رسالة في المواريث

- الشيخ مرتضى الأنصاري المزيد...
60 /
177

مسألة (1) [1] المقتضي للإرث أمران: نسب، و سبب.

و المراد بالنسب: علاقة بين شخصين تحدث من تولّد أحدهما من الآخر، أو تولدهما من ثالث.

و السبب أربعة: الزوجية، و ولاء العتق، و ولاء ضمان الجريرة، و ولاء الإمامة.

و النسب ثلاث مراتب.

المرتبة الأولى: الأبوان و الأولاد.

و لا يرث معهم أحد عدا الزوج و الزوجة: بإجماع الإماميّة، و السنّة المتواترة معنى عن أهل البيت (عليهم السلام).

فللأب المنفرد المال، و كذا الأم المنفردة.

و لو كان معهما أو مع أحدهما ابن، فلكلّ واحد منهما السّدس، و الباقي

____________

(1) لا يوجد في «ق» عنوان: «مسألة» لا هنا و لا في الموارد الآتية.

178

للابن. و لو كانت (1) بنت أعطيت من الباقي نصف المال، و ردّ الباقي منه إليها و إليهما أو إلى أحدهما على حسب السهام، بالإجماع، و الأخبار المستفيضة.

و لو كان للميّت إخوة بالشّروط الآتية- في حجبهم الامّ عن الثلث- فالمعروف- الّذي ادعي عليه الاتّفاق في المسالك (2)، و عدم معرفة الخلاف في الكفاية (3)-: أنّهم يحجبونها هنا عن حصّتها من الفاضل المردود، و لم أجد عليه دليلا.

و استدلّ عليه بقوله تعالى فَإِنْ كٰانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ (4).

و فيه: إنّ الظاهر كونه تتمّة لقوله تعالى فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَ وَرِثَهُ أَبَوٰاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ (5) فيختصّ بصورة فقد الولد، مع أنّ إثبات السّدس لها بالفرض لا يستلزم نفي الزائد بالردّ، كما أنّ قوله تعالى وَ لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وٰاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمّٰا تَرَكَ إِنْ كٰانَ لَهُ وَلَدٌ (6) لا يوجب نفي الردّ في صورة كون الولد بنتا (7)؛ و لهذا يردّ الاستدلال للمطلب بهذه الآية بدعوى: أن ظهورها عرفا في نفي استحقاق الزائد، خرج من عمومها ما اتّفق فيه على الردّ عليها، و بقي الباقي.

و استدلّ عليه أيضا: بأنّ الإخوة إذا حجبوها عن فرضها الأصلي- و هو الثلث- فلأن يحجبوها عن المردود عليها بالقرابة أولى.

و في الأولويّة منع.

____________

(1) في «ق»: كان.

(2) المسالك 2: 394.

(3) كفاية الأحكام: 295.

(4) النساء: 11.

(5) النساء: 11.

(6) النساء: 11.

(7) في «ع» و «ص»: في صورة عدم كون الولد بنتا.

179

و استدلّ عليه- أيضا- بعموم ما علّل به حجبهم إيّاها عن الثلث؛ من التوفير على الأب لكون الإخوة عيالا له (1).

و فيه: إنّه ظاهر فيما إذا كان المحجوب عنه (2) موفّرا بتمامه على الأب، فلا يشمل ما إذا كان الموفّر عليه جزءا (3) قليلا من المحجوب عنه، كما هو المشهور بين القائلين بالحجب.

نعم ذهب معين الدين المصري (4) منهم [إلى] اختصاص المحجوب عنه بالأب، و أنّه لا تعطى البنت منه شيئا، و قوّاه في الدروس (5).

و يضعّف بما دلّ على وجوب كون الردّ على ذوي السهام المفروضة بقدر سهامهم، كعموم التعليل في رواية حمران بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجل ترك ابنته و امه: «إنّ الفريضة من أربعة أسهم؛ لأنّ للبنت ثلاثة أسهم، و للأمّ السّدس سهم، و بقي سهمان فهما أحقّ بهما من العمّ و ابن الأخ (6)، لأنّ البنت و الامّ سمّي (7) لهما، و لم يسمّ لهم، فيردّ عليهما بقدر سهامهما» (8).

دلّت على أنّ كلّ من سمّي له فيردّ عليه بقدر سهمه، و في الطريق موسى بن بكر (9) الواسطي الواقفي، إلّا أنّ الظاهر كونه ثقة؛ لما عن الفهرست

____________

(1) ليس في «ش»: له.

(2) كذا في «ق»، و في سائر النسخ: فيه.

(3) في «ش»: جزء أو قليلا، و في «ص» و «ع»: جزء و قليلا.

(4) الدروس 2: 357، و ليس فيه ما يدل على تقويته، بل فيه: «.. و هو محتمل».

(5) الدروس 2: 357، و ليس فيه ما يدل على تقويته، بل فيه: «.. و هو محتمل».

(6) في المصدر: و العصبة.

(7) كذا في «ق» و الوسائل، و في سائر النسخ: يسمى.

(8) الوسائل 17: 464، الباب 17 من أبواب ميراث الأبوين و الأولاد، الحديث 3.

(9) كذا في «ق» و الوسائل، و في سائر النسخ: موسى بن بكير.

180

من رواية صفوان عنه (1)، مع اعتضادها بالشّهرة، و برواية بكير (2) الموافقة لها من حيث المضمون.

و بأنّ تخصيص الأب بالرّد دون البنت- مع كونها أكثر نصيبا منه- ترجيح من غير مرجّح، و إنّما انفرد بالردّ مع عدم الأولاد (3)؛ لعدم قريب آخر معه.

اللّٰهمّ إلّا أن تعارض الروايتان بعموم ما دلّ على حكم حجب الإخوة للأمّ (4)؛ حيث إنّها ظاهرة في اختصاص المردود بالأب.

و لو كان مع الأبوين أو أحدهما زوج أو زوجة كان لأحد الزوجين- مع عدم الولد- نصيبه الأعلى، و معه نصيبه الأدنى، و الباقي للولد، فإن فضل عن فريضته (5) شيء- كما لو كانت بنتا واحدة- ردّ عليها و على أحد الأبوين، و لو لم يف الباقي بفريضته (6)- كما لو كانتا بنتين- دخل النقص عليهما دون الأبوين و أحد الزوجين، بالإجماع، و الأخبار المستفيضة الدالة على بطلان العول (7)، و المصرحة بأنّ الأبوين و الزوجين لا يدخل عليهم النقص عن سهامهم النازلة أبدا (8).

____________

(1) الفهرست: 341.

(2) الوسائل 17: 464، الباب 17 من أبواب ميراث الأبوين و الأولاد، الحديث 6.

(3) كذا في «ق»، و في سائر النسخ: الأول.

(4) الوسائل 17، 454، الباب 10 من أبواب ميراث الأبوين و الأولاد.

(5) كذا في «ق» و «ص»، و في سائر النسخ: فريضة.

(6) كذا في «ق»، و في سائر النسخ: بفريضة.

(7) الوسائل 17: 421، الباب 6 من أبواب موجبات الإرث.

(8) الوسائل 17: 425، الباب 7 من أبواب موجبات الإرث.

181

مسألة [2] للزوج من تركة زوجته الربع إن كان لها ولد، و إلّا فالنصف،

و الباقي لسائر ورثتها بالنسب أو السبب. و لو لم يوجد منهم عدا الإمام ردّ الباقي على الزوج، على المعروف من غير سلّار (1) من علمائنا، و عن الشيخين (2) و السيّدين (3) و الحلّي (4) دعوى الإجماع، و به أخبار مستفيضة (5)، و بذلك يخصص عموم قوله: «لا يردّ على الزوج و الزوجة» (6) و مع توجّه احتمال

____________

(1) المراسم: 222.

(2) المقنعة: 687، و الاستبصار 4: 149.

(3) الانتصار: 300، و الغنية (الجوامع الفقهية): 544.

(4) السرائر 3: 242.

(5) الوسائل 17: 511، الباب 3 من أبواب ميراث الأزواج.

(6) الوسائل 17: 516، الباب 4 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 10.

182

حمله على التقيّة، أو وروده فيما إذا جامع أحد الزوجين لذي (1) فرض من اولي الأرحام- بحيث تزيد التركة على فرضهما- كأحد الزوجين مع الأم (2) أو الأخ (3) [لها] (4).

____________

(1) كذا في «ق»، و في سائر النسخ: لذوي.

(2) في «ص»: الإمام.

(3) كذا في «ق»، و في سائر النسخ: و الأخ.

(4) من «ق».

183

مسألة [3] للزوجة من تركة زوجها الثمن إذا كان له ولد، و إلّا فالربع، و الباقي لسائر الورثة.

و مع عدمهم- عدا الإمام- ففي ردّ الباقي عليها، أو كونه للإمام، أقوال: ثالثها: الأوّل مع غيبة الإمام (عليه السلام)، و الثاني مع حضوره (عليه السلام).

و خيرها أوسطها؛ للأصل، لأنّ ثبوت الزائد عمّا فرض لها في الكتاب يحتاج إلى دليل، و لا يعارض بأصالة عدم ثبوته للإمام (عليه السلام)؛ لأنّه إذا ثبت- و لو بحكم الأصل- عدم ثبوت وارث و مستحق لهذا المال، ثبت كونه للإمام (عليه السلام)، لما دلّ على أنّه وارث مع عدم الوارث (1)، و للأخبار المستفيضة (2) المعتضدة بفتوى الأكثر، إذ لم يحك الأوّل إلّا عن

____________

(1) الوسائل 17: 548، الباب 2 من أبواب ولاء ضمان الجريرة.

(2) الوسائل 17: 514، الباب 4 من أبواب ميراث الأزواج.

184

المفيد (1)، [و يدلّ عليه الصحيح] (2): «عن رجل مات و ترك امرأته؟ قال:

المال لها» (3) و يردّ بالشذوذ؛ لأنّ القول به (4) مختصّ بالمفيد فيما وجدنا؛ و مع ذلك فرجوعه عنه محكيّ عن الحلّي (5). و عن الانتصار: عدم عمل الطائفة

____________

(1) المقنعة: 691.

(2) ما بين المعقوفتين ليس في «ق».

(3) الوسائل 17: 516، الباب 4 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 9.

(4) كذا في «ق»، و في سائر النسخ: بها.

(5) السرائر 3: 244 فقد ادعى ابن إدريس (رحمه اللّٰه) في كتابه السرائر، رجوع الشيخ المفيد (قدّس سرّه) عن رأيه المشار إليه في باب ميراث الأزواج، و قال ما نصّه:

و قال شيخنا المفيد في مقنعته في آخر باب ميراث الإخوة و الأخوات: «و إذا لم يوجد مع الأزواج قريب و لا نسيب للميّت ردّ باقي التركة على الأزواج».

إلّا أنّه (رحمه اللّٰه) رجع عن ظاهر كلامه و إجماله في كتابه [أي رسالة الإعلام (عدّة رسائل للشيخ المفيد: 336)] فقال في باب ميراث الأزواج:

«و اتفقت الإماميّة على أن المرأة إذا توفيت و خلّفت زوجا و لم تخلّف وارثا غيره من عصبة و لا ذي رحم أن المال كله للزوج، النصف منه بالتسمية و النصف الآخر مردود عليه بالسنّة» (انتهى كلامه (رحمه اللّٰه)).

و هذه الدعوى من ابن إدريس (رحمه اللّٰه) مبتنية على أن الشيخ المفيد (رحمه اللّٰه) لو كان باقيا على رأيه المذكور في كتابه المقنعة (الصفحة: 691) لكان ينبغي له أن يذكر هذه المسألة في رسالة الإعلام بالاسلوب نفسه، و بعبارة تشمل كلتا الصورتين للمسألة و لكنه (قدّس سرّه) لم يتعرض فيها إلّا لصورة واحدة و هي ردّ باقي تركة الزوجة على الزوج إذا لم يكن لها وارث سواه، و لم يتعرض لمسألة إرث الزوج إذا لم يكن له وارث سوى زوجته.

و الخلاصة: ان المفيد قال في المقنعة بردّ تركة كل واحد من الزوجين على الآخر إذا لم يكن له وارث، بينما ذكر في الإعلام الصورة الأولى فقط، فجعل ابن إدريس هذا دليلا على رجوعه عن رأيه.

و ما ذكره ابن إدريس (رحمه اللّٰه) مجرّد دعوى، لأن الشيخ المفيد (قدّس سرّه) إنما يعبّر في (المقنعة) عن رأيه الشخصي، بينما خصّص «الإعلام» للمسائل التي اتفقت الشيعة عليها و اتفقت العامة على خلافها، و الصورة التي لا خلاف فيها بين فقهاء الشيعة هي ردّ تركة الزوجة على الزوج إذا لم يكن لها وارث سواه، أما الصورة الثانية فهي محل خلاف بين فقهاء الشيعة، و لذلك فقد ذكر الصورة الأولى فقط و لم يذكر الصورة الثانية.

185

بالرواية الدالّة على الردّ على الزوجة (1). و عن الحلّي: إنّه لا خلاف فيه بين المحصلين (2).

و القول الثالث (3) للصدوق (قدّس سرّه) (4) و جماعة من المتأخّرين، و لا مستند لهم سوى الجمع بين الأخبار، بتقييد مستند المفيد (5) بزمان غيبة الإمام (عليه السلام) و هو بعيد. و أفرط الحلّي- فيما حكي عنه (6)- في تبعيده (7)؛ حيث إنّ قوله:

«رجل مات» بصيغة الماضي، فحمله على زمان غيبة الإمام (عليه السلام) المتأخّر عن زمان صدور هذا الكلام بأزيد من مائة عام لا وجه له [في المقام] (8)

____________

(1) الانتصار: 301.

(2) السرائر 3: 242.

(3) كذا في «ق»، و في سائر النسخ: الثاني.

(4) الفقيه 4: 262، باب ميراث الزوج و الزوجة.

(5) و هي صحيحة أبي بصير، انظر الوسائل 17: 516، الباب 4 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 9.

(6) في «ص»: و أفرط فيما حكى الحلي عنه، و هكذا في «ع» أيضا على سبيل نسخة بدل.

(7) السرائر 3: 243، و انظر: الروضة البهيّة 8: 84.

(8) ما بين المعقوفتين من «ق».

186

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

187

مسألة [4] توارث الزوجين لا يتوقف على الدخول،

بالإجماع- ظاهرا- و غير واحد من الأخبار (1)، مضافا إلى ظاهر الآية.

و يثبت التوارث بين الزوج و مطلّقته رجعيّا في العدّة بلا خلاف، و في المسالك (2) و الرياض (3): الإجماع عليه على الظاهر؛ لغير واحد من الأخبار (4)، و لأنّها بحكم الزوجة.

و لا توارث بين الزوج و مطلّقته بائنا، إلّا أن يطلّق المريض رجعيّا أو غيره، فترث منه لو مات في المرض ما بينه و بين سنة إذا لم تتزوّج المرأة.

____________

(1) الوسائل 17: 529، الباب 12 من أبواب ميراث الأزواج.

(2) المسالك 2: 25، في بحث طلاق المريض.

(3) الرياض 2: 363.

(4) الوسائل 17: 530، الباب 13 من أبواب ميراث الأزواج.

188

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

189

مسألة [5] المعروف من غير الإسكافي أنّ الزوجة غير ذات الولد من زوجها الذي مات لا ترث من جميع أمواله،

بل تحرم عن أشياء (1). و عن نكت الشهيد و غيره: دعوى الإجماع عليه (2)، و أنّه من متفردات (3) الإماميّة (4).

ثمّ اختلفوا فيما يحرم منه على أقوال:

أقواها: ما نسب إلى المشهور، من أنّها لا ترث من الأرض مطلقا عينا و لا قيمة، و ترث من قيمة البناء و الآلات المثبتة فيه من الأبواب و الأخشاب و الجذوع و القصب، و من (5) قيمة الشجر، لصحيحة مؤمن الطاق

____________

(1) المختلف: 736.

(2) غاية المراد: 482.

(3) كذا في «ق» و «ص»، و في سائر النسخ: منفردات.

(4) المسالك 2: 268، الانتصار 301.

(5) كذا في «ق»، و في سائر النسخ: عن.

190

المرويّة في الفقيه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: لا يرثن النساء من العقار شيئا، و لهنّ قيمة البناء و الشجر و النخل، يعني بالبناء:

الدور، و إنّما عنى من النساء: الزوجة» (1).

و ليس في السند- عدا محمّد بن موسى المتوكّل- من يتأمّل فيه، و هو و إن لم يحك عن الشيخ و النجاشي توثيقه، إلّا أنّه وثّقه العلّامة (2) و ابن داود (3)، و قد ترضّى الصدوق عليه (4) و كان من مشايخه (5). و بالجملة، لا يقصر حاله عن إبراهيم بن هاشم، مضافا إلى أنّ عمل الأكثر على الرواية.

و أمّا ذات الولد من الزوج (6)، فظاهر الكليني (7) و المحكي عن المفيد (8)، و الشيخ في الاستبصار (9)، و السيد (10)، و أبي الصلاح (11)، و ابن إدريس (12) إلحاقها (13) بغيرها، و هو ظاهر المحقق في

____________

(1) الفقيه 4: 348، باب نوادر المواريث، الحديث 5750.

(2) رجال العلامة: 149.

(3) رجال ابن داود: 185.

(4) الفقيه 4: 453.

(5) الفقيه 4: 453.

(6) كذا في «ق»، و في سائر النسخ: و أمّا إذا مات الولد من الزوج.

(7) الكافي 7: 127- 130، باب «أن النساء لا يرثن من العقار».

(8) المقنعة: 687 و الإعلام (عدة رسائل): 336.

(9) الاستبصار 4: 155.

(10) الانتصار: 301.

(11) الكافي في الفقه: 374.

(12) السرائر 3: 259.

(13) في النسخ: إلحاقه.

191

النافع (1)، و المحكي عن تلميذه مصنف كشف الرموز (2)، و ذهب إليه كثير من متأخري المتأخّرين، و قوّاه في المسالك (3).

خلافا لجماعة، منهم: الصدوق (4)، و الشيخ في النهاية (5)، و القاضي (6) و ابن حمزة (7)، و المحقق في الشرائع (8)، و الفاضل (9) و ولده (10)، و الشهيد في اللمعة (11)، و الفاضل المقداد في كنز العرفان (12)، و نسب إلى المشهور- سيّما بين المتأخرين (13)- فحكموا بتوريثها من أعيان جميع التركة، للجمع بين أخبار كثيرة مانعة بقول مطلق أو عام (14)، و صحيحة ابن

____________

(1) المختصر النافع: 272.

(2) كشف الرموز 2: 464.

(3) المسالك 2: 269.

(4) الفقيه 4: 349.

(5) النهاية: 642.

(6) المهذب 2: 141.

(7) الوسيلة: 391.

(8) الشرائع 4: 34.

(9) قواعد الأحكام 2: 178.

(10) إيضاح الفوائد 4: 242. هذا، و قد أثبتنا العبارة كما وردت في «ق»، و لكن العبارة في سائر النسخ كما يلي: «و القاضي و ابن حمزة في الشرائع و القاضي و ولده»، و هو خطأ.

(11) اللمعة الدمشقية: 264.

(12) كنز العرفان 2: 332.

(13) انظر: مفتاح الكرامة 8: 189، و الروضة البهية 8: 172.

(14) الوسائل 17: 514، الباب 4 من أبواب ميراث الأزواج.

192

أبي يعفور الدالة على مذهب الإسكافي (1)، و مقطوعة ابن أذينة:

«في النّساء، إذا كان (2) لهنّ ولد أعطين من الرباع» (3). و الجمع خال عن الشاهد لحمل (4) رواية ابن أبي يعفور على التقيّة، و المقطوعة لا تصلح لتخصيص عمومات كثيرة.

____________

(1) الوسائل 17: 522، الباب 7 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث الأوّل.

(2) كذا في «ق» و الوسائل، و في سائر النسخ: إذا لم يكن.

(3) الوسائل 17: 523، الباب 7 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 2.

(4) في «ش»: فيحمل.

193

مسألة [6] إذا مات شخصان متوارثان، و لم يعلم تقدّم موت أحدهما عن الآخر،

فإن كان موتهما أو أحدهما حتف الأنف، فالأظهر عدم إرث واحد منهما عن الآخر؛ لأنّ هذا الإرث مخالف للأصل الدالّ على توقّف الإرث على تحقّق حياة الوارث عن الموروث (1)، فيقتصر فيه على مورد الدليل- و ليس في المقام- مضافا إلى دعوى الإجماع في المسالك، و نقله (2) فيه عن جماعة (3).

____________

(1) كذا في «ق»، و لعل الصحيح ما يلي:

إذا مات شخصان متوارثان، و لم يعلم تقدم موت أحدهما على الآخر، فإن كان موتهما أو أحدهما حتف الأنف، فالأظهر عدم إرث واحد منهما عن الآخر؛ لأن هذا الإرث مخالف للأصل الدال على توقف الإرث على تأخر حياة الوارث عن المورّث.

(2) كذا في «ق»، و في سائر النسخ: نقل.

(3) المسالك 2: 277.

194

و كذا إن كان موتهما بسبب غير الغرق و الهدم؛ لما ذكر، خلافا لجماعة، فألحقوه بهما، و لم أجد لهم دليلا تطمئنّ إليه النفس.

و إن كان موتهما بسبب الغرق و الهدم، فلا إشكال في توريث كل منهما عن الآخر لو ترك شيئا. و الظاهر عدم الخلاف فيه، مضافا إلى الأخبار المستفيضة.

منها: صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليه السلام): «عن رجل سقط عليه (1) و على امرأته بيت، فقال: تورّث المرأة من الرجل و الرجل من المرأة» (2).

و ظاهر هذه الصحيحة تقديم الأقل نصيبا في التوريث لو (3) ثبت عدم الفصل بين موردها و غيره، و قال به جماعة (4)، و استنبط منه المفيد و الديلمي (قدّس سرّهما): أنّ كلّ واحد منهما يرث ممّا ورث من صاحبه، و لا يختصّ توارثهما بصلب (5) أموالهما (6)، و إلّا (7) كان تقديم الأقل نصيبا غير مفيد.

و فيه- بعد تسليم دلالة الصحيحة على وجوب التقديم- منع

____________

(1) ليس في «ق»: عليه، و هي موجودة في سائر النسخ، و في المصدر أيضا.

(2) الوسائل 17: 591، الباب 3 من أبواب ميراث الغرقى و المهدوم عليهم، الحديث الأوّل.

(3) كذا في «ق»، و في سائر النسخ لا يوجد: لو.

(4) الجواهر 39: 315، و مفتاح الكرامة 8: 263.

(5) كذا في «ق»، و في غيرها: بنصيب.

(6) المراسم: 225.

(7) كذا في «ق»، و في سائر النسخ: و إن.

195

انحصار فائدته في توريث كلّ ممّا (1) ورث صاحبه منه، فلعلّه أمر (2) تعبديّ لا نعلمه.

و لمّا ثبت أنّ هذا التوريث مخالف للأصل، فالمتيقن الخروج عنه هو (3) توريث كلّ عن (4) صلب مال صاحبه، لا عمّا (5) ورث منه، وفاقا لغير هذين الجليلين من الأجلّاء المتقدّمين و المتأخّرين.

مضافا إلى رواية حمران بن أعين، عمّن ذكره، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في قوم غرقوا جميعا؟ قال: «يورّث هؤلاء من هؤلاء، و هؤلاء من هؤلاء، و لا يورّثوا هؤلاء ممّا ورّثوا شيئا» (6).

و يدلّ على هذه- أيضا- صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج في أخوين غرقا، لأحدهما مال، قال: «المال لورثة الّذي ليس له مال» (7).

و نحوها غيرها. و اللّٰه العالم.

____________

(1) كذا في «ق» و في غيرها: ما.

(2) ليس في «ش» و «ع» و «ص»: أمر.

(3) ليس في «ش» و «ع» و «ص»: هو.

(4) كذا في النسخ.

(5) كذا في النسخ.

(6) الوسائل 17: 592، الباب 3 من أبواب ميراث الغرقى، الحديث 2، مع اختلاف يسير.

(7) الوسائل 17: 590، الباب 2 من أبواب ميراث الغرقى و المهدوم عليهم.

196

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

197

مسألة [7] (1) المحكيّ عن الأكثر: أنّ التركة لا تنتقل إلى ورثة (2) الميّت مع اشتغال ذمته بدين يحيط بها (3)،

بل عن السرائر: إنّه لا خلاف في أنّ التركة لا تدخل في ملك الورثة و لا الغرماء، بل تبقى موقوفة على قضاء الدين (4).

____________

(1) ينبغي الإشارة إلى أنّ هذا الموضوع نفسه سيتعرض له الشيخ (قدّس سرّه) في المسألتين الآتيتين (8 و 9) مع شيء من التغيير، ففي هذه المسألة يتعرض لنقل القولين في موضوع البحث و أدلتهما، و في المسألة رقم (8) يضيف إلى ذلك نقد هذه الأدلة، و يتعرض لموضوع الدين غير المستوعب، و أما في المسألة رقم (9) فيبحث في الموضوعين معا بأسلوب آخر مع شيء من التفصيل و إضافات تتعلق بالبحث، و تجدر الإشارة إلى أنّ المسألة رقم (9) لا توجد إلّا في نسخة «ق» التي هي بخط المؤلف.

(2) كذا في «ق»، و في سائر النسخ: وارث.

(3) انظر الجواهر 26: 84.

(4) السرائر 3: 201- 203.

198

و عنه (1)- أيضا- أنّه الذي تقتضيه أصول المذهب (2).

للأصل، و قوله تعالى مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهٰا أَوْ دَيْنٍ* (3).

و الأخبار الظاهرة في توقّف الإرث على براءة الميّت، مثل ما ورد في دية المقتول: إنّه يرثها (4) أولياؤه ما لم يكن عليه دين (5).

و قوله (عليه السلام) في رواية عبّاد بن صهيب (6) المرويّة في زكاة الكافي:

«إنما هو بمنزلة الدين (7)، ليس للورثة شيء حتّى يؤدّوا (8) ما أوصى من الزكاة» (9) و نحو ذلك من الأخبار.

و لأنّه لو انتقل إلى الوارث لأعتق عليه محارمه المملوكة للمورّث بمجرّد موته، و التالي باطل بلا خلاف.

و لاستمرار طريقة الناس على دفع النماء في الدين.

خلافا للمحكيّ عن جماعة منهم الفاضل (10)، و الشهيد (11) و المحقّق

____________

(1) كذا في «ق»، و في سائر النسخ: و فيه.

(2) السرائر 2: 47.

(3) النساء: 11.

(4) في سوى «ق»: يرثه.

(5) الوسائل 17: 393، الباب 10 من أبواب موانع الإرث، الحديث 1، نقلا بالمعنى.

(6) في سوى «ق»: عباد بن حبيب.

(7) في المصدر: دين لو كان عليه.

(8) كذا في المصدر، و في «ش» و «ع» و «ص»: تؤدّى.

(9) الكافي 3: 547، كتاب الزكاة، باب «قضاء الزكاة عن الميّت»، الحديث الأوّل، و الوسائل 6: 176، الباب 21 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأوّل.

(10) تحرير الأحكام 2: 173.

(11) المسالك 2: 316، و مفتاح الكرامة 5: 108.

199

الثانيان (1)، فقالوا بالانتقال إلى الوارث، و عن التذكرة: إنّه الحقّ عندنا (2) و إن تعلّق به حقّ الديّان؛ لإطلاق الآيات مثل قوله إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَ لَهُ أُخْتٌ فَلَهٰا نِصْفُ مٰا تَرَكَ (3) دلّ (4) على سببية هلاك المورّث لتملك الوارث، و قوله تعالى لِلرِّجٰالِ نَصِيبٌ مِمّٰا تَرَكَ الْوٰالِدٰانِ وَ الْأَقْرَبُونَ .. (5)

الآية، و قوله تعالى وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ* (6).

و لأنّه لو لم ينتقل إلى الوارث لزم إمّا كونه ملكا بلا مالك، أو بقاؤه على ملك الميت، أو انتقاله إلى غير الوارث، و الأوّل باطل [إذ يترتّب عليه ما يتوقّف على الملك، كورود البيع و الإجارة عليه، و ضمانه بالمثل و القيمة، و منه يظهر بطلان الثاني، مضافا إلى أنّ الملك من الإضافات المتوقفة على تحقّق أطرافها، مضافا إلى ظهور الاتّفاق عليه كما عن حجر جامع المقاصد (7)] (8) و إن حكي عن الخلاف أنّه حكم بأنّ من أوصى بعبد ثمّ مات قبل هلال شوّال و لم يقبل الموصى له إلّا بعد الهلال، إنه لا يلزم فطرته على أحد (9). و ظاهره- كما فهم الحلّي في محكي

____________

(1) جامع المقاصد 5: 217، و في «ش» و «ص» و «ع»: و المحقق الثاني.

(2) التذكرة 2: 84.

(3) النساء: 176.

(4) ليس في «ع» و «ش» و «ص»: دلّ.

(5) النساء: 7.

(6) الأنفال: 75.

(7) جامع المقاصد 10: 25.

(8) ما بين المعقوفتين من «ق».

(9) الخلاف 2: 145، كتاب الزكاة، المسألة: 180.

200

السرائر (1)- بقاء العبد بلا مالك، فتأمّل.

و أمّا الميت فغير قابل للملك، مع أنّه لا يترتّب عليه أحكام المالك كانعتاق أقاربه، و انتقال عوض ماله إليه عند المعاوضة عنه، مع أن الإجماع على عدم بقائه على ملكه حقيقة، و انتقاله إلى غير الوارث مخالف للإجماع.

و به يندفع احتمال انتقاله إلى اللّٰه تعالى- كما صرّح به بعض (2) فيها- مع أنّ ملكيّته تعالى بالملكيّة المتعارفة بين الناس محلّ نظر، و إن قال به جماعة في الوقف العامّ (3).

و لأنّه لو لم ينتقل إلى الوارث لم يشارك ابن الابن عمّه في ميراث جدّه [إذا مات أبوه قبل إيفائه دين جده] (4)، و التالي باطل إجماعا.

و لأنّه لو لم (5) ينتقل إليه لم يجز له الحلف لإثبات مال لمورّثه على غيره؛ لظهور النصوص و الفتاوى في أنّ اليمين المنضمّة إلى الشّاهد الواحد هو يمين صاحب الحق.

____________

(1) السرائر 3: 203.

(2) غنائم الأيام: 670.

(3) مفتاح الكرامة 9: 78- 79.

(4) ما بين المعقوفتين من «ق».

(5) ليس في «ق»: لم.

201

مسألة [8] المحكيّ عن الأكثر: أنّ مال الميّت باق على حكم ماله إذا كان عليه دين مستوعب،

بل عن موضع من السرائر- في مقام النقض على من استدلّ على انتقال الموصى به إلى الموصى له بموت الموصي، بأنّه لولاه لزم بقاء الملك بلا مالك-: إنّه لا خلاف في أنّ التركة لا تدخل في ملك الورثة و لا الغرماء، بل تبقى موقوفة على قضاء الدين (1). و عن موضع آخر: أنّه الذي تقتضيه أصول مذهبنا (2).

للأصل، و قوله تعالى مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهٰا أَوْ دَيْنٍ* (3)،

____________

(1) السرائر 3: 202- 203.

(2) السرائر 2: 47.

(3) النساء: 11.

202

و الأخبار (1) المستفيضة الواردة في توقّف الإرث على براءة ذمّة الميت، كصحيحة سليمان (2) بن خالد: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في دية المقتول: إنّه يرثها الورثة على كتاب اللّٰه و سهامهم إذا لم يكن على المقتول دين» (3).

و في المصحّح عن عباد بن صهيب- الّذي قيل فيه: إنّه ثقة جليل (4)- عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «في رجل فرّط في (5) إخراج الزكاة، فلمّا حضره الموت حسب جميع ما كان فرّط فيه ممّا يلزمه من الزكاة، ثمّ أوصى أن يخرج ذلك فيدفع ذلك إلى من يجب له ذلك، فقال (عليه السلام): جائز، يخرج ذلك (6) من جميع المال، إنّما هو بمنزلة دين لو كان عليه، ليس للورثة شيء حتى يؤدّوا ما أوصى به من الزكاة» (7).

و موثّقة زرارة الواردة «في عبد أذن له سيّده في التجارة، فاستدان العبد فمات المولى (8)، فاختصم الغرماء و ورثة الميّت في العبد و ما في يده، قال (عليه السلام): ليس للورثة سبيل على رقبة العبد و ما في يده من المال و المتاع، إلّا أن يضمنوا دين الغرماء جميعا، فيكون العبد و ما في يده من المال للورثة، فإن أبوا كان العبد و ما في يده من المال للغرماء، يقوّم العبد و ما في يده من

____________

(1) ليس في «ش» و «ص» و «ع»: الأخبار.

(2) ليس في «ش» و «ص» و «ع»: سليمان.

(3) الوسائل 17: 393، الباب 10 من أبواب موانع الإرث، الحديث الأوّل.

(4) رجال النجاشي: 293، و تنقيح المقال 2: 122.

(5) في «ش» و «ع» و «ص»: في ذكر إخراج.

(6) ليس في «ش» و «ع» و «ص»: ذلك.

(7) الوسائل 6: 176، الباب 21 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأوّل.

(8) ليس في «ش» و «ع» و «ص»: المولى.

203

المال ثم يقسّم ذلك بينهم بالحصص، فإن عجز قيمة العبد و ما في يده عن دين الغرماء رجعوا إلى الورثة فيما بقي لهم إن كان الميّت ترك شيئا (1)، و إن فضل (2) قيمة العبد و ما في يده عن دين الغرماء ردّ على الورثة» (3). إلى غير ذلك من الأخبار.

و لأنّه لو انتقل المال إلى الوارث لا نعتق عليه من لا يستقرّ ملكه عليه من الأقارب بمجرّد موت المورّث إن كان عليه دين مستوعب. و التالي باطل بلا خلاف، كما عن الخلاف (4).

و لاستمرار سيرة المسلمين على دفع نماء التركة في الدين، و الإنكار على من اقتصر على دفع الأصل في الدين و إن قصر عن الدين، و هو كاشف عن بقاء الأصل في حكم مال الميّت، فيتبعه النماء.

و للنظر في هذه الوجوه مجال؛ لاندفاع الأصل بما يجيء من أدلّة الانتقال إلى الوارث، و إمكان دعوى ظهور الآيات في تأخّر قسمة الإرث عن الوصيّة و الدّين؛ لدفع توهّم مزاحمته لهما بتقسيط التركة على الثلاثة، فمساق الآية مساق ما ورد من أنّه يبدأ بالكفن، ثمّ الدّين، ثمّ الوصيّة، ثمّ الإرث (5)، و ليس في مقام تأسيس حكم تملّك الورثة حتّى يقيّد بكونه بعد الوصيّة و الدين [و لو سلم ظهورها في تقييد أصل التملك، لوجب حملها على

____________

(1) هكذا في «ق» و المصدر، و في سائر النسخ: ثلثا.

(2) في الكافي: من.

(3) الكافي 5: 303، كتاب المعيشة، باب «المملوك يتّجر فيقع عليه الدين»، الحديث 2، و الوسائل 13: 119، الباب 31 من أبواب الدين و القرض، الحديث 5.

(4) كذا في «ق»، و في سائر النسخ: «كما عن الخلاف و السرائر»، و لم نقف عليه فيهما.

(5) الوسائل 13: 406، الباب 28 من أبواب أحكام الوصايا.

204

تقييد استقرار الملك و استقلال الملك بالتأخّر عن الوصية و الدين، جمعا بينها و بين ما سيأتي] (1).

و بهذا (2) يمكن الجواب عن الأخبار، مضافا إلى أنّ ظاهرها تأخّر التملّك مطلقا عن الدين و لو لم يستوعب، و هو خلاف المعروف من الأصحاب، فيجب إمّا تقييد الدّين بالمستوعب، أو إرجاع القيد إلى الاستقرار و الاستقلال، بل هو ظاهر نفي السبيل في موثقة زرارة المذكورة (3).

نعم، هذا لا يتوجّه على ظاهر الآيات؛ حيث إنّ المقيّد فيها بالتأخّر هو تملك الورثة سهامهم من مجموع ما ترك، و لا ريب في توقّفه على عدم الدين و لو كان غير مستوعب.

و أما لزوم انعتاق [القريب على الوارث فبمنع الملازمة؛ فإنّ عمومات أدلّة انعتاق] (4) بعض أقارب الرجل عليه معارض بما دلّ من النصوص و الفتاوى (5) على تعلّق حق الديان بالتركة، و اختصاص التركة بالديّان إذا أبى الوارث عن ضمان الدين للغرماء، كما هو صريح موثقة زرارة المتقدّمة.

و أما التمسك بالسيرة المذكورة ففيه: إنها مجرّد عادة مستحسنة عند العقل أو الشرع استقرّ بناء أهل المروءة عليها، مع أنّ الملازمة بين تملّك الوارث للأصل و استقلاله في النماء محلّ نظر، و إن كان ظاهرهم الفراغ عن

____________

(1) ما بين المعقوفتين من «ق».

(2) هكذا في «ق»، و في سائر النسخ: و يجمع بينها و بين ما سيأتي بهذا.

(3) في الصفحة: 202.

(4) ما بين المعقوفتين من «ق».

(5) انظر المناهل: 754.

205

هذه الملازمة، كما سيجيء جعله من ثمرات المسألة.

و لأجل ما ذكرنا من ضعف بعض (1) هذه الوجوه و إمكان رفع اليد عن بعضها، ذهب جمع- كما عن الخلاف (2)- إلى انتقال التركة إلى الوارث.

و حكي ذلك عن المبسوط (3)، و جامع الشرائع (4)، و حكي عن الشهيد في

____________

(1) ليس في «ش» و «ع» و «ص»: بعض.

(2) راجع الخلاف 2: 144، كتاب زكاة الفطرة، المسألة: 179، و الجواهر 26: 85، لكن فيه: «إن المال يبقى على حكم مال الميت».

و الشيخ صاحب الجواهر (قدّس سرّه) ذكر رأي الشيخ الطوسي في كتاب الخلاف في زمرة من قال ببقاء المال على حكم مال الميت. بينما ذكر جميع من جاء ذكرهم في المتن في زمرة من قال بانتقال المال إلى الورثة. راجع الجواهر 26: 85.

(3) للشيخ الطوسي (قدّس سرّه) في المسألة قولان:

الأوّل: أن التركة تبقى على حكم مال الميت و لا تنتقل إلى الورثة.

قال (قدّس سرّه): «فإن مات قبل أن يهلّ شوال فلا يلزم أحدا فطرته؛ لأنه لم ينتقل إلى ورثته، لأنّ عليه دينا». (المبسوط 1: 240).

و قال- أيضا- فيما لو باع الورثة التركة التي تعلق الدين بها: «الأقوى عندي أنه لا يصحّ البيع؛ لأنّ التركة لا تستحق إلّا بعد أن يقضى الدين؛ لقوله تعالى مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهٰا أَوْ دَيْنٍ [النساء: 12] فيكون باع ما لا يملك».

(المبسوط 8: 143).

الثاني: أنّ التركة تنتقل إلى الوارث. قال (قدّس سرّه): «إذا مات و خلّف تركة و عليه دين انتقلت تركته إلى ورثته سواء كان الدين وفق التركة أو أكثر أو أقلّ منها».

(المبسوط 8: 192).

(4) الجامع للشرائع: 363. قال (قدّس سرّه) عند تعرضه لدعوى المفلّس حقا على غيره:

«و لو كان له شاهد واحد بمال و لم يحلف، لم يحلف الغرماء، و للوارث ذلك لأنّه يثبت ملكا لنفسه».

206

محكي حواشي القواعد (1)، و تبعهم الفاضل في كثير من (2) كتبه (3)، و الشهيد و المحقّق الثانيان (4)، و فخر الدين في حجر الإيضاح (5)، و كاشف اللّثام في شرح ميراث القواعد (6)، بل ظاهر بعض أنّه المشهور (7) و عن التذكرة: إنه الحق عندنا (8).

و يدلّ عليه- مضافا إلى إطلاق آية الإرث مثل قوله تعالى إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَ لَهُ أُخْتٌ فَلَهٰا نِصْفُ مٰا تَرَكَ (9) دلّ على سببية الهلاك للإرث، و قوله تعالى لِلرِّجٰالِ نَصِيبٌ مِمّٰا تَرَكَ الْوٰالِدٰانِ وَ الْأَقْرَبُونَ .. الآية (10) و آية أولوا الأرحام (11)-:

أنّه لو لا ذلك لم يشارك ابن الابن عمّه في ميراث جدّه إذا مات أبوه قبل إيفاء الدّين، و التّالي باطل إجماعا.

و أنّه لو لم (12) ينتقل المال إليه لم يجز له الحلف لإثبات دين لمورّثه إذا

____________

(1) نقله صاحب الجواهر (قدّس سرّه) في الجواهر 26: 85.

(2) في «ش» و «ع» و «ص»: أكثر كتبه.

(3) قواعد الأحكام 2: 167، و التذكرة 2: 31، و المختلف: 727.

(4) المسالك 2: 255، و جامع المقاصد 5: 221- 222.

(5) إيضاح الفوائد 2: 63- 64.

(6) كشف اللثام 2: 286.

(7) نقله صاحب الجواهر (قدّس سرّه) في الجواهر 26: 85.

(8) التذكرة 2: 84.

(9) النساء: 176.

(10) النساء: 7.

(11) الأنفال: 75.

(12) كذا في «ق»، و في سائر النسخ: و إن لم.

207

أقام شاهدا واحدا به؛ إذ لا يمين لإثبات مال الغير، كما يظهر من النّصوص (1) و الفتاوى (2).

و أنّه لو لم ينتقل إليه لزم إمّا خروج التركة عن الملك، أو بقاؤه بلا مالك، أو كون الميّت مالكا له (3)، و انتقاله إلى غير الوارث، و الكلّ باطل بالعقل و النقل.

و يمكن الجواب عن الإطلاقات: بما ذكر من الآيات المقيّدة.

و عن مشاركة ابن الابن: بأنّه لأجل وراثته لما (4) ترك أبوه من استحقاق الإرث لو لا الدّين، كمشاركة البعيد للقريب فيما ينتقل بالخيار، كما إذا باع الميّت بخيار فمات عن اثنين، فمات أحدهما عن ابن، فإن ابن الابن يشارك عمّه في المبيع لأجل وراثته الخيار عن أبيه.

و عن جواز حلف الوارث: بأنّه لأجل الإجماع (5) على كون المحاكمة للوارث فهو الدّليل على جواز حلفه لإثبات مال مورّثه.

و عن الوجه الأخير: بمنع عدم قابليّة الميت للملك، و إلّا بقي الكفن و مئونة التجهيز بلا مالك، أو خرج عن الملكيّة، و كذا دية الجناية عليه (6) بعد موته، و كذا العين الذي أوصى بدفعه اجرة للعبادة، و كذا تركة الحرّ إذا

____________

(1) الوسائل 18: 192، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم.

(2) الجواهر 40: 282.

(3) ليس في «ق»: له.

(4) في «ش»: بما.

(5) كذا في «ق»، و في سائر النسخ: بأنّه للإجماع.

(6) ليس في «ش» و «ع» و «ص»: عليه.

208

لم يخلّف (1) سوى قريب مملوك؛ حيث حكموا بوجوب شرائه و عتقه ليرث الباقي.

و لو التزم فيما عدا الأخير بانتقاله إلى الوارث- إلّا أنّه يتعين عليه صرفه إلى الوجه الخاص و محجور عما عداه من التصرّفات، كما حكي عن جامع المقاصد (2)، و التزم ذلك في الثلث الموصى به (3)- لم يتأتّ ذلك في الأخير؛ إذ المفروض أنّ المملوك قبل العتق لا يرث.

و احتمال انتقاله إلى اللّٰه- كما في الوقف العام (4)- مشترك.

اللّٰهم إلّا أن يقال بانتقاله إلى الإمام (عليه السلام)، بمقتضى عموم ما دلّ على أنّ الإمام يرث من لا وارث له (5)؛ فإنّ وجود القريب الممنوع عن الإرث كعدمه، فالقريب المملوك كالقاتل و ولد الملاعنة و الكافر (6)، فيكون حكم الإمام (عليه السلام) بشراء المملوك و عتقه و إعطائه الباقي (7) تفضّلا منه (عليه السلام) على المملوك، فهو حكم شرعي ثانوي، و ليس من باب الإرث بالنسب حتى يكون مخصصا بالعمومات «إنّه لا يرث عبد حرا» (8)، فتأمّل.

و أمّا احتمال كونه ملكا للّٰه، فهو- مع أنّ الظّاهر كما ادعي الاتفاق على

____________

(1) في «ش»: يحلف.

(2) جامع المقاصد 10: 26، و 9: 82.

(3) راجع الجواهر 26: 87.

(4) ليس في «ش» و «ع» و «ص»: العام.

(5) الوسائل 17: 547، الباب 3 من أبواب ميراث ولاء العتق.

(6) في «ش» و «ص» و «ع»: كالكافر و ولد الملاعنة.

(7) الوسائل 17: 404، الباب 20 من أبواب موانع الإرث.

(8) الوسائل 17: 399، الباب 16 من أبواب موانع الإرث.

209

عدمه- مناف لعموم ما دلّ على أنّ ما كان للّٰه فهو للإمام (عليه السلام) (1)، مع أنّ نسبة الملكيّة بالمعنى المتعارف- أعني: الربط الخاص الموجود بين الأملاك و الملّاك- إلى اللّٰه تعالى شأنه محل تأمّل و نظر، و أن قال به جماعة في الوقف العام (2).

و أمّا احتمال انتقاله إلى الديّان أو أجنبيّ آخر فهو مخالف للإجماع،- كما ادعي (3)- فلم يبق من مقدمات الدليل المذكور إلّا إبطال خروج المال عن الملك، أو جواز بقاء الملك بلا مالك. و إن أبيت عن إبطالهما (4) بالاتّفاق كما ادّعاه على ثانيهما ثاني المحققين، قال (5) في محكي المقاصد: فيكفي في إبطالهما صحة ورود عقود المعاوضات عليه، كالبيع و الإجارة و نحوهما، مما يتوقف على ملكيّة مورده، و وجود مالك ينتقل إليه عوضه (6).

و يمكن تقرير الدّليل المذكور بوجه آخر أسهل في إبطال اللوازم المذكورة، و هو أنّه لا ريب في تحقّق الوراثة الفعليّة شرعا و عرفا لجميع التركة بعد إيفاء الدين من الخارج، أو إبراء الدّيّان، أو تبرّع الأجنبيّ، و ليس معنى الوراثة شرعا و عرفا إلّا انتقال المال من الموروث إلى الوارث، فلو خرج المال بموت المورث عن الملكية لم يتحقق [الانتقال، و لو بقي بلا مالك لم يكن الانتقال من الميّت، و لو انتقل إلى اللّٰه أو إلى غير الوارث

____________

(1) الوسائل 6: 357، الباب الأوّل من أبواب قسمة الخمس.

(2) مفتاح الكرامة 9: 78- 79.

(3) ادعاه صاحب الجواهر (قدّس سرّه)، راجع الجواهر 26: 85.

(4) في «ش»: إبطالها.

(5) ليس في «ق»: قال.

(6) لم نقف عليه في جامع المقاصد.

210

لم يكن الانتقال من الميّت إلى الوراث] (1)؛ لأن الوراثة هي الانتقال بلا واسطة، و لذا لا يسمّى انتقال بعض التركة من الموصى له (2) إلى الوارث بالابتياع وراثة.

و كيف كان، فالظاهر تماميّة مقدّمات الدليل المذكور، و به يثبت صحّة القول الثاني و إن سلّمنا مخالفته لظاهر الآيات، إلّا أنّ الوجه المذكور قابل لصرفها عن ظاهرها، و لكن المسألة مشكلة جدا، و اللّٰه العالم.

هذا كله في الدين المستوعب، و أمّا ما لا يستوعب التركة، فتارة يقع الكلام فيما قابل الدين منها، و اخرى في الفاضل عنه.

أمّا الأوّل: فالظّاهر أنّ الخلاف فيه كما في الدّين المستوعب، و تدلّ عليه الأدلّة المتقدّمة.

و أمّا الثاني: فملكيّته للوارث ممّا لا خلاف فيه على الظاهر- كما يظهر من غير واحد- و إن كان ظاهر الأخبار المتقدّمة خلافه.

و أمّا جواز تصرّفه فيه و عدم حجره عنه، ففيه قولان:

أحدهما: نعم- و هو للفاضل (3)، و المحكي عن الجامع (4)، و الشهيد في حواشيه على ميراث القواعد (5)، و المسالك (6)، و الكفاية (7)، و بعض آخر، بل

____________

(1) ما بين المعقوفتين من «ق».

(2) في «ش» و «ع» و «ص»: الموصي.

(3) تحرير الاحكام 2: 173.

(4) الجامع للشرائع: 286.

(5) نقله في الجواهر 26: 91.

(6) المسالك 2: 255.

(7) الكفاية: 292.

211

ظاهر عبارة المناهل ظهور عدم الخلاف فيه (1)- لأصالة تسلّط المالك على ملكه إلّا أن يثبت الحجر (2).

و الثاني: لا (3)- و هو المحكي عن ميراث القواعد (4)، و رهن الإيضاح (5) و حجره (6)، و حجر جامع المقاصد (7)، و كتاب الدين من إيضاح النافع (8)، و ظاهر المبسوط (9) و السرائر، مدعيا عدم الخلاف فيه (10)، كما عرفت من عبارته المتقدّمة (11)- للأخبار المتقدّمة (12) الظاهرة في أنّ [الورثة لا يملكون شيئا إلّا بعد الأداء أو الضمان خرجنا عن ظاهرها في أصل الملكية بالنسبة إلى الفاضل] (13).

و قد يتمسك- أيضا- بالآية المتقدّمة، و فيه نظر؛ لأنّ التّقييد في الآية

____________

(1) المناهل: 754.

(2) في «ش»: على ملكه لا الحجر، و في «ع»: على ملكه الحجر، و في «ص»: على ملكه بالحجر.

(3) كذا في «ق» و «ع»، و لم يرد ذلك في «ش» و «ص».

(4) قواعد الأحكام 2: 167.

(5) إيضاح الفوائد 2: 18.

(6) إيضاح الفوائد 2: 62- 63.

(7) جامع المقاصد 5: 218.

(8) ليس بأيدينا.

(9) المبسوط 2: 250.

(10) السرائر 2: 47.

(11) في الصفحة: 201.

(12) مرّت الإشارة إليها في الصفحة: 198 و 202.

(13) ما بين المعقوفتين من «ق»، و مكانها في «ش» و «ع» و «ص»: للورثة الفاضل.

212

بما بعد الدين إمّا للتملّك، و إمّا [ل] (1) جواز التّصرف.

و على كل حال، فمفادها تقييد تملّك مجموع ما ترك الميّت أو التصرّف فيه بما بعد الدّين، و لا خلاف في ذلك.

فالعمدة هي الأخبار، إلّا أنّها معارضة بما يخالفها مثل مرسلة البزنطي المصحّحة إليه: «عن رجل يموت و يترك عيالا و عليه دين، أ ينفق عليهم من ماله؟ قال: إذا استيقن أنّ الّذي عليه يحيط بجميع المال فلا ينفق عليهم، و إن لم يستيقن فلينفق عليهم من وسط المال» (2).

و في معناها ما عن ثقة الإسلام و الشيخ في الموثّق عن ابن الحجّاج عن أبي الحسن (عليه السلام) (3). و لعلّه (4) يجوز الإنفاق مع الشك في الإحاطة؛ للبناء على أصالة عدمها.

فالأقوى الجمع بين هذين و بين الأخبار المتقدّمة بتقييد جواز التصرّف، بصورة ضمان الورثة أو وليّهم دين الغرماء، كما هو صريح موثّقة زرارة المتقدّمة (5). لكن (6) يأباه التفصيل في هذين بين صورتي الإحاطة و عدمها؛ إذ مع الضّمان لا فرق بينهما في جواز التّصرف.

____________

(1) في «ق»: إما التملك و إما جواز التصرف، و في «ش»: إمّا للتملك و جواز التصرّف، و في «ع» و «ص»: إما للتملك و جواز التصرّف.

(2) الوسائل 13: 407، الباب 29 من كتاب الوصايا، الحديث الأوّل.

(3) الكافي 7: 43، كتاب الوصايا، باب «الرجل يترك الشيء القليل و عليه دين» الحديث 2، و الاستبصار 4: 115، الحديث 439، و انظر الوسائل 13: 408، الباب 29 من أبواب الوصايا، الحديث 2.

(4) في «ش» و «ق»: لعل.

(5) راجع الصفحة: 202.

(6) ليس في «ق»: لكن.

213

فالأولى حملها على الإنفاق بعد عزل القدر المتيقّن من الدين، و إنّ وليّ الميّت أو الورثة يجب عليه مع عدم الإحاطة أن لا يحبس حقّ الورثة لأجل الغرماء، بل يعزل حقّهم و ينفق الباقي.

فالأظهر- حينئذ- ما دلّت عليه الموثّقة المتقدّمة من عدم جواز التّصرف قبل الضمان.

و أمّا ما دلّ بظاهره منها على توقّف التصرّف على الأداء، فمع وروده مورد الغالب من إقدام الوارث على الأداء (1) من قيمة العين، لا ضمان الدين في الذمة، يجب تقييد مفهومه الغائي بمنطوق الموثقة.

ثمّ لا يبعد أن يراد من الضّمان فيها هو مجرد التعهّد بالمال، مع إذن الغرماء صريحا، أو رضاهم بشاهد الحال، بحسب مقتضى حال الوارث من عزمه على الأداء و وفائه بما يعزم عليه.

و على ما ذكرنا (2) ينطبق ما يشاهد (3) من استمرار سيرة المسلمين على عدم الامتناع من التّصرف في مال مورّثهم- من بيته (4) و أثاث البيت و غير ذلك- إلى أن يستأذنوا الغريم الّذي له على الميت ما يفي به جزء من مائة ألف جزء من تركة الميت.

و حينئذ فالوارث إذا علم من نفسه- في خصوص أداء دين الميّت- حالة يعلم برضى الغريم بتصرّفه في التركة لو اطّلع على ما في عزمه (5)،

____________

(1) ليس في «ق»: على الأداء.

(2) في «ع» و «ش» و «ص»: ما ذكر.

(3) في «ع» و «ش» و «ص»: نشاهد.

(4) في «ع» و «ش» و «ص»: بقية، و في هامش «ص»: النقد.

(5) في «ع» و «ش» و «ص»: غرضه.

214

فالظاهر جواز التّصرف و إن استوعب الدين.

و على أيّ تقدير، فلو تصرّف الوارث في موضع الجواز فتلف باقي التركة قبل إيفاء الدين، فالظاهر رجوع الغرماء إلى الوارث، لعموم ما دلّ على أنّه يبدأ (1) بالدين قبل الإرث (2)، و إطلاق ذيل موثّقة زرارة المتقدمة الآمرة برجوع الغرماء فيما بقي من حقوقهم إلى الورثة إن كان الميّت ترك شيئا (3).

و لو أعسر الوارث حينئذ، فلا يبعد أن يكون للغريم نقض تصرفه فيما تصرّف فيه (4) من بعض التركة- كما ذكره في القواعد (5)- لكشف تلف بعض التركة عن عدم استحقاق الوارث لما تصرّف فيه، فتأمّل.

نعم، لو عزل دين الميت فقبضه وليّ الميت- وصيّا (6) أو غيره- و تمكن من دفعه إلى الغريم فلم يدفع ثم تلف، كان عليه (7) ضمانه لا على الورثة؛ للأخبار (8) الدّالة على ضمان من اوصي إليه بإيصال حق فتمكّن منه و لم يفعل، و قد ورد بعضها في باب من تمكّن من إيصال الزكاة فلم يفعل (9)، كمصحّحة

____________

(1) في «ع» و «ش» و «ص»: يبتدأ.

(2) راجع الصفحة: 202.

(3) تقدمت في الصفحة: 202.

(4) في «ع» و «ش» و «ص»: الغريم ينقض تصرفه فيه.

(5) القواعد 1: 171.

(6) في «ع» و «ش» و «ص»: وصيّ.

(7) ليس في «ع» و «ش»: عليه، و في «ص» كتب في الهامش.

(8) في «ع» و «ش» و «ص»: للأخبار الكثيرة.

(9) الوسائل 6: 198، الباب 39 من أبواب المستحقين للزكاة.

215

الحلبي [عن أبي عبد اللّٰه: «أنه قال] (1) في رجل توفّي فأوصى إلى رجل- و على الرجل (2) المتوفّى دين- فعمد الذي اوصي إليه فعزل الذي للغرماء، فرفعه في (3) بيته و قسّم الّذي بقي بين الورثة، فسرق (4) الذي للغرماء من الليل، ممن يؤخذ (5)؟ قال: هو ضامن حين عزله في بيته يؤدي من ماله» (6).

و ما عن المشايخ الثلاثة عن أبان عن رجل [قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام)] (7) عن رجل أوصى إلى رجل (8) أنّ عليه دينا، فقال: يقضي الرجل ما عليه من دينه و يقسّم ما بقي بين الورثة، قلت: فسرق ما كان أوصى به من الدّين، ممن يؤخذ [الدين، أ] (9) من الورثة أم من الوصيّ؟

[قال: لا يؤخذ من الورثة] (10) و لكن الوصيّ ضامن لها (11)» (12).

____________

(1) ما بين المعقوفتين من المصدر.

(2) ليس في «ع» و «ش» و «ق» و «ص»: الرجل.

(3) في «ع» و «ش» و «ق»: إلى.

(4) في «ص»: فيسرق.

(5) في «ع» و «ش»: فبمن يتوجه.

(6) الوسائل 13: 418، الباب 36 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 2.

(7) ما بين المعقوفتين من المصدر.

(8) ليس في «ع» و «ش»: عن رجل أوصى إلى رجل.

(9) ما بين المعقوفتين من المصدر و هامش «ص».

(10) ما بين المعقوفتين من المصدر و هامش «ص».

(11) ليس في «ع» و «ش»: لها، و في المصدر و «ق»: له.

(12) الاستبصار 4: 117، باب «من اوصي إليه بشيء للأقوام فلم يعطهم فهلك المال» الحديث: 455. و الكافي 7: 24، باب «من أوصى و عليه دين» الحديث 2. و الفقيه 4: 224، كتاب الوصايا باب «فيمن أوصى أو أعتق و عليه دين» الحديث 5529.

الوسائل 13: 418، الباب 36 من أحكام الوصايا، الحديث 4.

216

و قريب منها رواية عبد اللّٰه الهاشميّ المحكيّة عن التهذيبين في وصيّ أعطاه الميّت زكاة ماله فذهبت (1).

____________

(1) الاستبصار 4: 117، باب «من أوصي إليه بشيء للأقوام فلم يعطهم فهلك المال» الحديث 444، و التهذيب 9: 168، كتاب الوصايا، باب «الإقرار في المرض» الحديث 683. و الوسائل 13: 418، الباب 36 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 3.

217

مسألة [9] (1) إذا مات المديون فالمحكي عن الأكثر: بقاء المال المقابل للدين على حكم [مال] الميّت،

و لا ينتقل من حين الموت إلى الوارث إلّا الفاضل عن الدين (2). و عن جماعة منهم العلّامة (3) و الشهيد الثاني (4): [الذهاب] (5) إلى انتقال المال بالموت إلى الوارث و إن استغرق الدين التركة.

للأوّلين: ظاهر قوله تعالى مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهٰا أَوْ دَيْنٍ* (6) بناء على أنّ ظاهر اللّام في آيات الإرث التمليك، فمقتضى القيد توقف الملك

____________

(1) وردت هذه المسألة في «ق» دون غيرها.

(2) الجواهر 26: 84.

(3) القواعد 2: 167.

(4) المسالك 2: 255.

(5) الزيادة اقتضتها العبارة.

(6) النساء: 11.

218

على إيفاء الوصيّة و الدين.

و ظاهر الأخبار الكثيرة، مثل قوله في الدية: «يرثها أولياء المقتول إذا لم يكن على الميّت دين» (1).

و قوله في الرواية المرويّة في باب الزكاة: «إنّما هو بمنزلة الدين لو كان عليه، ليس للورثة شيء حتى يؤدّوا ما أوصى به من الزكاة (2).

و قوله (عليه السلام) في موثّقة زرارة: «في عبد أذن له سيّده في التجارة، فاستدان العبد فمات المولى فاختصم الغرماء و الورثة فيما في يد العبد، قال:

ليس للورثة سبيل على رقبة العبد و ما في يده من المال و المتاع، إلّا أن يضمنوا دين الغرماء جميعا، فيكون العبد و ما في يده من المال للورثة، فإن أبوا كان العبد و ما في يده من المال للغرماء، يقوّم العبد و ما في يده من المال، ثم يقسّم ذلك بينهم بالحصص، فإن عجز قيمة العبد و ما في يده عن أموال الغرماء رجعوا إلى الورثة فيما بقي لهم إن كان الميت ترك شيئا، و إن فضل قيمة العبد و ما في يده عن دين الغرماء رد على الورثة» (3).

و ممّا استدلّ به الشيخ في المبسوط لهذا القول أيضا: إنّه لو انتقل المال إلى الورثة لانعتق قريب الوارث عليه بمجرّد موت المورث و إن كان عليه دين مستوعب، و التالي باطل بلا خلاف (4).

و للآخرين: إنه لو لم ينتقل إلى الوارث لبقي مالا بلا مالك، و هو محال

____________

(1) الوسائل 17: 393، الباب 10 من أبواب موانع الإرث، الحديث الأول.

(2) الوسائل 6: 175، الباب 21 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأوّل.

(3) الكافي 5: 303، كتاب المعيشة، باب «المملوك يتّجر فيقع عليه الدين»، الحديث 2، و الوسائل 13: 119، الباب 31 من أبواب الدين، الحديث 5.

(4) لم نقف عليه.

219

عقلا. و إنّه لو لم ينتقل لم يشارك ابن الابن عمّه في ميراث جده إذا مات أبوه قبل إيفاء الدين. و التالي باطل إجماعا.

و للنظر في كل من أدلّة الطرفين مجال، إلّا أنّ الأقوى هو القول الثاني؛ لأن كون التركة ملكا ممّا لا يقبل الإنكار، لما قد ثبت له من الأحكام المتوقّفة على الملك، كالبيع و الإجارة، و ضمانه عينا و منفعة عند التلف، إلى غير ذلك، و توقّف الملك على المالك- أيضا- كذلك؛ لأن الملكيّة من الإضافات المتوقّفة على تحقّق أطرافها، و ليس هنا من يملك إلّا الوارث؛ لأنّ مالكيّة الديّان منتفية إجماعا (1).

و أورد عليه النقض ب: ثمن الكفن، و مئونة التجهيز، و الزكاة، و دية الجناية على الميت- التي ورد النص بأنّها ليست للورثة بل يتصدّق [بها] للميّت في وجوه البر (2)- و بالوقف العام.

فإن قيل: إنّه ملك للّٰه تعالى.

قلنا بمثله في مال الميّت، إلّا أنّ الفارق وجوب صرف هذا في ديون الميّت.

و يمكن الجواب- فيما عدا النقض بالوقف-: بالتزام ملكيّة الكفن و نحوه للورثة، و نحوه المال الموصى به في مصرف مخصوص كاستئجار العبادة و نحوه، و دية الجناية للفقراء، و الزكاة لهم أو لكافّة المسلمين.

و أمّا احتمال كونه كالوقف ملكا للّٰه، فهو مخالف للإجماع على أنّ الملك هنا ليس للّٰه تعالى؛ لأنّ أصحابنا بين قائل بانتقاله إلى الوارث، و بين قائل

____________

(1) راجع الجواهر 26: 84.

(2) الوسائل 19: 247، الباب 24 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث الأوّل.

220

بكونه في حكم مال الميّت (1)، مع أنّ ثبوت الملك بالمعنى المتعارف للّٰه تعالى محلّ تأمّل، و إن قيل به في الوقف العام، مع أنّ انتقال الملك إلى اللّٰه ليس بناقل اختياريّ، و الاضطراري غير ثابت.

فإن قلت: الانتقال إلى الوارث- أيضا- غير ثابت.

قلت: انتقاله إليه في الجملة ثابت، إنّما الكلام في كون ذلك قبل إيفاء الدين أو بعده، فيحكم بثبوت الانتقال قبل الإيفاء بأصالة عدم الانتقال إلى غيره، نظير ما إذا ثبتت الحقيقة العرفيّة للفظ و شكّ في كونه في اللّغة كذلك، فإنّه يحكم بثبوت الحقيقة العرفية في اللّغة- أيضا- بأصالة عدم النقل، و لا يجري هنا أصالة تأخّر الوارث (2).

فحاصل الاستدلال: أنّ الأمر دائر بين تملك الميت، أو تملك الوارث، أو كون الملك للّٰه تعالى. و الأوّل باطل قطعا، فيدور الأمر بين الأخيرين؛ و حيث إنّ تملك الوارث ثابت في الزمان المتأخّر، و يشك في ثبوته عند الموت، فيحكم بثبوته هناك، نظير ما ذكر في الحكم بسبق المعنى العرفي و عدم مسبوقيّته لوضع آخر، هذا، و لكنّ العمدة في نفي احتمال ملكيته للّٰه هو الإجماع المركّب كما عرفت، و إلّا فإثبات سبق التملّك بهذا الأصل غير صحيح، و المعتمد في إثبات سبق الحقيقة العرفيّة عند الشكّ على أمور أخر، فتدبّر.

نعم، يمكن أن يوجّه الاستدلال المذكور بأنّ الإرث عرفا و شرعا هو انتقال ما كان للميت من مال أو حق منه إلى الوارث، و لا يتحقق هذا المعنى إلّا بعد عدم توسّط مالك ثالث بين الميت و الوارث، و إلّا لانتقل المال إلى

____________

(1) الجواهر 26: 84.

(2) كذا في النسخ، و لعل الصحيح: الحادث.

221

الوارث منه لا من الميّت، فحينئذ فيدور الأمر- قبل إيفاء الدين- بين تملك الميّت و تملك الوارث، و الأوّل باطل؛ لكونه خرقا للإجماع، و لأن الميت إمّا أن يراد به نفس الجسد، و لا يخفى عدم قابليته للتملك، و إمّا أن يراد به النفس الباقية بعد الموت، و هو و إن تصوّر فيه الملك نظير ما يقال في حصول الملكيّة للّٰه تعالى في الوقف العام، إلّا أنّ ملاحظة أحكام الملك و المالك يكشف كشفا قطعيّا عن بطلانه، كيف و لو كان كذلك لزم انتقال عوض التركة إليه إذا باعها الوارث، و انعتق عليه من يعتق عليه إذا انتقل إليه، إلّا أن يمنع ذلك من أجل الحجر عليه و إن كان مالكا، و لجاز الربا في المعاملة الواقعة من الوارث إذا كان مع ولد الميت أو زوجته، و لجاز نقل الملك إليه، و الوقف عليه، إلى غير ذلك مما هو متّفق البطلان. و لو فرض تسليم قابليّة النفس الناطقة للملك، لكن نقول: لا بد من التزام انتقال المال من الإنسان؛ لأنّ المالك في حال الحياة ليس خصوص النفس الناطقة- كما لا يخفى- و قد علمت أنّ الإرث انتقال المال من الميت إلى الحيّ لا إلى النفس، و منه إلى الوارث.

و كيف كان، فهذا الوجه هو المعتمد في الاستدلال.

و أمّا ما ذكر من اشتراك ابن الابن لعمّه إذا مات أبوه قبل الإيفاء فهو أعم من المطلوب؛ لاحتمال كونه لأجل انتقال تأهّل الملكيّة بعد الدين إليه من أبيه، و انتقال سبب الملك كاف في استحقاق النصيب، كما لو كان للميّت خيار، فإن ابن الابن يرث الخيار من أبيه فيشارك مع عمّه في البيع المستردّ بالخيار، و نحوه ورثة الموصي له، فإنهم إذا قبلوها تنتقل إلى ورثة الموصي له حين موته لا حين قبولهم؛ لأنّهم إنّما ورثوا قابليّة الملك و القبول للموصى به. و كذا الوقف المنقطع الآخر الذي قيل: إنّه يرجع بعد الانقطاع إلى ورثة الواقف، بناء على انتقاله إلى ورثته حين الموت لا حين انقراض الموقوف

222

عليهم، و يحتمل الانتقال إلى ورثته حين الانقراض، بناء على أنّه يقدّر انتقاله إلى الميت من ذلك الحين، و الفرق بينه و بين الخيار و الوصيّة أنّهما إنّما ينتقلان من الميت إلى وارثه، ثمّ منه إلى وارثه، و هكذا، و انتقال المال تابع للخيار و الوصيّة، بخلاف الوقف فإنّه يقدّر انتقاله إلى الميت من حين الانقراض.

و وجه الاحتمال الأوّل: هو أن الواقف له تأهّل انتقال الوقف إليه لو انقرض الموقوف إليه (1). و بهذا المعنى ينتقل إلى وارثه، ثم إلى وارثه، و هكذا، فيكون انتقال المال تابعا لانتقال ذلك التأهّل، كانتقال المال في الخيار و الوصيّة.

و يدلّ على تملّك الوارث- مضافا إلى ما ذكرنا- إطلاقات الإرث، مثل قوله تعالى لِلرِّجٰالِ نَصِيبٌ مِمّٰا تَرَكَ الْوٰالِدٰانِ وَ الْأَقْرَبُونَ .. الآية (2).

و قوله تعالى إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَ لَهُ أُخْتٌ فَلَهٰا نِصْفُ مٰا تَرَكَ (3).

دل على سببيّة الهلاك لتملّك الوارث.

و يؤيّدها آية اولي الأرحام (4) و قوله تعالى وَ لِكُلٍّ جَعَلْنٰا مَوٰالِيَ مِمّٰا تَرَكَ الْوٰالِدٰانِ وَ الْأَقْرَبُونَ (5).

و تقييدها بما بعد الوصيّة و الدين لوجود الآيات المقيّدة ممنوع، أوّلا: بما سيجيء من عدم دلالة تلك الآيات إلّا على كون القسمة بين

____________

(1) كذا في «ق»، و الصحيح: عليه.

(2) النساء: 7.

(3) النساء: 176.

(4) الأنفال: 75.

(5) النساء: 33.

223

الورثة بعد الدين، لا أنّ التملك بعده.

و ثانيا: لو سلمنا دلالتها على ذلك لكن نقول: لا يمكن تقييد الآيات المطلقة بها؛ لأنّا إن قلنا بظهور اللّام- وضعا أو انصرافا- في الملكيّة المستقرة السليمة عن مزاحمة الغير، فلا يخفى أنّ تقييد هذه الملكيّة بما بعد الدين- كما تضمنته الآيات- متفق عليه. [على أن التقييد في هذه] (1) الآيات ليس بأولى من حمل الملكية- المستفادة من اللام- و الأولوية و المولوية على ما لا ينافي مزاحمة حقّ الغير المانع من التصرف المنافي له، و إن كانت ظاهرة في غير ذلك (2).

إلّا أنّ الآيات المطلقة المذكورة كما يمكن تقييد الملكيّة المذكورة المستفادة منها بما بعد الدين بقرينة الآيات المقيّدة، كذلك يمكن أن يراد من الملكيّة فيها- الظاهرة في الفرد المستقر- مطلق الملكيّة المجامع مع عدم الاستقرار و مزاحمة الغير.

و دعوى أولويّة تقييد المطلق من إرادة الإطلاق من المطلق المنصرف إلى بعض أفراده، ممنوعة.

و إن قلنا بعدم ظهور في أزيد من مطلق الملكيّة فيدور الأمر بين تقييد الآيات المطلقة بما بعد الدين، لشهادة الآيات المقيدة، و بين تقييد الملكيّة المقيّدة بما بعد الدين- في الآيات المقيّدة- على خصوص الملك المستقرّ المستقلّ السليم عن مزاحمة الغير في التصرّف، فبقي إطلاق ثبوت أصل الملك

____________

(1) ما بين المعقوفتين جاء في «ق» في ذيل عبارة مشطوب عليها، و الظاهر لزومها.

(2) المقطع التالي هو صياغة أخرى لما جاء في هذا المقطع، و قد وقع هذا المقطع في ضمن عبارات مشطوب على بعضها.

224

في الآيات المطلقة غير مقيّد بشيء، و كيف [كان] (1) فلا يتعيّن تقييد الآيات المطلقة بالآيات المقيّدة.

و أمّا ما استدلّ به الأكثر على عدم الملك من الوجوه الثلاثة:

فأمّا أصالة عدم الانتقال إلّا بعد الإيفاء و إن كانت جارية هنا و لا تعارضها أصالة عدم الانتقال إلى مالك آخر فضلا عن أن تقدّم عليها، و إنّما تقدّم عليها في تعيين أوضاع الألفاظ لوجوه أخر- كما عرفت سابقا- إلّا أنّ الأصل يخرج عنه بما ذكرنا من الدليل.

و أمّا التمسك بلزوم انعتاق من ينعتق على الوارث بمجرّد الموت مع إحاطة الدين، فيرد عليه:

منع عموم الدّليل على الانعتاق بمجرّد الملك، حتّى فيما إذا كان متعلّقا لحق الغير و كان المالك ممنوعا من التصرّف.

و عموم ما دلّ على أنّه لا يملك الرجل محارمه معارض بعموم ما تقدّم من الدليل، على أنّ الورثة إذا أبوا عن ضمان الدين كان التركة للغرماء يقوّمونه و يأخذون حقّهم (2).

و أمّا التمسك بالآيات المتضمّنة لقوله مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ* .. أَوْ دَيْنٍ* (3) ففيه:

أوّلا: انّ الظاهر من الآية سوقها لبيان كيفيّة القسمة- بعد كون مالكيّة

____________

(1) الزيادة اقتضتها العبارة.

(2) الكافي 5: 303، كتاب المعيشة، باب «المملوك يتّجر فيقع عليه الدين».

(3) النساء: 11 و 12 فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهٰا أَوْ دَيْنٍ .. فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّٰا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهٰا أَوْ دَيْنٍ .. فَإِنْ كٰانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّٰا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهٰا أَوْ دَيْنٍ.

225

الورثة و استحقاقهم في الجملة مفروغا عنه- لا لتأسيس الحكم بأصل التملّك، فالمتأخر عن الوصيّة و الدين هي قسمة الإرث بين الورثة على النحو المذكور في الآيات، فالمراد: أنّ الورثة لا يزاحمون الموصى له و لا الديّان. فمساق الآية مساق ما ورد من أنّ أوّل شيء يبدأ به من المال: الكفن، ثم الدين، ثم الوصيّة، ثم الميراث (1).

و ربما يظهر ما ذكرنا من بعض فقرأت الآيات، مثل قوله تعالى فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَ وَرِثَهُ أَبَوٰاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كٰانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ .. إلخ (2)، فإنّ قوله وَ وَرِثَهُ أَبَوٰاهُ دل على أنّ قوله فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ و قوله فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مسوق لبيان كيفيّة القسمة، فالمقيّد بقوله:

مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ هي القسمة بين الأبوين، لا أصل إرث الأبوين لمال الميت. فالمقصود من القيد بيان عدم مزاحمة إيفاء الوارث للوصيّة و الدين.

و ثانيا- سلّمنا أنّ القيد يرجع إلى الملكيّة لكن نقول: لمّا كان الظاهر من الملكيّة المستفادة من اللّام- الموضوعة للاختصاص المطلق- هو استقلال المالك و عدم مزاحمته في التصرّف، فالقيد راجع إلى الملكيّة على هذا النهج، و تأخّرها عن الدين ممّا لا خلاف فيه.

اللّٰهمّ إلّا أن يقال: إنّ خصوصيّة الاستقلال في الملك و التسلّط، و عدم تسلّط الغير ليس من الأمور المستفادة من «لام التمليك»، بل و لا «لام الاختصاص»؛ لأنّ غاية الاختصاص المطلق المستفاد من اللّام هو الاستقلال، بمعنى عدم مدخليّة الغير في الملكيّة و نفي تشريك الغير.

____________

(1) الوسائل 13: 406، الباب 28 من أبواب أحكام الوصايا.

(2) النساء: 11.

226

و أمّا عدم مدخلية الغير في مزاحمة المالك و منعه عن التصرّف، فهو من الأحكام الشرعيّة الثابتة للأملاك لو خلّيت و أنفسها، و أظهر من ذلك- في الخروج عن مدلول اللّام- استقرار الملك و عدم تزلزله بتسلط الديّان على إبطاله عند امتناع الوارث من أداء الدين، فإنّ هذا ليس من أحكام الملك- فضلا عن مدخليّته في نفس الملك- ليكون داخلا في مفاد اللّام، بل هو مقتضى استصحاب الملك.

و أمّا تنجّز الملك و عدم مراعاته بضمان الدين، أو مقتضى إطلاق الحكم بالملكيّة، فاتّضح إنّ شيئا من الخصوصيّات المذكورة للملك- اعني الاختصاص بمعنى عدم مدخليّة الغير في المنع عن التصرّف، و استقرار الملك و تنجّزه- ليس مستفادا من نفس اللفظ حتّى يرد عليه التقييد، فيكون مؤدّاه توقّف الملك الخاص على إيفاء الدين، فلا ينافي حصول أصل الملك قبل الإيفاء.

نعم، لو سلّم عدم دلالة اللّام على أكثر من مطلق الملك- لكن ادعي أنّ المراد من المطلق: الملك الخاص، اعني المنجّز المستقرّ السليم عن المزاحمة، فالتقييد وارد على هذا المقيّد المراد من المطلق- كان حسنا بشرط إثبات الدليل من الخارج على ثبوت أصل الملك، حتى لهذا التقييد المذكور.

نعم، يمكن أن يقال- كما أشرنا سابقا-: إنّ إبقاء الملكيّة- المقيّدة في هذه الآيات بما بعد الدين- على إطلاقها موجب لتقييد الآيات المطلقة المتقدّمة (1) بهذه الآيات، فيدور الأمر بين تقييد الملكيّة المطلقة- في آيات الدين- بالملكيّة المستقرة السليمة عن مزاحمة الغير في التصرّف، و بين تقييد

____________

(1) تقدمت في الصفحة: 222.