القضاء و الشهادات

- الشيخ مرتضى الأنصاري المزيد...
329 /
11

[مقدمة الناشر]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّٰه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين، و اللعنة على أعداء الدين.

أمّا بعد: بين أيدينا كتاب القضاء و الشهادات، للشيخ الأعظم، الشيخ مرتضى الأنصاري (قدّس سرّه).

و الكتاب يتكوّن من أقسام ثلاثة، و هي: القضاء، و الشهادات، و ملاحق.

أمّا القضاء فهو يتكوّن- بدوره- من قسمين أيضا:

ألف- شرح الإرشاد: و هو يتضمّن البحث في مقاصد ثلاثة:

الأوّل في صفات القاضي و آدابه، و الثاني في كيفيّة الحكم، و الثالث في الدعوى، لكنّه غير تامّ.

ب- مسائل مستقلّة: و هو يتضمّن البحث في سبع مسائل متفرّقة.

و أمّا الشهادات فهو يتضمّن البحث عن بعض مسائل الشهادات بصورة مستقلّة.

12

هذا و قد قال العلّامة الطهراني (قدّس سرّه) تحت عنوان «القضاء»:

«كتاب القضاء للشيخ الأنصاري (م 1281)، قال سيّدنا الحسن:

رأيته بخطّه و هو مسودّة، و يمكن اتّحاده مع القضاء عن الميّت الآتي ذكره» (1).

و قال بعد صفحتين: «رسالة في القضاء عن الميّت، للشيخ المرتضى الأنصاري (قدّس سرّه)» (2).

و قال تحت عنوان «القضاء و الشهادات»:

«القضاء و الشهادات للشيخ الأنصاري، يوجد بخطّ السّيد حسين بن الحسن الموسوي الإمامي، كتبه في 1281، في الرضويّة» (3).

و لم يذكر كتابا أو رسالة للشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)، بهذا العنوان غير ما تقدّم، و من الغريب أنّه كيف لم يظهر للعلّامة الطهراني (قدّس سرّه) أنّ ما رآه السيّد الصدر كان متّحدا مع رسالة القضاء عن الميّت، أو لا؟

و أمّا ما ذكره تحت عنوان القضاء و الشهادات فهو من تقريرات بحوثه، و نسخته موجودة في مكتبة الإمام الرضا (عليه السلام) في مشهد برقم (2526)، و هو أوسع بكثير ممّا كتبه الشيخ (قدّس سرّه) بخطّه، حيث إنّ عدد أوراقه (249 ورقة)، و أمّا ما كتبه هو فيقارب (74 ورقة).

و على هذا فمن المحتمل جدّا أن يكون ما رآه السيّد الصدر (قدّس سرّه)، هو القضاء و الشهادات الذي كتبه الشيخ (قدّس سرّه) بخطّه.

ثمّ إنّه كتب كثير من تلامذته تقريرات بحوثه في القضاء، و قد ذكرنا

____________

(1) الذريعة 17: 137.

(2) نفس المصدر: 139.

(3) نفس المصدر: 141.

13

أهمّها في مقدّمة كتاب الطهارة، فليراجع.

النسخ المعتمد عليها: اعتمدنا في تحقيق الكتاب على نسختين خطّيتين، و هما:

الف- النسخة الأصليّة (مخطوطة المؤلّف (قدّس سرّه)):

و هي موجودة في مكتبة الإمام الرضا (عليه السلام) في مشهد ضمن مجموعة تحتوي على عدّة كتب و رسائل كالوصايا و النكاح و غيرها برقم (11127)، و قد تفضّلت المكتبة بمصوّرتها.

و يبدأ القسم الأوّل من القضاء- أي شرح الإرشاد- من الصفحة اليسرى من الورقة (130) من المجموعة، و ينتهي في الصفحة اليمنى من الورقة (181) منها.

ثمّ تأتي مطالب مستقلّة و متفرّقة- غير مرتبطة بالقضاء- من الصفحة اليسرى من الورقة (181)، و تنتهي في الصفحة اليمنى من الورقة (187).

ثمّ يأتي قسم الشهادات- و هو شرح للإرشاد أيضا- و يبدأ من الصفحة اليسرى من الورقة (187)، و ينتهي بالصفحة اليمنى من الورقة (195).

ثمّ يأتي قسم القضاء الثاني (مسائل مستقلّة)، و يبدأ من الصفحة اليسرى من الورقة (196)، و ينتهي في الصفحة اليمنى من الورقة (202).

و رمزنا لهذه النسخة برمز «ق».

ب- نسخة خطّية ثانية:

و هي نسخة جيّدة و يبدو أنّ مستنسخها كان فاضلا، حيث أشار فيها إلى موارد السقط أو الاغتشاش الموجود في النسخة الأصليّة.

14

و النسخة موجودة في مكتبة گوهرشاد في مشهد برقم (1/ 785) استفدنا من مصوّرتها في تحقيق الكتاب.

و رمزنا لهذه النسخة برمز «ش».

و للكتاب نسخ خطّية أخرى، منها ما هو موجود في مكتبة مجلس الشورى الإسلامي برقم (403)، و مكتبة المدرسة الفيضية برقم (1/ 993).

و أمّا الملاحق فهي أربع مواضيع متفرّقة رتّبناها كالآتي:

الأوّل- ورقة واحدة من مخطوطة المؤلّف، و فيها بعض الأخبار الدالّة على كون الكبيرة ما أوعد اللّٰه عليه النار، و البحث حول التصرّف في مال اليتيم، و أنّ حقّ الوالد أعظم من الوالدة.

الثاني- ورقتان تشتملان على البحث حول العقوق.

الثالث- ورقتان تشتملان على بعض الأخبار التي استطرفها، و البحث عن وجوب الوفاء بالوعد.

الرابع- مطلب مذكور في هامش الصفحة الأخيرة من رسالة المواريث يتضمّن البحث عن معنى الإيمان و الكفر.

و هذه الأوراق المتفرّقة لم تطبع قبل هذا.

صعوبات في طريق التحقيق:

كانت هناك صعوبات كثيرة واجهتنا في تحقيق هذا الأثر القيّم، و هذه المشاكل و إن كانت مشتركة بين هذا الكتاب و غيره من آثار الشيخ (قدّس سرّه).

إلّا أنّ هناك خصوصيّة في هذا الكتاب جعلته يمتاز عن غيره، و هي أنّه لم يطبع قبل هذا مطلقا حتى بالطبعة الحجريّة، و أدّى هذا إلى بقاء مشاكلة على حالها.

15

و فيما يلي نشير إلى بعض هذه المشاكل:

أوّلا- فقدان بعض الأوراق من الكتاب، و قد أدّى ذلك إلى عدم ارتباط بعض المطالب مع بعضها الآخر، و قد أشرنا في هامش الكتاب إلى محلّ السقط أو احتماله.

و ممّا كان يزيد في المشكلة أنّه ربما كتب الشيخ (قدّس سرّه) في حاشية (1) الورقة المفقودة مطلبا كانت بقاياه في الأوراق الموجودة أو بالعكس، و لم نتمكّن من تحديد محلّ المطلب بالدقّة، بل و حتى لو حددناه و أدرجنا فيه المطلب لكان ناقصا، و لذلك آثرنا في مثل هذه الحالة درج ذلك في هامش الكتاب.

ثانيا- إنّ الترتيب الذي كانت عليه النسخة الأصليّة لم يكن صحيحا، و قد حصل فيه تقديم و تأخير في عدد من الأوراق، فالصفحة اليمنى من الورقة (131) ترتبط بالصفحة اليسرى من الورقة (136) من الكتاب و الصفحة اليمنى من الورقة (136) ترتبط بالصفحة اليسرى من الورقة (139)، و الصفحة اليمنى من الورقة (139) ترتبط بالصفحة اليسرى من الورقة (131).

و هناك ورقة منفردة وضعت في آخر المجموعة بحث فيها حول حكم القاضي بعلمه، أوردناها في البحث عن آداب القاضي.

هذا سوى ما جرت به عادة الشيخ (قدّس سرّه) من حذف أو تغيير ما كتبه بالشطب الذي كان يؤدّي إلى مشاكل عديدة، كعدم تحديد المشطوب عليه، أو إرجاع الضمائر و أسماء الإشارة أو الموصول إلى المشطوب بدل المكتوب

____________

(1) و الحواشي التي كان يكتبها الشيخ إنّما كانت من متن الكتاب.

16

عوضا عنه.

و قد قام المحقّقون بدراسة هذه المشاكل و حلّها بجدّية.

و ختاما نشكر جميع الأخوة الذين اشتركوا في تحقيق هذه المجموعة- أي القضاء و الشهادات و الملاحق- و نخصّ بالذكر حجج الإسلام و المسلمين: الشيخ حافظ النجفي و الشيخ علي أكبر محرابزاده اللذين قاما باستخراج مصادر النصوص، و السيّد علي الموسوي و الشيخ مرتضى الواعظي اللذين قاما بمراجعة هذه الاستخراجات مراجعة دقيقة، و السيّد محمّد جواد الجلالي الذي اشترك مع السّيد الموسوي في تقويم نصّ الكتاب و تنظيمه، و السيّد منذر الحكيم الذي كتب العناوين الجانبيّة، و السيّد هادي العظيمي الذي قام بتنظيم الفهارس الفنّية.

هذا و نسأل اللّٰه تعالى لنا و لهم مزيد التوفيق إنّه قريب مجيب.

مسئول لجنة التحقيق محمّد علي الأنصاري

17

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

24

بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم

الحمد للّٰه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين، و لعنة اللّٰه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

25

كتاب القضاء

[القضاء لغة]

و هو بالمدّ و القصر لمعان، أنهاها بعضهم (1) إلى عشرة، و لا يبعد إرجاع الكلّ إلى معنى واحد، و هو: إتمام الشيء و الفراغ عنه- كما اعترف به الأزهري على ما حكي عنه (2)- أو فصل الأمر قولا أو فعلا: كما في كشف اللثام (3).

[القضاء اصطلاحا]

و شرعا- كما في المسالك (4) و الكشف (5) و غيرهما (6): ولاية الحكم شرعا لمن له أهليّة الفتوى بجزئيّات القوانين الشرعيّة على أشخاص معيّنين من البريّة بإثبات الحقوق، و استيفائها للمستحقّ.

و الظاهر أنّ إدراج الولاية مبنيّ على جعل القضاء من المصادر

____________

(1) مجمع البيان 1: 193، و جواهر الكلام 40: 7.

(2) تاج العروس 10: 297.

(3) كشف اللثام 2: 320.

(4) المسالك 2: 283.

(5) كشف اللثام 2: 320.

(6) انظر التنقيح الرائع 4: 230، و الرياض 2: 385.

26

المستعملة في شأنيّة المبدأ و منصبه- كما في لفظ الحكومة و الإمارة و الوزارة و نحوها- لا في نفس المبدأ، فالمنصب في هذه المبادئ نظير الملكة في الكتابة و نحوها. و هذا الاستعمال و إن كان شائعا في كثير من المصادر، و ملحوظا في لفظ القاضي، إلّا أنّه قليل في خصوص لفظ القضاء، بل ربما يعبّر عنه عرفا بالقضاوة، و إن لم يسمع هذا الوزن في كلام أهل اللغة.

و على أيّ حال، فظاهر التعريف خروج مثل الحكم بثبوت الهلال، فإنّه و إن كان منصبا للقاضي إلّا أنّ صدق المبدأ ليس باعتباره، فهو نظير ولايته على أشخاص خاصّة و أعيان خاصّة.

و قد عرّفه في الدروس بما يشمل الكلّ، أعني ولاية شرعيّة على الحكم، و على المصالح العامّة من قبل الإمام (عليه السلام) (1)، و الأوّل أوجه.

و على أيّ حال، فالظاهر تعريفهم للصحيح من القضاء.

و الظاهر بل المقطوع عدم ثبوت الحقيقة الشرعيّة لهذا اللفظ و ما يشتقّ منه، بل و لا الحقيقة المتشرّعية إلّا في خصوص لفظ «القاضي»، فلا يبعد أن يراد بقولهم: «شرعا» فنّ علم الشريعة، يعني اصطلاح الفقهاء، و الأمر في ذلك كلّه سهل.

و هذا الباب (2) (فيه مقاصد):

____________

(1) الدروس 2: 65.

(2) كذا في النسختين.

27

[المقصد الأوّل في صفات القاضي و آدابه]

الأوّل في صفات القاضي و آدابه الّتي يستعملها عند التّصدّي للقضاء و هذا فيه مطلبان

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

[المطلب الأوّل ما يشترط في القاضي]

[المطلب] الأوّل (يشترط فيه: البلوغ و العقل و الإيمان و العدالة و طهارة المولد) بالإجماع المحقّق و المنقول (1) في الجميع.

[العلم]

(و) كذا يشترط فيه (العلم) بما يتصدّى له من القضاء، علما ناشئا عن الأدلّة المتعارفة، أعني: الكتاب و السنة و العقل، فلا يكفي العلم من أي سبب كان و إن كان حجّة على نفسه، إلّا أنّ إطلاق لفظ «العلم» و «العالم» في أدلّة اشتراط هذا الشرط من الإجماع و النصّ، مثل قوله (عليه السلام): «رجل قضى بالحق و هو يعلم» (2) و مثل أدلّة نصب الفقهاء (3)، و غير ذلك، منصرف إلى غيره، بل هذا شيء معلوم من حال الشارع ضرورة.

____________

(1) أنظر المسالك 2: 283، و الكفاية: 261، و الرياض 2: 385.

(2) الوسائل 18: 11، الباب 4 من أبواب صفات القاضي، الحديث 6.

(3) أنظر الوسائل 18: 4، الباب الأوّل من أبواب صفات القاضي، الحديث 5، و 18: 95، الباب 10 من أبواب صفات القاضي، الحديث 20، و 18: 99، الباب 11 من الأبواب، الحديث الأوّل و غيرها من الأحاديث.

30

و يدخل في العلم: الظنّ الاجتهاديّ الحاصل من الظنون المعتبرة، لانتهائه إلى العلم.

[كفاية التجزي في الاجتهاد]

و لا فرق في المجتهد بين المطلق و المتجزّي على الأقوى، وفاقا للمصنّف (1) و الشهيدين (2) و غيرهم (3) (قدّس سرّه) أسرارهم، لإطلاق بعض أدلّة النصب في حال الغيبة كما سيجيء، و لأنّ الظاهر بل المقطوع أنّ المنصوبين في زمن النبيّ و الأمير (صلوات اللّٰه عليهما و آلهما) لم يكن لبعضهم ملكة استنباط جميع المسائل، فتأمّل.

و لمرفوعة أبي خديجة: «و لكن انظروا إلى رجل يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه قاضيا» (4)، فإنّ ظاهرها كفاية العلم بالقضيّة المحتاج إليها في القضاء.

و لا يعارضها قوله (عليه السلام)- في مقبولة ابن حنظلة-: «انظروا إلى رجل منكم، قد روى حديثنا، و نظر في حلالنا و حرامنا، و عرف أحكامنا، فارضوا به حكما» (5)، بناء على إفادة الجمع المضاف للعموم، لا لما توهمه بعض (6) من عدم التنافي بين نصب المطلق و نصب المتجزّي، لأنّ المقبولة واردة في مقام بيان المرجع و تعريفه، فالقيود فيها احترازيّة، و تفيد حصر

____________

(1) أنظر قواعد الأحكام 2: 202، و التحرير 2: 180.

(2) الدروس 2: 66، و الروضة البهيّة 2: 418.

(3) كالمحقّق السبزواري في الكفاية: 261، و المحقّق القمّي في الغنائم: 672.

(4) الوسائل 18: 4، الباب الأوّل من أبواب صفات القاضي، الحديث 5.

(5) الوسائل 18: 98، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث الأوّل، و فيه:

«ينظران من كان منكم ممّن ..».

(6) أنظر الجواهر 40: 34.

31

المرجع في المتّصف بتلك الصفات، بل لأنّه حمل الجمع على العموم غير ممكن مع إبقاء قوله: «عرف» على ظاهره من المعرفة الفعليّة، للإجماع، بل الضرورة على عدم اعتبار العلم الفعليّ بجميع الأحكام، فحمل الفعل الماضي على إرادة الملكة ليس بأولى من حمل الجمع المضاف على الجنس، بل هو أولى بمراتب، و مع التساوي فيسقط الاستدلال، مع احتمال حمل القيد على ما هو الغالب في ذلك الزمان من عدم تجزّي ملكة الاستنباط، لكن هذا لا يقدح في إطلاق رواية أبي خديجة (1)، كما لا يخفى.

و ربما يردّ الاستدلال بالمرفوعة بأنّ غايتها إفادة الظن، و اعتماد المتجزّي عليه يوجب الدور، لأنّ الكلام في حجّية ظنّه.

و فيه: أنّ هذا الاستدلال إنّما هو من المطلق على حجيّة ظنّ المتجزّي، ليفتي مقلّده بالرجوع إليه، و أمّا المتجزّي فلا بدّ له من أن ينتهي بظنّه إلى العلم بحجيّته، و لا يكفيه التمسّك بالمرفوعة إلّا إذا قطع بحجّيته على نفسه من حيث السند و الدلالة و عدم المعارض، بل الحال كذلك في المطلق أيضا.

و أمّا الكلام في سند المرفوعة، فحقيق بالإعراض عنه بعد إطلاق «المشهورة» عليها، و ركون المشهور إليها و لو في غير المقام، بل في المقام حيث إنّ الظاهر أنّ المشهور صحة التجزّي، بل القول بعدمها لم نعرفه من الإمامية قبل صاحب المعالم (2)، و إن لم يستلزم صحته مضيّ حكمه على الغير، إلّا أنّ الظاهر ندرة القائل بالفرق.

____________

(1) الوسائل 18: 4، الباب الأوّل من أبواب صفات القاضي، الحديث 5.

(2) المعالم: 239.

32

و على أيّ حال، فما نسبه بعض (1) إلى صاحب المسالك، من دعواه الإجماع في المقام على اعتبار كون القاضي مجتهدا مطلقا، محلّ نظر يظهر لمن لاحظ عبارة المسالك، كما أنّ ما فهمه صاحب المسالك، من قول المحقّق في الشرائع: و لا بدّ أن يكون عارفا بجميع ما وليه (2)، من اعتبار الاجتهاد المطلق في القاضي (3)، أيضا محلّ تأمّل، و لذا عبّر بهذه العبارة المصنّف في القواعد (4) و التحرير (5) مع قوله بالتجزّي، مع أنّ المعرفة الفعليّة بجميع المسائل غير ميسّر غالبا، و إرادة العلم بالقوّة، لعلّه خلاف الظاهر.

و حينئذ، فلا يبعد أن يكون المراد: اعتبار معرفته فعلا بجميع ما وليه من المنصب، و يكون معرفته بحسب ولايته من حيث العموم و الخصوص، و لا يقصر علمه عن ذلك، فإنّه قد يولّى أمرا خاصّا كأمر الديون أو المواريث، و قد يولّى جميع الأمور في خصوص بلدة أو قرية معيّنة، أو مطلقا. و حينئذ فلا يبعد استظهار صحّة التجزّي من هذا الكلام، مع اعتبار المعرفة الفعليّة، و عدم كفاية القوّة.

[متى يمضي حكم المتجزي]

ثمّ هل يمضي حكم المتجزّي مطلقا، أو يشترط عدم التمكّن من المطلق؟ لا إشكال في الأوّل لو قلنا بعدم تعيّن الأعلم، و لو قلنا بتعيّنه فوجهان:

____________

(1) كفاية الأحكام: 261.

(2) الشرائع 4: 67.

(3) المسالك 2: 283.

(4) القواعد 2: 201.

(5) التحرير 2: 180.

33

من أنّ الإطلاق لا يستلزم الأعلمية، لجواز أن يكون المتجزّي أقوى ملكة.

و من صدق الأعلم عليه عرفا، إمّا لأنّ الإحاطة مستلزمة عادة لقوّة الملكة، و إمّا لأنّ الظاهر من التفضيل في العلم: أكثرية المعلومات، كما في كثير من أسماء التفضيل.

[ما المقصود من اعتبار العلم؟]

ثمّ الظاهر أنّ المقصود من اعتبار العلم: إخراج المقلّد و بيان عدم كفاية القضاء عن تقليد، كما هو المشهور، و في المسالك أنّه موضع وفاق (1)، بل عن الروضة الإجماع عليه في حال الحضور و الغيبة (2)، و عن الخلاف دعوى الإجماع على أنّه لا يجوز أن يقلّد غيره ثمّ يقضي به، دليلنا على ذلك إجماع الفرقة و أخبارهم (3)، بل هو الظاهر من عبارة المبسوط (4) و إن نسب إليه أنّه نقل في المسألة أقوالا ثلاثة و لم يجزم بشيء، لكن النسبة في غير محلّها، فلاحظ.

و هو ظاهر الغنية (5)، بل صريحه، بل المحكيّ عن المصنّف (قدّس سرّه) في المختلف (6)- في مسألة إحضار القاضي من ينبّهه- أنّه قال: قد أجمعنا على

____________

(1) المسالك 2: 283.

(2) الروضة البهية 2: 418 و 419.

(3) الخلاف، كتاب آداب القضاء، المسألة 1.

(4) المبسوط 8: 99.

(5) الغنية (الجوامع الفقهية): 562.

(6) المختلف: 703.

34

أنّه لا يجوز أن يلي القضاء المقلّد (1)، بل هذا إجماع المسلمين قاطبة؛ فإنّ العلامة أيضا يشترطون في القاضي الاجتهاد، و إنّما يجوّزون قضاء غيره بشرط أن يولّيه ذو الشوكة و هو السلطان المتغلّب، و جعلوا ذلك ضرورة، فالقول بجواز القضاء لمن قصر عن الدرجة من غير تولية ذي الشوكة- كما هو الواقع- مخالف لإجماع المسلمين (2)، انتهى.

و يكفيك في تحقّق هذا الإجماع دعوى صاحب المفاتيح (3) له- على ما حكي- مع، أنّه ممّن لا يعتني بالإجماعات.

[ما يدل على اعتبار أهلية الفتوى في صحة القضاء]

و الأصل في المسألة- بعد الأصل و قبل الإجماعات المذكورة-: ما دلّ على حصر منصب القضاء في النبيّ و الوصيّ و الشقي (4)، خرج المأذون عن الأوّلين بالنصّ و الإجماع الدالّين على الإذن في المجتهد، و قوله (عليه السلام)- في التوقيع الرفيع-: «و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا؛ فإنّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللّٰه» (5) عيّن المرجع في مقام جواب السؤال عنه في الرواة، فيدلّ على الحصر و علّل الرجوع إليهم بكونهم حجّة منه على الناس فيدلّ على انتفائه عمّن لم يكن حجّة منه عليهم.

____________

(1) إلى هنا كلام العلّامة في المختلف، و من قوله: «بل هذا» إلى آخر الكلام هو كلام السيد في المناهل.

(2) المناهل: 696.

(3) المفاتيح 3: 247.

(4) الوسائل 18: 7، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2.

(5) الوسائل 18: 101، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 9.

35

و نحوه في التعيين و التعليل مقبولة ابن حنظلة (1)، و مشهورة أبي خديجة (2).

[ما يستدل به على الإذن العام في قضاء من يقضي بالحق]

و بعد ذلك كلّه فلا أرى وجها لميل بعض متأخّري المعاصرين- تبعا لبعض من تقدّم عليه (3) منهم- إلى تقوية الجواز، مستظهرا ذلك من الإطلاقات الدالّة على حسن القضاء بالحقّ و رجحانه، مثل إطلاقات الأمر بالمعروف، و قوله تعالى (وَ إِذٰا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّٰاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (4)، و قوله وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ)* (5)، و قوله (عليه السلام): «القضاة أربعة: واحد منها في الجنّة، و هو الذي قضى بالحقّ و هو يعلم» (6)، و غير ذلك ممّا سبق أكثره لبيان حكم آخر، و قيّد جميعه بما تقدّم من الأدلّة؛ لفساد توهّم حكومة هذه عليها، بزعم كونها مفيدة للإذن العام في قضاء كلّ من يقضي بالحقّ.

[مناقشة ما يستدل به على الإذن العام]

هذا كلّه، مضافا إلى إمكان منع دلالة جميع ما ذكر من الآيات؛ إذ المراد (بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ)* و (بالمعروف) و (بِالْعَدْلِ) و (بِالْحَقِّ) في الآيات و الروايات إن كان هو الواقعي المشترك بين جميع المكلّفين على اختلاف اجتهاداتهم و تقليداتهم، فلا ريب في أنّ المقلّد لا يمكنه الحكم بكون ما يقضي به تقليدا حقّا واقعيّا، غاية ما ثبت بالأدلّة أنّه حقّ بالنسبة إليه و من يوافقه

____________

(1) الوسائل 18: 3، الباب الأوّل من أبواب صفات القاضي، الحديث 4.

(2) الوسائل 18: 4، الباب الأوّل من أبواب صفات القاضي، الحديث 5.

(3) راجع الجواهر 40: 15.

(4) النساء: 58.

(5) المائدة: 44، 45 و 47.

(6) الوسائل 18: 11، الباب 4 من أبواب صفات القاضي، الحديث 6.

36

في التقليد.

و من هنا استدلّ في الخلاف (1) و الغنية (2) على عدم الجواز بقوله تعالى:

(وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ)* (3)، و قوله (عليه السلام): «القضاة أربعة .. و منها:

رجل قضى على جهل فهو في النار». و استدلّ به كاشف اللثام (4) أيضا.

و استدلّ عليه في محكيّ السرائر بأنّ الحاكم إذا كان مفتقرا إلى مسألة غيره كان جاهلا، و قد بيّنا قبح الحكم بغير علم (5).

و في محكي الغنية (6): أنّ الأصل في اعتبار أهليّة الفتوى في صحّة القضاء- بعد الإجماع- الأصول و العمومات من الكتاب و السنّة المستفيضة بل المتواترة، الناهية عن العمل بالمظنّة، و من ليس له الأهلية لا يحصل له سوى المظنّة- غالبا- المنهيّ عن العمل بها، بل من له الأهلية كذلك، إلّا أنّ حجّية ظنّه مقطوع بها، مجمع عليها، فهو ظنّ مخصوص في حكم القطع كسائر الظنون المخصوصة كظاهر الكتاب و السنّة المتواترة القطعيّة و الأنساب و السوق و اليد و غيرها. و لا كذلك ظنّ من ليس له الأهلية، إذ لا دليل على

____________

(1) الخلاف، كتاب آداب القضاء، المسألة 1، و فيه «وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ ..». و فيه أيضا: «القضاة ثلاثة».

(2) الغنية (الجوامع الفقهية): 562.

(3) المائدة: 44، 45، 47.

(4) كشف اللثام 2: 322.

(5) السرائر 3: 541.

(6) لم نعثر عليه في الغنية، و إنّما حكى ذلك صاحب المناهل عن والده في الرياض.

راجع المناهل: 697، و الرياض (الطبعة الحجرية) 2: 386.

37

حجيّته قطعيّا و لا ظنيّا، و لو سلّم الأخير فغايته إثبات الظنّ بمثله، و هو غير جائز بإطباق العقلاء، انتهى.

و حاصل كلامهم: أنّ المقلّد جاهل بالحكم الواقعي، و لو حصل له ظنّ به من التقليد، فليس حجّة له، نظير حجيّة ظنّ المجتهد له؛ و لذا يحرم عليه الإخبار عن حكم اللّٰه تعالى في المسألة من دون الحكاية، و استند فيه بعضهم إلى أنّه قول بما لا يعلم، بأن يقول: يجب كذا، و يحرم كذا (1).

و دعوى أنّ حرمة ذلك عليه لأجل التدليس اعتراف بما ذكرنا؛ إذ لو لم يكن الإخبار عن حكم اللّٰه حراما على المقلّد، لم يكن في إخباره دلالة على الاجتهاد حتّى يكون تدليسا.

و بالجملة، فالمعلوم عند المقلّد وجوب البناء في أعمال نفسه على فتوى مجتهده، و به يندفع ما ربما يورد على ما ذكروه في الاستدلال من أنّ فتوى المقلّد أيضا حجّة على المقلّد كأدلّة الفقه بالنسبة إلى المجتهد.

نعم، لو فرضنا المتخاصمين قد قلّدا في حكم و الفقهما (2) مجتهد ذلك المقلّد، كما لو قلّد الزوجان في مسألة نكاح البكر البالغة بغير إذن أبيها ذلك المجتهد الحاكم بصحة العقد، و لم نجوّز لهما الرجوع، كان لذلك المقلّد الذي ترافعا عنده أن يلزمهما على العمل بمذهب مجتهدهما؛ لأنّه هو المعروف بالنسبة إليهما، فيجب أمرهما به.

لكن هذا الأمر و الإلزام ليس مختصّا بمقلّد ذلك، بل يجب على كلّ أحد

____________

(1) لم نعثر عليه بعينه، و لعلّ المراد ما نقله السيّد المجاهد في المناهل: 698، عن السيّد عميد الدين.

(2) كذا في «ش»، و يظهر من «ق» كونه: و وافقهما.

38

- مجتهدا أو مقلّدا، موافقا في الفتوى و التقليد للمتخاصمين أو مخالفا لهما، أو لا مجتهدا و لا مقلّدا- أن يلزمهما على الحكم الذي التزما به من باب الأمر بالمعروف، و من المعلوم أنّ هذا ليس قضاء قطعا، و إلّا فمجرّد وجوب عمل مقلّد على فتوى مجتهد لا يوجب إلزام غيره عليه مطلقا من باب الأمر بالمعروف أو الحكم بما أنزل اللّٰه.

و هذا بخلاف المجتهد؛ فإنّه إذا صحّ له الإخبار عن حكم اللّٰه الواقعي في المسألة بقوله: يجب كذا و يحرم كذا، و يصحّ ذا و يفسد ذا، كان له إلزام الناس عليه مع التخاصم و بدونه، إلّا أن يكونوا أو يصيروا ملتزمين بغيره اجتهادا أو تقليدا.

[هل يجوز القضاء للمقلد المأذون من المجتهد؟]

و بالجملة، فالتمسك بما ذكر من الإطلاقات، مع ما عرفت من حالها في مقابل ما عرفت من الأدلّة، ضعيف جدّا.

و أضعف منه دعوى أنّه و إن لم يجز للمقلّد الاستقلال في القضاء، إلّا أنّه يجوز للمجتهد أن يأذن له فيه، و ينصبه للحكومة؛ نظرا إلى أنّ للمجتهد من الولاية ما للإمام (عليه السلام) إلّا ما خرج، و الظاهر ثبوت هذه الولاية له (عليه السلام) بأن ينصب عاميّا للحكومة؛ لعدم الدليل على عدم جوازه له، مع ما علم له (عليه السلام) من الولاية العامّة و الرئاسة المطلقة، و ما دلّ بظاهره من أدلّة نصب الفقهاء على انحصار المرجع في المجتهد، فالمراد به المرجع على الإطلاق في جميع الأمور و الوقائع، فلا ينافي جواز نصب الإمام للعامّي في خصوص خصومات بلدة، بل يدلّ على وقوعه أنّ الظاهر قصور كثير من المنصوبين في زمان النبيّ و الوصيّ (صلوات اللّٰه عليهما و آلهما) عن درجة الاستنباط.

و فيه، أوّلا: أنّ ظاهر أدلّة نصب الفقهاء تعليل الأمر بالرجوع إليهم

39

في الخصومات بكونهم حكّاما على الإطلاق و حججا كذلك، فيدلّ على انحصار مباشرة فصل الخصومات في من هو مرجع على الإطلاق في جميع الوقائع و الأمور، فما استظهره من تلك الأدلّة من كونها في مقام بيان المرجع المطلق، يضرّه و لا ينفعه.

و ثانيا: أنّ مجرّد عدم الدليل على عدم الجواز لا يكون دليلا على الجواز؛ لأنّ المقام ليس من قبيل الحكم التكليفي حتى يتمسك فيه بأصالة الإباحة، بل أصالة، بل أصالة فساد الحكومة تكفي في الحكم ظاهرا بعدم جواز نصب العامّي للحكومة.

و أمّا ما استظهر منه وقوع ذلك من النبيّ و الوصي (صلوات اللّٰه عليهما و آلهما) من نصب القاصرين عن درجة الاستنباط، ففيه: أنّ المقصود في هذا المقام عدم جواز نصب المقلّد في الواقعة التي يقضي فيها، لا وجوب كون المنصوب مجتهدا اصطلاحيا في تلك الواقعة، فلو سمع رجل عامي في غاية قصور الفهم أحكام المواريث من الإمام (عليه السلام)، فولّاه لقطع خصومات المواريث في بلد جاز، و ليت شعري هل كان واحد من المنصوبين في عصر النبي و الوصي (صلوات اللّٰه عليهما و آلهما) مقلّدا لمجتهد؟

هذا كلّه، مع أنّ ما ذكر من ولاية المجتهد في جميع ما للإمام (عليه السلام) الولاية فيه محل كلام، فلو سلّم فلا ريب في أنّ إطلاق ما تقدّم- من الإجماعات في عدم جواز مباشرة القضاء للمقلد- كاف في عدم جواز إذن المجتهد، فالمتجه ما عليه المشهور.

[هل ينفذ قضاء المقلد المأذون؟]

ثم لو فرض أنّ مقلّدا قضى بإذن من يجوّز الإذن في القضاء، فهل ينفذ حكمه بحيث يجب على مجتهد آخر إنفاذه؟ وجهان، الأقوى العدم، إلّا أن يحكم المجتهد الآذن بإمضائه و إنفاذه، فيجب إنفاذه على غيره، إلّا أن

40

يمنع عموم وجوب إنفاذ جميع ما يحكم به المجتهد حتى مثل هذا الإمضاء.

ثم الظاهر أنّه لا فرق فيما ذكرنا من عدم جواز حكومة المقلّد بين حالتي التمكن من المجتهد و عدمه؛ لإطلاق الأدلّة من النصوص و الإجماعات، بل في معقد بعضها التصريح بعدم الفرق.

[عدم نفوذ قضاء المقلد مطلقا]

و ربما يحكى الجواز عند عدم التمكن عن حاشية مكتوبة في هامش الدروس منسوبة إلى ابن فهد، و هذا شك في شك، فالأقوى المنع.

و لا فرق- أيضا- في إطلاقات النصوص و معاقد الإجماعات بين كون واقعة القضاء ممّا يحتاج إلى اجتهاد أو تقليد كالمسائل الخلافية، و كونها ممّا لم يقع فيه خلاف، كمسألة أنّ الحكم للمدّعي إذا أقام بيّنة عادلة، بأن فرضنا أنّ أحد المتخاصمين ادّعى على غيره فأقام عليه بيّنة عادلة واضحة العدالة؛ فإنّ كون الحكم للمدّعي مما لا يحتاج إلى اجتهاد أو تقليد.

نعم، لو كان ذلك مع عدم التمكن من المجتهد أمكن جوازه؛ نظرا إلى عموم أدلة الحكم مع البيّنة و أدلّة الأمر بالمعروف، السليم عن التقييد بما دلّ على أنّ الحكومة للإمام (عليه السلام) أو نائبه (1)؛ بناء على أنّ المراد به الولاية و التسلّط على إحضار المدّعى عليه، و إلزام المحكوم عليه بالعمل على طبق الحكم، و ما دلّ على وجوب الرجوع إلى رواة الحديث (2) أو الناظرين في الحلال و الحرام (3)، بناء على ظهوره في صورة التمكن، و مع ذلك فالحكم لا يخلو عن نظر.

[اشتراط الذكورة في القاضي]

(و) يشترط في القاضي أيضا (الذكورة) فالمرأة لا تولّى

____________

(1) أنظر الوسائل 18: 6، الباب 3 من أبواب صفات القاضي و غيره من الأبواب.

(2) الوسائل 18: 98 و 99، الباب 11 من أبواب صفات القاضي.

(3) الوسائل 18: 98 و 99، الباب 11 من أبواب صفات القاضي.

41

القضاء، كما في النبوي (1) المطابق للأصل المنجبر بعدم الخلاف في المسألة.

[اشتراط الضبط و الحرية في القاضي]

(و) يشترط أيضا (الضبط) فيما يحتاج إليه من مقدّمات القضاء.

(و) يشترط (الحرية) أيضا (على رأي) مشهور بين الأصحاب، سيما الشيخ (2) و أتباعه (3)، بل جزم في الروضة (4) بندرة القائل بخلافه.

و يدلّ [عليه] (5)- بعد وجوب الاقتصار في الحكومة المختصة بالنبي و الوصي (صلوات اللّٰه عليهما) على من علم إذنهما له، و الإذن للعبد غير متيقّن؛ لأنّ إطلاق أدلّة نصب فقهاء الغيبة وارد مورد الغالب- أنّ الوالي أجلّ قدرا من أن يكون مملوكا، بل ربما قيل بعدم جواز شهادته (6)، مع أنّه لا يقدر على شيء [و] ليس له من الأمر شيء، خلافا للشرائع (7) و شرحه (8) و شرح الكتاب (9) بل حاشيته (10)، للإطلاقات الحاكمة على الأصل، السليمة عن

____________

(1) الوسائل 18: 6، الباب 2 من أبواب صفات القاضي، الحديث الأوّل.

(2) المبسوط 8: 101.

(3) أنظر المهذب 2: 599، و نسبه في غاية المراد: 294 إلى الشيخ و القاضي و الكيدري و نجيب الدين، و قال: و يلوح من كلام ابن حمزة.

(4) الروضة البهية 3: 62، و فيه: بل نسب اعتبار الحرية فيها على الأشهر.

(5) من «ش».

(6) قاله ابن الجنيد، كما في المختلف 1: 720.

(7) الشرائع 4: 68.

(8) المسالك 2: 283.

(9) مجمع الفائدة 12: 15.

(10) غاية المراد: 294.

42

معارضة شيء بعد فرض إذن المولى له.

[هل يشترط البصر في القاضي]

(و) يشترط (البصر) أيضا (على رأي) محكي عن الأكثر (1)، بل عامة من تأخّر (2)، و عن الإسكافي (3) و الشيخ (4) و ابن سعيد (5) و المصنّف (6) و الشهيدين (7)، بل عن الرياض: أنّ شهرة هذا القول بالغة حدّ الإجماع، لعدم معروفية القائل بالخلاف من الأصحاب و إن أشعر بوجوده بعض العبارات (8).

و استدلّوا عليه بالأصل (9)، و بتوقف القضاء على تمييز الخصوم (10) و الشهود، و لكن الأصل مورود بالإطلاقات، و دعوى انصرافها إلى غير الأعمى ممنوعة جدّا كما يشهد له الإنصاف، كدعوى توقف تمييز الخصوم على البصر.

و لو فرض التوقف في مقام خاص التزمنا به، فالأقوى عدمه، وفاقا

____________

(1) حكاه السبزواري في كفاية الأحكام: 262.

(2) نسبه إليهم السيّد المجاهد في المناهل: 702.

(3) حكاه عنه الشهيد في غاية المراد: 295.

(4) المبسوط 8: 101.

(5) الجامع للشرائع: 522.

(6) قواعد الأحكام 2: 201.

(7) الدروس 2: 65، المسالك 2: 283، و الروضة البهيّة 3: 62.

(8) الرياض 2: 387.

(9) أنظر الرياض 2: 387.

(10) أنظر الشرائع 4: 68.

43

للمحكي عن بعض (1)، و تبعه صاحب الكفاية (2)، و غير واحد ممّن تأخّر عنه (3).

[هل يشترط العلم بالكتابة]

(و) يشترط فيه أيضا (العلم بالكتابة على رأي) محكي عن الشيخ (4) و أتباعه (5) و ابن سعيد (6) و المحقق (7) و المصنّف (8)، و الشهيدين (9)، بل عن عامة متأخري أصحابنا (10)، بل استظهر من السرائر دعوى الإجماع عليه، حيث نسبه إلى مقتضى مذهبنا (11)، و لعلّها الحجة بعد الأصل المؤيد بافتقار القاضي إلى معرفة الوقائع و الأحكام التي لا تنضبط غالبا إلّا بالكتابة.

____________

(1) في المناهل (702) ما يلي: و قد حكاه في المسالك و الروضة عن بعض بلفظ:

«قيل»، و ربما كان في عبارة الشرائع و النافع و القواعد و الإرشاد و التحرير و الدروس و غاية المراد إشعار بوجود هذا القول و بأنّه ممّا يفتي به.

(2) كفاية الأحكام: 262.

(3) منهم النراقي و والده، أنظر المستند 2: 520، و يظهر من الجواهر (40: 21) الميل إليه.

(4) المبسوط 8: 120.

(5) حكاه الفاضل الآبي في كشف الرموز 2: 494.

(6) الجامع للشرائع: 522.

(7) الشرائع 4: 67، و فيه: و الأقرب اشتراط ذلك.

(8) أنظر القواعد 2: 201.

(9) أنظر الدروس 2: 65، و الروضة البهيّة 3: 67.

(10) حكاه النراقي في المستند (2: 519) بلفظ «قيل».

(11) السرائر 2: 166.

44

و يردّ الأصل بالإطلاقات، و الشهرة بعدم بلوغها حدّ الإجماع.

و استظهار الإجماع من السرائر فيه ما فيه. و التوقف المدّعى ممنوع، و الحاجة تندفع بتفويض ضبط الوقائع إلى كتّاب ثقات، فالأقوى عدمه وفاقا للمحكي عن بعض (1)، و اختاره بعض مشايخنا (2).

و اعلم أنّه لا يبعد أن يكون مراد القائلين باشتراط البصر و الضبط و الكتابة، اشتراطها في تولية الشخص ولاية عامة في صقع من الأصقاع، بحيث نعلم أنّ فقدان هذه الأمور موجب لاختلال قضائه في بعض الوقائع- كما هو كذلك بمقتضى الإنصاف- فهذه من شروط تولية الإمام له، و ليست شروطا في صحة كلّ فرد فرد من أقضيته.

فهذه الشروط نظير اشتراط جماعة كونه عالما بجميع ما وليه (3)؛ حيث إنّه شرط للمجموع لا لكلّ فرد، نظير اشتراط بعضهم البصيرة باللغات، و التدبير، و اجتماع العقل و الرأي، و غير ذلك من الصفات المعتبرة في كمال الرئاسة.

و يشهد لما ذكرنا دعواهم في الاستدلال غلبة توقف مقدمات القضاء على الكتابة (4)، لا أنّ الأمر كذلك دائما.

[وجه اشتراط عدم الخرس و الصمم]

و منه يعلم وجه اشتراط عدم الخرس فيه، بل عدم الصمم أيضا، نعم ربما يقال باشتراط شروط القضاء في الفتوى أيضا. و هو ضعيف؛ لعدم

____________

(1) راجع غاية المراد: 295.

(2) أنظر المستند 2: 519.

(3) أنظر الشرائع 4: 67 و القواعد 2: 201، و مفتاح الكرامة 10: 9.

(4) أنظر المسالك 2: 283، و المناهل: 701.

45

الدليل عليه بحيث يقيّد إطلاق أدلّة التقليد من الكتاب و السنة و معاقد الإجماع.

[لا بد في نفوذ القضاء من إذن الإمام أو من يقوم مقامه]

(و) اعلم أنّه لا يكفي في ولاية القضاء اجتماع ما ذكرنا من الشروط، بل لا بدّ مع ذلك من (إذن الإمام (عليه السلام) أو من فوّض إليه (1) الإمام) الإذن، بلا خلاف ظاهر، بل في الرياض (2) دعوى اتفاق النص و الفتوى عليه.

و استدلّ عليه بقوله (عليه السلام): «اتقوا الحكومة؛ فإنّما هي للإمام العالم بالقضاء، العادل في المسلمين كنبيّ أو وصيّ» (3)، و قوله (عليه السلام) لشريح:

«جلست مجلسا لا يجلس فيه إلّا نبيّ أو وصيّ أو شقيّ» (4)، و ما تقدم من تعليل الرجوع إلى رواة الأحاديث بقوله (عليه السلام): «فإنّي قد جعلته عليكم قاضيا» (5) أو «حاكما» (6)، و قوله (عجّل اللّٰه فرجه): «فإنّهم حجتي عليكم» (7).

[هل ينفذ حكم قاضي التحكيم؟]

(و) يترتب عليه أنّه (لو نصب أهل البلد قاضيا لم تثبت ولايته، و) لم يلزم العمل بحكمه، نعم (لو تراضى خصمان بواحد من الرعيّة، و حكم)

____________

(1) في الإرشاد: أو من نصبه.

(2) الرياض 2: 387.

(3) الوسائل 18: 7، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 3.

(4) الوسائل 18: 7، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2.

(5) الوسائل 18: 100، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 6.

(6) الوسائل 18: 99، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث الأوّل.

(7) الوسائل 18: 101، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 9، و تقدّم في الصفحة: 34.

46

(بينهما، لزم الحكم) بلا خلاف يظهر، قيل (1): للعمومات الدالّة على القضاء مثل قوله: «رجل قضى بالحق و هو يعلم» (2) و أدلة الأمر بالمعروف، خرج منها: الحكم الصادر بغير رضى المتحاكمين.

و لا يقيّد هذه بما تقدم من اعتبار إذن الإمام (عليه السلام)؛ لأنّ ما يعتبر فيه الإذن هو نفوذ الحكم مطلقا، و يعبّر عنه بولاية الحكم و بالحكومة، فتأمّل.

و استدلّ جماعة (3)- تبعا للمبسوط (4)- بالنبوي: «من حكم بين اثنين تراضيا به فلم يعدل بينهما، فعليه لعنة اللّٰه» (5) و في دلالته تأمّل، و إن كان المحكي عن الإيضاح تقريبها بوجوه (6).

[هل يشترط رضى المتحاكمين بعد الحكم في قاضي التحكيم؟]

و هل يعتبر رضاهما بعد الحكم؟ قولان، اختار أوّلهما في المبسوط (7)؛ أخذا بالمتيقّن. و الأقوى العدم؛ لإطلاق ما مرّ، و استشكل في القواعد في ثبوت الحبس له، و استيفاء العقوبة، قال: و لا ينفذ في حق غير المترافعين حتى لا يضرب الدية على عاقلة الراضي بحكمه (8)، و هو حسن إن استند في مشروعيته إلى النبوي المنجبر بالشهرة، لا إلى عمومات الحكم و القضاء

____________

(1) أنظر كشف اللثام 2: 320.

(2) الوسائل 18: 11، الباب 4 من أبواب صفات القاضي، الحديث 6.

(3) أنظر إيضاح الفوائد 4: 296، و كشف اللثام 2: 320.

(4) المبسوط 8: 165.

(5) لم نعثر عليه في المجاميع الروائيّة، و نقله الشيخ في المبسوط 8: 165.

(6) الإيضاح 4: 296.

(7) المبسوط 8: 165.

(8) القواعد 2: 201، و فيه: و لا ينفذ على غير المتراضين ..

47

بالحق.

[هل يتصور قاضي التحكيم في عصر الغيبة؟]

(و) اعلم أنّ قاضي التحكيم لا يتصور في زمان [الغيبة] (1)، بناء على ما أجمعوا عليه ظاهرا- كما في الروضة (2)- من أنّه (يشترط فيه ما يشترط في القاضي المنصوب (3))، لأنّه حينئذ يكون في زمان الغيبة منصوبا بالنصب العام، لما دلّ من الإجماع و النص على أنّ (في حال الغيبة ينفذ قضاء الفقيه من علماء الإمامية، الجامع لشرائط الفتوى)، إلّا أنّا لم نجد مستندا لاعتبار تلك الشروط في قاضي التحكيم، و إن لم نجد أيضا دليلا يعتدّ به في صحّته على وجه الإطلاق، بحيث لا يحتاج في جبر سنده أو دلالته إلى فتوى الأصحاب، المفقودة مع اختلال بعض الشرائط.

[ما يدل على نفوذ قضاء الفقهاء في عصر الغيبة]

ثم إنّ ثبوت الإذن للفقهاء في القضاء مما لا شك فيه، و لا يبعد وصوله إلى حدّ ضروري المذهب، و لعل الأصل في ذلك مقبولة ابن حنظلة: «انظروا إلى رجل منكم قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا، فارضوا به حكما، فإنّي قد جعلته عليكم حاكما، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه، فبنا استخفّ (4) و علينا قد ردّ، و الرادّ علينا رادّ على اللّٰه» (5).

و قوله في مشهورة أبي خديجة: «انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من

____________

(1) من «ش».

(2) الروضة البهية 3: 70.

(3) في الإرشاد: ما شرط في القاضي المنصوب عن الإمام.

(4) في الوسائل: فإنّما استخفّ بحكم اللّٰه.

(5) الوسائل 18: 98، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث الأوّل، مع اختلاف في بعض الألفاظ.

48

قضايانا، فاجعلوه بينكم قاضيا فإنّي قد جعلته قاضيا، فتحاكموا إليه» (1).

و قوله (عجّل اللّٰه تعالى فرجه)، في التوقيع الرفيع- الصادر في أجوبة مسائل إسحاق بن يعقوب، المروي في كتاب الغيبة و كمال الدين و الاحتجاج- و فيه: «و أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم و أنّا حجّة اللّٰه» (2).

بل لو لا الأخبار المذكورة لأستدلّ على ذلك بالعمومات المتقدّمة في القضاء، و خصّصنا اعتبار الإذن بحال التمكّن، نظير ما ذكره بعضهم (3) في صلاة الجمعة، فتأمّل.

[دائرة نفوذ حكم الفقيه]

ثم إنّ الظاهر من الروايات المتقدمة: نفوذ حكم الفقيه في جميع خصوصيات الأحكام الشرعية و في موضوعاتها الخاصة، بالنسبة إلى ترتّب الأحكام عليها، لأنّ المتبادر عرفا من لفظ «الحاكم» هو المتسلّط على الإطلاق، فهو نظير قول السلطان لأهل بلدة: جعلت فلانا حاكما عليكم، حيث يفهم منه تسلّطه على الرعيّة في جميع ما له دخل في أوامر السلطان جزئيا أو كلّيا.

و يؤيده: العدول عن لفظ «الحكم» إلى «الحاكم»، مع أنّ الأنسب بالسياق- حيث قال: «فارضوا به حكما»- أن يقول: «فإنّي قد جعلته

____________

(1) الوسائل 18: 4، الباب الأوّل من أبواب صفات القاضي، الحديث 5، مع اختلاف يسير.

(2) كتاب الغيبة: 177، و كمال الدين 2: 484، و الاحتجاج 2: 283، و عنها جميعا الوسائل 18: 101، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 9.

(3) ذكره الشهيد في الذكرى: 231.

49

عليكم حكما».

و كذا، المتبادر من لفظ «القاضي» عرفا: من يرجع إليه و ينفذ حكمه و إلزامه في جميع الحوادث الشرعية كما هو معلوم من حال القضاة، سيما الموجودين في أعصار الأئمة (عليهم السلام) من قضاة الجور.

و منه يظهر كون الفقيه مرجعا في الأمور العامة، مثل الموقوفات و أموال اليتامى و المجانين و الغيّب؛ لأنّ هذا كلّه من وظيفة القاضي عرفا.

و أما التوقيع الرفيع، فصدره و إن كان مختصّا بالأحكام الشرعية الكلّية، من حيث تعلّق حكم الرجوع إلى رواة الحديث؛ فدلّ على كون الرجوع إليه فيما لرواية الحديث مدخل فيه، إلّا أنّ قوله (عجّل اللّٰه تعالى فرجه) في التعليل: «أنّهم حجتي عليكم» يدل على وجوب العمل بجميع ما يلزمون و يحكمون، فكما أنّه لو حكم بكون شخص سارقا بعلمه أو بالبيّنة وجب قطع يده و الحكم بفسقه، فكذلك إذا قال: اليوم عيد أو أول الشهر، أو قال:

إنّ الشخص الفلاني حكمت بفسقه أو بعدالته.

و إن شئت تقريب الاستدلال بالتوقيع و بالمقبولة بوجه أوضح، فنقول:

لا نزاع في نفوذ حكم الحاكم في الموضوعات الخاصة إذا كانت محلا للتخاصم، فحينئذ نقول: إنّ تعليل الإمام (عليه السلام) وجوب الرضى بحكومته في الخصومات بجعله حاكما على الإطلاق و حجّة كذلك، يدلّ على أنّ حكمه في الخصومات و الوقائع من فروع حكومته المطلقة و حجيته العامة، فلا يختص بصورة التخاصم، و كذا الكلام في المشهورة إذا حملنا القاضي فيها على المعنى اللغوي المرادف لفظ «الحاكم». و سيجيء تمام الكلام في مدلول هذه الروايات و في كيفية نصب الفقهاء، و أنّه هل هو من قبيل الإذن و الاستنابة، أو أنّه يشبه إنشاء الحكم الشرعي- مثل الحكم بوجوب العمل بقول البيّنة،

50

و بإخبار ذي اليد- إلّا أنّ الذي يظهر من كلام الأصحاب في المنصوب الخاص و العام كونه نائبا عن الإمام (عليه السلام) في القضاء، و هو بظاهره مناف لما اتفقوا عليه ظاهرا من أنّه (و القضاء واجب (1) على الكفاية)، فإنّ اللازم كون كلّ قاض أصيلا في امتثال الواجب، لا نائبا عن غيره. غاية الأمر توقّفه على إذن الغير- مثل توقف تجهيز الموتى على إذن الولي- مع عدم كون المأذون نائبا عن الولي في الصلاة و غيرها، و لهذا لا ينوي النيابة، و يصلّي الولي معه.

فالمناسب للنيابة كون الخطاب بالقضاء متوجها إلى خصوص الإمام على وجه التخيير بين مباشرته و الاستنابة، كما لا يبعد المصير إليه، و استقر به غير واحد من المعاصرين (2) و هو الظاهر من عبارة السرائر (3)، و يشعر به تفريع وجوب الحكم على الخلافة في قوله تعالى (يٰا دٰاوُدُ إِنّٰا جَعَلْنٰاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّٰاسِ بِالْحَقِّ) (4) إلّا أن يقال: إنّ المتفرّع على الخلافة وجوب كون الحكم بالحق، فتأمّل.

[كيف يجتمع وجوب القضاء كفاية مع استحبابه عينا؟]

هذا كلّه، مضافا إلى المنافاة بين وجوبه كفاية (و) بين ما ذكروه أيضا من أنّه (يستحب للقادر عليه)؛ لأجل الوثوق على نفسه بالقيام بشرائطه و آدابه؛ حيث إنّ الوجوب الكفائي لا يجتمع مع الاستحباب العيني، و إن أمكن توجيهه- نظير ما يوجّه به اجتماع الوجوب التخييري

____________

(1) في الإرشاد: و القضاء واجب.

(2) لم نعثر عليه بعينه، انظر الرياض 2: 387 و 388، و المناهل: 693، و الجواهر 40: 39 و 40.

(3) انظر السرائر 2: 153 و 155.

(4) سورة ص: 25.

51

مع الاستحباب العيني- إلّا أنّه لا دليل هنا على ثبوت مزيّة زائدة توجب الاستحباب العيني؛ فإنّه لم يستدلّوا عليه إلّا بما ورد من فضيلة قطع الخصومات بين الناس (1) الباعثة لوجوبه كفاية؛ (و) لذا (يتعيّن عليه، إن لم يوجد غيره) و إلّا فالمزيّة الغير المانعة من النقيض في حدّ ذاته لا يوجب تعيين الفعل عند عدم قيام الغير به.

هذا كلّه مع أنّ الحكم باستحبابه عينا لكلّ من يثق من نفسه غير صحيح؛ لأنّ القضاء في كلّ واقعة فعل واحد لا يطلب عينا من متعدد.

اللهم إلّا أن يدفع إشكال اجتماع النيابة مع الوجوب الكفائي بأنّ الواجب هو القدر المشترك بين إيقاع الفعل أصالة أو نيابة فيجب على الإمام المباشرة أو الاستنابة، و على غيره الاستنابة. فالنيابة إنّما تعرض الفعل قبل ملاحظة تعلق الوجوب به، و التنافي إنّما هو بين الوجوب كفاية على جماعة، و كون بعضهم نائبا عن بعض في فعل الواجب و إسقاط الأمر.

و بالجملة، فوصف النيابة سابق في العروض على صفة الوجوب.

و يمكن أن يراد بالاستحباب العيني في حق من يثق به (2) مجرّد سلامة الرجحان الحاصل من الوجوب الكفائي عن مزاحمة فعل مرجوح مقارن معه- كتعريض النفس في الهلكة، الحاصل بالنسبة إلى من لا يثق من نفسه-

____________

(1) لم نعثر على ما ورد في فضيلة قطع الخصومات بين الناس بخصوصه، نعم في الروايات ما يدلّ على فضيلة إصلاح ذات البين مثل ما في الوسائل 13: 161، الباب الأوّل من أبواب أحكام الصلح، هذا و استدلّ الحلّي في السرائر ببعض الآيات و بالإجماع على استحباب القضاء، راجع السرائر 2: 152.

(2) في «ش»: يثق بنفسه.

52

فالقضاء في حقه مكروه، بمعنى رجحان التقاعد عنه و وكوله إلى غيره، نظير كراهية تغسيل المخالف على القول بوجوبه كفاية.

و أما استحبابه عينا لكل من يثق به، فالمراد استحباب تصدّيهم له في الموارد المتعددة.

ثم إنّ مقتضى الوجوب الكفائي على كلّ من الإمام و الرعية أنّ الواجب على الإمام إذا علم خلوّ بلد عن القاضي نصب قاض لهم. و يجب على القابلين للقضاء استنابته، و إعلامه بالحال لو فرض عدم اطلاعه.

فإن ولّى واحدا بالخصوص تعيّن عليه إن كان تعيّنه لمصلحة ترجع إلى الدين، و إن فرض كونه اقتراحا فالظاهر أيضا تعيّنه عليه، لوجوب طاعة الإمام (عليه السلام)، و لو في غير ما أمر اللّٰه به؛ فإنّها ليست بأدون من طاعة الأب و السيد.

و ظاهر المحقق (قدّس سرّه) المنع من ذلك، محتجّا بأنّ الإمام لا يلزم ما ليس بلازم (1).

و فيه: أنّه لا مانع من أن يأمر على وجه عدم الرضى بأمر غير لازم شرعا، لمصلحة شرعية غير بالغة حد الإلزام، راجعة إلى نفسه أو إلى غيره.

[تعين الأعلم للقضاء و للتقليد]

و إن ولّى واحدا من جماعة وجب عليهم كفاية إذا استووا في العلم، (و) مع التفاوت (يتعيّن) على الإمام تقليد الأعلم منصب القضاء، كما يجب على الناس (تقليد الأعلم) في الفتوى (مع) استجماعه (الشرائط) المذكورة للقضاء على المشهور بل لا خلاف يوجد إلّا عن

____________

(1) الشرائع 4: 69.

53

بعض من عاصرناه (1)، و في منية المريد: لا نعلم فيه مخالفا (2)، و في المعالم نسبه إلى الأصحاب الذين و صل إلينا كلامهم (3)، و في شرح الكتاب أنّه نقل عليه الإجماع (4)، و في الرياض دعوى الإجماع عليه من السيّد (5)، و لعلها الحجة في مثل المسألة التي هي من مسائل الفروع- على ما حققناه في الأصول- مضافا إلى الأصول السليمة عما يتوهم وروده عليها- كما سيجيء (6)- و إلى ما هو المجبول في العقول من تقديم الأعلم من أهل الخبرة في جميع أمورهم. و لو لا ما قرع سمعهم من مخالفة بعض العلماء في المسألة لم يأخذوا في مسألة من فنون علم الدين بقول غير الأعلم مع تيسّر الأخذ بقول الأعلم.

مضافا إلى مقبولة عمر بن حنظلة (7) المجبورة قصور دلالتها- من حيث اختصاصها بموردها- بالإجماع المركب الظني و تنقيح المناط القطعي.

مع أنّ الرواية- عند التأمّل- ظاهرة في أنّ ترجيح حكم الأعلم من أحد الحاكمين على الآخر من جهة رجحان فتواه، بل من جهة رجحان روايته التي هي مأخذ فتواه؛ و لذا كان مورد السؤال و الجواب في باقي

____________

(1) انظر المستند 2: 521.

(2) منية المريد: 167.

(3) المعالم: 246.

(4) مجمع الفائدة 12: 21.

(5) لم نقف عليه.

(6) في الصفحة: 56.

(7) الوسائل 18: 98، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث الأول.

54

الرواية في تعارض روايتهما.

و بالجملة، دلالة الرواية على ترجيح فتوى الأفقه واضحة عند التأمّل، غير محتاجة إلى ضميمة؛ و لذا ادعى الشهيد الثاني (1)- فيما حكي عنه- أنّ الرواية نص في المدعى، و في معناها رواية داود بن الحصين (2) و رواية موسى ابن أكيل (3).

و قد يستدل أو يؤيد الدليل بما عن نهج البلاغة في كتابه (عليه السلام) إلى الأشتر (رحمه اللّٰه): «اختر للحكم بين الناس أفضل رعيّتك في نفسك» (4)، و فيه تأمّل.

كلّ ذلك مضافا إلى أنّ الظاهر أنّ حجية فتوى الفقيه إنّما هي لكونها من الظنون الخاصّة، التي لا يعتبر إفادتها للظن الشخصي، كأصالة الحقيقة و الخبر الصحيح عند جماعة (5)، و من المعلوم أنّ مثل هذه إذا تعارضت يجب الرجوع إلى الأقوى منهما في ذاته و إن لم يفد الظن الشخصي، و لا يلتفت إلى الأخرى و إن أفادت الظن من جهة المرجّحات الخارجية التي لم يثبت الترجيح بها.

و إذا ادعوا الإجماع على وجوب الأخذ بما هو الأقوى في نفس المتشرعة من الأمارة، فهذا هو الأصل في تعارض الأمارات المعتبرة عند

____________

(1) انظر المسالك 2: 285.

(2) الوسائل 18: 80، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 20.

(3) الوسائل 18: 88، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 45.

(4) نهج البلاغة (قسم الكتب)، الكتاب: 53.

(5) لم نقف عليه.

55

الشارع لحكمة كشفها عن الواقع لو خلّيت و طباعها و إن لم يكن اعتبارها منوطا بالكشف الفعلي.

و به يندفع ما اشتهر بين المعاصرين (1) تبعا للشارح (2) من الإيراد على الاستدلال المشهور في المقام، المصرّح به بل المقتصر عليه في كلام جماعة (3) من قوّة الظنّ بقول الأعلم بأنّ الظنّ قد يقوى في فتوى غير الأعلم في خصوص المقام لبعض الأمور كموافقتها لفتوى الأعلم من المتقدّمين بل للمشهور، إذ بعد إهمال الشارع لتلك الخصوصيات المرجّحة بالنسبة إلى المقلّد يكون وجودها كعدمها، فهو نظير ما إذا قلنا بحجية قول العادل من جهة حصول الوثوق به لأجل عدالته ثم تعارض خبرا عادل و أعدل، و احتفّ خبر العادل بخصوصيات غير معتبرة أوجبت الظن الشخصي في المحتفّ بها.

و بالجملة، فبعد ما ثبت من أنّ المرجحية كالحجية مخالفة للأصل، لا بدّ من الاقتصار فيها على المقدار الثابت، فكل أمارتين تعارضتا يقدم أقواهما من حيث نفسه، لا بملاحظة المرجحات الخارجية.

نعم، هذا كلّه حسن على تقدير اعتبار الأمارة من حيث مطلق الظن.

هذا كلّه، مع أنّه إذا ثبت وجوب الأخذ بقول الأعلم مع عدم اعتضاد فتوى غير الأعلم بما يوجب الظن في جانبها، ثبت ذلك في موضع الاعتضاد

____________

(1) انظر المستند 2: 522، و الجواهر 40: 44.

(2) مجمع الفائدة 12: 21.

(3) منهم الشهيد الثاني في المسالك 2: 285.

56

بالإجماع (1)؛ إذ لم يقل أحد بتعيين الرجوع إلى غير الأعلم في هذه الصورة.

فغاية الأمر- هنا- عدم المرجح لقول الأعلم، و لذا احتجنا فيها إلى إثبات الترجيح بالإجماع المركب، فتأمّل.

و على كلّ حال، فلو لم يكن في المقام إلّا الأصل لكفى (2)؛ لفقد ما يرد عليها (3)، عدا ما يتوهم من استصحاب التخيير فيما إذا فرضنا متساويين فثبت التخيير ثم صار أحدهما أعلم فيستصحب التخيير، و لا يعارض باستصحاب تعيين المجتهد إذا انحصر ثم حدث بعده من هو دونه كما لا يخفى، مضافا إلى أنّه إن أريد بذلك الأصل أصالة الاشتغال، فهو لا يتمشّى على مذهب من يحكم [بالبراءة- ظ] (4) في مثل المقام.

و إن أريد أصالة عدم حجية قول المفضول، ففيه: أنّها إنّما تجري فيما شك في أصل حجيته في ذاته و مع قطع النظر عن المعارض، و أمّا إذا فرض حجيّة شيء في حدّ ذاته و مع قطع النظر عن المعارض- كما في المقام- ثم شك في ثبوت الترجيح الشرعي لمعارضة فمقتضى توقيفية الترجيح بالأمارات كنفس حجيتها، الحكم بعدم كون الشيء مرجحا إلّا أن يدلّ عليه الدليل، و الكلام ليس إلّا في ذلك.

و من (5) إطلاق أدلّة التقليد و استمرار السيرة خلفا عن سلف.

____________

(1) في «ش»: بالإجماع المركب (ظ).

(2) في «ش»، و ظاهر «ق»: لكفى به.

(3) كذا ظاهرا، و في «ش»: عليه.

(4) من «ش»، و قد أضيف استظهارا.

(5) معطوف على «من استصحاب التخيير».

57

[الأعلمية شرط واقعي لا علمي]

ثم (1) إنّ الظاهر المطابق للأصل كون الأعلمية كنفس الاجتهاد و سائر الشروط، شرطا واقعيا لا علميا،

[لو اعتقد عدم الأعلم ثم بان الخطأ]

فلو لم يطلع على الأعلم و اعتقد عدمه ثم بان خطؤه استأنف التقليد بل المرافعة. نعم، لو لم يوجد الأعلم واقعا أو لم يتمكّن منه إلّا بعد قضاء غيره لم يستأنف الترافع، و هل يستأنف التقليد فيجب الرجوع عن قول غير الأعلم إليه و إن عمل بقوله في الواقعة- نعم، تمضي نفس تلك الواقعة الشخصية لا أمثالها- أم لا؟ وجهان:

من عدم جريان عمدة الأدلّة المتقدمة إلّا في التقليد الابتدائي؛ لأنّ الأصول مدفوعة باستصحاب التقليد السابق، و إطلاقات الفتاوى و معاقد الإجماع منصرفة إلى التقليد الابتدائي، أعني غير المسبوق بتقليد آخر في تلك الواقعة، كما أنّ مقبولة ابن حنظلة (2) نص فيه.

و من عدم جريان الاستصحاب المذكور، لا بالنسبة إلى أصل التقليد و لا بالنسبة إلى المسألة الفرعية المقلّد فيها، كما بيّن مبسوطا في مسألة الرجوع عن التقليد.

و التحقيق في المقام هو دوران الأمر في المقام بين وجوب البقاء، و وجوب الرجوع من غير أصل يقتضي أحدهما.

لكن الإنصاف يقتضي منع الانصراف المذكور في إطلاقات وجوب تقليد الأعلم، مضافا إلى بناء العقلاء على ترجيح الأعلم على الإطلاق،

____________

(1) هذا أول الصفحة اليمنى من الورقة (135)، و في هامش «ش» ما مفاده: هذا آخر ما في الورقة في الأصل، و قوله: «ثم إنّ الظاهر ..» هو أوّل الصفحة، و لا يبعد ضياع ورق في البين.

(2) الوسائل 18: 98، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث الأوّل.

58

و حكم العقل بترجيح أقوى الأمارتين، و إن حصلت القوّة بعد الأخذ بإحداهما.

[وجوب ترجيح الأعلم عند الاختلاف في الفتوى]

بقي هنا شيء، و هو أنّ ظاهر أدلّة المختار وجوب ترجيح الأعلم مع الاختلاف في الفتوى دون ما إذا اتّفقا، فيجوز الترافع إلى غير الأعلم مع وجود الأعلم إذا كان فصل المنازعة لا يحتاج إلى الفتوى في مسألة خلافية كما إذا كان المدّعي ممتازا عن المدّعى عليه و كان للمدّعي بيّنة عادلة بعدالة الملكة (1)، فإنّ الحكم هنا لا يحتاج إلى إعمال مسألة خلافية، فالأقوى عدم وجوب الرجوع إلى الأعلم هنا، و إن كان علم المترافعين بذلك في أوّل الأمر نادرا.

و ممّا ذكرنا ظهر عدم تعيّن الأعلم في مناصب الحاكم مثل الولاية على الأيتام و أموال الغيّب إذا لم يكن هنا مسألة اختلف فيها الأعلم و غيره، و كذلك قبض مال الإمام (عليه السلام) إذا كان مذهبهما متّحدا في المصرف، و كذلك تولّي الأوقاف، و نحو ذلك.

[هل ينفذ حكم من لا تقبل شهادته على المحكوم عليه؟]

(و) اعلم أنّه ذكر المصنّف و غيره (2) أنّه (لا ينفذ حكم من لا تقبل شهادته) على المحكوم عليه (كالولد على والده، و العبد على مولاه، و الخصم على عدوّه)؛ لأنّ مناط عدم قبول الشهادة على هؤلاء موجود في الحكم عليهم على وجه آكد. و في الاعتماد على مثل هذا الوجه إشكال، خصوصا بعد عموم أدلّة نصب الفقهاء و كونهم حجّة على الخلق شبه حجّية الإمام (عليه السلام).

____________

(1) كذا في «ش»، و الكلمة في «ق» غير واضحة.

(2) كالمحقّق في الشرائع 4: 71.

59

[عدم نفوذ حكم فاقد الشرائط]

(و لا) ينفذ (حكم من لا يستجمع الشرائط) و إن أذن له المستجمع أو أجازه؛ لما تقدم سابقا.

(و إن اقتضت المصلحة توليته) مع فقده للشرائط، فإن كانت المصلحة في علم الإمام (عليه السلام) راجحة على المصلحة الداعية للشارع على اعتبار ذلك الشرط المفقود جاز، بل يخرج حينئذ الشرط عن الشرطية في حق هذا المنصوب كما في تقرير أمير المؤمنين (عليه السلام) لقضاوة شريح (1)، بناء على أنّه لم يثبت أنّه (عليه السلام) نهاه عن إمضاء حكم من دون أن يعرضه على الإمام كما في بعض الروايات (2).

و إن لم تكن المصلحة بتلك المرتبة (لم تجز)؛ لأنّ فيه إهمال أقوى المصلحتين لأضعفهما، بل لا يعدّ الضعيف حينئذ مصلحة، و لعل من نظيره عدم تقرير أمير المؤمنين (عليه السلام) لخلافة معاوية، و إن ترتّب على ردّه ما ترتّب في أيام حياته (صلوات اللّٰه عليه) إلى انقراض ملك بني أميّة (3).

____________

(1) الوسائل 18: 194، الباب 14 من أبواب كيفيّة الحكم و أحكام الدعوى، الحديث 6.

(2) الوسائل 18: 6، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث الأوّل.

(3) هذا أخر ما في الصفحة اليمنى من الورقة (136)، و في هامشها هامش طويل يبدو أنّه كان تابعا لهامش الصفحة المقابلة، و لكن حيث وقع التقديم و التأخير في الأوراق و احتمال فقدان بعض الصفحات لم يعرف ما كان في مقابلها. كما يحتمل ارتباطها بما تقدم من قوله: «اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك، و فيه تأمّل».

[راجع الصفحة: 54] و الهامش ما يلي:

بل قد يتأمّل في دلالة الأخبار المذكورة بأنّ العمل بالمرجحات المذكورة فيهما الراجحة [فيها الراجعة- ظ] إلى الترجيح فيما بين الروايات المتعارضة و إجرائها في الفتاوى المتعارضة خلاف الإجماع، فليحمل على الفتاوى الصادرة عن الرواة في زمن الأئمة المنزّلة منزلة الروايات في حق القادرين على الترجيح بين الروايات المتعارضة، فهي في الحقيقة أدلّة للمجتهدين يعمل عند تعارضها بما يعمل عند تعارض الروايات، إلّا أن يدفع ذلك بأنّ ظاهرها حجية تلك الفتاوى في حق كلّ جاهل بالواقعة، إلّا أنّ العارف بعلاج تعارض الروايات يجعلها كالروايات، و العاجز عن ذلك ليس له إلّا الترجيح بالأعلمية لعدم [كلمات لا تقرأ] المرجحات كالشهرة و موافقة الكتاب و مخالفة [العامة]، و على تقدير معرفة ذلك فهو عاجز عن معرفة سلامتها عن المرجّحات المقابلة لها، فليس في حقه إلّا الاطمئنان في الترجيح بمجرّد أعلمية المفتي، فتأمّل.

إلّا أن يقال: إنّ الأعلمية إنّما تكون موجبا للاطمئنان إذا لم [يسبق- ظ] المسألة بفتوى المشهور من العلماء أو أعلم الأموات، و إلّا فمجرّد فتوى أعلم الأحياء لا يوجب قوّة الظن في صورة مخالفتها لفتوى من هو أعلم منه من الأموات أو لفتوى المشهور، و عدم حجية قول الميت أو قول المشهور له لا يوجب عدم الترجيح بهما أو عدم الوهن، مع أنّه قد تقرّر في باب التراجيح أنّ المقبولة و نحوها مسوقة لبيان إرشاديّة الترجيح، و أنّ العبرة بالأوثقيّة فليكن في الفتوى كذلك، و من هنا ذهب بعض المعاصرين إلى الترجيح بالأوثقية، لكن ظاهر مراده أوثق الحيّين لا الأوثق بحسب الواقع، و لو لاعتضاده بفتوى المشهور أو أوثق الأموات.

60

[الفاقد للشرائط المنصوب تقية]

و على (1) أيّ تقدير، فالمصلحة المقتضية لنصب الفاقد إن كانت مصلحة اختياريّة كان حكم المنصوب نافذا، و إن كانت راجعة إلى الضرورة و التقيّة فهو كغير المنصوب.

[حرمة تعرض من لا ينفذ حكمه للقضاء]

ثم إنّ من لا ينفذ حكمه لا يجوز له التعرّض؛ لأنّه غير نائب عن

____________

(1) هذا هو أوّل الصفحة اليسرى من الورقة (139).