رسالة في الوصايا

- الشيخ مرتضى الأنصاري المزيد...
140 /
7

[مقدمة التحقيق]

[مقدمة الأمين العام للمؤتمر]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّٰه ربّ العالمين و الصلاة و السّلام على خير خلقه محمّدٍ و آله الطيبين الطاهرين.

لم تكن الثورة الإسلاميّة بقيادة الإمام الخميني (رضوان اللّٰه عليه) حدثا سياسيّا تتحدّد آثاره التغييريّة بحدود الأوضاع السياسيّة إقليميّة أو عالميّة، بل كانت و بفعل التغييرات الجذريّة التي أعقبتها في القيم و البنى الحضاريّة التي شيّد عليها صرح الحياة الإنسانيّة في عصرها الجديد حدثا حضاريّا إنسانيّا شاملا حمل إلى الإنسان المعاصر رسالة الحياة الحرّة الكريمة التي بشّر بها الأنبياء عليهم الصلاة و السلام على مدى التاريخ و فتح أمام تطلّعات الإنسان الحاضر افقا باسما بالنور و الحياة، و الخير و العطاء.

و كان من أولي نتائج هذا التحوّل الحضاري الثورة الثقافيّة الشاملة التي شهدها مهد الثورة الإسلاميّة إيران و التي دفعت بالمسلم الإيراني إلى اقتحام ميادين الثقافة و العلوم بشتّى فروعها، و جعلت من إيران، و من قم المقدّسة بوجه خاصّ عاصمة للفكر الإسلامي و قلبا نابضا بثقافة القرآن و علوم الإسلام

8

و لقد كانت تعاليم الإمام الراحل (رضوان اللّٰه تعالى عليه) و وصاياه و كذا توجيهات قائد الثورة الإسلاميّة و وليّ أمر المسلمين آية اللّٰه الخامنئي المصدر الأوّل الذي تستلهم الثورة الثقافيّة منه دستورها و منهجها، و لقد كانت الثقافة الإسلاميّة بالذات على رأس اهتمامات الإمام الراحل (رضوان اللّٰه عليه) و قد أولاها سماحة آية اللّٰه الخامنئي (حفظه اللّٰه تعالى) رعايته الخاصّة، فكان من نتائج ذاك التوجيه و هذه الرّعاية ظهور آفاق جديدة من التطوّر في مناهج الدراسات الإسلاميّة بل و مضامينها، و انبثاق مشاريع و طروح تغييريّة تتّجه إلى تنمية و تطوير العلوم الإسلاميّة و مناهجها بما يناسب مرحلة الثورة الإسلاميّة و حاجات الإنسان الحاضر و تطلّعاته.

و بما أنّ العلوم الإسلاميّة حصيلة الجهود التي بذلها عباقرة الفكر الإسلاميّ في مجال فهم القرآن الكريم و السنّة الشريفة فقد كان من أهمّ ما تتطلّبه عمليّة التطوير العلمي في الدراسات الإسلاميّة تسليط الأضواء على حصائل آراء العباقرة و النوابغ الأوّلين الذين تصدّروا حركة البناء العلمي لصرح الثقافة الإسلاميّة، و القيام بمحاولة جادّة و جديدة لعرض آرائهم و أفكارهم على طاولة البحث العلمي و النقد الموضوعي، و دعوة أصحاب الرأي و الفكر المعاصرين إلى دراسة جديدة و شاملة لتراث السلف الصالح من بناة الصرح الشامخ للعلوم و الدراسات الإسلاميّة و روّاد الفكر الإسلاميّ و عباقرته.

و بما أنّ الإمام المجدّد الشيخ الأعظم الأنصاري (قدّس اللّٰه نفسه) يعتبر الرائد الأوّل للتجديد العلمي في العصر الأخير في مجالي الفقه و الأصول- و هما من أهمّ فروع الدراسات الإسلاميّة- فقد اضطلعت الأمانة العامّة لمؤتمر الشيخ الأعظم الأنصاري- بتوجيه من سماحة قائد الثورة الإسلاميّة

9

آية اللّٰه الخامنئي و رعايته- بمشروع إحياء الذكرى المائويّة الثانية لميلاد الشيخ الأعظم الأنصاري (قدّس سرّه) و ليتمّ من خلال هذا المشروع عرض مدرسة الشيخ الأنصاري الفكريّة في شتّى أبعادها و على الخصوص إبداعات هذه المدرسة و إنتاجاتها المتميّزة التي جعلت منها المدرسة الأمّ لما تلتها من مدارس فكريّة كمدرسة الميرزا الشيرازي و الآخوند الخراساني و المحقّق النائيني و المحقّق العراقي و المحقّق الأصفهاني و غيرهم من زعماء المدارس الفكريّة الحديثة على صعيد الفقه الإسلامي و أصوله و تمهيدا لهذا المشروع فقد ارتأت الأمانة العامّة أن تقوم لجنة مختصّة من فضلاء الحوزة العلميّة بقم المقدّسة بهمّة إحياء تراث الشيخ الأنصاري و تحقيق تركته العلميّة و إخراجها بالاسلوب العلمي اللّائق و عرضها لروّاد الفكر الإسلاميّ و المكتبة الإسلاميّة بالطريقة التي تسهّل للباحثين الاطّلاع على فكر الشيخ الأنصاري و نتاجه العلمي العظيم و الأمانة العامّة لمؤتمر الشيخ الأنصاري إذ تشكر اللّٰه سبحانه و تعالى على هذا التوفيق تبتهل إليه في أن يديم ظلّ قائد الثورة الإسلاميّة و يحفظه للإسلام ناصرا و للمسلمين رائدا و قائدا و أن يتقبّل من العاملين في لجنة التحقيق جهدهم العظيم في سبيل إحياء تراث الشيخ الأعظم الأنصاري و أن يمنّ عليهم بأضعاف من الأجر و الثواب.

أمين عام مؤتمر الشيخ الأعظم الأنصاري محسن العراقي

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

[مقدمة]

بسم اللّٰه الرحمن الرحيم

الحمد للّٰه المتفرّد بوحدانيّته، و الصلاة و السلام على من بعثه برسالاته و على أهل بيته، أوصيائه و خلفائه.

و بعد:

فمن منن اللّٰه تعالى علينا أن وفّقنا لإصدار حلقة اخرى من تراث الشيخ الأعظم (قدّس سرّه)، و هي تشتمل على ثلاث رسائل: الوصايا، و منجّزات المريض، و الإرث.

و المواضيع الثلاثة مواضيع جديرة بالاهتمام من الناحية الفقهية و الحقوقية.

أمّا رسالة الوصايا، فقد كتبها الشيخ (قدّس سرّه) بصورة شرح مزجي لكتاب شرائع الإسلام، لكنّها- مع الأسف- لم تكن تامة، بل نرى في البحث انقطاعا في عدّة مواضع، و لا ندري هل أنّها كانت في الأصل كذلك، أو كانت كاملة و لكن حصل النقص بسبب الضياع؟!

12

و مهما يكن، فقد أكملنا الناقص منه بمتن الشرائع ليمكن معرفة مقدار النقص، و تحصل المعرفة الإجمالية بالموضوع.

و أمّا رسالة منجّزات المريض، فقد كتبها (قدّس سرّه) بصورة مستقلة، و لكن واجهتنا مشكلة- أثناء التحقيق- و هي: أنّ الذي جمع ما كتبه الشيخ- و كانت أوراقا مبعثرة غير مرتّبة- جعل قسم منجزات المريض بعد الوصايا، و قد تابعه من استنسخ على تلك النسخة من دون إشارة إلى نقطة مهمة، و هي:

أن آخر عبارة في آخر صفحة من بحث المنجزات هي عبارة «و الإنصاف، أنّ المسألة محلّ إشكال، ممّا ذكر، و من عموم أدلة الإرث و الوصية، و عدم نهوض ما ذكر مخصّصا لها، بل أدلّة الدين أيضا، بناء على أنّ اللازم من إخراج ما نحن فيه من الأصل ..»

و جاء في وسط رسالة الوصايا- بحث الموصى به (ص 69 من هذه الطبعة)- بعد عبارة «.. بل ربما أوّل بما يرجع إلى المشهور» بياض بمقدار صفحتين، و جاء بعدهما في أوّل صفحة جديدة عبارة: «مزاحمته مع الدين إلّا أنّ بعض أهل هذا القول ادّعى الإجماع على تقديم الواجبات البدنية على الماليّة و عدم مزاحمتها لها» ثمّ استمر في البحث عن الموصى به.

و بعد التدقيق رأينا أن عبارة: «مزاحمته مع الدين إلّا .. (هي تتمة لقوله: «من الأصل»، و على هذا تكون العبارة التي جاءت في الوصايا تتمة لآخر عبارة وردت في منجزات المريض، و لذلك نحتمل أن تكون رسالة منجزات المريض قد كتبها الشيخ ضمن الوصايا، و لكن أخّرها المجمّع للأوراق، و مع ذلك فإنّنا حافظنا على الصورة الموجودة في المخطوطة و المطبوعات، مع الإشارة إلى ما توصّلنا إليه. و من العجيب أنّه جاء بعد كلمة «الأصل» في النسخ المطبوعة عبارة: «مزاحمته لهما»، و لا ندري من

13

أين جاءت هذه العبارة؟

و أمّا رسالة الإرث، فقد كتبها بصورة مستقلة و مختصرة أيضا، و لم يتعرّض فيها إلّا إلى بعض الموضوع.

و مما ينبغي الإشارة إليه: أنه (قدّس سرّه) تعرّض لبعض المسائل أكثر من مرّة، و لكن اختلفت كيفية دراسته للمسألة بحسب كيفية طرحه و رؤيته لها، كما حدث في المسألة السابعة و الثامنة و التاسعة، فهذه المسائل تبحث حول موضوع واحد و هو: «الدين المستوعب لتركة الميت»، و لكن لم تكن كيفية بحثه حولها على نسق واحد.

النسخ المعتمد عليها:

و كان الاعتماد في التحقيق على النسخ التالية:

أوّلا- مصوّرة النسخة الأصلية:

كان أكثر اعتماد المحققين على مصوّرة النسخة الأصلية التي كتبها الشيخ (قدّس سرّه)، و الموجودة في مكتبة الإمام الرضا (عليه السلام) في مشهد، ضمن مجموعة برقم (11127) باسم الوصايا، و قد تفضّلت بها المكتبة مشكورة.

و رمز لهذه النسخة ب«ق».

ثانيا- نسخة من المكاسب:

و هي نسخة مطبوعة بالطبعة الحجرية عام (1305).

و رمز لها ب«ع».

ثالثا- نسخة اخرى من المكاسب:

و هي نسخة ثانية من المكاسب مطبوعة بالطبعة الحجرية أيضا في أصفهان عام (1325).

و رمز لهذه النسخة ب«ص».

14

و الظاهر أنّ هاتين الطبعتين من المكاسب مصحّحتان، و هما مشتملتان على عدّة رسائل للشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) غير كتاب المكاسب، منها:

الوصايا، و منجزات المريض، و الإرث.

و ينبغي أن نشير إلى أننا سمّينا الكتاب ب«الوصايا و المواريث» لاندراج منجّزات المريض في الوصايا.

و استفيد في رسالة الإرث من نسخة ثالثة من المكاسب، و هي المعروفة بطبعة الشهيدي المتداولة، و المطبوعة عام (1375)، و رمز لها ب«ش».

و ختاما، نشكر كل من كان له دور في إحياء هذا الأثر، و نخصّ بالذكر صاحب الفضيلة سماحة حجة الإسلام و المسلمين السيد عبد الصاحب الموسوي الذي قام بمراجعة قسم الوصايا و منجّزات المريض بعد تحقيقهما، و سماحة حجة الإسلام و المسلمين الشيخ مرتضى الواعظي الذي حقّق رسالة «الوصايا»، و سماحة حجة الإسلام و المسلمين الشيخ محمد الحسون الذي حقّق رسالة «منجّزات المريض»، و سماحة حجة الإسلام و المسلمين الشيخ محمد رضا الأنصاري الذي حقّق رسالة «الإرث»، و حجة الإسلام السيد هادي عظيمي الذي قام بتنظيم الفهارس الفنّية.

و نسأل اللّٰه تعالى لنا و لهم مزيد التوفيق لخدمة مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، إنه قريب مجيب.

مسئول لجنة التحقيق محمّد علي الأنصاري

15

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

الوصايا و المواريث

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

[الفصل الأوّل في الوصيّة]

الفصل الأوّل في الوصيّة

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم

الحمد للّٰه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين و لعنة اللّٰه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدّين

[الوصية لغة]

الوصايا: جمع وصيّة، و هي: اسم مصدر من أوصاه و وصّاه توصية، أي: عهد إليه، كما في القاموس (1).

و هو أولى مما في جملة من كتب الفقه من أخذها من وصى يصي، بمعنى «وصل»، لوصل الموصي تصرّفه بعد الموت بتصرّفه قبل الموت (2)؛ لأنّ الألفاظ المستعملة من هذه المادّة في الكتاب (3) و السنّة (4) و كتب الفقهاء كلّها

____________

(1) القاموس المحيط 4: 400، مادة: «وصى»

(2) كالمبسوط 4: 3، و السرائر 3: 182، و التحرير 1: 291، و المهذّب البارع 3:

93.

(3) البقرة: 182، و النساء: 11- 12.

(4) انظر الوسائل 13: 351 كتاب الوصايا.

24

من باب الإفعال و التفعيل، لا الثلاثي المجرّد، اللّٰهم إلّا أن يريدوا أنّ أصل هذه اللّفظة مأخوذة من وصى يصي، حتّى أنّ الإيصاء و التوصية بمعنى العهد مأخوذ من ذلك، لا أنّ (1) الوصية المذكورة في الاستعمالات مصدر وصى يصي، فلا خلاف في المعنى، و لعلّ هذا هو المتعيّن.

و نظيره: أنّهم يفسّرون الطهارة- في كتاب الطهارة- بفعل المكلّف، أعني استعمال الطهور، أو نفس الوضوء و الغسل و التيمّم، و مع ذلك يذكرون:

أنّ الطهارة من «طهر»، و ليس مرادهم أنّ الطهارة المفسّرة بفعل المكلّف مصدر ل«طهر»، لأنّ المصدر منه حدث قائم بالجسم الطاهر أو بالشخص المتطهّر.

[الوصية شرعا]

و الغرض من ذلك كلّه: أنّ الوصيّة في الكتاب و السنّة و ألسنة الفقهاء بمعنى العهد إلى الغير، إلّا أنّ هذا المعنى قد يتعلّق بتمليك شخص شيئا من ماله، و قد يرجع إلى تسليط في التصرّف، و قد يتعلّق بفعل آخر: كفّك ملك بتحرير أو وقف، و قد يرجع إلى أمر يتعلّق بنفس الموصي كأمر تجهيزه و دفنه، و قد يتعلّق بغير ذلك.

[رواية في بيان كيفية الوصية]

ففي رواية الجعفري (2)، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): من لم يحسن وصيّته عند موته كان نقصا في مروّته و عقله، قيل: يا رسول اللّٰه و كيف يوصي الميّت؟ قال: إذا حضرته الوفاة و اجتمع الناس إليه، قال: اللّٰهم فاطر السماوات و الأرض، عالم الغيب

____________

(1) في «ص» و «ع»: «لأنّ».

(2) في الوسائل: عن سليمان بن جعفر

25

و الشهادة، الرحمن الرحيم، [اللّٰهم] (1) إنّي أعهد إليك في دار الدنيا أنّي أشهد أن لا إله إلّا أنت، وحدك لا شريك لك، و أشهد أنّ محمدا عبدك و رسولك، و أنّ الجنّة حقّ، و النار حقّ، و البعث حقّ، و الحساب حقّ، و القبر (2) حقّ، و الميزان حقّ، و أنّ الدّين كما وصفت، و أنّ الإسلام كما شرعت، و أنّ القول كما حدّثت، و أنّ القرآن كما أنزلت، و أنّك أنت اللّٰه الحقّ المبين، جزى اللّٰه محمّدا عنّا خير الجزاء، و حيّا اللّٰه محمّدا و آل محمّد عنّا بالسلام.

اللّٰهم يا عدّتي عند كربتي، و يا صاحبي عند شدّتي، و يا وليّ نعمتي، إلهي و إله آبائي لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا، فإنّك إن تكلني إلى نفسي طرفة عين كنت أقرب من الشّر و أبعد من الخير. و آنس في القبر وحشتي، و اجعل لي عهدا يوم ألقاك منشورا، ثمّ يوصي بحاجته.

و تصديق هذه الوصيّة في القرآن في السورة التي ذكر فيها مريم قوله تعالى (لٰا يَمْلِكُونَ الشَّفٰاعَةَ إِلّٰا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمٰنِ عَهْداً)، فهذا عهد الميّت.

و الوصيّة حقّ على كلّ مسلم و مسلمة، و حقّ عليه أن يحفظ هذه الوصيّة و يعلمها.

و قال أمير المؤمنين (عليه السلام): علّمنيها رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم)، و قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): علّمنيها جبرئيل (عليه السلام)» (3)

____________

(1) ما بين المعقوفتين من الوسائل

(2) في الوسائل: و القدر و الميزان حق.

(3) الوسائل 13: 353، الباب 3 من أبواب أحكام الوصية، الحديث الأوّل، مع اختلاف في بعض الكلمات و الآية من سورة مريم: 87.

26

و ظاهر بعض القدماء كالمفيد (1) و ابن زهرة (2) و الحلبي (3) وجوب الوصية بما في الرواية.

[احتياج الوصية إلى الموصي و الموصي إليه و الموصي به]

ثمّ إنّ الوصيّة بالمعنى المذكور أعني العهد إلى الغير- تحتاج بحكم العقل في تحقّقها إلى الموصي، و الموصى إليه، و الموصى به.

و أمّا مثل: فلان حرّ بعد وفاتي، أو لزيد كذا بعد وفاتي، فالموصى إليه عامّ لكلّ من له دخل بهذا المطلب من الورثة و غيرهم، ممّن له شأنيّة ترتيب آثار العتق و الملك، لكنّه مقطوع النظر من جهة عدم تعلّق الغرض به.

[تعريف الوصية التمليكية و الموصي له من أركان الوصية التمليكية]

ثمّ الموصى به قد يكون تمليك شخص مالا، و يقال له: الموصى له، فالموصى له ليس من أركان مطلق الوصية، و إنّما هي (4) من أركان فرد خاص منها (و هي) التي عرّفها جماعة بأنّها (تمليك عين أو منفعة بعد الوفاة) و لا يخفى عدم كونها جامعة لأفراد الوصية المبحوث عنها عند الفقهاء؛ لخروج أفراد كثيرة، بل و لا مانعة؛ لدخول التمليك بالعوض بعد الوفاة، و لذا زاد في التذكرة قيد التبرّع (5)، فيخرج مثل: هذا لزيد بعد وفاتي بكذا.

و يشكل أنّه إن أريد عدم صدق الوصية فممنوع، و إن أريد بطلانها فلا دليل عليه إلّا بطلان المعاوضة المعلّقة، فإن تمّ إجماعا، و إلّا ففيه تأمّل.

____________

(1) المقنعة: 820.

(2) الغنية (الجوامع الفقهية): 542.

(3) الكافي في الفقه: 234.

(4) كذا في النسخ، و لعل الصحيح: هو

(5) التذكرة 2: 452.

27

و دعوى انصراف إطلاق الوصيّة في الكتاب و السنة إلى التبرّع، مشكلة أيضا.

[هل أن الوصية عقد]

و كيف كان، فلا إشكال و لا خلاف في كون الوصيّة عقدا في الجملة بين الموصي و الموصى إليه، حيث يتعلّق الغرض بخصوص الموصى إليه، لا مثل: أعطوا زيدا كذا، و بينه و بين الموصى له حيث يكون هناك موصى له، و قد تجتمع الجهتان و قد تفترقان، إنّما الإشكال في كونها عقدا على الإطلاق كما يظهر من جماعة (1).

و الّذي يقتضيه النظر- بعد عدم قيام إجماع و لا غيره على كونها عقدا على الإطلاق- أنّ الوصيّة من حيث معناها اللغوي و العرفي ليست عقدا، إلّا أنّه حيث ثبت من الدليل توقّف حصول متعلّقها على القبول، و عدم كفاية الإيجاب فيه، كالتمليك المعلوم من الشرع عدم حصول أثره بدون رضى المملّك- بالفتح- و كالتولية المعلوم كونها كذلك، فلا بدّ من التزام كونها هناك عقدا، إلّا أن يكون دليل التوقّف على الرضى أعمّ من كونه ناقلا أو كاشفا، فلا يثبت بذلك كونها عقدا، إلّا أن يقال: إنّ الأصل يقتضي كونه ناقلا فيثبت كونه عقدا.

و أمّا إذا كان متعلّقها ممّا لم يثبت توقّفه على رضى غير الموصي فليست (2) هناك عقدا.

و لا ينافي هذا الاختلاف في الموارد اتحاد معنى الوصية في جميع الموارد؛ لكونه ناشئا عن اختلاف متعلّق الوصيّة لا نفسها، فهي نظير

____________

(1) راجع جامع المقاصد 10: 10، و المسالك 1: 306.

(2) في «ق»: فليس.

28

الوقف. لكن الحكم بذلك يتوقّف على وجود عموم يدلّ على نفاذ وصيّة الموصي بقول مطلق، و إلّا فالأصل فيما شكّ في توقّفه على الرضى الوقف، فيكون حينئذ عقدا، كما لو ثبت بالدليل توقّف حصول متعلّق الوصية على الرضى.

[في الإيجاب]

[اعتبار اللفظ في الإيجاب]

(و) ممّا ذكرنا من أصالة كون القبول عند ثبوت الحاجة إليه ناقلا، يظهر أنّ الوصيّة بالمعنى الذي ذكره المصنّف: عقد (يفتقر إلى إيجاب و قبول)، لا مطلق الوصيّة، كما مرّ إجماله و سيجيء تفصيله، و ظاهر قوله (قدّس سرّه): (فالإيجاب: كلّ لفظ دلّ على ذلك القصد (1)) أنّ المعتبر في إيجاب الوصيّة هو اللّفظ مع التمكّن منه كما هو المشهور، بل إجماعا كما في ظاهر الغنية (2)، حيث ادّعى الإجماع على كونها عقدا- الظاهر في اعتبار اللّفظ-

[عدم كفاية الإشارة و الكتابة في الإيجاب]

فلا يكفي الإشارة مع القدرة على النطق، و لا الكتابة، و لا يترتّب عليهما أثر، خلافا لبعض متأخّري المتأخّرين كسيّدي الرياض (3) و المناهل (4)، و احتمله في التذكرة (5)، و ربّما ينسب إلى النافع (6)؛ للإطلاقات (7) المؤيّدة بما دلّ على أنّه:

____________

(1) في «ص» و «ع»: العقد.

(2) الغنية (الجوامع الفقهية): 542.

(3) الرياض 2: 45.

(4) مصابيح الفقه (مخطوط)، و فيه: «اختلاف الأصحاب في توقف الإيجاب على اللفظ مع القدرة عليه على قولين، الأول: أنّه لا يتوقف عليه .. الثاني: أنّه يتوقف عليه .. إلى أن قال: و القول الأوّل عندي أقوى».

(5) التذكرة 2: 452.

(6) المختصر النافع: 163، و حكاه عنه في مفتاح الكرامة 9: 379.

(7) الوسائل 13: 351، الباب الأوّل من أبواب أحكام الوصايا.

29

لا يبيت المرء إلّا و وصيّته تحت رأسه (1)، و لا يخلو عن قوّة لو لا الشهرة العظيمة و ظهور عدم الخلاف، و ربّما قيل (2): بأنّهما تفيدان مؤدّى اللفظ، و أنّهما بمنزلة المعاطاة في العقود اللازمة.

و فيه: أنّ المعاطاة في البيع عند المشهور- على ما تقدّم في أوّل البيع- لا يفيد إلّا إباحة التصرّف دون الملك، و كذلك في الهبة، و لا معنى للإباحة هنا، و لا خلاف في عدم تحقّقها. و لذا التزم بعض المعاصرين- المدّعي لكون الإيجاب الفعلي من قبيل المعاطاة- عدم الثمرة هنا بينها و بين عقد الوصية (3)، و هو أضعف من التزام الإباحة؛ إذ لا معنى حينئذٍ لحكمهم بافتقار الوصيّة إلى الإيجاب و القبول، و حمله على أنّ المفتقر إليهما عقدها لا مؤدّاها كما ترى؛ إذ لا داعي- مع فرض حصول تأثيرها بغير العقد- إلى الالتزام بكون الوصيّة عقدا حتّى يفتقر إليهما.

و الحاصل: أنّه لا إشكال في كون الوصية عند المشهور من العقود التي لا يؤثّر غير اللفظ فيها أثرا؛ لعدم حصول التملّك به عندهم، و عدم معنى للإباحة هنا و عدم قائل بها. نعم، ذكروا كفاية الفعل في قسمين من العقود:

أحدهما: العقود المملّكة التي يعقل فيها الإباحة، كالبيع و القرض و الهبة، و ثمرة الفعل ثمرة المعاطاة في البيع.

و الثاني: العقود المفيدة للإذن، كالوكالة و الوديعة و العارية إذا أنشأها بالإشارة و الكتابة.

____________

(1) الوسائل 13: 352، الباب الأوّل من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 5 و 7.

(2) قاله صاحب الجواهر (قدّس سرّه) في الجواهر 28: 244.

(3) الجواهر 28: 244.

30

و الظاهر أنّهم توسّعوا في هذه العقود، فجوّزوا الفعل في إيجابها، لا (1) أنّ الفعل فيها من قبيل المعاطاة في العقود، و الوصيّة خارجة من القسمين.

هذا، مع أنّ حكم المعاطاة لا يجري فيما يجري من العقود اللازمة و الجائزة إلّا مع القبض من الطرفين أو أحدهما، و هذا المعنى لا يجري في الوصية، كما لا يخفى.

[عدم إلزام الورثة بالمكتوب و إن عملوا ببعضه]

ثمّ إنّه لا فرق- فيما ذكره المشهور (2) من عدم جواز الوصيّة بالكتابة- بين أن يعمل الورثة ببعضه، و بين أن لا يعملوا بشيء منه، خلافا للمحكيّ عن نهاية الشيخ (3)، فألزم الورثة بالمكتوب إذا عملوا ببعضه؛ لرواية قاصرة السند (4).

[الألفاظ الدالة على الإيجاب في الوصية]

ثمّ إنّ الألفاظ الدّالّة على الإيجاب كثيرة:

منها: ما هو صريح في ذلك (كقوله: أعطوا فلانا بعد وفاتي، أو لفلان كذا بعد وفاتي، أو أوصيت له) كذا، و كلّ هذه (5) صريحة في الإيجاب كما في التذكرة (6)، و لا إشكال في الأخيرة، و كذا في الثانية؛ بناء على ما ذكره

____________

(1) في «ص» و «ع»: إلّا.

(2) في «ع» و «ص»: المصنّف.

(3) النهاية: 622.

(4) و هي مكاتبة إبراهيم بن محمّد الهمداني لأبي الحسن (عليه السلام)، انظر الوسائل 13:

437، الباب 48 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 2.

(5) في «ص» و «ع»: ذلك.

(6) التذكرة 2: 452.

31

المصنّف من أنّ الوصيّة هي التمليك (1).

كما لا إشكال في الأولى إذا جعلناها بمعنى العهد إلى غيره، إنّما الإشكال في الجمع بينهما في الصراحة، فإنّ الثانية غير صريحة في العهد، كما أنّ الاولى غير صريحة في التمليك، فكلّ منهما يدلّ بالالتزام العرفي على ما يدلّ الآخر عليه بالمطابقة، و لعلّ المراد بالصراحة ما يتّضح دلالته على التمليك و لو التزاما.

[في القبول]

[انتقال الملك بالوصية إلى الموصى له بموت الموصي و القبول]

(و ينتقل بها) أي بالوصيّة المنشأة بالإيجاب (الملك) الموصى به ( [إلى الموصى له] (2) بموت الموصي) الذي علّق عليه التمليك، فلا يعقل تنجّزه قبله، (و قبول الموصى له) الذي هو مجرّد الرضى، بإيجاب الوصيّة نظير القبول في الهبة، و لا يتضمّن إنشاء آخر كما في المعاوضات، و لذا جعل سبب الانتقال في ظاهر العبارة هو الإيجاب، و جعل القبول- الذي هو جزء العقد الناقل- مساوقا للموت الذي هو شرط.

[هل القبول شرط عند المحقق]

و على هذا، فظاهر العبارة كون القبول شرطا، فجعله- كصريح بعض العبارات- كون القبول جزء السبب الناقل (3)، في غير محلّه، إلّا أن يستظهر ذلك من جعل الوصيّة من العقود، و حينئذ فيكون كسائر ما صرّح فيه بكون الوصيّة عقدا، و هو و إن كان ظاهرا، بل صريحا فيما ذكر، إلّا أنّ تعبير من قال بكون القبول كاشفا بذلك يكشف عن كون المراد بالعقد ما يتوقّف على القبول، لا ما يتركّب منه و من الإيجاب.

____________

(1) ذكره في الصفحة: 26.

(2) ما بين المعقوفتين من «ص» و «ع» و الشرائع.

(3) انظر المسالك 1: 306.

32

[الاحتمالات في القبول أربعة]

و كيف كان، فالاحتمالات في القبول أربعة:

أحدها: كونه شرطا، و لم يعلم القائل به، و إن ذكرنا (1) أنّه ظاهر عبارة المصنّف (قدّس سرّه) (2).

الثاني: كونه جزءا ناقلا، و هو المنسوب إلى المصنّف هنا (3) و جماعة (4) الثالث: كونه كاشفا، و هو المنسوب إلى الأكثر (5) تارة، و إلى المشهور (6) اخرى، لكنّه مخالف لظاهر إطلاق الأكثر، بل الكلّ (7)؛ لكونه عقدا.

الرابع: كونه شرط اللزوم، فعليه يملك الموصى له ملكا متزلزلا، نظير العقد الجائز بالذات و بالخيار، و هو الذي قوّاه في موضع من المبسوط (8)- تمسّكا بإطلاق تقديم الوصيّة على الإرث من غير تقييد بالقبول- إلّا أنّه ضعّفه في موضع آخر (9).

و المطابق لأصالة عدم الانتقال هو الأوّل من هذه الثلاثة.

و المطابق لما يظهر من أدلّة نفوذ الوصيّة و حرمة تبديلها- من كون

____________

(1) في «ص» و «ع»: كان ذكرنا.

(2) راجع الصفحة السابقة.

(3) نسبه في المسالك 1: 306 إليه.

(4) استظهره السيد العاملي في مفتاح الكرامة 9: 369 من عبارات: السرائر و الشرائع و التحرير و الإرشاد و التبصرة و التلخيص و المختلف و الروض و جامع المقاصد.

(5) المسالك 1: 306، و قال: هذا القول مختار الأكثر.

(6) انظر الجواهر 28: 251.

(7) كجامع المقاصد 10: 10، و المسالك 1: 306، و غيرهما.

(8) المبسوط 4: 34.

(9) المبسوط 4: 28.

33

الإيجاب علّة تامّة في الملك، إلّا أنّ الإجماع قام على كونه بعد ردّ الموصى له ملكا للوارث- هو القول الثالث، فالقول بالكشف مخالف للأصل و الإطلاقات، فإن تمّ ما ذكروا له من الدليل، و إلّا فيؤخذ بالثاني إن تمّت الإطلاقات، و إلّا فلا مناص عن القول الأوّل و هو المعتمد؛

[حاصل ما اعتمدوه في الكشف أمور]

لأنّ حاصل ما اعتمدوه في الكشف أمور:

الأوّل [وقوع القبول على الإيجاب]

ما ذكره جماعة- منهم الوحيد البهبهاني على ما حكى عنه سيّد الرياض-: أنّ مقتضى الإيجاب هو انتقال الملك عقيب الموت بلا فصل، و القبول إنّما وقع على هذا الإيجاب (1) لا إيجاب آخر، و وقوعه على بعض الأزمنة المتأخّرة بديهيّ الفساد.

و فيه: أنّ الكلام في السبب الشرعيّ الذي يترتّب عليه الملك، و لا يعقل انفصاله و انفكاكه عنه بتقدّم أو تأخّر، فإن ثبت أنّه الإيجاب المجرّد- على ما يتراءى من ظواهر إطلاق نفوذ الوصيّة و حرمة تبديلها- فهو دليل آخر سيجيء، و لا يحتاج معه إلى ما ذكر دليلا آخر من أنّ القبول متعلّق بمدلول الإيجاب الذي هو الملك عقيب الموت (2).

و إن لم يثبت ذلك كان مقتضى أدلّة وجوب الوفاء بالعقود ترتّب الأثر من حين صدق العقد و إن كان مدلول العقد سابقا على ذلك، و لذا لم يكن القبول في سائر العقود كاشفا عن الملك من حين الإيجاب، مع أنّه دالّ على الرضى بالإيجاب السابق.

و منشأ توهّم الفرق يحتمل كون التمليك في الوصية مؤقّتا بالموت،

____________

(1) هذه العبارة بنصّها موجودة في الرياض (2: 61) بلا نسبة إلى الوحيد البهبهاني.

(2) في «ق»: عقيب الملك، و الصحيح ما أثبتناه من «ع» و «ص».

34

فمقتضى الرضى بالتمليك الموقّت حصول الملك في وقته المجعول، كما لو وقّته بزمان خاصّ.

و يدفعه: أنّ المفروض عدم ثبوت استقلال الإيجاب بالأثر من دون الرضى، و دعوى استقلال الإيجاب بالتأثير لو تمّت رجعت إلى القول الثالث كما سيأتي.

و بالجملة، فتخيّل الفرق في القبول بين هذا العقد و بين غيره- بكون الإيجاب هنا معلّقا أو موقّتا، و في غيره منجّزا- في غير محلّه، و قد ذكرنا في إجازة عقد الفضولي (1)- في ردّ الاستدلال على الكشف، بأنّ الإجازة هي الرضى بالعقد السابق المقتضي للتمليك من حينه- ما يوضح ما ذكرنا هنا.

الثاني: ما استدلّ به غير واحد (2) من ظواهر إطلاقات انتقال المال إلى الموصى له بمجرّد الموت من دون توقّف على أمر آخر،

و هي و إن لم تتضمن اشتراط القبول، إلّا أنّه خرج منها صورة عدم القبول.

و الظاهر بناء هذا الاستدلال على الفراغ عن ضعف القول الثالث، و إلّا فالمتيقن خروجه منها صورة الردّ، لا مطلق عدم القبول.

و يرد عليه- بعد ظهور كون تلك الأدلّة مسوقة لبيان حكم الوصيّة بعد الفراغ عن إحراز ما يعتبر فيها من شرائط الموصي و الموصى له و الموصى به-: أنّ مقتضى الجمع بين تلك الإطلاقات و أدلّة اعتبار القبول بتقييدها بها، هو القول بأضعف الوجهين في الكشف، و هو لزوم الوصيّة المتعقّبة بالقبول

____________

(1) راجع المكاسب: 132، و لعل هذا مشعر بتأخر تأليف هذا الكتاب عن تأليف كتاب المكاسب.

(2) منهم الجواهر 28: 250، و الحدائق 22: 387.

35

المستلزم لترتيب أحكام تملّك الموصى له، إذا علم تحقّق هذا القيد فيما بعد.

أمّا على القول بالكشف الحكمي و النقل الحقيقي، فاللّازم تقييد لزومه بما بعد القبول، و دعوى قيام الدليل الخارجي على حكم الكشف بعد تحقّق هذا الجزء الأخير للعلّة التامّة، و المفروض انتفاؤه في المقام، فافهم فإنّه لا يخلو عن دقّة.

توضيح المطلب على وجه يظهر منه حال القبول في سائر العقود و في هذا العقد، و حال الإجازة في عقد (1) الفضولي: أنّ ظاهر أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (2) بل وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (3) و «البيّعان بالخيار» (4) و نحوهما، ممّا لا يدلّ على اللّزوم أو يدلّ على عدمه، هو كون العقد علّة تامّة لتحقّق مدلوله شرعا.

و حينئذ فيتوقّف تحقّق مدلوله شرعا على أمرين:

أحدهما: تحقّق موضوع العقد.

و الثاني: الحكم من الشارع بوجوب العمل بمدلوله، فإن انتفى الأوّل كما في الإيجاب المجرّد عن القبول، أو الثاني، كما إذا كان العقد الموجود غير محكوم بوجوب الوفاء، أو مطلق السببيّة بأن فرض تحقّق العقد قبل تشريع سببيّته، أو وجد من الفضولي، فلا بدّ أن ينظر بعد وجود القبول المحقّق للسبب في الأوّل، و بعد حكم الشارع المحقّق للسبب في الثاني من

____________

(1) في «ع» و «ص»: العقد.

(2) المائدة: 1.

(3) البقرة: 275.

(4) الوسائل 12: 345، الباب الأوّل من أبواب الخيار، الأحاديث 1- 3.

36

النظر (1) إلى مدلول ذلك العقد، فإن دلّ على إنشاء ملكيّة مقيّدة بزمان، و فرضنا صحّة ذلك التقييد في ذلك العقد، وجب العمل على طبق مدلوله حتّى لو كان ذلك الزمان متقدّما على زمان تحقّق العقديّة أو زمان الحكم بالسببيّة؛ لأنّ هذا مقتضى الوفاء بالعقد، فيترتّب الآثار من ذلك الزمان، و ليس هذا من الكشف، كما لا يخفى.

أمّا إذا كان الملكيّة المنشأة غير مقيّدة بزمان، بل كان الزمان زمان الإنشاء، كان ترتّب الآثار من زمان تحقق السبب و الحكم بسببيّته.

فظهر من ذلك أنّ القبول الراجع إلى الإيجاب السابق للتمليك المطلق، و الإجازة اللاحقة للعقد السابق المفيد للتمليك، لا يوجبان إلّا ترتّب الآثار من حينهما، لا من زمان متعلّقهما.

و أمّا الوصيّة فلمّا كانت عقدا متضمّنا لتراضي الموصي و الموصى له على التملّك من حين الموت دون التملّك المطلق، كان الوفاء به بعد القبول عبارة عن ترتّب آثار ملك الموصى له من حين الموت مع كون الملك قبل القبول ملكا (2) واقعيّا لغيره، و هذا معنى الكشف الحكمي الذي هو أقوى الوجهين في إجازة العقد الفضولي. هذه خلاصة الاستدلال على الكشف.

و يرد عليه: منع كون القبول المتراخي عن الموت راجعا إلى التملّك بمجرّد الموت و إن سلّم أنّه مؤدّى الإيجاب، و أنّ ظاهر القبول تعلّقه بنفس مؤدّى الإيجاب؛ لأنّ الملك بعد الموت قبل القبول كان لغير الموصى له في الواقع، و لا يعقل رضى الموصي بصيرورته ملكا في ذلك الوقت للموصى له،

____________

(1) كذا في النسخ.

(2) في «ق»: كان ملكا.

37

لاستحالته عقلا.

و هذا نظير منفعة العين المستأجرة، و بضع المتمتّع بها فيما بين الإيجاب و القبول؛ فإنّها مقابلة بجزء من العوض في الإيجاب، مع وقوع قبول المعاوضة على ما عداها، لأنّها تبقى على ملك المؤجر (1).

و بالجملة، فالقدر الممكن تعلّق القبول به، هو ملك القابل من حين قبوله، و لذا كان حكم الشارع بعد الإجازة بترتّب أحكام الملك قبلها و بعد العقد، مع كون الملك في هذا الزمان للمالك أمرا تعبديّا يعبّر عنه بالكشف الحكميّ، و مثل هذا التعبّد غير موجود في العرف حتّى يتعلّق رضى القابل بتملّك ما كان ملكا لغيره، بمعنى ترتّب أحكام الملك عليه تعبّدا عرفيّا قد أمضاه الشارع بحكم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (2).

الثالث (3): عموم ما دلّ على وجوب نفوذ الوصيّة و حرمة تبديل الوصيّة (4) التي هي فعل الموصي و إيجابه،

خرج منها: ما إذا لم يقبل الموصى له و لو بعد حين، و بقي الباقي. و هذا الاستدلال مبنيّ على الفراغ عن إبطال القول الأخير، و إلّا فمقتضى تلك العمومات وجوب الإنفاذ و حرمة التبديل، خرج منها ما إذا ردّ الموصى له.

و يرد عليه- بعد إمكان دعوى أنّها مسوقة لبيان حكم الوصيّة بعد الفراغ عن إحراز ما يعتبر في صحّتها من شرائط الموصي، و الموصى به، و له-:

____________

(1) في «ص» و «ع»: الموجب.

(2) المائدة: 1.

(3) كذا في هامش «ص»، و في النسخ: «الثاني» و هو خطأ.

(4) الوسائل 13: 411، الباب 32 من أبواب أحكام الوصايا.

38

أنّ الدليل القائم على اعتبار القبول، إمّا الإجماع على كونه عقدا، و إمّا عدم النظير لدخول المال قهرا في ملك الغير بالتمليك الاختياري. و الأوّل- بعد الفحص عن مدرك المجمعين- كالثاني، ليس مفاده إلّا كون القبول معتبرا في الانتقال لا كاشفا، و لازمة: عدم تمليك الموصى له قبل القبول.

الرابع (1): أنّه لو لم ينقل من حين الموت- مع فرض القبول المتأخّر- إلى الموصى له، لكان: إمّا باقيا على ملك الميّت، و إمّا منتقلا إلى الوارث؛

إذ كونه لغيرهما مفروغ العدم. لا سبيل إلى الأوّل؛ لأنّ الميّت لا مال له، إمّا عقلا؛ لأنّ الملك نسبته بين المال و الشخص الحيّ، و إمّا لأنّ ظاهر العرف و الشرع أنّ الميّت يترك ماله لغيره، فلو كان قابلا للملك لم يصدق الترك.

و دعوى: كونه في حكم مال الميّت بعد حاجة المال إلى وجود مالك حيّ، لا تجدي.

و أمّا كونه للوارث- فمع منافاته لظهور أدلّة الإرث في تأخّره عن الوصيّة- يدفعه: أنّ ظاهر أدلّة الوصيّة تلقّي الملك من الموصي لا من الوارث، مع أنّ خروجه عن ملك الوارث من دون اختياره عديم النظير.

هذا، و لكنّ الإنصاف ضعف هذا الدليل في نظرنا؛ لإمكان التزام كونه في حكم مال الميّت، و يكفي في عدم امتناعه ذهاب جماعة (2) إليه في حكم تركة الميت المديون، و التزام كونه في ملك الوارث مع خروجه عنه بالقبول.

و ثبوت الإرث بعد الوصيّة كثبوته بعد الدّين لا يراد به إلّا استقراره،

____________

(1) في النسخ: «الثالث»، لكنّه سهو من القلم بقرينة ما قبله.

(2) راجع مفتاح الكرامة 5: 308، فقد نقل هذا القول عن المحقق و الشهيد و فخر المحققين (رحمهم اللّٰه).

39

و لذا لم يقل أحد بثبوت ما قابل الدين للغرماء.

و بالجملة، فهذا الدليل في محل التأمّل، بل النظر، بل المنع.

و العمدة في هذا القول: الوجه الثاني، فإن تمّ الإطلاقات بعد تقييدها بالقدر المتيقّن- و هو الوصيّة المقبولة في أحد الأزمنة الثلاثة- فهو (و) إلّا فمقتضى الأصل أن (لا ينتقل بالموت منفردا عن القبول) لا منجّزا و لا مراعى (على الأظهر) عند المصنّف، و جماعة منهم العلّامة في التحرير (1).

[جواز القبول قبل الوفاة]

(و) اعلم أنّ إيجاب الوصيّة لمّا كان إنشاء معلّقا على الموت، فيكون زمان تنجّز التملّك التقديري المنشأ ما بعد الموت، فعلى هذا (لو قبل قبل الوفاة جاز) عند الأكثر كما في المسالك (2)، لحصول المطابقة بين الإيجاب و القبول، لرجوع القبول إلى الملك التقديريّ المنشأ بالإيجاب، و قيل بعدم الجواز (3)، و ظاهر الروضة (4) أنّه المشهور، لأنّ الإيجاب في الوصيّة ليس مجرّد إنشاء التمليك التعليقي الذي هو مدلول لفظ الموصي، و لذا لو ردّ الموصى له بعد هذا الإنشاء لم يؤثّر في بطلانه على ما هو حكم باقي العقود، بل هو هذا المنشأ بعد وجود المعلّق عليه، و لذا لو ردّ حينئذ بطل الإيجاب.

و الحاصل: أنّ [مقتضى] (5) عدم تأثير الرد في إنشاء الموصي بضميمة قاعدة أنّ الرد يؤثّر في إبطال الإيجاب: أنّ مجرّد قول الموصي الذي مدلوله

____________

(1) التحرير 1: 292، و منهم: الحلي في السرائر 3: 203.

(2) المسالك 1: 307.

(3) جامع المقاصد 10: 10- 11.

(4) الروضة البهية 5: 14.

(5) ما بين المعقوفتين من «ع» و «ص».

40

الإنشاء التعليقي ليس إيجابا.

و دعوى: أنّ التزام كون الإيجاب هو المعنى المنجّز بعد الموت دون القول الدالّ على الإنشاء التعليقي، ليس بأولى من التزام عدم تأثير الرد في هذا المقام في إبطال الإيجاب، بل لأنّ الأوّل مخالف لمقتضى قاعدة العقود من كون الإيجاب هو الإنشاء المدلول عليه باللّفظ- و هو الإنشاء التعليقي دون المعنى الحاصل منه عند الموت، و هو التمليك المنجّز- مدفوعة: بأنّ الالتزام الأوّل ليس مخالفا لقاعدة العقود؛ لأنّ الأمر الحاصل بعد الموت هو نفس المنشأ بالقول الأوّل، إلّا أنّه يغاير مدلول اللّفظ بالاعتبار؛ فإنّ التملّك على تقدير الموت المدلول [عليه] (1) بالإنشاء هو الّذي يتنجّز عند الموت.

هذا، و لكنّ الإنصاف أنّ قاعدة العقود تقتضي كون الإيجاب هو نفس مدلول اللفظ، و هو الأمر المنجّز في مرتبة نفسه أعني التمليك على تقدير لا نفس التمليك، و لذا ذكروا أنّ التّعليق في العقود ممنوع؛ إذ على ما ذكر لا تعليق في العقد رأسا، و يلزم تقدّم القبول على الإيجاب في العقود التعليقيّة.

و يؤيّد ذلك: ما دلّ على أنّ إجازة الوارث مؤثّرة حال الحياة، فلا يجوز له الردّ بعد الموت (2)؛ إذ لو لا تمام الإيجاب حال الحياة لم ينفع إجازة الوارث حينئذ.

هذا كلّه مضافا إلى إطلاقات وجوب إنفاذ الوصيّة و حرمة تبديلها (3)، الشامل لصورة قبولها حال الحياة (و) إن كان وقوعه (بعد الوفاة آكد)

____________

(1) ما بين المعقوفتين من «ع» و «ص».

(2) الوسائل 13: 371، الباب 13 من أبواب أحكام الوصايا.

(3) الوسائل 13: 411، الباب 32 من أبواب أحكام الوصايا.

41

من حيث وقوعه بعد تنجّز التمليك المعلّق في الإنشاء.

[لا حكم للرد في حياة الموصي]

(و إن تأخّر القبول عن الوفاة) فإنّ له ذلك (ما لم يردّ) بعد الوفاة، (فإن ردّ في حياة الموصي جاز أن يقبل) بعد ذلك في حياة الموصي أو (بعد وفاته) و لو بمدّة (إذ لا حكم لذلك الرد) السابق.

[بطلان الوصية لو رد بعد الموت قبل القبول]

(فإن ردّ بعد الموت) فإن كان (قبل القبول بطلت) الوصيّة إجماعا فلا ينفع القبول، (و كذا لو ردّ بعد القبض و قبل القبول) إذ القبض لا يغني عنه.

(و لو ردّ بعد الموت و القبول و قبل القبض، قيل) و القائل الشيخ في المبسوط (1)، و المحكي عن الجامع (2): أنّها (تبطل)، لاعتبار القبض في أصل الملك كما فهمه بعض (3) من كلام الشيخ، أو في لزومه كما يظهر من صدر عبارة المبسوط و إن مثّل لها أخيرا بالقبض في الوقف الذي اختار فيه كغيره اشتراط القبض في صحّته.

و كيف كان، فلا دليل على اعتباره في شيء من الأمرين ليقيّد إطلاق أدلّة وجوب إنفاذ الوصيّة و حرمة تبديلها، (و) لذا (قيل) و القائل المعظم (4)-: إنّها (لا تبطل، و هو أشبه) بالقواعد، (أمّا لو قبل و قبض ثمّ ردّ لم تبطل، إجماعا) و إن ذكروا أنّ الوصيّة من العقود الجائزة، و مقتضاه جواز الفسخ؛ (لتحقّق الملك و) ثبت (استقراره) بالأصل و العمومات

____________

(1) المبسوط 4: 33.

(2) الجامع للشرائع: 499.

(3) الجواهر 28: 257.

(4) انظر الجواهر 28: 257.

42

المتقدّمة.

(و لو ردّ بعضا و قبل بعضا، صحّ فيما قبله) لصدق الوصيّة و القبول في العقد بالنسبة إلى المقبول، و لذا لو تبعّض المبيع في البيع جاز للمشتري البقاء على ما أوقعه من العقد و الوفاء به و إن لم يجب؛ لأجل الخيار. و لو لم يصدق العقد و الوفاء به مع تبعّض الصفقة، أو مع فوات وصف الصحّة، أو غيرها المشروط في العقد أو الملحوظ للمتعاقدين، كان المعنى: الحكم بالبطلان؛ إذ لا عقد و لا وفاء حينئذ، فيكشف ذلك عن عدم فوات أصل المطابقة بين الإيجاب و القبول.

نعم، المطابقة التامّة- بحيث يتحد متعلّق الإيجاب و القبول حتّى في الصفات الغير المقوّمة لمورد العقد- معتبرة في غير الوصيّة.

[قيام الورثة مقام الموصي له لو مات قبل القبول]

(و إذا (1) مات) الموصى له (قبل القبول، قام وارثه مقامه (2)) على المشهور، سواء كان موته قبل موت الموصي أم بعده على المشهور بين القدماء و المتأخّرين،

[و مستندهم وجوه]

(3): الأوّل: أنّ (4) الموصى له، بوجود سبب الملك- و هو الإيجاب- صار قابلا لأن يتملّك،

أي يوصى بالملك، و هذه القابليّة حقّ له فيورّث؛ لعموم:

«ما تركه الميّت من حقّ فلوارثه» (5).

____________

(1) في الشرائع: و لو.

(2) في الشرائع زيادة: في قبول الوصية.

(3) ما بين المعقوفتين من «ع» و «ص».

(4) في «ق»: لأن.

(5) المغني، لابن قدامة 6: 24، و فيه: من ترك حقه فلورثته.

43

و قد يناقش [فيه] (1) تارة: بمنع كون حقّ القبول حقّا؛ إذ ليس كلّ ما للإنسان أن يفعله يعدّ حقّا عرفا، كما لا يخفى.

و اخرى: بمنع كونه ممّا يترك حتّى يكون للوارث؛ إذ ربّ حقّ متقوّم بالشخص و لا يتعدّاه إلى غيره، و لعلّ حقّ القبول من هذا القبيل، بل الظاهر ذلك؛ بناء على أنّ الإيجاب تمليك الموصى له (2) و القبول تملّك الوارث، فلا يتطابقان.

و بعبارة أخرى: تملّك الوارث إن كان بتمليك الموصى له، فالمفروض عدم تملّكه فكيف يملّك، و إن كان بتمليك الموصي فلم يحصل منه إيجاب يوجب تمليكه.

و يمكن دفع الأوّل: بأنّه يكفي في ثبوت الحقّ حصول سبب الملك للمورّث، بحيث لا يتوقّف الملك إلّا على شرط يحصل من قبله و هو الرضى به، و به يحصل الفرق بينه و بين القبول في سائر العقود، فإنّه جزء السبب فيها، و هنا شرط التأثير من الإيجاب على تقدير الموت على ما يقتضيه عمومات الوصيّة، التي هي لغة و عرفا مجرّد الإيجاب.

و دفع الثاني: بأنّه يكفي في صدق الترك كونه حقّا محصّلا للمال، فإنّ الحقوق الماليّة كلّها كنفس الأموال يصدق عليها أنّ الميّت تركها (3).

____________

(1) ما بين المعقوفتين من «ع» و «ص».

(2) في «ق»: الوصيّ.

(3) في النسخ زيادة ما يلي: «و بعبارة أخرى: تملّك الوارث إن كان من الموصى له فهو غير مالك، و إن كان من الموصي فلم يوجب إلّا ملك الموصى له، لا وارثه.

و يمكن دفع الأوّل: بأنّه يكفي في ثبوت الحقّ للمورّث تحقّق سبب الملك للمورّث بحيث لا يتوقّف حصول المسبّب إلّا على شرط هي رضى من له الحقّ، و به يفرّق بينه و بين القبول في سائر العقود الذي هو جزء السبب فيها، و القبول هنا شرط و السبب المؤثّر هو مجرّد الإيجاب، لأنّه الظاهر من عمومات نفاذ الوصيّة التي هي لغة و عرفا مجرّد الإيجاب.

و دفع الثاني: بأنّ الحقوق المالية المحصّلة للمال كنفس الأموال يصدق عليها أنّ الميّت تركها».

و هذه الزيادة- كما ترى- متحدة مع ما قبلها و الظاهر أن سبب إعادة الشيخ (قدّس سرّه) الكتابة هو تشويش العبارة بسبب إصابة الماء لها، كما يظهر من النسخة.

هذا، و جاء في هامش «ع» ما يلي: «هذه السطور الأربعة متحدة في المفاد مع سابقتها فلعلها زائدة أو تبديل لفظ بلفظ آخر، فتدبّر».

44

و أمّا استظهار تقوّم هذا الحقّ بالمورّث من حيث إنّ الإيجاب تمليك الموصى له فقبول الوارث- أعني: الرضى بتملّك نفسه- لا ينطبق على ذلك الإيجاب، فيدفعه: أنّه لمّا كان معنى الإرث قيام الوارث مقام الميّت في كونه محلّا لتملّك الأموال و استحقاق الحقوق، فكأنّه حصل سبب التملّك لنفس الوارث، و أنّ الإنشاء وقع له، فيقع القبول منطبقا على الإيجاب.

الثاني: ما ذكره جمال الدّين في حاشية الروضة (1): من العمومات الدالّة على وجوب إنفاذ الوصيّة، خرج منه ما إذا لم يتعقّبها قبول من الموصى له و لا من الوارث،

و لا دليل على خروج صورة قبول الوارث.

و هذا الاستدلال حسن لو قلنا بالكشف و أنّ الشرط تعقّب الرضى، و أنّ القبول و لو من الوارث يحصل بمضمون الوصيّة، و هو تملّك الموصى له.

و أمّا على النقل على ما استوجهه المستدلّ، فمع قبول الوارث لا يحصل النقل بالوصيّة التي هي تملّك الموصى له، فتملّك الوارث الوصيّة من الموصي

____________

(1) حاشية الروضة: 381.

45

يحتاج إلى دليل آخر غير أدلّة إنفاذ الوصيّة المقتضية لتملّك الموصى له أوّلا و بالذّات، فافهم.

الثالث: رواية محمّد بن قيس الثقة- بقرينة رواية عاصم بن حميد عنه،

و روايته لقضايا أمير المؤمنين (صلوات اللّٰه عليه)- عن أبي جعفر (صلوات اللّٰه عليه) «قال: قضى أمير المؤمنين (صلوات اللّٰه و سلامه عليه) في رجل أوصى لآخر و الموصى له غائب، فتوفّي الذي أوصى له قبل الموصي، قال: الوصيّة لوارث الذي أوصى له و قال: من أوصى لأحد- شاهدا كان أو غائبا- فتوفّي الموصى له قبل الموصي، فالوصيّة لوارث الّذي أوصى له، إلّا أن يرجع في وصيّته قبل موته» (1).

و يؤيّدها: رواية المثنّى، قال: «سألته عن رجل اوصي له بوصيّة، فمات قبل أن يقبضها و لم يترك عقبا، قال: اطلب له وارثا أو مولى فادفعها إليه، قلت: فإن لم أعرف له وليّا؟ قال: اجتهد على أن تقدر له على وليّ، فإن لم تقدر له على وليّ و علم اللّٰه منك الجهد فتصدّق بها» (2)؛ بناء على عمومه لصورة الموت قبل القبول، و الأمر بطلب الوارث لأجل كون القبول حقّا للوارث.

و نحوه في الإطلاق: رواية محمّد بن عمر (3) الساباطي عن أبي جعفر

____________

(1) الوسائل 13: 409، الباب 30 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث الأوّل، مع اختلاف يسير.

(2) تفسير العياشي 1: 77، الحديث 171، و الوسائل 13: 409، الباب 30 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 2، مع اختلاف في التعبير.

(3) في النسخ المتوفرة لدينا: عمّار، و في المصادر: عمر، و هو الصحيح. انظر: الكافي 7: 13، الحديث 2، و الفقيه 4: 210، الحديث 5488، و التهذيب 9: 231، الحديث 904، و الاستبصار 4: 138، الحديث 516، و جامع الرواة 2: 163، و معجم رجال الحديث 17: 71، الرقم: 11449.

46

(عليه السلام)- يعني الثاني- قال: «سألته عن رجل أوصى إليّ و أمرني أن اعطي عمّا له في كلّ سنة شيئا، فمات العمّ، قال: أعطه ورثته» (1).

و ربّما يعارض بصحيحة محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «سألته عن رجل أوصى لرجل، فمات الموصى له قبل الموصي، فقال:

ليس بشيء» (2)، و نحوها صحيحة منصور بن حازم (3).

و ترجّحهما على الروايات السابقة من حيث السند؛ بناء على التأمّل في سند الرواية الاولى، و في انجبار ضعفه بالشهرة، و في دلالة غيرها.

و يمنع أيضا ما تقدّم من دلالة العمومات، و كون القبول حقّا مغايرا للقبول في سائر العقود، فيقال ببطلان الوصيّة بموت الموصى له قبل القبول مطلقا.

[التفصيل بين تعلق غرض الموصي بخصوص الموصى له و عدمه]

و ربّما يفصّل بين ما إذا تعلّق غرض الموصي بخصوص الموصى له فيبطل، و بين ما إذا أطلق، فينتقل إلى الوارث بعد قبوله.

و توضيحه: أنّ الوصيّة و إن كانت متعلّقة دائما بخصوص الموصى له بحسب عبارة الوصيّة، إلّا أنّه قد يكون غرضه مباشرة تملّكه له، بحيث يكون عدم الرضى بتملّكه ابتداء مركوزا في ذهنه، [بحيث] (4) يعلم أنّه لو

____________

(1) الوسائل 13: 410، الباب 30 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 3.

(2) الوسائل 13: 410، الباب 30 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 4.

(3) نفس المصدر، الحديث 5.

(4) الزيادة من «ع» و «ص».

47

اطلع على موت الموصى له لرجع. [و بين كون (1) غرضه دخوله في جملة أملاكه، يعامل معه معاملتها من دون تعلّق الغرض بوجه خاص من المعاملات، فعلى الأوّل يبطل؛ لقصر الوصيّة على جهة خاصة، بخلاف الثاني، فتدبّر] (2).

و هل العبرة في صورة موت الموصى له قبل الموصي بورثة الموصى له حين موته مطلقا و إن قلنا بعدم صحّة القبول منهم في حياة الموصي؛ لأنّ الموروث منه تأهّل القبول و هو موجود حينئذ، نظير الشبكة المنصوبة للصيد، فإنّه لا عبرة بزمان وقوع الصيد فيها؟ أو يبنى ذلك على جواز القبول في حياة الموصي؛ إذ مع عدم جواز ذلك يمنع ثبوت حقّ لهم أو تأهّل، و إنّما يحدث هذا الحقّ بعد موت الموصي، نظير الوقف المنقطع الآخر الذي ينتقل بعد انقراض الموقوف عليه إلى ورثة الواقف حين الانقراض؟

أو العبرة بورثته حين موت الموصي؛ لأنّهم حينئذ يملكون إن ملّكوا، و دعوى كفاية مجرّد تحقّق سبب ذلك قبل هذا و إن لم يتحقّق شرطه ممنوعة؛ لمنع تأثير الإيجاب المعلّق و إحداثه حقّا في حياة الموصي؟

وجوه مترتّبة في القوّة.

ثمّ لا إشكال في هذه الصورة في أنّ الورثة يتلقّون الملك من الموصي، و إنّما يرثون من الموصى له حقّ القبول.

[الحكم في صورة موت الموصى له بعد الموصي]

أمّا لو مات الموصى له بعد الموصي، فإن قلنا بأنّ القبول ناقل، فلا إشكال في حصول الملك لهم عند القبول لا قبله، و إن قلنا بأنّه كاشف،

____________

(1) كذا، و الأولى التعبير ب«و قد يكون» ليكون عدلا لقوله: قد يكون.

(2) ما بين المعقوفتين من «ع» و «ص».

48

فالّذي صرّح به الأكثر كالشيخ (1) و العلّامة (2) و الشهيدين (3) و المحقّق الثاني (4) و غيرهم أنّه يحكم بدخوله في ملك الموصى له المفروض حياته عند موت الموصي، و هو الذي يقتضيه أدلّتهم الثلاثة المذكورة سابقا لهذا القول على اختلافها في الكشف الحقيقيّ و الحكميّ، كما لا يخفى على من راجعها بأدنى تأمّل.

و احتمل في المسالك دخوله- على هذا القول- في ملك الوارث ابتداء (5)، و حكاه جمال الدّين (قدّس سرّه) في حاشية الروضة بلفظ: القيل، ثم ضعّفه (6)، و استقربه سيّد مشايخنا في المناهل (7)، و جزم به في الجواهر، بل أنكر (قدّس سرّه) دخوله في ملك الورثة بعد موت الموصى له قبل قبولهم (8)، و لا أعلم لهذا القول وجها يعتدّ به، فتدبّر.

____________

(1) المبسوط 4: 32.

(2) القواعد 1: 291، و التذكرة 2: 454.

(3) انظر اللمعة و شرحها (الروضة البهية) 5: 17 و 20.

(4) جامع المقاصد 10: 25.

(5) المسالك 1: 309.

(6) حاشية الروضة: 381.

(7) لم نقف عليه.

(8) الجواهر 28: 258- 261.

49

[تفريع على القول بالنقل و الكشف]

فرع

[انتقال المال إلى الوارث الموصى له من حين القبول على النقل]

ثمّ إنّ المصنّف (قدّس سرّه) فرّع على ما اختاره في أصل مسألة القبول من كونه ناقلا لا كاشفا أنّه: (لو أوصى بجارية و حملها لزوجها) أو غيره، ( [و هي حامل منه] (1) فمات) الموصى له بعد الموصي (قبل القبول، كان القبول للوارث، فإذا قبل) انتقل المال إليه من حينه على مذهب المصنّف، و (ملك الوارث الولد) ملكا مستقرّا (إن كان ممّن يصحّ له تملّكه، و لا ينعتق على الموصى له؛ لأنّه) لم يملكه حال حياته لعدم قبوله، و (لا يملك بعد الوفاة) بقبول وارثه القائم مقامه (و) لذا (لا يرث أباه؛ لأنّه رقّ) حين موت أبيه، (إلّا أن يكون ممّن ينعتق على الوارث) بأن يكون من محارمه، (و يكونوا) الورثة- (جماعة) لم يقسّموا الميراث (فيرث؛ لعتقه قبل القسمة) من جميع التركة، عدا حقّ القبول الذي لا يجوز

____________

(1) ما بين المعقوفتين من «ع» و «ص» و الشرائع.

50

اشتراكه معهم فيه، و لذا لا يرث من امّه شيئا، فتنعتق عليه، فإنّه لو ورث منها لم يكن إلّا من جهة إرث حقّ القبول، و إلّا فليست هي من تركة أبيه؛ لأنّ أدلّة الإرث مثل قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): «ما ترك الميّت من حقّ فلوارثه» (1) إنّما يختص بالحقوق الّتي يكون الوارث وارثا لا من جهة استحقاقها؛ إذ يستحيل تأخّر الموضوع- أعني العنوان الموجب لاستحقاق الإرث- عن استحقاقه، فإذا فرض دخوله في الأحرار الوارثين بسبب حقّ القبول امتنع إرثه لشيء من هذا الحقّ، و أمّا اشتراء الرقيق من تركة أبيه ليعتق و يرث، فهو تعبّد من الشارع.

و بما ذكرنا يندفع ما ربّما يتوهّم من أنّه لو ورث من التركة لورث من حقّ القبول، و المفروض أنّه لم يقبل، فلا ينعتق و لا يرث؛ لأنّ المعتبر قبول جميع الورثة.

و ربّما يعلّل عدم اعتبار قبوله بأنّ المعتبر هنا قبول من هو وارث من حال موت الموصى له، لا من تجدّد إرثه.

و فيه: أنّ من تجدّد إرثه إذا فرض استحقاقه لجميع تركة الميّت كما هو مقتضى الحكم بمشاركته لغيره إذا ارتفع مانع إرثه قبل القسمة، فلا فرق بينه و بين الوارث حال الموت، و لذا لو فرض للميّت وصيّة اخرى قبلها الورثة حين الموت، صار هذا الولد مشاركا معهم في اعتبار قبوله، أو اختص القبول به إذا كان حاجبا لهم.

فالتحقيق في الجواب: منع اعتبار قبوله و إن فرض عدم تجدّد إرثه.

هذا كلّه على القول بالنقل، و أمّا على الكشف فمقتضى ما عرفت من

____________

(1) المغني، لابن قدامة، 6: 24، و فيه: «من ترك حقه فلورثته».

51

صريح الأكثر، و مقتضى أدلّة الكشف، [هو] (1) كشف قبول الورثة عن كون الجارية أمّ ولد للموصى له، و انعتاق ولده و إرثه من الموصى له- لفرض حريّته حين موته- جميع تركته عدا حقّ القبول و إن كان وارثا حين الموت و لم يتجدّد له عنوان الإرث، لما عرفت من أنّ استحقاق حقّ القبول إذا كان سببا للإرث امتنع أن يكون موروثا.

غاية الأمر لزوم تبعّض الإرث، بأن يرث المحجوب- كالأخ مثلا- بعض حقوق الميّت، و يرث الحاجب- كالولد- بعضها الآخر.

و بما ذكرنا يندفع ما ذكره الشيخ في المبسوط في التفريع على الكشف من أنّه ينعتق الولد في المسألة المذكورة، لكن لا يرث شيئا من مال والده، قال: لأنّ صحّة الوصيّة يتوقّف على قبول جميع الورثة؛ إذ لو أراد بعض الورثة أن يقبل جميع ما اوصي لأبيه، لم يكن له، فلو جعلنا هذا الولد وارثا لم تصحّ الوصيّة به إلّا بقبوله، و القبول منه لا يصحّ قبل حريّته، فكان ذلك يؤدّي إلى إبطال حريّته و حريّة امّه و إبطال الوصيّة، فأسقطنا الإرث حتّى تصحّ الحرّيّة له و لها (2).

و حاصل ما ذكرنا: منع الملازمة بين جعله وارثا و بين توقّف صحّة الوصيّة على قبوله؛ لأنّه يرث عدا حقّ القبول، فإنّه يرثه غيره و لو كان أبعد؛ لكون الولد كالمعدوم بالنسبة إلى هذا الحقّ، فالمانع العقليّ لا يمنع إلّا إرث حقّ القبول، فيقتصر عليه. مع أنّك [قد] (3) عرفت أنّ المانع ليس

____________

(1) من «ع» و «ص».

(2) المبسوط 4: 32.

(3) من «ص».

52

ما ذكر من المانع العقليّ، و هو لزوم عدم إرثه من إرثه، بل اختصاص أدلّة الإرث بغير الحقّ المحقّق لعنوان الوارثيّة و إن كان هذا أيضا مانعا عقليّا.

ثمّ إنّ العلّامة (1) و غيره (2) (قدّس اللّٰه أسرارهم) أجابوا عمّا ذكره الشيخ بما حاصله: إنّ المعتبر قبول من هو وارث لو لا القبول، و لا يستقيم دعوى هذا التقييد إلّا بما ذكرنا، و إلّا فما ذكروه من تنظيره بالإقرار ليس إلّا في مجرّد التقييد بكونه وارثا لو لا الإقرار، و إلّا فالتقييد في الإقرار من باب تقييد الحكم الظاهريّ، و هو ما يقتضيه الظاهر قبل الإقرار من كون المقرّ وارثا، أو مالكا، أو ذا يد، أو بريء الذمّة، أو نحو ذلك؛ لعدم الدليل الاجتهادي على خلافه.

و إخبار المقرّ عن وراثة الغير، أو استحقاقه، أو الاشتغال بحقّه- بعد اعتباره بحكم دليل الإقرار- بمنزلة البيّنة الحاكمة على تلك الظواهر، فهذا التقييد من أدلّة تلك الظواهر، و ليس تقييد وراثة حقّ القبول لمن هو وارث لو لا القبول من هذا القبيل، بل هو تقييد واقعيّ، فلا بدّ له من إثبات أنّ مستند أدلّة وراثة الوارث مختصّة بغير هذا الحقّ، و لا طريق إلى إثباته إلّا ما ذكرنا.

ثمّ إنّه يمكن أن يكون نظر الشّيخ (قدّس سرّه) إلى أنّ هذا الحقّ و باقي التركة متساوية بالنسبة إلى الدخول تحت عموم: «ما ترك الميّت فلوارثه» (3) فلا وجه لإثبات موضوع الوراثة لمن لا يرث حال القبول، فيجعل وارثا،

____________

(1) القواعد 1: 292.

(2) المسالك 1: 309 و انظر الجواهر 28: 261.

(3) المغني، لابن قدامة 6: 24، و فيه: «من ترك حقه فلورثته».

53

فيثبت له المال بهذا العموم.

و بعبارة [أخرى] (1): ثبوت الحكم لبعض أفراد العامّ لا يثبت فرديّة شيء لذلك العامّ ليثبت له حكمه، فلا معنى للتفكيك بين هذا الحقّ و غيره في مقام الحكم باستحقاق من هو وارث حين القبول، فمن يرث هذا الحقّ يرث الباقي.

و فيه: [إنّا] (2) لا نجد استحالة عقليّة بأن يكون الوارث حين القبول يستحقّ شيئا يخرج به عن وراثة ما عدا هذا الحقّ، و المسألة محلّ تأمّل.

ثمّ إنّ الشيخ- مع حكمه بعدم إرث الولد شيئا- حكم بحرّية أمّه التي صارت بالقبول الكاشف أمّ ولد (3)، و يشكل بأنّ الولد إذا لم يرث شيئا فمن أين تنعتق امّه بعد موت أبيه، و للشارح في المسالك (4) في تحرير مسألة إرث هذا الولد كلام لا يخلو عن تأمّل.

[حرمة الوصية بالمعصية و بطلانها]

و لا تجوز (و لا تصحّ الوصيّة) من أحد، مسلما كان أو كافرا، (في) ما يكون (معصية) في شرع الإسلام؛ لأنّ أدلّة وجوب إنفاذ الوصيّة و حرمة تبديلها لا تزاحم أدلّة المعاصي، نظير أدلّة وجوب الإيفاء بالوعد و العهد و مرجوحيّة خلفهما.

نعم، قد يشكل الأمر في بعض الموارد، من حيث احتمال كون الوصيّة مغيّرة [لموضوع] (5) المعصية، كما إذا أوصى إلى أحد بمباشرة غسله أو الصلاة

____________

(1) لم ترد في «ق».

(2) لم ترد في «ق».

(3) تقدم قول الشيخ (قدّس سرّه) في الصفحة: 51.

(4) المسالك 1: 309.

(5) لم ترد في «ق»، و وردت مكانها: «لموضوعها» و شطب عليها.

54

عليه، فمنعه الوليّ، فإنّه يحتمل أن يكون أدلّة عدم مشروعيّة الغسل و الصلاة بدون إذن الوليّ مقيّدة بصورة عدم وصيّة الميّت؛ لأنّ ولاية الولي شرّعت لكونه أشدّ اهتماما بمصالح الميّت من غيره، فلا ينتفي لأجله ما أمر به الميّت، و لذا ذهب بعض (1) إلى سقوط إذن الولي هنا، إلّا أنّ المحكيّ عن الأكثر خلافه (2).

و أمّا عدم صحّة الوصيّة بالمعصية- بعد فرض كونها معصية و لو بعد الوصيّة- فلأنّ المستفاد من الأدلّة كون الصحّة تابعة لحرمة التبديل، مثل قوله (عليه السلام): «لو أمرني أن أضعه في يهودي لوضعته، إنّ اللّٰه عزّ و جلّ يقول فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مٰا سَمِعَهُ فَإِنَّمٰا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ» (3).

فإنّ قوله: «لو أمرني .. إلخ» كناية عن عموم وجوب فعل كلّ ما أوصى، مستدلّا عليه بالآية، حيث (4) إنّ الدليل لا بدّ أن يكون مساويا للمطلب أو شاملا له و لغيره، و حينئذ فتخرج الوصيّة بالمعصية، و تدلّ على أنّ الصحّة لا تجامع جواز التبديل، بل وجوبه الثابت؛ لفرض بقاء العصيان بعد الوصيّة.

و على ما ذكر (فلو أوصى [بمال] (5) للكنائس أو البيع) من حيث

____________

(1) هو ابن الجنيد (رحمه اللّٰه)، كما في المختلف: 120.

(2) المختلف: 120، و قال في المدارك (4: 161): «فلا يجوز له التقدم إلّا بإذن الوليّ، و به قطع العلّامة في المختلف و أسنده إلى الأصحاب و احتجّ عليه بآية اولي الأرحام».

(3) الوسائل 13: 417، الباب 35 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 6، مع اختلاف في بعض الكلمات، و الآية من سورة البقرة: 181.

(4) في «ق»: و حيث.

(5) لم ترد في «ق»، و وردت في «ع» و «ص» و الشرائع.

55

هذين العنوانين، (أو كتابة ما يسمّى الآن) حقيقة عند اليهود و مسامحة عندنا (توراة أو إنجيلا، أو في مساعدة ظالم) على ظلمه، أو على كونه ظالما كتقوية أعوانه، (بطلت الوصيّة) من رأس فيردّ إلى الورثة.

و لعلّه المراد بتغيير الوصيّة و ردّها إلى المعروف في المرسلة: «إنّ اللّٰه تبارك و تعالى أطلق للموصى إليه أن يغيّر الوصيّة إذا لم تكن بالمعروف و كان فيها حيف، و يردّها إلى المعروف، لقوله تعالى فَمَنْ خٰافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ» (1).

و رواية محمّد بن سوقة، قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول اللّٰه عزّ و جلّ فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مٰا سَمِعَهُ قال: نسختها الآية الّتي بعدها فَمَنْ خٰافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً .. الآية» (2)، لا أنّ المراد بالتغيير صرف الوصيّة المذكورة إلى وجوه البرّ، كما عن النهاية (3).

[الوصية مطلقا جائزة من طرف الموصي]

(و الوصيّة) مطلقا- سواء التمليكيّة الّتي هي (عقد) و غيرها المختلف في كونها عقدا- (جائز من طرف الموصي) لأنّ الإنسان أحقّ بماله (ما دام حيّا) و يدلّ عليه- بعد الأصل و قبل الإجماع-: الأخبار المستفيضة، بل المتواترة في جواز ردّها و تغييرها و الرجوع عنها، و الزيادة فيها و النقيصة (4) (سواء كانت) الوصيّة (بمال أو ولاية) على ولده.

____________

(1) الوسائل 13: 422، الباب 38 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 2، و الآية من سورة البقرة: 182.

(2) الوسائل 13: 421، الباب 38 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث الأوّل، و الآيتان من سورة البقرة: 181 و 182.

(3) النهاية: 609.

(4) الوسائل 13: 385، الباب 18 من أبواب أحكام الوصايا.

56

[تحقق الرجوع باللفظ أو فعل المنافي]

(و يتحقّق الرجوع بالتصريح) بإنشائه، أو بقول يدلّ عليه و إن لم ينشئه، (أو (1) بفعل ما ينافي) مقتضاه مقتضى (الوصيّة) لأنّه إذا فرض جواز ذلك الفعل- و المفروض منافاته للوصيّة- فقد أبطلها.

(فلو) أكل أو (باع ما أوصى به، [أو أوصى ببيعه] (2) أو وهبه و أقبضه، أو رهنه) مع الإقباض (كان رجوعا) لفوات متعلّق الوصيّة عقلا في الأوّل، و شرعا في ما عداه، حتّى الرهن؛ لأنّ حدوث حقّ المرتهن و تسلّطه على بيعه مبطل لاستحقاق الموصى له إيّاه بمجرّد الموت.

و لو ظهر البيع أو الرهن فاسدا أو لم يقبض الموهوب أو المرهون، أو رجع عن الوصيّة، أو عرّضه لأحد هذه الأمور، فالمشهور على الظاهر كونه رجوعا، لأنّ إرادته مستلزمة لإرادة عدم الوصيّة الّتي هي ضدّه، فإنّ الشيء لمّا توقّف على عدم ضدّه كانت إرادته- تكليفيّة كانت أو تكوينيّة- مستلزمة لإرادة مقدّمته، و هي عدم الضدّ، فكأنّه صرّح بإرادة عدم الوصيّة، و ليس الفرق إلّا الإجمال و التفصيل في الإرادة.

و هذا مرجع ما استدلّ به في التذكرة على ثبوت الرجوع بالإيصاء ببيع الموصى به- بعد نسبته إلى جمهور العلماء- بأنّ وصيّته هذه تنافي الوصيّة الاولى (3)، و هذا جار في نظائر الوصيّة من مقدّمات الأفعال المبطلة للوصيّة الاولى.

[ارتكاب فعل المنافي غفلة]

و دعوى عدم جريان ذلك في صورة الغفلة عن الإيصاء، بحيث يعلم

____________

(1) في «ق»: و بفعل، و في «ص» و «ع»: أو يفعل، و ما أثبتناه من الشرائع.

(2) ما بين المعقوفتين من الشرائع.

(3) التذكرة 2: 514.