الاجتهاد و التقليد

- الشيخ مرتضى الأنصاري المزيد...
96 /
45

[الخطبة]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السّلام على محمد و آله الطاهرين و اللعنة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

[معنى التقليد]

التقليد لغة جعل الغير ذا قلادة، و منه تقليد الهدى، و في الاصطلاح كما عن الفخر: قبول قول الغير في الأحكام الشرعية من غير دليل على خصوصية ذلك الحكم و أحسن منه ما عن جامع المقاصد قبول قول الغير المستند إلى الاجتهاد، و عن النهاية و الأحكام و المعالم و شرح المختصر: انه العمل بقول الغير من غير حجة، و مثلوا له بأخذ كل من العامي و المجتهد بقول مثله و ذكروا ان الرجوع إلى قول النبي (صلى اللّه عليه و آله) و رجوع العامي إلى المفتي ليس تقليدا لقيام الحجة في الأول بالمعجزة و في الثاني بالإجماع عليه و فيما ذكروه من عدم دخول رجوع العامي المفتي في تعريف التقليد نظر، لأن المراد بقيد كونه من غير حجة عدم الحجة على خصوص القول لا عدم الحجة على وجوب الأخذ لأن تلك الحجة حجة على حكم التقليد أعنى الوجوب و الا نفس الرجوع هو الأخذ بقول المجتهد من غير حجة.

ثم الرجوع إلى قول النبي (صلى اللّه عليه و آله) ليس أخذا من غير حجة بل بعد ثبوت

46

صدقه بالمعجزة يكون حجيته معه نعم يدخل في التعريف المذكور العمل بقول البينة و المترجم من أهل الخبرة و أحسن الحدود ما تقدم عن جامع المقاصد.

ثم اعلم ان بعضهم عرفوا التقليد: العمل بقول الغير كما عرفت، بل نسبه بعضهم إلى علماء الأصول و عرفه آخرون بقبول قول الغير.

و ثالث الأخذ بقول الغير و رابع بمتابعة قول الغير و هل ذلك كله اختلاف في التعبير و مرجعها إلى واحد؟ و هو تطبيق العمل أعني الحركات و السكنات على قول الغير بإرجاع الكل إلى ظاهر لفظ العمل فيكون المراد من الأخذ و القبول في مقام العمل و المراد الالتزام و التعبد بمقتضاه كما هو ظاهر لفظي الأخذ و القبول، و لذا نسبه البعض إلى علماء الأصول، أو انه اختلاف في المعنى و ان المراد من الأخذ بقول الغير و قبوله هو الانقياد له و جعله حكما في حق نفسه و التوطين على العمل به عند الحاجة.

و الحاصل ان التقليد في اصطلاحهم هو مجرد الانقياد و الاستناد و الالتزام القلبي و العمل الجاري على طبق قوله أم يكون معناه مختلفا بينهم وجهان.

و كيف كان فالمهم تعرض معناه فان الظاهر من كلام كل من عرفه بالعمل كما عرفت هو الثاني و صريح جماعة من متأخري المتأخرين هو الأول حيث صرحوا بتحقق التقليد بأخذ الفتوى لأجل العمل عند الحاجة، و ان لم يعمل بعد.

و فرعوا على هذا بعض ما سيجيء من أحكام التقليد، و البقاء على التقليد بعد موت المجتهد.

و يشهد للقول الأول ان الظاهر عدم الخلاف في معنى التقليد في الاصطلاح نعم كلامهم بين صريح في كونه العمل و بين ما لا ينافي الحمل عليه بل ربما

47

عبر الشخص الواحد تارة بالعمل، و أخرى بغيره و لذا لم ينبه أحد على وقوع الخلاف بينهم في ذلك بل عرفت نسبة بعض تفسيره بالعمل إلى علماء الأصول.

و يؤيده استدلالهم على حرمة التقليد بما دل على المنع عن العمل بغير العلم.

و يشهد للثاني كونه أوفق بالمعنى اللغوي و أظهر في عرف المتشرعة و لذا يقال: ان العمل الفلاني وقع عن تقليد الا ان يراد انه وقع على جهة التقليد و قد يقال انه لو كان التقليد هو العمل امتنع ان يقع العمل على جهة الوجوب أو الندب إذا كان مما اختلف فيه المجتهدون كغسل الجمعة بل امتنع ان يقع مشروعا إذا كان مما اختلف في مشروعيته كصلاة الجمعة في زمان الغيبة و صلاة القصر في أربع فراسخ فان وقوع العمل على صفة الوجوب بل المشروعية لا يتحقق الا بالتقليد فلو توقف تحقق التقليد على العمل لزوم الدور و تسليم توقفه على الأخذ بالفتوى و منع صدق التقليد كما ترى.

و يمكن دفعه بان مشروعية العمل أو وجوبه يتوقف على وقوعه على جهة التقليد لا على سبق التقليد فإذا فرضنا ان هنا مجتهدين.

أحدهما يرى وجوب الجمعة.

و الآخر يرى وجوب الظهر فالمكلف يتخير بين إيقاع الجمعة وجوبا على جهة التقليد للأول، و بين إيقاع الظهر كذلك على جهة التقليد للثاني، و كذا الكلام في غسل الجمعة فإنه يتخير بين إيقاعه وجوبا على جهة التقليد لموجبه و بين إيقاعه ندبا على جهة التقليد لنادبه فلا يتوقف العمل على سبق صفة الوجوب له بل يكفي ان يكون للمكلف أن يأتيه على وجه الوجوب فافهم.

إذا عرفت موضوع التقليد فالكلام يقع تارة في حكمه، و أخرى في المقلد بالكسر، و ثالثة في المقلد بالفتح، و رابعة في المقلد فيه.

48

اما حكم التقليد

فالمعروف بين أصحابنا جوازه بالمعنى الأعم و ينسب إلى بعض أصحابنا القول بالتحريم و يحكي عن بعض العامة.

و الحق هو الأول للأدلة الأربعة آيتا النفر و السؤال (1) و السنة المتواترة الواردة في الإذن في الإفتاء و الاستفتاء عموما و خصوصا منطوقا و مفهوما (2) و الإجماع القولي و العملي عليه و حكم العقل بأنه بعد بقاء التكليف و انسداد باب العلم، و عدم وجوب الاحتياط للزوم العسر إذا دار الأمر بين العمل على الاجتهاد الناقص الّذي يتمكن منه العامي، و العمل على التمام الّذي يتمكن منه المجتهد، كان الثاني أرجح لكونه أقرب إلى الواقع لكن العمدة من هذه الأدلة الإجماع و السنة.

ثم ان التحقيق ان التقليد انما يجب مقدمة للامتثال الظاهري للأحكام الواقعية لأن هذا هو المستفاد من جميع أدلته، و ليس له وجوب نفسي و لا شرطي للعمل شرطا شرعيا و يترتب على ذلك أمور:

منها انه لو لم يتنجز على المكلف الأحكام الواقعية لغفلته عنها رأسا و عدم علمه الإجمالي هنا فلا وجوب للمقدمة لعدم وجوب ذيها.

و منها انه لو احتاط العامي و أحرز الواقع في عمله صح عمله و يترتب عليه أثره سواء كان في المعاملات و العبادات.

اما الحكم في المعاملات فهو إجماعي لأن المقصود فيها ترتب الآثار على أسبابها الواقعية و المفروض إحرازها بالاحتياط فمن أوقع بالعقد العربي محترزا عن الخلاف في اعتبار العربية فيها فلا وجه لعدم ترتب الأثر الواقعي عليه.

و اما العبادات فالأقوى فيها ذلك أيضا و ان كان ربما ينسب إلى المشهور

____________

(1) التوبة 122 و الأنبياء 7

(2) راجع كتاب القضاء و الشهادات من وسائل الشيعة

49

خلافه بل المحكي عن السيد الرضي (رحمه الله) في مسألة الجاهل بحكم القصر الإجماع على ان من صلى صلاة لا يعلم أحكامها باطلة.

و عن أخيه السيد المرتضى رضي الله عنه تقريره على هذه الدعوى لكن الأقوى خلافه و عدم ثبوت هذا الإجماع، بل في شمول معقده لما نحن فيه تأمل.

و وجه المختار ان المقصود منها إتيان المأمور به بقصد القربة.

و هذا حاصل مع الاحتياط فيسقط وجوب التقليد فيها، و دعوى لزوم التقليد فيها على العامي ان كان من جهة اشتراطه فيها شرعا، فلا دليل عليه بل الدليل على خلافه من إطلاقات الأوامر و إطلاق أدلة الإطاعة و القضية المشهورة من ان الناس صنفان مجتهد و مقلد، ان أريد وجوب انتهاء العمل إلى أحدهما فهو مسلم لأن الاكتفاء بالاحتياط في خصوص المسائل لا بد ان يكون من تقليد، أو اجتهاد، و ان أريد منها وجوب الاجتهاد أو التقليد في كل مسألة على الخصوص فهو من المشهورات التي لا أصل لها، و ان كان من جهة لزوم نية الوجه في العبادات و هي موقوفة في حق العامي على تميزها بالتقليد.

ففيه انه لا دليل على اعتبار نية الوجه بل الدليل على خلافة من إطلاقات الأوامر و بناء العقلاء على الاكتفاء بها في الإطاعة.

توضيح الأمر في ذلك: ان نية الوجه و هي الوجوب أو الندب لا يعقل ان يكون مأخوذا ملحوظا في ذات المأمور به المتصفة بالوجوب أو الندب لأن نية الوجه مما يلحق المأمور به بعد تعلق الأمر به فلا يعقل أخذه في موضوعه فتعين ان يكون على تقدير أخذه في العبادة مأخوذا و ملحوظا في غرض الأمر و داعيه على الأمر كما ان اعتبار نية القربة في العبادات على هذا الوجه بمعنى ان داعي الأمر على الأمر و غرضه هو إيقاع المأمور به بعد الأمر بقصد التقرب و امتثال الأمر لا ان الأمر تعلق بإتيان الفعل بقصد التقرب.

50

ثم ان الأصل في الأمر بالشيء ان يكون الغرض منه نفس حصول المأمور به لأنه المتبادر منه لغة و عرفا و لهذا لو شك في اعتبار نية الوجه كان مقتضى الأصل عدمه.

ثم إذا ثبت وجوب نية التقرب و كون العمل من العبادات ثم شك في اعتبار نية الوجه في الداعي بمعنى ان الداعي هو مجرد إتيان المأمور به على وجه التقرب المطلق، و هو مع قصد التقرب به على الوجه الثابت له من الوجوب أو الندب، كان اللازم الرجوع إلى إطلاقات أدلة الإطاعة المتحققة في عرف العقلاء بإتيان الفعل بمجرد كونه مقربا إلى اللّه تعالى من غير تعرض للوجه الثابت و قصد ذلك الوجه.

نعم لو ثبت من الخارج دليل من إجماع أو غيره على عدم كفاية الاحتياط كما هو الظاهر فيما إذا كان الاحتياط يحصل من تكرار العمل الواحد مرة أو مرات متعددة كشف ذلك عن أن الداعي على الأمر بذلك العمل هو الإتيان به مقرونا بقصد وجهه.

و الحاصل ان الاحتياط قد يحصل بإتيان الفعل مستجمعا لما يحتمل مدخليته فيه، و قد لا يحصل إلا بالإتيان بأمرين يعلم بكون أحدهما هو الواجب و الأمران قد يكونان جهتين متغايرتين كالظهر و الجمعة و القصر و الإتمام و قد يكونان فردين لماهية واحدة نحو الصلاة تارة مع الجهر بالبسملة، و تارة أخرى مع إخفاتها بناء على احتمال الوجوب و التحريم في الجهر بالبسملة و الاحتياط في الأول لا ضير فيه على المختار و لم يقم على بطلانه دليل بل الشهرة غير محققة على خلافه فضلا عن الإجماع المتقدم عن السيدين (رض) و الاحتياط على الوجه الثالث الظاهر ان المشهور عدم صحته بل لا يبعد دعوى عدم الخلاف فيه بل قد يدل على بطلانه لزم تكراره مرات متعددة بحيث يعلم من طريقة الشرع عدم مشروعيتها.

51

و اما الاحتياط على النحو الثاني فالظاهر عدم انعقاد إجماع على بطلانه خصوصا إذا علم ان المفتي أيضا يفتي ان الاحتياط يقتضي أن يأتي بعد الفعل المفتي بوجوبه بالفعل الآخر بنية القربة فإلحاقه بالأول في الاكتفاء به عن التقليد لا يخلو عن قوة لكن الأحوط في الجميع عدم الاكتفاء بالاحتياط خروجا عن الخلاف.

و منها انه لو لم يبن علي إحراز الواقع بالاحتياط مع ترك التقليد لكنه اتفق مطابقة عمله للواقع صح العمل، و يترتب عليه الأثر اما في المعاملات فظاهر، و اما في العبادات فمع فرض تأتي نية التقرب منه حين الشروع من غير تفرقة بين القاصر و المقصر في ذلك و لا في سقوط العقاب نعم الفرق بينهما على مخالفة العمل للواقع فان المقصر يستحق العقاب مطلقا مع وجوب الإعادة و القضاء عليه عند انكشاف المخالفة و القاصر لا يستحق العقاب و ان وجب عليه الفعل ثانيا مع انكشاف الخلاف.

ثم الحكم هنا بالصحّة أولى من الاحتياط لأن المحتاط لا يتمكن من نية الوجه بل غاية ما يحصل منه نية القربة و الا فقد لا يحصل منه قصد التقرب منه بالعمل الخاصّ، بل يقصد حصول التقرب من فعل هذا و فعل الآخر كما في الاحتياط بتعدد العمل أو تكراره بخلاف ما نحن فيه، فان من تعلم الصلاة من أبويه و يفعلها بنية الوجوب، ثم صادف الواقع فقد أحرز الواجب مع قصد الوجه نعم قد يدعى ان هذا لا يتأتى من المقصر إذ مع تفطنه بوجوب التقليد و احتمال كون فتوى من يجب الأخذ منه مخالفا لما يعلم من أبويه كيف يتأتى منه نية القربة؟ لكن الإنصاف إمكان فرضه فان كثيرا من المقصرين يعتقدون ان ما يفعلونه من التقصير أيضا مقرب بل قد ينهون عن شيء في العبادة كالغصب في مكان الصلاة أو في ماء الطهارة لكنهم يأتون به اعتقادا منهم انه مقرب، و ان فعله خير من تركه

52

و ان فيه ثوابا لكن دون الثواب الفرد المباح و كذا من لا يحسن قراءة الفاتحة و السورة فإنه يصلى في سعة الوقت و ان نبه على عدم جوازه.

و الحاصل انا نجد منهم نية القربة مع تنبههم لعدم كون هذا الفعل مقربا و لعله من تسويل النّفس لكن الظاهر كفايته إذا طابق المأتي به الواقع.

ثم المخالف في العبادات هو المشهور و في المعاملات بعض المعاصرين حيث زعم خلافا للمشهور بل الإجماع ان المعاملة الواقعة لا عن تقليد و لا عن اجتهاد لا يترتب عليه أثرها الوضعي إذا كان ترتب الأثر من المسائل الخلافية بين المجتهدين مع اعترافه بأن المعاملة التي يترتب عليه الأثر من دون خلاف لا يعتبر في صحتها أحد الأمرين و فرق بين القسمين بأن المعاملة الإجماعية تكون صحتها واقعية غير تابعة لاجتهاد مجتهد بخلاف المعاملة المختلف صحتها فإن الصحة الواقعية غير معتبرة بالنسبة إلى الجاهل لعدم تكليفه في الواقع، فهي ملغاة بالنسبة إلى المكلف عند عدم السبيل إليها لو فرض ثبوتها واقعا، و امّا الصحة الظاهرية فتحققها تابعة لفعلية الاجتهاد أو التقليد فحيث لا تقليد و لا اجتهاد، فلا صحة و عدم الصحة تكفي في الفساد، فلا يقال أن الفساد أيضا كالصحة في أن الواقعي منه ملغى في الظاهري تابع لفعلية الاجتهاد أو التقليد و المفروض الانتفاء لأن مجرد عدم ثبوت الأثر للمعاملة كاف في الفساد، و ليس الفساد بحكم نفس الجاهل حتى يقال ان الصحة كما يحتاج إلى الاجتهاد و التقليد، فكذلك الفساد بل المراد أن هذه المعاملة الخالية من التقليد إذا عرضت على المجتهد فحيث لا يجدها مؤثرة الوقوع به لما فرض من تبعية تأثيرها لفعلية الاجتهاد أو التقليد يحكم بكونها غير مؤثرة، و هو معنى الفساد، لكن هذا القول غير خفي فساده لمنع ما ذكره من إلغاء الواقع بالنسبة إلى الجاهل لأن الجاهل تفصيلا العالم إجمالا بوجود واجبات و محرمات يجب عليه امتثال تلك الأحكام فعلا و تركا

53

خصوصا مثل أكل مال الغير الّذي يعلم تفصيلا بحرمته فإذا وقع معاملة و لم يقصر في معرفة حكمها تقليدا أو اجتهادا حل له أكل كل ما ينتقل إليه بتلك المعاملة و أن في الواقع مال الغير، و اما إذا وقع معاملة من دون اجتهاد أو تقليد، فاتفق مخالفته للواقع عوقب على أكل مال الغير عصيانا للمحرمات الواقعية أما إذا اتفق موافقته للواقع فلا وجه لعقابه لما عرفت من عدم وجوب التقليد إلا مقدمة، فيسقط وجوبها عند تحقق ذي المقدمة بدونها ثم إذا رجع الفاعل إلى المجتهد أفتاه بصحة تلك المعاملة و كونه سببا واقعيا حل له ترتب الأثر عليها بعد ذلك، و ان لم يكن كذلك في الواقع نعم على تقدير مخالفة الفتوى للواقع يعاقب على أعماله السابقة الواقعة عن تقصير و قد زعم المعاصر المتقدم أن فتوى المجتهد بصحة تلك المعاملة نظير الإجازة في الفضولي فقال أن كونه مثلها يحتاج إلى دليل و منشأ هذا التوهم ما زعمه من نفي الصحة عنها حين الوقوع لخلوها عن الاقتران بالتقليد أو الاجتهاد و أن كان في الواقع صحيحا، و قد عرفت فساده و أن الاجتهاد و التقليد طريقان مجعولان شرعا لإحراز الواقع فكلما ثبت صحة وقوع عمل طبق الواقع بأحد الطرفين يترتب عليه آثاره من حين الوقوع كما لو ثبت صحته بالطريق الغير الجعلي و هو العلم بالواقع

و أما الكلام في المقلد بالكسر

فاعلم أنه لا إشكال في أنه يجوز التقليد للعامي الصرف و كذا العالم الغير البالغ رتبة الاجتهاد و هو موضع وفاق منا و هل يجوز لمن له ملكة الاجتهاد، التقليد فيما لم يجتهد فيه فعلا أم يتعين عليه الاجتهاد؟

قولان المعروف عندنا العدم بل لم ينقل الجواز عن أحد منا و أنما حكى عن مخالفينا على اختلاف منهم في الإطلاق و التفصيلات المختلفة نعم اختار الجواز بعض سادة مشايخنا في مناهله و عمدة أدلة القائلين بالمنع الأصل بتقريرات و عموم الأدلة الدالة على وجوب الرجوع إلى الكتاب و السنة في الأحكام خرج

54

منها القاصر عن ذلك و عمدة أدلة الجواز استصحاب جواز التقليد و عموم أدلة السؤال عن أهل الذّكر و لا يرد عليها اقتضاؤهما الوجوب المنفي في حقه إذ جواز الاجتهاد لا ينافي وجوب التقليد ما لم يجتهد لدخوله في عنوان الجاهل، و ربما أيّد لذلك بل استدله عليه باستمرار السيرة من زمن الأئمة (عليهم السلام) إلى ما بعده على الرجوع إلى فتاوى الغير مع التمكن من الاجتهاد لرفع الحرج على المجتهد لو التزم بوجوب تحصيل جميع مسائل أعماله بمجرد وجود الملكة فيه.

و يرد على الاستصحاب ان صحة التقليد انما كان لموضوع القاصر عن الاستنباط و لا أقل من الشك في ذلك و قد بينا ان في مثل هذه المواضع لا يجري الاستصحاب عندنا نعم ظاهر المشهور إجرائه في أمثال المقام، و الجواب عنه حينئذ ان عمومات وجوب الرجوع إلى الكتاب و السنة الحاكمة على الاستصحاب.

فان قيل ان العمومات تحكم على الاستصحاب إذا كان خروج العامي عنها من جهة حكم العقل بقبح تكليف العاجز إذ حينئذ يبقى غيره أما لو خرج بالشرع، و لا نعلم ان حكم المخصص عليه باق إلى أن يصير عالما بالفعل، أو إلى أن يصير عالما بالقوة فمقتضى استصحاب حكم المخصص بقائه و ليس هذا من قبيل استصحاب حكم المخصص في زمن الشك في بقائه كما قرر في محله.

قلت هذا حسن لو كان الشك في الحكم من جهة الزمان أو من جهة شمول العام للعنوان المسبوق بعنوان المخصص فنقول في المقامين الأصل بقاء حكم المخصص أما لو كان الشك في شمول العام لعنوان مقابل لعنوان المخرج الا انه قد يكون مسبوقا به فان المرجع هنا أصالة العموم، فان العالم المتمكن من الاجتهاد الفعلي هنا عنوان مقابل العامي قد يكون مسبوقا به و قد لا يكون

55

كما فيمن بلغ الحلم عالما متمكنا من الاجتهاد فان مرجع الشك هنا إلى وحدة المخرج، و تعدده لا إلى بقاء الحكم في الزمان اللاحق للمخرج و عدمه فافهم و اغتنم، و أما عدم وجوب السؤال و وجوب قبول إنذار المنذرين فإن المأمور بسؤال أهل الذّكر غير أهل الذّكر و المراد به على تقدير كونه أهل العلم هم المتمكنون من تحصيل العلم بمجرد المراجعة إلى الكتاب و السنة لا العلماء بالفعل، و حينئذ فالمأمور بالسؤال من لم يتمكن من تحصيل العلم بمراجعة الأدلة فيختص بالعاجز عن الاجتهاد و قوله تعالى إِنْ كُنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ* (1) لا تدل على إرادة أهل العلم الفعلي مضافا إلى تفسير أهل الذّكر بالأئمة (عليهم السلام) (2) فدلت على وجوب رجوع كل أحد إلى الأئمة (عليهم السلام) و أقوالهم خرج منه العاجز عن ذلك و هو العامي فالآية من أدلة المنع لا الجواز و أما آية النفر فان قلنا (3) بدلالتها على وجوب قبول خبر الواحد، فهي أيضا من أدلة المنع لا الجواز كما لا يخفى، و ان قلنا بعمومها للخبر و الفتوى فنقول ليس في الآية تعرض لتفصيل من يجب إنذاره بالإفتاء و من يجب إنذاره بالأخبار و إطلاقها مسوق لبيان حكم آخر و هو وجوب الإنذار عليهم و وجوب الحذر على المنذرين و أما وظيفة المنذرين في الحذر و ان حذر بعضهم بالأخبار و بعضهم بالفتاوى فليست الآية مسوقة له، و ان قلنا باختصاصها بالفتوى، فنقول ان الظاهر من جعل الإنذار بالفتوى غاية للتفقه أو النفر عجز المنذرين عن التفقه و لو بالرجوع إلى أخبار المنذرين فيختص بالعاجز عن الاجتهاد اللهم الا أن يقول حصول الغاية بالإفتاء مبنى على عجز أغلب القوم عن الاجتهاد و لكن لا يجوز أن يختص

____________

(1) الأنبياء 7.

(2) لاحظ أصول الكافي ج 1 ص 120 إلى 212.

(3) التوبة 122.

56

القوم بالعاجزين لأجل هذه الغلبة لأن العام الأصولي لا يحمل على بعض أفراده بمجرد الغلبة مع ما تقدم منا في مسألة حجية خبر الواحد من عدم دلالة الآية على حجية الإنذار الّذي لا يفيد العلم للمنذرين سواء كان بطريق الأخبار أم بطريق الإفتاء و ذلك للأخبار المعتبرة المستفيضة التي وقع الاستشهاد فيها بالآية على وجوب تحصيل المعرفة بإمام الزمان (عليه السلام) لمن بعد عن بلد الإمام فراجع ما ذكرنا هناك (1) أو باب ما يجب على الناس عند مضي الإمام من أصول الكافي (2).

و أما قوله (عجل اللّه فرجه) و أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم (3)، فالجواب انا نقول ان المجتهد من الرّواة فهو مأمور بالرجوع لا بالرجوع إلى غير هذا إذا قلنا ان المرجع إلى فتاواهم و ان أريد الرجوع إلى روايتهم كان دليلا على المنع لا الجواز و يجب على كل أحد حينئذ العمل بالروايات خرج العاجز عن ذلك.

و أما ما ذكره من الاستدلال بالسيرة، و ان العلماء لا يزالون يتركون الاجتهاد فيما يحتاجون إلى المسائل و لذا يختارون الأسفار المباحة الراجحة مع العلم بعدم اجتهادهم فعلا فيما يحتاجون إليه.

فالجواب عن ذلك منع ذلك إلا مع سلوك طريق الاحتياط و أما لزوم الحرج عليهم بالتزامهم بالاجتهاد أو الاحتياط، فهو ممنوع لأن الواجب الاجتهاد في المسائل المحتاج إليها غالبا تدريجا الأهم فالأهم نظير ما يجب على المقلد التقليد فيه.

____________

(1) لاحظ الرسائل مبحث حجية خبر الواحد.

(2) ج 1 ص 378 إلى 380.

(3) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث: 9

57

و أما المسائل التي يتفق أحيانا فأما أن يحتاط فيه و ان قام دليل على عدم وجوب الاحتياط قلد فيه إذا لم يتيسر له الاجتهاد لاشتغاله بالاجتهاد في الأهم منه، أو بشغل آخر أهم منه و كذلك إذا لم يتمكن من الاجتهاد في المسألة لعدم الأسباب أو لوجود مانع.

ثم ان المجتهد فعلا لا يجوز له التقليد إجماعا و لا فرق ظاهرا بين من استنباط الحكم الواقعي بالعلم أو الظن و بين من توقف في المسألة لتعارض الأدلة أو عدمها فان وظيفته الرجوع إلى الأصول لا التقليد لعدم جريان أدلة التقليد لأن ظاهرها الجاهل الغير المتمكن من الرجوع إلى الأدلة لا من يراجع و لم يجد دليلا و اعتقد عدمه بخطإ من يدعي الدليل و مثله القول في الرجوع إلى الشاهد و أهل الخبرة فإنه لا يرجع إليهما مع العلم بخطائهما في توهم ما لا يصلح الاستناد إليه، لكن هذا يتم لو اطلع على خطاء ذلك المجتهد دون من احتمل استناده إلى مستند صحيح لم يطلع هذا المتوقف عليه فالأحسن الرجوع إلى الإجماع و سيرة المجتهدين.

و أما الكلام في المقلد بالفتح

، فنقول انه يعتبر فيه أي: في تحقيق عنوانه بعد تحقيق عنوان المجتهد فيه ضرورة تأخر عنوانه عن عنوان المجتهد أمور:

البلوغ، و العقل، و الإيمان و لا إشكال في اعتبار هذه الثلاثة و الظاهر أن الاجتهاد في حال الصغر، أو عدم الإيمان، و كذا الإفتاء حالهما لا يضر إذا كان في زمان العمل بالغا مؤمنا و لا إشكال أيضا في كون العدالة شرطا و انما الإشكال في ان المشروط بها هي قبول أخباره بفتواه أو جواز العمل بفتواه و تظهر الثمرة فيما لو علم صدقه بإخباره بفتواه، و أخبر بها حال عدالته، و علم فتواه من غير جهة أخباره و ظاهر تمسك بعضهم في اعتبارها بوجوب التثبت بخبر الفاسق و بعدم كونه أمينا و بعدم قبول شهادته المستلزم لقبوله بطريق أولى، هو الأول لكن

58

ظاهر معاقد إجماعاتهم في عدم جواز استفتاء المجتهد الغير الورع هي المنع عن العمل بقوله و ان علم بفتواه من خبره، أو الخارج و يؤيده عطف الورع على الاجتهاد في قولهم لا بد في صحة استفتاء العالم من اجتهاده و ورعه.

و يدل عليه مضافا إلى ظاهر الإجماعات المنقولة ما تقدم في التوقيع من قوله (عجل اللّه فرجه) فإنهم حجتي عليكم (1) فإن الحجية المطلقة في الفتوى و الرواية لا تكون الا مع العدالة فالمراد بالرواة عدولهم فينحصر الحجية في العدول لأن أمره (عليه السلام) بالرجوع إلى العدول في مقام السؤال عن المرجع يدل على الحصر كما لا يخفى الا أن يقال لا نسلم وجود الدليل على تقييد الرّواة بالعدول في الرواية إذ يحتمل أن يكتفي بالظن بالصدق مع كونه إماميّا، فيكون الحجة قول الإمامي المظنون الصدق في الرواية و الفتوى فلا يدل على اعتبار العدالة فضلا عن كونها معتبرة في العمل.

و ربما يستدل على اعتبار العدالة في العمل بقوله (عليه السلام) و أما من كان من الفقهاء حافظا لنفسه صائنا لدينه مخالفا لهواه مطيعا لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه (2) لكن بملاحظة صدر الخبر و ذيله يعلم ان المراد اعتبار العدالة من جهة الأمن من الكذب في الرواية و الإفتاء بغير ما أنزل اللّه تعمدا.

و من جملة الشرائط حياة المجتهد فلا يجوز تقليد الميت على المعروف بين أصحابنا بل في كلام جماعة دعوى الاتفاق أو الإجماع عليه، ففي القواعد الملية في شرح الجعفرية حكاية الإجماع عن المحقق الثاني و غيره على ذلك بعد أن استظهر بنفسه الاتفاق على ذلك أيضا و عن مسالك دعوى تصريح الأصحاب باشتراط الحياة في العمل بقول المجتهد و عن الرسالة التي صنفها في هذه

____________

(1) راجع ص 56.

(2) وسائل الشيعة الباب 10 من أبواب صفات القاضي الحديث: 20.

59

المسألة دعوى قطع الأصحاب على انه لا يجوز النقل عن الميت و ان قوله يبطل بموته.

و عن الوحيد البهبهاني قده في بعض كلامه «انه أجمع الفقهاء على ان المجتهد إذا مات لا حجية في قوله»، و في المعالم العمل بفتاوى الموتى مخالف لما يظهر من اتفاق أصحابنا على المنع من الرجوع إلى فتوى الميت مع وجود الحي»، و في رسالة ابن أبي جمهور الأحسائي ما يظهر منه دعوى إجماع الإمامية على انه لا قول للميت، و في كلام بعض مشايخنا المعاصرين دعوى تحقق الإجماع على ذلك إلى غير ذلك مما ربما يطلع عليه المتتبع.

و قد بلغ اشتهار هذا القول إلى ان شاع بين العوام ان قول الميت كالميت و هذه الاتفاقات المنقولة كافية في المطلب بعد اعتضادها بالشهرة العظيمة بين الأصحاب حتى أن الشهيد أنكر من ادعى وجود القائل به، فقال: ان بيد أهل العصر فتوى مدونة على حواشي كتبهم ينسبونها إلى بعض المتأخرين يقتضي جواز ذلك ثم أخذ في تزييف ذلك بعد القدح فيها بمخالفتها لفتوى المعروفين من أرباب الكتب و التصانيف من الإمامية بوجوه:

منها انها غير مصححة السند و لا متصلة بالنسبة إلى من نمى إليه.

و منها انها مشتملة على جواز الحكم و القضاء للقاصر عن درجة الاجتهاد مع ان الإجماع واقع على بطلان ذلك، ذلك منقول و مصرح، فيكفي بها عارا و منقصة انتهى موضع الحاجة.

و يدل على المنع مضافا إلى ما ذكر أصالة عدم الحجية لعدم شمول ما دل على جواز التقليد و الرجوع إلى العلماء لما نحن فيه أما الإجماع فواضح الاختصاص و نحوه آية السؤال و النفر (1) فان الموجود فيهما الأمر بالرجوع

____________

(1) الأنبياء 7 و التوبة 122.

60

إلى العلماء عموما و خصوصا.

و أما العقل فهو لا يدل على جواز التقليد الا بعد ثبوت انسداد باب العلم و الظن الخاصّ للمقلد و المفروض قيام الأدلة الثلاثة على اعتبار قول المجتهد الحي فلا يجوز التعدي منه إلى ما لم يعم عليه دليل الا بعد عدم كفاية الظن الخاصّ و المفروض تمكن المقلد من الحي.

و ربما يتمسك للمنع بوجوه أخر ضعيفة لا تنهض للدلالة عليه مطلقا أو ما لم يرجع إلى الأصل المتقدم مثل ان المناط في العمل ظن المجتهد الّذي ينعدم بموته و مثل ان الميت لا عبرة بمخالفته بتحقق الإجماع.

ثم ان بعض المتأخرين من المحدثين و المجتهدين مال إلى تقوية خلاف ما عليه المشهور من جواز تقليد الميت و بما يستظهر من كلام الصدوق رضي الله عنه في ديباجة الفقيه بل و من الكليني قده في ديباجة الكافي و من العلامة في بعض كلماته على ما حكاه ولده عنه و كل ذلك ضعيف دلالة و سندا.

و ربما استدل عليه بعض من انتصره بوجوه أقواها وجوه:

أحدها الاستصحاب لأن المجتهد في حال حياته كان جائز التقليد و لا دليل على ارتفاع الجواز بالموت فيستصحب.

الثاني ان عمدة أدلة التقليد دليل الانسداد حيث ان باب العلم بالواقع مسند و ليس للمقلد أقرب إلى الواقع أمارة أقرب من قول المجتهد و من المعلوم ان لا فرق في القرب إلى الواقع بين الحي و الميت و لا فرق في مقتضاها بين قول الحي و الميت.

و توهم وجوب الانتصار في مقتضى دليل الانسداد على القدر المتيقن و هو قول الحي، مدفوع في محله بأن دليل الانسداد ليس كاشفا عن حكم الشرع بالعمل بالظن النوعيّ للمقلد حتى تكون القضية مهملة يجب الاقتصار فيها

61

على المتيقن و انما هو حاكم و منشأ للحكم بتعين الإطاعة الظنية بعد عدم وجوب الإطاعة العلمية للتعذر أو التعسر و لا إهمال و لا إجمال في حكم العقل حتى يؤخذ المتيقن و يترك المشكوك و تمام الكلام في محله.

الثالث إطلاق بعض الاخبار مثل قوله (عليه السلام) في التوقيع المروي في الاحتجاج و الغيبة و إكمال الدين من قوله (عجل اللّه فرجه) و أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فإنهم حجتي عليكم و انا حجة اللّه (1) فان صدره و ان كان ظاهرا بل صريحا في كون المرجع حيا الا ان التعليل بكونهم حجة على الناس يقتضي عدم الفرق بين حالتي حياتهم و موتهم.

و يرد على الاستصحاب ما مر مرارا من عدم جريانه فيما يحتمل مدخلية وصف في عنوان الحكم كالحياة فيما نحن فيه مع انه يجب رفع اليد عنه على تقدير الجريان للحكايات المتقدمة للإجماع و الاتفاق المعتضدة بالشهرة العظيمة حتى انه لم يوجد مخالف معروف إلى زمان بعض المتأخرين.

و على دليل الانسداد انه لا يجزى فيما إذا لم يكن لمكانته طريق خاص منصوص من الشارع، و التقليد طريق خاص ورد التعبد به بالإجماع، و سيرة المسلمين، و الاخبار المتواترة الدالة على جواز الإفتاء و الاستفتاء في الجملة و حينئذ فلما لم يعلم ان الطريق الخاصّ تقليد المجتهد مطلقا أو خصوص الحي وجب الأخذ بالمتيقن و هو الحي.

و نظير هذا إذا قام الدليل الخاصّ على حجية خبر الواحد بالخصوص في الجملة و كان هناك قدر متيقن كاف في معظم الاخبار عنه وجب الأخذ به و لم يصر إلى حجية مطلق الظن، و على الروايات ان الظاهر من موردها على تقدير دلالتها على التقليد هو الرجوع إلى الحي و ان لم تدل على اعتبار

____________

(1) راجع ص 58.

62

الحياة بل يمكن ان يستدل من الحصر المستفاد من مقام تحديد المرجع على عدم جواز الرجوع إلى غير الحي فافهم.

و ينبغي التنبيه على أمرين:

الأول: انه لا فرق في ظاهر كلمات الأكثر و معاقد إجماعاتهم و موارد استدلالاتهم على عدم جواز تقليد الميت بين تقليده ابتداء و البقاء على تقليده

لأن لفظ التقليد سواء جعلناه بمعنى العمل بقول الغير أو الأخذ و الالتزام به ليس من الأمور التي ينعدم بمجرد حدوثه كالمتكلم مثلا بل قابل للاستمرار فلفظة يصدق على وجوده الأولي المعبر عنه بالحدوث و الثانوي المعبر عنه بالبقاء هذا ما كان من فتاواهم و موارد اتفاقهم مشتملا على لفظ التقليد.

و منه يظهر وجه الإطلاق فيما اشتمل منها على لفظ العمل بقول الميت أو الأخذ به، و أما باقي موارد اتفاقاتهم و استدلالاتهم فدلالته على الشمول للبقاء أوضح مثل استدلالهم على المنع بان مناط المقلد هو ظن المجتهد و هو يزول بزواله فان هذا الاستدلال و ان فرض فساده الا انه يكشف عن عموم المنع في موارد الاستدلال للبقاء أيضا و نحوه استدلالهم بانعقاد الإجماع على ان بعد موته لا يعبأ به.

و مثل ما تقدم من الوحيد البهبهاني (قده) من دعوى إجماع الفقهاء على ان المجتهد إذا مات فلا حجة في قوله و حكاية بعض المعاصرين عن شيخه الأحسائي إجماع الإمامية على انه لا قول للميت و كذا ما اشتهر بين الخواصّ و العوام من ان قول الميت كالميت و تأويل كل ذلك بما يرجع إلى ابتداء التقليد من دون دليل عارف يوجب فتح باب التأويل و ردّ الاستدلال بالظاهر في كل كلام.

و مما ذكرنا يظهر انه لا وجه للتمسك للجواز بالاستصحاب مع انك قد

63

عرفت الكلام على مثله في التقليد الابتدائي مع ان الاستصحاب يوجب جواز الابتداء أيضا و دعوى خروجه بالإجماع، شطط لأن الإجماع ان استفيد من الفتاوى فقد عرفت ظاهر كلماتهم في فتاواهم و موارد إجماعاتهم و استدلالاتهم و ان أخذ من غير ذلك فلا يعبأ بدعوى من يدعي الإجماع مع مخالفته لظواهر ما ذكرنا من الأصحاب، و ربما يتمسك بالسيرة المستمرة من زمان أصحاب الأئمة (عليهم السلام) فانا لم نسمع بمن اعتبر أمر الناس بالعدول بعد موت قائله و لا أحد أعدل كذلك مع توفر دواعي نقله.

و فيه ان فتاوى أصحاب الأئمة (عليهم السلام) على ضروب أحدهما ما يعلم كونه مأخوذا من الرواية المعتبرة المنقولة فيؤخذ كما يؤخذ الرّواية و يصنع كما يصنع كما حكى غير واحد مثل ذلك في فتاوى علي ابن بابويه (ره) و كذلك في فتاوى الشيخ (قده) حيث ذكروا ان من تأخر عنه من العلماء مقلدون له فان المراد بالتقليد في ذلك نظير قوله (عليه السلام) فللعوام ان يقلدوه (1) مع انه في مقام تجويز أخذ الخبر و الحكاية عن العلماء.

و منها ما كان من قبيل الرواية المنقولة بالمعنى مع اطمئنان السامع بعدم وجود المعارض له و عدم صدوره تقية لحسن ظنّه بمن أخذ منه فيحصل الاجتهاد من نفس ذلك الخبر من غير حاجة إلى شيء آخر و كأن من أوجب الاجتهاد عينا لاحظ ذلك و لاحظ سهولة تحصيل الإجماع في الإجماعيات.

و منها ما يفيد القطع للسامع خصوصا إذا كان ممن لا يلتفت إلى الاحتمالات كالعوام و النسوان.

و منها ما يكون بطريق محض التقليد مع عدم القطع بل الظن أيضا بمطابقته للواقع.

____________

(1) راجع ص 58.

64

و لا يخفى ان دعوى السيرة في الثلاثة الأولى لا تنفع و في الرابع ممنوعة جدا و أما دعوى حكم العادة بأنه لو لم يجز البقاء لوصل المنع مع توفر الدواعي، فيردها ان ما وصل من المنع عن تقليد الميت من الإجماعات و الفتاوى الكاشفة عن وجود مستند شرعي كاف في المنع عن البقاء.

و ربما يستدل على البقاء بما يفهم من أمثال قوله (عليه السلام) و اما الحوادث الواقعة فيها فارجعوا إلى رواة أحاديثنا فإنهم حجتي عليكم و انا حجة اللّه عليكم (1) حيث ان ظاهر الرجوع في الوقائع كفايته لجميع افراد تلك الواقعة حتى المتجددة منها بعد موت المرجع.

و فيه بعد الإغضاء عن دعوى اختصاص الخبر بأخذ الروايات ليستدل بها على الوقائع على ما هو شأن صاحب التوقيع و هو إسحاق بن يعقوب عن دعوى ظهوره في المرافعات لأنها التي ترجع فيها بعينها إلى العلماء دون الحوادث الواقعة التي هي فرد من المسائل الكلية فيكون الرجوع في عنوانها دون شخصها و يشهد لما ذكرنا ان وجوب رجوع العامي المفتي و رجوع العالم إلى رواياتهم (عليهم السلام) ليس مما يشكل على مثل إسحاق بن يعقوب الّذي يروى عنه مثل الكليني (رض) فإنه ذكر أني (2) سئلت العمري ان يوصل إلى كتابا فيه مسائل قد أشكلت على على ان الحجة في كلام الإمام (عليه السلام) انما وقع محمولا على شخص الراوي للحديث الّذي هو عبارة عن إنسان و بقاء حجيته بعد موته لا يكون الا بالاستصحاب الّذي قد عرفت حاله نعم لو حمل الحجة على قول الراوي لم يحتج بقائها بعد الموت إلى الاستصحاب لكن لو بنى على تقدير القول كان تقدير الرواية أنسب.

____________

(1) راجع ص 56.

(2) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث: 9

65

ثم ان القائلين بالجواز بين مانع عن العدول عنه إلى الحي مستندا إلى وجوب البقاء بناء على حرمة العدول عن التقليد كما سيجيء و بين مجوز له و لعل وجهه دعوى الإجماع على عدم وجوب البقاء لكنه ظاهر المنافاة لتمسك هذا القائل في إثبات الجواز بالاستصحاب لأن المستصحب وجوب البقاء في حال الحياة. و هو مفروض الانتفاء حال الموت، و بقاء أصل الجواز في ضمن الوجوب العيني بعد ارتفاعه، غير معقول اللهم الا ان يقول ان الموجود في السابق شيئان.

أحدهما وجوب العمل عينا بفتوى من قلده ما لم يختر غيره.

الثاني: انه لا يصح له اختيار الغير بمعنى عدم ترتب أثر عليه و كونه لغوا غيره مفيد لجواز العمل على طبق المعدول إليه و الأمر الأول ثابت سواء قلنا بجواز العدول أم لا فيستصحب.

و الثاني: مبنى على جواز العدول عن الميت إلى الحي و المفروض جوازه

و توضيحه انا نفرض زيدا و عمراً مجتهدين و جاز لبكر تقليد كل واحد منهما فإذا قلد أحدهما تعين عليه العمل على طبقة ما دام باقيا على تقليد المختار و هذا وجوب عيني و ان قلنا بجواز العدول كما ان تعين الصلاة التام ما دام حاضرا لا ينافي جواز السفر ثم ان مقتضى الاستصحاب جواز العدول عنه و اختيار غيره لأن ذلك كان له قيل اختيار ما اختاره لكن دل الدليل على عدم جواز العدول عن الحي إلى الحي و على جواز الرجوع عن الميت فاستصحاب الوجوب العيني الثابت ما دام باقيا لا ينافيه جواز العدول.

نعم لو فرض ان المستصحب وجوب البقاء على تقليد هذا الّذي مات لم يعقل الجمع بين هذا الاستصحاب و بالإجماع على جواز العدول و عدم وجوب البقاء نظير ذلك ما إذا ثبت إفادة عقد لانتقال العوضين إلى المتعاقدين و ثبت

66

وجوب البقاء على هذا و عدم جواز فسخه ثم ثبت الإجماع جواز الفسخ و شك في بقاء تأثير الانتقال منه فنستصحبه نعم لو كان الدليل على الصحة هو ما دل على اللزوم لم يمكن معنى لارتفاع الملزوم و بقاء ما استكشف عنه.

و ينبغي التنبيه على أمور:

الأول: لو قلد المجتهد الحي في مسألة وجوب الرجوع فمات

فرجع إلى من يفتيه بوجوب البقاء لم تشمل فتواه تلك المسألة للزوم التناقض و اما لو رجع في المسائل عن مجتهده الّذي مات بفتوى الحي ثم مات ذلك المفتي فيرجع إلى ثالث أفتاه بوجوب البقاء على كل ما قلد فيه فهل يبقى على الأول أو على الثاني؟ وجهان أقواهما الثاني لأن تقليد الثاني و رجوعه عن الأول بالنسبة إلى المسائل، التي رجع فيها في حال الحياة الثاني وقع صحيحا و ان لم يخبر له البقاء على مسألة الرجوع بالنسبة إلى ما بعد موته فلا ينافي ما ذكرناه من عدم شمول حكم الحي بالبقاء لمسألة وجوب الرجوع التي قلد فيها من مات و ربما قيل بالأول و لعله لأن التقليد الثاني في المسائل المعدول عنها انما هو تقليد في وجوب الرجوع فإذا كان الإفتاء بالبقاء لا يشمل فلا يشمل ما يترتب عليه و المسألة محل إشكال.

الثاني لو قلنا في صورة رجوع المجتهد عن فتواه

بأنه يجب عليه و على مقلديه رفع اليد عن آثار المعاملات التي وقعت على طبق الحكم المرجوع عنه كرفع اليد عن الزوجية و الملك اللذين أخذهما بالعقد السابق، فهل يجب عليه ذلك أيضا فيما رجع وجوبا أو جوازا عن الميت إلى الحي المخالف له في صحة تلك المعاملة الواقعة وجهان فلو قلنا بوجوب رفع اليد عن آثار ما وقع عليه بالتقليد السابق قوى في الفرع السابق وجوب رفع اليد عن التقليد الثاني المترتب على فتوى الثاني بوجوب الرجوع فافهم.

الثالث: لو قلد في جواز الرجوع عن مجتهد إلى أخر ثم مات

فرجع

67

إلى من أوجب البقاء فهل يجوز الرجوع عن الميت بناء على تقليده في مسألة الرجوع أم لا؟ صرح بعض بالأول و يحتمل قويا الثاني لأن معنى الفتوى بوجوب البقاء حرمة العدول فلا يشمل جواز العدول كما ذكرناه في مسألة الرجوع.

الرابع لو قلد من يرى ان التقليد هو العمل لا مجرد الأخذ

لأجله فأخذ و لم يعمل و عمل في مسألة الأخذ كان عدل عن بعض ما أخذه و لم يعمل بحكم مجتهده بأنه ليس تقليدا ثم مات مجتهده فيرجع إلى من يرى وجوب البقاء على التقليد بمعنى الأخذ للعمل و ان لم يعمل فهل يجب بقائه على ما أخذ و لم يعمل لأنه تقليد عند هذا الحي فيجب البقاء عليه أم لا؟ لأنه قلد تقليدا صحيحا اتفاقيا في ان هذا ليس بتقليد يجب البقاء عليه وجهان و كذا الوجهان لو انعكس الأمر بأن قلد من يرى ان التقليد هو الأخذ لأجل العمل و عمل ذلك بمعنى انه اتفق له العدول عن بعض مأخوذاته فاستفتي المجتهد في ذلك فأفتاه بحرمة العدول فرجع إلى من عدل عنه فمات فرجع إلى من يوجب البقاء على التقليد مع كون التقليد عنده هو العمل لا مجرد الأخذ.

الخامس لو قلد مجتهدا في صغره و قلنا بصحة تقليده لصحة عباداته

ثم مات المجتهد قبل بلوغه فبلغ فهل يجب البقاء على القول بوجوب البقاء؟ وجهان بل قولان من عموم وجوب البقاء على التقليد الصحيح و من ان حرمة العدول لم يثبت في تقليد الصغير فاستصحاب التخيير في حقه باق.

السادس لو قلنا بوجوب البقاء و حرمة العدول عن تقليد الميت

فهل يعم ذلك ما إذا كان الحي المرجوع إليه أفضل من الميت أم لا؟ قيل بالأول و هو حسن لو قلد في جواز تقليد غير الأعلم مجتهد أعلم في حال حياة مجتهده أو بعد مماته أو قلد في عدم جواز العدول و لو من غير الأعلم اما لو قلد في وجوب تقليد الأعلم و لو بالعدول عن غيره إليه لكن في حال الحياة لم يكن أعلم ممن

68

قلده ثم حدث بعد موته و هو أعلم منه و لم يكن وجه لوجوب البقاء على تقليد الميت المفضول.

السابع لو قلنا بجواز العدول و كان الرجوع إلى مجتهد آخر و أخذ واجباته المضيقة عنه متعذرا أو متعسرا

فهل يجوز البقاء حينئذ أو حكمه حكم من تعذر عليه التقليد؟ وجهان و الاحتياط لا يخفى.

الثامن ان حكم صيرورة المجتهد فاسقا أو كافرا أو مجنونا أو عاميا حكم موته في وجوب العدول عنه

كما صرح به المحقق الثاني قده في حاشية الشرائع حيث قال: و لو عرض للفقيه و العياذ باللّه فسق و جنون أو طعن في السن كثيرا بحيث اختل فهمه امتنع تقليده لوجود المانع و لو كان قد قلده مقلد قبل ذلك يبطل حكم تقليده لأن العمل بقوله في مستقبل الزمان يقتضي الاستناد إليه حينئذ و قد خرج عن الأهلية لذلك فكان تقليده باطلا بالنسبة إلى مستقبل الزمان انتهى.

و يمكن الاستدلال له بإطلاق معاقد الإجماعات في اعتبار العلم و العدالة عند العمل من غير فرق بين الابتداء و الاستدامة و المحكي عن غير واحد من المعاصرين البقاء في ذلك كله.

و يدل عليه مضافا إلى ذلك و إلى ظهور الإجماع المركب بل البسيط ما روى عن عبد اللّه الكوفي خادم الشيخ أبي قاسم بن روح انه سئل عن كتب ابن أبي العذاقر بعد ما خرجت اللغة في حقه فقال الشيخ أقول فيها ما قاله العسكري (عليه السلام) حيث سئل عن كتب بنى فضال فقيل له ما نصنع بكتبه و بيوتنا منها ملأ فقال (عليه السلام) خذوا ما رووا و ذروا ما رأوا (1) فإن أمر الشيخ (رض) بترك رأي ابن أبي العذاقر يشمل الفتوى المأخوذة منه المعمولة عليها حال استقامته و حجية قول الشيخ المشار إليه يعلم بالتتبع في أحواله و فيما ورد في حقه.

____________

(1) معجم رجال الحديث ج 17 ص 54 55.

69

التاسع: لو لم يتمكن من تقليد مجتهد حي فهل يجوز له تقليد الميت أو يجب عليه الاحتياط أو يجب عليه الأخذ بالظنون المعتمد بها

لو تمكن منها مثل العمل على فتوى المشهور و ما ادعى فيه الإجماع و ما أشبه ذلك؟ وجوه من إطلاق بعض أدلة التقليد كمعاقد الإجماعات المجوزة له فيقتصر في تقييدها بالحي على صورة التمكن التي هي معقد الأدلة المتقدمة.

و من ان الرجوع إلى الظن الّذي لم يقم عليه دليل بالخصوص انما يصار إليه بعد بطلان الاحتياط و هو في حق غيره ثابت خصوصا إذا كانت المسألة من المسائل التي فرض الحاجة إليها مع عدم التمكن من المسائل التي فرض التي فرض الحاجة إليها مع عدم التمكن من الرجوع إلى الحي فيها مما لا يلزم من الاحتياط فيها حرج، و من ان وجوب الاحتياط و تقديمه على العمل بالظنون الخاصة هو الظن المطلق كما تقدم في مسألة حجية الظن و فتاوى المسألة بعد محل إشكال و الاحتياط غير خفي بل هو قوي مع قلة موارده و كون المورد مورد وجوب الاحتياط.

العاشر: لو قلنا بوجوب الرجوع إلى المجتهد الفاقد للشرائط بعد تعذر المجتهد الجامع لها

و دار الأمر بين فاقدي بعض الشرائط كغير البالغ مع المخالف و الفاسق أو الميت ففي تقديم بعضهم على بعض إشكال، و ينبغي الجزم بتقديم غير المخالف عليه لإطلاق ما دل على المنع من الرجوع إليهم مثل قوله (عليه السلام) لا تأخذن معالم دينك من غير شيعتنا (1).

و ما تقدم من قول العسكري (عليه السلام) في بني فضال فقال و ذروا ما رأوا (2) إلى غير ذلك.

____________

(1) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث 42.

(2) راجع ص 68.

70

و أما ما ورد من الأمر بمخالفة العامة في الفتاوي و الروايات فهي مسوقة لبيان كون فتاواهم و رواياتهم مخالفا للحق و ليس الكلام في ذلك إذ الكلام فيمن علم موافقة فتواه و اجتهاده لفتاوي الخاصة و اجتهاداتهم لكونه منهم حين الاستنباط ثم رجع عن الحق.

بقي الكلام في دوران الأمر بين الصغير و الفاسق و الميت

و لا يبعد ترجيح غير الفاسق عليه لا لعدم الأمن من كذبه لما عرفت من اعتبار العدالة في العمل و ان فرض القطع بصدقة في فتواه بل لعلو منصب الإفتاء و عدم كون الفاسق لائقا به و لأن العمل بقوله ركون إلى الظالم منهي عنه و في ترجيح غير البالغ على الميت و من صار عاصيا و العكس وجهان و لا يبعد الأول بناء على ما استدلوا به من ان مناط التقليد هو الظن القائم بنفس المجتهد الّذي ينتفي بالموت لكن المنتفي في الصغير هو وصفه، و هو كون الظن قائما ببالغ فالأمر حينئذ يدور بين فوات الموصوف و الصفة و ارتكاب الثاني أولى.

ثم هل تمضي تصرفات المجتهد مما يتعلق بالمنصب كالحكومات و غيرها بعد الموت مطلقا أو لا مطلقا أو يفصل بين ما كان من قبيل الوكالة كوكيله في بيع مال الصغير فتبطل و غيره فلا؟ وجوه: أوجهها الأخير فيما يرجع من تصرفاته إلى فعل اللّه تعالى كحكمه و سائر تصرفاته المنصبية يمضي.

و أما ما إلى فعله كوكالته و استنابته و قيمومته و توليته فلا بمعنى عدم بقاء النيابة بعد الموت لا عدم مضى ما مضى من تصرفات النواب لرجوعه إلى تصرفات الراجع إلى فعله أيضا شروط المقلد بالفتح فلو كان متحدا فهو غير المتعين و ان كان متعدد فان تساووا و اتفقوا في الفتوى جاز العمل بجنس الجميع و بكل واحد.

71

معين لا بواحد لا بعينه و لا بالمجموع بحيث يلاحظ في كل واحد انضمام الآخر فإن قلد على أحد الوجهين لزمه ذلك ما دام أحدهم على صفة صحة التقليد له في تلك الفتوى و لا يبعد ذلك فيما لو قلد المجموع.

و بالجملة فالظاهر ان حال الفتواءين المتفقين حال الأمارتين المتعاضدين و الأحوط تعيين المجتهد في جميع الصور، و ان اختلفوا في الفتوى كان مخيرا بينهما و ان كان أحدهما أعلم، فإن اختلفوا في الفتوى تعين العمل بقول الأعلم على المشهور بل لم يحكى الخلاف فيه عن معروف و ان تأمل فيه أو في دليله بعض المعاصرين و قد اعترف الشهيد الثاني قده في منية المريد بأنه لا يعلم في ذلك خلافا و نحوه و غيره بل صرح المحقق الثاني قده في مسألة تقليد الميت بالإجماع على تعين تقليد الأعلم و مثله المعتضد بالشهرة المحققة ينبغي أن يكون هو الحجة بعد الأصل على ما سيأتي توضيحه.

و يدل عليه مقبولة عمر بن حنظلة (1) و رواية داود بن الحصين (2) و رواية موسى بن أكيل (3) مضافا إلى بناء العقلاء على ترجيح الأعلم من أهل الخبرة في كل مقام من المقامات الشرعية و العرفية فلاحظ.

و قد يورد على الأصل بأنه إن أريد أصالة عدم براءة الذّمّة و بقاء الاشتغال بدون تقليد الأعلم، ففيه مع انه معارض بما سيجيء من تمسك المخالف بالاستصحاب منع جريانه بناء على ان المرجع في أمثال ذلك إلى أصالة البراءة، و ان أريد أصالة عدم حجية قول غير الأعلم في مقابل الأعلم.

____________

(1) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث: 1.

(2) نفس المصدر الباب 9 الحديث: 20.

(3) نفس المصدر الحديث: 45.

72

ففيه ان حجية قول غير الأعلم ثابتة بما ثبت من حجية قول المجتهد لو خلى و طبعه انما الكلام هنا في ترجيح معارضته عليه، و هو فتوى الأعلم فمدعي حجية الأعلمية يحتاج إلى البينة لأن المرجعية كالحجية توقيفية يحتاج إلى دلالة عقلية أو نقلية.

و على الشهرة و الإجماع المحكي أن الاطلاع على فساد مدرك المشهور توجب الوهن فيها و سقوطها عن الحجية مع ان مدعي الإجماع قد ادعاه على تقليد الأعلم و الأورع، و الظاهر عدم الإجماع في الأورع، و على المقبولة و أخواتها باختصاص موردها بالحكم فتعديتها إلى الفتوى تحتاج إلى تنقيح المناط، أو إجماع مركب و هما مفقودان مع ان المرجحات المذكورة فيها غير معمولة في تعارض الفتوى إجماعا.

و أما بناء العقلاء فهو مسلم فيما إذا كان من قبيل الأمارات التي يؤخذ فيها عند التعارض بأقواها و حيث كان التقليد عندهم من هذا القبيل كان عملهم فيه على الترجيح بالقوة و كونه كذلك عند الشك ممنوع بل الظاهر ان الرجوع إلى أهل الخبرة عند العرف من قبيل الأمارات حيث يرجعون فيه عند التعارض إلى الأعلم و عند الشارع من قبيل البينة التي هي من الأسباب و لا ترجع فيه عند التعارض إلى الأقوى، و حينئذ فالتقليد و ان كان عند العقلاء من باب الأمارات لأنه من قبيل الرجوع إلى أهل الخبرة الا انه لا يبعد أن يكون عند المشهور من باب البينة كالرجوع إلى أهل الخبرة في الموضوعات.

و الجواب أما عن الأصل الأول فبان المقام ليس مما اختلف فيه في الحكم بالتخيير عملا بالبراءة أو بالتعيين عملا بالاحتياط لأن مرجع الشك في جواز العمل بفتوى المفضول إلى الشك في انه تتحقق العبادة المطلوبة يقينا إذا أخذ

73

فيها بقول المفضول نظير ما إذا علمنا يقينا بوجوب عبادة مجملة و دار الأمر في تعيينها بين الرجوع إلى خصوص زيد و بين التخيير في الرجوع إلى زيد أو عمرو، لا إلى الشك في مقدار ما اشتغلت الذّمّة به من العبادة المطلوبة في الجملة نظير ما إذا علمنا بوجوب شيء في الجملة و دار الوجوب بين شيء مخصوص و بين أحد الشيئين منه و من الآخر و المختلف فيه من حيث الحكم بالتخيير أو اليقين هو ما كان من قبل الثاني دون الأول هذا كله لو أردنا إجراء الأصل من حيث الحكم التكليفي المتعلق بالتقليد من حيث كونه من باب المقدمة العلمية لامتثال الواجبات الواقعية و إلا فالشك في طريقيه فتوى المفضول لإثبات الأحكام الشرعية مع مخالفتها لفتوى الفاضل و مجرد ثبوت حجيتها في نفسها لو خلت عن معارضة فتوى الفاضل لا يجدي لأن الحجية بذلك المعنى، و هو تعين العمل به قد ارتفعت قطعا بسبب المعارضة و بقاء الجواز بعد ارتفاع الوجوب غير معقول فلا يثبت جواز العمل الا بدليل جديد من النقل و العقل و المفروض انتفاء الأول و الثاني غير حاكم بالتخيير الا بعد القطع بعدم المرجح و احتماله في كلا المتعارضين و هذا مفقود فيما نحن فالمرجع إلى أدلة عدم جواز العمل بما لا ينتهي إلى العلم و تعين العمل بفتوى الفاضل لأن جوازه يقيني.

فإن قلت قد ثبت ان كون الشيء مرجحا ككونه حجة توقيفي يحتاج إلى توقيف و مع عدمه فيعامل معه معاملة عدم المرجحية فإذا ثبت ان كلا من فتوى المفضول و الفاضل حجة و المفروض عدم العلم بكون الأعلمية مرجحة، فمقتضى القاعدة بل أصالة العدم عدم كونها مرجحة فيثبت التخيير لأن تعارض الحجتين مع عدم المرجح موجب للتخيير.

قلت ثبوت التخيير عند تعارض الحجتين مع عدم المرجح حكم يستقل به العقل و معلوم ان العقل لا يستقل به بمجرد أصالة عدم المرجح لأن من جملة

74

مقدمات ذلك الحكم العقلي استقلال العقل بعدم المرجح، أو احتمال المرجح في كل منهما على السواء و أصالة عدم مرجحية الأعلمية لا يوجب استقلال العقل به و ليس حكم العقل بالتخيير من الأحكام المجعولة للمشهور حتى يترتب على حكم المشهور بأصالة عدم المرجح، و أما حكم الشارع بالتخيير فهو لو ترتب على عدم المرجح فهو من جهة تقرير حكم العقل فهو تابع له و المفروض انتفاء المتبوع.

و بالجملة فقد تقرر في محله ان الأصول لا يترتب على مجاريها الا أحكامها الشرعية الثابتة بثبوتها الواقعي لا الأحكام الشرعية التابعة لأحكام واقعية عقلية أو عادية ثابتة بثبوتها الواقعي.

و أما الجواب عمّا أورد على المقبولة و أخواتها فبان التأمل فيها و في القواعد الشرعية يشهد بكون الترجيح لحكم الأعلم منها من جهة ترجيح فتواه و ان مورد ترجيح السؤال هو تعارض النصوص لا الحكمين فان المرجحات المذكورة في تلك الروايات.

و منها ما يرجع إلى الترجيح بقوة الاستنباط كالترجيح بالأعلمية.

و منها ما يرجع إلى ترجيح الرواية التي استند إليها أحدهما على ما استند إليه الآخر و معلوم ان الترجيح بهما انما يوجب الترجيح في الفتوى أولا ثم في الحكم الناشئ عن ذلك الفتوى.

و بالجملة فما ذكرنا من ان الترجيح للحكم في تلك الروايات انما هو من جهة رجحان في أصل الفتوى أمر ظاهر للمتأمل و لعله لذا ادعى الشهيد الثاني (قده) ان المقبولة نصّ في المطلوب و أما ما ذكر في الإيراد أخيرا من ان المرجحات المذكورة في تلك الروايات لا يعمل بها في تعارض الفتواءين إجماعا فهو إشكال مشترك بين جعلها واردة في تعارض الحكمين أو الفتواءين

75

و يمكن دفعه بالتزام وجوب إعمال تلك المرجحات في تعارض الفتويين في ذلك الزمان بالنسبة إلى الجاهل بالحكم الشرعي القادر على الاستنباط إذا وصل إليه الروايات أو الفتوى النازلة منزلة الروايات فان فتاوى المفتين في أزمنة صدور هذه الروايات كانت بمنزلة الروايات يعمل بها العامي و غيره عند سلامته عن المعارض و عند معارضتها مع فتوى أخرى التي هي أيضا بمنزلة الروايات كان وظيفة المستفتي القادر على أعمال الترجيح العمل بها أجمع و وظيفة العامي العاجز عن ذلك الاقتصار على المرجح الّذي يقدر على معرفته أعني أعلمية أحد المفتين أو أورعيته دون ما لا يقدر على معرفته من ذلك على ما ينبغي و معرفة ما يوهنه، و يعارضه إذ المرجح مثل الدليل في وجوب الفحص عن معارضة إلى أن يتحقق المجتهد المعجز عن نفسه فوظيفة العامي الترجيح بالأعلمية لا غير فيتخير مع التساوي في العلم فتخييره حينئذ نظير تخيير المجتهد إذا تساوت الفتويان عنده من جميع الجهات.

و بالجملة فالمقبولة و أخواتها محمولة على تعارض الفتويين المستندتين إلى الروايات بالنسبة إلى القادر على أعمال التراجيح المذكورة فالتراجيح المذكورة فيها مقيدة بالقدرة عليها، و أما العاجز و هو العامي فيقتصر على ما هو في وسعه من المرجح الّذي يقدر على معرفته و هي الأعلمية دون غيرها فتأمّل.

فإن قلت قد تقرر في باب التعارض و الترجيح ان الاقتصار على المرجحات المذكورة في المقبولة و نحوها و الجمود على الترتيب المذكور فيها خلاف ما أجمع عليه العلماء عملا، فيحمل على بيان إرادة تلك المذكورات على إراءة الطريق لطريق الترجيح بالقوة و الضعف و حينئذ يجب على المقلد الترجيح بين الفتويين المستندين إلى الروايات بجميع ما يقدر على معرفته من

76

المرجحات مثل اعتضاد أحدهما بفتوى المشهور، أو بفتوى أعلم الأموات و نحو ذلك لا الاقتصار على الترجيح بالأعلمية أو بها و الأورعية.

قلت بعد تسليم ما ذكر من العمل بالمقبولة و أخواتها يدفع الرجوع إلى غير الأعلمية من المرجحات بالإجماع و لولاه لقلنا به فتأمل و سيجيء تتمة الكلام في ذلك.

و أما الجواب عما أورد على بناء العقلاء فبان الظاهر من أدلة التقليد من الكتاب و السنة و الإجماع و العقل كونه من باب الأمارات.

أما الكتاب فلان أمر المقلدين بالسؤال و الحذر و أمر المجتهدين بالتفقه و الإنذار يدل على ان المقصود وصول المقلد و إيصاله إلى الواقع من أوامر اللّه و نواهيه.

أما الاخبار فظاهرها وجوب أخذ معالم الدين فيكون المقصود أيضا الوصول إليها.

و أما الإجماع فالعمدة منه هو العملي الثابت باستقرار السيرة و استمرارها على ذلك من زمان الأئمة (صلوات اللّه عليهم) إلى زماننا هذا و معلوم ان رجوع الناس من جهة قصد الوصول إلى الواقع.

و أما العقل فدلالته على كونه من باب الأمارة الكاشفة عن الواقع أوضح من الكل فالمستفاد من أدلة التقليد بأسرها أنه مطلوب لمجرد التوصل به إلى الواقع لكونه أقرب الطرق بعد العلم و مثل هذا يصار عند تعارض فردين منه إلى الأقوى باتفاق العقلاء و إجماع العلماء على ما يظهر منهم في تعارض الأمارات عند المجتهد هذا مع انه لو شك في كون التقليد من باب أمارات المجتهد أو من باب البينة وجب المعاملة معه معاملة الأمارات أخذا بالقدر المتيقن بل الأصل في تعارض ما كان من قبيل الأسباب العمل بما يحتمل كونه راجحا في نظر الشارع

77

و عدم أعمال الترجيح بقوة الظن في تعارض البينتين لو ثبت، فإنما هو بالإجماع و هذا و ان كان راجعا إلى الاستناد إلى الأصل لا دليل مستقل آخر الا انه يكفي في المقام و لو لم يكن ما عداه لعدم ما يتمسك به للتخيير بين الأعلم و غيره الّذي قواه بعض متأخري المتأخرين عدا استصحاب التخيير الثابت للمقلد في بعض الفروض المتعدي منه إلى غيره بالإجماع المركب و إطلاقات الرجوع إلى المجتهد مثل آيتي السؤال و النفر (1) و مثل قوله (عجل اللّه فرجه) في توقيع إسحاق ابن يعقوب في مقام تعليل الرجوع إلى رواة الحديث فإنه حجتي عليكم (2) فإنه دل على ان كل واحد منهم حجة و مثل قوله (عليه السلام) و أما من كان من شيعتنا عالما بشريعتنا مخالفا لهواه مطيعا لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه (3) و مثل قوله (عليه السلام) في مكاتبته لمن سأله عمن يعتمد عليه في أمور الدين فاصمدا في دينكما على كل مسن في حبنا و كل كثير القدم في أمرنا (4) و مثل مشهورة أبى خديجة انظروا إلى رجل يعلم شيئا من قضايا فاجعلوه بينكم فانى قد جعلته قاضيا (5) الدالة على اعتبار الأعلمية في المفتي بالإجماع المركب بل الأولوية و ما دل على ان العلماء أمناء الرسل (6) و خلفاء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) (7) و انهم كأنبياء بني إسرائيل (8) و ما دل على الأمر بأخذ معالم الدين من أشخاص خاصة كمحمد بن

____________

(1) التوبة 122 و الأنبياء 7.

(2) الوسائل الباب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث: 9.

(3) لم أقف على مستند هذه الرواية.

(4) الوسائل الباب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث: 45.

(5) الوسائل الباب 1 من أبواب صفات القاضي الحديث: 5.

(6) مستدرك الوسائل ج 3 ص 187 باب 11 من أبواب صفات القاضي.

(7) الوسائل الباب 8 من أبواب صفات القاضي الحديث: 50 53.

(8) مستدرك الوسائل الباب 11 من أبواب صفات القاضي.

78

مسلم و الأسدي و يونس بن عبد الرحمن و أبان بن تغلب و زكريا بن آدم (1) مع عدم التقييد بتعذر الرجوع إلى الأعلم منهم إلى غير ذلك من الاخبار المؤيد باستمرار سيرة العوام من زمان الأئمة (عليهم السلام) إلى زماننا هذا من الرجوع إلى كل مجتهد من دون تفحص عن مجتهد آخر أعلم منه و بلزوم الحرج في الاقتصار على تقليد الأعلم لتعسر تشخيص الأعلم مفهوما و مصداقا و تعسر تحصيل فتاواه.

لكن الّذي يقتضيه الإنصاف ان شيئا منها لا ينهض للورود على الأصل فضلا عن معارضة ما تقدم من الأدلة الأخر أما الاستصحاب فلما مر مرارا من ان من شروطه القطع ببقاء موضوع الحكم الّذي تعلق به الحكم السابق، و لم يعلم ان التخيير في الزمان السابق، كان متعلقا بالمجتهدين من حيث هما مجتهدان، فإنه عين المدعى بل القابل بتقليد الأعلم يدعى ان التخيير كان متعلقا بهما من حيث انهما متساويان في العلم و قد يعارض هذا الاستصحاب استصحاب تعين الأعلم إذا كان المجتهد منحصرا فيه ثم حدث مجتهد آخر دون الأول في العلم.

و فيه نظر، و أما الإطلاقات المذكورة، ففيها بعد الغض عن النّظر في دلالة كثير منها على حجية الفتوى و لذا لم يعول بعض الأصحاب في ذلك الأعلى الإجماع و قضاء الضرورة ان إطلاقها موهون بوجهين:

أحدهما عدم إفادتها الا لحجية قول المفتي في نفسه لو خلى و طبعه كما هو الشأن في دليل حجية كل أمارة و أما حكم صورة التعارض فلا بد فيه من الرجوع إلى العقل أو النقل.

الثاني: انها بأسرها خطابات شفاهية مختصة بالمشافهين و إطلاق الحكم

____________

(1) جامع أحاديث الشيعة الباب 5 من أبواب المقدمات.

79

بالرجوع في حقهم خصوصا المخاطبين بآيتي النفر و السؤال (1)، محمول على ما هو الغالب في أحوالهم من حصول العلم أو الاطمئنان لهم بالرجوع مع عدم التفات العوام منهم إلى الاختلاف بين المتيقن في ذلك الزمان لوضوح المدارك عندهم لكثرة الأخبار المتواترة و ان وجدت في الكتب مودعة بطريق الآحاد مع تمكنهم مع رفع الاختلاف إذا اتفق الرجوع إلى الأئمة (عليهم السلام) كما اتفق في مسائل مختلفة حيث رجعوا فيها إليهم (صلوات اللّه عليهم).

و مما ذكرنا يعلم الجواب عن السيرة، المدعاة، فإنها محمولة على صورة عدم العلم بالاختلاف بل اعتقاد الاتفاق و لذا لو منعت الناس عن الرجوع إلى غير الأعلم بل عن الرجوع إلى غير المجتهد اعتذروا بأن الشرع واحد و حكم اللّه لا يختلف و لذا يرجع العوام إلى غير المجتهدين معتذرين بأن حكم اللّه واحد.

و بالجملة فاستمرار السيرة على تقليد المفضول مع مخالفته للأفضل ممنوع كما في النهاية و العميدي بل ذكر في المسالك ان استفتاء الصحابة مع تفاوتهم في الفضيلة لا يجري على أصول أصحابنا انتهى.

و أما الحرج فان المدعي كان من جهة تشخيص مفهوم الأعلم، فهو فاسد بالبديهة لوضوح معناه العرفي و ليس له معنى شرعي و لو فرض كونه مختلفا فيه بين العلماء تعين الرجوع فيها إلى فتوى من يحتمل أعلميته فان تساويا في احتمال الأعلمية كان حكم المقلد التخيير في الرجوع، لأنه في هذه المسألة غير قادر على تحصيل فتوى الأعلم.

و أما مصداقه فان حصل العلم فهو و ان حصل الظن وجب اتباعه و لو من

____________

(1) التوبة 122 و الأنبياء 7.

80

جهة عدم العلم بجواز تقليد غيره من ظن أعلميته، و أصالة عدم الأعلمية على تقدير جريانه، غير مجد في إثبات التخيير العقلي و كذا لو حصل احتمال الأعلمية في أحدهما و لو حصل في كل منهما تعين التخيير فلا، حرج في تشخيص الأعلم لا مفهوما و لا مصداقا.

و أما تحصيل فتاواه فان لم يتعسر تعين و ان تعسر على وجه ينفيه أدلة نفي العسر لم يجب بل هو خارج عن محل النزاع.

فقد تحصل مما ذكرنا انه لا دليل على جواز العمل بقول غير الأعلم بحيث يسكن إليه النّفس في مقابل أصالة وجوب الاقتصار على المتيقن من الرجوع إلى قول الغير من دون حجة على صدقه و صوابه.

هذا كله مع العلم بالاختلاف و ان لم يعلم مخالفة الأعلم لغيره، فالأصح جواز تقليد غيره و ان كان ظاهر كلام جماعة تعين الأعلم في هذه الصورة أيضا لكن استدلال كثير منهم على ذلك بقوة الظن في جانب الأعلم يدل على اختصاصه بصورة المخالفة و الظاهر اختصاص الإجماع المدعى بهذه الصورة و أوضح من ذلك كله اختصاص المقبولة و أخواتها بذلك بل ظاهر جواز الرجوع إلى مطلق العالم بالأحكام كمشهورة أبي خديجة.

و بالجملة فالظاهر ان فتوى الفقيه حجة بالنسبة إلى المقلد فان عارضتها حجة أخرى يلزم أعمال المرجح و ان لم يعلم له مرجح جاز العمل به لقيام المقتضى و عدم ثبوت المانع و الفحص عن المعارض غير لازم كما يلزم على المجتهد في العمل بالروايات للعلم الإجمالي فيها بغلبة المعارض بل قلما يوجد خبر سليم عن معارض من خبر أو غيره عام أو خاص أو مساو فيلزم من عدم الفحص عن المخصص الهرج و المرج و لا يلزم مثله في فتاوى المجتهدين لتوافق المجتهدين الموجودين في عصر في أغلب المسائل و ان كان الخلاف أيضا

81

كثيرا لكن لا اعتبار به ما لم يصير به من قبيل الشبهة المحصورة بالنسبة إلى المقلد الواحد فيما يريد تقليد المجتهد فيها من المسائل و الا فمجرد العلم الإجمالي بتخالف المجتهدين في بعض المسائل لا يقدح في الرجوع إلى أصالة عدم المعارض و لا يوجب الفحص عن المعارض على المقلد نعم ربما يدعي انه لا دليل على ان قول المجتهد في نفسه حجة مطلقا ليكون اللازم التعارض في فتوى الأعلم و غيره لم لا يكون الحجة هي فتوى أعلم الناس في كل زمان من دون أن يكون فتوى غيره حجة و حينئذ فيجب الفحص عن فتوى الأعلم التي هي الحجة لا غير لكن الظاهر انه خلاف الظاهر المستفاد من الأدلة.

ثم انه يمكن أن يتفرع على ما ذكرنا من كون قول كل مجتهد حجة الا ان يعلم له معارض كون جواز الترافع في زمان الغيبة إلى المفضول في المسائل المتفق عليه بين العلماء مثل ان البينة على المدعى و اليمين على من أنكر نعم فيما إذا كان منشأ الحكم مسألة خلافية بين الأعلم و غيره تعين الترافع إلى الأعلم بلا خلاف ممن عين تقليد الأعلم في الفتوى و كذا القول في سائر مناصب الحاكم كالتصرف في زمان الإمام (عليه السلام) و تولى أمر الأيتام و الغيب و نحو ذلك فإن الأعلمية لا يكون مرجحا في مقام المنصب و انما هو مع الاختلاف في الفتوى فافهم و اغتنم ثم ان ما ذكرنا كله لو علم بالأعلمية و شك في الاختلاف و لو انعكس الأمر بأن علم الاختلاف و شك في أعلمية أحدهما فالظاهر وجوب الفحص عن الأعلمية لأن الفحص عن المرجح مع العلم بوجود المعارض لازم و يدل عليه جميع ما ذكرنا من الأدلة الأربعة لتعيين الأعلم في صورة العلم و أوضح من ذلك في لزوم الفحص ما لو علم بأعلمية أحدهما، و على ما ذكرنا فلو تفحص و لم يحصل له تميز الأعلم أو اعتقد بأعلمية أحدهما بعد الفحص أو بدونه فقلد على طبق معتقده ثم تبين خطاؤه فهل يبطل تقليده السابق و وجب الرجوع إلى الأعلم

82

و ان قلنا بأنه لو قلد غير الأعلم لعدم التمكن من الأعلم لم يجز الرجوع إلى الأعلم أم يصح و يبنى الرجوع على مسألة الرجوع عن غير الأعلم؟ إليه وجهان.

ثم انه إذا قلد الأعلم جاز للأعلم إفتائه بالرجوع إلى غير الأعلم و جاز للمقلد العمل به أيضا و قد سمعنا بعض المعاصرين يمنع من ذلك و لا أذكر الا انه لم يذكر وجها معتنى به، فان الكلام ان كان في جواز إفتاء الأعلم بهذه الفتوى بعد اجتهاده فيها، فلا وجه لمنعه، و ان كان في صحة عمل المقلد فلا إشكال في الصحة بعد جواز التقليد فيها واقعا و بعد علم المقلد بأن هذه المسألة يجوز فيها التقليد و هذا الشرط لا يختص بهذه المسألة بل يجري في كل مسألة يريد المقلد الرجوع فيها إلى المجتهد أما جواز التقليد فيها واقعا فالظاهر انه لا إشكال فيه و عدم وجوب الرجوع، لا ينفي جوازه لعموم أدلة التقليد و أما علم المقلدين بذلك فيكفي فيه ما هو مركوز في أذهانهم من رجوع الجاهل إلى العالم وجوبا أو جواز في كل مسألة الا أن يردعهم رادع عن ذلك في بعض المسائل و المفروض ان جزمهم مطابق للواقع بالنسبة إلى هذه المسألة.

ثم الظاهر ان المراد بالأعلم أقوى ملكة لا الأزيد معلوما كما يستعمل فيه هذا اللفظ أحيانا، لأن الأول هو الأظهر عرفا مع انه المناسب لذكر الأفقه في بعض أخبار المسألة (1) و قد ورد «أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا» (2) و هو مقتضى بناء العقلاء و ما ذكروه من الاستدلال بقوة الظن، و لو فرض قوة ملكة أحدهما في بعض المسائل كالعبادات و قوة الآخر في الآخر، فالأقرب

____________

(1) كمقبولة عمر بن حنظلة الوسائل الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 1 و رواية داود بن الحصين نفس الباب الحديث 20.

(2) نفس الباب الحديث: 27.

83

التبعيض و التخيير بعيد و لو دار الأمر بين الظن بقول الأعلم و القطع بقول غيره فان كان الظن مما قام عليه دليل من إجماع أو سيرة أو غيرهما تعين الأخذ بفتوى و ان لم يكن له مستند خاص تعين تقليد غيره و يثبت الأعلمية بما يثبت به الاجتهاد و الأحوط هنا العمل بكل ظن لعدم استقلال العقل بالتخيير مع الظن و لو كان قول غير الأعلم مفيدا للظن بالواقع و قول الأعلم غير مفيد له ففي التعيين و التخيير وجوه و لو تساوى المجتهدان بالعلم و اختلفا في الورع.

فالظاهر ان المشهور تقديم الأورع بل حكى عليه المحقق الثاني قده الإجماع في مسألة تقليد الميت وقوفه بالأعلم في دعوى الإجماع و هو الظاهر من المقبولة و يؤيده ما ورد في انه لا يحل الفتيا الا لمن كان اتبع أهل زمانه برسول اللّه هذا كله مضافا إلى الأصل السليم عن معارضة الإطلاقات كما عرفت في تقليد الأعلم فالقول به لا يخلو عن قوة و لو دار الأمر بين الأعلم و الأورع ففي ترجيح أيهما و التخيير أقوال و تقديم الأعلم لا يخلو عن قوة و كأنه المشهور بل لم نجد القول بالأورع لعلمائنا نعم عن المنية أنه حكاه عن قوم و لا ينافي ما ذكرنا تقديم الأورع في تعارض الروايات لأن المعيار هناك برجحان الصدق و هنا برجحان الاستنباط.

القول في المقلد فيه

و اما الكلام في المقلد فيه فالكلام تارة من حيث نوعه و أخرى من حيث وصفه و ثالثة من حيث شخصه.

اما الكلام من جهة نوعه، فملخصه انه لا إشكال في صحة التقليد في المسائل الفرعية حتى المسائل الكلية كمسائل التقليد كما لا إشكال في عدم صحته في الموضوعات الخارجية بناء على ان العمل بقول الغير فيها من البينة و نحوها

84

ليس تقليدا مصطلحا و كذا مسائل أصول الفقه.

و اما الموضوعات الاستنباطية، فالتقليد فيها جائز من حيث ترتب الأحكام الفرعية عليها دون الأصولية، فيجوز التقليد في معنى الفاسق الواقع في آية النبإ (1) من حيث انه يترتب عليه حكم خبر الفاسق و العادل في الوقت و القبلة و لا يجوز من حيث ترتب حكم الخبر الواحد في الأحكام لأن العمل بالخبر في القبلة و الوقت مسألة فرعية فالعمل بالخبر الواحد في الأحكام مسألة أصولية و كيف كان فلا إشكال في شيء من ذلك و انما الخلاف و الإشكال في جواز التقليد في أصول الدين فقيل بصحته و الاكتفاء به و قيل بالمنع منه و وجوب النّظر.

و اما القول بحرمة النّظر، فليس قولا بوجوب التقليد كما انه لا يراد منه حرمة النّظر حتى بالنسبة إلى من اعتقد خلاف الحق أو تردد فيه بل الظاهر ان المراد منه كل من حصل الاعتقادات الحقة بطريق من الطرق تقليدا كان أو بالنظر أو بالفطرة أو بما فرض كونه طريقا يحرم عليه الخوض في ملاحظة صحتها و سقمها بالاستدلالات و البراهين.

احتج الموجبون للنظر بالآيات الدالة على ذم الكفار على التقليد و قولهم إِنّٰا وَجَدْنٰا آبٰاءَنٰا عَلىٰ أُمَّةٍ وَ إِنّٰا عَلىٰ آثٰارِهِمْ مُقْتَدُونَ (2) و بما دل على إيجاب العلم المتوقف على النّظر مثل قوله تعالى فَاعْلَمْ أَنَّهُ لٰا إِلٰهَ إِلَّا اللّٰهُ (3) و ليس من خواصه (صلى اللّه عليه و آله) لو لم يكن من قبيل إياك أعني و اسمعي يا جارة بل هو منه و بالأخبار الدالة على ان الإيمان هو ما استقر في القلوب (4) و ما دل على ان المؤمن و

____________

(1) الحجرات 6.

(2) الزخرف 22.

(3) محمد (صلى اللّه عليه و آله) 18

(4) الأصول من الكافي ج 1 ص 417 418

85

الكافر يجيبان في القبر عن مسألة الرب جل ذكره و النبي (صلى اللّه عليه و آله) و الدين و الإمام ثم يقال للمؤمن من أين علمت ذلك فيقول أمر هداني اللّه تعالى إليه و ثبتني عليه فيقال نم نومة العروس فيفتح له باب من الجنة فيتصل إليه روحها و ريحانها و يقال للكافر من أين علمت ذلك يقول سمعت الناس يقولون فيضربانه بمرزبة لو اجتمع عليه الثقلان لا يطيقونها فيذوب كما يذوب الرصاص (1) و بالإجماع على وجوب المعرفة بالعقائد و لا تحصل بالتقليد لأنه لا يفيد العلم و باستقلال العقل بدفع الضرر المحتمل و إزالة الخوف من حيث احتمال زوال الاعتقاد برجوع الغير عن ذلك الاعتقاد أو رجوع المقلد عن الوثوق به أو نهي الشارع عن الوثوق و في جميع ذلك الوجوه إنظار لا يخفى.

و الّذي ينبغي أن يقال ان التقليد اما ان لا يفيد اعتقادا أصلا، و اما ان يفيد الظن و اما ان يفيد الجزم، فان لم يفد اعتقادا فلا إشكال بل لا خلاف في عدم الاكتفاء به لا من حيث تحقق الإسلام الموجب للحكم بالطهارة و لا في أداء التكليف بتحصيل العقائد إذ الشّاك كافر و وجوب تحصيل المعارف معناه الاعتقاد بها.

و ربّما يتوهم ان معنى صحّة التقليد حينئذ وجوب العمل بالمسائل الفرعية المترتبة على هذا الاعتقاد.

و فيه ان هذا ليس تقليدا في أصول الدين و ان أفاد الظن فالظاهر انه لا فرق بين هذا الظن و الظن الحاصل من النّظر و الاستدلال فان اقتصر في العقائد على الظن فلا فرق بينهما و الا فكذلك و حيث ان الأقوى عدم اعتبار الظن في أصول الدين لعدم الدليل على الاقتصار به فيما يمكن فيه تحصيل العلم و عدم

____________

(1) الفروع من الكافي كتاب الجنائز باب المسألة في القبر و من يسأل و من لا يسأل.

86

الدليل على ثبوت التكليف بتحصيل الاعتقاد فيما انسد فيه طريق العلم فاللازم عدم كفاية التقليد المفيد للظن و ان أفاد الجزم فان وصل إلى الحق فالظاهر عدم وجوب النّظر في حقه لعدم الدليل على ذلك لأن خوف زوال الجزم بزوال منشئه مشترك بين الحاصل من التقليد و الحاصل من كثير من الأنظار و هذا من حيث نوع المسألة المقلد فيها.

و أما من حيث صنفها، فيعتبر فيها ان يكون غير معلومة للمكلف بأي طريق من الطرق فان علم بحقيقة قول المجتهد فلا تقليد، و ان علم ببطلانه فكذلك، و ان علم بخطائه في دليله ففي صحة تقليده إشكال أقربه المنع.

و مما ذكرنا يعلم ان كثيرا من المسائل ليست تقليدية كأصل مسألة جواز التقليد و تعيّن المقلّد بالفتح من بين الأصولي و الاخباري و وجوب تقليد الحي الأعلم و مسألة جواز عمل المتجزي بظنه الحاصل له من حيث علمه بحجيته و أشباه ذلك.

و امّا من حيث شخص المسألة فملخصه انهم اتفقوا على ان المسألة التي عمل فيها على طبق تقليد صحيح لا يجوز أن يقلد فيها مجتهد آخر في تلك المسألة بالنسبة إلى نفس العمل المتحقق سابقا.

و مثل له بان يقلد مجتهدا في جواز الوضوء بالمضاف، فتوضأ و صلّى به ثم رجع في حكم تلك الصلاة إلى مجتهد أخر و كذلك لو أوقع معاملة أو عقدا أو إيقاعا و أما الأعمال المستقبلة ففي جواز العدول عن ذلك التقليد بالنسبة إليها قولان: صريح المحقق و الشهيد الثانيين (قدس سرهما) في الجعفرية و المقاصد العلية تبعا للمحكي عن النهاية الجواز و ظاهر المحكي عن تهذيب و شرحه و ذكري العدم و هو الأظهر لعدم دليل على حجية قول المجتهد الثاني في المسألة التي قلّد فيها عدا ما يتوهم من إطلاقات أدلة التقليد و استصحاب جواز تقليد

87

المجتهد الثاني و كل ذلك لا يصلح مستندا للجواز لعدم إطلاق في أدلة التقليد يشمل من قلد و استغنى عن الرجوع إلى المجتهد.

أما الأدلة اللفظية منها كالآيات و الروايات فهي على فرض دلالتها على أصل التقليد مسوقة لبيان حكم الجاهل المتحير المحتاج الّذي لم يرجع إلى أحد كالأمر بالرجوع إلى الطبيب، بل ربما يدعى ان في بعضها دلالة على عدم جواز العدول إلى غير من أخذ أو لا بقوله لأنه ردّ لقوله (1) و لذا استدل به على عدم جواز نقض الحكم بفتوى غير الحاكم أو حكمه فتأمل.

و أما الأدلة الغير اللفظية كالإجماع القولي و العملي و العقل من جهة حاجة المكلف لانسداد باب العلم و كون فتوى المجتهد أقرب الأمارات فاختصاصها بغير محل الكلام في غاية الوضوح.

و أما استصحاب التخيير فقد تقدم الكلام في مثله مرارا و ان الموضوع لحكم التخيير غير معلوم البقاء لاحتمال كون التخيير ثابتا في حق من لم يأخذ بعد بشيء منها.

و قد يستدل على المنع بوجوه.

أحدها استصحاب الحكم المأخوذ من المجتهد الأول للشك في تأثير العدول و الأخذ بالثاني في زواله.

و فيه انه ان بنينا على استصحاب الحكم الشرعي الكلي إذا شك في مدخلية وصف في الحكم كما هو المشهور بين القائلين باعتبار الاستصحاب في الحكم الشرعي الكلي كان اللازم في المقام الأخذ باستصحاب التخيير السابق لأنه حاكم على هذا الاستصحاب.

و دعوى رجحانه عليه من جهة اعتضاده بالشهرة أو بقاعدة الأخذ بالمتيقن

____________

(1) لعل نظره فيما ذكر إلى مقبولة عمر بن حنظلة فلاحظ.

88

مدفوعة بمنع تحقق الشهرة و منع نهوضها لترجيح أحد الاستصحابين خصوصا المحكوم على الآخر الحاكم عليه و أضعف منه ترجيحه عليه بقاعدة الأخذ بالمتيقن كما تقرر منع ذلك في باب تعارض الاستصحابين.

الثاني قاعدة الاشتغال، فان تكليف المقلد في الواقعة الثانية مردّد بين تعلقه بالتقليد السابق و بين تعلقه بأحد الأمرين منه و من تقليد المجتهد الثاني و من المقرر وجوب الاحتياط عند دوران الأمر بين التخيير و التعيين.

و فيه ان أصالة الاشتغال على تقدير تسليمها في هذا المقام لا تنهض في مقابل استصحاب التخيير نعم لو كان هذا المستدل ممن يوافق في عدم جريان استصحاب التخيير كان الاستدلال بأصالة الاشتغال حسنا في خصوص هذا المقام و ان لم نقل بها في مطلق دوران التكليف بين التعيين و التخيير.

الثالث الإجماع المنقول فقد حكى المحقق القمي (قده) ادعائه عن المخالف و المؤالف.

و فيه ان هذا الدعوى لا أصل لها بعد ما عرفت من مخالفة المحقق و الشهيد الثاني و العلامة في أحد قوليه بل حكي عن المحقق الأول أيضا.

الرابع لزوم المخالفة القطعية، فإنا لو فرضنا انه قلد في صلاة الظهر مثلا من يقول بتعيين القصر في أربعة فراسخ و في صلاة العصر من قال بتعيين التمام فيقطع بعد الصلاتين بأنه مطلوب في الواقع بإحدى الصلاتين فيجب عليه اما فعلهما احتياطا و اما فعل واحدة منها مرددة.

و فيه انه ان أريد بذلك لزوم المخالفة القطعية فيما إذا بنى المقلّد من أول الأمر على تقليد أحد المجتهدين في الظهر و تقليد الآخر في العصر، فتسليم عدم جواز التبعيض بين الوقائع في المسألة للزوم الإقدام على المخالفة القطعية،

89

لا يوجب عدم جواز العدول عن التقليد في المسألة الكلّية التي هي محلّ النزاع.

و ان أريد لزومها في مسألة العدول حيث بنى من أول الأمر على المجتهد الأول في كلّي المسألة في جميع وقائعها ثم بدا له و عدل عنه في كلي المسألة أيضا فأوقع الواقعة الثانية على طبقه، فلا دليل على تحريمها حيث انه لم يبن عليها من أول الأمر بل قد يجب فيما إذا تعيّن عليه رفع اليد عن تقليده السابق لموت مجتهده أو رجوعه أو التمكن من الأعلم منه أو نحو ذلك ممّا يوجب عدم جواز بقاء المقلّد على تقليده.

الخامس ان التقليد انما يتعلق بالمسألة الواحدة الكلية لأن لها حكم واحد شرعي و لا دليل على صحة التقليد في التبعيض بين افراد المسألة الواحدة كما إذا قلده في أول الأمر في هذه الواقعة الخاصة من المسألة الكلية كان يقلده في الوضوء بهذا الماء المضاف الخاصّ لأن الثابت مشروعية التقليد في حكم الماء الكلي في المسألة الكليّة و حينئذ فإذا عدل المقلّد عن تقليده بعد العمل في واقعة واحدة من المسألة الكلّية فامّا ان يقلد المجتهد الثاني في كلي المسألة أو في الوقائع الباقية لا دليل على الثاني لما عرفت، و لا إلى الأول لأن تقليده في كلي المسألة يوجب نقض آثار السّابقة.

و فيه أولا انه لا دليل على عدم تبعيض التقليد فان الجاهل كلما شك في واقعة لم يجب عليه الا الرجوع إلى المجتهد في خصوص تلك الواقعة فيتعين عليه الرجوع فيها إلى المجتهد من دون اعتبار انه يقلده في الواقعة الأخرى.

أو لا يقلده بل الواقعة قبل ابتلاء المكلف بها و تعين العمل فيها على وجه خاص لا دليل على تأثير التقليد فيه و لا على شرعيته لأن المشروعية فرع الأمر

90

و المفروض ان التقليد من باب المقدمة للعمل فلا أمر به قبل الأمر بالعمل فتأمل.

و ثانيا ان سلمنا انه لا يصح في التبعيض في التقليد و لكن رفع اليد عن التقليد الأول و الالتزام بتقليد المجتهد الثاني لا توجب نقض آثار الواقعة السابقة و ان كان لأجل التعبد شرعا بتخطئة الحكم السابق كما في صورة رجوع المجتهد عن اجتهاده على القول بان رجوعه لا يوجب نقض آثار الحكماء.

و اما لانعقاد الإجماع على عدم تأثير التقليد الثاني في المسألة الكلية بالنسبة إلى بعض إفرادها و هي الوقائع الماضية و هذا هو الأظهر في رفع الملازمة المتوهمة و حاصله ان المجوز هو الرجوع إلى المجتهد الثاني في المسألة الكلية لكن الشارع لم يعتبر هذا التقليد إلا بالنسبة إلى الوقائع المتجددة و اعتبار التقليد في المسألة الكلية في بعض الوقائع دون بعض غير ممتنع و منه يعلم ان الرجوع في موارد وجوبه كصورة موت المجتهد أو وجود الأعلم من الأول لا يوجب نقض آثار الوقائع السابقة بل منه يظهر ان المجتهد إذا رجع عن فتواه و وجب على المقلد لأجل ذلك رفع اليد عن تلك الفتوى و الرجوع إلى المجتهد الأول في فتواه اللاحقة أو إلى مجتهد أخر لم ينتقض بذلك آثار الوقائع السابقة لأن حجية قول المجتهد الثاني انما هو بالنسبة إلى الوقائع المتجددة دون السابقة فتأمل فإن التبعيض في اعتبار قول المفتي إذا كان أمر ممكنا غير ممتنع و كان التبعيض هو المتيقن من اعتبار التقليد عند الشك في كون اعتباره كلية أو بالنسبة إلى الوقائع المتجددة جرى مثل ذلك في المجتهد إذا رجع عن فتواه فيقال ان ظنه اللاحق انما هو حجة بالنسبة إلى الوقائع المتجددة فلا ينتقض آثار الوقائع الماضية و بالجملة فإمكان التفكيك في حجية فتوى المجتهد بين الوقائع بالنسبة إلى المقلد يوجب ذلك بالنسبة إلى ظن المجتهد بخطإ حكم الأول فلا بد اما

91

من التزام عدم جواز التبعيض في المسألة الكلية مطلقا و اما من جوازه كذلك فالقول بان رجوع المجتهد عن الفتوى يوجب نقض آثار الأعمال السابقة بخلاف عدول المقلد عن تقليده مما لا يجد له وجه ظاهر فتأمل.

و التحقيق ان حكم الرجوع في جميع موارده واحد الا ان يقوم إجماع في بعض الموارد على النقض أو عدمه.

ثم ان هذا كله مع العمل بقول المجتهد و اما لو أخذ بقوله و لم يعمل به فهل يجب عليه البقاء أو لم يجب أو يبنى المسألة على ان التقليد هو الأخذ أو العمل؟ وجوه، من الأصل الجاري بعد العمل أعني عدم حجية قول المجتهد الثاني، و من الاعتماد على استصحاب التخيير خرج ما بعد العمل بناء على الإجماع المدعى في كلام بعض، و من ان الإجماع المدعى على وجوب البقاء انما هو من حيث وجوب البقاء على التقليد فان اكتفينا فيه بالأخذ حرم الرجوع بعده و الا فلا و الأقوى هو الأول.

و ينبغي التنبيه على أمور.

الأول قد عرفت ان المختلف فيه و هو ما إذا قلد مجتهدا في مسألة ثم رجع فيها إلى غيره

و المتفق عليه هو تقليد مجتهد فيها و تقليد غيرها فهل يجوز التبعيض في مسألة واحدة في زمان واحد بان يقلد مجتهدين في واقعتين من مسألة واحدة كان يكون عنده ماءان ملاقيان لما اختلف في طهارته و نجاسته و احتاج إلى تطهير ثوبه من الخبث و التطهر من الحدث فيقلد القائل بالنجاسة في أحد الإناءين فيصير كالمعدوم و يقلد القائل بالطهارة في الآخر فيصير كالمنحصر فيصرفه في إزالة الخبث ثم يتيمم و يصلى أم لا يجوز مطلقا فيجب عليه في الفرض السابق.

اما التقليد في طهارتهما فيطهر و يتطهر بهما أو يقلد القائل بالنجاسة

92

فيجتنبهما أم يفصل بين ما إذا لزم المخالفة القطعية مطلقا و في خصوص واقعة كالمثال المذكور حيث انه يعلم بعد التقليدين بفساد صلاته لبقاء حدثه أو خبثه و بين ما إذا لم يلزم؟ وجوه أقواهما عدم الجواز مطلقا لعدم الدليل على مشروعية مثل هذا التقليد إذ الثابت من الأدلة هو التقليد في المسألة الكلية التي يتعلق بها فتوى المفتي و اجتهاد المجتهد لا الجزئيات فلو قلد في الواقعة الجزئية غير ملتفت إلى الكلي كان ذلك تقليدا في الكلي و لو قصد الجزئي بالخصوص فالأقوى لغويته.

ثم ان الفرق واضح بين مسألة التبعيض و مسألة الرجوع لأن موضوع الأول تقليد أحد المجتهدين في خصوص جزئيّ من جزئيات المسألة و تقليد أخر في أخر منها دفعة أو على التعاقب و ليس هذا من الرجوع عن مجتهد إلى أخر و موضوع الثانية تقليد أحدهما في كلي المسألة مع العمل به في فرد منها مع عدمه ثم الرجوع عنه إلى الآخر في المسألة الكلية أيضا، فيمكن القول بعدم جواز الأول لأصالة عدم المشروعية و جواز الثاني لاستصحاب التخيير و يمكن العكس للإجماع على عدم جواز الرجوع و إطلاق الأدلة في جواز التبعيض و المختار المنع في المقامين.

الثاني لو أخذ الفتوى بعنوان عام للأخذ به في خاص منه

كان أخذ مسألة نجاسة الكافر للعمل في خصوص اليهودي مثلا فهل يجوز تقليد المجتهد الآخر في فرد أخر منه كالنصراني أم لا يجوز أم يفصل بين ما إذا وجد قول بالفصل بينهما أو لم يوجد قول به لبعض العلماء أم يفصل بين ما إذا كان الحكم في الأدلة منوطا على عنوان يجامع الجميع بحيث يكون المناط فيه هو القدر المشترك كالكفر في المثال المذكور و بين ما إذا كان معلقا على الخصوصيات فعبر المجتهد عن الموضوعات المتعددة لمسائل متعددة بموضوع جامع بينهما

93

من غير ان يكون الحكم منوطا به كان ورد في دليل نجاسة اليهودي و في أخر نجاسة النصراني و في ثالث نجاسة المجوس فيحتمل ان يكون المناط في كل منها مخالفا للمناط في الآخر الا ان المجتهد عبر عن الكل بعنوان جامع الكل للاختصار؟ الأقوى هو الأخير و عليه فلو شك في ان تعبير المجتهد على طبق الدليل أم لا فالأقوى عدم التبعيض للأصل و ظهور عبارة المفتي في ذلك و هو حجة في حق المقلد كالدليل في حق المجتهد.

الثالث: حكم المسألتين المرتبطتين بحكم المسألة الواحدة أم لا

و الارتباط على أقسام.

منها: أن يكون محقق إحداهما مقومة للأخرى كمسألة استحباب صلاة الوتيرة و مسألة عدم جواز غير الرواتب في وقت الفريضة فلا يجوز تقليد مجتهد في أصل مشروعيته و تقليد من لا يجوز فعل النافلة وقت الفريضة فيصليها بعد العشاء لأن المفتي باستحبابها يفتي باستحبابها قبل العشاء فالوقت مقوم لها عنده فلا يجوز التفكيك.

و منها ان لا يكون إحداهما مقومة للأخرى كما إذا قلد من يقول بجواز التنفل مضطجعا اختيارا مع عدم جواز ذلك عند من قلده في أصل مشروعية الوتيرة و نحوها ما لو قلد في أصل مشروعية صلاة الجمعة و قلد القائل بعدم وجوب جلسة الاستراحة مع فرض عدم وجوبها عند القائل بمشروعية الجمعة.

و الحق عدم جواز التبعيض في القسم الأول و جوازه في الثاني و الفرق ان المفتي بمشروعية صلاة الوتيرة انما يفتي بمشروعيتها على هذا النحو بحيث لو قدر عدم مشروعية الخصوصية أعني فعلهما ما بين العشاءين لالتزم بعدم مشروعية الوتيرة بخلاف المفتي لوجوب صلاة الجمعة، فإنه لو قدر عدم وجوب السورة لم يلتزم بعدم وجوب صلاة الجمعة بل التزم بوجوب الصلاة

94

الخالية عن السورة و كذا المفتي بمشروعية الوتيرة مع جواز الاضطجاع في النافلة اختيارا فإنه لو قدر جوازه لم يلتزم بعدم مشروعيتها نعم لو فرض انه قال بمشروعية صلاة خاصة على وجه الجلوس أو خصوص القيام فلا يجوز أن يأتي بها بتقليد من يجوز النافلة مضطجعا مع عدم فتواه بمشروعية أصل النافلة.

و من القسم الأول ما لو قلد المفتي في تحريم الغناء و قلد في موضوع الغناء مجتهدا آخر لا يقول بتحريم الغناء فإنه غير جائز لأن القائل بتحريم الغناء انما قال بهذا الموضوع بحيث لو فرضنا ان الغناء كان عنده شيئا آخر أمكن أن لا يقول بتحريمه فإذا اجتنب عما هو الموضوع باعتقاد غير المحرم اجتنب عما لم يفت أحد بتحريمه.

و الحاصل ان المفتي إنما أفتي بتحريم ذلك المعنى الخارجي لا كل ما قرر انه مفهوم اللفظ في متن الواقع مع انه لو فرض تعلق فتواه بمفهوم اللفظ لكن تعيين المفهوم ليس بنفسه مما يجوز فيه التقليد حتى يقلد مجتهد آخر غير من أفتى بحكمه بل التقليد في مفهوم اللفظ راجع إلى التقليد في الحكم المتعلق به فلو قلد الغير في الموضوع لكان قلد في حكمه و المفروض انه قلد في الحكم مجتهد آخر فيلزم تقليد مجتهدين في حكم.

الا ان يقال في مسألة صلاة الجمعة كان يفتي القائل وجوبها بوجوب موضوع خارجي و هو المركب من السورة و الطمأنينة و غيرهما فالفاقد لهما غير واجب عنده و لا عند غيره القائل بحرمة صلاة الجمعة و أيضا فالتقليد في مفهوم الصلاة أو في جزئية السورة و الطمأنينة لماهية الصلاة راجع إلى التقليد في الحكم و هو وجوب الماهية المشتملة على السورة فلو قلّد في عدم جزئية السورة غير من أفتى بوجوب صلاة الجمعة لكان قد قلّده في استحباب