رسالة في العدالة

- السيد علي الموسوي القزويني المزيد...
177 /
3

[مقدمة التحقيق]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على سيّدنا محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) الطيّبين الطاهرين.

نبذة من حياة المؤلف (قدّس سرّه):

و هو العالم الجليل و الأستاذ النبيل، قدوة المحقّقين، الأورع الأتقى، سيّد الفقهاء و المجتهدين، جامع العلوم العقليّة و النقليّة، حاوي الفضائل العلمية و العمليّة، السيد على الموسوي القزويني ابن السيد إسماعيل الموسوي الخوئيني.

مولده و موطنه و هجرته:

ولد (قدّس سرّه) في شهر ربيع الأوّل سنة (1237 ه. ق) في مدينة قزوين (1) في أسره كريمة من والد صالح و والدة صالحة تقيّة التي كانت من بيت رفيع السيد إبراهيم الموسوي القزويني صاحب ضوابط الأصول (2).

____________

(1) كما صرّح (قدّس سرّه) بذلك في ختام المجلد الأوّل من تعليقته على القوانين بقوله: قد تمَّ بيد مؤلفه الفقير الى اللّه الغني على بن إسماعيل الموسوي القزويني مولدا و مسكنا في العشر الأوّل من ربيع الأولى سنة اثني و تسعين و مائتين بعد الألف 1292 من الهجرة النبوية.

(2) و يظهر ذلك ممّا قاله العلّامة الطهراني في ترجمة السيّد رضي الدّين القزويني خال سيّدنا المترجم له، بقوله:. و هو خال السيد علي القزويني صاحب حاشية (القوانين). ان اسم والد المترجم له السيّد على أكبر و انّه كان ابن عمّ السيد إبراهيم بن محمّد باقر الموسوي القزويني صاحب (الضوابط).» (الكرام البررة ج 2 ص 576).

و قد صرّح نفسه (قدّس سرّه) بذلك أيضا في المجلد الثاني من تعليقته على معالم الأصول- في الأوامر- في انّه هل يعتبر كون الأمر مستفادا من القول أو أعمّ منه و ممّا يستفاد من الفعل حيث قال:

«. فيه وجهان بل قولان، اختار أوّلهما العلّامة في التهذيب و النهاية. و صار إلى ثانيهما جمع من متأخري الاعلام، منهم ابن عمّنا السيّد (قدّس اللّه روحه). و علّله السيّد في ضوابطه بأن المتبادر عند الإطلاق و ان كان هو الأوّل و لكنّه إطلاقي لعدم صحّة السلب عن طلب الأخرس بالإشارة أو الكتابة.».

4

و من المظنون أنّ مسقط رأس والده كان في قرية خوئين من قرى زنجان.

هذا ما استفدناه من سنة بلوغه الّذي أرّخه في وصيته المكتوبة، حيث قال بالفارسية: «براى من از قيمت آنها (ثلث اموال) از اوّل زمان تكليف من كه ربيع المولود سنة 1252، هزار و دويست و پنجاه و دو باشد، الى يوم وفات، استيجار صوم و صلاة نمايند».

و مات أبوه و هو لم يبلغ الحلم، و تربّى في حضانة خاله العالم الفقيه، الحاجّ السيّد رضي الدين القزويني في مدينة قزوين، معزّزا و مكرّما و مشتغلا بدراسة مقدمات العلوم و تكميل مباني الفقاهة و الاجتهاد.

ثمَّ هاجر إلى حائر الحسين (عليه السلام) و ورد فيها في شهر شعبان المعظّم سنة مائتين و اثنين و ستّين بعد الألف من الهجرة النبويّة (1262 هق) و منها إلى عاصمة العلم و التقى البلدة المباركة العلوية، لائذا بمنبع العلم و الفضيلة، مولى الموحدين أمير المؤمنين عليه آلاف التحية و الثناء.

سجّل سيّدنا المترجم له (قدّس سرّه)، بدء قدومه بكربلاء المشرفة، في ظهر حاشية السيّد الشريف، على رسالة الوضعية العضدية بقوله:

«هو المالك بالاستحقاق، كيف أقول هذا ملكي و أنا مملوك ربّي، بل هو من عواري الدّهر عندي، استعرتها بالمبايعة الشرعية، تحت قبّة سيّدي الحسين عليه و على أولاده المعصومين ألف تحية و سلام. و كان ذلك في شهر رمضان المبارك من شهور سنة مائتين و اثنين و ستين بعد الألف من الهجرة النبوية، على هاجرها ألف تحية و سلام. و لقد كان الشهر المزبور الثاني من السنة الاولى من ورودي في هذا الأرض الأقدس، و انّي أقل الخليقة بل ليس موجودا في الحقيقة، عبده العاصي علي الموسوي. محلّ خاتمه الشريف»

5

مكانته العلميّة و زهده و أخلاقه و مرجعيته:

امّا منزلته العلمية فغير خفيّ على الأعاظم و الأكابر الذين أمعنوا النظر في تحقيقاته الرشيقة و بعض مؤلفاته القيّمة المطبوعة، و هذا يجعلنا في غنى و كفاية عن بيان موقفه العلمي.

و بالإجمال نبغ سيّدنا (قدّس سرّه) في جملة من الفحول و الأعاظم و قلّده كثير من الخواص و غيرهم، و هو كما استكملت قوته النظريّة، استحكمت في أعماق نفسه ملكات التقوى و الورع، و قد نقل من عجائب أحواله أمور لا يناسب ذكرها مقام الاختصار.

ثمَّ إنّه (قدّس سرّه) رجع إلى قزوين بعد أن صار من أعاظم المجتهدين و استفاد كلّ ما يمكن استفادته من الرؤساء و الأساتذة العظام، و لكن لم يظهر لنا حتى الآن سنة عوده.

و كان فيها مرجعا للخواص و العوام، و كان يراجع إليه من أقطار البلاد و مع ذلك ما فتر يوما عن الاشتغال بالتدريس و التأليف حتّى برز منه مؤلّفات كثيرة يأتي أساميها إنشاء اللّه.

مشايخه:

كان سيدنا (قدّس سرّه) قد ترعرع في إحضان أساتذة عظام، و تلمذ عند أساطين العلم و كبار المدرسين في عصره منهم:

1- خاله العلّامة العالم الفقيه الحاج سيّد رضي الدين القزويني (1).

قال العلّامة الطهراني في «الكرام البررة» في ترجمته:

«كان من العلماء الاعلام و المراجع في التدريس و نشر الاحكام، و كان زاهدا مرتاضا و هو خال السيّد على القزويني، صاحب حاشية القوانين، و قد قرء عليه

____________

(1) قال في المأثر و الآثار (ص 152) في ترجمته:

«آقا سيد رضى الدين: مجتهد قزوينى، خال مفضال آقا سيد على صاحب تعليقۀ معالم و حاشيۀ قوانين بود، و در قزوين و متعلقاتش رياستى بزرگ و مجلس فقه خارجى بمثابه رؤساى عراق عرب، مشحون بگروهى بسيار از مستعدين علماى عجم داشت، جلالت قدر و عظمت شأن آن بزرگوار در اين گونه اختصارات نمىگنجد، (قدّس سرّه).

6

ابن أخته المذكور في الأوائل قليلا.» (1).

2- شيخ المشايخ أستاذ الفقهاء و المجتهدين الشيخ محمّد حسن النجفي (صاحب الجواهر) (قدّس سرّه) كما أشار إليه في موارد مختلفة من كتاب الطهارة من كتابه الكبير في الفقه الموسوم ب«ينابيع الأحكام في معرفة الحلال و الحرام»، حيث عبّر عنه (قدّس سرّه) ب«شيخنا في جواهره» أو «شيخنا في الجواهر»، و من ذلك قوله (قدّس سرّه) في مبحث «استحباب مسح الرأس بمقدار ثلاث أصابع» من كتاب المياه من ينابيعه:

حيث قال بعد ما نقل مقالة الشهيد (قدّس سرّه) في المسالك عند قول المحقّق: «و المندوب مقدار ثلاث أصابع عرضا»-: «و قد تبعه على ذلك شيخنا في الجواهر، حيث قال:

و الظاهر أنّ المراد من المستحب مقدار عرض ثلاث أصابع لأنّه المتبادر من التقدير.».

3- قدوة المحقّقين و فخر المجتهدين، وحيد عصره و فريد دهره، الشيخ مرتضى الأنصاري (قدّس سرّه) و هذا يبدو من مختلف مجالات تعليقته على المعالم، إذ عبّر عنه ب«شيخنا» أو «شيخنا الأستاذ» كما حكى في المجلّد الخامس من تعليقته على معالم الأصول عند ختام البحث عن حجيّة ظواهر الكتاب عن فرائد الشيخ (قدّس سرّه) بقوله: «ثمَّ إنّه ينبغي ختم المسألة بذكر أمور، أوّلها: ما حكاه شيخنا (قدّس سرّه) من أنّه ربّما يتوهّم أن الخلاف في اعتبار ظواهر الكتاب قليل الجدوى إذ.».

و قد صرّح بتلمّذه عنده في المجلّد الخامس من التعليقة، في مقام الاستدلال بالإجماع، على حرمة العمل بالظن، حيث قال- بعد ما نقل عن المحقّق البهبهاني (قدّس سرّه) بداهة عدم جواز العمل بالظن عند العوام، فضلا عن العلماء-:

«و نقل الضرورة ربّما يكون أقوى من نقل الإجماع، كما نبّه عليه شيخنا الأستاذ، عند تلمّذنا عنده».

تلامذته:

قد استفاد منه (رحمه اللّه)، كثير من العلماء و المحققين، و جدير بالذكر:

1- العلّامة الهمام، فخر المحقّقين، الحاج الشيخ جواد بن المولى محرّم علي

____________

(1) الكرام البررة ج 2 ص 576.

7

الطارمي (1263- 1325) صاحب الحاشية على القوانين (1).

2- العلّامة الحكيم، الحاج مولى محمّد، المدعو بالهيدجي، ابن الحاج معصوم علي.

3- العلّامة المحقّق و الفقيه الأصولي، الشيخ عبد اللّه المازندراني (1259- 1331) (2).

4- العالم الفقيه، و الفاضل الجليل، السيد حسين الاشكوري (المتوفى سنة 1349 ه. ق) (3).

5- العلّامة المحقّق، الشيخ شعبان الگيلاني النجفي (1275- 1348)، الذي كان من الفقهاء الاعلام و مراجع التقليد في عصره (4).

6- الفقيه الزاهد، السيّد حسين الزرآبادي (المتوفى بعد سنة 1300 ه. ق) (5).

7- العالم الفقيه، و المصنف الجليل، السيّد أسد اللّه الاشكوري (المتوفى 1333 ه. ق) (6).

8- العالم الفقيه، السيّد مهدي بن حسن ابن السيّد أحمد القزويني النجفي الحلّي (المتوفى 1300) (7).

و غيرهم ممّن لم نعثر على أساميهم و لعلّ هناك كثيرين قد أهملت أسماؤهم، و لا يضبط أحوالهم في كتب التراجم، فلم نقف عليها.

آثاره العلمية:

قد برز منه (قدّس سرّه)، تأليفات كثيرة، نذكر أسامي بعضها التي ظفرنا بها، و كلّها موجودة بخطه الشريف في مكتبتنا بقزوين.

1- الحاشية على القوانين: طبعت في سنة (1299) في بلدة طهران، في مجلّدين.

____________

(1) نقباء البشر: ج 1 ص 339، أعيان الشيعة: ج 4 ص 279.

(2) ذيل سياحت شرق ص 366.

(3) نقباء البشر: ج 2 ص 590.

(4) نقباء البشر: ج 2 ص 838.

(5) نقباء البشر: ج 2 ص 501.

(6) نقباء البشر: ج 1 ص 138.

(7) أعيان الشيعة: ج 1 ص 145.

8

2- التعليقة على معالم الأصول (1): في مجلّدات ستة، مشتملة على مباحث الألفاظ و الأدلّة العقلية، و قد ألّفه على أحسن أسلوب. فالموجود منها من مباحث الألفاظ هو الجزء الثاني من أوّل الأوامر إلى مبحث المطلق و المقيّد، لكنّه قد سقط و فقد منه أوراق من مباحث مختلفة.

و يشتمل الجزء الثالث من التعليقة على مباحث المطلق و المقيّد، و المنطوق و المفهوم، و العام و الخاص.

و الجزء الرابع منها، على مباحث القطع و الظّن.

و الجزء الخامس منها، على مباحث البراءة و الاستصحاب.

و الجزء السادس منها، متضمّن لمبحث الاجتهاد و التقليد و التعادل و التراجيح.

و مع الأسف، قد فقد الجزء الأوّل من التعليقة، و أنا مع كثرة الاهتمام بجمع التعليقة في طي سنوات، لم يساعدني التوفيق الى الآن بجمع مباحث الألفاظ بتمامه، و أسأل اللّه تعالى أن يوفقني لهذا المهمّ عن قريب ان شاء اللّه تعالى.

و جدير بالذكر أنّ نسخة منها موجودة بصورة (ميكروفيلم) في المكتبة الرضوية، بالمشهد المقدّس على ثاويها ألف تحية و سلام.

3- رسالة في تحقيق حقيقة المفرد المحلّى باللّام، بخطّه الشريف.

4- رسالة في أقسام الواجب و أحكامها.

5- رسالة في تداخل الأسباب و المسببات.

6- ينابيع الاحكام في معرفة الحلال و الحرام (2) المشتمل على خمس مجلّدات:

المجلّد الأوّل: في المياه.

و المجلّد الثاني و الثالث: في الطهارات الثلاث و توابعها الى غسل الجنابة.

و المجلّد الثالث: في كتاب الصلاة.

____________

(1) الذريعة: ج 6 ص 177.

(2) الذريعة: ج 25 ص 886.

9

و المجلّد الرابع: في كتاب الزكاة.

و المجلّد الخامس: في كتاب التجارة. و قد أحال إليه في مبحث اجتماع الأمر و النهي من حاشيته على القوانين.

7- شرح شرائع الإسلام، من أوّل كتاب التجارة إلى الأجرة على الأذان و من أوّل الفصل الثاني في عقد البيع الى بيع السمك في الإجام.

8- شرح على كتاب الصيد و الذباحة من أوّله إلى مسألة المبانة من الحيّ.

9- شرح على كتاب الصوم من أوّله إلى مسألة إيصال الغبار و الدخان الى الحلق و يلحق به البحث عن شرائط المتعاقدين في النكاح.

10- كتاب البيع من أوّله الى آخره و يشتمل على البحث عن جملة من المشتركات بين المسلمين كالمساجد و المدارس و الربط و المعادن.

11- رسالة في قاعدة نفي الضرر و الضرار. و قد أحال إليها في مبحث البراءة من حاشيته على القوانين.

12- رسالة في الولاية، و لقد أشار إليها في تعليقته على القوانين في مبحث الاجتهاد و التقليد.

13- رسالة في قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.

14- رسالة في العدالة، و قد فرغ من تأليفها في شهر محرم سنة (1286 ه. ق).

15- رسالة في قاعدة حمل فعل المسلم على الصحّة، قد فرغ منها في احدى و عشرين من شهر ذي القعدة الحرام سنة (1288 ه. ق).

16- رسالة في أنّ الأصل في المعاملات الصحّة أو الفساد.

17- رسالة فارسية في الاجتهاد و التقليد و الطهارة و الصلاة و الزكاة و الخمس و الرضاع و الصوم طبعت في سنة (1290 ه. ق).

18- رسالة فارسية في أنواع التكسب و البيع و الخيارات و القرض.

19- رسالة فارسية مسماة ب«أصول الدين و شرح أفعال الصلاة» طبعت في سنة (1331) في شهر ذي القعدة الحرام في مطبعة (باقرزاده) بطهران، بعد ارتحال المؤلف (قدّس سرّه).

20- رسالة سؤال و جواب بالفارسية: المشتملة على أجوبة الاستفتاءات عن

10

المسائل الفقهية و غيرها و فيها بيان لمعاني بعض الروايات الغامضة و المسائل المشكلة.

21- تعليقة على كتاب الرضاع للشيخ مرتضى الأنصاري.

22- كتاب الرضاع بالفارسية: قال (قدّس سرّه) في مفتتح كتابه:

«بدانكه چون أقلّ عباد اللّه، سابق بر اين رساله رضاعيّه منسوب به شيخ استاد طاب ثراه را ملاحظة كرده و بر بعض مواضع آن حاشيه نوشته بودم و مقلدين را اذن در رجوع به آن و عمل كردن بر مسائل آن داده بودم و مسائل آن نيز در ميان مردم كثير الحاجه و عام البلوى است، خواستم آنرا هم جزء اين رساله قرار داده باشم، حواشى آن را داخل در متن نموده مجموع را جزء اين رساله قرار دادم كه مردم در مسائل رضاع نيز كه محتاج به آنها ميشوند معطّل نباشند».

23- تعليقة على تفسير البيضاوي.

أولاده:

و قد أنجب (قدّس سرّه) ابنا و أربع بنات، و امّا ابنه فهو:

العالم الفقيه الأصولي، السيّد محمّد باقر الموسوي (رحمه اللّه) الّذي كان من أجلّاء عصره، و مشاهير دهره، ولد في عام (1255 هق) في أرض الغري و قرأ المقدمات و السطوح على لفيف من الأفاضل، و حضر في الفقه و الأصول على الميرزا حبيب اللّه الرشتي و الشيخ محمّد حسن بن عبد اللّه المامقاني، و كانت عمدة تلمّذه و تخرّجه على الميرزا الرشتي (قدّس سرّه).

و له اجازات من أعلام عصره كالفاضل الشربياني و السيد المجدّد الميرزا محمّد حسن الشيرازي و غيرهما من الاعلام و رؤساء المذهب (قدّس سرّه)م.

و برز منه تأليفات كثيرة، نذكر أسامي بعضها على سبيل الاختصار:

1- شرح على فرائد الأصول، للشيخ الأنصاري في مجلّدين.

2- طرائق الوصول في شرح معالم الأصول.

3- خزائن الأصول في شرح قوانين الأصول.

4- التحفة الرضيّة في شرح الروضة البهية.

11

5- حاشية المكاسب- في البيع و الخيارات- تقريرات شيخه الميرزا حبيب اللّه الرشتي.

6- كتاب الوقف و الرهن و الزكاة تقريرات شيخه الميرزا حبيب اللّه الرشتي.

7- مجمع المسائل: و فيها مطالب عالية و فوائد غالية من الفقه و الأصول و الفلسفة و العرفان و تفسير لبعض الروايات المشكلة و الأحاديث الغريبة.

8- الكشكول: المشتملة على بعض الرسائل الثمينة في الكلام و الفلسفة و العرفان في ثلاث مجلدات.

9- حاشية على رسالة إزاحة الشكوك في أحكام اللباس المشكوك، لميرزا محمد حسن الآشتياني.

10- الحواشي المبسوطة على بشرى الوصول إلى أسرار علم الأصول للشيخ محمد حسن المامقاني.

و توفّي (قدّس سرّه) يوم الأربعين سنة 1338 ه. ق و دفن في جوار مولانا الحسين (عليه السلام) بكربلاء المشرفة.

قال العلّامة الطهراني في «نقباء البشر» ج 1 ص 214 في ذيل ترجمته:

«هو السيد محمّد باقر بن السيد على القزويني، مؤلف حاشية «القوانين» المشهورة، عالم فاضل، كان في قزوين قائما مقام والده العلّامة المتوفى (1298) الذي ترجمناه في «الكرام» بإمامة الجماعة في مسجده بقزوين و التدريس هناك، زار العتبات في (1338) فتوفي بها في كربلاء».

و أيضا قال في المجلّد الثاني من «نقباء البشر» ص 602 في ترجمة السيد حسين القزويني ما هذا لفظه:

«هو السيّد حسين بن السيد على القزويني صاحب حاشية القوانين المشهورة عالم جليل و فاضل بارع.

كان والده من اعلام العلماء و مشاهيرهم في عصره، و ولده المترجم له من الأجلّاء أيضا هاجر الى النجف الأشرف بعد تكميل المقدمات في بلاده، فحضر

12

على الميرزا حبيب اللّه الرشتي و غيره من المدرسين المبرزين يومذاك، حتّى حاز قسطا وافرا من الفقه و الأصول و غيرهما، فعاد الى قزوين للقيام بالتكاليف الشرعية، فصار من الرؤساء و المراجع في سائر الأمور إلى أن توفي بها (رحمه اللّه)».

و أنت خبير بعد ما أحطناك آنفا بما في كلامه الأخير من الزلل، لأنّ قوله:

السيّد حسين بن السيد على القزويني، سهو من قلمه الشريف، إذ لم نعرف له من الذكور غير السيد محمّد باقر، و أهل البيت أدرى بما في البيت.

و الصحيح هو ما أورده في المجلّد الأوّل من «نقباء البشر» كما مرّ.

و كذا قوله: فتوفي بها، سهو أيضا لأنّه (قدّس سرّه) توفي بكربلاء و دفن فيها لا بقزوين، كما أخبرنا به- في سالف الأيّام- خادمه الذي كان ملازما له في سفره الأخير إلى العتبات العاليات.

و هذا قد مرّ منّا سابقا و منه أيضا في الجزء الأوّل من «نقباء البشر» ص 214.

فراجع.

و امّا بناته:

1- زوجة العالم الورع الميرزا حسين بن المولى آغا القزويني (الخوئيني) (قدّس سرّه)، كما نبّه عليه العلّامة الطهراني في الكرام البررة ج 2 ص 577.

2- زوجة العالم الفقيه السيد أبو القاسم الحسيني القزويني و هي أمّ العالم الأورع و الفقيه الزاهد، السيد محمّد الحسيني المدعوّ ب«جزمۀاى» (قدّس سرّه).

3- زوجة السيد زين العابدين التنكابني، و هي أمّ العالم الفقيه، السيد أبو الحسن التنكابني (قدّس سرّه).

4- حليلة العالم الجليل السيد خليل ابن السيد رفيع القزويني، و هي أمّ الحكيم المتأله و الفقيه المتضلّع، السيّد أبو الحسن الرفيعي القزويني (قدّس سرّه).

وفاته:

قد جرى عليه قضاء اللّه، و لبّى نداء ربّه في يوم الثلاثاء أربع مضين من شهر محرم الحرام سنة مائتين و ثمان و تسعين بعد الألف من الهجرة النبوية (1298) بعد ساعتين من النهار في بلدة قزوين، و حمل جثمانه الشريف إلى حائر

13

الحسين (عليه السلام) و دفن في بقعة فيها مرقد السيّد إبراهيم القزويني صاحب ضوابط الأصول و خالية الحاجّ السيد تقي و الحاج السيد رضي الدين القزويني (قدّس سرّه).

و رثاه و أرّخ وفاته أحد الشعراء فقال بالفارسية:

بر پيغمبريه (1) آسمان گفت * * * چنين يا ليتني كنت ترابا

پى تاريخ ديدم بر مزارى * * * بود سيد على رضوان مئابا

الثناء عليه:

و في هذا المجال لا بأس بالإشارة إلى كلمات بعض أصحاب الفهارس و التراجم، في شأن سيدنا (قدّس سرّه).

1- قال المحقّق الطهراني في الذريعة: ج 6 ص 177:

الحاشية على القوانين: الآقا السيد علي بن السيد إسماعيل الموسوي القزويني، ابن أخت السيد الرضي القزويني فرغ منها في (1297) و توفي (1298) و طبعت في (1299) و المجلّد الأوّل بخط يده ظاهرا و فرغ منه في (1292) و هو موجود في المكتبة التسترية و تمامها بخطه في قزوين كان عند ولده السيد باقر.

2- قال في المآثر و الآثار (ص 143):

«آقا سيد علي قزويني: از أعاظم مجتهدين و أجلّه حفظۀ شريعت و دين بود و در علم فقه مقام تحقيق او را از معاصرين احدى انكار نداشت ولى در اصول مسلّمتر مينمود، غالب اوقات قوانين محقق قمّى را عنوان افادت قرار ميداد و بآن كتاب كريم اعتقادى عظيم داشت و هم بر قوانين حاشيه نگاشته كه بطبع رسيده و نيز بر معالم الأصول تعليقۀ مبسوطى پرداخته است، بزهد و تقوى و قدس او كمتر كسى ديده شده و آن علامه عهد و زاهد عصر، همشيره زاده حاج سيد رضى الدين مجتهد قزوينى است (رضوان اللّه عليهما)».

3- و عنونه الميرزا محمّد علي المدرّس الخياباني في ريحانة الأدب (ج 4

____________

(1) پيغمبرية: مقبرة معروفة بقزوين يقال: دفن فيها أربعة أنبياء من بني إسرائيل.

14

ص 454) بقوله: قزوينى- سيد على بن اسماعيل موسوى عالمى است فاضل، عابد، زاهد، فقيه، اصولى، محدّث، رجالى، مفسّر معقولى منقولى از فحول علماى اواخر قرن سيزدهم هجرت كه اغلب اوقات قوانين الأصول ميرزاى قمى را تدريس ميكرده و از تأليفات اوست:

1- حاشيه قوانين مذكور كه بسيار مرغوب و بين العلماء محلّ توجه و مطلوب و از تبحّر و رشاقت بيان مؤلف خود حاكى است و در تهران چاپ شده.

2- حاشية معالم الأصول.

3- قاعدة لا ضرر، و در سال هزار و دويست و نود و هشت هجرت وفات يافته.

و في الختام، يجب علينا أن نشكر، سماحة العلّامة الحجّة آية اللّه السيّد موسى الشبيري الزنجاني (مدّ ظله العالي) الذي أولى هذه الرسالة عنايته الخاصة و أمر بالتسرع إلى إخراجها، و لو لا عنايته الخاصة و اهتمامه الأكيد لكان هذا الأثر العلمي مطمورا في زوايا الخمول و النسيان، يعلوه التراب، كآلاف من تراثنا الذي لا نعرف عنه إلّا الأقل من القليل، نسأل اللّه تعالى طول عمره الشريف و علوّ مجده.

هذا آخر ما أردنا إيراده في ترجمة سيدنا الجدّ (قدس اللّه نفسه الزكية)، و آخر دعوانا ان الحمد للّه ربّ العالمين.

حفيد المؤلف السيّد جواد الموسوي العلوي

15

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

الحمد للّه ربّ العالمين، و صلّى اللّه على محمّد و آله الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين، إلى يوم الدين.

و بعد، فهذه رسالة في العدالة و هي من الموضوعات الشرعيّة التي تعمّ بها البلوى و يحتاج إليها في موارد كثيرة، كإمام الجماعة، و المفتي، و القاضي، و الحاكم في ولايته على الغيّب و المجانين و الأيتام، و القيّم الشرعي على هؤلاء، و الشاهد، و الراوي، و من يعتبر حضوره في مجلس الطلاق، و النائب في الحجّ، و غيره من العبادات، و الوصيّ، و مستحقّ الزكاة، على القول باشتراط العدالة فيهما.

فينبغي التكلّم في تحقيق معناها، و الطرق المثبتة لها، و قوادحها، فتمام الكلام فيها يقع في مقامات:

المقام الأوّل في بيان معنى العدالة لغة و شرعا

و اعلم: أنّها في العرف الكاشف عن اللغة يطلق على وصف يعبّر عنه بالفارسية ب«راست بودن»، و إليه ينظر ما في كلام جماعة من الفقهاء، كالمحقّق الكركي في جامع المقاصد (1) و المحقّق الأردبيلي في مجمع الفائدة (2) و غيرهما من تفسيرها لغة بالاستقامة.

____________

(1) جامع المقاصد 2: 372.

(2) مجمع الفائدة و البرهان 2: 351.

18

و من موارد إطلاقها على هذا المعنى قولهم في وصف الطريق و قبلة المصلّي:

أنّه عدل، أي لا انحراف فيه إلى يمين و لا إلى يسار، و نحوه لحوقه على النخلة و الشجر و العصا و الخشبة، يقال: إنّها عدل، أي لا اعوجاج فيها.

و يطلق أيضا على وصف يعبّر عنه في الفارسية ب«برابر بودن»، و إليه ينظر ما في كلام جماعة آخرين، كالشيخ و الحلّي في المبسوط (1) و السرائر (2) و غيرهما في غيرهما من تفسيرها بالاستواء.

و من موارد إطلاقها عليه قولهم عند تقدير الشيء بالوزن: إنّه عدل أي مساو للعيار و لا يميل إلى زيادة و لا نقصان.

و قد ذكر له أئمّة اللغة في كتبهم و لا سيّما صاحب القاموس معاني أخر كالمثل، و النظير، و الفدية، و الجزاء، و القيمة، و الفريضة، و غيرها، و الظاهر أنّها إطلاقات مجازيّة ترد في الاستعمال لمناسبة هذين المعنيين، و حقيقته منحصرة فيهما بشهادة التبادر، و غيره من أمارات الوضع.

و هل هو فيهما على الاشتراك أو على التواطؤ؟

احتمل الأوّل بملاحظة كونهما مفهومين متغايرين يردان على موردين متغايرين، فالأوّل يلحق الشيء باعتبار المقدار الخطّي كما في الطريق، و الثاني يلحق الشيء باعتبار المقدار الوزني و شبهه، كما احتمل الثاني أيضا بملاحظة جهة جامعة بين هذين، و هي الحالة المتوسّطة في الشيء باعتبار عدم انحراف و لا ميل، فلحوقه الطريق إنّما هو باعتبار توسّط حالته من حيث عدم انحراف فيه، كما أن لحوقه الشيء الموزون و شبهه إنّما هو باعتبار توسط حالته من حيث عدم الميل إلى طرفي الزيادة و النقيصة.

و قضيّة الأصل المقرّر في محلّه- في مسألة دوران الأمر بين الاشتراك لفظا و الاشتراك معنى من جهة الغلبة و أصالة عدم تعدّد الوضع- رجحان الاحتمال الثاني، لو لا الإشكال من جهة عدم ثبوت استعمال هذا اللفظ في الجهة الجامعة.

____________

(1) المبسوط 8: 217.

(2) السرائر 2: 117.

19

و لكنّ الذي يسهّل الخطب هنا عدم ترتّب فائدة مهمّة على تحقيق هذا المطلب.

و كيف كان فقد شاع إطلاق العدالة على الإنسان باعتبار هذا المعنى في لسان المتشرّعة و الشارع، و منه قوله عزّ من قال وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ (1) و المراد به فيه الحالة المتوسّطة و الطريقة المستقيمة في أفعاله و أحواله و أخلاقه، باعتبار عدم انحرافه عن الطاعة إلى المعصية، أو عن المحاسن إلى المساوي، و عن المحامد إلى القبائح. و يمكن أن يراد منها الطريقة المستوية بالقياس إلى حدود اللّه سبحانه التي هي بمنزلة العيار، و هي فرائضه و محارمه، باعتبار عدم تجاوزه إيّاها بالإخلال بالفرائض و ارتكاب المحارم.

و بهذا البيان ظهر أنّ المعنى اللغوي للعدالة اللاحق للإنسان لا يغاير ما ستعرف من معناها الشرعي المعرّف بالملكة الباعثة على ملازمة التقوى و المروّة بالذّات، بل هو عينه، غاية الأمر أنّهما يتغايران بالاعتبار من حيث الاجمال و التفصيل، نظير تغاير الإنسان و الحيوان الناطق، و نسبته إلى الشرع كما في كلام غير واحد لعلّها لكون التعرّض لبيان تعريفه التفصيلي من أهل الشرع، لا لأنّ الشارع تصرّف في هذا اللفظ بنقل أو تجوّز ثمَّ شاع و اشتهر في زمانه في المعنى المجازي إلى حدّ الحقيقة، لأنّه مع مخالفته الأصل غير متصوّر مع اتحاد المعنى، غاية الأمر أنّه لاحظه كسائر الموضوعات العرفيّة اللغوية، و رتّب عليه أحكاما أشرنا إليها في مفتتح المسألة.

فبهذا كلّه سقط البحث عن كونه في المعنى الشرعي المختلف فيه حقيقة شرعيّة، أو حقيقة متشرّعيّة، أو حقيقة فقهائيّة، كما ضعف به القول بثبوت الحقيقة الشرعيّة فيه، كما جزم به شيخ الجواهر (قدّس سرّه) (2) و نسبه في مفتاح الكرامة إلى صريح جماعة (3).

و لكن ربّما يشكل الحال فيما ذكرناه من وجهين:

____________

(1) الطلاق: 2.

(2) الجواهر 13: 280.

(3) مفتاح الكرامة 3: 80.

20

أحدهما: أنّ الاتحاد المذكور على فرض تسليمه إنّما يتّجه على القول بالملكة في العدالة، و أمّا على القولين الآخرين- من أنّها ظهور الإسلام و عدم ظهور الفسق، أو أنّها حسن الظاهر و ظهور الصلاح- فلا، لوضوح تغاير المعنى الشرعي حينئذ للمعنى اللغوي، إلّا أن يدفع ذلك بمنع كون الخلاف المذكور خلافا في معنى العدالة و إن كان هو المشهور في كلامهم، بل العدالة عند الكلّ عبارة عن الملكة المخصوصة، و الخلاف المشهور خلاف في الطريق الكاشف عنها، كما جزم به بعض مشايخنا (1).

و ثانيهما: ظهور الاستقامة و الاستواء في معنى العدالة على ما ذكره الأصحاب في الحسّيين منهما، و ليس شيء منهما في الإنسان حسيّا، فلا بدّ حينئذ من التزام النقل، و لا يكون إلّا شرعيّا، لكون المعنى المنقول إليه المغاير للمعنى اللغوي، ما من شأنه أن يؤخذ من الشارع، و قد أخذ منه أيضا، كما يرشد إليه الروايات الواردة لبيانه، و عليه فدعوى ثبوت الحقيقة الشرعيّة فيه لا تخلو عن قوّة، لكون تمام حقيقة المعنى الشرعي لا يستعلم إلّا من جهة الأخبار و لا يهتدي إليه أكثر المتشرّعة و لا سيّما العوام و النسوان إلّا من جهة تقليدهم لعلمائهم، و العلماء أيضا لم يعرفوه إلّا من جهة الأخبار، و ما هذا شأنه لا يكون حقيقة متشرّعية، و لا حقيقة فقهائيّة.

و كيف كان فاختلف الأصحاب في معناها الشرعي على أقوال:

أحدها: ما هو المشهور بينهم من أنّها كيفيّة نفسانيّة ملازمة للتقوى فقط

أو هي مع المروّة على الخلاف الآتي في ذلك أيضا، و المراد بملازمة التقوى عدم ارتكاب الكبائر و عدم الإصرار على الصغائر، و لذا قد يعرّف بملكة نفسانيّة تبعث على ترك فعل الكبائر و الإصرار على الصغائر. و قد يعبّر عن الكيفيّة و الملكة بالهيئة، و قد يعبّر بالحالة، و الكلّ بمعنى.

____________

(1) رسالة العدالة للشيخ الأنصاري (رسائل فقهية): 8- 10.

21

و عن الشيخ نجيب الدين العاملي أنّه نسبه إلى العلماء (1) و عن كنز العرفان نسبته إلى الفقهاء (2) و في كلام بعض أنّه المشهور بين المتأخّرين (3) و عن مصابيح الظلام: أنّه المشهور بين الأصحاب (4) و عن موضعين من مجمع البرهان: أنّه مشهور بين العامّة و الخاصّة في الأصول و الفروع (5) و صدّقه عليه صاحب مفتاح الكرامة قائلا: و الأمر كما ذكر، فإنّي وجدت جملة من كتب الجمهور كالمحصول و غيره و كتب الخاصّة كالمصنّف و من تأخّر عنه إلّا من قلّ، دون من تقدّم عليه، قد سطّر فيها هذا التعريف في الأصول و الفروع مع زيادة و نقصان يأتي التنبيه عليهما (6) انتهى.

و في نفيه القول به ممّن تقدّم نظر كما ستعرف.

ثمَّ إنّ البعث في التعريف المذكور و ما بمعناه ظاهر في البعث الفعلي، فيفيد اعتبار كون ملكة الاجتناب مستلزمة للاجتناب.

و أظهر منه في إفادة هذا المعنى ما في تعريف القوانين: بأنّها ملكة في النفس تمنعها من فعل الكبائر و الإصرار على الصغائر و منافيات المروّة (7) لتبادر المنع الفعلي، و نحوه الردع فيما عبّر بالملكة الرادعة.

و أظهر من الجميع تعريف الشهيد- في باب الزكاة من نكت الإرشاد-: بأنّها هيئة راسخة تبعث على ملازمة التقوى بحيث لا يقع منه الكبيرة و لا الإصرار على الصغيرة (8) بناء على أنّ الحيثية بيان لقوله: «تبعث» كما هو الظاهر، لا قيد توضيحي للملازمة.

فما يقال: من أنّ ملكة الاجتناب في كلام القائلين بالملكة لا تستلزم

____________

(1) حكاه عنه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 3: 80.

(2) كنز العرفان 2: 384.

(3) مستند الشيعة 2: 619 (طبعة حجرية).

(4) مصابيح الظلام 1: 93 (مخطوط).

(5) مجمع الفائدة و البرهان 1: 351 و 12: 311.

(6) مفتاح الكرامة 3: 80.

(7) القوانين 1: 459.

(8) غاية المراد و نكت الإرشاد: 42.

22

الاجتناب، ليس بجيّد، و لكنّها ليست بحيث لم يتخلّف عنها البعث، بل ربّما يتخلّف لغلبة هوى النفس و تسويل الشيطان، نعم إنّما تكون عدالة حيث لم يتخلّف.

و قد يقال: إنّ ترك الكبيرة لا يستلزم الملكة، و عليه ينزّل ما عن الحلّي في السرائر: من أنّ حدّ العدل في الدين هو الذي لا يخلّ بواجب و لا يرتكب قبيحا (1) و ما عن المجلسي و المحقّق السبزواري: من أنّ الأشهر في معناها أن لا يكون مرتكبا للكبائر و لا مصرّا على الصغائر (2) حتى أنّه عدّه بعض مشايخنا قولا برأسه مقابلا للقول بالملكة و القولين الآخرين، قال: و ظاهر هذا القول أنّها عبارة عن الاستقامة الفعليّة في أفعاله و تروكه من دون اعتبار لكون ذلك عن ملكة (3).

و فيه: أنّ ترك الكبيرة بقول مطلق و إن كان لا يستلزم الملكة غير أنّ الاستمرار على تركها يستلزمها، و قوله: «لا يخلّ بواجب و لا يرتكب قبيحا» و كذا قوله: «لا يكون مرتكبا للكبائر و لا مصرّا على الصغائر» باعتبار وقوعه في التعريف منسلخ عن الزمان، فيفيد الاستمرار، و لا ريب أنّ الاستمرار في عدم الإخلال بواجب و عدم ارتكاب القبيح أو الكبائر عدم الإصرار على الصغائر لا يكون إلّا عن ملكة.

فالعبارة المذكورة في إفادة هذا المعنى نظير كلام والد الصدوق المحكي عن رسالته إليه: لا تصلّ إلّا خلف رجلين: أحدهما من تثق بدينه و ورعه، و ثانيهما من تتّقي سيفه و سوطه (4).

و كلام المفيد المحكي عن المقنعة: من أنّ العدل من كان معروفا بالدين و الورع و الكفّ عن محارم اللّه (5) بناء على أنّ الورع و الكفّ المقابل لمطلق الترك لا يكونان إلّا عن ملكة نفسانيّة.

____________

(1) السرائر 2: 117.

(2) البحار 88: 25، كفاية الأحكام: 28.

(3) رسالة العدالة للشيخ الأنصاري (رسائل فقهية): 7.

(4) الفقيه 1: 380 ذيل ح 1117 و فيه: «و سطوته» بدل «و سوطه».

(5) المقنعة: 725.

23

نعم ربّما أمكن منع هذه الإفادة فيما حكي عن موضع من الوسيلة: من أنّ العدالة في الدين الاجتناب عن الكبائر و عن الإصرار على الصغائر (1). و ما حكي عن أبي الصلاح: من أنّ العدالة شرط في قبول الشهادة، و يثبت حكمها بالبلوغ و كمال العقل و الإيمان و اجتناب القبائح أجمع (2).

و لكن يمكن منع منافاتها لما تقدّم أيضا، بأنّه لم يقصد من نحو هذه العبائر عدم مدخليّة الملكة في العدالة، بل إنّما قصد بها إفادة أنّ العدالة عبارة عن اجتناب القبائح و عدم الإصرار على الصغائر الناشئ عن الملكة، لا عن الملكة الموجبة لاجتناب القبائح و عدم الإصرار على الصغائر.

و بعبارة اخرى: أنّ العدالة هو اللازم من حيث لزومه من الملكة، لا الملزوم و هو الملكة المستلزمة للاجتناب و عدم الإصرار، كما هو ظاهر ما عرفته من الحلّي و والد الصدوق و المفيد و المجلسي و السبزواري.

و أظهر ما يفيد هذا المعنى عبارة الشيخ في النهاية، حيث عبّر عن العدالة بما يقرب من مضمون صحيحة ابن أبي يعفور الآتية. و قال: العدل الذي يجوز قبول شهادته للمسلمين و عليهم هو أن يكون ظاهره ظاهر الإيمان، ثمَّ يعرف بالستر و الصلاح و العفاف و الكفاف عن البطن و الفرج و اليد و اللسان، و يعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّه تعالى عليها النّار، من شرب الخمر و الزنا و الربا و عقوق الوالدين و الفرار من الزحف و غير ذلك، الساتر لجميع عيوبه، و يكون متعاهدا للصلوات الخمس، مواظبا عليهنّ، حافظا لمواقيتهنّ، متوفّرا على حضور جماعة المسلمين، غير متخلّف عنهم إلّا لمرض أو علّة أو عذر (3) إلى آخر ما ذكره.

خلافا لمن يظهر منه كونها عبارة عن الملزوم من حيث استلزامه، و هو الملكة الموجبة للاجتناب، ممّن يعبّر في تعريفها بالملكة و مرادفاتها المتقدّمة. و كثير من النصوص الواردة في الباب- و لا سيّما صحيحة ابن أبي يعفور- ربما يساعد على

____________

(1) الوسيلة: 230.

(2) الكافي في الفقه: 435.

(3) النهاية: 325.

24

الثاني، و لكن الاعتبارين ممّا لم يترتّب على الفرق بينهما ثمرة في الفروع.

و قد ظهر ممّا بيّناه وقوع خلاف من هذه الجهة بين أصحاب القول بالملكة، و مرجع هذا الخلاف إلى كون الملكة جنسا في مفهوم العدالة أو فصلا فيه، و الفرق بينهما اعتباري، مع اشتراكهما في إفادة مدخلية كلّ من الملكة و الاجتناب و عدم الإصرار، اللازمين منها في العدالة المعتبرة في الشريعة.

و ثانيها: أنّها الإسلام

، بمعنى الإيمان و عدم ظهور الفسق، نسب القول به إلى جماعة من القدماء، كابن الجنيد و المفيد في كتاب الإشراف و الشيخ في الخلاف.

فقال الأوّل- على ما عن المختلف-: كلّ المسلمين على العدالة إلى أن يظهر منه ما يزيلها (1).

و قال الثاني- على ما نقل-: أنّه يكفي في قبول الشهادة ظاهر الإسلام مع عدم ظهور ما يقدح في العدالة (2).

و قال الثالث- على ما حكي-: إن شهد شاهدان يعرف إسلامهما و لا يعرف فيهما قدح حكم بشهادتهما- إلى أن قال-: دليلنا إجماع الفرقة و أخبارهم (3) و نسب ذلك إلى ظاهره أيضا في الاستبصار (4) في كتاب الشهادات، و يظهر اختياره من الصدوق في الهداية حيث قال: المسلمون كلّهم عدول تقبل شهادتهم (5).

و في كون ذلك قولا في معنى العدالة مقابلا للقول بكونها الملكة الرادعة عن ارتكاب الكبائر و الإصرار على الصغائر، نظر بل منع واضح، لأنّ ظاهر هؤلاء ادعاء كون الأصل في المسلم ما لم يظهر منه ما يوجب الفسق هو العدالة، و مرجعه إلى أنّ الإسلام أمارة على العدالة إلى أن يظهر منه ما يقدح فيها من موجبات

____________

(1) المختلف 3: 88.

(2) لم نعثر عليه في الاشراف و نقله في مفتاح الكرامة 3: 80.

(3) الخلاف 6: 217- 216 المسألة 10

(4) الاستبصار 3: 13- 14 ذيل ح 35.

(5) الهداية: 75.

25

الفسق، نظير أصالة الصحّة في فعل المسلم، فكما أنّ الصحّة و الفساد وصفان متقابلان يطرأ ان لفعل المسلم، و الأصل في محلّ الاشتباه هو الصحّة إلى أن يعلم الفساد، و مرجعه إلى أنّ الصحّة في الفعل الصادر من المسلم تحرّز بإسلامه مع عدم ظهور ما يقتضي فساده، فصار الإسلام مع القيد العدميّ أمارة على صحّة فعله لا أنّه نفس الصحّة، فكذلك العدالة و الفسق وصفان متقابلان يطرأ ان نفس المسلم.

و الأصل في محلّ الاشتباه و هو مجهول الحال هو العدالة إلى أن يعلم الفسق، و مرجعه إلى أنّ العدالة فيه تحرّز بإسلامه مع عدم ظهور ما يوجب فسقه، فصار الإسلام مع القيد العدميّ المذكور أمارة على عدالته، لا أنّه بنفسه هو العدالة.

و الذي يدلّ على أنّهم يريدون ذلك أمور:

الأوّل: ما في عبائرهم المتقدمة من قول ابن الجنيد:

«كلّ المسلمين على العدالة إلى أن يظهر منه ما يزيلها» و قول المفيد: «مع عدم ظهور ما يقدح في العدالة» و قول الشيخ: «يعرف إسلامهما و لا يعرف فيهما قدح» فإنّ التعبير بهذه القيود العدميّة يعطي كون الإسلام شيئا و العدالة شيئا آخر، و المزيل إنّما يزيل العدالة، و القادح يقدح فيها مع بقاء الإسلام، فلو كان هو نفس العدالة لزم أن يكون المزيل لها مزيلا له و القادح فيها قادحا فيه، و هو في وضوح الفساد بحيث لا يظنّ بأحد القول به، فتأمّل.

الثاني: ما عن ابن الجنيد (1) من الاستدلال على الأصل الذي ادعاه

، من أنّ إسلام المسلم يقتضي عدم الإخلال بواجب و لا الإقدام على محرّم إلى أن يصرفه صارف، فإنّه كالصريح في أنّ العدالة وصف يلحق المسلم باعتبار عدم الإخلال بالواجبات و عدم ارتكاب المحرّمات، لا أنها نفس الإسلام.

الثالث: عبارة الشيخ في الخلاف عند الاستدلال على ما ادعاه

، فإنّه بعد ما استدلّ بإجماع الفرقة و أخبارهم، زاد عليه علاوة بقوله: و أيضا الأصل في الإسلام

____________

(1) الظاهر عدم ورود استدلال عن ابن الجنيد على مذهبه، و لعلّ الاستدلال المذكور تبرّعي عن بعض العلماء، راجع مفتاح الكرامة 3: 81.

26

العدالة و الفسق طار عليه يحتاج إلى دليل، و أيضا نحن نعلم أنّه ما كان البحث في أيّام النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و لا أيّام الصحابة و التابعين، و إنّما هو شيء أحدثه شريك بن عبد اللّه القاضي، فلو كان شرطا لما أجمع أهل الأمصار على تركه (1) انتهى.

فإنّ أوّل هذين الوجهين صريح في كون العدالة أصلا في المسلم، لا أنّ الإسلام نفس العدالة. و ثانيهما يعطي كون أصالة العدالة في المسلم أصلا فائدته سقوط البحث و الفحص عن عدالته، كما أنّ أصالة الصحّة في فعله أصل فائدته سقوط البحث و الفحص عن صحّته.

و أصرح ممّا ذكر في إفادة ذلك عبارته المحكيّة عن الاستبصار، فإنّه بعد ما روى خبر عبد اللّه بن أبي يعفور و ذكر بعده مرسلة يونس المخالفة له المصرّحة بعدم وجوب المسألة عن باطن الشاهد، تصدّى لعلاج التّعارض بينها و بينه، فقال:

إنّه لا ينافي الخبر الأوّل من وجهين:

أحدها: أنّه لا يجب على الحاكم التفتيش عن بواطن الناس، و إنّما يجوز له أن يقبل شهادتهم إذا كانوا على ظاهر الإسلام و الأمانة، و أن لا يعرفهم بما يقدح فيهم و يوجب تفسيقهم، فمن تكلّف التفتيش عن أحوالهم يحتاج إلى أن يعلم أنّ جميع الصفات المذكورة في الخبر الأوّل منتفية عنهم، لأنّ جميعها يوجب القدح في قبول الشهادة.

الثاني: أن يكون المقصود بالصفات المذكورة في الخبر الأوّل الإخبار عن كونها قادحة في الشهادة و إن لم يلزم التفتيش عنها و المسألة و البحث عن حصولها و انتفائها، و تكون الفائدة في ذكرها أنّه ينبغي قبول شهادة من كان ظاهره الإسلام و لا يعرف منه شيء من هذه الأشياء، فإنّه متى عرف فيه أحدها قدح ذلك في شهادته (2) انتهى.

فهذا كلّه آية أنّ مراد هؤلاء من كفاية ظهور الإسلام و عدم ظهور الفسق في العدالة، كفايته في مقابلة الفحص و التفتيش و السؤال عن وجود صفة العدالة

____________

(1) الخلاف 3: 313 المسألة 10

(2) الاستبصار 1: 13- 14 ح 34 و 35 و ذيله.

27

أو ضدّها، لا في مقابلة أصل العدالة على أن يكون هو العدالة لا غير، و لذا ترى أنّ الشهيد الثاني في المسالك و غيره أورد الخلاف بين القدماء و المتأخّرين في العدالة بعنوان وجوب البحث و عدمه.

قال في المسالك في باب القضاء: و إن عرف إسلامهم و لم يعرف أمرا آخر غيره من جرح و لا تعديل فهذا ممّا اختلف فيه الأصحاب، فالمشهور بينهم خصوصا المتأخّرين منهم أنّه يجب البحث عن عدالتهم، و لا يكفي الاعتماد على ظاهر الإسلام (1) انتهى.

و مقابل هذا القول قول القدماء بكفاية الاعتماد على ظاهر الإسلام في الحكم بعدالة الشهود و ترتيب الآثار عليها، و عدم وجوب البحث عن عدالتهم.

فوجه اعتبار الإسلام بالقياس إلى العدالة عندهم وجه الطريقيّة لا وجه العينيّة، فلا خلاف لهم في أنّ العدالة في المسلم صفة أخرى زائدة على إسلامه، كيف و أنّ القدماء بعضهم لسان بعض، و قد عرفت سابقا عبارة الشيخ في النهاية.

و قال القاضي ابن البرّاج فيما حكي عنه: إنّ العدالة تثبت في الإنسان بشروط و هي: البلوغ، و كمال العقل، و الحصول على ظاهر الإيمان، و الستر و العفاف، و اجتناب القبائح، و نفي التهمة و المظنّة، و الحسد و العداوة (2) انتهى.

و عن التقي أبي الصلاح الحلبي: أنّه يثبت حكمها بالبلوغ، و كمال العقل و الإيمان، و اجتناب القبائح أجمع (3) إلى آخر ما ذكره.

و على هذا كلّه فما في المبسوط في تعريف العدل في الدين بقوله: «إنّ العدل في اللغة أن يكون الإنسان متعادل الأحول متساويا، و في الشريعة من كان عدلا في دينه عدلا في مروّته عدلا في أحكامه، فالعدل في الدين أن يكون مسلما لا يعرف منه شيء من أسباب الفسوق، و في المروّة أن يكون مجتنبا للأمور التي

____________

(1) المسالك 2: 290.

(2) المهذّب 2: 556 و فيه: «و الظنة» بدل «و المظنّة».

(3) الكافي في الفقه: 435.

28

تسقط المروّة مثل الأكل في الطرقات، و مدّ الرجل بين الناس، و لبس الثياب المصبغة و ثياب النساء و ما أشبه ذلك، و العدل في الأحكام أن يكون بالغا عاقلا» (1) إلى آخر ما ذكره، لا بدّ من حمله على كونه تعريفا للإنسان العدل بما هو طريق إلى العدالة لا تعريفا لنفس العدالة و لذا عدل الحلّي في السرائر عن هذا التعبير، و قال:

إنّ العدل في الشريعة هو من كان عدلا في دينه عدلا في مروّته عدلا في أحكامه، فالعدل في الدين أن لا يخلّ بواجب و لا يرتكب قبيحا، ثمَّ جعل ما عرفته عن الشيخ قريبا من ذلك بقوله: و قيل: أن لا يعرف منه شيء من أسباب الفسق و هذا قريب أيضا (2).

و ثالثها: أنّها حسن الظاهر

، المعبّر عنه بظهور الصلاح، نسب ذلك إلى جماعة، بل أكثر القدماء. و في كون ذلك أيضا قولا في معنى العدالة نظر، بل منع، بل هذا أيضا كسابقه يراد به جعل الأمارة المسقطة لوجوب البحث و المسألة عن العدالة، لا اعتباره نفس العدالة، كما جزم به بعض مشايخنا أيضا قائلا- بعد نقل القولين-:

و لا ريب أنّهما ليسا قولين في العدالة و إنّما هما طريقان للعدالة، ذهب إلى كلّ منهما جماعة، و لذا ذكر جماعة من الأصحاب- كالشهيد في الذكرى و الدروس و المحقّق في الجعفرية و غيرهما- هذين القولين في عنوان ما به يعرف العدالة (3).

أقول: و من ذلك أيضا كلام السبزواري في الكفاية حيث قال: لا أعرف خلافا بين الأصحاب في اعتبار عدالة الشاهد، لكنّ الخلاف فيما يتعلّق بهذا المقام في أمور، إلى أن قال:- بعد ذكر الأوّل و الثاني من الأمور-: الثالث: الحكم بالعدالة هل يحتاج إلى التفتيش و الخبرة و البحث عن البواطن، أم يكفي الإسلام و حسن الظاهر ما لم يثبت خلافه؟ و الأقوى الثاني (4) انتهى.

ثمَّ إنّ شيخنا المتقدّم (قدّس سرّه) احتجّ لنفي كونهما قولين في العدالة، بأنّه لا يعقل

____________

(1) المبسوط 8: 217.

(2) السرائر 2: 117.

(3) رسالة العدالة للشيخ الأنصاري (رسائل فقهية): 8.

(4) الكفاية: 279.

29

كون عدم ظهور الفسق أو حسن الظاهر نفس العدالة، لأنّ ذلك يقتضي كون العدالة من الأمور التي يكون وجودها الواقعي عين وجودها الذهني، و هذا لا يجامع كون ضدّها- أعني الفسق- أمرا واقعيّا لا دخل للذهن فيه، و حينئذ فمن كان في علم اللّه مرتكبا للكبائر مع عدم ظهور ذلك لأحد يلزم أن يكون عادلا في الواقع فاسقا في الواقع، لأنّ المفروض أنّ وجودها الواقعي عين وجودها الذهني، و أمّا بطلان اللازم فغنيّ عن البيان، و لذا لو اطّلع على أنّ شخصا كان في الزمان السابق مع اتصافه بحسن الظاهر لكلّ أحد مصرّا على الكبائر يقال: كان فاسقا و لم نطّلع، و لا يقال: كان عادلا فصار فاسقا عند اطّلاعنا (1).

أقول: هذا ينهض ردّا على القولين، على تقدير كونهما قولين في معنى العدالة، و لا ينهض شاهدا بكون مراد القائلين بهما اعتبار عدم ظهور الفسق أو حسن الظاهر طريقين إلى العدالة، و مع هذا فأمكن المناقشة فيه، بأنّ جعل مذهب ابن الجنيد و الشيخين عدم ظهور الفسق مبني على الأخذ بأحد محتملات كلام بعضهم، و هو كون العدالة عندهم مجرّد عدم ظهور الفسق لا ظهور الإسلام و لا المجموع منه و من عدم ظهور الفسق.

و يدفعه: أنّ الأظهر من أكثر كلماتهم المصرّح به في كلام أكثر نقلة هذا القول، كون العدالة عندهم هو المجموع من الإسلام و عدم ظهور الفسق، بل هو صريح ما تقدّم من عبارة الشيخ في المبسوط، من قوله: العدل في الدين أن يكون مسلما لا يعرف منه شيء من أسباب الفسوق.

و عليه، فيرد على الوجه المذكور منع نهوضه لردّ هذا القول، لعدم منافاته كون العدالة المفسّرة بذلك عندهم- كالفسق- أمرا واقعيّا لا دخل للذهن فيه، لإمكان توجيهه بأنّ العدالة عندهم وصف مركّب عن أمر وجوديّ و هو الإسلام بمعنى الإيمان، و أمر عدميّ و هو عدم ارتكاب الكبائر و الإصرار على الصغائر، بناء على أن ليس المراد من الظهور في قولهم: «عدم ظهور الفسق» ما يقابل الخفاء، بل أريد

____________

(1) رسالة العدالة للشيخ الأنصاري (رسائل فقهية): 9.

30

به ما يرادف الوجود، على معنى خروج الفسق من القوّة إلى الفعل بارتكاب الكبائر أو الإصرار على الصغائر، و عليه فيكون العدالة و الفسق معا أمران واقعيّان لا دخل للذهن فيهما، فلا يلزم في شيء من الموارد أن يكون الشخص عادلا واقعيّا فاسقا واقعيّا، بل هو على وجه الانفصال الحقيقي إمّا عادل واقعيّ أو فاسق واقعيّ.

نعم له وجه على القول بكون العدالة حسن الظاهر على معنى ظهور الصلاح، بناء على عدم اعتبار مصادفته لاجتناب الكبائر و عدم الإصرار على الصغائر، و حينئذ يلزم أن يكون وجودها الواقعيّ عين وجودها الذهني، على معنى أن يكون للذهن و الاعتقاد مدخليّة في واقعيّته.

و مرجعه إلى كون العدالة عبارة عن أمر ذهنيّ يدخل فيه الاعتقاد، و من حكمه أن يختلف باختلاف الأذهان و الاعتقادات، و يلزم من ذلك باعتبار قرينة المقابلة أن يكون الفسق أيضا أمرا ذهنيا يدخل فيه الاعتقاد، فيلزم كون شخص عادلا عند من ظهر صلاحه، فاسقا عند من ظهر فسقه، على معنى ارتكابه الكبائر أو إصراره على الصغائر و هو واضح الفساد، باعتبار أنّ العدالة و الفسق عندهم وصفان متضادّان، و من حكم المتضادّين أن لا يجامع أحدهما ضدّه، و لذا يقال فيمن كان في الواقع مرتكبا للكبائر أو مصرّا على الصغائر في الزمان السابق، مع اتّصافه بحسن الظاهر ثمّة عند كلّ أحد ثمَّ بان الخلاف: إنّه كان فاسقا و لم نطّلع عليه، و لا يقال: إنّه كان عادلا و صار فاسقا عند اطّلاعنا.

هذا مع إمكان منع وروده على هذا القول و سابقة معا، بتقريب أن يقال: إنّ الأصحاب بعد إطباقهم على أنّ العدالة لا تتحقّق إلّا باجتناب الكبائر و عدم الإصرار على الصغائر و أنّ هذا القدر ممّا لا بدّ منه في معنى العدالة، اختلفوا في اعتبار أمر آخر معه.

فذهب جماعة إلى أنّه يعتبر فيها مع ذلك وجود الملكة على معنى كون الاجتناب المذكور عن كيفيّة نفسانيّة راسخة في النفس.

31

و ذهب آخرون إلى أنّه لا يعتبر فيها وجود الملكة و لكن يعتبر مع ما ذكر حسن الظاهر، فالعدالة حينئذ هو حسن الظاهر المصادف لاجتناب الكبائر و عدم الإصرار على الصغائر.

و زعم آخرون أنّه لا يعتبر فيها ملكة و لا حسن ظاهر، بل يكفي فيها مع ما ذكر الإسلام، فالعدالة حينئذ هو الإسلام مع عدم ظهور الفسق على معنى عدم خروجه من القوّة إلى الفعل، و هو عبارة أخرى لاجتناب الكبائر و عدم الإصرار على الصغائر.

و الأوّل أخصّ من الأخيرين، لأنّ وجود الملكة بعد الإسلام يستلزم حسن الظاهر، و حسن الظاهر لا يستلزم الملكة، و مجرّد الإسلام لا يستلزمهما معا.

و يظهر الثمرة بين الأوّل و الأخيرين في وجوب الفحص و التفتيش و المسألة للاطّلاع على الباطن، فإنّ الملكة لكونها صفة نفسانيّة- و هي أمر وجودي معتبر في معنى العدالة- لا بدّ في إحرازها من العلم بوجودها، و لا يمكن إحرازها بالأصل، و لا يحصل العلم إلّا بالصحبة المؤكّدة و المعاشرة التامة، و أمّا الاجتناب و عدم الإصرار فيمكن إحرازهما بالأصل على جميع الأقوال، لأنّ الأصل عدم ارتكاب المعصية كبيرة أو صغيرة فضلا عن الإصرار عليها.

و منشأ هذا الاحتمال في توجيه الخلاف و الجمع بين الأقوال على الوجه المذكور كلام السيد صدر الدين في شرحه للوافية، فإنّه في جملة كلام له عند المناقشة في القول بالملكة قال: إنّ من لا يقول بالملكة يقول باشتراط حسن الظاهر و اجتناب الكبائر و الصغائر إلّا القليل ممّن يكتفي بالإسلام (1) انتهى.

و قوله: «إلّا القليل. إلخ» استثناء من اشتراط حسن الظاهر، فلا ينفي ما ذكرناه من أنّ أهل القول بكفاية الإسلام أيضا يعتبرون اجتناب الكبائر و الصغائر.

و قضيّة هذا كلّه كون العدالة على جميع الأقوال أمرا واقعيّا لا دخل للذهن و الاعتقاد فيها، هذا.

____________

(1) شرح الوافية: الورقة 79.

32

و لكنّ الإنصاف أنّ كلمات أهل القول بكفاية الإسلام مع عدم ظهور الفسق على ما بيّناه بين ظاهرة و صريحة في نفي اعتبار الفحص و التفتيش لإحراز العدالة من دون تعرّض لبيان أنّه يدخل فيها الملكة أو لا. فكلامهم محتمل لكلّ من القولين باشتراط وجود الملكة و عدمه. و كلمات أهل القول بحسن الظاهر أيضا بين محتملة و ظاهرة، بل صريحة أيضا في نفي وجوب الفحص و التفتيش، بناء منهم على أنّ الشارع جعل حسن الظاهر طريقا لإحراز العدالة من دون تعرّض فيها لبيان اعتبار وجود الملكة في العدالة أيضا و عدمه. نعم لا نضائق اتّفاق من قال في العلماء بأنّ العدالة هو نفس حسن الظاهر، لكن كونه قولا ممّن يعتنى بشأنه من أصحابنا كالفاضلين و الشهيدين و أضرابهما غير واضح.

و بالجملة كلمات الأصحاب في المسألة- ككلمات المتعرّضين منهم لنقل قولهم فيها و خلافهم و وفاقهم في معنى العدالة، أو في الطرق المثبتة لها الكاشفة عنها- في غاية التشويش و الاضطراب.

فالأنسب التكلّم تارة فيما يعتبر شرعا في معنى العدالة و ما لا يعتبر من الاجتناب عن الكبائر و الصغائر أو الإصرار عليها و منافيات المروّة و وجود الملكة و غير ذلك، و اخرى فيما يحرز به العدالة من الطرق و ما توهّم كونه طريقا من الأصل و الإسلام مع عدم ظهور الفسق و حسن الظاهر و غير ذلك.

33

المقام الثاني فيما يعتبر و ما لا يعتبر شرعا في معنى العدالة

و فيه مراحل:

المرحلة الاولى:

في أنّ الظاهر أنّه لا خلاف في اعتبار الاجتناب عن الكبائر بحسب الواقع في العدالة الشرعية، و عباراتهم المشعرة بانعقاد الإجماع عليه كثيرة:

منها: عبارة السيّد الشارح للوافية و قد سمعتها. و من ذلك أيضا إجماعهم المحصّل و المنقول على كون ارتكاب الكبائر قادحا فيها، موجبا للفسق المضادّ لها.

و الأصل في ذلك من جهة الأخبار صحيحة عبد اللّه ابن أبي يعفور المرويّة في الفقيه و التهذيب مع اختلاف يسير بين الكتابين في بعض ألفاظها، و هي على ما في الفقيه، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم و عليهم؟ فقال: أن تعرفوه بالستر و العفاف و كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان، و يعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّه عزّ و جلّ عليها النار، من شرب الخمر و الزنا و الربا و عقوق الوالدين و الفرار من الزحف، و غير ذلك.

و الدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساترا لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين

34

ما وراء ذلك من عثراته و عيوبه و تفتيش ما وراء ذلك، و يجب عليهم تزكيته و إظهار عدالته في الناس، و يكون منه التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهنّ و حفظ مواقيتهنّ بحضور جماعة من المسلمين، و أن لا يتخلّف عن جماعتهم في مصلّاهم إلّا من علّة، فإذا كان كذلك لازما لمصلّاه عند حضور الصلوات الخمس، و إذا سئل عنه في قبيلته و محلّته قالوا: ما رأينا منه إلّا خيرا مواظبا على الصلوات متعاهدا لأوقاتها في مصلّاه، فانّ ذلك يجيز شهادته و عدالته بين المسلمين، و ذلك أنّ الصلاة ستر و كفّارة للذنوب، و ليس يمكن الشهادة على الرجل بأنّه يصلّي إذا كان لا يحضر مصلّاه و يتعاهد جماعة المسلمين، و إنّما جعل الجماعة و الاجتماع إلى الصلاة لكي يعرف من يصلّي ممّن لا يصلّي، و من يحفظ مواقيت الصلاة ممّن يضيّع، و لو لا ذلك لم يمكن أحد أن يشهد على آخر بصلاح، لأنّ من لا يصلّي لا صلاح له بين المسلمين، فإنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) همّ بأن يحرق قوما في منازلهم، لتركهم الحضور لجماعة المسلمين، و قد كان منهم من يصلّي في بيته فلم يقبل منه ذلك، و كيف يقبل شهادة أو عدالة بين المسلمين ممّن جرى الحكم من اللّه عزّ و جلّ و من رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فيه بالحرق في جوف بيته بالنار؟! و قد كان يقول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لا صلاة لمن لا يصلّي في المسجد مع المسلمين إلّا من علّة (1).

و موضع الدلالة من الرواية على ما نحن فيه قوله (عليه السلام): «و أن يعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّه عزّ و جلّ عليها النار» في جواب السؤال عن العدالة بقوله:

بما تعرف عدالة الرجل؟ فإنّ السؤال «بما» الشارحة ما يطلب به معرّف ذلك الشيء، و لا ينافيه التعبير بقوله: «يعرف» مضافا إلى العدالة، لأنّ كلّ معرّف بالكسر ما يعرف به المعرّف بالفتح، و لا فرق في ذلك بين كون العدالة في اعتقاد السائل مبقاة في لسان الشارع على معناها اللغوي، و حيثما ورد في لسان الشارع و تابعيه على المعنى الشرعي فقد ورد على وجه الحقيقة من باب إطلاق الكلّي على الفرد،

____________

(1) الفقيه 3: 38 ح 3280، التهذيب 6: 241 ح 596.

35

بناء على أنّها لغة عبارة عن الاستقامة المطلقة على الجادّة المطلقة، و عدم الميل و الانحراف عنها، سواء كانت حسّية أو معنويّة، متعلّقة بالعادة أو بالشريعة، فالفرد من هذا المفهوم العامّ الذي أطلق عليه اللفظ هو الاستقامة على جادّة الشريعة، أو منقولة في الشرع إلى هذه الجادّة الخاصّة من باب النقل من العامّ إلى الخاصّ، أو من المباين إلى مثله، بناء على كونها لغة لاستقامة خاصّة و هي الاستقامة على الجادّة الحسّية كما قوّيناه سابقا. و على جميع التقادير فقد طلب السائل «بما» الشارحة تمام الحقيقة الاستقامة الشرعيّة التي أطلق عليها، أو نقل إليها لفظ العدالة، و قد ورد على طبقه الجواب مشتملا على مراتب ثلاث من التعريف الإجمالي، و تفصيلي غير مانع و لا جامع، و تفصيلي مانع و جامع.

أمّا الأوّل فقوله: «أن يعرفوه بالستر و العفاف» أي يعرفوه متّصفا بالستر و العفاف، و الستر بالكسر- على ما عن القاموس- هو الخوف و الحياء و العمل، و الظاهر إرادة الحياء هنا، و هو تغيّر و انكسار يعتري الإنسان ممّا يخاف أن يعاب به و يذمّ عليه، أو يعاقب و يعذّب عليه من فعل أو ترك دعاه هوى نفسه إلى الركوب عليه، و محصّله هنا الاستحياء من اللّه تعالى عند تهيّؤ أسباب معصيته تعالى بترك واجب أو فعل محرّم، الرادع له عن الإقدام عليها، و لذا ورد في الحديث: «أنّ الحياء من الإيمان» (1) و في آخر: «الحياء من شعب الإيمان» (2) و علّل بأنّ المستحيي ينقطع بحيائه عن المعاصي.

و القرينة على تعيّن حمل الستر في الرواية عليه قوله (عليه السلام) فيما بعد: «و الدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساترا لجميع عيوبه» فإنّ الستر هنا عبارة عن الاستحياء من الناس في ركوب القبائح و المعاصي، و ينهض ذلك قرينة على ارادة الاستحياء من اللّه من الأوّل حذرا عن اتّحاد الدليل و المدلول.

و ربّما حمل على ارادة العفاف تمسّكا بما عن الصحاح من مجيئه لهذا

____________

(1) الكافي 2: 106 ح 1.

(2) عوالي اللئالي 1: 59 ح 90، و فيه: «الحياء شعبة من الإيمان».

36

المعنى، يقال: رجل ستير، أي عفيف، و منه جارية ستيرة، فالمراد به في الرواية إمّا ما يرادف العفاف أو ما يلازمه و هو الاستحياء من اللّه، و العفاف: عبارة عن كفّ النفس عن محارمه تعالى خوفا و استحياء منه، فهذا تعريف إجمالي للعدالة.

و أمّا الثاني فقوله: «و كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان» أي كفّ هذه الجوارح عن المعاصي الصادرة منها، فإنّ ذلك عطف تفسير للأوّل، قصد به نوع بيان تفصيلي له، غير أنّه في مقام التعريف غير مانع و لا جامع، لأنّ المعاصي الصادرة من الجوارح الأربع مع عدم تناولها لسائر الكبائر المعتبر اجتنابها في العدالة فتخرج عن التعريف، تعمّ الكبائر و الصغائر الصادرة من هذه الجوارح، و ستعرف أنّ الاجتناب عن الصغيرة ما لم يلحقه الإصرار ليس معتبرا في العدالة بحسب الشرع، و أنّ ارتكابها من غير إصرار غير قادح فيها.

و أمّا الثالث فقوله (عليه السلام): «و أن يعرف باجتناب الكبائر. إلخ» فإنّ الكبائر باعتبار المادة و هي الكبيرة لا تعمّ الصغائر، فيخرج بها فعل الصغيرة، و باعتبار الهيئة و هي الجمع المحلّى تعمّ سائر الكبائر ممّا ذكر في المرتبة السابقة و ما لم يذكر. و بالجملة فهي تتضمّن تخصيصا و تعميما بالاعتبارين، و به يحصل المنع و الجمع، و يتمّ تعريف العدالة باجتناب الكبائر مطّردا و منعكسا.

و أمّا ما يقال في المناقشة في الدلالة المذكورة: من أنّ قوله (عليه السلام): «أن يعرفوه بالستر و العفاف. إلخ» ليس بيانا لمعنى العدالة بل هو بيان لعلاماتها و أماراتها الكاشفة عنها، لمكان قول الراوي: «بم تعرف عدالة الرجل؟» فإنّه باعتبار أنّه سؤال عمّا يعرف به العدالة ليس سؤالا عن معناها، فهو يدلّ على معلوميّة أصل المعنى عند السائل، و إنّما سئل عمّا يعرف به حصول ذلك المعنى و تحقّقه في الرجل.

فيدفعه: ما بيّناه في تقرير وجه الدلالة من أنّ المعرّف ما يعرف به المعرّف، فيصحّ كون العبارة المذكورة سؤالا عن المعرّف، غاية الأمر صحّة ورودها أيضا سؤالا عن الأمارة، و لكن يتعيّن حملها على طلب المعرّف بقرينة قوله (عليه السلام)

37

«و الدلالة على ذلك كلّه. إلخ» فإنّ قضيّة ما ذكر كون ما ذكره (عليه السلام) فيما بعد من باب الدليل على الدليل، و هو بعيد عن لفظ الرواية.

و أبعد منه كونه عين الدليل الأوّل، للزومه التكرار في ذكر الدليل على العدالة، مع أنّه لو حمل الستر و العفاف و كفّ الجوارح الأربع و اجتناب الكبائر على دليل العدالة لم يبق وراء هذه ما يكون معنى العدالة مدلولا عليه بذلك الدليل، عدا عدم ظهور الفسق أو حسن الظاهر مع الإسلام، و هذا كما ترى خروج عن ضابطة الدليل و المدلول، لوجوب كون الدليل أجلى و أعرف من المدلول، و هو ها هنا بمقتضى الفرض أخفى، مع أنّ الدليل لا مانع من كونه أعمّ، و كونه أخصّ ضائر في دليليته، و لا ريب أنّ كلّا من الأمرين أعمّ من الاتصاف بالصفات المذكورة.

المرحلة الثانية: في أنّه هل يعتبر فيها مع اجتناب الكبائر اجتناب الصغائر

أيضا مطلقا، فارتكاب الصغيرة أيضا قادح فيها و لو مع عدم الإصرار أو لا؟ كما هو المشهور شهرة كادت تبلغ الإجماع، حيث يعتبرون الإصرار مع الصغيرة، بل لم نقف على مصرّح بالأوّل في القدماء و المتأخّرين.

نعم ربّما يظهر القول به من إطلاق عبائر جماعة من القدماء كالقاضي و أبي الصلاح و ابن إدريس و المفيد (1) لتعبيرهم باجتناب القبائح و عدم ارتكاب القبيح و الورع عن محارم اللّه، المتناول بإطلاق هذه الألفاظ لكلّ ذنب كبيرة أو صغيرة، و قد سمعت عبارات من عدا المفيد، و أمّا هو فعبارته على ما حكي: أنّ العدل من كان معروفا بالدين و الورع عن محارم اللّه.

و لعلّه لأجل ظهور هذه العبارات قد يجعل المسألة ذات قولين، و نسب القول الأوّل إلى هؤلاء المذكورين و إلى الشيخ الطبرسي في مجمع البيان (2) و إلى الشيخ في العدّة (3) حيث ذكر فيها- على ما نقل- أنّ العدل من لم يذنب أو يذنب و يتوب.

و فيه نظر، إذ ليس فيه إلّا الدلالة من حيث المفهوم على أنّ من يذنب و لا

____________

(1) المهذّب 2: 556، الكافي في الفقه: 435، السرائر 2: 117، المقنعة: 725.

(2) مجمع البيان 3: 38

(3) لم نعثر عليه في العدة.

38

يتوب ليس عدلا، و هذا ليس بصريح و لا ظاهر في اختيار القول المذكور، لجواز ابتنائه على القول بكون فعل الصغيرة مع عدم التوبة عنها إصرارا على الصغيرة.

و هاهنا نظر آخر في نسبة القول المذكور إلى الجماعة، لجواز ابتنائه منهم على أمر موضوعيّ، و هو كون كلّ ذنب كبيرة و عدم انقسام الذنوب إليها و إلى الصغيرة كما نسب القول بذلك إليهم، و ستعرف التصريح به في كلام ابن إدريس و محكي الطبرسي فيؤول كلامهم حينئذ إلى قدح الكبيرة في العدالة، و هذا ينفي الخلاف في الكبرى، و النزاع في الصغرى أمر آخر لا دخل له فيما نحن فيه، إلّا أن يدّعى القول بعدم الفرق بينهما حكما من بعض القائلين بالفرق بينهما موضوعا، أو يخرج من الخلاف في الصغرى نزاع كبروي، بإسقاط عنواني الكبيرة و الصغيرة، و يعبّر عن عنوان المسألة بأنّه هل يقدح كلّ ذنب في العدالة و لو مع عدم الإصرار أو لا، بل يفرّق بين الذنوب بكون بعضها قادحا و هو المسمّى بالكبيرة و بعضها غير قادح و هو المسمّى بالصغيرة على المشهور قولان.

احتجّ للأوّل منهما بوجوه:

الأوّل: الأولويّة المدّعى كونها قطعيّة بالقياس إلى فعل منافيات المروّة، فإنّه إذا كان قادحا في العدالة مع كونه مباحا، فلأن يكون فعل الصغيرة قادحا طريق الأولويّة لكونه معصية.

و بعبارة اخرى أنّ الاجتناب عمّا ينافي المروّة إذا اعتبر في معنى العدالة شرعا مع عدم كونه معصية، فلا بد و ان يعتبر الاجتناب عن الصغيرة فيها بطريق اولى لكونها معصية.

الثاني: منطوق آية النبإ (1) القاضي بعدم قبول نبأ الفاسق الا بعد التبين لشرعا مع عدم كونه معصية، فلا بد و ان يعتبر الاجتناب عن الصغيرة فيها بطريق اولى لكونها معصية و لا ريب أنّ الشهادة نبأ، و فاعل الصغيرة فاسق، فإنّ الفاسق لغة و عرفا من خرج عن طاعة اللّه عزّ و جلّ، و كما أنّ فعل الكبيرة خروج عن طاعة اللّه فكذلك فعل الصغيرة، لتساويهما في مخالفة النهي.

____________

(1) الحجرات: 6.

39

الثالث: عموم قوله تعالى وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا (1) فإنّ الركون هو الميل القليل إلى الشيء، و الظلم وضع الشيء على غير مستحقّه، و فاعل الصغيرة ظالم لنفسه فلا يجوز الركون إليه.

الرابع: قوله في رواية ابن أبي يعفور المتقدّمة: «أن تعرفوه بالستر و العفاف» و قوله أيضا: «و الدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساترا لجميع عيوبه» و فاعل الصغيرة ليس متستّرا و لا ساترا لجميع عيوبه.

الخامس: ما في رواية صالح بن علقمة الآتية من قوله: فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا أو لم يشهد عليه الشاهدان فهو من أهل العدالة و الستر و شهادته مقبولة و إن كان في نفسه مذنبا.

فإنّ النكرة في سياق النفي تفيد العموم، فتعمّ الصغائر و كلّ ذنب، أو أنّه بالمفهوم يدلّ على أنّ من تره بعينك يرتكب ذنبا فليس من أهل العدالة، و إطلاق الذنب يعمّ الصغيرة أيضا.

و في الكلّ ما ترى.

أمّا الأوّل: فلأنّ كون المروّة معتبرة في العدالة أوّل المسألة، و على القول بالاعتبار فالأظهر- على ما ستعرفه- كونها معتبرة في صحّة عدالة الشاهد، على معنى ترتّب الآثار الشرعية عليها لا في مفهوم العدالة، بل لا يبعد القول بكونها معتبرة في طريق العدالة، و هو حسن الظاهر- على ما ستعرفه- سواء قلنا بطريقيّته من باب الظنّ الشخصي أو الظنّ النوعي أو من باب التعبّد، لأنّ العمدة من دليل اعتبارها قوله: «أن يكون ساترا لجميع عيوبها» بناء على حمل العيوب على ما يعمّ العيوب الشرعيّة و العيوب العرفيّة، و هذا على ما أشرنا إليه و ستعرف مفصّلا طريق للعدالة، و معنى اعتبارها في الطّريق أنّه بدونها لا يفيد الظنّ الشخصي بوجود الملكة الرادعة، و لا أنّه بحيث لو خلّي و طبعه يفيده، و لا أنّه ممّا يتعبّد به شرعا في

____________

(1) هود: 115.

40

الحكم بوجودها و ترتيب آثارها على من جهل حاله من حيث وجودها و العدم.

و أمّا الثاني: فلأنّ آية النبإ (1) تفيد حكما للفاسق، و من المستحيل إحراز ذلك الموضوع بنفس تلك الآية، فلا فائدة في توسيط الاستدلال بها، بل العادل و الفاسق موضوعان متقابلان رتّب عليهما الشارع أحكاما متقابلة، فإذا شكّ في اعتبار قيد في مفهوم الأوّل شرعا أوجب ذلك وقوع الشكّ في اعتبار خلافه في مفهوم الثاني، فإذا استدل على دخول اجتناب الصغائر أيضا في مفهوم العدالة بما اشتهر من أنّ الفاسق من خرج عن طاعة اللّه لم يكن للآية دخل في ذلك الاستدلال أصلا، و مع هذا فيتطرّق المنع إلى كون الفاسق لمطلق من خرج عن طاعة اللّه و لو بارتكاب صغيرة، كيف! و هو مبني على كون العدالة بحسب الشرع هي الاستقامة على جادّة الشريعة و عدم الانحراف منها على وجه عام و هو مجانبة كلّ ذنب، لا على وجه خاصّ و هو مجانبة خصوص الكبائر، و الشكّ في كون العادل لأيّ المفهومين يسري إلى الشكّ في كون الفاسق لأيّ المفهومين، من الخروج عن طاعة اللّه على وجه عام أو الخروج عنها على وجه خاصّ.

و أمّا الثالث: فلأنّ المتبادر من الظلم في قوله تعالى وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا (2) هو الظلم على الغير، فالآية في شأن سلاطين الجور، و لذا روي عن الكافي عن الصادق (عليه السلام): هو الرجل يأتي السلطان فيحبّ بقاءه إلى أن يدخل يده كيسه فيعطيه (3).

و لو سلّم كون المراد منه الظالم على نفسه فالمتبادر منه أهل الكفر و الشرك أو الخوض في الكبائر، فعن ابن عباس وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا أي لا تميلوا إلى المشركين في شيء من دينكم (4)، و عن السدي: أي لا تداهنوا الظلمة (5)، و المداهنة المساهلة و ترك المناصحة. و من ذلك حديث الباقر (عليه السلام) حيث قال:

أوحى اللّه تعالى إلى شعيب النبي أنّي معذّب من قومك مائة ألف، أربعين ألفا من

____________

(1) الحجرات: 6.

(2) هود: 113.

(3) الكافي 5: 108 ح 12.

(4) مجمع البيان 5: 200.

(5) مجمع البيان 5: 200.

41

شرارهم، و ستّين ألفا من خيارهم، فقال: يا ربّ هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار، فأوحى اللّه إليه داهنوا أهل المعاصي و لم يغضبوا لغضبي (1).

و عن القاضي: إمّا الركون إلى الظالمين المنهيّ عنه هو الدخول معهم في ظلمهم و إظهار الرضاء بفعلهم و إظهار موالاتهم، فأمّا الدخول عليهم و مخالطتهم و معاشرتهم فجائز (2).

و أمّا الرابع: فلأنّ الستر و العفاف و كفّ الجوارح الأربع و إن كانا بإطلاقهما يعمّان جميع الذّنوب، غير أنّ وصف الكبيرة في قوله: و أن يعرف باجتناب الكبائر- الذي هو ثالث المعرّفات بقرينة ما ستعرفه من انقسام الذنوب إلى الكبائر و الصغائر- وصف احترازيّ، فينهض ذلك لتقييدهما بالكبائر.

و يشكل بأنّ الاحتراز إن كان لمفهوم الوصف فهو غير حجّة، و إن كان لمفهوم الحدّ فيعارضه مفهوم الحدّ في قوله: «و كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان» إذ كما أنّ تعريف العدالة باجتناب الكبائر يدلّ مفهوما على عدم اعتبار اجتناب الصغائر فيها مطلقا، سواء كانت ناشئة من الجوارح الأربع أو من غيرها، فتعريفها بكفّ الجوارح الأربع عن المعاصي الناشئة منها يدلّ مفهوما على عدم اعتبار المعاصي الأخر فيها، كبيرة كانت أو صغيرة، و مفهوم كلّ يعارض منطوق الآخر، فيتعارض التعريفان منطوقا و مفهوما في الصغائر الناشئة من الجوارح الأربع و في الكبائر الناشئة من غيرها، و لو لا اعتبار المفهومين لم يكن بين منطوقيهما تعارض كما هو واضح، فلا بدّ في علاج التعارض، إمّا من إلغاء المفهومين المستلزم للأخذ بعموم المنطوقين، أو من إعمال المفهومين المستلزم لتخصيص المنطوقين، أو من إعمال مفهوم كفّ الجوارح الأربع و إلغاء مفهوم اجتناب الكبائر المستلزمين لتخصيص منطوق الثاني و الأخذ بعموم منطوق الأوّل، أو من إعمال مفهوم الثاني و إلغاء مفهوم الأوّل المستلزمين لتخصيص منطوق الأوّل و الأخذ بعموم منطوق الثاني، و لعدم رجحان أحد هذه الوجوه على الآخر يسقط دلالة قوله: «و أن يعرف باجتناب

____________

(1) الكافي 5: 56 ح 1

(2) مجمع البيان 5: 200.

42

الكبائر» على عدم مدخليّة اجتناب الصغائر في العدالة.

و يمكن الذبّ عنه مضافا إلى أنّ ذلك يقضي أيضا بسقوط دلالة قوله: «أن تعرفوه بالستر و العفاف و كفّ البطن. إلخ» على مدخليّة اجتناب الصغائر في العدالة، بترجيح الوجه الأخير، لسلامته عن مخالفة الإجماع على عدم الفرق في الاعتبار، أو عدم الاعتبار بسيطا أو مركّبا.

إذ قضيّة الوجه الأوّل كون العدالة عبارة عن اجتناب المعاصي الناشئة من الجوارح الأربع كبيرة و صغيرة و اجتناب الكبائر الناشئة من غيرها، و هو يخالف الإجماع على عدم الفرق في الصغائر بين ما ينشأ من الجوارح الأربع و ما ينشأ من غيرها، فكلّ من قال بعدم اعتبار ما ينشأ من غيرها في العدالة قال بعدم اعتبار ما ينشأ منها أيضا.

و قضيّة الوجه الثاني كونها عبارة عن اجتناب الكبائر الناشئة من الجوارح الأربع خاصّة، و هو يخالف الإجماع البسيط في الاعتبار بين الكبائر.

و قضيّة الوجه الثالث كونها عبارة عن اجتناب المعاصي الناشئة من الجوارح الأربع خاصّة كبيرة و صغيرة، و هو يخالف الإجماع على عدم الفرق بين الكبائر في الاعتبار و الإجماع على عدم الفرق بين الصغائر في عدم الاعتبار، غير أنّ الإجماع الأوّل بسيط و الإجماع الثاني مركّب.

و قضيّة الوجه الرابع كونها عبارة عن اجتناب الكبائر خاصّة، و لا مخالفة فيه لإجماع لا بسيطا و لا مركبا من حيث عدم الفرق بين الكبائر في الاعتبار، و لا بين الصغائر في عدم الاعتبار، فتعيّن الحمل عليه. هذا مع قيام مرجّح آخر للوجه الأخير و هو ظهور العطف في قوله: «و أن يعرف باجتناب الكبائر» في التفسير، و هو يقضي بكون التعريف باجتناب الكبائر بيانا لتعريفها بكفّ الجوارح الأربع، و قضيّة بيانية ذلك تطرق التصرّف في المبيّن بتخصيص منطوقه و إلغاء مفهومه، فليتأمّل.

نعم يبقى الكلام في الاستدلال بقوله: و الدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساترا

43

لجميع عيوبه.

و يشكل دفعه بالتزام تخصيصه أيضا بالمفهوم المستفاد من قوله: «و أن يعرف باجتناب الكبائر» لعدم التعارض بينهما، لتعدّد موضوعيهما، لكون أحدهما متعرّضا لبيان نفس العدالة و الآخر متعرّضا لبيان دليلها، و إعمالهما معا يوجب التفكيك بين الدليل و المدلول، بكون الأوّل ما أخذ فيه كونه ساترا للصغائر أيضا و الثاني ما لم يؤخذ فيه اجتناب الصغائر.

و يمكن الذبّ عن هذا الإشكال أيضا بأنّ التفكيك المذكور ممّا لا ضير فيه، لأنّ اللازم من ذلك عدم قدح صدور الصغيرة من دون ظهور في العدالة الواقعيّة، و قدح ظهور صدورها في الطريق المجعول لها، على معنى عدم كشف كونه ساترا للكبائر فقط عن وجود صفة العدالة في الواقع، لا كشفه عن عدم وجودها في الواقع، أو على معنى أنّه مع عدم كونه ساترا للصغائر لا طريق يتعبّد به شرعا لإجراء أحكام العدالة، لأنّ الطريق المجعول- بناء على التعبّد- هو المجموع من ستر الكبائر و ستر الصغائر، و يظهر الثمرة فيما لو ظهر وجود صفة العدالة في الواقع بطريق آخر علميّ أو غير علميّ، فلا يلزم من عدم انعقاد الطريق المذكور سقوط اعتبار ذي الطريق إذا استكشف بطريق آخر.

و لو كان هناك إجماع مركّب بين الطريق و ذيه- بأن يقال: كلّ من قال بعدم قدح صدور الصغيرة في العدالة في الواقع قال بعدم قدح ظهورها أيضا في طريقها، و كلّ من قال بقدح ظهورها في الطريق قال بقدح صدورها في العدالة في الواقع أيضا- اتّجه تخصيص قوله: أن يكون ساترا لجميع عيوبه بستر الكبائر، فلا إشكال أيضا، إلّا أنّ حصول هذا الإجماع غير واضح.

و أمّا الخامس: فمع عدم وضوح حال سند الرواية أنّ مفهوم قوله (عليه السلام): «من لم تره بعينك. إلخ» قابل للتخصيص بما عرفت من مفهوم الحدّ في رواية ابن أبي يعفور.

و بجميع ما قرّرناه من أجوبة الوجوه المذكورة ظهر أنّ الأقوى ما هو المشهور

44

المنصور من عدم كون ترك الصغيرة من غير إصرار معتبرا في مفهوم العدالة و عدم كون فعلها قادحا فيها، و العمدة في دليله ما عرفت من قوله: «و أن يعرف باجتناب الكبائر» بتقريب ما عرفت من دلالته باعتبار المفهوم على نفي مدخليّة ما عدا الكبائر.

و قد يتمسّك له بالأصل الاستصحابي الموضوعيّ و الحكميّ معا في العدل المجتنب للكبائر و الصغائر بأسرها، الجاري عليه أحكام العدالة بأجمعها إذا صدر منه صغيرة، فإنّه يوجب الشكّ في بقاء عدالته كما يوجب الشك في بقاء أحكامه المترتّبة عليها، فيستصحب كلّ منهما، و الأوّل استصحاب موضوعيّ و الثّاني استصحاب حكميّ فيتعارضان.

و فيه- مع معارضته باستصحابي الفسق و أحكامه في عكس الفرض، و عدم تعرّض الاستصحاب للواقع موضوعا و حكما كسائر الأصول العلميّة التي لا تعرّض فيها للواقع لدخول الشكّ في موضوعاتها، و الكلام إنّما هو في تشخيص مفهوم العدالة حسبما هو عند الشارع في الواقع- ما لا يخفى، من فساد الوضع و عدم كون الاستصحاب ها هنا في مجراه، لعدم شكّ في البقاء و الارتفاع من جهة الشكّ في المقتضي أو المانع، بل هو من الشكّ في صدق لفظ لإجماله المفهومي باعتبار تردّده في ظاهر النظر بين أمرين، يلازم أحدهما صدقه على وجه و الآخر عدم صدقه كذلك، و هذا ممّا لا يندرج في أدلّة الاستصحاب بوجه فلا يكون المقام من مجاريه. هذا بالنسبة إلى نفس العدالة، و أمّا بالنسبة إلى أحكامها فيفسد استصحابها بامتناعه فيما لم يكن موضوع المستصحب محرزا، فإنّ العدالة التي هي موضوع الأحكام المترتّبة عليها حال صدور الصغيرة غير محرزة، و إلّا لم يحتج إلى استصحاب.

و قد يتمسّك أيضا باختلال النظم، بلزوم انسداد باب الشهادات و الحكومات، من كون فعل الصغيرة قادحا في العدالة، و كون ترك كلّ ذنب معتبرا فيها، للعلم الضروري بأنّه لم يسلم أحد من الذنب الغالب فيه فعل الصغيرة.

45

و هذا أيضا ضعيف، و إن كان لا يخلو عن تأييد، لإمكان منع الملازمة بعد مشروعيّة التوبة أو إمكان الواسطة، باختيار تفصيل ارتضاه الشيخ في المبسوط بقوله: فأمّا إن كان مجتنبا للكبائر مواقعا للصغائر فإنّه يعتبر الأغلب من حاله، فإن كان الأغلب من حاله مجانبة المعاصي و كان يواقع ذلك نادرا قبلت شهادته، و إن كان الأغلب مواقعة المعاصي و اجتنابه لذلك نادرا لم تقبل شهادته، قال: و إنّما اعتبرنا الأغلب في الصغائر، لأنّه لو قلنا: إنّه لا تقبل شهادة من واقع اليسير من الصغائر أدّى ذلك إلى أن لا تقبل شهادة أحد، لأنّه لا أحد ينفكّ من مواقعة بعض المعاصي، هكذا نقله في السرائر (1) إلّا أنّ مرجعه في وجه إلى القول بقدح الإصرار على الصغيرة دون فعلها بلا إصرار.

فالوجه في منع الملازمة هو توسيط التوبة، و لذا طعن في السرائر على الشيخ فيما نقل عنه، فقال: و هذا القول لم يذهب إليه (رحمه اللّه) إلّا في هذا الكتاب- أعني المبسوط- و لا ذهب إليه أحد من أصحابنا، لأنّه لا صغائر عندنا في المعاصي إلّا بالإضافة إلى غيرها، و ما خرّجه و استدلّ به من أنّه يؤدّي ذلك إلى أن لا يقبل شهادة أحد، لأنّه لا أحد ينفكّ من مواقعة بعض المعاصي فغير واضح، لأنّه قادر على التوبة من تلك الصغيرة، فإذا تاب قبلت شهادته، و ليست التوبة ممّا يتعذّر على إنسان دون إنسان (2) انتهى ما أردنا نقله.

المرحلة الثالثة:

في أنّ التتبّع في كلمات الأصحاب يعطي إجماعهم على كون الإصرار على الصغيرة قادحا في العدالة و كون تركه معتبرا في مفهومها، من غير فرق فيه بين القائلين بانقسام المعاصي إلى الكبائر و الصغائر، و أهل القول بانحصارها في الكبائر كما لا يخفى، و لا ينافيه خلوّ كلام بعضهم عن ذكر الإصرار و الاقتصار فيه على ذكر الكبائر، لجواز كونه بناء منه على اندراجه في الكبيرة كما احتمله صاحب مفتاح الكرامة في كلام العلّامة في نهاية الأصول و كلام صاحب المحصول، حيث لم يذكرا عند شرح العدالة الاجتناب عن الإصرار، قال: و لعلّهما

____________

(1) المبسوط 8: 217، السرائر 2: 117

(2) السرائر 2: 118.

46

أدرجاه في الكبائر (1) و في تحرير العلّامة الإجماع على قدحه فيها (2) و في الذخيرة نفي الخلاف فيه (3) و يظهر الجزم بكونه إجماعيّا من صاحب مفتاح الكرامة (4).

و لا بأس بنقل عبارة التحرير مراعاة لبعض الفوائد، فإنّه قال: العدالة شرط في قبول الشهادة، فلا تقبل شهادة الفاسق إجماعا- إلى أن قال:- و العدالة كيفيّة راسخة في النفس تبعث على ملازمة التقوى و المروّة، و يحصل بالامتناع عن الكبائر و عن الإصرار على الصغائر أو الإكثار منها، و المراد بالكبائر كلّما توعد اللّه تعالى عليه النار كالزنا و القتل و اللواط و غصب الأموال المعصومة و شرب الخمر و عقوق الوالدين و الربا و قذف المحصنات المؤمنات، و أمّا الصغائر فإن داوم عليها أو وقعت منه في أكثر الأحوال ردّت شهادته إجماعا، و لو وقعت منه ندرة قال الشيخ (رحمه اللّه): لا يقدح في العدالة لعدم الانفكاك منها- إلى أن قال:- و منع ابن إدريس ذلك و التجأ في التخلّص عن الإلزام إلى التوبة التي يمكن فعلها لكلّ أحد في كلّ وقت (5) انتهى.

و أشار بالتخلّص و الإلزام إلى ما سمعت من عبارة السرائر في دفع احتجاج الشيخ.

ثمَّ إنّ إثبات الحكم المذكور و هو قدح الإصرار- من جهة الإجماع محصّلا و منقولا المعتضد بالشهرة المحكيّة- واضح، و أمّا إثباته من جهة الأخبار ففي غاية الإشكال، لخلوّها صراحة بل ظهورا عن ذكره و بيان اعتبار ترك الإصرار في العدالة، إلّا بتوسيط مقدّمة أخرى و هي إثبات كون الإصرار على الصغيرة كبيرة، فيندرج في كلّما دلّ على اعتبار اجتناب الكبائر فيها من الإجماع و النص، و منه ما مرّ في صحيحة ابن أبي يعفور من تعريفها باجتناب الكبائر، و لا ينافيه وصف الكبائر فيها بالتي أوعد اللّه عليها النار، لجواز كون الإصرار على الصغيرة أيضا

____________

(1) مفتاح الكرامة 3: 87

(2) التحرير 2: 208.

(3) الذخيرة: 304

(4) مفتاح الكرامة 3: 94.

(5) التحرير 2: 208.

47

ممّا أوعد اللّه عليه النار و لو في السنّة بلسان الرسول و إن لم يبلغ ذلك إلينا، و الذي لم يوعد عليه النار و لم يترتّب عليه عذاب لكونه مكفّرا و لو باجتناب الكبائر، إنّما هو فعل الصغيرة من دون إصرار كما هو محتمل قوله تعالى إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً (1).

و إنّما الشأن بعد هذا البناء في إثبات هذه المقدّمة- أعني كون الإصرار على الصغيرة من الكبائر- فإنّ من مشايخنا من نفى الإشكال في ذلك (2) و منهم أيضا من حكى عن مفتاح الكرامة و تحرير العلّامة نقل الإجماع عليه و عن الذخيرة نفي الخلاف فيه و إن كان للتأمّل فيه بل منعه مجال واضح، لكون ما في كلامهم من نقل الإجماع و نفي الخلاف على ما عثرنا عليه و قد سمعته إنّما هو في مسألة قدح الإصرار في العدالة، و هي غير مسألة كون الإصرار من الكبائر، إلّا أن يدّعى الإجماع على أنّ قدح الإصرار فيها لا جهة له إلّا كونه كبيرة و هو غير واضح، و ربّما يومئ إلى خلافه ما في كلام الأكثر في تفسيراتهم العدالة من عطف الإصرار على الصغائر على الاجتناب عن الكبائر، فإنّه ينبئ بالمغايرة و إلّا لوجب الاقتصار على الاجتناب عن الكبائر فقط، و لكنّه ليس نصّا فيها لقوّة احتمال كونه من عطف الخاصّ على العامّ، لخفاء فرديته له، فذكر عقيبه منعا لانصراف العامّ و هو الكبائر إلى ما عداه، و كيف كان فقد يجعل المسألة خلافيّة ذات قولين:

أحدهما: كونه من الكبائر و ثانيهما: منعه، و قيل: نسبه الشهيد في القواعد إلى المشهور (3) و لم يحضرنا القواعد لنلاحظ عبارته تحقيقا لصدق النسبة و كذبها، إلّا أنّ الأقوى على تقدير الخلاف هو القول الأوّل أخذا بظاهر عدّة من الروايات:

منها: ما اشتهر مرسلا من أنّه: لا صغيرة مع الإصرار و لا كبيرة مع الاستغفار (4)

____________

(1) النساء: 31

(2) رسالة العدالة للشيخ الأنصاري (رسائل فقهية): 48.

(3) لم نعثر عليه.

(4) بحار الأنوار 88: 30.

48

و في حسنة ابن أبي عمير الآتية و قد قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لا كبيرة مع الاستغفار و لا صغيرة مع الإصرار (1) و في رواية عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): لا صغيرة مع الإصرار و لا كبيرة مع الاستغفار (2) و عن ابن بابويه بإسناد ضعيف عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه قال: لا تصغّروا شيئا من الشر و إن صغر في أعينكم، و لا تكثروا شيئا من الخير و إن كثر في أعينكم، فإنّه لا كبيرة مع الاستغفار و لا صغيرة مع الإصرار (3) بناء على رجوع النفي في الصغيرة إلى وصف الصغيريّة و إن كان في الكبيرة راجعا إلى الذات حكما فإنّها بعد الاستغفار الرافع لها الموجب للعفو عنها تصير كما لو لم توجد في الخارج، كما فهمه بعض مشايخنا في رسالته في العدالة (4)، و يمكن رجوعه فيهما إلى الحكم، فيكون لنفي الصفة لا لنفي الذات، فإنّ من حكم الصغيرة أنها تكفّر باجتناب الكبائر، و من حكم الكبيرة أنّها يعاقب عليها. و هذان الحكمان يرتفعان بالإصرار و الاستغفار، فإنّ الأوّل يعاقب عليه بالإصرار كالكبيرة بلا استغفار، و الثاني يعفى عنه بالاستغفار كالصغيرة بلا إصرار.

و ربّما يصعب في الأنظار فهم معنى الحديث الأخير حيث أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) نهى عن استصغار الذنب و استحقاره، ثمَّ علّله بأنّه لا كبيرة مع الاستغفار و لا صغيرة مع الإصرار، فإنّ هذه العلّة في ظاهر النظر و لا سيّما جزئها الأوّل لا ترتبط بالنهي المعلّل بها.

و يمكن توجيهه، بأنّ استصغار الذنب و لو كان صغيرا في النظر من لوازمه الغالبة أنّه يدعو صاحبه إلى الإصرار عليه ثمَّ بعد الإصرار إلى عدم الاستغفار عنه، و الأوّل يوجب صيرورته كبيرة، و الثاني يوجب العقاب عليه، فنهيه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حثّ على الامتناع عن الاستصغار، و هو يتأتّى تارة بمجانبة الإصرار و اخرى بملازمة

____________

(1) الوسائل 15: 335 ب 47 من أبواب جهاد النفس ح 11.

(2) الوسائل 15: 337 ب 48 من أبواب جهاد النفس ح 3.

(3) الفقيه 4: 18، مع اختلاف.

(4) رسالة العدالة للشيخ الأنصاري (رسائل فقهية): 48.

49

الاستغفار على تقدير بعث النفس الأمّارة على الإصرار، و الحث المستفاد من النهي ينحلّ إلى طلب الأمرين و الإرشاد إليهما معا، تعليلا لأوّلهما بأنّه لا صغيرة مع الإصرار، و ثانيهما بأنّه لا كبيرة مع الاستغفار على طريقة اللّف و النشر المشوّش، مع كون الثاني علّة لترك الإصرار و الأوّل علّة لفعل الاستغفار، و لعلّ النكتة في تقديمه مع كون معلوله مؤخّرا في الرتبة كون التائب عن الكبيرة أفضل من فاعل الصغيرة بلا توبة و إن اشتركا في العفو.

و منها: ما عن البحار عن تحف العقول عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث: من أنّ الإصرار على الذنب أمن من مكر اللّه، و لا يأمن من مكر اللّه إلّا القوم الخاسرون (1) بضميمة ما ورد في غير واحد من الروايات: من عدّ الأمن من مكر اللّه كاليأس من روح اللّه من الكبائر (2) كما ستسمع بعضها.

و منها: ما في ذيل رواية الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) (3) الآتية المتكفّلة لتعداد الكبائر من عدّه الإصرار على الذنوب منها.

في بيان معنى الإصرار:

ثمَّ ينبغي التعرّض لبيان معنى الإصرار و الظاهر إطباق أئمة اللغة على كونه بمعنى اللزوم و المداومة، فعن الجوهري: أصررت على الشيء أدمت و قمت، و عن ابن الأثير: أصرّ على الشيء يصرّ إصرارا إذا لزمه و داومه، و عن الفيروزآبادي:

أصرّ على الأمر لزم، و عن ابن فارس في المجمل قريب من ذلك، و ذكر الهروي في الغريبين ما يقرب منه مع معنى آخر حيث قال: و قوله تعالى وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلىٰ مٰا فَعَلُوا الإصرار الإقامة، ثمَّ قال: و يقال: هو المضي على العزم. كما أنّ الظاهر بقاؤه في العرف على معناه اللغوي، و عليه يحمل إطلاقاته الواردة في كلام الشارع كتابا و سنة. و منه قوله تعالى وَ أَصَرُّوا وَ اسْتَكْبَرُوا (4)

____________

(1) البحار 6: 30 ح 36

(2) الكافي 2: 280 ح 10.

(3) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 127

(4) نوح: 7.

50

وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلىٰ مٰا فَعَلُوا (1) وَ كٰانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (2).

و عليه فينبغي القطع بأنّه لو أذنب ثمَّ أتبعه بالتوبة و الاستغفار ثمَّ أوقعه ثانيا لم يكن مصرّا و إن فعل ذلك مرارا كما نصّ عليه جماعة، و هذا هو معنى الخبر النبوي العامّي: «ما أصرّ من استغفر» (3).

و يؤيّده فحوى قوله: «لا كبيرة مع الاستغفار» فإنّ الاستغفار إذا كان رافعا للكبيرة فلأن يكون رافعا للصغيرة طريق الأولويّة، و يلزم من رفعها عدم صدق الإصرار معه و إن فعلها ثانيا، و كذا ما لو أذنب و أتبعه بقصد عدم العود و إن لم يكن على وجه التوبة و الاستغفار، و كذا ما لو أذنب و ذهل عن الاستغفار و قصد العود و عدمه و لم يعد، إذ لا يصدق الإصرار مع شيء من ذلك عرفا و لا لغة، و إن كان قد يشكل ذلك بالنظر إلى إطلاق بعض الأخبار كإطلاق مفهوم ما تقدّم من قوله (عليه السلام):

«ما أصرّ من استغفر» و هو قولنا: أصرّ من لم يستغفر، و منطوق قول أبي جعفر (عليه السلام) في رواية جابر في قول اللّه تعالى وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلىٰ مٰا فَعَلُوا وَ هُمْ يَعْلَمُونَ قال:

الإصرار أن يذنب الذنب فلا يستغفر و لا يحدث نفسه بتوبة فذلك الإصرار (4).

و مقابلة الإصرار التوبة في حديث جنود العقل و الجهل (5) حيث جعل التوبة من جنود العقل و الإصرار من جنود الجهل. و ذيل حسنة ابن أبي عمير عن أبي الحسن الكاظم (عليه السلام) قال: لا يخلّد اللّه في النار إلّا أهل الكفر و الجحود و الضلال و الشرك، و من اجتنب الكبائر من المؤمنين لم يسأل عن الصغائر، قال اللّه تعالى:

إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً (6) قلت: يا ابن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فالشفاعة لمن تجب من المؤمنين (7)؟ قال: حدّثني أبي عن آبائه عن عليّ (عليهم السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إنّما شفاعتي لأهل الكبائر، و أمّا

____________

(1) آل عمران: 135.

(2) الواقعة: 46.

(3) البحار 93: 282

(4) الكافي 2: 288 ح 2.

(5) الكافي 1: 22 ح 14

(6) النساء: 31.

(7) في المصدر: «المذنبين».

51

المحسنون فما عليهم من سبيل، قال ابن أبي عمير: قلت: يا ابن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فكيف يكون الشفاعة لأهل الكبائر و اللّه تعالى يقول وَ لٰا يَشْفَعُونَ إِلّٰا لِمَنِ ارْتَضىٰ (1) و من ارتكب الكبائر فليس بمرتضى؟ قال: يا أبا أحمد ما من مؤمن يرتكب ذنبا إلّا ساءه ذلك و ندم عليه، و قد قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): كفى بالندم توبة، و قال (عليه السلام): من سرّته حسنته و ساءته سيّئته فهو مؤمن، فمن لم يندم على ذنب يرتكبه فليس بمؤمن فلم يجب له الشفاعة و كان ظالما، و اللّه تعالى يقول مٰا لِلظّٰالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَ لٰا شَفِيعٍ يُطٰاعُ (2). قلت: فكيف لا يكون مؤمنا من لم يندم على ذنب يرتكبه، فقال: يا أبا أحمد ما من أحد يرتكب كبيرة من المعاصي و هو يعلم أنّه سيعاقب عليها إلّا أنّه ندم على ما ارتكب، و متى ندم كان تائبا مستحقّا للشفاعة، و من لم يندم عليها كان مصرّا و المصرّ لا يغفر له لأنّه غير مؤمن لعقوبة ما ارتكب، و لو كان مؤمنا بالعقوبة لندم، و قد قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لا كبيرة مع الاستغفار و لا صغيرة مع الإصرار، و أمّا قوله وَ لٰا يَشْفَعُونَ إِلّٰا لِمَنِ ارْتَضىٰ اللّه دِينَه، و الدين الإقرار بالحسنات و السيّئات فمن ارتضى دينه ندم على ما ارتكبه من الذنوب لمعرفة معاقبته في القيامة (3) الخبر.

فإنّ مورده و إن كان هو الكبائر إلّا أنّ ظاهره عدم الفرق بينها و بين الصغائر في تحقّق الإصرار بعدم الندم و التوبة، فالقول بعدم تحقّق الإصرار في الصورتين المذكورتين لانتفاء اللزوم و المداومة فيهما مشكل من جهة إطلاق هذه الأخبار، و لكنّ القول بهذا الإطلاق أشكل، لما عرفت من أنّ الظاهر بقاء الإصرار على معناه العرفي اللغوي و عدم تطرّق تصرّف فيه من الشارع، مع مخالفة الإطلاق المذكور المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة كادت تبلغ الإجماع، لأنّ القائلين منهم بانحصار الذنوب في الكبائر لا يعتبرون في قدح الصغيرة في العدالة إصرارا فضلا عن قولهم بتحقّق الإصرار بمجرّد عدم الاستغفار، و القائلين منهم بانقسامها

____________

(1) الأنبياء: 28

(2) غافر: 18.

(3) التوحيد: 407- 408 ح 6.

52

لم يقولوا بتحقّق الإصرار الموجب للفسق بصدور الصغيرة مع عدم تكفيره بالاستغفار، و لا مكفّر آخر إلّا شاذّ منهم، فإنّه قد يقال: بناء على وجوب التوبة مطلقا على الفور أنّ المعصية مع ترك التوبة بل تأخيرها أيضا لا تنفكّ عن الإصرار، بناء على تفسيره بمداومة جنس المعصية و لزومه، لأنّ ترك التوبة أو تأخيرها إخلال بواجب آخر فوري، فيكون معصية أخرى بعد المعصية الاولى.

و لكن يزيّفه أنّ أوامر التوبة كأوامر الإطاعة إرشاديّة يقصد بها علاج مفسدة المعصية الواقعة و التخلّص من العقوبة المعدّة لها، فلا يترتّب على مخالفتها سوى بقاء تلك المفسدة، كما لا يترتّب على موافقتها سوى زوال تلك المفسدة، لا لأجل أنّهما من آثار المخالفة و الموافقة، بل لأجل أنّهما من خواصّ نفس المأمور به تركا و فعلا المترتّبة عليهما و لو مع عدم ورود هذه الأوامر، كما في أمر الطبيب للمريض بشرب الدواء استعلاجا لمرضه، فلا يترتّب على ترك التوبة حينئذ عقاب آخر زائد على العقاب المترتّب على المعصية السابقة، فلا يندرج في المعاصي المنقسمة إلى الكبيرة و الصغيرة ليتحقّق بصدوره الإصرار على الصغيرة الموجب للفسق.

و قد يدفع هذا القول أيضا بمنع وجوب التوبة عن المعاصي مطلقا، بل هو مختصّ بالكبائر، و أمّا الصغائر فهي مكفّرة عنه باجتناب الكبائر و بالأعمال الصالحة فلا حاجة لتكفيرها- و هو ستر الإثم و تغطيته- حتى تصير بمنزلة ما لم يعمل، و الظاهر بناؤه في دعوى التكفير باجتناب الكبائر و بالأعمال الصالحة على قوله تعالى إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ (1) و إِنَّ الْحَسَنٰاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئٰاتِ (2) و ما بمعناهما من الآيات و الروايات.

و من مشايخنا (3) من تنظّر فيه بما ملخّصه: أنّ أدلّة وجوب التوبة عامّة للكبائر و الصغائر كما سنذكرها، فتكون التوبة عن الصغيرة أيضا واجبة على الفور،

____________

(1) النساء: 31

(2) هود: 114.

(3) رسالة العدالة للشيخ الأنصاري (رسائل فقهية): 52 و 53 نقلا بالمضمون.