رسالة في منجزات المريض

- الشيخ مرتضى الأنصاري المزيد...
24 /
146

[احتساب منجزات المريض من الأصل]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّٰه ربّ العالمين و الصّلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين و لعنة اللّٰه على أعدائهم أجمعين.

147

رسالة في منجّزات المريض الأقوى أنّ ما اصطلح عليه الفقهاء و عبّروا عنه ب«منجّزات المريض» محسوب من الأصل، وفاقا للمحكيّ عن ظاهر الكافي (1) و الفقيه (2) و المقنعة (3) و الانتصار (4) و النّهاية (5) و المبسوط في باب الوقف (6) و الغنية في باب الهبة (7) و المهذّب (8)

____________

(1) الكافي 7: 7، باب «صاحب المال أحق بماله»، و راجع مفتاح الكرامة 9: 570.

(2) الفقيه 4: 202، ذيل الحديث 5466.

(3) المقنعة: 671.

(4) الانتصار: 224.

(5) النهاية: 618.

(6) المبسوط 3: 298- 299.

(7) الغنية (الجوامع الفقهية): 541.

(8) المهذب 2: 106.

148

و الوسيلة (1) و المراسم (2) و السرائر (3) و ابن سعيد (4) و كشف الرموز (5) و مجمع الفائدة (6) و الكفاية (7) و الوسائل (8) و الرياض (9) و المناهل (10).

و في الرياض: أنّه المشهور بين القدماء (11). و عن السرائر: أنّه الأظهر في المذهب (12). و عن الانتصار (13) و الغنية (14): الإجماع عليه.

[بيان أدلة المسألة]

و لعلّه يكفي في المسألة بعد الاعتضاد بما عرفت من حكاية الشهرة- مضافا إلى الاستصحاب [أي] [أصالتي بقاء حكم حال الصحة بعد المرض و بقاء اللزوم بعد الموت و ردّ الوارث] (15)

____________

(1) الوسيلة: 372.

(2) المراسم: (الجوامع الفقهية): 590.

(3) السرائر 3: 213.

(4) الجامع للشرائع: 497.

(5) كشف الرموز 2: 91.

(6) مجمع الفائدة 9: 214.

(7) كفاية الأحكام: 151.

(8) الوسائل 13: 376، الباب 16 من أبواب أحكام الوصايا.

(9) الرياض 2: 66.

(10) المناهل: (مخطوط).

(11) الرياض 2: 66.

(12) السرائر 3: 200.

(13) الانتصار: 224.

(14) الغنية (الجوامع الفقهية): 541.

(15) ورد ما بين المعقوفتين بعنوان نسخة بدل عن كلمة «الاستصحاب» في هامش «ع» و متن «ص»، و ورد في هامش «ق» من دون علامة، و الظاهر أنّه توضيح للاستصحاب، و لذلك أضفنا كلمة [أي].

149

و عمومات لزوم التصرّفات (1)- إطلاق ما دلّ على أنّ «الميّت أحقّ بماله ما دام فيه الروح» (2)، و زيد في بعضها- في التهذيب- قوله: «فإن قال:

بعدي، فليس له إلّا الثلث» (3)، و عن الكافي زيادة قوله «فإن أوصى فليس له إلّا الثلث» (4).

و خصوص رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «عن الرجل له الولد، أ يسعه أن يجعل ماله لقرابته؟ قال: هو ماله يصنع به ما شاء إلى أن يأتيه الموت، إنّ لصاحب المال أن يعمل بماله ما شاء ما دام حيّا، إن شاء وهبه، و إن شاء تصدّق به، و إن شاء تركه إلى أن يأتيه الموت، و إن أوصى به فليس له إلّا الثلث» (5)، و حمله على غير المريض يأبى عنه جعل الموت غاية للحكم، كما هو واضح.

و مرسلة ابن أبي عمير عن رجل، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام): «في رجل أوصى بأكثر من الثلث و أعتق مماليكه في مرضه، قال:

إن كان أكثر من الثلث ردّ إلى الثلث، و جاز العتق» (6).

و مرسلة مرازم- و قبله صفوان- عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «في الرجل يعطي الشيء من ماله في مرضه، قال: إذا أبان به فهو جائز، و إن أوصى به

____________

(1) الوسائل 13: 381، الباب 17 من أبواب أحكام الوصايا.

(2) الوسائل 13: 381، الباب 17 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 4.

(3) التهذيب 9: 188، الحديث 756.

(4) الكافي 7: 8، الحديث 7.

(5) الوسائل 13: 381، الباب 17 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 2.

(6) الوسائل 13: 459، الباب 67 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 4.

150

فهو من الثلث» (1).

و موثّقة عمّار: «عن الرجل يجعل بعض ماله لرجل في مرضه، قال: إذا أبان به فهو جائز» (2).

و رواية السكوني (3) عن الصادق (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام): «أنّ رجلا من الأنصار توفّي و له صبية صغار، و له ستّة من الرقيق، و أعتقهم عند موته، و ليس له مال غيرهم، فاتي النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) فأخبر، فقال: ما صنعتم بصاحبكم؟ فقالوا: دفنّاه، فقال: لو علمت ما دفنّاه مع أهل الإسلام، ترك ولده يتكفّفون النّاس» (4). و الظاهر منه نفاذ عتقه و إن احتمل أن يكون ذمّ النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) [راجعا] (5) إلى أصل الفعل، و إقدامه على تضييع عياله، و إن لم يكن تصرّفه نافذا، و لا يهمّنا إتمام دلالته، فإنّ فيما تقدّم غنى عنه، بل لو لم يكن إلّا الإطلاقات المتقدّمة في تسلّط الإنسان على ماله ما دام الروح في بدنه كفى؛ لضعف ما يعارضها من الأخبار و غيرها كما سيجيء.

و يؤيده: استمرار السيرة على عدم ضبط ما يحابي الإنسان في مرضه من الصّدقات، و هدايا الطبيب، و شراء الأدوية بأزيد من ثمن المثل، و نحو ذلك.

____________

(1) الوسائل 13: 382، الباب 17 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 6.

(2) الوسائل 13: 383، الباب 17 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 10، و فيه:

«إذا أبانه جاز».

(3) كذا في النسخ، و رواه الكليني في الكافي مرسلا عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم)، و رواه الصدوق في الفقيه عن مسعدة بن صدقة الربعي.

(4) الفقيه 4: 186، الحديث 5427.

(5) لم يرد في «ق».

151

خلافا للمحكيّ عن الإسكافي (1) و الصدوق (2) و المبسوط في باب الوصيّة (3) و الغنية في باب العتق (4) و كتب المحقّق (5) و العلّامة (6) و الشهيدين (7) و المحقّق الثاني (8) و فخر الإسلام (9) و التنقيح (10) بل عليه عامّة المتأخّرين كما قيل، بل ظاهر الخلاف- في باب العتق-: دعوى إجماع الفرقة و أخبارهم عليه (11) و عن المحقّق الثّاني: أنّ النصوص متواترة (12).

و استدلّ له بأصالة عدم صحّة المعاملة بالنّسبة إلى الزائد عن الثّلث، و لم أتحقّق معناه.

و ما ذكره في المختلف (13): من أنّ إمضاء الوصيّة من الثلث و القول بخروج العطايا المنجّزة من الأصل ممّا لا يجتمعان؛ لاشتراكهما في المقتضي لحصر الوصيّة في الثلث، و هو النظر في حقّ الورثة، كما نبّه عليه في الأخبار، مثل قوله (عليه السلام): «إنّ الوصية تردّ إلى المعروف عن المنكر فمن ظلم نفسه

____________

(1) حكاه عنهما العلّامة في المختلف: 514.

(2) حكاه عنهما العلّامة في المختلف: 514.

(3) المبسوط 4: 44.

(4) الغنية (الجوامع الفقهية): 555.

(5) الشرائع 2: 261.

(6) التحرير 1: 305.

(7) الدروس 2: 302، الروضة البهيّة 5: 64.

(8) جامع المقاصد 10: 206، و 11: 126.

(9) إيضاح الفوائد 2: 593.

(10) التنقيح 2: 422.

(11) الخلاف: كتاب العتق، المسألة: 3.

(12) جامع المقاصد 10: 206، و فيه: ثبت بالنص تواترا.

(13) المختلف: 514.

152

و أتى في وصيته بالمنكر و الحيف فإنّها تردّ إلى المعروف، و ترك لأهل الميراث ميراثهم» (1).

و قول عليّ (عليه السلام): «لا أبالي أ ضررت بولدي أم سرقتهم ذلك [المال] (2)» (3) دلّ على التسوية في عدم المشروعيّة بين السرقة و الإضرار بالورثة، المتحقّق تارة بالوصيّة بأزيد من الثلث، و اخرى بالمحاباة به في ضمن العقود المنجّزة.

مع أنّ خروج المنجّزات من الأصل يوجب اختلال حكمة حصر الوصيّة في الثلث؛ لإمكان التجاء كلّ من يريد الزيادة في الوصيّة إلى عقد منجّز، فيعاوض جميع ماله بدرهم فرارا عن ردّ الوصيّة.

و ما دلّ من الأخبار على أنّه لا يستحقّ الإنسان عند موته أزيد من ثلثه بحيث يستقلّ بالتصرّف فيه، مثل النبويّ: «إنّ اللّٰه قد تصدّق عليكم بثلث أموالكم في آخر أعماركم زيادة في أعمالكم» (4).

و مصحّحة عليّ بن يقطين: «سألت أبا الحسن (عليه السلام)، و قلت: ما للرجل من ماله عند موته؟ فقال: الثلث، و الثلث كثير» (5).

و رواية ابن سنان المروية في زيادات التهذيب، عن الصّادق (عليه السلام):

____________

(1) الوسائل 13: 358، الباب 8 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث الأوّل.

(2) من المصدر.

(3) الوسائل 13: 356، الباب 5 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث الأوّل.

(4) مستدرك الوسائل 14: 96، الباب 9 من أبواب الوصايا، الحديث 3، و فيه: «إن اللّٰه تعالى تصدّق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة في حسناتكم».

(5) الوسائل 13: 363، الباب 10 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 8، و فيه: «عن الحسين بن علي بن يقطين».

153

«قال: للرجل عند موته ثلث ماله، و إن لم يوص فليس على الورثة إمضاؤه» (1).

و المحكي عن البحار، عن الهداية، عن الصّادق (عليه السلام): «الوصية على كل مسلم- إلى أن قال-: ليس للميت من ماله إلّا الثلث، فإذا أوصى بأكثر من الثلث ردّ إلى الثلث» (2).

و مصحّحة شعيب: «عن الرّجل يموت، ما له من ماله؟ قال: له الثلث، و المرأة كذلك» (3).

و ما دلّ على التفرقة في العطيّة بين حالتي الصحة و المرض، مثل رواية سماعة، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «في عطيّة الوالد لولده، قال: أمّا إذا كان صحيحا فهو ماله يصنع به ما شاء، و أمّا في مرضه فلا يصلح» (4).

و في رواية جرّاح: «قال: إذا كان صحيحا جاز» (5).

و عن سماعة- أيضا- عن الصادق (عليه السلام): «عن الرّجل يكون لامرأته عليه صداق أو بعضه، فتبرئ ذمّته في مرضها، قال: لا، و لكن إن وهبته

____________

(1) التهذيب 9: 242، الحديث 939.

(2) البحار 103: 207، الحديث 17، و الهداية (الجوامع الفقهية): 63، و فيهما:

«الوصية حق على ..».

(3) الوسائل 13: 362، الباب 10 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 2، و فيه:

«و للمرأة أيضا».

(4) الوسائل 13: 384، الباب 17 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 11.

(5) الوسائل 13: 384، الباب 17 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 14، و فيه:

«إذا أعطاه في صحته جاز».

154

جاز له ما وهبته من ثلثها» (1).

و في رواية أبي ولّاد: «بل هبة له، فيجوز هبتها له، و يحتسب ذلك من ثلثها إن كانت تركت شيئا» (2).

و مصحّحة أبي بصير: «عن الرجل يخصّ بعض ولده بالعطيّة، قال: إن كان موسرا فنعم، و إن كان معسرا فلا» (3) بناء على أنّ التفصيل بين اليسار و عدمه من جهة ملاحظة الثلث.

و ما دلّ على إمضاء العتق من الثلث إذا كان العتق أزيد من الثلث، مع أنّ بناء العتق على التغليب، مثل خبر ابن الجهم عن أبي الحسن: «في رجل أعتق مملوكا و قد حضره الموت، و أشهد له بذلك و قيمته ستمائة درهم، و عليه دين ثلاثمائة درهم، و لم يترك غيره، قال: يعتق منه سدسه؛ لأنّه إنّما له ثلاثمائة، و له السّدس من الجميع» (4).

و خبر عليّ بن عقبة عن الصادق (عليه السلام): «في رجل حضره الموت فأعتق مملوكا ليس له غيره فأبى الورثة أن يجيزوا ذلك، كيف القضاء؟ قال:

ما يعتق منه إلّا ثلثه» (5).

____________

(1) الوسائل 13: 384، الباب 17 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 16، و فيه:

«و لكنها إن وهبت له جاز ما وهبت له من ثلثها».

(2) الوسائل 13: 367، الباب 11 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 11، و فيه:

«بل تهبه».

(3) الوسائل 13: 384، الباب 17 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 12.

(4) الوسائل 13: 423، الباب 39 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 4.

(5) الوسائل 13: 384، الباب 17 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 13، و فيه:

«عن عقبة بن خالد».

155

و زاد في رواية أخرى: «و سائر ذلك الورثة أحق بذلك» (1).

و خبر أبي بصير: «إذا أعتق رجل عند موته خادما له، ثمّ أوصى بوصيّة أخرى، ألغيت الوصيّة و أعتقت الجارية من ثلثه، إلّا أن يفضل من ثلثه بما يبلغ الوصيّة» (2).

و رواية إسماعيل بن همّام: «في رجل أوصى عند موته بمال لذوي قرابته، و أعتق مملوكا له، و كان جميع ما أوصى به يزيد على الثلث، كيف نصنع في وصيته؟ قال: يبدأ بالعتق فينفذ» (3).

و في الكلّ نظر: أمّا الأصل؛ فلوضوح فساده.

أمّا ما في المختلف، من أنّ المقتضي لحصر الوصيّة: النظر في حق الورثة (4) فهو و إن كان ربّما يستفاد من الأخبار (5) إلّا أنّ التتبّع في أحكام المسألة، و في غيرها من أحكام الفقه، يوجب الجزم بكونها حكمة في الحكم، لا علّة يدور معها الحكم وجودا و عدما، و إلّا لكان ما يتلفه المريض في مرضه محسوبا من الثلث.

و أمّا ما ذكر من لزوم اختلال الحكمة المقتضية لحصر الوصيّة في الثلث، فنظائره في الفقه أكثر من أن تحصى، فإن بيع الأثمان يعتبر فيه التقابض، بخلاف الصلح عليها، فيجوز لكلّ أحد الالتجاء إلى الصلح، و كذلك الربا على

____________

(1) الوسائل 13: 365، الباب 11 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 4، و فيه:

«و لهم ما بقي».

(2) الوسائل 13: 365، الباب 11 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 6.

(3) الوسائل 13: 458، الباب 67 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 2.

(4) المختلف: 514.

(5) راجع الوسائل 13: 358- 370، الأبواب 8 و 9 و 10 و 11 في أحكام الوصايا.

156

فرض اختصاصها بالبيع مع ما ذكر في محلّه من الحيل الشرعية لتحليل ما يراد أخذه من الربا، و بالجملة، فنعم الشيء الفرار من الحرام إلى الحلال كما ورد في أخبار الربا، جوابا عن اعتراض العامّة على الإمام (عليه السلام) (1)، الراجع إلى ما ذكر هنا من لزوم اختلال حكمة تحريم الربا.

و أمّا ما دلّ من الأخبار على أنّ الإنسان لا يستقلّ بالتصرّف في أزيد من ثلثه في آخر عمره (2) فالظاهر منها الوصيّة.

أمّا النبوي (3)؛ فلأنّ ظاهر التصدّق بالثلث على الإنسان في آخر عمره أن يعطى شيئا لا يستحقّه، و ليس ذلك إلّا في الوصيّة، إذ فيها ينتقل المال إلى الموصى له في زمان لا يملكه الإنسان بل يملكه وارثه، و إلّا فهو ماله ما دام حيّا، لا معنى للتصدّق به عليه ليتصرّف فيه بالتصرّفات الناقلة و المتلفة.

نعم، لو كان هنا ما يقتضي خروج الإنسان عن المالكيّة أو الاستقلال بها عند الموت، فرخّص اللّٰه له في الثلث، كان هذا الترخيص حقيقا بأن يعبّر عنه (4) فافهم فإنّه لا يخلو عن دقّة ما.

و منه يظهر الجواب عن رواية علي بن يقطين، و الروايات الثلاث التي بعدها (5) فإنّ السؤال عن المقدار الّذي يستحقّه الإنسان من ماله لا يصحّ إلّا بأن يكون الاستحقاق في زمان يتحقّق المقتضي لخروج المال عن ملكه، فمعنى قوله: «ما للرجل من ماله عند موته؟» أيّ مقدار من المال يصحّ

____________

(1) انظر الوسائل 12: 466، الباب 6 من أبواب الصرف، الحديث الأوّل.

(2) الوسائل 13: 361، الباب 10 من أبواب أحكام الوصايا.

(3) مستدرك الوسائل 14: 96، الباب 9 من أبواب الوصايا، الحديث 3.

(4) في «ع» و «ص»: يعبّر به عنه.

(5) تقدّمت في الصفحة: 152- 153.

157

للرجل أن يجعله بحيث يصير بعد خروجه عن ملكه مصروفا فيما يريده من تملّك أحد له أو الصرف في جهته.

و كأنّ المستدلّين بهذه الأخبار جعلوا الحجر على المريض مفروغا عنه عند السائلين عن (1) الإمام (عليه السلام)، و إنّما سألوا عن المقدار المحجور فيه.

و لا يخفى ما فيه، بل الذي يظهر للمتأمّل أنّ المفروغ عنه عندهم و عند كلّ أحد- مع قطع النظر عن مشروعية الوصية-: تسلّط الورثة على جميع المال، و أنّه لا يرتفع ذلك بتوصية الميّت بأن يصرف شيء من ماله بعد خروجه عن ملكه إلى ما يريد، لكن لمّا شاع حكم الشارع بنفاذ الوصيّة في الجملة، سألوا عن المقدار الذي ينفذ فيه الوصيّة، فأجاب الإمام (عليه السلام) بالثلث، و ليس هذا حجرا على الإنسان، و لذا يشترك فيه الصحيح و المريض، فعدّهم المريض من المحجور عليه بالنسبة إلى الوصيّة بأزيد من الثلث ليس على ما ينبغي.

و بالجملة، فالمتأمّل في هذه الأخبار يظهر له أنّ السؤال عمّا يمكن أن يكون بعد الموت للإنسان بأن يوصي في حياته لأن يصرف بعد مماته، لا عمّا يستقلّ الإنسان قبل الموت بالتصرّف [فيه] (2) مضافا إلى أنّ حمل الموت في هذه الأخبار على مرض الموت خلاف الظاهر، بل ليس من مجاز المشارفة كما يتخيّل.

مضافا إلى أنّ في ذيل رواية ابن سنان (3) و طرفي رواية

____________

(1) كذا في النسخ، و لعل الأصح: من.

(2) لم يرد في «ق».

(3) تقدّمت هذه الرواية في الصفحة: 152- 153.

158

الهداية (1) قرينة على إرادة الوصيّة، و هما قرينتان على غيرهما؛ فإنّ الأخبار يفسّر بعضها ببعض، و يكشف بعضها عن بعض.

و أمّا ما دلّ على حكم العطيّة للولد (2)، فالظاهر من «لا يصلح» الكراهة المسبّبة عن حصول التباغض بين الأولاد لتفضيل الوالد بعضهم على بعض؛ لعدم إمكان حملها على الفساد، و إرادة ما يفسد المطلوب أبعد من الكراهة قطعا، و منه يعلم أنّ المراد من الجواز في الرواية الثانية (3) هو عدم المرجوحيّة، و يؤيّد ما ذكرنا التفصيل في الثالثة- من روايات العطيّة- بين الإعسار و الإيسار (4)، لزوال علّة الكراهة مع الإيسار.

و أمّا رواية الإبراء من الصداق (5) فقد خدش فيه غير واحد (6) بمخالفة ظاهرها لما ثبت من عدم جواز هبة ما في الذمّة، مع أنّ الجواب عن سؤال الإبراء لا محيص من حمله على الكراهة من جهة الإضرار بالورثة، مع احتمال حمل رواية أبي ولّاد (7) على أنّ المرأة تحسب ذلك من ثلثها استحبابا مراعاة للورثة، لا انّه محسوب في الواقع من الثلث.

و أمّا روايات العتق فلا يبعد إرادة الوصيّة بالعتق منها، لا الإعتاق

____________

(1) تقدّمتا في الصفحة: 153.

(2) تقدّمتا في الصفحة: 153.

(3) تقدّمت في الصفحة: 153.

(4) و هي مصححة أبي بصير المتقدّمة في الصفحة: 154.

(5) تقدّمت في الصفحة: 153- 154.

(6) قال الشهيد في المسالك 1: 338: «و أمّا رواية أبي ولّاد ففيها: أن مضمونها لا يقول به أحد، لأن الإبراء مما في الذمّة صحيح بالإجماع دون هبته و الحكم فيها بالعكس، فكيف يستند إلى مثل هذه الرواية المقلوبة الحكم الضعيفة السند».

(7) تقدّمت في الصفحة: 154.

159

منجّزا، كما يشهد بذلك قوله في رواية أبي بصير: «أعتق ثمّ أوصى بوصية أخرى» (1) و قوله في رواية ابن همّام: «فكان جميع ما أوصى به يزيد على الثلث» (2). و مثله يحتمل في معقد إجماع الخلاف المتقدّم (3) فلاحظ.

نعم، ربّما يأبى عن حمل رواية ابن همّام على الوصيّة حكم الإمام (عليه السلام) بتقديم العتق، مع أنّ الحكم في تعدّد الوصايا ملاحظة الأسبق، إلّا أنّه يمكن حمله على أنّ الإمام (عليه السلام) فهم تقديم الإعتاق في الذكر.

و ربّما يحمل الوصيّة في هذه الرواية على ما يعمّ العتق المنجّز، و فيه ما لا يخفى.

و ربّما يستدلّ لهذا القول ببعض أخبار أخر أضعف ممّا تقدّم، و يرتكب في تقريب الاستدلال بها وجوه ضعيفة.

و الانصاف إنّ كلّا من القولين (4) لا يخلو عن رواية، بل روايات ظاهرة فيه، إلّا أنّ روايات القول الأوّل لعلّها أظهر، و لو سلّم التساوي كانت هي بالتقديم أولى؛ لمخالفتها لمذهب الجمهور، كما عن الانتصار (5) و الخلاف (6) و غيره (7).

و ربّما يستغرب هذا الحمل بأنّه ليس في هذه الأخبار- على كثرتها- إشارة إلى كون ذلك مذهب العامّة، و هو غريب، إذ الموجود في أخبار علاج

____________

(1) تقدّمت في الصفحة: 155.

(2) تقدّمت في الصفحة: 155.

(3) تقدّم في الصفحة: 151.

(4) في «ع» و «ص»: كلا القولين.

(5) الانتصار: 224.

(6) الخلاف: كتاب الوصايا، المسألة: 12.

(7) السرائر 3: 5 و 200.

160

التعارض [ليس] (1) إلّا الأخذ بما خالف القوم (2) و أنّ الرشد في خلافهم (3) [و أمّا وجود الإشارة في المتعارضين إلى كون ذلك مذهب العامّة فلم يعتبر فيها بوجه كما هو واضح] (4).

هذا مع أنّه ليس هنا أخبار كثيرة ظاهرة كما عرفت.

هذا كلّه مع الإغماض عن الإجماعين المحكيّين (5) و الشهرة المحكية في الرياض على وجه الجزم (6).

و بالجملة، فالخروج عن قواعد لزوم المعاملات بتلك الأخبار مع ما عرفت مشكل جدّا، [بل لعلّ الحكم المذكور- أعني خروج المنجّزات من الأصل- ممّا لا إشكال فيه، كما لا إشكال في خروج الواجبات الماليّة من الأصل، أوصى بها أم لم يوص، بل الإشكال في خروج الواجبات البدنيّة منه إذا أوصى بها أو مطلقا، و عدمه.

و لنقدّم البحث عن بيان حكم الوصيّة بما وجب على المكلّف من العبادات البدنية فنقول] (7):

____________

(1) لم يرد في «ق».

(2) الوسائل 18: 85، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 30 و 31.

(3) الوسائل 18: 80، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 19.

(4) ما بين المعقوفتين لم يرد في «ق».

(5) حكاهما السيد المرتضى في الانتصار: 224، و ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية):

541.

(6) الرياض 2: 66.

(7) ما بين المعقوفتين لم يرد في «ق».

161

مسألة [1] الأقوى وجوب الوصيّة بما وجب على المكلّف من العبادات البدنيّة،

التي فاتته لعذر أو لغير عذر، وفاقا لصريح غير واحد (1) و ظاهر آخرين (2)، و حيث إنّ الموصي لا يتمكّن إلّا من فعل سبب هذا البدل- و هو الأمر و الإيصاء- وجب، فالمأمور به في الحقيقة هو التوصّل إلى فعل البدل؛ لأنّ مشروعية فعلها عنه بعد الموت و لو لم يوص، و أنّ فعل النائب كفعله، بل فعله، الثابت بأدلّة النيابة عن الميّت، و أنّه قضاء عنه و تدارك لما فات عنه، تدلّ على أنّ الواجب على المكلّف تحصيل الفعل إمّا بنفسه، أو بمن يكون فعله فعلا له في إبراء الذمّة.

و لا ينافي هذا وجوب المباشرة في العبادات؛ لأنّ المفروض بعد

____________

(1) منهم المفيد في المقنعة: 823، و الحلي في السرائر 3: 184.

(2) مثل جامع المقاصد 10: 120.

162

مشروعية كون استنابة المكلّف كمباشرته، فلا يقدح وجوب (1) المباشرة، نعم في مقام لم يدلّ الدليل على مشروعية النيابة كالصلاة و الصوم عن الحيّ، و الحجّ مع التمكن (2) من المباشرة، يتعيّن المباشرة؛ لعدم ثبوت كون فعل الغير فعلا له في ذلك المقام.

و الأصل في ذلك: أنّ جميع الواجبات يراد حصولها من المكلّف، فهو مأمور بتحصيلها مباشرة، فإن دلّ دليل خارجي على كون الواجب توصّليا كان حصوله من غيره مسقطا للوجوب عن المكلّف، و لا يحتاج إلى نيّة النيابة.

و إن علم أنّه من العبادات، أو لم يعلم كونه توصليا، فإن دلّ دليل عموما، أو في خصوص مورد على مشروعيّة النيابة فيه، و أنّ فعل النائب في حكم مباشرة المنوب عنه، كان الاستنابة مع فرض حصول الفعل من النائب نوع امتثال للواجب لا مجرّد إسقاط، و إذا فرض كونه فردا من أفراد الامتثال بحكم أدلّة تنزيل فعل النائب بمنزلة مباشرة المنوب، رجع الأمر بالفعل- كالصلاة مثلا- إلى إرادة تحصيلها مباشرة، أو ما هو في حكم المباشرة، فالإيجاد بالنائب فرد من المأمور به، فإذا فات المكلّف بالمباشرة و تمكّن من الإيجاد بالنائب- و المفروض قيام الدليل على أنّ فعل النائب بعد الموت تبرّعا كان أو بالاستنابة بأجرة أو بغيرها بمنزلة مباشرة الشخص له- وجبت، فالوصيّة مسقطة لا بدل؛ لأنّ البدل هو تحصيل الفعل بالنيابة لا مجرّد الاستنابة، و إنّما كانت استنابة الموصي مسقطة؛ لأنّه لا يقدر على أزيد منها.

و هذا المقدار و إن لم يشمله الخطاب بفعل الواجب، مثل قوله: صلّ مثلا، إلّا

____________

(1) في «ص» و «ع»: «في وجوب».

(2) كذا في «ص» و «ع» و «ق»، إلّا أنّه شطب على كلمة «التمكن» في «ق».

163

أنّه مستفاد ممّا ثبت من أنّ الأمر بالمسبّب المتوقّف على أمور غير اختيارية، يرجع إلى إرادة إيجاد ما في وسع المكلّف من المقدّمات و إن لم يكن ذلك مرادا من اللفظ، فإن صادف الأسباب الموجدة باقي الأمور الخارجة عن اختيار المكلّف فقد حصل الامتثال، و إلّا سقط الأمر، فالإيصاء بفعل الصلاة نيابة عنه يسقط معه الأمر بالصلاة على كلّ تقدير، سواء حصل من النائب أم لم يحصل.

و استدلّ جامع المقاصد على وجوب هذه الوصية- بعد نفي البعد عنه- بأنّ فيه دفعا لضرر العقاب عن نفسه (1).

و فيه: انّه إن أريد العقاب على ترك مباشرته حال الحياة، فمع انّه قد يفوت الواجب لعذر يسقط العقاب، أنّ العقاب على ترك المباشرة لا يندفع بالوصية. و إن أريد العقاب على ترك الوصية به فهو أوّل الكلام.

اللّٰهم إلّا أن يرجع إلى ما ذكرنا، و حاصله: أنّ إيجاد الفعل بالنائب لمّا كان بدلا عن الإيجاد مباشرة، و مرجع الأمر بالإيجاد بالنائب إلى حمل المكلّف على إعمال ما في قدرته من المقدّمات، و المفروض أنّه لا يقدر من ذلك إلّا على الإيصاء، كان الإيصاء مسقطا للتكليف و إن لم يحصل نفس البدل الواجب، و هو إيجاد الفعل بالنائب، فافهم.

و ربّما يستدلّ أيضا بعموم معاقد بعض الإجماعات الدالّة على وجوب الوصية لكلّ حقّ واجب.

____________

(1) جامع المقاصد 10: 120 و فيه: «و إيجاب ذلك ليس ببعيد، لان فيه توصلا إلى الإتيان بالواجب، و قال في مفتاح الكرامة 9: 462، بعد نقل عبارة جامع المقاصد:

«قلت: الدليل على ذلك ان دفع الضرر المظنون واجب فما ظنك بالمعلوم، لانه عالم بوجوبه و استحقاقه العقاب مع قدرته على براءة ذمته بالوصيّة».

164

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

165

مسألة [2] المشهور عدم وجوب الاستئجار للواجبات البدنية المحضة كالصلاة و الصوم إذا لم يوص بها

؛ للأصل، و عموم أدلّة الإرث و الوصيّة و الدين، فإنّ مقتضى أدلتها عدم مزاحمة الواجب البدني لها.

و حكي عن بعض الأصحاب القول بوجوب الإخراج (1)؛ لإطلاق الدين عليها في الأخبار المستفيضة (2) المقتضي لكونها من أفراده، أو ثبوت أحكامه لها.

و يؤيد ذلك ما ورد من تعليل إخراج حجّة الإسلام من أصل المال:

____________

(1) انظر الجواهر 28: 299.

(2) ستأتي في ما يلي.

166

بأنّها دين عليه (1) و في رواية أخرى صحيحة: أنّها بمنزلة الدين الواجب (2).

و لقوله (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): «دين اللّٰه أحقّ بالقضاء» (3).

و يرد على الأوّل: انّه إن أريد بالإطلاقات التشبيه و التنزيل، فلا يخفى على من تأمّل في تلك الروايات إرادة مجرّد اشتغال الذمّة بها، و لابدّية فعلها و الاستراحة منها، لا ثبوت جميع أحكام الدين المالي حتّى في وجوب إخراجه من الأصل.

و إن أريد بالإطلاقات الحقيقة، فيكون الدين اسما لمطلق الحقّ الثابت في الذمّة، فالكبرى- و هي أنّ كلّ دين يخرج من صلب المال- ممنوع، لأنّ المخرج من صلب المال ما كان من جنس المال، و الواجب البدني لا معنى لإخراجه من صلب المال، و إخراج أجرة الاستنابة مبنيّ على كون الدين هي الأجرة، و هو خلاف المفروض، إذ المفروض أنّ نفس الصلاة دين؛ لأنّه الواجب على الميّت دون بذل الأجرة.

و الضابط: أنّ الوجوب إذا تعلّق ببذل المال، كان المال الواجب بذله دينا، فيخرج من أصل التركة و يبذل، و إذا تعلّق بفعل بدنيّ فالدين نفس الفعل، و المفروض عدم قابليّته لأن يخرج من التركة و يستثنى من أدلّة الإرث، و كون أجرة أدائه دينا فرع وجوب بذلها؛ إذ المال ما لم يجب بذله لا يصير دينا، و وجوب بذل الأجرة في المقام عين المتنازع.

____________

(1) الوسائل 8: 52، الباب 29 من أبواب وجوب الحج، الحديث 2.

(2) الوسائل 8: 46، الباب 25 من أبواب وجوب الحجّ، الحديث 4.

(3) الذكرى: 75 في قضيّة الخثعميّة.

167

فإن قلت: [إنّ ذلك] (1) لما وجب على الميّت الإيصاء- كما تقدّم- و مرجعه إلى الأمر ببذل الأجرة للاستنابة.

قلنا: الموجب لصدق الدين هو وجوب البذل على الميّت، لا وجوب الأمر به عليه، بل إذا وجب الأمر بالبذل، يصير الأمر بالبذل واجبا مثل الصلاة، فصحّ إطلاق الدين عليه، فإذا تركه فقد فات، و إذا فعله فقد أدّى ما عليه.

و ممّا ذكرنا يظهر: أنّ كلّ من أطلق في فتواه أو معقد إجماعه «أنّ الواجب يخرج من الأصل» أراد به- بقرينة قوله: يخرج من الأصل:- الواجب القابل لإخراجه من مال الميّت بأن يكون نفس بذل المال أو متوقّفا عليه، و الصلاة عن الميّت في نفسها التي هي أداء دينها و فعل للنائب، ليس كذلك.

نعم الاستنابة للصلاة عن الميّت قابل لإخراجها من مال الميّت لتوقّفها على بذل المال، لكنّها ليست واجبة على الميّت، بل الواجب عليه الأمر بها، فما هو واجب في ذمّته غير قابل لإخراجه من المال، و ما هو قابل غير واجب، بل و كذا الكلام في قولهم: «إنّ غير الواجب يخرج من الثلث» فإنّ المراد به ما كان من الأمور الغير الواجبة الموصى بها قابلا للإخراج من المال، مثل الزيارة مستحبّة، لكن لو أوصى بنفسها بأن قال للوصي: زر عني، فهو بمنزلة قوله: صلّوا عني، لا يخرج من المال أصلا، بل يجب على الوصي مباشرتها إن فهم من الكلام.

و إن فهم إرادة مطلق التحصيل، جاز له الاستنابة من ماله، لا من مال

____________

(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في «ق».

168

الميّت، و هكذا قوله: صلّوا عني.

و أمّا إذا أوصى بالاستنابة من ماله، بأن أراد تحصيل الزيارة من ماله اخرج من ثلث ماله، كما لو أوصى بتحصيل الصلاة من ماله، إذ لا يجب على الميّت تحصيل الصلاة من ماله، بل الواجب عليه الأمر بالتحصيل، و قد فعله.

فهنا أفعال ثلاثة لأشخاص ثلاثة:

فعل النائب نيابة عن الميّت، و هو أداء لدينه.

و استنابة الوصي للنائب على الأداء، و هو التسبيب إلى أداء دين الميّت بماله.

و أمر الموصي للوصي بالاستنابة، و مرجعه إلى الأمر بالتسبيب.

و أمّا الواجبات الماليّة، ففعل الوصي هو بنفسه أداء للدين الواجب على الميّت، نظير فعل النائب في الواجب البدني، فليس هنا إلّا فعل الموصي، و هو الأمر بأداء الدين، و فعل الوصي، و هو أداء الواجب، فيؤدّى من أصل المال.

و أمّا الحجّ، فإن قلنا: إنّ الشرع جعله بمنزلة الدين، و نصّ على إخراج المال المتوقّف عليه من الأصل، فلا إشكال، فنحتاج في إلحاق غيره به إلى دليل يدلّ على أنّه أيضا بمنزلة الدين. و أخبار الدين قد عرفت أنّها على تقدير الحمل على التشبيه دون الحقيقة، لا يستفاد منها عموم التنزيل في جميع الأحكام.

و إن أردنا تطبيقه على مثال الدين دون مثال الصلاة، قلنا: إنّ الحجّ نفس الدين مثل الصلاة، لكن لمّا كان متوقّفا على بذل المال بخلاف الصلاة كان أمر الموصي بتحصيله مستلزما لإرادة بذل المال مقدّمة له، فقوله للوصي: حجّ عني، مستلزم لقوله: ابذل المال، فهو بمنزلة قوله: ابذل المال

169

للزكاة أو الخمس أو الكفّارة، إلّا أنّ الفرق كون وجوب البذل في الأمثلة نفسيا، و في مثال الحجّ مقدّميّا، و هو غير مؤثّر.

و يرد على الدليل الثاني: أنّ ظاهر الرواية كون حقّ اللّٰه تعالى أهمّ من حقّ الناس، مع أنّه خلاف الإجماع، و قد صرّح بعض من اختار خروج الواجب البدني الموصى به من الأصل بتقديم الواجب المالي كالدين عليه إذا دار الأمر بينهما، و بأنّه لو لم يوص بالواجب البدني لم يخرج من مال الميّت أصلا، بخلاف الدين (1) مع أنّ ظاهر روايتي تنزيل الحجّ منزلة الدين في الخروج من الأصل (2) أنّ الدين هو الأصل في ذلك. و حينئذ فلا بدّ من جعل التعليل في الروايتين من قبيل القضايا الخطابية، الّتي يحسن استعمالها في مقام الخطابة.

و حاصله- حيث وقع تعليلا لانتفاع الميّت بقضاء صومه و حجّه كما ينتفع بأداء دينه-: أنّه إذا كان إرضاء المخلوق بإعطاء حقّه موجبا لانتفاع الميّت في الآخرة، فإرضاء الخالق جلّ ذكره أولى بأن ينتفع به في تلك النشأة، و مثل هذا لا شكّ في وقعة في ذهن العوام [خصوصا النسوان] (3) نظير قوله (عليه السلام): «إنّ ربّ الماء ربّ الصعيد» (4).

و يرد على الثالث: أنّ الإطلاق مسوق لبيان حكم آخر، و هو أنّ مثل هذه الصلاة الفائتة ممّا يقضى في مقابل ما لا يقضى من الفوائت من غير إرادة

____________

(1) لم نعثر عليه.

(2) تقدّمتا في الصفحة: 165- 166.

(3) لم يرد في «ع» و «ص».

(4) الوسائل 2: 995، الباب 23 من أبواب التيمم، الحديث 6.

170

بيان عموم القاضي و المقضي و خصوصهما.

و يمكن أن يستدلّ بقوله (عليه السلام)- في الرواية المتقدّمة الواردة في أداء دين المقتول عمدا من ديته-: «أنّه أحقّ بديته من غيره» (1) فإنّ المراد من «الغير»: الوارث، فظاهر أحقّية الميّت بتركته من الوارث كما يقتضي إخراج دينه منها قبل الإرث، كذلك [يقتضي] (2) وجوب إخراج أجرة صلاته الفائتة و إبراء ذمّته منها.

و الإنصاف، أنّ المسألة محلّ إشكال، ممّا ذكر، و من عموم أدلّة الإرث و الوصيّة، و عدم نهوض ما ذكر مخصّصا لها، بل أدلّة الدين أيضا؛ بناء على أنّ اللازم من إخراج ما نحن فيه من الأصل مزاحمته [مع الدين، إلّا انّ بعض أهل هذا القول ادّعى الإجماع على تقديم الواجبات البدنيّة على الماليّة و عدم مزاحمتها] (3) لها (4).

____________

(1) لم تتقدم في هذه الرسالة، و لعلّها تقدمت في رسائل اخرى سبق من المصنف (قدّس سرّه) كتابتها.

(2) لم يرد في «ق».

(3) ما بين المعقوفتين لم ترد في «ص» و «ع»، و وردت العبارة في «ق» مبتورة في خلال بحث الوصايا بعد صفحتين كانتا بياضا.

(4) في «ص» و «ع» لهما. هذا و جاء في آخر «ص» و «ع» ما يلي: تمت و بالخير عمّت، هذا صورة ما كتبه المؤلف سلمه اللّٰه.

هذا آخر ما وجد من خطه الشريف (قدّس اللّٰه روحه) في الوصية مع كثرة الاغتشاش و الكتابة في الحواش بدون العلامة، و قد رتبتها بقدر فهمي القاصر آجرني اللّٰه بذلك كما غفر لاستادي المرحوم أعلى اللّٰه مقامه.