رسائل فقهية

- الشيخ مرتضى الأنصاري المزيد...
477 /
5

[رسالة في العدالة]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

العدالة لغة:

«الاستواء» كما يظهر من محكيّ المبسوط (1) و السرائر (2) أو:

«الاستقامة» كما عن جامع المقاصد (3) و مجمع الفائدة (4) أو هما معا كما عن الروض (5) و المدارك (6) و كشف اللثام (7).

[الأقوال في العدالة]

و قد اختلف الأصحاب في بيان ما هو المراد من لفظها الوارد في كلام المتشرّعة، بل الشارع على أقوال:

أحدها:

- و هو المشهور بين العلّامة و من تأخّر عنه- أنّها كيفيّة نفسانيّة باعثة على ملازمة التقوى، أو: عليها مع المروّة، و إن اختلفوا في التعبير عنها بلفظ

____________

(1) حكاه العلّامة في المختلف 717 عن الشيخ في المبسوط 8: 217 و عبارته هكذا: و العدالة في اللغة: أن يكون الإنسان متعادل الأحوال متساويا.

(2) السرائر 2: 117.

(3) جامع المقاصد 2: 372.

(4) مجمع الفائدة (الطبعة الحجرية) كتاب الشهادات في مبحث شرائط الشاهد، ذيل قوله: الرابع.

(5) روض الجنان: 289.

(6) المدارك 4: 67.

(7) كشف اللثام 2: 370.

6

«الكيفيّة» أو «الحالة» أو «الهيئة» أو «الملكة»، و نسب الأخير في محكيّ النجيبيّة إلى العلماء (1)، و في محكيّ كنز العرفان (2) إلى الفقهاء، و في مجمع الفائدة إلى الموافق و المخالف (3)، و في المدارك: «الهيئة الراسخة» إلى المتأخّرين (4)، و في كلام بعض نسب «الحالة النفسانيّة» إلى المشهور (5).

و كيف كان، فهي عندهم كيفيّة من الكيفيات باعثة على ملازمة التقوى كما في الإرشاد (6)، أو عليها و على ملازمة المروّة كما في كلام الأكثر. بل نسبه بعض إلى المشهور (7)، و آخر إلى الفقهاء، (8) و ثالث إلى الموافق و المخالف (9).

الثاني:

أنّها عبارة عن مجرّد ترك المعاصي أو خصوص الكبائر و هو الظاهر من محكيّ السرائر حيث قال: حدّ العدل هو الّذي لا يخلّ بواجب و لا يرتكب قبيحا (10).

و عن محكيّ الوسيلة (11) حيث ذكر في موضوع منه: أنّ العدالة في الدين الاجتناب عن الكبائر و عن الإصرار على الصغائر.

و من محكي أبي الصلاح (12) حيث حكي عنه أنّه قال: إنّ العدالة شرط

____________

(1) مخطوط، و حكاه العاملي في مفتاح الكرامة 3: 80.

(2) كنز العرفان 2: 384، و حكاه الطباطبائي (قدّس سرّه) في رياض المسائل 2: 391.

(3) مجمع الفائدة (الطبعة الحجرية): كتاب القضاء، ذيل قوله: و إذا عرف الحاكم .. إلخ.

(4) المدارك 4: 67.

(5) مجمع الفائدة 2: 351.

(6) الإرشاد 2: 156.

(7) مجمع الفائدة 2: 351.

(8) كنز العرفان 2: 384.

(9) مجمع الفائدة 2: 351.

(10) السرائر 1: 280، و الحاكي هو الفاضل النراقي (قدّس سرّه) في المستند 2: 618.

(11) الوسيلة: 230، و حكاه مفتاح الكرامة 3: 81.

(12) الكافي في الفقه: 435، و الحاكي هو الفاضل النراقي (قدّس سرّه) في المستند 2: 618.

7

في قبول الشهادة، و تثبت حكمها بالبلوغ و كمال العقل و الإيمان و اجتناب القبائح أجمع.

و عن المحدّث المجلسي (1) و المحقّق السبزواري (2): أنّ الأشهر في معناها أن لا يكون مرتكبا للكبائر و لا مصرّا على الصغائر و ظاهر هذا القول أنّها عبارة عن الاستقامة الفعليّة في أفعاله و تروكه من دون اعتبار لكون ذلك عن ملكة.

الثالث:

أنّها عبارة عن الاستقامة الفعليّة لكن عن ملكة، فلا يصدق العدل على من لم يتّفق له فعل كبيرة مع عدم الملكة، و هذا المعنى أخصّ من الأوّلين، لأنّ ملكة الاجتناب لا يستلزم الاجتناب. و كذا ترك الكبيرة لا يستلزم الملكة.

و هذا المعنى هو الظاهر من كلام والد الصدوق حيث ذكر في رسالته إلى ولده أنّه (3): لا تصلّ إلّا خلف رجلين: أحدهما من تثق بدينه و ورعه، و الآخر من تتّقي سيفه و سوطه (4).

و هو ظاهر ولده (5) و ظاهر المفيد في المقنعة، حيث قال: إنّ العدل من كان معروفا بالدين و الورع و الكفّ عن محارم اللّٰه، (انتهى) (6). فإنّ الورع و الكفّ لا يكونان إلّا عن كيفيّة نفسانيّة، لظهور الفرق بينه و بين مجرّد الترك، فتأمّل.

و هو الظاهر من محكيّ النهاية (7)، حيث أنّه ذكر بمضمون (8) صحيحة ابن

____________

(1) البحار 88: 25.

(2) ذخيرة المعاد: 304.

(3) ليس في «ع» و «ص» و «ش» و «ج»: انه.

(4) الفقيه 1: 380 ذيل الحديث 1117 و فيه: و سطوته.

(5) الهداية (الجوامع الفقهية): 52.

(6) المقنعة: 725.

(7) النهاية: 325.

(8) كذا في النسخ ما عدا «د» ففيها: بمضمونه، و الظاهر: مضمون.

8

أبي يعفور، و كذلك الوسيلة، حيث قال: العدالة تحصل بأربعة أشياء، الورع و الأمانة و الوثوق و التّقوى (1)، و نحوه المحكيّ عن القاضي، حيث اعتبر فيها الستر و العفاف و اجتناب القبائح (2)، فإنّ الاجتناب خصوصا مع ضمّ العفاف إليه لا يكون بمجرّد الترك. و بمعناه المحكيّ عن الجامع، حيث أخذ في تعريف العدل الكفّ و التجنّب للكبائر (3).

ثمّ إنّه ربّما

يذكر في معنى العدالة قولان آخران:

أحدهما: الإسلام و عدم ظهور الفسق

، و هو المحكيّ عن ابن الجنيد (4)، و المفيد في كتاب الأشراف (5)، و الشيخ في الخلاف مدّعيا عليه الإجماع (6).

و الثاني: حسن الظاهر

، نسب إلى جماعة بل أكثر القدماء.

و لا ريب أنّهما ليسا قولين في العدالة، و إنّما هما طريقان للعدالة، ذهب إلى كلّ منهما جماعة و لذا ذكر جماعة من الأصحاب- كالشهيد في الذكرى (7) و الدروس (8)، و المحقّق الثاني في الجعفريّة (9)، و غيرهما (10)- هذين القولين في عنوان ما به تعرف العدالة، مع أنّ عبارة ابن الجنيد المحكيّ عنه «أنّ كلّ المسلمين على العدالة إلّا أن يظهر خلافها» (11) لا يدلّ إلّا على وجوب الحكم بعدالتهم. و أوضح

____________

(1) الوسيلة: 208

(2) المهذّب 2: 556 و حكاه مفتاح الكرامة 3: 81.

(3) الجامع للشرائع: 538.

(4) المختلف: 717.

(5) لم نقف على الكتاب.

(6) الخلاف: كتاب آداب القضاء، المسألة 10.

(7) الذكرى: 267.

(8) الدروس: 54.

(9) الرسالة الجعفرية (رسائل المحقق الكركي) 1: 126.

(10) كصاحب الجواهر (قدّس سرّه) حيث اعتبرهما طريقين إليها، انظر الجواهر 13: 281 و 299.

(11) ذخيرة المعاد: 305 حيث نقل عن ابن الجنيد قوله: كلّ المسلمين على العدالة إلى أن يظهر خلافها.

9

منه كلام الشيخ في الخلاف، حيث أنّه لم يذكر إلّا عدم وجوب البحث عن عدالة الشهود إذا عرف إسلامهم (1)، ثمّ احتجّ بإجماع الفرقة و أخبارهم، و أنّ الأصل في المسلم العدالة، و الفسق طار عليه، يحتاج إلى دليل (2).

نعم: عبارة الشيخ في المبسوط ظاهرة في هذا المعنى، فإنّه قال: إنّ العدالة في اللغة: أن يكون الإنسان متعادل الأحوال متساويا، و أمّا في الشريعة: فهو من كان عدلا في دينه عدلا في مروّته، عدلا في أحكامه، فالعدل في الدين: أن يكون مسلما لا يعرف منه شيء من أسباب الفسق، و في المروّة: أن يكون مجتنبا للأمور الّتي تسقط المروّة، .. إلى آخر ما ذكر. (انتهى موضع الحاجة) (3).

لكنّ الظاهر أنّه أراد كفاية عدم معرفة الفسق منه في ثبوت العدالة، لا أنّه نفسها، و لذا فسّر العدالة في المروّة بنفس الاجتناب، لا بعدم العلم بالارتكاب.

هذا كلّه، مع أنّه لا يعقل كون عدم ظهور الفسق أو حسن الظاهر نفس العدالة، لأنّ ذلك يقتضي كون العدالة من الأمور الّتي يكون وجودها الواقعي عين وجودها الذهني، و هذا لا يجامع كون ضدّه- أعني الفسق- أمرا واقعيّا لا دخل للذهن فيه. و حينئذ فمن كان في علم اللّٰه تعالى مرتكبا للكبائر مع عدم ظهور ذلك لأحد، يلزم أن يكون عادلا في الواقع و فاسقا في الواقع [و كذا لو فرض أنّه لا ذهن و لا ذاهن (4) يلزم أن لا يتحقّق العدالة في الواقع] (5) لأنّ المفروض أنّ وجودها الواقعي عين وجودها الذهني. و أمّا بطلان اللازم (6) فغنيّ

____________

(1) كذا في هامش «ص»، و في «ع»: إسلامهما، و في «ش» و «ج» و «د»: إسلامها.

(2) الخلاف: كتاب آداب القضاء، المسألة 10.

(3) المبسوط 8: 217.

(4) كذا في «د».

(5) ما بين المعقوفتين من «د».

(6) في «د»: اللازمين و لكن في سائر النسخ: اللازم.

10

عن البيان. و كذا لو اطّلع على أنّ شخصا كان في الزمان السابق مع اتّصافه بحسن الظاهر لكلّ أحد مصرّا على الكبائر يقال: كان فاسقا و لم يطّلع، و لا يقال:

كان عادلا فصار فاسقا عند اطّلاعنا.

فتبيّن- من جميع ما ذكرنا- أنّ هذين القولين لا يعقل أن يراد بهما بيان العدالة الواقعية، و لا دليل للقائل بهما يفي بذلك، و لا دلالة في عبارتهما المحكية عنهما، و لا فهم ذلك من كلامهما من يعتنى به مثل الشهيد و المحقّق الثاني و ابن فهد و غيرهم.

ثمّ الظاهر رجوع القول الأوّل إلى الثالث، أعني اعتبار الاجتناب مع الملكة، لاتّفاقهم و صراحة مستندهم كالنصوص و الفتاوى على أنّه تزول بارتكاب الكبيرة العدالة بنفسها و يحدث الفسق الّذي هو ضدّها، و حينئذ فإمّا أن يبقى الملكة أم لا، فإن بقيت ثبت اعتبار الاجتناب الفعلي في العدالة، فإن ارتفعت ثبت ملازمة الملكة للاجتناب الفعلي.

فمراد الأوّلين من «الملكة الباعثة على الاجتناب»: الباعثة فعلا، لا ما من شأنها أن تبعث و لو تخلّف عنها البعث لغلبة الهوى و تسويل الشيطان، و يوضّحه توصيف «الملكة» في كلام بعضهم بل في معقد الاتّفاق ب«المانعة عن ارتكاب الكبيرة» فإنّ المتبادر: المنع الفعلي بغير اشكال.

و أوضح منه تعريفها- الشهيد في باب الزكاة من نكت الإرشاد-: بأنّها هيئة راسخة تبعث على ملازمة التقوى بحيث لا يقع منها الكبيرة و لا الإصرار على الصغيرة (1) بناء على أنّ الحيثيّة بيان لقوله: «تبعث»، لا قيد توضيحيّ للملازمة.

نعم: يبقى الكلام في أنّ العدالة هل هي الملكة الموجبة للاجتناب أو

____________

(1) نكت الإرشاد، كتاب الزكاة ذيل قوله: و يشترط في المستحقين .. إلخ.

11

الاجتناب عن ملكة، أو كلاهما حتّى يكون عبارة عن الاستقامة الظاهرة في الأفعال، و الباطنة في الأحوال؟ و هذا لا يترتّب عليه كثير فائدة، إنّما المهمّ بيان مستند هذا القول، و عدم كون العدالة هي مجرّد الاستقامة الظاهريّة و لو من دون ملكة- كما هو ظاهر من عرفت- (1) حتّى يكون من علم منه هذه الصفة عادلا و إن لم يكن فيه ملكتها.

و يدلّ عليه- مضافا إلى الأصل (2) و الاتّفاق المنقول المعتضد بالشهرة المحقّقة، بل عدم الخلاف، بناء على أنّه لا يبعد إرجاع كلام الحلّي (3) إلى المشهور كما لا يخفى، و إلى ما دلّ على اعتبار الوثوق بدين إمام الجماعة و ورعه، مع أنّ الوثوق لا يحصل بمجرّد تركه المعاصي في جميع ما مضى من عمره، ما لم يعلم أو يظنّ فيه ملكة الترك، و اعتبار المأمونية و العفة و الصيانة و الصلاح و غيرها ممّا اعتبر في الأخبار من الصفات النفسانية في الشاهد، مع الإجماع على عدم اعتبارها زيادة على العدالة فيه و في الإمام- صحيحة ابن أبي يعفور، حيث سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) و قال: «بم يعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتّى تقبل شهادته لهم و عليهم؟ فقال: أن يعرفوه بالستر و العفاف و كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان، و تعرف باجتناب الكبائر الّتي أوعد اللّٰه عليها النار .. إلى آخر الحديث» (4).

____________

(1) راجع الصفحة 7.

(2) في النسخ هنا زيادة: فتأمل، الا انها مشطوب عليها في «ص».

(3) هو ابن إدريس (قدّس سرّه) و قد مرّ كلامه في صفحة 6 فراجع.

(4) الوسائل 18: 288 الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث الأول و تمامه: «من شرب الخمر و الزنا و الربا و عقوق الوالدين و الفرار من الزحف و غير ذلك، و الدلالة على ذلك كله ان يكون ساترا لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته و عيوبه و تفتيش ما وراء ذلك و يجب عليهم تزكيته و إظهار عدالته في الناس و يكون منه التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهن و حفظ مواقيتهن بحضور جماعة من المسلمين، و أن لا يتخلف عن جماعتهم في مصلّاهم إلّا من علّة، فإذا كان كذلك لازما لمصلّاه عند حضور الصلوات الخمس، فإذا سئل عنه في قبيلته و محلّته قالوا: ما رأينا منه إلّا خيرا مواظبا علي الصلوات متعاهدا لأوقاتها في مصلّاه فانّ ذلك يجيز شهادته و عدالته بين المسلمين، و ذلك أنّ الصلاة ستر و كفّارة للذنوب، و ليس يمكن الشهادة على الرجل بأنّه يصلّي إذا كان لا يحضر مصلاه و يتعاهد جماعة المسلمين، و إنّما جعل الجماعة و الاجتماع إلى الصلاة لكي يعرف من يصلّي ممّن لا يصلّي، و من يحفظ مواقيت الصلاة ممّن يضيع و لو لا ذلك لم يكن أحد أن يشهد على آخر بصلاح، لأنّ من لا يصلّي لا صلاح له بين المسلمين، فإنّ رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم) همّ بأن يحرق قوما في منازلهم لتركهم الحضور لجماعة المسلمين، و قد كان فيهم من يصلّي في بيته فلم يقبل منه ذلك، و كيف يقبل شهادة أو عدالة بين المسلمين ممّن جرى الحكم من اللّٰه عز و جل و من رسوله (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم) فيه الحرق في جوف بيته بالنار، و قد كان يقول: لا صلاة لمن لا يصلي في المسجد مع المسلمين إلّا من علّة.

12

فإنّ الستر و العفاف و الكفّ قد وقع مجموعها المشتمل على الصفة النفسانية معرّفا للعدالة، فلا يجوز أن يكون أخصّ منها، بل لا بدّ من مساواته، و قد يكون أعمّ إذا كان من المعرّفات الجعليّة، كما جعل (عليه السلام) في هذه الصحيحة الدليل على هذه الأمور كون الشّخص ساترا لعيوبه.

و دعوى أنّ ظاهر السؤال وقوعه عن الأمارة المعرّفة للعدالة بعد معرفة مفهومها تفصيلا، و الصفات المذكورة ليست أمارة بل- هي على هذا القول- عينها، فيدور الأمر بين حمل السؤال على وقوعه عن المعرّف المنطقي لمفهومها بعد العلم إجمالا- و هو خلاف ظاهر السؤال-، و بين خلاف ظاهر آخر، و هو حمل الصفات المذكورة على مجرّد ملكاتها، فتكون ملكاتها معرّفة و طريقا للعدالة، و حينئذ فلا تصح أن يراد بها إلّا نفس اجتناب الكبائر المسبّب عن ملكة العفاف و الكفّ، و هو القول الثاني مدفوعة:

أوّلا: ببعد إرادة مجرّد الملكة من الصفات المذكورة، بخلاف إرادة المعرّف المنطقي الشارح لمفهوم العدالة، فإنّه غير بعيد، خصوصا بملاحظة أنّ طريقية ملكة ترك المعاصي لتركها ليست أمرا مجهولا عند العقلاء محتاجا إلى السؤال، و خصوصا بملاحظة قوله فيما بعد: «و الدليل على ذلك كلّه أن يكون

13

ساترا لعيوبه .. إلخ»، فإنّه على ما ذكر يكون أمارة على أمارة، فيكون ذكر الأمارة الأولى- أعني الملكة- خالية عن الفائدة مستغنى عنها بذكر أمارتها، إذ لا حاجة غالبا إلى ذكر أمارة تذكر لها أمارة أخرى، بخلاف ما لو جعل الصفات المذكورة عين العدالة، فإنّ المناسب بل اللازم أن يذكر لها طريق أظهر و أوضح للناظر في أحوال الناس.

و يؤيّد ما ذكرنا أنّه لا معنى محصّل حينئذ لقوله (عليه السلام)- بعد الصفات المذكورة-: «و تعرف باجتناب الكبائر الّتي أوعد اللّٰه عليها النار»، لأنّ الضمير في «تعرف» إمّا راجع إلى العدالة بأن يكون معرّفا مستقلا، و إمّا راجع إلى الشخص بأن يكون من تتمّة المعرّف الأوّل، و إمّا أن يكون راجعا إلى الستر و ما عطف عليه، ليكون معرّفا للمعرّف، و قوله (عليه السلام): «و الدليل على ذلك ..

إلخ» (1) معرّفا ثالثا، و هو أبعد الاحتمالات.

و على أيّ تقدير فلا يجوز أن يكون أمارة على العدالة، لأنّه على هذا القول نفس العدالة.

و الحاصل: أنّ الأمور الثلاثة المذكورة من قبيل المعرّف المنطقي للعدالة، لا المعرّف الشرعي في اصطلاح الأصوليّين.

ثمّ إنّ المراد بالستر هنا غير المراد به في قوله (عليه السلام) فيما بعد: «و الدلالة على ذلك كله أن يكون ساترا لعيوبه» و إلّا لم يعقل أن يكون أحدهما طريقا للآخر، بل المراد بالستر هنا ما يرادف الحياء و العفاف، قال في الصحاح: رجل ستير، أي: عفيف، و جارية ستيرة (2) فكأنّ المراد بالستر- هنا-: الاستحياء من اللّٰه، و بالستر- فيما بعد-: الاستحياء من الناس، و لذا ذكر القاضي: أنّ العدالة

____________

(1) في المصدر: الدلالة.

(2) الصحاح 2: 677 مادة (ستر).

14

تثبت بالستر و العفاف و اجتناب القبائح أجمع (1).

بقي الكلام في بيان الأظهر من الاحتمالات الثلاث المتقدّمة في قوله (عليه السلام): «و تعرف باجتناب الكبائر .. إلخ» و أنّ الاجتناب هل هي تتمّة للمعرّف أو معرّف له، أو للمعرّف- بالفتح-؟ لكن الثاني في غاية البعد سواء حمل المعرّف على المنطقي أو على الشرعي.

[أمّا على الأوّل] (2) فلعدم كون الأمور المذكورة أمورا عرفية متساوية في البيان لمفهوم الاجتناب، فلا يحسن جعله طريقا إليها، أو شارحا لمفاهيمها.

و الثالث أيضا بعيد، بناء على المعرّف المنطقي و الشرعي، لأنّه إن أريد ب«اجتناب الكبائر» الاجتناب عن ملكة، فليس أمرا مغايرا للمعرّف الأوّل، فذكره كالتكرار، و إن أريد نفس الاجتناب، و لو لا عن ملكة، فلا معنى لجعله معرّفا منطقيّا بعد شرح مفهوم العدالة أوّلا بما يتضمّن اعتبار الملكة في الاجتناب.

و الحاصل: إنّ جعله معرّفا منطقيّا فاسد، لأنّه إمّا أن يراد من المعرّفين كليهما معنى واحد و إمّا أن يراد من كلّ منهما معنى، و على الأوّل يلزم التكرار، و على الثاني يلزم تغاير الشارحين لمفهوم واحد.

و كذا لا يجوز جعله معرّفا شرعيّا، لأنّ حاصله يرجع إلى جعل نفس الاجتناب طريقا إلى كونه عن ملكة، و هذا بعيد لوجهين:

أحدهما: أنّ معرفة الاجتناب عن جميع الكبائر ليس بأسهل من معرفة الملكة، بل معرفة الملكة أسهل من معرفة الاجتناب، فلا يناسب جعله معرّفا لها.

____________

(1) المهذّب 2: 556.

(2) ما بين المعقوفتين ليس في «ش».

15

الثاني: أنّه جعل الدليل على ذلك كلّه أن يكون ساترا لجميع عيوبه حتّى يحرم على المسلمين تفتيش ما وراء ذلك من عثراته، فستر العيوب عن الناس قد جعل طريقا ظاهريّا، و من المعلوم أنّ جعل الاجتناب الواقعي طريقا مستدرك بعد جعل عدم العلم بالارتكاب طريقا، بل اللازم جعله طريقا من أوّل الأمر، لأنّ جعل الأخصّ طريقا بعد جعل الأعمّ مستدرك، و هذا كما يقال: إنّ إمارة العدالة عند الجهل بها الإيمان الواقعي، و علامة الإيمان الواقعي عند الجهل به:

الإسلام، فإنّ جعل الإيمان الواقعي (1) طريقا، مستغنى عنه، بل لازم قوله (عليه السلام): «حتّى يحرم على المسلمين تفتيش ما وراء ذلك» أنّه لا يجوز التوصّل بالأمارة الاولى و هو الاجتناب الواقعي، لأنّه يتوقّف على الفحص عن أحواله.

فثبت من جميع ذلك أنّ أظهر الاحتمالات المتقدّمة هو كونه تتمة للمعرّف، بأن يجعل المراد بكفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان، كفّها عن المعاصي الخاصّة الّتي تتبادر عند إطلاق نسبة المعصية إلى إحدى الجوارح. [المذكورة فإنّ المتبادر من معصية البطن: أكل الحرام، و من معصية الفرج: الزنا، و من معصية اليد: ظلم الناس، و من اللسان: الغيبة و الكذب، فيكون ذكره بعد ذكر الكفّ من قبيل التعميم بعد التخصيص، و عقيب الستر و العفاف من قبيل ذكر الأفعال بعد الصفات النفسانيّة الموجبة لها.

و يحتمل أيضا أن يراد بالستر: الاستحياء المطلق، و بالعفاف: التعفّف عن مطلق المعاصي، و بالكفّ (الكف) (2) عن مطلق الذنوب، و يكون ذكر الجوارح الأربع لكونها أغلب ما تعصي من بين الجوارح] (3).

____________

(1) ليس في «ع» و «ص» و «ش» و «ج»: الواقعي.

(2) الزيادة اقتضاها السياق.

(3) ما بين المعقوفتين من «د».

16

و حينئذ فيكون قوله: «و تعرف باجتناب الكبائر» من قبيل التخصيص بعد التعميم و التقييد بعد الإطلاق، تنبيها على أنّ ترك مطلق المعاصي غير معتبر في العدالة

.

17

[اعتبار المروّة في مفهوم العدالة]

ثمّ المشهور بين من تأخّر عن العلّامة: اعتبار المروّة في مفهوم العدالة، حيث عرّفوها بأنّها هيئة راسخة تبعث على ملازمة التقوى و المروّة، و هو الّذي يلوح من عبارة المبسوط، حيث ذكر أنّ العدالة في اللغة: أن يكون الإنسان متعادل الأحوال متساويا، و في الشريعة: من كان عدلا في دينه، عدلا في مروّته، عدلا في أحكامه (1) (انتهى)، بناء على أنّ المراد بالعدالة في الدين و المروّة و الأحكام: الاستقامة فيها.

و أمّا كلام غير الشيخ ممّن تقدّم على العلّامة، فلا دلالة فيه، بل و لا إشعار على ذلك.

نعم: ذكره ابن الجنيد في شرائط قبول الشهادة (2)، و كذا ابن حمزة في موضع من الوسيلة (3)، بل كلامه الأخير المتقدّم في صدر المسألة (4)،- ككلامي

____________

(1) المبسوط 8: 217.

(2) المختلف 717.

(3) الوسيلة: 230.

(4) في الصفحة 8.

18

المفيد و الحلّي المتقدّم ذكرهما (1)- دالّ على عدم اعتبارها.

و أمّا الصدوقان فهما و إن لم يفسّرا العدالة، إلّا أنّ كلامهما المتقدّم (2) من أنّه «لا يصلّى إلّا خلف رجلين [أحدهما من تثق بدينه و ورعه و أمانته، و الآخر من تتقي سيفه و سوطه] (3) ظاهر في عدم اعتبار المروّة في العدالة، بناء على أنّ اعتبار العدالة في الإمام متّفق عليه.

نعم، قد أخذ القاضي «الستر» و «العفاف» في العدالة (4) بناء على ما سيأتي (5) من أنّه لا يبعد استظهار اعتبار المروّة من هذين اللفظين. و ذكر في الجامع أنّ العدل الّذي يقبل شهادته، هو البالغ العاقل المسلم العفيف الفعلي المجتنب عن القبائح الساتر لنفسه (6) فإن جعلنا الموصول (7) صفة تقييدية كانت العفّة- الّتي عرفت إمكان استظهار المروّة منها- مأخوذة في عدالة الشاهد دون عدالة الإمام و مستحقّ الزكاة، و إلّا كانت مأخوذة في مطلق العدالة.

و ممّن لا يعتبر المروّة في العدالة، المحقّق في الشرائع (8) و النافع (9)، و تبعه العلّامة في الإرشاد (10) و ولده في موضع من الإيضاح (11).

____________

(1) في الصفحة 6 و 7.

(2) في الصفحة 7.

(3) ما بين المعقوفتين من المخطوطة.

(4) المهذّب 2: 556.

(5) في الصفحة 22.

(6) الجامع للشرائع: 538 و فيه: العدل الذي يقبل شهادته هو: البالغ، العاقل، المسلم، العفيف، المصلي الفرض، الساتر نفسه .. إلخ.

(7) كذا في «ش»، و في سائر النسخ: الفصول.

(8) الشرائع 4: 127.

(9) المختصر النافع: 287.

(10) الإرشاد 2: 156.

(11) إيضاح الفوائد 1: 149. حيث قال: «و لاشتراط العدالة و هي غير متحقّقة في الصبيّ لأنّها كيفية قائمة بالنفس تبعث على ملازمة الطاعات و الانتهاء عن المحرّمات».

19

و عرّف الشهيد- في نكت الإرشاد- العدالة في كلام من اعتبرها في مستحقّ الزكاة بأنّها «هيئة تبعث على ملازمة التقوى» [1] و ظاهره أنّ العدالة تطلق في الاصطلاح على ما لا يؤخذ فيه المروّة.

و الحاصل: أنّه لو ادّعى المتتبّع أنّ المشهور بين من تقدّم على العلّامة عدم اعتبار المروّة في العدالة- خصوصا المعتبرة في غير الشاهد- لم يستبعد ذلك منه، لما عرفت من كلمات من عدا الشيخ، و أمّا الشيخ فالعدالة المذكورة في كلامه لا ينطبق على ما ذكره المتأخّرون، لأنّه أخذ فيه الإسلام و البلوغ و العقل، و هذا ليس معتبرا عند المتأخّرين، و إن كان العادل عندهم من أفراد البالغ العاقل المسلم، لكنّ الإسلام و الكمال ليسا جزءا للعدالة عندهم، و لذا يذكرون البلوغ و العقل و الإسلام على حدة، فالظاهر أنّه أراد بالعدالة صفة جامعة لشرائط العامّة لقبول الشهادة، و كيف كان: فالمتّبع هو الدليل.

و ينبغي الجزم بعدم اعتبارها (1) في العدالة المعتبرة في الإمام، و أنّ المعتبر فيه العدالة و (2) الاستقامة في الدين، لأنّ الدليل على اعتبار العدالة في الإمام، إمّا الإجماعات المنقولة و إمّا الروايات:

أمّا الإجماعات المنقولة (3) فلا ريب في أنّها ظاهرة في العدالة في الدين المقابلة للفسق الّذي هو الخروج عن طاعة اللّٰه، مع أنّ الخلاف في أخذ المروّة في العدالة يوجب حمل العدالة في كلام مدّعي الإجماع على العدالة في الدين،

____________

[1] الظاهر ان هذا سهو من قلمه الشريف فإنّ الشهيد (قدّس سرّه) اعتبر المروّة في تعريف العدالة حيث قال: «العدالة و هي هيئة راسخة في النفس تبعث على ملازمة التقوى و المروّة» راجع: نكت الإرشاد، كتاب الزكاة ذيل قوله: و يشترط في المستحقين.

____________

(1) اي: المروة.

(2) في (ش): أو.

(3) ليس في «د» و «ج»: المنقولة.

20

و يؤيّده أنّه لو كان المراد العدالة المطلقة الّتي تقدّم تفسيرها من المبسوط (1) لم يحتج إلى اعتبار البلوغ و العقل في الإمام مستقلا.

و دعوى: أنّ دعوى الإجماع إنّما وقعت من المتأخّرين الّذين أخذوا المروّة في العدالة، و كلام مدّعي الإجماع يحمل على ما اللفظ ظاهر فيه عنده.

مدفوعة- بعد تسليم ما ذكر كليّة- بأنّ الإجماع إذا فرض دعواه على العدالة المأخوذة فيها المروّة فهي موهونة بمصير جلّ القدماء- كما عرفت- على خلافه.

و إن كان المستند الروايات فنقول: إنّها بين ما دلّ على اعتبار العدالة، و الظاهر منها هي الاستقامة في الدين، لأنّها الاستقامة المطلقة في نظر الشارع، فإنّ التحقيق أنّ العدالة في كلام الشارع و أهل الشرع يراد بها: الاستقامة، لكنّ الاستقامة المطلقة في نظر الشارع هو الاستقامة على جادّة الشرع و عدم الميل عنها، و إن قلنا بأنّها منقولة من الأعمّ إلى الأخصّ، لكن نقول: إنّ المتبادر منها الاستقامة من جهة الدين، لا من جهة العادات الملحوظة عند الناس حسنا أو قبيحا.

و غاية ما يمكن أن يستدلّ لاعتبارها في العدالة المستعملة في كلام الشارع: صحيحة ابن أبي يعفور، و محل الدلالة يمكن أن يكون فقرأت منها:

الأولى: قوله: «بأنّ يعرفوه بالستر» على أن يكون المراد منه ستر العيوب الشرعية و العرفيّة.

الثانية: قوله (عليه السلام): «و كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان» بناء على أنّ منافيات المروّة غالبا من شهوات الجوارح.

الثالثة: قوله (عليه السلام): «و الدالّ على ذلك كلّه أن يكون ساترا

____________

(1) في الصفحة 17.

21

لعيوبه .. إلخ».

و قد تمسك بكلّ واحد من هذه الفقرات بعض ممّن (1) عاصرناهم.

و في الكلّ نظر، أمّا الفقرة الأولى: فلما عرفت سابقا من أنّ المراد بالستر ليس هو الستر الفعلي، و إنّما يراد به صفة مرادفة للعفاف- كما سمعت من الصحاح (2)-، كيف و قد جعل ستر العيوب بعد ذلك دليلا على العدالة، فيلزم اتّحاد الدليل و المدلول، مضافا إلى أنّ المتبادر من الستر: تعلّقه بالعيوب الشرعيّة دون العرفية، فلا يفيد حذف المتعلّق العموم.

و بهذا يجاب عن الفقرة الثانية، فإنّ الظاهر من كفّ الجوارح الأربع:

كفّها عن معاصيها، لا مطلق ما تشتهيها.

و أمّا الفقرة الثالثة، ففيها أوّلا: أنّ المتبادر من «العيوب» هي ما تقدّم في الفقرة السابقة ممّا أخذ تركها في مفهوم العدالة، لا مطلق النقائص في الكبائر و الصغائر و المكروهات المنافية للمروّة، و إلّا لزم تخصيص الأكثر، إذ الكبائر و منافيات المروّة في جنب غيرهما- الّذي لا يعتبر في العدالة تركها و لا في طريقها سترها- كالقطرة في جنب البحر، فلا بدّ من حمله على المعهود المتقدّم في الفقرات السابقة، فكأنّ الإمام (عليه السلام) لمّا عرّف العدالة بملكة الكفّ و التعفّف عن الكبائر جعل سترها عند المعاشرة و المخالطة طريقا إليها.

و ثانيا: أنّ غاية ما يدلّ عليه هذه الفقرة كون ستر منافيات المروّة من تتمّة طريق العدالة، لا مأخوذة في نفسها، فيكون فيه دلالة على أنّ عدم ستر منافيات المروّة و ظهورها عند المعاشرة و المخالطة لا يوجب الحكم ظاهرا بعدالة الرجل الّتي تقدّم معناها في الفقرات السابقة، و لا يلزم من هذا أنّا لو اطّلعنا على

____________

(1) كذا في «د»، و في سائر النسخ: من و راجع المستند 2: 621.

(2) في الصفحة 13.

22

ذلك المعنى بحيث لا يحتاج إلى الطريق الشرعي و علمنا منه صدور منافيات المروّة لم نحكم بعدالته، لأنّ الوصول إلى ذي الطريق يغني عن الطريق.

ففي الرواية دلالة على التفصيل الّذي ذكره بعض متأخّري المتأخّرين، من أنّه لو كشف فعل منافي المروّة عن قلّة المبالاة في الدين، بحيث لا يوثق معه بالتحرّز عن الكبائر و الإصرار على الصغائر كان معتبرا و إلّا فلا.

و هذا التفصيل غير بعيد، لكنّه في الحقيقة ليس تفصيلا في مسألة اعتبار المروّة في نفس العدالة- بل قول بنفيه مطلقا- إلّا أنّه يوجب الوهن في حسن الظاهر الّذي هو طريق إليها.

ثمّ إنّ الّذي يخطر بالبال أنّه إن كان و لا بدّ من فهم اعتبار المروّة من الصحيحة- بناء على أنّ المذكور فيه حدّ لها، لا بدّ من أن يكون مطّردا، فترك التعرّض لاعتبار ما يعتبر مخلّ بطردها- فالأنسب أن يقال: إنّ ذلك إنّما يستفاد من لفظي «الستر» و «العفاف» الراجعين إلى معنى واحد، كما عرفت من قول الصحاح: «رجل .. إلخ» (1) فيكون المراد بالستر ما عدّ- في الحديث المشهور المذكور في أصول الكافي في باب جنود العقل و الجهل- مقابلا للتبرّج (2) المفسّر في كلام بعض محقّقي شرّاح أصول الكافي بالتظاهر بما يقبح و يستهجن في الشرع أو العرف (3).

و لا ريب أنّ منافيات المروّة ممّا يستهجن في العرف، فهي منافية للستر و العفاف بذلك المعنى.

و قد ذكر بعضهم في عدالة القوّة الشهويّة- المسمّاة بالعفّة- أنّ ما يحصل

____________

(1) ما تقدم في الصفحة 13.

(2) الكافي 1: 22 كتاب العقل و الجهل، الحديث الأول.

(3) شرح أصول الكافي لصدر المتألّهين (رحمه اللّٰه): 97. ذيل الحديث الرابع عشر.

23

من عدم تعديلها: عدم المروّة. و ظاهره أنّ المروّة لازمة للعفاف.

ثمّ إنّ المروّة- على القول باعتبارها في العدالة- مثل التقوى المراد بها عندهم: اجتناب الكبائر و الإصرار على الصغائر، ففعل منافيها يوجب زوال العدالة بمجرّده من غير حاجة إلى تكراره (1) كارتكاب الكبيرة لأنّه لازم تفسيرهم للعدالة بالملكة المانعة عن (2) مجانبة (3) الكبائر و منافيات المروّة و الباعثة على ملازمة التقوى و المروّة، و قد عرفت أنّ المراد بالبعث أو المنع: الفعلي، لا الشأني.

نعم: ربّما يكون بعض الأفعال لا ينافي المروّة بمجرّده، و لذا قيّدوا منافيات (4) الأكل في الأسواق بصورة غلبة وقوع ذلك منه، و أنّه لا يقدح وقوعه نادرا، أو للضرورة، أو من السوقي، فمعناه- بقرينة عطف الضرورة و السوقي أنّه لا ينافي المروّة، لا أنّه مع منافاته المروّة لا يوجب زوال العدالة بمجرّده.

نعم: فرق بين التقوى و المروّة، و هو أنّ مخالفة التقوى يوجب الفسق، بخلاف مخالفة المروّة، فإنّها توجب زوال العدالة دون الفسق، ففاقد المروّة إذا كانت فيه ملكة اجتناب الكبائر، واسطة بين العادل و الفاسق.

و من جميع ما ذكرنا يظهر ما في كلام بعض سادة مشايخنا (5)، حيث إنّه بعد ما أثبت اعتبار المروة بالفقرة الثالثة المتقدمة من الصحيحة قال: بقي الكلام في أنّ منافيات المروّة هل توجب الفسق بمجرّدها كالكبائر؟ أو بشرط الإصرار أو الإكثار كالصغائر؟ أو تفصيل بين مثل تقبيل الزوجة في المحاضر و بين مثل

____________

(1) كذا في «ش» و لكن في «د» و النسخ الأخرى: تكرره.

(2) كذا في «ص» و «ع» و «ش»، و في غيرهما: من.

(3) كذا في النسخ.

(4) كذا في جميع النسخ سوى نسخة «ص» فانّ فيها «منافياتها مثل الأكل» و الظاهر أنه الصحيح.

(5) لم نقف عليه.

24

الأكل في الأسواق؟ و هذا هو المختار. ثمّ استشهد بكلام جماعة ممّن قيّد الأكل في السوق بالغلبة أو الدوام.

و يمكن تأويل أوّل كلامه بأنّ المراد من الفسق: مجرّد عدم العدالة، دون الفسق المتكرّر في كلام الشارع و المتشرّعة، لكنّه بعيد.

و أبعد منه: توجيه كلامه فيما ذكره من الوجوه الثلاثة في زوال العدالة بمنافيات المروّة، بأنّ المراد ما ينافيها بحسب الأعمّ من المرّة (1) و الإكثار، و معناه أنّ ما ينافي المروّة بجنسه هل يزيل العدالة بمجرّده أو بشرط الإكثار؟ و هو كما ترى!.

ثمّ إنّه قد تلخّص ممّا ذكرنا من أوّل المسألة إلى هنا أنّ الأقوى- الّذي عليه معظم القدماء و المتأخّرين-: هو كون العدالة عبارة عن صفة نفسانيّة توجب التقوى و المروّة أو التقوى فقط- على ما قوّيناه.

و عرفت (2) أيضا أنّ القول بأنّها عبارة عن «الإسلام و عدم ظهور الفسق» غير ظاهر من كلام أحد من علمائنا و ان كان ربّما نسب إلى بعضهم (3)، كما عرفت، و عرفت ما فيه (4).

و كذلك القول بأنّها عبارة عن «حسن الظاهر» غير مصرّح به في كلام أحد من علمائنا، و إن نسبه بعض متأخّري المتأخّرين إلى كثير، بل إلى الكلّ (5).

و كيف كان: فالمتّبع هو الدليل و إن لم يذهب اليه إلّا قليل، و قد عرفت الأدلّة.

____________

(1) في «د» و سائر النسخ المطبوعة سوى «ش» و «ج»: المروّة و هو تصحيف.

(2) في الصفحة 8.

(3) هو ابن الجنيد راجع الصفحة 8.

(4) راجع الصفحة 8.

(5) لم نقف عليه.

25

[ما أورد على القول بالملكة]

بقي الكلام فيما أورد على القول بالملكة و هي وجوه:

منها:

ما ذكره المولى الأعظم وحيد عصره في شرح المفاتيح- على ما حكاه عنه بعض الأجلّة (1)- من أنّ حصول الملكة بالنسبة إلى كلّ المعاصي بمعنى صعوبة الصدور لا استحالته، فربّما يكون نادرا بالنسبة إلى نادر من الناس- إن فرض تحقّقه- و يعلم أنّ العدالة ممّا تعمّ به البلوى و تكثر إليه الحاجات في العبادات و المعاملات و الإيقاعات، فلو كان الأمر كما يقولون لزم الحرج و اختلّ النظام، مع أنّ القطع حاصل بأنّه في زمان الرسول (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم) و الأئمّة (عليهم السلام) ما كان الأمر على هذا النهج، بل من تتبّع الأخبار الكثيرة يحصل القطع بأنّ الأمر لم يكن كما ذكروه في الشاهد، و لا في إمام الجماعة.

و يؤيّده ما ورد (2) في أنّ إمام الصلاة إذا أحدث، أو حدث له مانع آخر، أخذ بيد آخر و أقامه مقامه (انتهى).

____________

(1) لم نقف عليه.

(2) انظر الوسائل 5: 474 الباب 72 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2.

26

و قال السيّد الصدر في شرح الوافية- بعد ما حكى عن المتأخّرين أنّ العدالة «هي الملكة الباعثة على التقوى و المروّة»- ما لفظه: أمّا كون هذه الملكة عدالة فلا ريب فيه، لأنّ الوسط بين البلادة و الجربزة تسمّى: حكمة، و بين إفراط الشهوة و تفريطها هي: العفّة، و بين الظلم و الانظلام هي: الشجاعة، فإذا اعتدلت هذه القوى حصلت كيفيّة وحدانيّة شبيهة بالمزاج، كأنّها تحصل من الفعل و الانفعال بين طرفي هذه القوى، و انكسار سورة كلّ واحدة منها، و بعد حصولها يلزمها التقوى و المروّة.

و أمّا اشتراط تحقّق هذا [المبنى بهذا] (1) المعنى، حيث اعتبر الشارع العدالة، فلم أطّلع على دليل ظنّي لهم، فضلا عن القطعيّ، و صحيحة ابن أبي يعفور (2) عليهم لا لهم- كما قيل-، نعم: لا يحصل لنا الاطمئنان التامّ في اجتناب الذنب في الواقع إلّا فيمن يعلم أو يظنّ حصول تلك الملكة فيه، و هذا يقرّب اعتبارها، و لكن يبعّده أنّ هذه الصفة الحميدة تكون في الأوحديّ الّذي لا يسمح (3) الدهر بمثله إلّا نادرا، لأنّ التعديل المذكور يحتاج إلى مجاهدات شاقّة مع تأييد ربّاني، و الاحتياج إلى العدالة عامّ لازم في كلّ طائفة من كلّ فرقة من سكّان البرّ و البحر حفظا لنظام الشرع.

ثمّ قال: لا يقال إنّ الشارع و إن اعتبر الملكة، و لكنّه جعل حسن الظاهر مع عدم عثور الحاكم أو المأموم على فعل الكبيرة و الإصرار على الصغيرة علامة لها، و هذا يحصل في أكثر الناس.

لأنّا نقول: إن اعتبر القائل بالملكة فيما يعرف به العدالة هذا الّذي قلت،

____________

(1) ما بين المعقوفتين ليس في «د» و «ج».

(2) الوسائل 18: 288 الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث الأوّل.

(3) أثبتناه من المصدر، في المخطوطة و سائر النسخ: «لا يسمع».

27

فلا ثمرة للنزاع في أنّ العدالة ما ذا؟ (انتهى موضوع الحاجة) (1).

و الجواب عن ذلك كلّه: أنّا لا نعني بقولنا: «العدالة هيئة راسخة» أو «ملكة» أو «هيئة نفسانيّة» إلّا الصفة النفسانية الحاصلة من خشية اللّٰه بحيث يردعه عن المعصية.

توضيح ذلك: أنّ ترك المعاصي قد يكون لعدم الابتلاء بها، و قد يكون مع الابتلاء بالمعصية للدواعي النفسانيّة لا لخوف اللّٰه، و قد يكون لحالة خوف حاصلة فيه على سبيل الاتّفاق تمنعه عن الإقدام على المعصية، حتّى أنّه إذا ترك في زمان طويل معاصي كثيرة ابتلي بها، كان الترك في كلّ مرّة مستندا إلى حالة اتّفقت له في ذلك الزمان، و قد يكون ترك المعاصي لحالة واحدة مستمرّة في الزمان الّذي يبتلى فيه بالمعاصي.

و هذا الرابع هو المقصود من «الصفة النفسانيّة» أو «الصفة الراسخة» في مقابل «الغير الراسخة»- الموجودة في الثالث.

قال العلّامة في نهاية الأصول (2)- على ما حكي عنه- في بيان طرق معرفة العدالة: الأوّل: الاختبار بالصحبة المتأكّدة و الملازمة، بحيث يظهر له أحواله و يطّلع على سريرة أمره بتكرار المعاشرة، حتّى يظهر له من القرائن ما يستدلّ به على خوف في قلبه مانع عن الكذب و الإقدام على المعصية (انتهى).

ثمّ إنّ العبرة بكون تلك الحالة باعثة هو الحال المتعارف للإنسان، دون حالة كماله، فقد تعرض للشخص حالة كأنّه لا يملك من نفسه مخالفة الشهوة أو الغضب، لقوّة قهر القوّة الشهويّة أو الغضبيّة و غلبتهما، و عليه يحمل ما حكي عن المقدّس الأردبيلي (3): من أنّه سئل عن نفسه إذا ابتليت بامرأة مع استجماع

____________

(1) الكتاب مخطوط، و قد طابقه المنقول مع اختلاف يسير.

(2) مخطوط.

(3) حكاه صاحب الجواهر 13: 296.

28

جميع ماله دخل في رغبة النفس إلى الزنا؟ فلم يجب (قدّس سرّه) بعدم الفعل، بل قال:

«أسأل اللّٰه أن لا يبتليني بذلك» فإنّ عدم الوثوق بالنفس في مثل هذه الفروض الخارجة عن المتعارف لا يوجب عدم الملكة فيه، إذ مراتب الملكة في القوّة و الضعف متفاوتة، يتلو آخرها: العصمة، و المعتبر في العدالة أدنى المراتب، و هي الحالة الّتي يجد الإنسان بها مدافعة الهوى في أوّل الأمر و إن صارت مغلوبة بعد ذلك، و من هنا تصدر الكبيرة عن ذي الملكة كثيرا.

و كيف كان: فالحالة المذكورة غير عزيزة في الناس [و] ليس في الندرة على ما ذكره الوحيد البهبهاني (1) بحيث يلزم من اشتراطه و إلغاء ما عداه، اختلال النظام.

و كيف يخفى على هؤلاء ذلك حتّى يعتبروا في العدالة شيئا، يلزم منه- بحكم الوجدان- ما هو بديهيّ البطلان؟ إذ المفروض أنّه لاخفاء في الملازمة و لا في بطلان اللازم- و هو الاختلال- بل الإنصاف أنّ الاقتصار على ما دون هذه المرتبة يوجب تضييع حقوق اللّٰه و حقوق الناس و كيف يحصل الوثوق في الإقدام على ما أناطه الشارع بالعدالة لمن لا يظنّ فيه ملكة ترك الكذب و الخيانة، فيمضي قوله في دين الخلق و دنياهم من الأنفس و الأموال و الأعراض، و يمضي فعله على الأيتام و الغيّب (2) و الفقراء و السادة (3).

قال بعض السادة: أنّ الشريعة المنيعة الّتي منعت من إجراء الحدّ على من أقرّ على نفسه بالزنا مرّة بل ثلاثا كيف يحكم بقتل النفوس و اهراقهم (4) و قطع أياديهم و حبسهم و أخذ أموالهم، و أرواحهم بمجرّد شهادة من يجهل حاله من دون

____________

(1) راجع الصفحة 25.

(2) الغيّب: جمع غائب (المعجم الوسيط: 2 مادة: غيب).

(3) المراد ظاهرا: السذج من الناس.

(4) كذا في النسخ، إلّا انها في «د»: إحراقهم،.

29

اختبار.

و أمّا ما ذكره السيّد الصدر (1):- من كون الملكة عبارة عن تعديل القوى الثلاث: قوّة الإدراك، و قوّة الغضب، و قوّة الشهوة، و أنّ العدالة تتوقّف على الحكمة و العفّة و الشجاعة- فلا أظنّ أنّ الفقهاء يلتزمون ذلك في العدالة، كيف، و ظاهر تعريفهم لها بالحالة النفسانية ينطبق على الحالة الّتي ذكرناها و هي الموجودة في كثير من الناس.

و دعوى: أنّ إدخالهم المروّة في مدخول (2) الملكة و جعلهم العدالة هي الملكة الجامعة بين البعث على التقوى و البعث على المروّة ظاهر في اعتبار أزيد من الحالة النفسانيّة المذكورة الّتي ذكرنا أنّها تنشأ من خشية اللّٰه تعالى، فإنّ هذه الحالة لا تبعث إلّا على مجانبة الكبائر و الإصرار على الصغائر، و لا تبعث على مراعاة المروّة مدفوعة:

أوّلا: بما عرفت (3) من أنّ الأقوى خروج المروّة عن مفهوم العدالة.

و ثانيا: أنّ اعتبار الملكة الجامعة بين البعث على التقوى و المروّة غير ما ذكره السيّد أيضا، لأنّ المراد منها: الاستحياء و التعفّف فيما بينه و بين اللّٰه و بين الناس، و هذا أيضا كثير الوجود في الناس، بل الاستحياء عن الخلق موجود في أكثر الخلق، فكما أنّ علماء الأخلاق عبّروا عن تعديل القوى الثلاث بالعدالة فكذلك الفقهاء عبّروا عن الاستحياء عن الخالق و المخلوق بالعدالة، لأنّها استقامة على جادّتي الشرع و العرف، و خلافه خروج عن إحدى الجادّتين.

____________

(1) راجع الصفحة 26.

(2) كذا في النسخ، و الظاهر: مدلول.

(3) راجع صفحة 19.

30

هذا مع أنّ جعل حسن الظاهر، بل مطلق الظنّ طريقا إلى هذه الصفة، أوجب تسهيل الأمر في الغاية حتّى كاد لا يرى ثمرة لجعل العدالة هي الملكة، كما تقدّم من السيّد الصدر (1)، فكيف يتفاوت الأمر في اختلال النظام و استقامته بين جعلها «حسن الظاهر» و بين جعلها «الملكة» و جعل حسن الظاهر طريقا إليها؟.

و منها

(2): أنّ الحكم بزوال العدالة عند عروض ما ينافيها من معصية أو خلاف مروّة و رجوعها بمجرّد التوبة، ينافي كون العدالة هي الملكة.

و ما يقال في الجواب: من أنّ الملكة لا تزول بمخالفة مقتضاها في بعض الأحيان، إلّا أنّ الشارع جعل الأثر المخالف لمقتضاها مزيلا لحكمها بالإجماع، و جعل التوبة رافعة لهذا المزيل، فالأمر تعبّدي.

ففيه: أنّه مخالف لتصريحهم بالزوال و العود.

و الجواب: ما تقدّم من أنّ العدالة ليست عندهم هي الملكة المقتضية للتقوى و المروّة، المجامعة لما يمنع عن مقتضاها، لأنّ قولهم: «ملكة تبعث» أو «تمنع» يراد بها البعث و المنع الفعلي. و يدلّ عليه ما مرّ عن نكت الإرشاد (3) على أظهر احتماليه، فالملكة إذا لم يكن معها المنع الفعلي ليست عدالة.

و لو أبيت إلّا عن ظهور عبائرهم في كون العدالة هي الملكة المقتضية لا بقيد الخلوّ عن المعارض و المانع، فيكفي في إرادة الملكة المقتضية الخالية عن المانع تصريح نفس أرباب الملكة- كغيرهم- بأنّ نفس العدالة تزول بمواقعة الكبائر، و لذا ذكرنا أنّه لا قائل بكون العدالة مجرّد الملكة من غير اعتبار للمنع الفعلي.

و أمّا التوبة فهي إنّما ترفع حكم المعصية و تجعلها كغير الواقع في الحكم،

____________

(1) راجع الصفحة 26.

(2) أي مما ورد على القول بالملكة.

(3) راجع الصفحة 19.

31

فزوال العدالة بالكبيرة حقيقي، و عودها بالتوبة تعبّدي، بل سيجيء (1) أنّ الندم على المعصية عقيب صدورها، يعيد الحالة السابقة و هي الملكة المتّصفة بالمنع، إذ لا فرق حقيقة بين من تمنعه ملكته عن ارتكاب المعصية و بين من توجب عليه تلك الملكة الندم على ما مضى منه، فحالة الندم بعينها هي الحالة المانعة فعلا، لأنّ الشخص حين الندم على المعصية، من حيث إنّها معصية- كما هو معنى التوبة- يمتنع صدور المعصية منه، فالشخص النادم متّصف بالملكة المانعة فعلا، بخلاف من لم يندم، فتأمّل.

و منها:

أنّ ما اشتهر بينهم أنّ تقديم الجارح على المعدّل- عند التعارض- لا يتأتّى إلّا على القول بأنّ العدالة هي «حسن الظاهر» و أمّا على القول بأنّه «الملكة» فلا يتّجه، لأنّ المعدّل إنّما ينطق عن علم حصل له بعد طول المعاشرة و الاختبار، أو بعد الجهد في تتبّع الآثار، فيبعد صدور الخطأ منه، و يرشد إلى ذلك تعليلهم تقديم الجرح بأنّا إذا أخذنا بقول الجارح فقد صدّقناه و صدّقنا المعدّل، لأنّه لا مانع من وقوع ما يوجب الجرح و التعديل بأنّ يكون كلّ منهما اطّلع على ما يوجب أحدهما: و أنت خبير بأنّ المعدّل- على القول بالملكة- إنّما يخبر عن علم بالملكة و ما هو عليه في نفس الأمر و الواقع، ففي تقديم الجرح حينئذ و تصديقهما معا جمع بين النقيضين، فتأمّل.

و الجواب أنّ عدم الكبيرة مأخوذ في العدالة إجماعا على ما تقدّم (2) إمّا لكونه قيدا للملكة على ما اخترناه، و إمّا لأخذه في العدالة بدليل الإجماع و النصّ، كيف! و لو لم يكن مأخوذة لم يكن الجارح معارضا له أصلا.

و كيف كان: فاعتماد المعدّل على هذا الأمر العدمي المأخوذ في تحقّق

____________

(1) في الصفحة 50 و 51.

(2) في الصفحة 10.

32

العدالة ليس إلّا على أصالة العدم، أو أصالة الصحّة، أو قيام الإجماع على أنّ العلم بالملكة المجرّدة طريق ظاهريّ للحكم بتحقّق ذلك الأمر العدمي.

و الحاصل: أنّ الإجماع منعقد- بل النصّ (1)- على أنّه يكفي في الشهادة على العدالة بعد العلم بالملكة أو حسن الظاهر- على الخلاف في معناها- عدم العلم بصدور الكبيرة عنه، و لا يعتبر علمه أو ظنّه بأنّه لم يصدر عنه كبيرة إلى زمان أداء الشهادة.

و على هذا فأحد جزأي الشهادة- و هو تحقّق ذلك الأمر العدمي- ثابت بالطريق الظاهري، و هو مستند شهادته، و من المعلوم أنّ شهادة الجارح حاكمة على هذا الطريق الظاهري، فإنّ تعارضهما إنّما هو باعتبار تحقّق هذا الأمر العدمي و عدم تحقّقه، و إلّا فلعلّ الجارح أيضا لا ينكر الملكة، بل يعترف بها في متن الشهادة.

فالمقام على ما اخترناه- من أخذ الاجتناب عن الكبيرة قيدا للملكة- نظير شهادة إحدى البيّنتين على أنّه ملكه قد اشتراه من المدّعي، تعويلا على أصالة صحّة الشراء، و شهادة البيّنة الأخرى أنّه ملك للآخر مستندا الى فساد ذلك الشراء لوجود مانع من موانع الصحّة. و على القول بكونه مزيلا للعدالة بالدليل الخارجي يكون نظير شهادة إحداهما بملكه لأحدهما، و شهادة الأخرى بانتقاله عنه إلى الآخر.

و كيف كان: فالمعدّل يقول: «إنّه ذو ملكة لم أطّلع على صدور كبيرة منه» و الجارح يقول: «قد اطّلعت على صدور المعصية الفلانية [منه] (2)» فشهادة المعدّل مركّبة من أمر وجوديّ و عدمي، و شهادة الجارح (3) يدلّ على انتفاء ذلك الأمر

____________

(1) انظر الوسائل 18: 292 الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 13.

(2) الزيادة اقتضاها السياق.

(3) كذا في «ص» و في سائر النسخ: الجرح.

33

العدمي، فالتعارض إنّما هو في الجزء الأخير، و من المعلوم كونهما من قبيل النافي و المثبت.

نعم: لو اعتبرنا في التعديل الظنّ بعدم صدور الكبيرة، كان التعارض على وجه لا يمكن الجمع، فلا بدّ إمّا من ترجيح الجارح لاستناده إلى القطع الحسّي بخلاف المعدّل فإنّه مستند إلى الظنّ الحدسيّ، و إمّا من التوقّف عن الحكم بالعدالة و الفسق و الرجوع إلى الأصل.

كما أنّه لو اعتبر في التعديل العلم أو الظنّ بكون الشخص بحيث لو فرض صدور كبيرة عنه بادر إلى التوبة- البتّة-، كان المناسب تقديم المعدّل لأنّ غاية الجرح صدور المعصية لكن المعدّل يظنّ أو يعلم بصدور التوبة عقيب المعصية على فرض صدورها، فكأنّ الجارح مستند في تفسيقه إلى صدور الكبيرة و عدم العلم بالمزيل و هي التوبة، و المعدّل و إن لم يشهد بعدم صدور المعصية إلّا أنّه يشهد بالتوبة على فرض صدور المعصية.

و منها:

ما ذكره في مفتاح الكرامة: من إطباق الأصحاب- إلّا السيّد و الإسكافي- على صحّة صلاة من صلّى خلف من تبيّن كفره أو فسقه (1)، و به نطقت الأخبار (2).

أقول: لم أفهم وجه منافاة هذا الحكم لكون العدالة هي «الملكة» دون «حسن الظاهر». و لم لا يجوز أن يكون العدالة كالإسلام أمرا واقعيّا يستدلّ عليه بالآثار الظاهرة و يعتمد فيه عليها، فإذا تبيّن الخطأ بعد ترتيب الأثر يحكم الشارع بمضيّ تلك الآثار و عدم انتقاضها؟.

فإن قلت: مقتضى ظهور الأدلّة في كون العدالة شرطا واقعيّا بانضمام ما

____________

(1) مفتاح الكرامة 3: 482.

(2) انظر الوسائل 5: 435 الباب 37 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1 و 2.

34

دلّ على صحّة الصلاة مع ثبوت الفسق، أن يكون العدالة أمرا ظاهريّا غير قابل لانكشاف الخلاف لا الملكة الواقعيّة، و إلّا وجب إمّا صرف أدلّة اشتراط تحقّقها في الواقع عن ظاهرها و جعلها من الشروط العلمية، و إمّا إبقاؤها على ظاهرها من كونها شرطا واقعيا، و صرف أدلّة كون العدالة الواقعية شرطا في صحّة الصلاة الخالية عن الفاتحة و غيرها- من خواصّ المنفرد- إلى كونها شرطا علميّا، و كلاهما مخالفان للأصل.

قلت: أوّلا: إنّه قد تقدّم (1) أنّه لا يمكن أن يكون العدالة أمرا ظاهريّا- مثل حسن الظاهر و نحوه- مع كون الفسق أمرا واقعيّا، و إلّا خرجا عن التضادّ، لاجتماعهما حينئذ في من حسن ظاهره و فرض فاسقا في الواقع، مع أنّ تضادّهما من بديهيّات العرف، فإنّهم لا يحكمون بحدوث الفسق من حين الاطّلاع على قبح الإمام، بل يقولون: «إنّه تبيّن فسقه» و لذا عبّروا في المسألة المتقدّمة بقولهم: إذا تبيّن فسق الإمام.

و ثانيا: أنّه لو سلّمنا إمكان تعقّله من كون نفس العدالة الواقعيّة حسن الظاهر و إن فرض فسقه واقعا، لكن نقول: إنّ الحكم بالصحّة لا يدلّ على عدم كونها هي الملكة و لو بضميمة ظهور أدلّة اشتراطها في كونها شرطا واقعيّا، لأنّ الدليل على اشتراط العدالة إمّا الإجماع و إمّا الأخبار المتقدّمة:

أمّا الإجماع: فهو إنّما حصل بانضمام فتوى القائلين بالملكة، و معلوم أنّهم يجعلونها شرطا علميّا، نعم: أرباب حسن الظاهر، يجعلونه شرطا واقعيّا. هذا كلّه مع أنّ معقد إجماع المعتبر هو اعتبار ظهور العدالة لا اعتبار نفسها، قال: «ظهور العدالة معتبر عند علمائنا» (2) و ظاهره كونه شرطا علميّا عند الكلّ، و هذا الكلام

____________

(1) في الصفحة 8 و 9.

(2) المعتبر 2: 307، و فيه: و لنا أنّ ظهور العدالة شرط فلا تصح مع الشرك.

35

من المحقّق يدلّ أنّ العدالة عنده أمر واقعيّ، قد يظهر و قد لا يظهر، و لا ينطبق إلّا على «الملكة» و حينئذ فيصير عنده و عند غيره شرطا واقعيّا.

و أمّا الأخبار: فما دلّ منها [على اعتبار الوثوق بالدين، فدلالته على كون العدالة شرطا علميّا واضحة، و الدالّ منها] (1) على اعتبار مفهوم العدالة ظاهر في صورة العلم، إذ ليس فيها إلّا أنّه إذا كان الإمام عادلا فافعل (2) كذا، فلا حظ و تأمّل.

[مع أنّ صحة صلاة المأموم ليست اجماعيّة، فقد خالف السيّد المرتضى في المسألة بناء على أنّ العدالة شرط واقعيّ تبيّن انتفاؤها (3) و احتجّ القائل بالصحّة، بأنّها صلاة مشروعة في ظاهر الحكم، فهي مجزية] (4).

ثمّ إنّك قد عرفت غير مرّة أنّ القول بأنّ العدالة «نفس ظهور الإسلام و عدم ظهور الفسق» مع كونه غير معقول- كما عرفت-، غير مصرّح في كلام أحد، بل و لا ظاهر و لا مومئ إليه. نعم، يظهر من المحكي عن بعض كلمات جماعة: الاكتفاء في ثبوتها بالإسلام، و عدم ظهور الفسق.

و كذلك كون العدالة «نفس حسن الظاهر» غير معقول،

لما عرفت من بداهة مضادّتها مع الفسق المجامع لحسن الظاهر، و الشيء يمتنع أن يفسّر بما يجامع ضدّه، و مع ذلك فهو غير مصرّح به في كلام أحد من المتقدّمين و ان دارت حكايته عنهم في ألسنة بعض المتأخّرين (5).

____________

(1) ما بين المعقوفتين من «د».

(2) كذا في «د»، و لكن في سائر النسخ: فعل.

(3) لم نقف عليه.

(4) ما بين المعقوفتين من المخطوطة.

(5) منهم صاحب مفتاح الكرامة في كتاب الصلاة 3: 82 و صاحب الذخيرة: 305.

36

و حيث إنّه حكي هذا القول عن خصوص بعض القدماء بأسمائهم، فلا بأس أن نشير إلى عدم مطابقة هذه الحكاية للواقع بالنسبة إلى من وصل إلينا كلماتهم.

فممّن حكي عنه هذا القول: المفيد- في المقنعة-، حيث ذكر أنّ العدل «من كان معروفا بالدين و الورع عن محارم اللّٰه» (1).

و لا يخفى أنّ ظاهر هذا الكلام و إن كان تفسير العدل الواقعي بمن عرف بالدين و الورع، لا من اتّصف بهما في نفس الأمر، لكن لا يخفى أنّ تحقّق الدين في نفس الأمر معتبر في العدالة اتّفاقا حتّى ممّن قال بأنّ العدالة هي «الإسلام مع عدم ظهور الفسق» و الكلام إنّما هو في الورع عن المحارم و أنّه معتبر في الواقع أو في الظاهر، أي: فيما يظهر للناس في أحواله، فلا بدّ من أن يراد من العبارة:

تفسير العدل المعلوم عدالته، لأنّه الّذي يترتّب عليه الأحكام، دون العدل النفس الأمري مع قطع النظر عن كونه معلوما، فكأنّه قال: «العدل المعروف عدالته من كان معروفا بالدين و الورع» فالعدل الواقعي من له دين و ورع في الواقع، و العدل المعروف بهذه الصفة من كان معروفا بالدين و الورع.

نعم: لو التزم أحد أنّ الإسلام الواقعيّ أيضا غير معتبر في العدالة الواقعيّة، كان العدالة عنده: حسن الظاهر من حيث الدين و الورع، لكنّ الظاهر من حكاية هذا القول هو إلغاء الواقع و نفس الأمر بالنسبة إلى الورع لا الدين.

و ممّن حكي عنه هذا القول الشيخ في النّهاية (2)، حيث ذكر «أنّ العدل الّذي يقبل شهادته: من كان ظاهره ظاهر الإيمان، ثمّ يعرف بالستر و العفاف».

____________

(1) المقنعة: 725.

(2) النهاية: 325.

37

فظاهره إرادة معلوم العدالة، كما لا يخفى.

و ممّا ذكر يعلم حال حكاية هذا القول عن القاضي (1) حيث اعتبر في العدالة «الستر و العفاف» و حال حكايته عن التقيّ (2) حيث اعتبر فيها «اجتناب القبائح» الّذي هو أمر واقعيّ، و حال عبارة الجامع (3) حيث اعتبر فيها «التعفّف و اجتناب القبائح» و لا يحضرني كلام غيرهم.

و بالجملة: فالقول المذكور بظاهره غير ظاهر من كلام أحد من القدماء، و سيأتي غاية ما يمكن أن يوجّه به هذا القول (4).

هذا كلّه، مضافا إلى أنّ مجرّد وجود القائل لا يثبت القول، بل لا بدّ له من الدليل، و لم نجد في الأدلّة ما يدلّ على كون العدالة الّتي هي ضدّ الفسق «مجرّد حسن الظاهر» و إن استدلّ له بعض متأخّري المتأخّرين (5) بأخبار، هي بين ظاهر في اشتراط قبول الشهادة بالصّفة الواقعيّة الّتي لا دخل لظهورها في تحقّقها و إن كان لظهورها دخل في ترتيب أحكامها- كما هو شأن كلّ صفة باطنيّة واقعيّة من الشجاعة و الكرم، بل العصمة و النبوّة و نحوهما- مثل قوله (عليه السلام): «لا بأس بشهادة الضيف إذا كان عفيفا صائنا» (6).

و: «لا بأس بشهادة المكاري و الجمّال و الملّاح إذا كانوا صلحاء» (7).

و ما ورد في تفسير العسكري (عليه السلام) (8) من أنّه: «إذا كان الرجل (9) صالحا

____________

(1) المهذّب 2: 556.

(2) الكافي في الفقه: 435.

(3) الجامع للشرائع: 538.

(4) في الصفحة 39 و 40.

(5) لم نقف عليه.

(6) الوسائل 18: 274 الباب 29 من أبواب الشهادات، الحديث 3.

(7) الوسائل 18: 280 الباب 34 من أبواب الشهادات، الحديث الأول مع اختلاف يسير.

(8) التفسير المنسوب الى الامام العسكري (عليه السلام): 672.

(9) ليس في المصدر: الرجل.

38

عفيفا، مميّزا، محصّلا، مجانبا للمعصية و الهوى، و الميل و المخائل (1)، فذلك (2) الرجل الفاضل».

و صحيحة ابن أبي يعفور الّتي قد عرفت دلالتها (3).

و بين ظاهر في أنّ حسن الظاهر يوجب الحكم على الشخص بالعدالة و قبول الشهادة، فهو طريق إليها لأنفسها، مثل قوله (عليه السلام): «من عامل الناس فلم يظلمهم، و حدّثهم فلم يكذبهم، و وعدهم فلم يخلفهم، فهو ممّن حرمت غيبته و كملت مروّته و ظهرت عدالته و وجبت أخوّته» (4).

و قوله: «من صلّى الخمس في الجماعة، فظنّوا به كلّ خير» (5).

و ما ورد في قبول شهادة القابلة في استهلال الصبيّ- إذا سئل عنها فعدّلت (6).

و ما ورد: «أنّ الشاهد إذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت شهادته و لا يسأل عن باطنه» (7).

و في قبول شهادة المسلم «إذا كان يعرف منه خير» (8).

و أنّه «لا تصلّ إلّا خلف من تثق بدينه و أمانته» (9).

و غير ذلك ممّا دلّ على ترتّب أثر العدالة على حسن الظاهر.

و هذا شيء لا ينكره أهل الملكة، فإنّهم يجعلونه طريقا، كما هو ظاهر قوله

____________

(1) في المصدر: التحامل.

(2) في المصدر: فذلكم.

(3) في الصفحة 11 و 12.

(4) الوسائل 18: 293 الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 15.

(5) الفقيه 1: 376 الحديث 1093 و فيه: الصلوات الخمس.

(6) الوسائل 18: 293 الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 17.

(7) الوسائل 18: 290 الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 3 و فيه: فإذا كان ظاهر الرجل ظاهرا ..

(8) الوسائل 18: 291 الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 8.

(9) الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا (عليه السلام): 144.

39

(عليه السلام) في صحيحة ابن أبي يعفور- بعد تفسير العدالة بما هو ظاهر في اعتبار الصفة النفسانيّة-: «و الدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساترا لعيوبه» (1).

و من هذه الصحيحة و نحوها- مثل قوله: «ظهرت عدالته»- يظهر اندفاع ما يقال: من أنّ ظاهر اشتراط قبول الشهادة بحسن الظاهر- كما دلّت عليه تلك الأخبار بضميمة ما دلّ على اشتراطه بالعدالة- هو اتّحاد العدالة و حسن الظاهر، للإجماع على عدم كونهما شرطين متغايرين، فكون حسن الظاهر طريقا إلى العدالة خلاف ظاهر الاتّحاد، كما إذا ورد أنّه «يشترط في الشاهد العدالة» و ورد أيضا «يشترط فيه حسن الظاهر» فحينئذ يجعل العدالة عبارة عن الاستقامة الظاهريّة الّتي عليها الإنسان في ظاهر حاله.

فإن قلت: إن أراد أهل الملكة من كون حسن الظاهر طريقا، كونه طريقا يعتبر فيها إفادة الظنّ بالملكة أو عدم الظنّ بعدمها، فهو مخالف لظاهر الأخبار المتقدّمة بل صريح بعضها، مثل قوله: «إذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت شهادته و لا يسأل عن باطنه» (2) فإنّه في قوّة قوله: «و لا يلتفت إلى باطنه» نظير قوله (عليه السلام)- في لحوم أسواق المسلمين-: «كلّ و لا تسأل» (3) و مثل قوله: «فظنّوا به كلّ خير» (4) حيث إنّ الأمر بالظنّ- مع أنّه غير مقدور- راجع إلى ترتيب آثار الظنّ و إن لم يحصل هو. و قوله (عليه السلام): «ظهرت عدالته» (5) الظاهر في وجوب التعبّد بعدالة ذلك الشخص. و قوله (عليه السلام): «من لم تره بعينك يرتكب معصية

____________

(1) الوسائل 18: 288 الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث الأوّل.

(2) الوسائل 18: 290 الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 3.

(3) الوسائل 16: 294 الباب 29 من كتاب الصيد و الذّبائح، الحديث الأوّل.

(4) الفقيه 1: 376، الحديث 1093.

(5) الوسائل 18: 293 الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 15.

40

[و لم يشهد عليه شاهدان] (1) فهو من أهل العدالة و الستر» (2) و غير ذلك.

و إن أرادوا أنّه طريق تعبّدي بمعنى أنّه يحكم بجميع أحكام العدالة عند الاطّلاع على حسن الظاهر، فيكون حسن الظاهر عدلا شرعا- كما أنّ مستصحب العدالة عدل شرعا- انتفت الثمرة بين القولين، بل التحقيق أنّه لا تغاير بينهما، بناء على أن يراد من جعل العدالة «حسن الظاهر» كون حسن الظاهر عدالة شرعا، كما أنّ الحالة المسبوقة بالعدالة المشكوك في زوالها عدالة شرعا، فقولهم: «العدل من كان معروفا بكذا» نظير قولهم: «المسلم من أظهر الشهادتين» فالمراد بالعدالة المفسّرة عندهم بحسن الظاهر هي العدالة الظاهريّة، لأنّها هي الّتي يترتّب عليها الآثار دون الواقعيّة مع قطع النظر عن تعلّق العلم بها، لأنّها لا تفيد شيئا، بل يعامل معها معاملة عدمها.

و الحاصل: أنّ أرباب القول بحسن الظاهر لا ينكرون كون العدالة هي الاستقامة الواقعيّة المسبّبة عن الملكة، أو مجرّد الاستقامة على طريق الحقّ من فعل الواجبات و ترك المحرّمات و لو من دون الملكة- على الاختلاف المتقدّم، المستفاد من كلمات الأصحاب- إلّا أنّهم جعلوا استقامة الظاهر طريقا تعبّديا إلى ذلك المعنى الواقعيّ بحيث كأنّها صارت موضوعا مستقلّا لا يلاحظ فيها الطريقيّة، و لا يلتفت إلى ذي الطريق، فيستحق إطلاق اسم ذي الطريق عليه، كما يظهر (3) [من ملاحظة إطلاق] (4) أسامي جميع الموضوعات الواقعيّة- كالملكية و الزوجيّة و الطهارة و النجاسة و القبلة و الوقت و غيرها- على مؤدّيات الطرق الظاهريّة، كالاستصحاب و أصالة الصحّة.

____________

(1) الزيادة من المصدر و سيأتي نقل الشيخ (قدّس سرّه) هذا الحديث مع لهذه الزيادة في صفحة 66.

(2) الوسائل 18: 292 الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 13 مع اختلاف يسير.

(3) في «ج» و «د»: يطلق.

(4) ما بين المعقوفتين من «ش».

41

قلت، أوّلا: إنّه سيجيء (1) في بيان طرق العدالة أنّه يعتبر في حسن الظاهر إفادته الظنّ بالملكة، و أنّ ما ذكر من الأخبار لا ينهض على إثبات كونه من الطرق التعبّديّة الّتي لا يلاحظ فيها الظنّ بذي الطريق.

و ثانيا: لو (2) سلّمنا كونه طريقا تعبّديّا كذلك، لكن هذا لا يوجب تفسير «العدالة» بحسن الظاهر- كما هو ظاهر هذا القول- لأنّ مقتضى هذا التفسير عدم ملاحظة الملكة رأسا حتّى مع العلم بعدمها، فضلا عن صورة الظنّ به، و أين هذا من الطريقية؟.

و بالجملة: فهذا القائل إن أراد أنّ «حسن الظاهر» هي العدالة الواقعيّة و لا واقع لها غيره، فهو غير معقول، لما عرفت (3) من اجتماعه مع الفسق الواقعيّ الّذي هو ضدّ العدالة.

و إن أراد أنّ «حسن الظاهر» مع عدم الفسق الواقعيّ هي العدالة، و إن انتفت الملكة في الواقع، فهو و إن كان معقولا، إلّا أنّه خلاف ظاهر ما دلّ على كون العدالة صفة نفسانيّة باطنيّة.

و إن أراد أنّه طريق إليها، فإنّ أراد كونه طريقا تعبّديّا و لو مع الظنّ بعدم الملكة، فلا يساعد عليه ما ادّعي من الإطلاقات، فلا يتعدّى لأجلها عن مقتضى الأصل.

و إن أراد أنّه طريق إليها مع إفادة الظنّ، فمرحبا بالوفاق.

و إن تعدّى عن ذلك إلى صورة الشكّ، فللتأمّل فيه مجال، و الأقوى العدم.

ثمّ إنّه يشكل جعل «حسن الظاهر» ضابطا للعدالة مع عدم إناطته بإفادة الظنّ بالملكة، من جهة أنّ مراتب الظهور مختلفة، لأنّ الظاهر و الباطن إضافيّان،

____________

(1) في الصفحة 64.

(2) أثبتناه من «د».

(3) في الصفحة 38.

42

فالظاهر لأهل البلد باطن بالنسبة إلى غيرهم، و الظاهر لأهل المحلّة باطن بالنسبة إلى باقي أهل البلد، و الظاهر للجيران باطن لباقي أهل المحلّة، و الظاهر لأهل البيت باطن للجيران، و الظاهر لزوجة الشخص باطن لغيرها، و قد يكون السلسلة بالعكس، فلا يظهر لزوجته ما يظهر لغيرها، و لا يظهر لأهل بلده ما يظهر لغيرهم.

و الجواب عنها- بعد تسليم دلالتها و عدم ورودها مورد الغالب من حسن الظنّ (1) بالملكة- معارضتها بما هو أخصّ منها ممّا دلّ على اعتبار الوثاقة بالأمانة و الورع في الإمام و الشاهد، مثل قول الإمام (عليه السلام)- المحكيّ عنه في الفقه الرضوي-: «لا تصلّ إلّا خلف رجلين: أحدهما من تثق بدينه و ورعه و الآخر من تتّقي سيفه و سوطه» (2)، و رواية أبي عليّ ابن راشد: «لا تصلّ إلّا خلف من تثق بدينه و أمانته» (3) و قوله (عليه السلام) في تفسير (4) قوله تعالى مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدٰاءِ (5) (6).

فإن قلت: ما دلّ على كون «حسن الظاهر» طريقا تعبّديا إلى العدالة حاكم على أمثال هذه، نظير أدلّة كون البيّنة طريقا تعبّديّا إليها، مع أنّهم لا يقولون بتقييد أدلّة البيّنة بصورة إفادة الوثوق بالواقع.

قلت: التحقيق في ذلك: أنّ ما دلّ من أخبار «حسن الظاهر» على كونه

____________

(1) كذا في النسخ، و الظاهر: حصول الظن.

(2) الفقه الرضوي: 144.

(3) الوسائل 5: 389 الباب 10 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2.

(4) ليس في «ج» و «ع» و «ص» و «ش»: تفسير.

(5) البقرة: 2- 282.

(6) الوسائل 18: 295 الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 23، و فيه: عن أمير المؤمنين (عليه السلام): في قوله: «ممّن ترضون من الشهداء» قال: ممن ترضون دينه و أمانته و صلاحه و عفّته تيقّظه فيما يشهد به و تحصيله و تمييزه .. الى آخر الحديث.

43

مجوّزا لقبول الشهادة- كرواية يونس (1)- فهو معارض بأدلّة اعتبار الوثوق، و ليس من قبيل الحاكم عليها.

و ما دلّ على أنّ العدالة تتحقّق به ظاهرا: ذيل صحيحة ابن أبي يعفور (2) و رواية علقمة (3) و قوله (عليه السلام): «من عامل الناس .. الخبر» (4) و قوله (عليه السلام):

«من صلّى الخمس في جماعة فظنّوا به كلّ خير» (5). فهو و إن كان حاكما عليها.

لكن يرد على الكلّ- بعد الإغماض عمّا تقدّم في سندها و دلالتها-: أنّ هذه كلّها منصرفة إلى الغالب، و هي صورة إفادة الوثوق بالدين و الأمانة و الورع.

مع أنّ هنا كلاما آخر، و هو أنّه يمكن أن يقال: إنّ ظاهر أدلّة اعتبار الوثوق و الورع اعتباره من باب الموضوعيّة لا من باب الطريقيّة و الكاشفيّة، فإذا كان كذلك فلا ينفع الطريق الغير المفيد للوثوق، و يخصّص به عموم كلّ ما دلّ على اعتبار طريق إلى العدالة و لو كانت بيّنة شرعيّة، فلا يعمل بها إلّا مع اعتبار الوثوق.

لكن الإنصاف أنّ الوثوق إنّما اعتبر في المقام من باب الطريقيّة، نظير اعتبار العلم في كثير من الموضوعات.

____________

(1) الوسائل 18: 290 الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 3.

(2) الوسائل 18: 288 الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث الأول.

(3) الوسائل 18: 292 الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 13.

(4) الوسائل 18: 293 الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 15.

(5) الفقيه 1: 376 الحديث 1093 و فيه: الصلوات الخمس.

44

[طرق إثبات كون المعصية كبيرة]

ثمّ كون المعصية كبيرة يثبت بأمور:

الأوّل: النصّ المعتبر على أنّها كبيرة

، كما ورد في بعض المعاصي، و قد عدّ منها- في الحسن كالصحيح المرويّ عن الرضا (عليه السلام)- من نيّف (1) و ثلاثين، فإنّه كتب إلى المأمون: «من محض الإيمان: اجتناب الكبائر، و هي: قتل النفس الّتي حرّم اللّٰه، و الزنا، و السرقة، و شرب الخمر، و عقوق الوالدين، و الفرار من الزحف، و أكل مال اليتيم ظلما، و أكل الميتة و الدم و لحم الخنزير، و ما أهلّ لغير اللّٰه به من غير ضرورة، و أكل الربا بعد البيّنة، و السحت، و الميسر و هو القمار (2) و البخس في المكيال و الميزان، و قذف المحصنات، و اللواط، و شهادة الزور، و اليأس من روح اللّٰه، و الأمن من مكر اللّٰه، و القنوط من رحمة اللّٰه، و معونة الظالمين و الركون إليهم، و اليمين الغموس، و حبس الحقوق من غير عسرة، و الكذب، و الكبر، و الإسراف و التبذير، و الخيانة، و الاستخفاف بالحجّ، و المحاربة لأولياء اللّٰه، و الاشتغال

____________

(1) كذا في النسخ.

(2) في المصدر: و القمار.

45

بالملاهي، و الإصرار على الذنوب» (1).

الثاني: النصّ المعتبر على أنّها ممّا أوجب اللّٰه عليها النار

- سواء أوعد في الكتاب، أو أخبر النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم) أو الإمام (عليه السلام) بأنّه ممّا يوجب النّار- لدلالة الصحاح المرويّة في الكافي (2) و غيرها على أنّها: ما أوجب اللّٰه عليه النار و لا ينافيه ما دلّ على أنّها ممّا (3) أوعد اللّٰه عليه النار (4) بناء على أنّ إيعاد اللّٰه إنّما هو في كلامه المجيد، فهو مقيّد لإطلاق ما أوجب اللّٰه.

الثالث: النصّ في الكتاب الكريم على ثبوت العقاب عليه بالخصوص

، لا من حيث عموم المعصية، ليشمله قوله تعالى وَ مَنْ يَعْصِ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نٰارَ جَهَنَّمَ (5).

و نحو ذلك ما إذا كشف السنّة عن إيعاد اللّٰه تعالى، مثل قوله (عليه السلام):

«من قال في مؤمن ما رأت عيناه أو سمعت أذناه، فهو من الذين قال اللّٰه تعالى:

الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفٰاحِشَةُ .. إلخ (6) (7).

و الدليل على ثبوت الكبيرة بما ذكر في هذا الوجه صحيحة عبد العظيم ابن عبد اللّٰه الحسني المرويّة في الكافي- عن أبي جعفر الثاني، عن أبيه، عن جدّه (عليه السلام) يقول: دخل عمرو بن عبيد على أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) فلمّا سلّم و جلس تلا هذه الآية الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبٰائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَوٰاحِشَ (8) ثمّ أمسك، فقال له أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): ما أمسك؟ قال: أحبّ أن أعرف الكبائر من كتاب اللّٰه

____________

(1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 127.

(2) الكافي 2: 276 كتاب الايمان و الكفر، الحديث الأول.

(3) في المخطوطة: ما.

(4) الكافي 2: 276 كتاب الايمان و الكفر، الحديث 2.

(5) الجنّ: 23.

(6) الوسائل 8: 598 الباب 152 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 6 مع اختلاف يسير.

(7) النور: 24- 19.

(8) النجم: 53- 32.

46

عزّ و جلّ فقال (عليه السلام): نعم يا عمرو، أكبر الكبائر: الإشراك باللّه، يقول اللّٰه:

مَنْ يُشْرِكْ بِاللّٰهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّٰهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ (1) و بعده اليأس من روح اللّٰه، لأنّ اللّٰه تعالى يقول لٰا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللّٰهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكٰافِرُونَ (2) ثمّ الأمن من مكر اللّٰه، لأنّ اللّٰه عزّ و جلّ يقول فَلٰا يَأْمَنُ مَكْرَ اللّٰهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخٰاسِرُونَ (3) و منها عقوق الوالدين، لأنَّ اللّٰه تعالى جعل العاقّ جبّارا شقيّا في قوله تعالى وَ بَرًّا بِوٰالِدَتِي وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبّٰاراً شَقِيًّا (4) و قتل النفس الّتي حرّم اللّٰه إلّا بالحقّ، لأنّ اللّٰه تعالى يقول فَجَزٰاؤُهُ جَهَنَّمُ خٰالِداً فِيهٰا .. (5) (الآية) و قذف المحصنة، لأنّ اللّٰه تعالى يقول لُعِنُوا فِي الدُّنْيٰا وَ الْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذٰابٌ عَظِيمٌ (6) و أكل مال اليتيم، لأنّ اللّٰه تعالى يقول الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰالَ الْيَتٰامىٰ ظُلْماً إِنَّمٰا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نٰاراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (7) و الفرار من الزحف، لأنّ اللّٰه تعالى يقول وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلّٰا مُتَحَرِّفاً لِقِتٰالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بٰاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللّٰهِ وَ مَأْوٰاهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ (8)، و أكل الربا، لأنّ اللّٰه تعالى يقول الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبٰا لٰا يَقُومُونَ إِلّٰا كَمٰا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطٰانُ مِنَ الْمَسِّ (9) و السحر، لأنّ اللّٰه عزّ و جلّ يقول وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرٰاهُ مٰا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلٰاقٍ (10)

____________

(1) المائدة: 5- 72.

(2) يوسف: 12- 87.

(3) الأعراف: 7- 99.

(4) مريم: 19- 32.

(5) النساء: 4- 93.

(6) النور: 24- 23.

(7) النساء: 4- 10.

(8) الأنفال: 8- 16.

(9) البقرة: 2- 275.

(10) البقرة: 2- 102.

47

و الزنا لأنّ اللّٰه تعالى يقول وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثٰاماً يُضٰاعَفْ لَهُ الْعَذٰابُ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهٰاناً (1) و اليمين الغموس الفاجرة، لأنّ اللّٰه تعالى يقول الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّٰهِ وَ أَيْمٰانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولٰئِكَ لٰا خَلٰاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ (2) و الغلول، لأنّ اللّٰه عزّ و جلّ يقول وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمٰا غَلَّ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ (3) و منع الزكاة المفروضة، لأنّ اللّٰه عزّ و جلّ يقول فَتُكْوىٰ بِهٰا جِبٰاهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ (4) و شهادة الزور و كتمان الشهادة، لأنّ اللّٰه عزّ و جلّ يقول وَ مَنْ يَكْتُمْهٰا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ (5) و شرب الخمر، لأنَّ اللّٰه عزّ و جلّ نهى عنه كما نهى عن عبادة الأوثان، و ترك الصلاة متعمّدا و شيئا ممّا فرضه اللّٰه، لأنّ رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم) قال: «من ترك الصلاة متعمّدا فَقَد بريء من ذمّة اللّٰه و ذمّة رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم)» و نقض العهد و قطيعة الرحم، لأنَّ اللّٰه تعالى يقول أُولٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ الدّٰارِ (6).

قال: فخرج عمرو و له صراخ من بكائه، و هو يقول: هلك من قال برأيه و نازعكم في الفضل و العلم (7).

الرابع: دلالة العقل و النقل على أشدّيّة معصيته ممّا ثبت كونها من الكبيرة أو مساواتها

، كما في قوله تعالى وَ الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ (8)، و في الكذب: «شرّ

____________

(1) الفرقان: 25- 68 و 69.

(2) آل عمران: 3- 77.

(3) آل عمران: 3- 161.

(4) التوبة: 9- 35.

(5) البقرة: 2- 283.

(6) الرعد: 13- 25.

(7) الكافي 2: 285 الحديث 24.

(8) البقرة: 2- 217.

48

من الشراب» (1) و كما ورد أنّ: «الغيبة أشدّ من الزنا» (2) و مثل حبس المحصنة للزنا، فإنّه أشدّ من القذف بحكم العقل، و مثل إعلام الكفّار بما يوجب غلبتهم على المسلمين، فإنّه أشدّ من الفرار من الزحف.

الخامس: أن يرد النصّ بعدم قبول شهادة عليه

، كما ورد النهي عن الصلاة خلف العاقّ لوالديه (3).

ثمّ لا إشكال في أنّ الإصرار على الصغيرة من الكبائر، و يدلّ عليه- قبل الإجماع المحكيّ عن التحرير (4) و غيره- (5) النصوص الواردة:

منها: أنّه «لا صغيرة مع الإصرار و لا كبيرة مع الاستغفار» (6) فإنّ النفي في الصغيرة راجع إلى خصوص وصف الصغريّة و إن كان في الكبيرة راجعا إلى نفي ذاتها حكماً.

و منها: ما عن البحار عن تحف العقول عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث:

«أنّ الإصرار على الذنب أمن من مكر اللّٰه، و لا يأمن مكر اللّٰه إلّا القوم الخاسرون» (7) (8) بضميمة ما ورد من أنّ الأمن من مكر اللّٰه من الكبائر» (9).

____________

(1) الكافي 2: 338- 339 الحديث 3.

(2) الوسائل 8: 598 الباب 152 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 9.

(3) روى الصدوق (رحمه اللّٰه) في هذا المقام ما لفظه: «سأل عمر بن يزيد أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن امام لا بأس به في جميع أموره عارف غير أنّه يسمع أبويه الكلام الغليظ الذي يغيظهما، أقرأ خلفه؟.

قال: لا تقرأ خلفه ما لم يكن عاقّا قاطعا» راجع الفقيه 1: 379 الحديث 1113.

(4) التحرير 2: 208.

(5) كفاية الأحكام: 279.

(6) الكافي 2: 288 الحديث الأول.

(7) لم نعثر على هذا الحديث بهذا السند، إلّا أنّه نقل في البحار 78: 209 عن الصادق (عليه السلام) ما هذا لفظه: «الإصرار أمن، و لا يأمن من مكر اللّٰه إلّا القوم الخاسرون».

(8) الأعراف: 7- 99.

(9) الكافي 2: 280 كتاب الايمان و الكفر، الحديث 10.

49

و منها: ما رواه في العيون (1) بسنده الحسن- كالصحيح- إلى الفضل بن شاذان، حيث عدّ الكبائر، و عدّ منها: الإصرار على صغار الذنوب.

[و في رواية الأعمش- المحكيّة عن الخصال- عدّ منها: الإصرار على صغائر الذنوب (2)] (3) إنّما الإشكال في معنى «الإصرار» و الظاهر بقاؤه على معناه اللغويّ العرفيّ، أعني الإقامة و المداومة عليه و ملازمته، و لا إشكال في أنّ العاصي إذا تاب عن معصيته السابقة ثمّ أوقع معصية أخرى لم يصدق عليه «الإصرار» و لو فعل ذلك مرارا، و إليه ينظر قوله (عليه السلام): «ما أصرّ من استغفر» (4) و كذا فحوى: «لا كبيرة مع الاستغفار» (5) فيشترط في صدق «الإصرار» عدم التوبة عن المعصية السابقة.

ثمّ إنّه إمّا أن يعزم على غيره مع فعله أولا معه، و إمّا أن لا يعزم عليه، و على الثاني إمّا أن يفعل الغير، و إمّا أن لا يفعله و حكم الجميع أنّه إن كان عازما على العود، فالظاهر صدق «الإصرار» عرفا و إن لم يعد إليها.

و يؤيّده مفهوم قوله: «ما أصرّ من استغفر» (6) و قوله (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى وَ لَمْ يُصِرُّوا (7): «الإصرار أن يحدث الذنب فلا يستغفر اللّٰه» (8).

و قد عدّ (عليه السلام) في حديث جنود العقل و الجهل منها: «التوبة»، و جعل ضدّها: «الإصرار» (9) بناء على أنّ ظاهر السياق كونهما ممّا لا ثالث [لهما]، فتأمّل.

____________

(1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 127.

(2) الخصال 2: 610.

(3) ما بين المعقوفتين من «د».

(4) البحار 93: 282.

(5) الكافي 2: 288 الحديث الأول.

(6) البحار 93: 282.

(7) آل عمران: 3- 135.

(8) أصول الكافي 2: 288 الحديث 2 مع اختلاف يسير.

(9) الكافي 1: 22 كتاب العقل و الجهل الحديث 14.

50

و في حسنة ابن أبي عمير، عن أبي الحسن الكاظم (عليه السلام): «قال: لا يخلّد اللّٰه في النار إلّا أهل الكفر و الجحود و الضلال و الشرك، و من اجتنب الكبائر من المؤمنين لم يسأل عن الصغائر، قال اللّٰه تعالى إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً (1) قلت: يا ابن رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم) فالشفاعة لمن تجب من المؤمنين؟ قال: حدّثني أبي، عن آبائه، عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم): إنّما شفاعتي لأهل الكبائر، و أمّا المحسنون فما عليهم من سبيل.

قال ابن أبي عمير: قلت يا ابن رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم) فكيف يكون (2) الشفاعة لأهل الكبائر و اللّٰه تعالى يقول وَ لٰا يَشْفَعُونَ إِلّٰا لِمَنِ ارْتَضىٰ (3). و من ارتكب الكبائر فليس بمرتضى؟! قال: يا أبا أحمد ما من مؤمن يرتكب ذنبا إلّا ساءه ذلك و ندم عليه، و قد قال النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم): «كفى بالندم توبة» و قال (عليه السلام): «من سرّت حسنة و ساءته سيّئة (4) فهو مؤمن» فمن لم يندم على ذنب يرتكبه فليس بمؤمن، فلم يجب له الشفاعة و كان ظالما، و اللّٰه تعالى يقول مٰا لِلظّٰالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَ لٰا شَفِيعٍ يُطٰاعُ (5).

قلت: فكيف لا يكون مؤمنا من لم يندم على ذنب يرتكبه؟ فقال: يا أبا أحمد ما من أحد يرتكب كبيرة من المعاصي و هو يعلم أنّه سيعاقب عليها، إلّا أنّه ندم على ما ارتكب، و متى ندم كان تائبا مستحقّا للشفاعة، و من لم يندم عليها كان مصرّا، و المصرّ لا يغفر له، لأنّه غير مؤمن لعقوبة ما ارتكب، و لو كان مؤمنا بالعقوبة لندم، و قد قال النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم): «لا كبيرة مع الاستغفار، و لا

____________

(1) النساء: 4- 31.

(2) في المصدر: تكون.

(3) الأنبياء: 21- 28.

(4) في المصدر: من سرته حسنته و ساءته سيئته.

(5) غافر: 40- 18.

51

صغيرة مع الإصرار» و أمّا قوله: «و لا يَشْفَعوُنَ إلّا لمن ارتضى» [فإنّهم لا يشفعون إلّا لمن ارتضى] (1) اللّٰه دينه، و الدين: الإقرار بالحسنات و السيّئات، فمن ارتضى دينه ندم على ما ارتكبه من الذنوب لمعرفته بعاقبته في القيامة .. الخبر» (2).

و مورده و إن كان في الكبائر، إلّا أنّ ظاهره أنّه لا فرق بينها و بين غيرها في تحقّق «الإصرار» بعدم الندم.

ثمّ إنّ عدم الندم و إن جامع عدم العزم على المعصية- كما لو تردّد فيها أو لم يلتفت إليها- إلّا أنّ هذه الصورة خارجة عمّا ذكر سابقا من قوله: «من اجتنب الكبائر لم يسأل عن الصغائر» يعني إذا لم يكفّرها بتوبة أو عمل صالح آخر غير اجتناب الكبائر.

ثمّ الظاهر أنّه لا فرق فيما ذكر بين أن يكون العزم على العود حال ارتكاب المعصية الأولى، أو بعدها قبل التوبة.

و إن كان عازما على غيره، فإن كان العزم على الغير من زمان ارتكاب الأولى، فالظاهر أيضا صدق «الإصرار» و إن كان بعده قبل التوبة، فمقتضى الأخبار المتقدّمة صدقه لكن العرف يأباه.

و إن لم يكن عازما على الغير، فإن لم يحصل العود فلا إشكال، و إن حصل العود، فإن لم يبلغ حدّ الإكثار فلا إشكال في العدم، و إن حصل الإكثار على وجه يصدق الإصرار عرفا فلا إشكال أيضا.

فالحاصل: أنّ الإصرار يصدق بالعزم على العود إلى مطلق المعصية إذا كان العزم مستمرّا من زمان الفعل السابق. و إذا حدث بعد الفعل اعتبر اتّحاد المعصية. و قد لا يصدق إلّا بالفعل، و هو ما إذا تحقّق الإكثار على وجه يوجب

____________

(1) ما بين المعقوفتين من «د» و المصدر.

(2) التوحيد: 407- 408. الحديث 6.

52

الصدق عرفا، و ما يدلّ (1) على عدم العدالة مع عموم قوله: «عن الرجل تقارف (2) الذنوب و هو عارف بهذا الأمر أصلّي خلفه أم لا؟ قال: لا» (3) و نحوه.

و أمّا العزم المجرّد، فالظاهر عدم تحقّق «الإصرار» بمجرّده و إن أصرّ عليه، لأنّ هذا إصرار على العزم لا على المعصية، إلّا إذا قلنا إنّ العزم على المعصية معصية، و للكلام فيه محلّ آخر.

ثمّ أنّه قد يشكل الأمر بناء على القول بوجوب التوبة مطلقا، من جهة أنّ المعصية لا تنفكّ عن الإصرار، لأنّه إذا ترك التوبة عن الصغيرة فقد أخلّ بواجب آخر و هي التوبة، و حيث إنّها فوريّة ففي أدنى زمان (4) يتحقّق الإصرار- كما لا يخفى-، فيكون الثمرة بين القول بثبوت الصغائر و القول بكون المعاصي كلّها كبائر منتفية أو في غاية القلّة، مثل ما إذا فعل صغيرة فنسيها أن يتوب عنها، و نحو ذلك.

و قد أجاب بعض السادة المعاصرين بمنع وجوب التوبة عن المعاصي مطلقا، بل هو مختصّ بالكبائر، و أمّا الصغائر فمكفّرة (5) باجتناب الكبائر و بالأعمال الصالحة. و هو لا يخلو عن نظر، لعموم أدلّة وجوب التوبة، كما سيجيء (6) و أدلّة تكفير الأعمال الصالحة لو صلحت، دالّة على عدم وجوب التوبة، و (7) لم يفرّق بين الصغائر و الكبائر، لعموم كثير من أدلّة التكفير بل صراحة بعضها في الكبائر، كما لا يخفى، مع أنّ تكفيرها بالأعمال الصالحة لا ينافي وجوب

____________

(1) كذا في النسخ، و الظاهر ان الصواب: و لما يدلّ.

(2) أثبتناه من «ص» و في المصدر: يقارف و في «د» و «ش» و «ج»: تعارف.

(3) الوسائل 5: 393 الباب 11 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 10.

(4) كذا في «د»، و في سائر النسخ: أوّل زمان.

(5) كذا في «د»، و في سائر النسخ: فهي مكفّرة.

(6) في صفحة 58.

(7) ليس في «ش»: واو.

53

التوبة عنها.

و به يظهر الجواب عن دعوى تكفير الصغائر باجتناب الكبائر، غاية الأمر تسليم سقوط وجوب التوبة إذا اجتنب الكبائر قربة إلى اللّٰه تعالى بعد ارتكاب الصغائر أو عمل بعض الطاعات المكفّرة، لكن التوبة أسبق من الكلّ، لأنّها تحقّق في زمان متّصل بالمعصية لا يمكن فيه تحقّق غيرها غالبا، و المفروض أنّ القائلين بانقسام المعاصي لم يقولوا بتحقّق الإصرار الموجب للفسق بصدور الصغيرة و إن لم يتب عنها، و لم يمتثل اجتناب الكبائر- بل تركها، لعدم التمكّن عنها- و لم يعمل طاعة مكفّرة.

و الحاصل: أنّ عدم وجوب التوبة إمّا لعدم الدليل عليه و عدم المقتضي لها- و إن بقي الذنب غير مكفّر- و إمّا لأنّ غيرها قد يقوم مقامها في التكفير. و الأوّل مردود بعموم الأدلّة، كما سيجيء (1) و الثاني- مع أنّه خلاف إطلاق الشارع من عدم كون الصغيرة مفضية إلى الكبيرة و إن لم يتب عنها و لم يعمل مكفّرا آخر- لا ينافي وجوب التوبة ما لم يكفّر الذنب بمكفّر آخر غيرها. و لا يجوز أن يكون الوجوب تخييريّا بين التوبة و اجتناب الكبائر و الأعمال المكفّرة، كما لا يخفى.

فالتحقيق في الجواب: دعوى كون وجوب التوبة وجوبا عقليّا محضا، بمعنى كونه للإرشاد، و إن أمر بها الشارع أيضا في الكتاب و السنّة، لكن أوامرها إرشاديّة لرفع مفسدة المعصية السابقة، و لا يترتّب على تركها عقاب آخر.

و بعبارة اخرى: إنّما وجبت التوبة للتخلّص عن المعصية السابقة، و وجوب التخلّص عن المعصية ليس واجبا شرعيّا يترتّب على تركه (2) عقاب آخر غير العقاب الّذي لم يتخلّص منه، فهي من قبيل معالجة المريض الّتي أمر

____________

(1) في الصفحة 58.

(2) في الصفحة 58.

54

بها الطبيب، فلا يترتّب على مخالفتها أمر سوى ما يقتضيه نفس ترك المأمور به مع قطع النظر عن الأمر، فإنّا لا نعني بالأمر الإرشادي إلّا ما لا يترتّب على مخالفته سوى ما يقتضيه نفس ترك المأمور به مع قطع النظر عن تعلّق الأمر، و لا على موافقته إلّا ما يقتضيه فعله كذلك و ليس من قبيل الأوامر التعبّديّة الّتي أمر بها السيّد عبده في مقام الاستعلاء و التعبّد، ليترتّب على موافقته ثواب الإطاعة زائدا [عمّا يقتضيه نفس المأمور به مع قطع النظر عن الأمر، و على مخالفته عقاب زائدا] (1) عمّا يقتضيه نفس ترك المأمور به كذلك، و سيجيء في مقام التعرّض لحكم التوبة ما يوضح ذلك.

فترك التوبة ليس من المعاصي الّتي توجب العقاب، و لا يدخل في المعاصي الشرعيّة المنقسمة إلى صغيرة و كبيرة، و إن كان قبح تركها- من حيث إنّه إقامة على العقاب و بقاء عليه- قد يصل إلى حدّ قبح الكبيرة، و قد لا يصل إليه بحسب قبح المعصية الّتي بقي عليها.

____________

(1) ما بين المعقوفتين من «د».