلّم» (1).

و منها: صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: سئل عن رجل دخل مع الإمام في صلاته و قد سبقه بركعة فلمّا فرغ الإمام خرج مع الناس، ثمّ ذكر بعد ذلك أنّه فاتته ركعة؟ قال: يعيدها ركعة» (2).

إلى غير ذلك من الروايات.

خلافا للمحكيّ عن الشيخ و العماني و الحلبي (3): من وجوب الإعادة. و لم أجد له مستندا- على الظاهر- إلّا الأصل، و بعض إطلاقات وجوب الاستئناف، مثل صحيحة جميل: «قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل صلّى ركعتين ثمّ قام؟. قال: يستقبل. قلت: فما يروي الناس؟- فذكر له حديث ذي الشمالين- و قال (عليه السلام): إنّ رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم): لم يبرح من مكانه، و لو برح استقبل» (4).

و رواية أبي بصير: «قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل صلّى ركعتين ثم قام فذهب في حاجته؟ قال: يستقبل. فقلت: ما بال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) لم يستقبل؟ فقال: إنّ رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) لم ينفتل من موضعه» (5).

حيث لم يستفصل (عليه السلام) عن وقوع ما ينافي الصلاة سهوا، أو عمدا و سهوا، و عدم وقوعه رأسا، خرج الأخير بالإجماع و بقي الباقي. و لا يضرّ.

____________

(1) الوسائل 5: 308 الباب 3 من أبواب الخلل، الحديث 5 و فيه زيادة: و لا شيء عليه.

(2) نفس المصدر: 307، الحديث الأول.

(3) حكاه عنهم (قدس سرهم) في المختلف 1: 135- 136 في مسألة: من نقص ركعة أو زاد سهوا.

(4) الوسائل 5: 308 الباب 3 من أبواب الخلل، الحديث 7 مع اختلاف يسير.

(5) نفس المصدر: 309، الحديث 10.

45

اختصاصهما بصورة القيام عن مقامه، لإلحاق غيرها بالإجماع المركّب و عدم القول بالفصل.

و لكن هذا الاستناد غير صحيح، لوجوب الخروج عن الأصل- لو سلّم- و عن إطلاق الروايتين بما دلّ صريحا على عدم وجوب الإعادة مع التكلّم، كصحيحة محمد بن مسلم المتقدّمة (1) و صحيحة علي بن النعمان: «قال: كنت مع أصحاب لي في سفر و صلّيت بهم المغرب، فسلّمت في الركعتين الأوليين، فقال أصحابي: إنما صلّيت بنا ركعتين، فكلّمتهم و كلّموني، فقالوا: أمّا نحن فنعيد.

فقلت: لكنّي لا أعيد و أتمّ بركعة فأتممت بركعة، ثمّ سرنا فأتيت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) فذكرت له الذي كان من أمرنا، فقال لي: أنت كنت أصوب منهم فعلا» (2).

مع أنّ ذيل الروايتين صريح في عدم وجوب الإعادة مع التكلم، حيث حكى فعل رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) من الإتمام معللا بأنّه لم يقم من مكانه، مع ما اتّفقت عليه أخبار هذه الحكاية من تكلّمه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) مع ذي الشمالين. (3).

فهو- كالصحيحتين- مقيد آخر للصدر بما إذا وقع ما ينافي الصلاة عمدا و سهوا.

و لا يضرّ اختصاص هذه المقيدات بالتّكلم فقط، لإلحاق غيره ممّا ينافي الصلاة عمدا لا سهوا به، بعدم القول بالفصل.

مضافا إلى عموم ما دلّ في هذا المقام على عدم وجوب الإعادة مطلقا (4)، خرج منه ما إذا وقع في الصلاة ما ينافيها عمدا و سهوا، و بقي الباقي. فلا إشكال في المسألة بحمد اللّٰه سبحانه.

____________

(1) بل صحيحة زرارة المتقدّمة في الصفحة السابقة.

(2) الوسائل 5: 307 الباب 3 من أبواب الخلل، الحديث 3.

(3) منها ما رواه في الوسائل 5: 309 الباب 3 من أبواب الخلل، الحديث 11 و صفحة 311 الحديثان 16 و 17.

(4) الوسائل 5: 307 الباب 3 من أبواب الخلل.

46

و أمّا من حيث العمل، فلا ريب أنّ الأحوط الإعادة بعد الإتمام.

ثم لا فرق في عدم وجوب الإعادة- هنا- بين الرباعيّة و غيرها، خلافا للمحكيّ عن بعض، فحكم بالإعادة في غيرها (1). و لم أجد له مستندا، و صحيحة علي بن النعمان المتقدّمة (2) و رواية الحضرمي (3) و غيرهما (4) حجّة عليه، لأنّ مورد الأوليين في المغرب، و مورد غيرهما في الغداة.

[نقصان الركعة و إتيان ما يبطل الصلاة عمدا و سهوا]

و إن تذكّر بعد ما وقع منه ما ينافي الصلاة عمدا و سهوا، فالأظهر بطلان الصلاة و وجوب الاستئناف. خلافا للمحكيّ عن المقنع (5)، فألحقه بسابقيه في الإتمام و عدم وجوب الاستئناف، مستندا إلى عموم ما دلّ على عدم وجوب الإعادة (6)، و هو كثير، و خصوص الموثّقة: «في الرجل يذكر بعد ما قام و تكلّم و مضى في حوائجه أنّه إنما صلّى ركعتين في الظهر و العصر و العتمة و المغرب؟ قال (عليه السلام): يبني على صلاته فيتمّها و لو بلغ الصين و لا يعيد الصلاة» (7).

و مثلها رواية عمّار المرويّة في الفقيه (8) و صحيحة زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام): «قال: سألته عن رجل صلّى بالكوفة ركعتين ثمّ ذكر- و هو بمكّة أو

____________

(1) حكاه الشيخ الطوسي (قدس سره) في المبسوط 1: 121 و لم ينسبه.

(2) في صفحة 45.

(3) الوسائل 5: 308 الباب 3 من أبواب الخلل، الحديث 4.

(4) الوسائل 5: 308 الباب 3، الحديث 18.

(5) حكاه عنه في المختلف 1: 136 في ذيل مسألة: «من نقص ركعة أو زاد سهوا» و لكن الموجود في المقنع المطبوع ضمن الجوامع الفقهية صفحة 9 و كذا المطبوع مع الهداية صفحة 31 خلافه، و هذا المطبوع مطابق أيضا لنسخة كشف اللثام 1: 274 و مفتاح الكرامة 3: 291.

(6) الوسائل 5: 307 الباب 3 من أبواب الخلل.

(7) الوسائل 5: 312 الباب 3 من أبواب الخلل، الحديث 20.

(8) الفقيه 1: 347 باب احكام السهو في الصلاة الحديث (1012) و أشار إليه في الوسائل بعد الحديث المتقدّم.

47

بالمدينة أو بالبصرة أو ببلدة من البلدان- أنّه صلّى ركعتين؟ قال: يصلّي ركعتين» (1).

و الجواب: أمّا عن العمومات فبتخصيصها (2) برواية محمّد بن مسلم- المنجبر ضعف سندها بالشهرة العظيمة- عن أحدهما (عليهما السلام): «قال: سئل عن رجل دخل مع الإمام في صلاته و قد سبقه بركعة، فلمّا فرغ الإمام خرج مع الناس، ثمّ ذكر أنّه قد فاتته ركعة؟ قال: يعيدها ركعة واحدة، يجوز له ذلك إذا لم يحوّل وجهه عن القبلة، فإذا حوّل وجهه بكلّيته فعليه أن يستقبل الصلاة استقبالا» (3).

بل بصحيحة جميل و رواية أبي بصير المتقدمتين (4) حيث إنّهما- بعد خروج صورة وقوع ما ينافي الصلاة عمدا فقط عنهما بما مرّ من المقيّدات- تصيران أخص مطلقا من إطلاقات عدم الإعادة.

مع أنّه لو سلم التساقط فيجب الرجوع إلى إطلاق ما دلّ على مبطليّة تلك المنافيات، و به ينجبر قصور دلالة رواية ابن مسلم- المذكورة- عن إفادة تمام المدّعى، حيث إنّها مختصّة بالاستدبار فلا تعمّ الحدث، مضافا إلى ظهور عدم القول بالفصل.

و أمّا عن غير صحيحة زرارة ممّا دل على عدم وجوب الإعادة و لو بلغ الصين، فبمثل ما ذكر عن الإطلاقات.

و لا يتوهّم أنّ التصريح فيها بقوله: «و لو بلغ الصين» يجعلها نصّا بالنسبة إلى صورتي وقوع الحديث و الاستدبار، حيث إنّهما لا ينفكّان عادة عن بلوغ

____________

(1) الوسائل 5: 312 الباب 3 من أبواب الخلل، الحديث 19.

(2) كتب في الأصل فوق «فبتخصيصها»: «فبتقييدها».

(3) الوسائل 5: 315 الباب 6 من أبواب الخلل، الحديث 2.

(4) في الصفحة 44.

48

الصين؛ لأنّ ذلك لدفع توهم مدخلية طول الزمان و بعد المسافة و كثرة المشاغل الواقعة في خلال الصلاة في بطلان الصلاة، كما يشعر به قول السائل: «يذكر بعد ما قام و تكلّم و مضى في حوائجه» فأجاب (عليه السلام) بأنّ مجرّد ذلك أو أكثر منه لا يوجب بطلان الصلاة فلا ينافي إرادة صورة عدم الاستدبار و عدم تخلّل الحدث، كما لا يخفى على من له أدنى سليقة.

مضافا إلى أنّ غاية الأمر تساقطها مع رواية محمّد بن مسلم و إطلاقات هذا الباب بوجوب الإعادة حيث إنّها كالنّص، بل نصوص بالنسبة إلى فرض المسألة، فيجب الرجوع إلى إطلاقات بطلان الصلاة بتخلّل تلك المنافيات.

و أمّا عن صحيحه، فبعدم صلاحيتها للحجية و تقييد إطلاقات البطلان بعد مخالفتها للشهرة العظيمة التي كادت تكون اتفاقا، بل اتفاق بناء على ما حكي (1) من عدم وجدان هذا القول في المقنع، و إطلاق قول علي بن بابويه (قدس سره) ببطلان الصلاة بالحدث و الاستدبار في مسألة القواطع.

و ممّا ذكرنا ظهر ضعف القول بالتخيير بين الإتمام و الاستئناف- كما استحسنه المحقق الأردبيلي (2) و صاحب المدارك (3) و بعض المتأخّرين (4)- لعدم ما يوجبه.

مضافا إلى أنّ رواية ابن مسلم المتقدّمة كالصريحة في وجوب الإعادة و عدم جواز الإتمام مع تحويل الوجه عن القبلة.

نعم يرشد إلى التخيير في المسألة السابقة صحيحة علي بن النعمان- المتقدّمة (5)- حيث قال (عليه السلام): «كنت أصوب منهم فعلا» فلم ينف الصواب

____________

(1) تقدم الكلام حول ذلك في الصفحة 46 و انظر الهامش 5 هناك.

(2) مجمع الفائدة و البرهان 3: 92، 93.

(3) مدارك الأحكام 4: 228.

(4) منهم المحقق السبزواري (قدس سره) في الذخيرة: 360.

(5) في الصفحة 45.

49

عن إعادتهم، و مثلها رواية الحضرمي: حيث صلّى بأصحابه المغرب ركعتين فأخبره بعضهم بذلك فأعاد الصلاة، و أخبر أبا عبد اللّٰه بذلك. فقال (عليه السلام):

لعلّك أعدت؟ قال: قلت: نعم فضحك (عليه السلام) و قال: «إنّما كان يجزيك أن تقوم و تركع ركعة» (1).

و لكن ظهورهما في التخيير غير معلوم، لجواز أن يكون نسبة الصواب إلى إعادتهم في صحيحة عليّ بن النعمان لأجل جهلهم بوجوب الإتمام عن قصور لا عن تقصير، و لا شكّ في عدم جواز الإتمام للجاهل بهذه المسألة، لعدم علمه بحصول البراءة بمثل هذه الصلاة.

و أمّا جعل فعل عليّ بن النعمان أصوب فلأجل أنّه لم يتمّ الصلاة إلّا لعلمه بوجوب الإتمام، و لذا خالف أصحابه، و يبعد أن يكون مخالفته لهم و للاحتياط في عمود الدين من أجل مجرّد الاحتمال أو الاعتبار العقلي. و مجرد ذكر الواقعة و حكايتها لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) لا يدلّ على سؤاله إيّاه (عليه السلام) عن حكم الواقعة و جهله به، مع أنّه يحتمل أن يكون تأكيدا و دفعا لاحتمال خطائه في المسألة الناشئ عن إصرار أصحابه على الإعادة، ففعله مع فعل أصحابه سيّان في الصحة و إبراء الذمّة، و يزيد فعله على فعل أصحابه بمطابقته لحكم اللّٰه سبحانه، فيصير أصوب.

و بما يقرّب من ذلك يجاب عن دلالة رواية الحضرمي، فافهم.

مع أنّه لو سلّمنا دلالتهما على التخيير، فإنّما تدلّان عليه في المسألة السابقة، و أمّا في هذه المسألة فلا دلالة فيهما عليه، و لا وجه له إلّا الجمع بين الأخبار، و قد عرفت أنّه فرع فقد المرجّحات و الداخليّة، و الخارجيّة، مع دلالة رواية ابن مسلم على عدم جواز الإتمام مع الاستدبار، و يثبت في غيره بعدم القول

____________

(1) الوسائل 5: 308 الباب 3 من أبواب الخلل، الحديث 4.

50

[ترك السجدتين من ركعة]

أو ترك السجدتين من ركعة، أو لم يدر أ هما من ركعة أو ركعتين (1)؟

بالفصل.

ثمّ إنّه لو أوقع ما ينافي الصلاة عمدا لا سهوا بعد التذكر، فهل هو كما لو لم يوقعه أو أوقعه قبل التذكر فيصحّ الإتمام، أو كما لو أوقع ما ينافي الصلاة عمدا و سهوا فتجب الإعادة؟ وجهان:

من إطلاق ما دلّ على البطلان بتعمّد المنافي.

و من إطلاق ما دلّ في المقام على عدم وجوب الإعادة، بل صريح بعضها، كصحيحة علي بن النعمان- المتقدّمة- حيث قال لأصحابه بعد التذكّر: «لكنّي لا أعيد و أتمّ بركعة» فهي أخص مطلقا من إطلاقات البطلان.

اللّٰهم إلّا أن يكون مراد علي بن النعمان من قوله: «قلت: لكنّي لا أعيد ..

إلخ» أنّه قلت في نفسي ذلك من غير أن أتكلّم. و أمّا قوله قبل ذلك:

«فكلّمتهم و كلّموني» فلا يدلّ على وقوع التكلّم منه بعد التذكّر، بل لعلّ المكالمة وقعت لأجل التذكير و التذكّر، فعليك بالتأمّل في متن السؤال و التدبّر.

لكنّ الظاهر عدم الخلاف في البطلان.

[قوله]: أو ترك سجدتين من ركعة، أو لم يدر أ هما من ركعة أو ركعتين؟

(1) [أقول]: أمّا ترك السجدتين من ركعة فإن تذكّر قبل الركوع في الركعة الأخرى، فسيأتي أنّه يأتي بهما و بما بعدهما (1) و إن لم يتذكّر إلّا بعد الركوع، فقد مرّ أنّه مبطل.

و أمّا ترك السجدتين مع الشكّ في كونهما من ركعة أو ركعتين، سواء علم أنّهما على فرض كونهما من ركعة يكونان من الركعة الاولى من الركعتين اللّتين

____________

(1) في الصفحة 54.

51

يحتمل سقوط سجدة من كلّ منهما، كما لو ذكر في الرابعة أنّه ترك سجدتين و لا يدري أنّهما من الثالثة و الثانية أو كلتاهما من الثانية، فعلم قطعا أنّهما لو تركتا من ركعة فلم تتركا إلّا من الثانية.

أو علم أنّهما على فرض كونهما من ركعة سقطتا من الركعة الثانية من الركعتين المحتمل سقوط سجدة واحدة عن كلّ واحدة منهما، كما لو علم في المثال السابق أنّهما لو تركتا من ركعة فإنّما تركتا من الركعة الثالثة.

أو تردّد على فرض كونهما من ركعة بين الركعتين فلم يدر- في المثال- أ هما من الركعة الثانية أم هما من الثالثة، أم سقط من كل منهما واحدة؟

فالأقوى الحكم بالبطلان في الصور الثلاث.

أمّا في الثالثة: فلمقتضى أصالة وحدة السهو و تأخّره، لأنّ الحكم بسقوط سجدة من كلّ منهما مستلزم لتعدّد وقوع السهو، و الحكم بكونهما من الاولى مستلزم لتقدّم الحادث، و الأصل عدم التعدّد و التقدّم.

و لا يعارض ذلك أصالة عدم فعل إحدى السجدتين في الركعة الاولى من الركعتين، لأنّ الأصلين المذكورين مقدّمان عليها، لأنّهما مزيلان بالنسبة إليها.

مع أنّها معارضة بأصالة عدم فعل شيء من السجدتين في الركعة الثانية منهما.

و القول بتعارضها مع أصالة عدم فعل شيء من السجدتين في الأولى منهما فيتساقطان فيبقى أصل عدم فعل إحداهما من الاولى سليما عن المعارض، مبنيّ على الترجيح بالقلّة و الكثرة عند تعارض الأصول، و ليس بمرضيّ كما حقّقناه في محلّه (1). مع أنّه لو سلّمناه فقد عرفت أنّ الأصلين وارد ان عليه.

و أمّا في الصورة الثانية: فلأصالة عدم تعدّد السهو، فإنّ نسيانهما عن

____________

(1) راجع فرائد الأصول- للمؤلف-: 746 عند البحث عن تعارض الاستصحابين الصورة الثانية.

52

ركعة واحدة لا يحتاج إلى حدوث نسيانين.

و لا يعارضه أصالة عدم فعل سجدة واحدة من الاولى، لما عرفت: من أنّ ذلك مقدّم على هذا. مع معارضته بأصالة عدم فعل شيء منهما في الركعة الثانية.

و لا يعارضها في هذه الصورة مثلها بالنسبة إلى الركعة الأولى منهما، لفرض القطع بوقوع واحدة في الاولى- في هذه الصورة.

و أمّا في الصورة الأولى: فلأصالة عدم التعدّد أيضا.

و لا يعارضه أصالة تأخّر الحادث، لأنّ الشكّ في التقدّم و التأخّر مسبّب عن الشكّ في وحدة السهو و تعدّده، فإذا جرى الأصل في السبب فيتبعه ما يتبعه، و إن كان مخالفا للأصل لو خلّي و طبعه.

و نظير هذا الفرض ما اتّفقوا عليه في مبحث وضع صيغة «افعل» للوجوب، من أنّه إذا ثبت حقيقتها فيه في عرفنا فتثبت في اللغة بأصالة عدم تعدّد الوضع، و لم يلتفتوا إلى أصالة تأخّر الوضع للوجوب و هو واضح.

مضافا في الصور الثلاث إلى أصالة الاشتغال المقتضية لوجوب تحصيل البراءة الغير المتحقّقة إلّا بإعادة الصلاة.

و قد يعارض ما ذكر من الأصول في المقام بأصالة صحّة الصلاة، و هي غير أصيلة عندنا لما حقّق في محله (1).

و قد يستدلّ (2) على البطلان بمرسلة المعلّى بن خنيس: «قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) في الرجل ينسى السجدة من صلاته؟ قال: إذا ذكرها قبل ركوعه سجدها و بنى على صلاته ثمّ سجد سجدتي السهو بعد انصرافه. و إن ذكرها بعد ركوعه أعاد الصلاة. و نسيان السجدة في الأوليين و الأخيرتين.

____________

(1) لم نعثر عليه في مظانه.

(2) المستدل هو النراقي (قدس سره) في المستند 1: 471 المسألة الثانية.

53

سواء» (1). دلّت على بطلان الصلاة بترك السجدة و عدم التذكّر قبل الركوع مطلقا، خرج نسيان السجدة، الواحدة أو السجدتين من ركعتين يقينا، و بقي الباقي.

و فيه: إنّ ما خرج من الإطلاق هو نسيان السجدة الواحدة لا بشرط العلم، لأنّ الأحكام معلّقة على الأمور الواقعية، فإطلاق المرسلة بالنسبة إلى صورة (2) المسألة من قبيل المطلق المقيّد بالمجمل من حيث المصداق، كما لو قال:

«يجب عتق الرقبة» و «لا يجوز عتق الكافرة» و شككنا في فرد أنّه كافرة أو مؤمنة فلا يصحّ التمسّك بالإطلاق في جواز عنقه.

مع أنّا لو سلمنا تعلّق الأحكام مطلقا أو خصوص التكليفيّة منها بالموضوعات بشرط العلم، فكما أنّ ما دلّ على صحّة الصلاة بنسيان سجدة واحدة من ركعة أو سجدتين من ركعتين مختصّ بصورة العلم بكون المنسيّ ذلك، فكذلك المطلق- أعني المرسلة المذكورة- يدلّ على تعلّق وجوب الإعادة بمن علم كون المنسيّ منه مطلق السجدة، فإذا أخرجنا من هذا المطلق من علم كون المنسيّ سجدة واحدة أو سجدتين من ركعتين، فالباقي بعد التقييد ليس إلّا من علم كون المنسيّ سجدتين من ركعة، و لا ريب أنّه لا يشمل فرض المسألة و لا يدلّ على حكمه، و إن شئت فافرض ذلك في المثال المذكور حتّى يتّضح لك.

مع أنّ لنا- بناء على هذا- أن نقول من باب المعارضة: إنّ قول أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) لابن سنان: «إذا نسيت شيئا من الصلاة ركوعا أو سجودا أو تكبيرا فاقض الذي فاتك» (3) يدلّ على صحّة الصلاة بنسيان مطلق السجود،

____________

(1) الوسائل 4: 969 الباب 14 من أبواب السجود، الحديث 5.

(2) كتب في الأصل فوق كلمة «صورة»: «فرض».

(3) الوسائل 5: 337 الباب 23 من أبواب الخلل، الحديث 7.

54

خرج منه نسيان سجدتين من ركعة واحدة يقينا، و بقي الباقي.

ثمّ إنّ البطلان في غير الصورة الأولى مختصّ بما إذا كان التذكّر بعد الدخول في ركوع الركعة اللاحقة للركعتين اللتين شكّ في أنّ السجدتين المنسيتين من كلتيهما أو من إحداهما، إذ لو كان قبله فيجيء بهما، لأنّ الأصل اقتضى كونهما من الركعة الأخيرة منهما- في غير الصورة الأولى- فقد سها عن ركن و ذكر قبل الدخول في آخر.

نعم في الصورة [الأولى] (1) التي حكم بكون المنسيتين من الاولى منهما لا يتفاوت الحال، للدّخول في ركن بل ركنين من الركعة الأخيرة منهما على كلّ حال، فافهم.

فرع [ترك السجدتين مع الشك في كونهما من أي الركعات]

لو تذكّر ترك سجدتين و علم أنّهما من ركعة لكن لا يدري أنّهما من أيّ الركعات السابقة حكم بكونهما من أخيرتها، لأصالة التأخّر.

و حينئذ فإن لم يدخل في ركوع الركعة التي تذكّر فيها سجدهما و أتى بما بعدهما ثمّ ركع، و إن دخل فيه بطلت صلاته.

و حكي عن الشيخ (2) بطلان الصلاة، لاحتمال أن يكون نسيانهما من إحدى الأوليين، إذ غاية الأمر أن يتذكّر في الركعة الرابعة، فيحتمل أن يكون نسيانهما من الثالثة و أن يكون من الثانية فلم تسلّم له الأوليان فيبطل، لما دلّ من العموم على أنّه إذا لم تحفظ الأوليان فالصلاة باطلة (3).

و فيه: أنّه لم يثبت بطلان الصلاة بعدم حفظ أفعال الأوليين.

____________

(1) الزيادة اقتضاها السياق.

(2) حكاه في المختلف: 143 عن المبسوط 1: 120- 121.

(3) راجع الوسائل 5: 299 الباب الأول من أبواب الخلل.

55

[الشك في عدد الثنائية و الثلاثية و الأوليين من الرباعية]

أو شكّ في عدد الثنائية (1)- كالصبح و العيدين و الكسوف- أو الثلاثية، أو الأوليين من الرباعيّة.

مع أنّ أصالة التأخّر حاكمة بكونها من الثالثة، فقد حفظت الأوليان.

مضافا إلى ذيل المرسلة المذكورة المصرّحة بعدم الفرق في نسيان السجدة بين الأوليين و الأخيرتين، بمعنى أنّه إن كان على وجه يبطل فيهما و غيرهما، و إلّا فلا كذلك.

[قوله]: أو شكّ في عدد الثنائية .. إلخ.

(1) [أقول]: لو شكّ في عدد الصلاة الواجبة الثنائية- كالصبح و غير صلاة المغرب من صلوات المسافر و الجمعة و العيدين و صلاة الآيات- أو في عدد المغرب أو في أوليي الرباعيّة، أعاد على المشهور، بل حكي عن المنتهى (1) أنّه قول علمائنا أجمع إلّا ابن بابويه فإنّه جوّز البناء على الأقلّ و الإعادة (2).

و الأظهر الأوّل، للأخبار المستفيضة القريبة من التواتر:

منها: صحيحة حفص بن البختري و الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام):

«قال: إذا شككت في المغرب فأعد. و إذا شككت في الفجر فأعد» (3).

و صحيحة محمّد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام): «قال: سألته عن السهو في المغرب؟ قال: يعيد حتّى يحفظ، أنّها ليست مثل الشفع» (4).

و الظاهر أنّ المراد بالشفع: الأربع.

____________

(1) حكاه في مدارك الاحكام 4: 244 و كذا في مفتاح الكرامة 3: 294 عن المنتهى 1: 410.

(2) قال في المقنع- في الأوّل باب السهو-: إذا لم تدر واحدة صلّيت أم اثنتين فأعد الصلاة، و روي «ابن على ركعة»، و في الفقيه- بعد نقل أخبار- روى عن الرضا (عليه السلام): «يبني على يقينه»، و قال: بأيّ خبر منها أخذ فهو مصيب. راجع الفقيه 1: 351.

(3) الوسائل 5: 304 الباب 2 من أبواب الخلل، الحديث 4 و.

(4) الوسائل 5: 304 الباب 2 من أبواب الخلل، الحديث 4 و.

56

و صحيحة العلاء عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «قال: سألته عن الرجل يشكّ في الفجر؟ قال: يعيد. قلت: المغرب؟ قال: نعم، و الوتر و الجمعة- من غير أن أسأله-» (1).

و ليس في هذه الرواية شيء، إلّا أنّ «الحسين بن سعيد» روى عن «فضالة بن أيوب» و لم يلقه. نعم يروي عنه بواسطة «الحسن بن سعيد- أخيه-» و هو و إن كان ثقة لكن لعلّ الواسطة هنا غيره، فالرواية مرسلة.

لكنّ الظاهر أنّ الواسطة هنا «الحسن» سيّما بملاحظة ما حكي عن النجاشي: من أنّه قال: أبو الحسين بن البغدادي (2) إنّه قال لنا الحسين بن يزيد الشورائي: إنّ كلّ ما يرويه «الحسين بن سعيد» عن «فضالة» فإنّما يرويه عن أخيه «الحسن» عنه (3). انتهى.

و في الحسن- كالصحيح- بإبراهيم بن هاشم: «قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يصلّي و لا يدري واحدة صلّى أم ثنتين؟ قال: يستقبل حتّى يستيقن أنّه قد أتمّ، و في الجمعة و في المغرب و في الصلاة في السفر» (4).

و صحيحة أبي العباس البقباق- و هو: الفضل بن عبد الملك- الثقة:

قال: قال لي: إذا لم تحفظ الركعتين الأوليين فأعد صلاتك» (5).

و لا يضرّ الإضمار، لأنّ الظاهر عدم روايته عن غير المعصوم، و عدم رواية الأجلاء- كالحسين بن سعيد و حمّاد- ذلك عنه إلّا مع علمهم بأنّ مراده من القائل: المعصوم. و الظاهر أنّه أبو عبد اللّٰه (عليه السلام)، لأنّ البقباق يروي عنه.

____________

(1) الوسائل 5: 305 الباب 2 من أبواب الخلل الحديث 7.

(2) لا يوجد في رجال النجاشي- المطبوع- عبارة: «أبو الحسين بن البغدادي» و يبدو أنها مشطوب عليها في النسخة أيضا.

(3) رجال النجاشي: 58 الرقم 136- 137، و فيه: السورائي بدل الشورائي.

(4) الوسائل 5: 304 الباب 2 من أبواب الخلل، الحديث 2.

(5) الوسائل 5: 301 الباب الأول من أبواب الخلل، الحديث 13.