رسالة قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده»

- السيد علي الموسوي القزويني المزيد...
53 /
181

[تمهيد]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى اللّه على محمّد و آله الطّاهرين و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

و بعد، فاعلم أنّ من القواعد الفقهيّة المتكرّرة ذكرها في كلام فقهاء أصحابنا (رضوان اللّه عليهم) في جملة من أبواب العقود، قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، أو كلّ ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، أو كلّ عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، على اختلاف تعبيراتهم عن موضوع القضيّة.

و لقد شاع ذكرها في عداد أدلّة ضمان المشتري فيما قبضه ما ابتاعه بالعقد الفاسد، بناء منهم على كون الضمان المسبّب عن القبض المترتّب على العقد الفاسد من جزئيّات هذه القاعدة، و تنعكس على طريقة العكس المستوي بأنّ ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده.

و في كلام بعض مشايخنا قدّس أسرارهم: أنّ هذه القاعدة أصلا و عكسا لم أجدها بهذه العبارة في كلام من تقدّم على العلّامة، إلّا أنّها تظهر من كلمات الشيخ في المبسوط، فإنّه علّل الضمان في غير واحد من العقود الفاسدة بأنّه دخل على أن يكون المال مضمونا عليه، و حاصله: أنّ قبض المال مقدما على ضمانه بعوض واقعيّ أو جعليّ موجب للضّمان، و هذا المعنى يشمل المقبوض بالعقود الفاسدة التي تضمن بصحيحها. و ذكر أيضا في مسألة عدم الضمان في الرهن الفاسد: أنّ صحيحه لا يوجب الضمان فكيف يضمن بفاسده؟ و هذا يدلّ على العكس المذكور، و لم أجد من تأمّل فيها عدا الشهيد في المسالك، فيما لو فسد عقد السبق

182

فهل يستحقّ السابق اجرة المثل أم لا (1) انتهى.

ثمَّ إنّ عباراتهم مختلفة في الجمع بين الأصل و العكس و الاقتصار على الأصل فقط، و لقد اقتصر على الأصل فقيه عصره الشيخ جعفر النجفي (قدّس سرّه) (2) في شرحه للقواعد مدّعيا عليه الإجماع، و قيل نحوه السيد (رحمه اللّه) في الرياض (3) على ما في بعض نسخه، و في النسخة الأخرى جمع بينه و بين العكس واصفا له أوّلهما بالمشهوريّة.

و ممّن جمع بينهما المحقّق الأردبيلي مدّعيا للشّهرة فيهما، و لكنّه تنظّر فيهما معا (4).

و قد جمع بينهما أيضا ثاني الشهيدين في المسالك في شرح مسألة المقبوض بالعقد الفاسد قائلا: و من القواعد المقرّرة في هذا الباب أنّ كلّ عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، و ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده (5).

و ذكرهما أيضا في باب الرهن في مسألة: ما لو رهنه الرهن على الدين المؤجّل و شرط له أنّه إن لم يؤدّ الدين في ذلك الأجل يكون الرهن مبيعا له بالدين، أو بقدر مخصوص، مستدلّا بهما على عدم الضمان في الرهن المفروض و على الضمان في البيع المشروط بعدم أداء الدين في مدّة الأجل، بعد حكمه بفسادهما معا، حيث قال- بعد تحرير المسألة على الوجه المذكور-: فإنّه لا يصحّ الرهن و لا البيع، أمّا الرهن فلأنّه لا يوقّت إلّا بالوفاء، و أمّا البيع فلأنّه لا يعلّق- إلى أن قال:- فلو قبضه المرتهن على هذا الوجه ضمنه بعد الأجل لا قبله، لأنّه في مدّة الأجل رهن فاسد و بعده مبيع فاسد، و فاسد كلّ عقد يتبع صحيحه في الضمان و عدمه، فحيث كان صحيح الرهن غير مضمون كان فاسده كذلك، و حيث كان صحيح البيع مضمونا على المشتري ففاسده كذلك، ثمَّ خصّ عدم الضمان

____________

(1) المكاسب 7: 144- 145.

(2) شرح قواعد الأحكام: الورقة 35 (مخطوط).

(3) الرياض: 1: 517 (حجرية)

(4) مجمع الفائدة و البرهان 8: 192.

(5) المسالك 3: 154.

183

بالقياس إلى الرهن المحكوم عليه بالفساد بما لو كان الدافع و القابض عالمين بالفساد أو جاهلين به، أو كان الدافع عالما و القابض جاهلا، و استشكل عدم الضمان في عكس هذه الصورة تعليلا بأنّ القابض أخذه بغير حقّ، و الدافع توهّم اللزوم، و إلّا لما رضي بدفع ماله، فينبغي أن يكون مضمونا، ثمَّ قال: إلّا أنّ الأصحاب و غيرهم أطلقوا القول في هذه القاعدة، و لم يخالف فيها أحد (1).

و الظاهر رجوع نفيه الخلاف إلى العكس، إلّا أنّ الأصل بمقتضى كلامه أولى بعدم الخلاف فيه، لما عرفت عن الشيخ المتقدّم ذكره من دعوى الإجماع عليه.

و من مشايخنا من قال: و الظاهر أنّ أصل هذه القاعدة إجماعيّة، و أمّا عكسها ففيه خلاف (2).

و كيف كان فتمام البحث في تحقيق هذه القاعدة أصلا و عكسا يقع في مقامين:

المقام الأوّل

في بيان معنى هذه القاعدة بالتعرّض لذكر معاني مفردات القضيّة.

[موضوع القضيّة هو العقد]

فنقول: ينبغي القطع بكون موضوع القضيّة هو العقد، لكون عباراتهم بين صريحة و ظاهرة في ذلك، و من الصريحة ما عرفت من عبارة المسالك و غيرها، و هو المراد من لفظة «ما» حيث عبّر بها، سواء كانت موصولة أو موصوفة.

و ربّما احتمل فيها وجوه أخر، مثل كونها عبارة عن درك المال عند خروجه مستحقّا للغير، مبيعا كان أو ثمنا، فيكون المعنى: كلّ درك يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.

أو كونه عبارة عن جنس مال مخصوص، فيكون المعنى: كلّ جنس يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.

أو كونه عبارة عن مقدار المال، فيكون المعنى: كلّ مقدار من المال يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.

____________

(1) المسالك 4: 55- 56.

(2) لم نقف على قائله، انظر الجواهر 22: 259.

184

أو كونه عبارة عن المال المسمّى في العقد، ثمنا أو مثمنا، جنسا و مقدارا.

أو كونه عبارة عن خصوص الثمن المسمّى، أو عن المثمن المسمّى، أو عن أبعاض العوض و المعوّض، في بيع أو إجارة أو غيرهما، فيكون المعنى: أنّ الأبعاض مضمونة في الفاسد كما أنها مضمونة في الصحيح، كأبعاض المبيع و الثمن، و أبعاض المنفعة و الأجرة.

أو كونها عبارة عن المهر المسمّى أو عن مطلق المهر، بالمعنى الدائر بين المسمّى و مهر المثل في عقد النكاح، ليكون المعنى: أنّ المسمّى في العقد أو مطلق المهر مضمون في النكاح الفاسد كما أنّه مضمون في الصحيح.

و لقد أشار إلى هذه الوجوه أو أكثرها في العناوين (1) و كلّها واضح الضعف، لما عرفت من كون عباراتهم بين صريحة و ظاهرة في إرادة العقد لا غير، مع أنّ المتّصف بالصحّة و الفساد هو العقد لا غيره، لعدم صحّة وصف شيء من الوجوه المحتملة بهما.

و لو سلّم فليس مرادهم في القضيّة بهما ما يرجع إليها جزما، و حينئذ لا يصحّ عود الضمير المجرور في صحيحه و فاسده إلى الموصول، إلّا بارتكاب نوع من الاستخدام بإرادة العقد من الضمير على خلاف ما أريد من المرجع، و هذا كما ترى تجوّز لا داعي إلى ارتكابه بعد قيام وجه صحيح في الموصول، و هو جعله كناية عن العقد.

هذا مضافا إلى حزازات أخر يستلزمها الوجوه المذكورة، كما تظهر بأدنى تأمّل، مثل أنّ المضمون في فاسد النكاح ليس هو المهر المسمّى، بل مهر المثل، و في فاسد البيع ليس خصوص الثمن أو المثمن المسمّى، بل العين إن كانت باقية أو المثل أو القيمة إن كانت تالفة، و هكذا في كثير من الوجوه.

فالمتعيّن هو ما ذكرناه من كون موضوع القضيّة هو العقد.

____________

(1) العناوين 2: 458- 465.

185

ثمَّ

العموم المستفاد من كلمة «ما» أو لفظة «كلّ»

إمّا أن يعتبر بالإضافة إلى خصوص الأنواع، ليكون أفراده مثل البيع و الصلح و الإجارة و غيرها، أو بالإضافة إلى خصوص الأصناف، أو بالإضافة إلى خصوص الأشخاص، أو بالإضافة إلى مصاديق مفهوم العقد، و هو ما يتوقّف على رضا الطرفين، أنواعا كانت أو أصنافا، بلا اعتبار خصوص النوع و لا الصنف و لا الشخص، احتمالات، أظهرها بالنظر إلى كلمات الأصحاب، بل أصحّها بالنظر إلى الفروع المتفرّعة على القاعدة أخيرها.

و من مفاسد الاحتمال الأوّل لزوم عدم اندراج الصلح و الهبة و العارية في محلّ الفساد في القاعدة، فإنّ شيئا من هذه العقود بنوعه لا يقتضي ضمانا لو كان صحيحا فضلا عمّا لو كان فاسدا.

أمّا الصلح فلأنّه قد لا يفيد إلّا فائدة الهبة الغير المعوّضة أو إبراء الذمة، و هو المسمّى عندهم بالمصالحة الحطيطيّة، و إنّما الموجب للضمان صنف منه، و هو ما اشتمل على المعاوضة، و هذا الصنف إذا وقع فاسدا ففيه الضمان، كما أنّ في صحيحه الضمان.

و أمّا الهبة فلأنّها في غالب مواردها تفيد التمليك المجّاني، و إنّما الموجب للضمان صنف منها و هو الهبة المعوّضة، و هذه إذا وقعت فاسدة توجب الضمان، كما أنّ صحيحها يوجبه.

و أمّا العارية فلأنّها في أصل وضعها من الأمانات، و من حكمها أن لا ضمان فيها على تقدير التلف من غير تعدّ و لا تفريط، و إنّما توجبه بالدليل في الذهب و الفضّة، و هي صنف منها، فهذه الأصناف من الأنواع المذكورة ينبغي دخولها صحيحة و فاسدة في القاعدة، و قضيّة الفرض خروجها.

و من مفاسد الاحتمال الثاني خروج بيع الخمر و الخنزير و ما لا ينتفع به و غيره عن القاعدة، إذ ليس لهذا الصنف فرض صحّة و لا فرد صحيح، ليصدق عليه ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، مع أنّ ظاهرهم في التفريعات الدخول.

و من مفاسد الاحتمال الثالث خروج ما لو استأجر بشرط أن لا اجرة أو باع

186

بلا ثمن، لأنّه شخص فاسد، و لا يتصوّر له من حيث الشخصيّة فرض صحّة، بل المتّصف بالصحّة شخص آخر، فلا يصدق عليه ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، مع أنّ ظاهر عباراتهم الدخول، بل عن الشهيدين (1) في الأوّل اختيار الضمان، و قيل: إنّه في الثاني أحد وجهي العلّامة في القواعد (2) بخلاف رابع الاحتمالات، لأنّ من ثمراته شمول القاعدة لجميع المسائل المذكورة في المقامات الثلاثة، لأنّ كلّا منها عقد له باعتبار نوعه أو صنفه بالفعل صحيح و فاسد.

و خلاصة هذا الاعتبار حسبما قرّرناه أنّ العقد بمفهومه عبارة عمّا يتوقّف على رضا الطرفين، و العامّ باعتبار هذا المفهوم المعرّى عن ملاحظة خصوص النوع و الصنف و الشخص يتناول كلّا من أنواع العقود و أصناف كلّ نوع و أشخاص كلّ نوع و صنف، فرجع الكلام إلى أن يقال: إنّ موضوع القضيّة- كما حقّقه بعض مشايخنا (3)- العقد الذي له بالفعل بنوعه أو صنفه صحيح و فاسد، فيصير معنى القاعدة في التقدير كلّ عقد يضمن بصحيحه باعتبار نوعه أو صنفه يضمن بفاسده.

و من ذلك ينقدح بطلان ما ربّما احتمل في العبارة أن يكون معناه أنّ كلّ شخص من العقود يضمن به لو كان صحيحا يضمن به مع الفساد، و فرّع عليه عدم الضمان في مسألتي الإجارة بشرط عدم الأجرة و البيع بلا ثمن.

و وجه البطلان ما عرفت من أنّ الموضوع هو العقد الذي وجد له بالفعل صحيح و فاسد، و لا يكون كذلك إلّا إذا اعتبر بنوعه أو صنفه، بخلاف ما لو اعتبر باعتبار الشخص فإنّه يصحّ في تقدير و يفسد في آخر، لا أنّه وجد له بالفعل صحيح و فاسد، و إطلاق الصحيح و الفاسد في القضيّة ظاهر في ذلك، لا في التقدير و الفرض.

و عليه فالمتّجه في المسألتين بعد ثبوت القاعدة هو الضمان، لوجود الصحيح بالفعل لنوع كلّ منهما.

فإن قلت: لعلّ النظر في احتمال المعنى المذكور و مبنى تفريع عدم الضمان

____________

(1) المسالك 5: 184.

(2) انظر المكاسب 7: 155.

(3) المكاسب 7: 155.

187

عليه في نحو المسألتين إلى عدم جريان ما استدلّ بعضهم على القاعدة، بأنّه أقدم على أن تكون العين مضمونة عليه فيهما، لوضوح عدم إقدام المستأجر على أن تكون المنفعة مضمونة عليه، و لا البائع على أن يكون المبيع مضمونا عليه لمكان شرط عدم الأجرة و عدم الثمن.

قلت: هذا بحث في دليل القاعدة، و غايته كونه أخصّ موردا منها، و كلامنا الآن في تحقيق معناها، و لعلّ عليها دليلا آخر يعمّ نحو المسألتين.

لا يقال: قضيّة ما ذكرته في توجيه موضوع القاعدة لزوم التفكيك بين صحيح العقد و فاسده، و مرجعه إلى التفكيك بين مقدّم القضيّة و تاليها، بجعل الأوّل عبارة عن نوع العقد أو صنفه، و الثاني عبارة عن صنف العقد قبالا للنوع أو شخصه قبالا له أو للصنف، فيكون التقدير في حاصل المعنى: أنّ ما يضمن بصحيحه نوعا أو صنفا يضمن بفاسده صنفا أو شخصا، و هذا خلاف ظاهر القضيّة.

لأنّا نقول: هذا اختلاف بين الصحيح و الفاسد في موردي الصحّة و الفساد في الشرط و الجزاء، و لا محيص عنه، بل لا بدّ من التزامه، و إلّا لزم خروج القاعدة بلا مورد، و ذلك أنّ الفساد في العقد لا يكون إلّا لفوات شرط من شروط الصحّة، سواء رجعت إلى نفس العقد و هو الصيغة، أو إلى المتعاقدين، أو إلى العوضين. و ظاهر أنّ ما انتفى فيه شرط الصحّة لا يكون إلّا صنفا فلا يتصوّر له فرد صحيح، أو شخصا فلا يتصوّر له فرض صحّة، فلا بدّ و أن يعتبر الصحيح المقابل للأوّل نوع العقد، و الصحيح المقابل للثّاني نوعه أيضا أو صنفه، هذا.

ثمَّ إنّ العقد على ما عرفت عبارة عمّا يتوقّف على رضا الطرفين، و هو على قسمين:

أحدهما: ما كان بحسب الأصل و الوضع الشرعي عقدا لا غير، و هو الغالب.

و الثاني: ما كان بحسب الأصل و الوضع إيقاعا، و لكن ينقلب بنحو من الاعتبار عقدا، كالطلاق الذي هو بحسب ذاته إيقاع، و في الخلع ينقلب عقدا لتوقّفه على رضا الطرفين، و العتق الذي هو أيضا إيقاع لأنّه فكّ ملك، و في

188

المكاتبة ينقلب عقدا لتوقّفها أيضا على رضا الطرفين، حتى أنّه يعتبر فيها إيجاب و قبول، و ظاهر إطلاقهم دخولهما معا في العنوان.

[الكلام في جملة ما يضمن]

ثمَّ إن أخذ جملة يضمن صلة أو صفة يعطي أنّ موضوع القاعدة يعتبر فيه كونه موجبا للضّمان، فيخرج به ما لا ضمان فيه أصلا، كالعقود المجّانيّة كالهبة، و عقود الأمانات كالوكالة و الرهانة و الوديعة و المضاربة بالقياس إلى رأس المال، و العارية الغير المضمونة في غير الذهب و الفضّة، و الإجارة بالقياس إلى العين المستأجرة، و إن دخلت هي بالقياس إلى المنفعة و الأجرة، إذ لا منافاة بين دخول شيء من جهة و خروجه من جهة أخرى.

و إطلاق الضمان المعتبر مع الموضوع يعمّ ما لو كان مبنى العقد بحسب الوضع الشرعي على التعويض كعقود المعاوضة، أو لا كعارية الذهب و الفضّة. هذا مع إشكال في دعوى هذا الإطلاق مرجعه إلى تطرّق المنع إلى اندراج عارية الذهب و الفضّة في القاعدة، و سنبيّن وجهه عند الكلام في معنى عكس القاعدة.

نعم أخذ ذلك القيد مع الموضوع يدلّ أيضا على أنّه يعتبر فيه كون مورد العقد في الصحيح و الفاسد معا محلّا للضمان، بأن يكون مالا، لعدم تعلّق الضمان بغير المال، فيخرج بذلك ما لو باع خمرا أو خنزيرا و ما أشبه ذلك ممّا لا ماليّة فيه بعوض ماليّ، فإنّه فاسد و لا ضمان فيه على المشتري، لعدم كون ما قبضه من المبيع محلّا له، نعم يضمن فيه البائع بقبضه الثمن.

فهذه المسألة و نظائرها ممّا يدخل في عنوان القاعدة من جهة البائع و يخرج من جهة المشتري، و لا منافاة أيضا لتعدّد الجهة، و لا ينتقض القاعدة بخروجه، لكونه خروجا موضوعيّا حسبما بيّناه. و ظاهر الضمان المأخوذ مع الموضوع إنّما هو الضمان بحسب الفعل بعد إحراز قابليّة المحلّ، و هو ما لم يطرأ المحلّ القابل له ما يسقطه، كما لو باع الناقص من الصبي أو المجنون مع كون المشتري كاملا فإنّه فاسد و يضمن فيه المشتري، و لكن لا يضمن فيه البائع، لطروّ المسقط للضمان، و هو الإقدام على إسقاط احترام المال، فإنّ المشتري بدفعه الثمن إلى الصبي

189

أو المجنون أقدم على ذلك، فلو تلف في يدهما حينئذ لا ضمان عليهما، و مرجعه إلى أنّ المالك بنفسه أقدم على إتلاف ماله.

و هذه المسألة و نظائرها أيضا باعتبار أحد طرفي العقد خارجة عن عنوان القاعدة، و إن دخلت باعتبار الطرف الآخر و خروجها بالاعتبار الأوّل غير قادح، لكونه موضوعيّا، و نحوه في عدم القدح ما لو وقع العقد بين ناقص و كامل على خمر أو خنزير بعوض ماليّ من الكامل فإنّه فاسد، و لا ضمان فيه على المتعاقدين، و خروجه عن القاعدة موضوعيّ باعتبارين.

ثمَّ الضمان لغة التزام المال، يقال: ضمنت المال، أي التزمته، و قد يتعدّى بالتضعيف، فيقال: ضمّنته المال، أي ألزمته إيّاه، و في لسان الفقهاء يطلق على معان:

منها: التعهد بمال من غير مشغول بمثله، و هو بهذا المعنى عقد مخصوص مقرّر في محلّه، و يقال له: الضمان بالمعنى الأخصّ، و قد يطلق على ما يعمّه و الكفالة و الحوالة، فيعرّف بالتعهد بمال أو نفس، و يعمّم التعهد بالمال بالقياس إلى ما يكون من مشغول بمثله و هو الحوالة، و ما يكون من غير مشغول بمثله و هو الضمان بالمعنى الأخصّ.

و منها: اشتغال الذمة بمثل مال أو قيمته، كما في ضمان الإتلاف، يقولون: من أتلف مال الغير فهو ضامن، أي يشتغل ذمّته بمثل المال المتلف إن كان مثليّا أو قيمته إن كان قيميا.

و منها: وجوب ردّ مال مخصوص بعينه أو مثله أو قيمته، كما في ضمان الغصب، يقال: الغاصب ضامن، أي يجب عليه ردّ عين ما غصبه إن كانت موجودة، أو ردّ مثله في المثلي أو قيمته في القيمي إن كان تالفا.

و منها: الذهاب عن المالك، كما في تلف المبيع بالمعنى الأعمّ من الثمن قبل القبض، يقولون: إنّه في ضمان البائع أو المشتري، أي يذهب من ماله إذا تلف.

و منه قولهم في أحكام القبض: إنّه يوجب انتقال الضمان من البائع إلى

190

المشتري، أي كما أنّ المبيع إذا تلف قبل القبض يذهب من مال بائعه و يكون خسارته عليه، فكذلك بعد القبض يذهب من مال المشتري و يكون الخسارة عليه، فذهابه قبل القبض من مال البائع و بعده من مال المشتري انتقال للضمان، بمعنى الذهاب عن المالك من البائع إلى المشتري، و قد أوجبه القبض.

و أمّا الضمان في عنوان هذه القاعدة فيظهر من مطاوي كلماتهم وقوع الخلاف في المعنى المراد منه، مع نوع اختلال و اضطراب في بعض العبارات. و منه عبارة الرياض حيث قال- بعد ذكر القاعدة-: و معناها أنّه كما يضمن المشتري مثلا بصحيحه لو فات في يده- بمعنى أنّه يذهب من ماله و يلزم عليه إيصال الثمن إلى البائع- كذلك يضمن بفاسده، و يلزم عليه ردّ المبيع و إيصاله إلى البائع مع نمائه (1).

و فيه: أنّ مبنى التفسير إن كان على أخذ الضمان بالمعنى الأخير و هو الذهاب عن المالك كما هو صريح قوله: «بمعنى أنّه يذهب من ماله» فيرد عليه لزوم التفكيك بين الضمان المأخوذ في مقدّم القضيّة و المأخوذ في تاليها، لعدم صحّة حمل الثاني على إرادة هذا المعنى، ضرورة أنّ المقبوض بالعقد الفاسد لو فات في يد المشتري لم يذهب من ماله، غاية الأمر أنّ ردّ العوض مثلا أو قيمة يلزم في ماله.

مع أنّه لو صحّ الحمل على هذا المعنى بنحو من التأويل لم يتحمّله صريح العبارة، لمكان قوله: «كذلك يضمن بفاسده، و يلزم عليه ردّ المبيع و إيصاله إلى البائع مع نمائه» فإنّه صريح في كون الضمان في العقد الفاسد عبارة عن وجوب ردّ المبيع إلى البائع.

هذا، مع ما فيه من حزازة أخرى، و هو أنّ الغرض الأصلي من تأسيس القاعدة إفادة الضمان في صورة التلف، و لا يكون إلّا في المثل أو القيمة، و العبارة غير متعرّضة لبيانها.

و إن كان على أخذه بمعنى وجوب الرد ففيه:

____________

(1) الرياض 1: 517.

191

أوّلا: خروج اعتبار فوات المبيع في يد المشتري و ذهابه من ماله لغوا، و خلوّه عن الفائدة، لأنّ قضيّة العقد الصحيح وجوب ردّ الثمن و إيصاله إلى البائع، فات المبيع في يده و ذهب من ماله أولا.

و ثانيا: لزوم نحو من التفكيك أيضا بين المقدّم و التالي بالنسبة إلى متعلّق الضمان، لكونه في الأوّل هو الثمن و في الثاني المبيع.

فالأولى في توجيه القاعدة و أصحّ محامل الضمان المأخوذ فيها هو أن يؤخذ الضمان في المقدّم و التالي معا، بمعنى وجوب الرد، و يجعل متعلّقه العوض، و يعمّم فيه بالنسبة إلى العوض الجعلي، و هو المسمّى ثمنا و مثمنا و غيرهما، و العوض الواقعيّ مثلا أو قيمة كذلك.

فيكون حاصل المعنى: أنّ كلّ عقد يجب بصحيحه ردّ العوض- تلف المعوّض في يده أو لم يتلف- يجب بفاسده أيضا ردّ العوض، على تقدير تلف المعوّض، فيراد بالضمان في كلّ من المقدّم و التالي وجوب ردّ العوض بالمعنى العامّ الجامع للجعلي و الواقعي، بلا اعتبار خصوص الجعليّة و الواقعيّة، غاية ما هنالك أنّه باعتبار الخارج يتحقّق في العقد الصحيح في ضمن الجعلي و في الفاسد في ضمن الواقعي.

لا يقال: هذا التوجيه بالقياس إلى تألى القضيّة لا يخلو عن إهمال، لأنّ الذي يجب ردّه أصالة في المقبوض بالعقد الفاسد إنّما هو العين، و إنّما يعدل إلى العوض مثلا أو قيمة على تقدير التلف لا مطلقا، و العبارة غير متعرّضة لبيانه، لأنّ القاعدة مسوقة لبيان الضمان في صورة التلف، و وجوب ردّ العين على تقدير وجودها معلوم بالضرورة، أو أنّه يعلم من القاعدة، على تقدير مساعدة الدليل عليها بالفحوى و طريق الأولويّة.

نعم يبقى

الكلام في توجيه كلمة «با» [في «بصحيحه»]

فإنّها تحتمل الظرفيّة و السببيّة و إن كان الأظهر هو الأوّل، فيكون التقدير: كلّ عقد يجب في صحيحه ردّ العوض يجب في فاسده أيضا ردّ العوض، و على الثاني يصير المعنى: كلّ عقد يجب ردّ العوض

192

بسبب صحيحه يجب ردّ العوض أيضا بسبب فاسده.

و قد يمنع ذلك استنادا إلى أنّ سبب الضمان في صورة الصحّة و إن كان هو العقد إلّا أنّه في صورة الفساد ليس هو العقد، لأنّ فساد العقد عبارة عن أنّه لا تأثير له، فالضمان فيه مترتّب على القبض، فهو السبب لا العقد.

و يمكن دفعه: بتصحيح اعتبار السببيّة في الفاسد أيضا، بتقريب أنّ الضمان و إن كان مترتّبا على القبض إلّا أنّ القبض أيضا بحسب الخارج مترتّب على العقد، لأنّه لولاه لم يحصل الإقباض و القبض، فالعقد حينئذ سبب بالواسطة، مع أنّ القبض بانفراده ليس علّة تامّة لضمان المثل أو القيمة، بل العلّة له هو التلف، أو أنّه الجزء الأخير من العلّة، الذي يصحّ إسناد المعلول إليه و إلى تمام العلّة، على أنّ لك أن تقول: إنّ العلّة التامة هو المجموع من العقد و القبض و التلف، فإن صحّ إسناد الضمان إلى القبض باعتبار أنّه جزء العلّة صحّ إسناده إلى العقد باعتبار أنّه جزؤها أيضا، فمعنى السببيّة متحقّق في صحيح العقد و فاسده، كما أنّ معنى الظرفيّة متحقّق فيهما. و إن شئت قلت: إنّ السببيّة في الصحيح شرعيّة، و في الفاسد عرفيّة.

و بجميع ما قرّرناه يندفع ما قيل: من أنّ قولهم كلّما يضمن بصحيحه يخالف قولهم يضمن بفاسده بحسب المعنى، لوجهين:

الأوّل: أنّ المضمون عليه في الأوّل هو المسمّى، و في الثاني نفس العين أو عوضها الواقعي من المثل أو القيمة على تقدير التلف.

الثاني: إنّ سبب الضمان في الأوّل نفس العقد، و في الثاني القبض، إذ المفروض أنّ العقد لفساده لا تأثير له أصلا، فيبقى حكم الضمان ناشئا عن القبض فقط، هذا كلّه في أصله القاعدة.

[المقام الثاني: في بيان معنى عكس القضية]

و أمّا عكسها (1) و هو «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده» فنقول: إنّ أجزاء القضيّة هنا كما في الأصل من كون كلمة «ما» كناية عن العقد، و الضمان عبارة عن وجوب ردّ

____________

(1) الظاهر أنّ هذا هو ثاني المقامين، تقدم أوّلهما في ص 183.

193

العوض، و الباء ظرفيّة أو سببيّة على قياس ما سبق في الأصل، حتى أنّ عدم الضمان هنا في جانب الفاسد أيضا مفروض في صورة التلف، كما أنّ الضمان في الفاسد من الأصل مفروض في صورة التلف، بخلافه في الصحيح منه، لعدم كون ثبوته فيه منوطا بتلف المعوّض، كما نبّهنا عليه سابقا.

و كذلك عدم الضمان في الصحيح من العكس أيضا ليس منوطا بتلف، بل يكفي فيه انتفاء التعويض في العقد، و عدم كون بنائه في الشرع على المعاوضة، فيكون المعنى: كلّ عقد لا يجب في صحيحه أو بسبب صحيحه ردّ عوض لا يجب في فاسده أو بسبب فاسده أيضا ردّ عوض على تقدير التلف.

و بالتأمّل في ذلك ظهر اختصاص الأصل بعقود المعاوضات، و اختصاص العكس بغيرها من عقود الأمانات، و العقود المجانيّة كعقد الوكالة و الرهانة و الوديعة و المضاربة و العارية و الإجارة بالقياس إلى العين المستأجرة، فإنّه ذو جهتين، فبالنسبة إلى المنفعة و الأجرة معاوضة، و بالنسبة إلى العين المستأجرة أمانة.

لا يقال: قضيّة اختصاص عكس القاعدة بالأمانات خروجه بلا مورد، لأنّ من حكم الأمانة في جميع مواردها على ما حقّق في مظانّها الضمان بالتلف الناشئ من التعدّي أو التفريط، من غير فرق بين صحيحها و فاسدها، فلا يصدق عليها حينئذ ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده، لفرض ثبوت الضمان في كلّ من الصحيح و الفاسد.

لأنّا نقول: إنّ المراد من عدم الضمان في عنوان العكس إنّما هو نفي الضمان في صورة التلف من غير تعدّ و لا تفريط، فإنّ من حكم الأمانة أيضا أنّ التلف من غير تعدّ و تفريط في صحيحها لا يوجب ضمانا، فكذلك في فاسدها إن ساعد عليه دليل، فإنّ ذلك هو القاعدة المبحوث عنها في جانب العكس المفتقر إقعادها إلى الدليل، كما أنّ الأصل أيضا كذلك.

فإنّ القاعدة المبحوث عنها في قولهم: «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» المفتقرة إلى إقامة الدليل عليها إنّما هو إثبات الضمان بالعوض مثلا أو قيمة عند

194

التلف في فاسد عقود المعاوضة، و أمّا صحيحها فيكفي في ثبوت الضمان بالعوض مع التلف و مع عدمه فيه فرض كونه معاوضة، و أدلّة صحّة العقد المتضمّن لها، و كذلك الحال في عقود الأمانات، فإنّ عدم الضمان بالعوض في صحيحها يكفي فيه مجرّد فرض عدم بنائها على التعويض، و نفس الأدلّة الدالّة على صحّة تلك العقود، و كون العين التي هي موردها أمانة في يد قابضها و المتصرّف فيها، مع الأدلّة المتكفّلة لبيان أنّ من حكم الأمانة أنّها غير مضمونة مع التلف من غير تعدّ و لا تفريط.

و إنّما المحتاج إلى دليل آخر غير هذه الأدلّة إنّما هي نفي الضمان في فاسدها مع التلف على الوجه المذكور، ليكون ذلك قاعدة كلّية مطّردة في جميع موارد فاسد ما هو من قبيل الأمانات في صورة الصحّة، حيث لا قاضي بكون العين المقبوضة مع فساد العقد أمانة، فلا يشملها الأدلّة الموجودة في صورة صحّة العقد الدالّة على كون العين المقبوضة أمانة غير مضمونة مع التلف من غير تعدّ و تفريط.

و بالتأمّل في هذا التحقيق ينقدح أنّ ما عن الفاضلين (1) و ثاني الشهيدين (2) في مسألة عارية الصيد الذي استعاره المحرم من المحل التي هي من العارية الفاسدة من التأمّل فيما حكم به الأصحاب من ضمان المحرم قيمة الصيد للمحل، نظرا إلى أنّ العين في صحيح العارية غير مضمونة فوجب أن لا تكون مضمونة في فاسدها أيضا، ليس على ما ينبغي، لأنّ العين في صحيح العارية مضمونة مع التلف عن تعدّ أو تفريط، فكيف بالإتلاف الذي هو أشدّ منهما؟

و الضمان المحكوم به في مسألة استعارة المحرم للصّيد مع فساد العارية المفروضة إنّما هو للإتلاف الذي هو في صحيح العارية أيضا موجب للضّمان، لما ذكروه في حكم هذه المسألة من أنّ المحرم بعد استعارة الصيد يحرم عليه إمساكه و يجب عليه إرساله، و إذا أرسله يضمن قيمته لمالكه. و لا ريب أنّ الإرسال إتلاف،

____________

(1) الموجودة في كتبهما «القول بالضمان» و نقل الاشكال عنهما في الجواهر 27: 165.

(2) المسالك 5: 139- 140.

195

و هو موجب للضّمان في الصحيح و الفاسد معا، و لا كلام فيه.

و المراد من عدم الضمان في قاعدة ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده إنّما هو نفي الضمان في صورة التلف مع انتفاء الأمرين من التعدي و التفريط لا مطلقا.

و قد يعتذر للحكم بالضمان في المسألة المذكورة، دفعا للمناقشة المشار إليها في بيان وجه تأمّل الجماعة، بأنّ وجه ضمانه بعد البناء على أنّه يجب على المحرم إرساله و أداء قيمته أنّ المستقرّ عليه قهرا بعد العارية هي القيمة لا العين، فوجوب دفع القيمة ثابت قبل التلف بسبب وجوب الإتلاف الذي هو سبب لضمان ملك الغير في كلّ عقد لا بسبب التلف.

و الفرق بينه و بين ما ذكرناه أنّ استقرار القيمة عليه على ما ذكرناه يستند إلى الإتلاف، و هو الظاهر من كلام الأصحاب و على ما سمعت إلى وجوبه.

و يظهر فائدة الفرق فيما لو ردّه بعد القبض إلى المالك و لم يرسله، فإنّ اللازم على ما ذكر بقاء ضمان القيمة، و هو مع بطلانه في نفسه لاستلزامه الجمع بين العوض و المعوّض ممّا لا يظنّ بأحد من الأصحاب القول به، بل صريح بعض عباراتهم خلافه.

قال في التذكرة: إنّ المحرّم إذا قبضه من المالك وجب عليه إرساله و ضمن للمالك قيمته، و أنّه إن ردّه على المالك ضمن للّه تعالى الفداء و سقط عنه القيمة للمالك (1).

إلّا أن يقال: إنّ وجوب دفع القيمة بسبب وجوب الإتلاف مراعى بإرسال الصيد و عدم ردّه إلى المالك، فإذا ردّه إليه سقط.

و لا يستفاد من عبارة التذكرة و غيرها أيضا ما يخالف ذلك.

و كيف كان فالوجه استناد الضمان و استقرار القيمة عليه إنّما هو إلى نفس الإتلاف لا وجوبه، إذ لولاه لا قاضي بالضمان أصلا، و وجوب الإتلاف لا يلازمه عقلا، بل ربّما يساعد الاعتبار من جهته على عدمه.

____________

(1) التذكرة 2: 209 (حجرية).

196

ثمَّ إنّ قضيّة ما نبّهنا عليه من كون الإجارة بالنسبة إلى العين المستأجرة من قبيل الأمانات عدم الضمان و عدم وجوب ردّ العوض عن العين في الإجارة الصحيحة مع وجود العين و مع تلفها من غير تعدّ و تفريط، أمّا الأوّل فلعدم بناء العقد بالنسبة إليها على التعويض و المعاوضة، و أمّا الثاني فلأنّ من حكم الأمانة عدم الضمان كما عرفت سابقا.

و أمّا الإجارة الفاسدة مع تلف العين من غير تعدّ و تفريط فعن القواعد و التحرير و التذكرة (1) التصريح بعدم الضمان فيها، و هو الظاهر من إطلاق قولهم:

«ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده» و لذا ذكر المحقّق الثاني في كتاب الغصب من جامع المقاصد: أنّ الذي يلوح من كلامهم هو عدم ضمان العين المستأجرة فاسدا باستيفاء المنفعة (2) انتهى.

و لكنّ السيد في الرياض صرّح بالضمان، حاكيا عن بعضهم دعوى كونه المفهوم من كلمات الأصحاب (3). قيل: الظاهر أنّه المحقّق الأردبيلي في مجمع الفائدة (4).

و يظهر من كلام المحقّق الثاني أيضا الميل إلى الضمان حيث قال- عقيب العبارة المتقدّمة-: و الذي ينساق إليه النظر هو الضمان، لأنّ التصرّف فيه حرام، لأنّه غصب فيضمنه، ثمَّ قال: إلّا أنّ كون الإجارة الفاسدة لا يضمن بها كما لا يضمن بصحيحها مناف لذلك، فيقال: إنّه دخل على عدم الضمان بهذا الاستيلاء و إن لم يكن مستحقّا، و الأصل براءة الذمة عن الضمان، فلا يكون العين بذلك مضمونة، و لو لا ذلك لكان المرتهن ضامنا مع فساد الرهن، لأنّ استيلاءه بغير حق، و هو باطل (5) انتهى.

و قد ظهر من تعليله أنّ وجه الضمان في نظر القائلين به هو قاعدة الغصب،

____________

(1) القواعد 1: 234، التحرير 1: 252، التذكرة 1: 318.

(2) جامع المقاصد 6: 216.

(3) الرياض 2: 8 (حجرية).

(4) انظر مجمع الفائدة و البرهان 10: 49.

(5) جامع المقاصد 6: 216.

197

الذي هو من أسباب الضمان.

و قد يقال: في تقريب الاستدلال بها أنّ المراد بالمضمون مورد العقد، و مورد العقد في الإجارة المنفعة، فالعين يرجع في حكمها إلى القواعد، و حيث كانت في صحيح الإجارة أمانة مأذونا فيها شرعا، و من طرف المالك لم يكن فيه ضمان.

و أمّا في فاسدها فدفع المؤجر للعين إنّما هو للبناء على استحقاق المستأجر له، للتوصّل إلى استيفاء حقّ الانتفاع بها، و المفروض بحكم فساد العقد عدم الاستحقاق، فيده عليها يد عدوان موجبة للضمان.

أقول: التمسّك بقاعدة الغصب أو مطلق اليد هنا حسن، لو لا قاعدة «ما لا يضمن» على تقدير مساعدة الدليل عليها، و أمّا معها فلا، لكونها حاكمة على قاعدتي الغصب و اليد.

و بالجملة: فإمّا أن يمنع قاعدة نفي الضمان في فاسد ما لا ضمان في صحيحه لعدم قيام دليل عليها، أو يقال بثبوتها لقيام دليل عليها، و الضمان في العين المستأجرة بالإجارة الفاسدة استنادا إلى قاعدتي الغصب و اليد على الأوّل حسن، إلّا أنّه لا اختصاص له بالإجارة، بل يجري في جميع الأمانات على تقدير فساد عقودها، لعموم دليل الضمان و سلامته عمّا يزاحمه أو يحكم عليه. و على الثاني لا يصحّ الاستناد إلى القاعدتين، لحكومة قاعدة نفي الضمان عليهما، فبطل القول بالضمان، فالوجه بناء على هذه القاعدة بعد ثبوتها هو عدم الضمان.

نعم ربّما يشكل الحال فيما إذا شرط المؤجر في الإجارة الفاسدة ضمان العين و قلنا بصحّة هذا الشرط في الإجارة الصحيحة فهل تكون العين حينئذ مضمونة بمقتضى الشرط كما أنّها مضمونة في الإجارة الصحيحة لذلك أو لا؟

و منشأ الإشكال الشبهة في أنّ الإجارة المشروط فيها ضمان العين في صورتي الصحّة و الفساد هل هي داخلة في أصل القاعدة- و هو ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، كما قد يسبق إلى الوهم نظرا إلى العموم- أو خارجة عنها؟

فعلى الأوّل لا مناص من التزام الضمان بناء على قاعدة الأصل بعد مساعدة

198

الدليل عليها، بخلافه على الثاني، و الذي يترجّح بعد إمعان النظر هو عدم الدخول، لأنّ أصل القاعدة إنّما يفيد الضمان في كلّ من الصحيح و الفاسد بالنسبة إلى مورد العقد، و مورد عقد الإجارة إنّما هو المنفعة لا العين، لأنّها شرّعت لنقل المنافع لا الأعيان، و العين إنّما تسلم إلى المستأجر مقدّمة للتوصّل إلى استيفاء المنفعة، و لذا تكون في يده أمانة.

و إن شئت قلت: إنّ الظاهر المنساق من قولهم: «كلّ عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» كون العقد الصحيح بنفسه موجبا للضمان، لا أن يكون الضمان ثابتا بواسطة أمر آخر غير العقد، أمّا على تقدير سببيّة الباء فوجه الظهور واضح، و أمّا على تقدير الظرفيّة فلأنّ حقيقة معنى الظرفيّة هو الاشتمال، فمعنى كون الضمان في صحيح العقد أنّ العقد الصحيح مشتمل على الضمان، بمعنى وجوب ردّ العوض، و معنى اشتماله عليه كونه من الآثار المترتّبة عليه و الأحكام التابعة له، و الضمان المشروط به ليس مسبّبا من العقد نفسه و لا من الآثار المترتّبة عليه، بل إنّما ثبت بأمر خارج و هو الشرط المأخوذ في ضمن العقد، فهو ليس من العقد الذي يضمن في صحيحه أو بسبب صحيحه، فلا تندرج الإجارة المشروط فيها ذلك في عموم الأصل، بل تندرج في عموم العكس، و يصدق عليها كلّ عقد لا يضمن بصحيحه، لما ذكرناه مرارا من عدم بناء عقد الإجارة بنفسه بالنسبة إلى العين المستأجرة على التعويض و المعاوضة، و عليه فالعين من جهة نفس العقد ليست مضمونة في الصحيح، فلا تكون مضمونة في الفاسد أيضا.

بقي الكلام في ضمانها من جهة الشرط و إن فسد العقد، و الوجه هو العدم، لأنّ الضمان المشروط به إنّما يجب على تقدير لزوم الشرط، و هو فرع على لزوم العقد المبني على صحّته.

فقضيّة فساد العقد عدم لزوم الشرط المأخوذ في ضمنه، و لا معنى لعدم لزوم الشرط، إلّا أنّه لا يثبت معه ضمان العين، على معنى وجوب ردّ عوضها على تقدير التلف من غير تعدّ و تفريط، و أمّا ثبوته من جهة قاعدة الغصب أو اليد ففيه

199

الكلام المتقدّم.

و كذا البحث إشكالا و حلّا في العارية المضمونة، و هي التي شرط في متن عقدها ضمان العين، فإنّ مجرّد شرط الضمان فيها لا يوجب دخولها في أصل القاعدة، بل هي أيضا مندرجة في العكس، فليست العين مضمونة من جهة العقد، و ضمانها من جهة الشرط في صحيح العارية لا يستلزم ضمانها في فاسدها من جهته، لعدم لزومه، و أمّا من جهة القاعدتين ففيه الكلام السابق أيضا.

و هاهنا إشكال آخر بالقياس إلى عارية الذهب و الفضّة يتوجّه إلى ما أشرنا إليه عند الكلام في تحقيق معنى أصل القاعدة من اندراجها فيه، نظرا إلى عموم كلّ عقد يضمن بصحيحه.

و وجه الإشكال أنّ الضمان فيها ليس من مقتضى نفس العقد صحيحا و فاسدا، لعدم بناء عقد العارية بنوعه و صنفه على التعويض و المعاوضة، و لذا لا يكون مورد الضمان فيها العوض الجعلي و هو المسمّى في متن العقد، لئلّا ينوط ثبوته بتلف العين، بل مورده العوض الواقعي من المثل أو القيمة المنوط بتلف العين، بل الضمان المذكور في صحيح العارية يثبت بدليل آخر، و لا يكفي في ثبوته نفس الأدلّة الدالّة على صحّة هذا العقد و مشروعيّته بحسب الشرع، بخلاف الضمان بالعوض في عقود المعاوضة، فإنّه يكفي في ثبوته بناء تلك العقود على التعويض و المعاوضة، و لذا لا حاجة في إثبات مشروعيّته إلى أزيد من أدلّة صحّة تلك العقود و مشروعيّتها، و لا ينوط فيها وجوب ردّ العوض بتلف المعوّض بعد تحقّق قبضه.

فالعارية المذكورة بحسب وضعها من عقود الأمانات و مورد العقد فيها أمانة، و مقتضى كونه أمانة عدم كونه مضمونا عند التلف من غير تعدّ و تفريط مع صحّة العقد، لأنّه الأصل الكلّي في كلّ أمانة، و قد خرج من هذا الأصل بالدليل من نصّ و إجماع، و هذا هو معنى قولنا: إنّ الضمان هنا ليس من مقتضى نفس العقد، بل إنّما يثبت بدليل خارج، و لذا ورد بيانه في فتاوى الأصحاب و نصوص الباب بصورة

200

الاستثناء من حكم عدم الضمان المصرّح به فيهما للعارية بعنوانها الكلّي.

و قضيّة هذا كلّه بناء على ظهور القاعدة أصلا و عكسا في كون العقد بنفسه موجبا للضمان أو غير موجب له، عدم كون العارية المذكورة من أفراد ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، و كونها من أفراد ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده، لأنّ العقد بنفسه لا يوجبه، بل إنّما ثبت في صحيحه بدليل خارج من العقد من النص و الإجماع.

و بالتأمّل في مطاوي كلماتنا تعرف أنّ الضابط الكلّي الذي يعلم منه كون الضمان حيثما ثبت في مورد صحيح العقد من مقتضى العقد نفسه أو من مقتضى أمر خارج عنه من شرط أو دليل، أنّ كلّ ضمان يكفي في ثبوته في صحيح العقد أدلّة مشروعيّة ذلك العقد، و لا يحتاج إلى أزيد من تلك الأدلّة، فهو ممّا يقتضيه العقد بنفسه، كالضمان بالعوض الجعلي في جميع عقود المعاوضة نوعا أو صنفا، و كلّ ضمان لا يكفي في ثبوته في صحيح العقد أدلّة مشروعيّة ذلك العقد، بل يحتاج إلى توسيط وسط آخر من شرط أو دليل أخصّ موردا من أدلّة المشروعيّة، فهو ممّا لا يقتضيه العقد بنفسه.

فما تقدّم منّا تبعا لشيخنا (1) (قدّس سرّه) من إدراج عارية الذهب و الفضّة في أصل القاعدة نظرا إلى عموم كلّ عقد يضمن بصحيحه، ليس بجيّد، فانحصر مورد الأصل في عقود المعاوضات، و لا يندرج فيه شيء من الأمانات، كما انحصر مورد العكس في غيرها من عقود الأمانات و العقود المجّانيّة.

[الكلام في الملازمة المستفادة من شرطية قضية القاعدة]

ثمَّ اعلم أنّ قضيّة القاعدة أصلا و عكسا شرطيّة، و صدق الشرطية عبارة عن الملازمة الواقعيّة بين مقدّمها و تاليها، على معنى اتّصال التالي بحسب الخارج بالمقدّم بحيث لا ينفك عنه، ليصير التالي بذلك لازما و المقدّم ملزوما، و المقصود من عقد المبحث هنا إنّما هو التكلّم في الملازمة في كلّ من الأصل و العكس، و هو أنّ الضمان بالعوض الجعلي في صحيح كلّ عقد يلازم الضمان بالعوض الواقعي

____________

(1) المكاسب 7: 152.

201

في فاسده، و أنّ عدم الضمان بالعوض في صحيح كلّ عقد يلازم عدم الضمان بالعوض الواقعي في فاسده.

فالقائل بأصل القاعدة يرجع قوله إلى دعوى الملازمة الأولى، كما أنّ المدّعي لعكسها يرجع دعواه إلى القول بالملازمة الثانية، فلا بدّ لمدّعي ثبوت القاعدة أصلا و عكسا من إقامة الدليل على كلّ من الملازمتين، و إن كان ذلك الدليل بالنسبة إلى إحداهما الأصل الأوّلي، و حينئذ فنقول: إنّ قضيّة الأصل الأوّلي و لو كان هو أصل البراءة في فاسد كل عقد سواء كان من المعاوضات أو من الأمانات، هو عدم الضمان بالعوض مثلا أو قيمة على تقدير تلف العين المقبوضة، لأنّ الضمان بمعنى وجوب ردّ العوض بأحد قسميه تكليف، و الأصل في محلّ الشكّ فيه براءة الذمة عنه.

و يظهر ثمرة هذا الأصل في الموارد المشتبهة التي لم ينهض فيها دليل على ثبوت الضمان و لا عدمه، فيكفي في التزام عدمه حينئذ التمسك بالأصل، و من ذلك ما قد يوجد في كلام الأصحاب في جملة من العقود الفاسدة، من الاستناد لنفي الضمان إلى أصل البراءة، كما سمعت نظيره عن المحقّق الثاني من التمسّك به لنفي ضمان العين المستأجرة في فاسد الإجارة.

و من هنا يعلم أنّ المحتاج إلى إقامة الدليل لإثباته إنّما هو الضمان المدّعى في أصل القاعدة، ليكون ذلك الدليل مخرجا من الأصل، و أمّا عدمه المدّعى في عكس القاعدة فلا حاجة له بالذّات إلى إقامة دليل آخر غير الأصل لموافقته الأصل، فيكفي فيه الأصل.

نعم لو استدلّ أحد في مورد من العكس لإثبات الضمان فيه بدليل عام أو قاعدة عامّة كقاعدتي الغصب أو مطلق اليد، كما تقدّم نظيره لإثبات ضمان العين في الإجارة حيث استدلّ عليه بالقاعدتين، فحينئذ لا مناص لمدّعي قاعدة العكس مطّردة من إقامة دليل على نفيه في خصوص المورد ليكون مخرجا له عن

202

عموم القاعدتين، و ليس له حينئذ مجال التمسّك بالأصل لورود القاعدتين عليه.

و كيف كان فتمام

البحث في دليل القاعدة أصلا و عكسا يقع في مقامين:

المقام الأوّل في أدلّة أصل القاعدة

ممّا استدل به الأصحاب أو يمكن أن يستدلّ به فنقول

يمكن الاستدلال عليها بوجوه:

أوّلها: الإجماعات المنقولة المتقدّم بعضها عن شرح القواعد

(1) و بعضها عن بعض مشايخنا (2) و بعضها في كلام صاحب العناوين، حيث إنّه في عداد أدلّة الضمان عن المقبوض بالعقد الفاسد، قال: و ثانيها: الإجماع المحصّل من تتبّع كلام الأصحاب في هذه الأبواب حيث يحكمون في كلّ موضع يفسد فيه عقد المعاوضة بثمن المثل و اجرة المثل و مهر المثل كما لا يخفى، مع حكاية الإجماع على ذلك في كلامهم نقلا مستفيضا، بل متواترا على اختلاف في المورد في الجملة (3).

لا يقال: ما ادعاه من الإجماع المحصّل ليس إجماعا على القاعدة المبحوث عنها، بل على ضمان المقبوض بالعقد الفاسد بالخصوص، لأنّه عمّم أوّلا في العقد الفاسد بالقياس إلى ما بنى صحيحه على الضمان و غيره.

ثمَّ قال بعد ذلك بأسطر: و الوجه في الضمان فيما كان صحيحه مبنيّا على الضمان كالبيع و الصلح و الهبة المعوّضة و المزارعة و المساقاة و الجعالة و الوكالة بعوض و المسابقة و النكاح و مثله الخلع و الطلاق بعوض، أمور: أحدها- إلى أن قال:- و ثانيها: الإجماع المحصّل (4) إلخ.

فظهر أنّ معقد إجماعه هذا منطبق على موارد القاعدة المبحوث عنها، الشامل لكلّ عقد معاوضة.

نعم مراده ممّا ادّعى استفاضة نقله بل تواتره إنّما هو الإجماع على الضمان

____________

(1) شرح القواعد: الورقة 35 (مخطوط).

(2) الجواهر 22: 258.

(3) العناوين 2: 46.

(4) بل قاله قبل ذلك بأسطر، العناوين 2: 459.

203

بالمثل مثلا في الموارد الخاصّة من الأبواب المذكورة، لا على الحكم الكلّي المأخوذ في القاعدة.

فهذه الإجماعات المنقولة في الأبواب المتفرّقة و إن لم تنهض على الحكم الكلّي إلّا أنّها تصلح مؤيّدة للإجماعات المنقولة على الحكم الكلّي.

و هذه الإجماعات مضافا إلى تأيّدها بالإجماعات الخاصّة معتضدة بالشهرة المحقّقة و المحكيّة في الرياض (1) و عن الأردبيلي (2) أيضا كما سبق، و بظهور الإجماع من تتبّع كلامهم في أبواب عقود المعاوضة و غيرها، و ظهور دعواه من عبارة المسالك المتقدّمة في مفتتح البحث حيث قال: و من القواعد المقرّرة في هذا الباب (3) بل ظاهر هذه العبارة يفيد كون القاعدة ممّا يرسله الأصحاب إرسال المسلّمات. بل يظهر دعواه منه أيضا في باب الرهن، و قد تقدّم نقل عبارته حيث قال: إلّا أنّ الأصحاب و غيرهم أطلقوا في القول بهذه القاعدة، و لم يخالف فيها أحد (4).

و الإجماعات المذكورة مع معاضداتها و هو مؤيّداتها إن لم ينهض كلّ واحد حجّة مستقلّة على القاعدة، فالمجموع منها من باب تراكم الظنون ناهض عليها و موجب للظنّ بها على حدّ الاطمئنان الذي به الكفاية في إثبات الحكم الشرعي و لو كان على الوجه الكلّي من باب القاعدة.

و ما تقدّم عن مبسوط الشيخ من تعليل الضمان في غير واحد من العقود الفاسدة بأنّه دخل على أن يكون المال مضمونا عليه، و تعليل عدم الضمان في الرهن الفاسد بأنّ صحيحه لا يوجب الضمان فكيف يضمن بفاسده، يدلّ على أنّ القاعدة أصلا و عكسا باعتبار المعنى كانت متداولة عند القدماء و معمولا بها لديهم، و لو بعبارة أخرى غير العبارة المعهودة الجارية على لسان المتأخّرين.

و بذلك ظهر أنّه لا يمكن القدح في الإجماع تحصيلا و نقلا بعدم معلوميّة حال

____________

(1) الرياض 1: 536.

(2) مجمع الفائدة و البرهان 8: 192.

(3) المسالك 3: 154.

(4) المسالك 4: 55- 56.

204

القدماء بالنسبة إلى القاعدة إقرارا و إنكارا، حيث لم ينقل عنهم كلام في ذلك فكيف تصير القاعدة إجماعيّة، أو يدّعى الإجماع عليها مع أنّ عدم الوجدان لا يعارض الوجدان؟

و ثانيها: قاعدة الإقدام المعبّر عنها تارة بقاعدة التضمين

، و اخرى بقاعدة التعويض، و ملخّصها: أنّ القابض للمال بالعقد الفاسد أقدم على أن يكون مضمونا عليه بالعوض، و إذا لم يسلّم له العوض المسمّى بعدم إمضاء الشارع إيّاه بحكم فساد العقد رجع إلى العوض الواقعي من المثل أو القيمة، و هذا هو الذي عبّر عنه الشيخ في جملة من العقود الفاسدة كالبيع و الإجارة و نحوهما في تعليل الضمان بأنّه دخل على أن يكون المال مضمونا عليه بالعوض، فإذا لم يسلّم له المسمّى رجع إلى المثل أو القيمة.

و توضيحه: أنّ الدافع و القابض حيث تراضيا و تواطيا على العقد و لو مع علمهما أو علم أحدهما بالفساد التزاما بلوازم العقد التي منها ضمان كلّ منهما عوض ما قبضه، و هذا هو معنى إقدام كلّ منهما على الضمان بالعوض، و المفروض عدم سلامة العوض المسمّى بسبب عدم إمضاء الشارع إيّاه، فوجب على القابض ردّ ما قبضه بعينه، و لو تلف عينه رجع إلى مثله أو قيمته، و ينحلّ ذلك إلى الاستدلال بما ينتظم من صغرى و كبرى، و هو أنّ القابض قد أقدم على ضمان المال بالعوض و لم يسلّم له العوض المسمّى، و كلّ من أقدم على ضمان المال بالعوض و لم يسلّم له المسمّى رجع إلى العوض الواقعي من مثل أو قيمة، أي وجب عليه ردّه.

و أجيب عنه بما يرجع إلى منع الصغرى، و هو أنّهما أقدما و تواطيا على ضمان خاصّ، و هو الضمان بالعوض المسمّى، لا على الضمان بمطلق العوض، و المفروض انتفاء الخصوصيّة بعدم إمضاء الشارع لهذا الضمان الخاصّ، و الجنس لا يبقى بعد انتفاء الفصل، و مطلق الضمان- أعني الضمان بمطلق العوض- ممّا لم

205

يتواطئا و لم يقدما عليه حتّى يتقوّم بخصوصية أخرى، أعني الضمان بالعوض الواقعي مثلا أو قيمة، فالضّمان بالمثل أو القيمة حيثما ثبت تابع لدليله، و ليس ممّا أقدم عليه المتعاقدان.

أقول: هذا و إن كان يقبله ظاهر النظر، إلّا أنّ التحقيق بعد إمعان النظر خلافه، بل الإقدام على الضمان بمطلق العوض بل خصوص العوض الواقعي ممّا لا ينبغي إنكاره، فإنّ من القضايا المركوزة في الأذهان من أرباب جميع الملل و الأديان هو أنّه لا يخرج مال أحد إلى غيره في غير مقام الإباحة و الهديّة و العطيّة و الهبة و الصدقة مجّانا و بلا عوض، بل لا بدّ له من عوض، و لا يكون إلّا عوضا واقعيّا.

و هذه القضيّة على ما يرشد إليه الوجدان المغني عن إقامة البرهان مركوزة في ذهني المتعاقدين في عقود المعاوضة، صحيحة و فاسدة، و ارتكازها في ذهنيهما هو الداعي لهما إلى التعويض، و التزام كلّ منهما بدفع العوض، فهما متوافقان على هذه القضيّة المركوزة في الذهن، و هذا هو معنى إقدامهما على الضمان بمطلق العوض، بل خصوص العوض الواقعي.

نعم بعد توافقهما على ذلك تواطيا في متن العقد الفاسد على العوض المسمّى، و كأنّه تراض منهما و تواطؤ على إبدال العوض الواقعي بالعوض المسمّى، و المفروض بحكم فساد العقد عدم إمضاء الشارع تواطئهما على المسمّى و لكن بقي تواطؤهما على مطلق الضمان، بل خصوص الضمان بالمثل أو القيمة، فصغرى الدليل ممّا لا مجال لإنكاره، و من أنكره كابر وجدانه و كذّب ما هو من فطريّاته.

نعم بقي الكلام في بيان الكبرى و إثبات الدليل عليه، و لعلّه لا يخلو عن خفاء، و إن كان ظاهر اقتصار المتعرّضين للجواب عن الدليل على منع الصغرى من دون تعرّض لمنع الكبرى، كونها من المسلّمات التي لا يمكن الاسترابة فيها.

و تحقيق القول فيها: أنّ مفادها يرجع إلى دعوى أنّ الدافع يملك عوض ما أقبضه من المثل أو القيمة في ذمّة القابض، و عليه يتفرّع ضمانه بأحدهما، على معنى وجوب ردّه إلى الدافع، و ظاهر أنّ تملّكه لذلك في ذمّة القابض يقتضي سببا،

206

و لا يجوز أن يكون ذلك السبب هو العقد المفروض كونه فاسدا، لأنّ الفاسد ما لا يترتّب عليه أثر، و لا القبض المتحقّق بعده بانفراده، و إلّا لزم الرجوع إلى المثل أو القيمة و لو مع بقاء العين المقبوضة، و هو باطل بالضرورة، و لا تلف العين بانفراده، و إلّا لزم ضمان المشتري مثلا قبل القبض، و هو أيضا باطل، لأنّ المال المعقود عليه قبل القبض في ضمان مالكه، و إذا تلف ذهب من ماله، فتعيّن كونه القبض المتعقّب للتلف، على معنى كون السبب هو المجموع منهما.

فيؤول الكبرى إلى أن يقال: إنّ كلّ من أقدم على ضمان مال بالعوض و لم يسلّم له ذلك العوض رجع إلى المثل و القيمة، لأنّ قبض ذلك المال المتعقّب لتلفه في يده علّة و سبب أوجب ملك الدافع مثله أو قيمته في ذمّته، و لا ريب أنّ هذه السببيّة حكم شرعي يقتضي وسطا، و يكفي فيه القضيّة المركوزة في الأذهان، لأنّها من الفطريّات التي أمضاها الشارع بحكم تقرير أهل العصمة، بل السيرة التي مرجعها إلى إجماع عامّة الناس على الاعتقاد بتلك القضيّة الكاشف باعتبار دخول أهل العصمة عن الإمضاء.

و توسيط الإقدام إنّما هو لبيان أنّ المالك لم يسقط ضمان ماله عن القابض حيث أقبضه بالعقد الفاسد، كما أسقطه بحكم الناس مسلّطون على أموالهم في الإباحات و الهدايا و العطيّات و الهبات و غيرها، ممّا لا يضمن فيه القابض للمال المدفوع إليه بالمثل و القيمة بالتّصرفات الاتلافيّة.

و لك أن تقول: إنّ المراد بالإقدام المأخوذ وسطا في الدليل إنّما هو عدم إسقاط المالك ضمان ماله المدفوع إلى القابض، و مبناه على أنّ الضمان بالمثل أو القيمة هو الأصل، و سقوطه يحتاج إلى إسقاط، و لا مدرك للأصل المذكور إلّا القضيّة المركوزة في الأذهان المجمع عليها التي أمضاها الشارع، فدليل الإقدام على القاعدة تمام لتماميّة صغراه و كبراه، و لا فرق في الضمان بين كونهما عالمين بفساد العقد أو جاهلين به أو مختلفين، مع علم الدافع و جهل القابض أو العكس،

207

كما صرّح به شيخنا في الجواهر (1) تبعا لثاني الشهيدين و السيد في المسالك (2) و الرياض (3) لوحدة المناط و جريانه في الجميع.

و توهّم احتمال عدم الضمان في صورتي علم الدافع، نظرا إلى تسليطه على إتلافه مع علمه بكونه باقيا على ملكه.

يدفعه: أنّ المسقط للضّمان إنّما هو تسليطه على الإتلاف مجّانا، و هذا ليس منه، لبناء العقد على المعاوضة و أخذ العوض، غاية الأمر علمه بعدم دخول العوض في ملكه، فهو من إبدال ماله بعوض رضى به و إن لم يدخل في ملكه بحيث لولاه لم يدفع ماله إلى القابض، و إذا فرض عدم إمضاء الشارع لهذا الإبدال بقي المال المدفوع في ضمان القابض بعوضه الواقعي، لما عرفت من أنّ الضمان هو الأصل، و سقوطه يحتاج إلى إسقاط المالك.

كما أنّ احتمال عدم الضمان مع جهل القابض كما عن بعض متأخّري المتأخّرين، لشبهة رجوع المغرور إلى من غرّ.

يدفعه: أنّ الجهل بالفساد على تقدير كونه عذرا حتى مع التقصير يوجب عدم كون القابض ما دام جاهلا مخاطبا بردّ المثل أو القيمة، و هذا لا ينافي ملك الدافع ذلك المثل أو القيمة في ذمّته لتحقّق سببه، و هو القبض المتعقّب للتلف و كونه حكما وضعيّا لا يختلف بالعلم و الجهل، و بذلك تندفع شبهة الغرور، بل المقام ليس من مجاري قاعدة رجوع المغرور إلى من غرّ.

نعم ربّما يشكل عموم القاعدة بالقياس إلى مسألتين:

إحداهما: ما لو باع بلا ثمن فإنّه من البيع الفاسد، و لا يجري فيه قاعدة الإقدام المقتضية للضمان.

و أخراهما: شراء المغصوب مع علم المشتري بالغصب الذي اشتهر بينهم أنّ المشتري مع عدم إجازة المالك لا يرجع بالثمن على البائع، و في تذكرة العلّامة:

____________

(1) الجواهر 22: 259.

(2) المسالك 3: 154.

(3) الرياض 1: 536.

208

أنّه قول علمائنا (1) مؤذنا بدعوى الإجماع عليه، و إطلاقه يقتضي عدم الرجوع مع بقاء العين أيضا، بل ربّما حكي التصريح بذلك أيضا عن بعضهم.

و ذهب جماعة من المتأخّرين و متأخّريهم إلى التفصيل بين تلف العين فلا يرجع، و بقائها فيرجع، و يكفي في نقض القاعدة منع المشتري من الرجوع بالمثل أو القيمة في صورة التلف، فإنّ العقد مع عدم إجازة المالك فاسد، و لا ضمان في فاسده بالنسبة إلى الثمن.

و يمكن الذب بالنسبة إلى المسألة الأولى بأنّه إن قلنا بضمان المشتري فيها لمثل المبيع أو قيمته فلا إشكال من جهتها في أصل القاعدة، غاية الأمر عدم جريان دليل الإقدام فيها، و هذا لا ينافي شمول باقي أدلّة القاعدة لها مثل خبر:

«على اليد ما أخذت» (2) و إن لم نقل فيها بالضمان لا يوجب ذلك نقضا للقاعدة لخروجها عنها موضوعا، لطروّ ما أوجب سقوط الضمان لموردها، و هو إسقاط المالك ضمان ماله المدفوع إلى القابض حيث باعه بلا ثمن، فإنّه في معنى إسقاط ضمانه بالمثل و القيمة.

و بالنسبة إلى المسألة الثانية:

أوّلا: بأنّ منع المشتري من الرجوع بالثمن على البائع مع بقاء ملكه فيه خصوصا مع بقاء عينه خلاف الأدلّة و القواعد، و لذا ذهب المحقّق في بعض تحقيقاته- على ما حكي (3)- إلى جواز الرجوع مطلقا، فلا يلتزم بعدمه إلّا أن يكون إجماع، و هو غير واضح، مع حكاية مخالفة المحقّق.

و ثانيا: بأنّه على تقدير ثبوت الإجماع على أنّه لا يرجع، و منافاته الضمان بالمعنى المبحوث عنه غير ضائر، لأنّ القاعدة قابلة للتخصيص، فالمسألة مخرجة منها بالإجماع.

و ثالثا: بمنع منافاة الحكم المجمع عليه هنا، لكون الثمن في ضمان البائع،

____________

(1) التذكرة 1: 463 (حجرية).

(2) عوالي اللئالي 1: 224 ح 106.

(3) حكاه عنه في مفتاح الكرامة 4: 194.

209

على معنى حرمة تصرّفاته فيه و وجوب ردّه مع بقائه إلى المشتري و ردّ مثله أو قيمته إليه على تقدير التلف، كما هو قضيّة بقائه في ملك المشتري و عدم خروجه من ملكه، و ذلك لأنّ قصارى ما يستفاد من كلامهم كون معقد الإجماع هو عدم رجوع المشتري لا عدم ضمان البائع، و لعلّ الأوّل حكم تكليفي صرف، و هو حرمة الرجوع عقوبة من الشارع عليه حيث دخل في المال المغصوب مع العلم بغصبيّته، و هو لا ينافي بقاء الثمن على ملكه، و حرمة تصرّفات البائع فيه و وجوب ردّه عينا أو مثلا أو قيمة إلى المشتري، و لو ردّه جاز له أخذه، و له نظائر كثيرة في الفروع.

منها: المال الذي حلف المنكر على عدم استحقاق المدّعي له مع فرض الاستحقاق في الواقع و علم المنكر به، فإنّ المدّعي لا يجوز له بعد الحلف مطالبته بذلك المال و لا مقاصّته من مال الحالف، و ليس للحالف أيضا أن يتصرّف فيه، و يجب عليه دفعه إلى المدّعي، و إذا دفعه جاز له أخذه.

و ثالثها: قاعدة الاحترام المستفادة من الأخبار المتكاثرة

الدالّة على كون مال المسلم و عمله و عرضه و دمه محترما، فكما أنّه لا يهراق دمه اقتراحا و عدوانا كذلك لا يذهب ماله إلى غيره مجّانا، و تراهم في أبواب المعاملات و العقود يتمسّكون بها لإثبات الضمان بثمن المثل أو اجرة المثل أو مهر المثل في جملة من العقود الفاسدة، فما قبضه المشتري أو البائع بالعقد الفاسد لكونه من مال المسلم الذي يجب احترامه يجب عليه ردّه إلى مالكه مع بقاء عينه أو ردّ مثله أو قيمته مع تلفه.

أقول: و الاحترام في مال المسلم كدمه و إن كان مسلّما، و لكن في نهوضه دليلا على الضمان بالمثل أو القيمة على تقدير التلف نظر واضح، بل منع لائح، لأنّ احترام الشيء عبارة عن عدم جواز انتهاكه، فالمحترم هو ما لا يجوز انتهاكه، و الانتهاك عبارة عن تناول الشيء و التعرض له بما لا يحلّ، و حاصله تناول الشيء بغير وجه شرعي.

210

فحاصل معنى كون مال المسلم محترما في محلّ البحث هو عدم جواز أخذه بواسطة العقد الفاسد ثمَّ التصرف فيه و إمساكه و عدم ردّه إلى مالكه، لأنّ كلّ ذلك انتهاك و تناول له بما لا يحلّ و بغير وجه شرعي.

و قصارى ما فيه وجوب ردّه إليه ما دام عينه موجودة، و لا يقتضي وجوب ردّ مثله أو قيمته إليه على تقدير التلف، كما هو المقصود بالأصالة من قاعدة الضمان.

و بالجملة: الاحترام بالمعنى المذكور ليس بعين الضمان بالمثل أو القيمة، و لا من لوازمه، و كونه ملزوما يتوقّف على ثبوت الملازمة بينهما بدليل آخر غير دليل الاحترام.

و بعبارة اخرى: أنّ أقصى ما ينساق من أدلّة الاحترام إنّما هو حكم تكليفي معلّق على بقاء عين المال، و كلامنا إنّما هو في الضمان الذي هو حكم وضعي معلّق على تلف العين، و ليس أحدهما عين الآخر، و ثبوت الملازمة بينهما ليكون الأوّل ملزوما يحتاج إلى دليل لا يكفي فيه أدلّة الاحترام، لأنّ غاية ما يثبت بها إنّما هو الملزوم فقط.

و إن شئت قلت: إنّ الذي يستفاد من أدلّة احترام مال المسلم يقارب حرمة أكل المال بالباطل، المستفاد من قوله تعالى لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (1) و هي غير الضمان بمثل المال أو قيمته بعد التلف، على معنى وجوب ردّ أحدهما، فلا يمكن إثبات الضمان بنفس هذه الآية، و لذا لم يعهد عنهم في شيء من موارد الضمان الاستناد في إثباته إلى هذه الآية، و من ذلك أيضا احترام دم المسلم، فإنّ أقصى ما يقتضيه ذلك هو عدم جواز انتهاكه و التعرّض له بإراقته من دون مسوّغ شرعي، و أمّا وجوب القصاص أو الدية بعد ما أهريق فهو حكم آخر يتوقّف ثبوته على دليل آخر، و لا يفي بإثباته نفس أدلّة الاحترام.

فالإنصاف أنّ الاستدلال بها بقاعدة الاحترام لإثبات قاعدة الضمان في المقبوض بكلّ عقد فاسد من عقود المعاوضة مشكل، بل لا وجه له عند التحقيق

____________

(1) البقرة: 188.

211

و في النظر الدقيق.

و رابعها: قاعدة ضمان اليد المستنبطة من الخبر النبوي العامّي المشهور المتلقّى

بالقبول عند الفريقين، العامّة و الخاصّة، المجمع على العمل به لدى كلّ الأمّة، الوارد بعبارة قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» (1) كما في جملة من العبارات، أو «حتى تؤدّيه» (2) كما في بعض العبارات، أو «حتى تؤدّيه إلى أهله» (3) كما في عبارة ثالثة، فضعف سنده بالعاميّة أو الإرسال أو غيرهما منجبر بالشهرة، بل الإجماع على العمل بها حتى ممّن لا يعمل من الأخبار إلّا بما قطع صدوره بتواتر أو احتفاف قرينة، كالسيدين و الحلّي و غيرهم من قدماء أصحابنا، فهو بهذا الاعتبار مندرج في الأخبار المقطوع بصدورها، فيستغنى بذلك سنده عن النظر إليه و التكلّم فيه.

نعم العمدة فيه التكلّم في دلالته على الضمان بالمعنى المبحوث عنه هنا، الجاري في جميع موارد قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» لينهض دليلا عليها، فإنّها ممّا كثر الكلام عليها و المناقشة فيها، و عن بعض المتأخّرين رميه بالإجمال، و زعم عدم دلالته على الضمان.

فينبغي التكلّم أوّلا في معاني مفردات لفظ الخبر، ثمَّ في معناه التركيبي.

فنقول: إنّ قوله: «على اليد» ظرف عامله مقدّر، و الأصل فيه بمقتضى الظهور اللفظي على ما حقّق في محلّه العموم، فيكون الظرف مستقرّا، و إلّا لصق بكلمة «على» من أفعال العموم كون المقدّر ثبت، و احتمال كونه من أفعال الخصوص مثل «وجب» أو «فرض» أو «حرم» أو غيره ممّا يناسب المقام بعيد لا يصار إليه، إلّا لقرينة ترجّحه على احتمال العموم، و هي منتفية في المقام.

لا يقال: إنّ قضيّة الخبر من باب الجملة الخبريّة المؤولة بالإنشاء، و ينهض ذلك قرينة على كون العامل المقدّر مثل «وجب» أو «يجب» على حدّ ما يقدّر

____________

(1) عوالي اللئالي 1: 224 ح 106.

(2) سنن البيهقي 6: 90.

(3) لم نعثر عليه.

212

في نحو قوله تعالى وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ (1).

لأنّ قضيّة الخبر على ما سنذكره من قبيل القضايا الوضعيّة المسوقة للإخبار بحكم وضعي من باب بيان الواقع، لا من قبيل القضايا التكليفيّة، فلا داعي.

إلى تأويلها بالإنشاء. هذا.

مع أنّ التأويل المذكور الموجب لجعل العامل المقدّر مثل «وجب» أو «يجب» يستلزم ارتكاب مجازا آخر من باب مجاز الحذف، و هو إضمار ما يصحّ معه تعلّق الوجوب بالموصول الذي هو كناية عن المال المأخوذ كالحفظ أو الرد، فيكون التقدير: يجب على اليد حفظ ما أخذته أو ردّ ما أخذته، و لا داعي إلى شيء من ذلك مع لزوم فساد آخر على تقدير كون المضمر هو الرد، و هو اتّحاد الغاية مع المغيّى لكون الأداء عبارة أخرى للرّد، فيكون التقدير في حاصل المعنى:

يجب على اليد ردّ ما أخذته حتّى تردّه، أو أداء ما أخذته حتى تؤدّيه، و فيه ما فيه.

ثمَّ الموصول فاعل للظرف باعتبار العامل المقدّر، و تقديم المفعول على الفاعل لعلّه لإفادة حصر الحكم المسوق لبيانه قضيّة الخبر في اليد الآخذة للمال.

و محصّله: أنّ ثبوت المال المأخوذ على اليد الآخذة له بالمعنى المرادف للضّمان مقصور عليها، و لا يتعدّاها إلى غيرها ممّن لم يأخذه، و كلمة «حتّى» للغاية، فتفيد استمرار ثبوت ما أخذته عليها إلى زمان أدائه، فإذا حصل الأداء ارتفع ثبوته عليها عنها.

ثمَّ من الظاهر أنّ كلمة «على» و إن كانت للاستعلاء، و لكن ينبغي أن يعلم أنّه ليس المراد بها هنا الاستعلاء الحسّي بالمعنى المتضمّن لحمل شيء، و هو المستعلى على غيره، و هو مدخول «على» في الحسّ، بحيث يكون الأوّل محمولا و الثاني حاملا، كما في «زيد على السطح» و «أنّه على فرسه» و لازمه أن يكون ثقله عليه، ضرورة عدم كون المأخوذ باليد في جميع حالاته و بجميع فروضه محمولا و اليد حاملة له، مع أنّ في إرادة هذا المعنى من الاستهجان العرفي و المنافرة لخطاب

____________

(1) آل عمران: 97.

213

الشرع ما لا يخفى، بل المراد به الاستعلاء المعنوي على حدّ ما في قولك عليّ دين، و هو استقرار الشيء في العهدة و كونه شاغلا للذمة.

و من هنا يعلم أن ليس المراد باليد الجارحة المخصوصة، مع أنّ الأخذ قد يكون بالفم و قد يكون بالرّجل و قد يكون بغيرهما، و قد لا يكون بشيء من الجوارح و الأعضاء، مع أنّ الكلّ من باب الآلة لا الفاعل الحقيقي، و قوله (عليه السلام):

«أخذت» ظاهر في الإسناد إلى الفاعل الحقيقي، مع أنّه لا يعقل للجارحة المخصوصة عهدة و لا ذمّة، و إنّما يصحّ ذلك في الإنسان و المال يستقرّ في عهدته و يكون شاغلا لذمّته.

فتعيّن كون المراد بها صاحب اليد و هو الإنسان تسمية للكلّ باسم الجزء، كما في «أعتق رقبة» و النكتة في هذا المجاز كون أخذ المال من الإنسان ممّا يغلب صدوره من جارحة اليد.

ثمَّ الموصول كناية عمّا يملكه الإنسان و يتعلّق به الضمان ممّا يقع مورد العقود المعاوضة و غيرها، و الظاهر المنساق من الأخذ هو الاستيلاء على مال الغير و ملكه، لا خصوص ما يقبضه بإحدى جوارحه، و الظاهر من الأداء هو الرد الكافي في الخروج عن عهدته و فراغ ذمّته، و من الأهل ما يعمّ ربّ المال و مالكه و من يلي أمره من وكيل له أو وليّ إجباري أو شرعي له.

فيكون ملخّص معنى الخبر: أنّ ما يأخذه الإنسان و يستولي عليه من أموال الناس و أملاكهم يثبت عليه، أي يستقرّ في عهدته و يشغل ذمّته إلى أن يردّه إلى أهله.

و هذا كما ترى عبارة أخرى للضّمان بالمعنى المبحوث عنه، و لا يلزم من استفادته من الخبر إضمار لفظ الضمان في الكلام، و لا إخراجه من المعنى الإخباري إلى معنى إنشائي، و دلالة الخبر عليه حسبما بيّناه واضحة لا خفاء فيه و لا إجمال يعتريه كما سبق إلى بعض الأوهام.

نعم بقي

الكلام بالنسبة إلى تعميم الضمان

في جهات ربّما يشكل الحال في

214

جملة منها، و يصعب حلّ الإشكال في بعضها.

الجهة الاولى: في تعميم الضمان بالنسبة إلى المثل أو القيمة

، فإنّه في بادئ النظر لا يخلو عن إشكال، بل قد يمنع دلالة الخبر على الضمان فيهما، كما عن الفاضل النراقي في عوائده، فادّعى أنّ غاية ما يدلّ عليه الخبر إنّما هو ضمان العين مع بقائها (1) و أمّا ضمان المثل أو القيمة مع تلفها فلا دلالة عليه في الخبر التفاتا إلى وجهين:

أحدهما: الموصول مع صلته في قوله (عليه السلام): «ما أخذت» فإنّه يدلّ على أنّ المضمون على اليد هو العين المأخوذة، و ليس شيء من المثل و القيمة ممّا أخذته اليد.

و ثانيهما: ضمير «تؤدّيه» محذوفا و مذكورا، فإنّه لعوده إلى الموصول الذي هو كناية عن عين المال المأخوذ يدلّ على أنّ الذي يجب تأديته إنّما هو العين، لوضوح أنّ دفع المثل أو القيمة ليس أداء لما أخذته اليد، بل لا دلالة في لفظ الخبر على صورة التلف فضلا عن دلالته على حكمها من ضمان المثل أو القيمة.

أقول: و يمكن التفصّي عن الإشكال و إثبات الدلالة على الضمان بالمثل و القيمة في صورة التلف بإحدى وجوه ثلاث:

الأوّل: إثبات دلالة الخبر عليه بمعونة ما تقدّم ذكره في تتميم قاعدة الإقدام من القضيّة المركوزة في الأذهان من أنّه لا يذهب مال أحد إلى غيره مجّانا و بلا عوض، بل لا بدّ من دفع المال إلى صاحبه مع بقاء عينه أو دفع عوضه من المثل أو القيمة على تقدير تلف العين.

بتقريب ما بيّنّاه: من أنّ قضيّة الخبر إخبار بالضمان من باب بيان الواقع، و بهذا الاعتبار يمكن كونه مسوقا للحكاية عن القضيّة المذكورة أو لإمضاء مضمونها و تقرير الاعتقاد بها، فينجبر قصور دلالته بها، بتقريب: أنّ موضوعها و إن كان هو المال بعينه أو مثله أو قيمته إلّا أنّ الأصل في ذلك الموضوع بحسب معتقد أهل

____________

(1) عوائد الأيّام: 109.

215

العرف إنّما هو عين المال و يدخل معه المثل و القيمة في الحكم تبعا، فهما في معتقد أهل العرف من توابع أصل المال في حكم الضمان.

و حينئذ نقول: أنّ قوله (عليه السلام): «على اليد ما أخذت» و إن كان يفيد ضمان أصل المال المأخوذ إلّا أنّه يدخل معه في الضمان مثله أو قيمته تبعا، و قوله (عليه السلام): «حتى تؤدّيه» يدل على تأدية أصل المال و يدخل معه المثل و القيمة تبعا بملاحظة القضيّة المركوزة، نظير دخول توابع المبيع في الملك و إن لم تكن ملحوظة في متن العقد و لا مقصودة في دلالة لفظه.

و إن شئت قلت: إنّ الخبر يدلّ مطابقة على ضمان العين و التزاما عرفيّا على ضمان المثل و القيمة، و الدليل على اللزوم هو فهم أهل العرف الكاشف عن كون مستند فهمهم هو القضيّة المركوزة في أذهانهم.

و الأولى أن يقال: إنّ تأدية المأخوذ في الرواية عبارة عن ردّه، و هو في متفاهم العرف بمقتضى القضيّة المركوزة في أذهانهم عبارة عن دفع عينه على تقدير بقائه و دفع عوضه الواقعي من المثل أو القيمة على تقدير عدم بقائه.

الثاني: أنّ قوله (عليه السلام): «على اليد ما أخذت» في الدلالة على ضمان أصل المال المأخوذ مطلق بالنسبة إلى صورتي البقاء و التلف، و كذلك قوله (عليه السلام): «حتى تؤدّيها» في الدلالة على لزوم تأدية ذلك المال مطلق بالنسبة إلى الصورتين، فحينئذ لا بدّ إمّا من إخراج هذين المطلقين عن الإطلاق بتقييدهما بصورة بقاء العين أو التزام الضمان فيما بعد التلف أيضا. و الأوّل ممّا لا يصار إليه إلّا بمقيّد، و ليس في المقام شيء يصلح للتقييد إلّا التلف العارض للعين، بدعوى أنّه رافع للضمان و مخرج عن العهدة و مبرئا للذمّة.

و يدفعه: أنّه لا دليل عليه، بل الدليل على خلافه، و هو الإجماع على أنّ التلف لا تأثير له في رفع الضمان، فتعيّن الثاني، فإذا ثبت بحكم الإطلاق الأوّل ضمان أصل المال و كونه في عهدة اليد و شاغلا للذمّة فيما بعد التلف أيضا، فلا بدّ بحكم الإطلاق الثاني من تأدية المال لرفع الضمان و الخروج عن العهدة و تحصيل فراغ

216

الذمة، و لا يمكن فيها اعتبار تأدية المال بعينه لتعذّرها بسبب التلف، فيلزم من اعتبار تأدية العين حينئذ تكليف ما لا يطاق، و هو محال، فتعيّن العدول في التأدية حينئذ إلى ما هو أقرب إلى العين و هو المثل إن وجد له مثل، و إلّا فالقيمة.

الثالث: أنّ الخبر على تقدير عدم الإطلاق في لفظه بشيء من الوجهين يدلّ على ضمان العين و وجوب تأديتها إلى حين التلف، و إذا حصل التلف يشكّ في ارتفاع الضمان و بقاء وجوب التأدية بعده من باب الشكّ في قدح العارض، فيستصحب كلّ من الضمان و وجوب التأدية، و الاستصحاب مع الشكّ في قدح العارض كالاستصحاب مع الشكّ في عروض القادح حجّة، و إذا ثبت ضمان العين و وجوب تأديتها بعد التلف بحكم الاستصحاب تعيّن العدول في التأدية إلى الأقرب إلى العين من المثل أو القيمة لتعذّر تأديته بعينه.

و قد يقال: في تقريب دلالة الخبر على ضمان المثل أو القيمة بأنّ مفاد الخبر تحمّل الغرامة من ضمان دفع المثل أو القيمة عند تعذّر ردّ العين، غاية ما في الباب مسيس الحاجة إلى ارتكاب استخدام في ضمير المفعول في «تؤدّيه» لكن لا مطلقا، بل بناء على إضمار الضمان، و كون تقدير الخبر: على صاحب اليد ضمان ما أخذته حتى يؤدّيه، و لا بأس به بعد ظهور القرينة، فإنّ دفع عين المال إلى المالك ممّا لا يعدّ ضمانا و لا غرامة، إذ معناهما دفع ما يخرج به عن عهدة المال إذا تعذّر عينه، و هذا لا يتحقّق في المثلي إلّا بدفع المثل، و لا في القيمي إلّا بدفع القيمة، فذلك هو المعنى العرفي المنطوقي المتبادر من الخبر، و أمّا دلالته على وجوب ردّ العين مع بقائها فإنّما هي من باب الالتزام و الفحوى، و لا ضير فيه و لا غائلة أصلا. انتهى.

و فيه: مع ما عرفت من عدم ابتناء دلالة الخبر على الضمان على إضماره أنّ ضمان عين المال عبارة عن كون المال المأخوذ في عهدة الإنسان الآخذ له و شاغلا لذمّته إلى أن يدفع إلى مالكه، و إذا دفعه إليه خرج عن العهدة و برأ ذمّته، و هذا معنى معقول صحيح لا حاجة في تصحيحه إلى جعل مفاد الخبر تحمّل

217

الغرامة و جعل الضمان بمعنى الغرامة حتى يلتجئ إلى تفسيره بما لا يتحقّق إلّا بالنسبة إلى المثل أو القيمة، من دفع ما يخرج به عن عهدة المال إذا تعذّر عينه.

الجهة الثانية: في تعميم الضمان بالنسبة إلى المنافع.

فنقول: إنّها إمّا منافع حرّ من أعماله المملوكة له القابلة للنقل و الانتقال بعقد صلح أو إجارة أو غيرهما، أو منافع غيره من الأعيان المملوكة من عبد أو عقار أو دابّة، أو غيرها. و على التقديرين فإمّا أن يستوفيها الغاصب للعين المستولي عليها أو لا، بل تفوت و العين في يده، فهذه صور أربع.

لا إشكال في تحقّق ضمان اليد لعموم الخبر في المنافع المستوفاة مطلقا و إن كانت للحرّ، فإنّ الموصول الوارد في الخبر كناية عمّا يملكه الإنسان، و لكونه بحسب الوضع لغير ذوي العقول يتناول الأعيان و المنافع معا، و قد عرفت أنّ الأخذ عبارة عن الاستيلاء، و لا ريب أنّ استيفاء المنافع استيلاء عليها، فيصدق عليه قوله [(عليه السلام)]: «على اليد ما أخذت» بمعنى أنّه يثبت على الإنسان و يكون في عهدته، شاغلا لذمّته كلّ ما يستولي عليه من أموال الناس و أملاكهم حتى يؤدّيه، فهذا ممّا لا كلام فيه لوضوح المدرك.

و إنّما الكلام في المنافع الغير المستوفاة الفائتة بغصب العين، فإنّهم ذكروا أنّ الحرّ لا يدخل تحت اليد، و أنّ منافعه الفائتة في يد الغاصب المستولي عليه ليست مضمونة على الغاصب، و فرّقوا في ذلك بينه و بين العبد، فقالوا بدخوله تحت اليد و ضمان منافعه الفائتة بالغصب، فيلزم الغاصب بردّ العوض الذي عبّروا عنه ب«اجرة المثل» و كذلك منافع سائر الأعيان المغصوبة الفائتة في يد الغاصب، و كذلك الوقف العامّ إذا فاتت منافعه في يد الغاصب، فيرجع عليه في الجميع بأجرة المثل.

و قد خفي وجه الفرق بينهما على بعض الأنظار (1) فأورد عليه بما ملخّصه: أنّه

____________

(1) و هو السيد المراغي في العناوين: 291.

218

إن أريد بذلك أنّ الحرّ لا يدخل تحت اليد شرعا على معنى كون اليد المتحقّقة فيه شرعيّة فهو و إن كان كذلك، لكنّ الخبر بمقتضى القواعد منزّل على الاستيلاء العرفي، و لا مدخليّة للشرع في ذلك، مضافا إلى أنّه يلزم على هذا التقدير عدم ضمان الغاصب، لعدم كون يده على المال شرعيّة، و يلزم ضمان من يده عليه شرعيّة كالأولياء، و هو باطل.

و إن أريد أنّه لا يدخل تحت اليد عرفا فهو ممنوع، إذ الحرّية و الرقيّة لا مدخل لهما في الصدق العرفي، فإنّ كلّ من يتسلّط على إنسان بحيث تصرّف فيه كيف شاء يقال: إنّه مستول عليه و أنّه في يده، سواء كان حرّا أو عبدا.

و إن كان مبناه على أنّ الحرّ غير مملوك فلا يدخل تحت الرواية المسوقة لبيان الضمان المختصّ بالأملاك، يشكل الأمر بالنسبة إلى عدم ضمان منافعه فإنّها مملوكة، و لو قيل بأنّها أيضا ليست مملوكة فلا يشملها الرواية، لدفعه وقوع عقد الإجارة و الصلح و غيرهما من عقود المعاوضة عليه.

أقول: يمكن توجيه عدم دخول الحرّ تحت اليد، بأنّ المراد به عدم دخوله تحت الخبر الوارد في ضمان اليد، لعدم عموم فيه وضعا أو عرفا بحيث يشمل الحرّ، فإنّ الموصول الوارد فيه و إن كان عامّا إلّا أنّه عامّ بحسب الوضع في غير ذوي العقول، فلا يدخل فيه الحرّ الذي هو من ذوي العقول.

مضافا إلى أنّه لو كان كناية عن المال فالحرّ ليس بمال، و إن كان كناية عن الملك فالحرّ ليس بملك، و إن كان كناية عن المال المملوك فالحرّ ليس بمال و لا مملوك، مع أنّ الضمان المنساق من الرواية لا يتحقّق إلّا في المملوك، و الحرّ ليس بمملوك.

مضافا إلى عدم تناول قوله: «حتى تؤدّيه» إيّاه، لانتفاء المؤدّى إليه، لاستحالة تأدية الشيء إلى نفسه، بخلاف العبد فإنّه ذاتا و إن كان من سنخ ذي العقل غير أنّه لكونه مملوكا يعدّ باعتبار وصف المملوكيّة في عداد غير ذوي العقول.

219

و من ثمَّ قيل بأنّ التعبير عن المأخوذ بكلمة «ما» فيه لطف مليح، حيث يخرج به الحرّ فيشعر بأنّه لا يضمن و إنّما يضمن المملوك.

كما يمكن توجيه عدم ضمان منافع الحرّ الفائتة عليه بالغصب، بأنّ المراد به عدم دخول منافعه أيضا في الخبر المفيد لضمان اليد، لعدم شمول الموصول مع صلته لها لا في حدّ أنفسها و لا تبعا للعين التفاتا إلى ضابطة أنّ طريق الاستيلاء عليها إنّما هو الاستيلاء على العين.

أمّا الأوّل فلأنّ الاستيلاء بالنسبة إلى المنافع بالاستقلال إنّما يتحقّق في صورة الاستيفاء، و المفروض انتفاؤه.

و أمّا الثاني فلأنّ المفروض عدم دخول الحرّ في عموم الموصول، فكيف يدخل منافعه فيه تبعا لدخوله فيه؟ و حيث إنّ الضمان حكم مخالف للأصل فلا يصار إليه في منافع الحرّ بلا دليل.

و ما ذكرناه أولى و أوجه ممّا احتمل في المقام في وجه عدم دخول الحرّ و منافعه في ضمان اليد، من أنّ اليد أمر عرفي، و بعد ما فرض كون الشخص حرّا لا يقول أهل العرف: «إنّ فلانا ذو يد على فلان» و إن كان في غاية التسلّط عليه فلا يصدق اليد لا على عينه و لا على منفعته، بخلاف المملوك و منفعته.

و فيه: أنّ اليد في هذه العبارة إذا أريد به التسلّط و الاستيلاء فلا ريب في أنّه يصدق في الحرّ المقهور في يد المتسلّط عليه عرفا أنّ فلانا ذو يد عليه أي ذو استيلاء، و إنكاره مكابرة لا ينبغي الإصغاء إليه.

و أمّا وجه دخول المملوك مطلقا تحت اليد و طريق استفادة ضمان منافعه الفائتة من الخبر فهو أنّ الظاهر المنساق من الخبر في متفاهم العرف بناء على المعنى الذي قرّرناه هو أنّه يثبت على الإنسان، أي يستقرّ في ذمّته ما استولى عليه بعينه و منافعه، و لا ريب أنّ المتسلّط على المملوك غصبا، و لو عبدا مستولى عليه بعينه و منافعه، لأنّه لو أراد استيفاء منافعه قدر عليه فيكون ثابتا عليه مستقرّا في ذمّته بعينه و منافعه إلى أن يردّه إلى صاحبه، و قوله [(عليه السلام)]: «حتى يؤدّيه»

220

يقتضي تأديته على الوجه الذي استقرّ في ذمّته، و لا يتأتّى ذلك إلّا بتأديته بعينه و منافعه، و هي مع فرض فوات المنافع متعذّرة، فوجب الرجوع عليه بأجرة مثل المنافع الفائتة، و مرجعه إلى أنّه يجب على الغاصب ردّ ما غصبه بعينه و اجرة منافعه حذرا عن التكليف بغير المقدور.

و بما قرّرناه اندفع ما قيل في منع دلالة الخبر على ضمان منافع العبد: من أنّ الظاهر من قوله [(عليه السلام)]: «حتى تؤدّي» كون المال المأخوذ قابلا للتأدية إلى صاحبه، و لا ريب أنّ المنفعة بنفسها غير قابلة للتّأدية إلى صاحبها، و ما قيل أيضا:

من أنّه لا يصدق عليه أنّه قد أخذ المنافع الفائتة حتّى يكون عليه ضمانها.

و وجه الاندفاع يظهر بالتأمّل، فإنّ تعذّر تأدية المنفعة بنفسها لا يوجب خروجها من عموم دليل الضمان، بل يوجب العدول في تأديتها إلى دفع القيمة كما في العين بعد التلف، و عدم صدق الأخذ إنّما يتّجه لو أخذت الآخذ بمعنى القبض بالجارحة، و أمّا إذا أخذ بمعنى الاستيلاء فلا ريب في الصدق، لما عرفت، من أنّ المستولي على العين مستول على منافعه، و كما يتعلّق ضمان اليد بالمنافع لعموم الخبر، كذلك يتعلّق بالصفات الزائلة تحت يد الغاصب إذا كانت متقوّمة لعموم الخبر أيضا، كالثوب الأخضر أو الأصفر أو الأحمر أو نحو ذلك إذا غصبه غاصب فزال صفته في يده فيكون الصفة مضمونة عليه حتّى يؤدّي قيمتها، إذ الظاهر المتبادر من الخبر أنّه يثبت على الإنسان ما أخذه على الوجه الذي أخذه حتّى يؤدّيه بالوجه الذي ثبت عليه و استقرّ في ذمّته، و حيث يتعذّر تأدية العين بالصفة التي تثبت عليها رجع بتأديته مع قيمة صفته.

و إلى ما بيّنّاه من التعميم يشير كلام الشيخ في شرح القواعد في مقام تعميم دلالة الخبر بقوله: و البحث بعدم دلالته على الوجوب و العموم في الأخذ و المأخوذ و ظهوره في خصوص العين و المقبوض باليد و المأخوذ بقهر ظاهر الرد (1) انتهى.

فإنّ دعوى ظهور ردّ دعوى اختصاص الدلالة بالعين في معنى دعوى ظهور الدلالة على الأعمّ منها و من المنافع و الصفات.

____________

(1) شرح القواعد: الورقة 35 (مخطوط).

221

فخلاصة الكلام في ضمان المنافع أنّ مناط ضمانها بمقتضى عموم الخبر إنّما هو الاستيلاء عليها، و مناط الاستيلاء عليها إنّما هو الاستيلاء على العين بحيث تصرّف فيها كيف شاء و متى أراد، فإذا حصل الاستيلاء على العين على هذا الوجه حصل الاستيلاء على المنافع أيضا، و يكون كلّ منهما مضمونا على الغاصب و يرجع مع تلف كلّ منهما إلى العوض الواقعي، من المثل أو القيمة في تلف العين أو القيمة فقط في تلف المنافع.

و هل يضمن المنافع المستقبلة بعد تلف العين مع ضمانها بالتلف بالمثل أو القيمة؟ الوجه لا، لعدم بقاء الاستيلاء عليها بعد تلف العين، و قد عرفت أنّ الاستيلاء عليها باعتبار الاستيلاء على العين و قد خرجت العين بالتلف عن استيلاء الغاصب.

و إن شئت قلت: إنّ الشرط في ضمان المنافع إمكان دخولها في الوجود، و هذا الشرط مع تلف العين منتف.

و بجميع ما قرّرناه ظهر أنّ منافع الأعيان المملوكة عبدا كانت أو غيره لا فرق في ضمانها بين ما لو استوفاها الغاصب أولا بل تلفت في يده، فلا يشترط في ضمانها الاستيفاء و دخولها في الوجود بالفعل، بل يكفي إمكان الاستيفاء و الدخول.

و هل يعتبر فيه في صورة الفوات من غير استيفاء كونها بحيث لو كانت العين في يد المالك لاستوفاها بالفعل أولا، بل يكفي اشتمالها عليها بالقوّة و إن لم يستوفها المالك على تقدير كون العين في يده؟

و على الثاني فهل يعتبر كون المالك بحيث يتمكّن من استيفائها لاجتماع شروط الاستيفاء و فقد موانعه أولا، بل يكفي مطلقا الاشتمال عليها و إن لم يتمكّن من استيفائها المالك لفقد شرط أو وجود مانع؟

و لم نقف على تصريح في ذلك في كلام الأصحاب، و لا على متعرّض منهم لخصوص هذه الفروع، إلّا أنّ الذي يقتضيه إطلاق فتواهم في ضمان المنافع التالفة و عملهم في تضمين اجرة مثل المنافع على الغاصب و إلزامه بها من دون التفات إلى حال المالك، هو عدم اعتبار شيء ممّا ذكر في ضمان المنافع التالفة، و كون

222

المدار فيه على استيلاء الغاصب و تمكّنه من الاستيفاء، و لعلّه لعموم الخبر، بالتقريب المتقدّم، و عليه فالوجه هو الضمان مطلقا.

نعم قد يشكل الحال فيما لو تعدّدت منافع العين المغصوبة كخياطة العبد و حياكته و كتابته، تساوت قيمها أو تفاوتت، توافقت بأن أمكن اجتماعها أجمع أو اجتماع أكثر من واحدة في الوجود، أو تعاندت بأن لا يمكن اجتماعها في الوجود، بل إنّما يدخل أحدها على البدل في الوجود، و مرجعه إلى استيلاء الغاصب على أحدها على البدل لا على الجميع أو أكثر من واحدة في زمان واحد.

فهل يضمن كلّها أو أعلاها قيمة مع تفاوت القيم و كلّها مع التساوي أو يضمن الكلّ في المتوافقة و أعلاها في المتعاندة مع احتمال التفضيل في المتوافقة أيضا بين تفاوت القيم فيضمن الأعلى و تساويها فيضمن الكلّ؟ وجوه و احتمالات.

و عباراتهم في باب الغصب لا تخلو عن اختلاف و اضطراب، إلّا أنّ الذي جزم به غير واحد ممّن عاصرناه أو قاربنا عصره هو ضمان الكلّ في المتوافقة مطلقا و ضمان الأعلى في المتعاندة، لتلف الكلّ في الاولى و الأعلى في الثانية في يده.

و ظاهر عبارة الروضة اختيار الاحتمال الأخير الذي ملخّصه ضمان الأعلى في المتعاندة و كذلك في المتوافقة مع تفاوت القيم و إلّا فالجميع، حيث قال: لو تعدّدت المنافع فإن أمكن فعلها جملة أو فعل أكثر من واحدة وجب اجرة ما أمكن، و إلّا كالخياطة و الحياكة و الكتابة فأعلاها اجرة، و لو كانت الواحدة أعلى منفردة عن منافع متعدّدة يمكن جمعها ضمن الأعلى (1).

لكنّ الأصحّ من جهة الاعتبار و عموم الدليل هو الأوّل، فإنّ خبر «على اليد» دلّ على ضمان كلّ ما استولى عليه الإنسان من أموال الناس، و لا ريب أنّ الغاصب المتسلّط على العين مستول على جميع منافعه التي يمكن اجتماعها في الوجود و على كلّ واحد على البدل فيما لا يمكن اجتماعها في الوجود، و يصدق أنّه مستول على الأعلى اجرة أيضا.

____________

(1) الروضة 7: 46.

223

و قضيّة ذلك ضمانه الأعلى في الثاني و الجميع في الأوّل، من غير فرق بين تساوي قيمها أو تفاوتها، و لا وجه للاقتصار على الأعلى مع التفاوت مع عموم الدليل و تداخل غيرها من الوسطى و الأدنى فيها على ما قد يسبق إلى الوهم، لكونه خلاف الأصل ممّا لا يصار إليه إلّا بدليل، و لا دليل، بل الدليل على ما عرفت على خلافه، و من ذلك يندفع توهّم التمسك بأصل البراءة في نفي ضمان غير الأعلى، إذ لا مجرى له مع عموم الدليل على خلافه.

ثمَّ إنّ قضيّة عموم الخبر في إناطة ضمان اليد بالاستيلاء تحقّق الضمان في الحقوق التي من شأنها العوض كحقّ التحجير و حق السبق في المشتركات كالمسجد و المدرسة و السوق و الخان و ما أشبه ذلك، لحصول الأخذ بمعنى الاستيلاء فيها عرفا.

و المناقشة فيه تارة بعدم صدق الأخذ فيها لظهوره في كون المأخوذ عينا خارجيّا أو كلّيّا مشاعا، و اخرى بعدم تحقّق التأدية فيها لظهورها في كون الشيء المأخوذ قابلا للأداء إلى صاحبه و الحقّ غير قابل لها.

تندفع بما ذكرناه في دفع مثلها في ضمان المنفعة، و لكن يشكل الحال بملاحظة أنّه لم يعهد منهم إلزام الغاصب بدفع عوض ماليّ، بل الإجماع عملا و فتوى على خلافه.

و يؤيّده أنّ أمثال هذه الحقوق ليست من قبيل المال و لا الملك حتّى تقابل بالمال و إن قلنا بقبولها الصلح في بعض أفرادها.

و يمكن الذب بأنّه غير قادح في عموم الضمان المستفاد من الخبر حتّى في الحقوق من باب القاعدة، لأنّ كلّ قاعدة قابلة للتخصيص، و لتكن الحقوق التي لا تلزم غاصبها بدفع القيمة مخرجة بالدليل من سيرة أو إجماع أو غيرهما، و يظهر فائدة عموم القاعدة حسبما بيّناه في حقّ مغصوب لم يقم دليل فيه على عدم ضمان الغاصب له بالقيمة.

الجهة الثالثة: في تعميم ضمان اليد بالنسبة إلى ما لو اتّحد المال و تعدّدت اليد

، و عبّر عنه بالأيدي المتعاقبة، و قد حكموا فيها بضمان الكلّ من غير خلاف،

224

و ربّما ادّعي الإجماع عليه و قالوا: إنّ المالك يتخيّر في الرجوع على أيّهم شاء و إلى الجميع، لكن كلّ واحد في بعض المال على التساوي أو على الاختلاف حتّى يستوفي الكلّ من الكلّ.

و قد يستشكل فيه من جهة عدم الدليل فيقال: بأنّه لا دليل على شغل ذمم متعدّدة بمال واحد، و منهم من استحالة بالنظر إلى وحدة المال و عدم قبوله التعدّد، فقال: بأنّ المال الواحد لا يعقل تعلّقه بالذّمم المتعدّدة.

أقول: و قد دلّ خبر على اليد على أنّ الاستيلاء على مال الغير كائنا ما كان من أسباب ضمانه على معنى كونه في عهدة المستولي و اشتغال ذمّته به إلى أن يؤدّيه إلى صاحبه مع بقاء عينه في يده و عدم بقائه، و قد عرفت أنّ التأدية في متفاهم العرف عبارة عن ردّ المال بالمعنى الأعمّ من دفعه بعينه أو بعوضه الواقعي من المثل أو القيمة، و المفروض في مسألة تعاقب الأيدي تعدّد أسباب الضمان على حسب تعدّد الأيدي، و قضيّة تعدّد الأسباب تعدّد المسبّبات، و هذا هو معنى شغل ذمم متعدّدة بمال واحد.

و يكفي في دليله قاعدة السببيّة، و مرجعها إلى عموم دلالة الخبر على الضمان، و لا حاجة في الدلالة عليه إلى أزيد من ذلك، و هذا من تعدّد ضمان المال الواحد، و لا يلزم من تعدّد الضمان تعدّد أصل المال المضمون حتى يستحيله العقل، بل يكفي فيه قبوله العوض، و كون الرد المعتبر فيه أعمّ من دفعه بعينه أو عوضه مثلا أو قيمة.

فما تقدّم من أنّ المال الواحد لا يعقل تعلّقه بالذّمم المتعدّدة وارد على خلاف التحقيق، إذ لا يراد به ما يقتضي تعدّده في الخارج حتّى لا يجامعه وحدته الشخصيّة، و حيث إنّ الضمان حاصل على كلّ واحد بعنوان الكلّي العددي، فالتأدية أيضا واجبة على كلّ واحد بهذا العنوان، فهي من الواجب العيني التوصّلي الذي تعدّد باعتبار تعدّد سبب وجوبه على حسب تعدّد المكلّفين به، و إذا أدّاه واحد منهم من أوّل السلسلة أو آخرها أو وسطها خرج عن عهدته و برأ ذمّته و سقط عن الباقين باعتبار توصّليّته، كالدّين يسقط عن المديون بأداء المتبرّع،

225

و كالثوب الذي استعاره جماعة لأن يصلّوا فيه مع انحصار الساتر فيه و كان متنجّسا فقام واحد منهم بتطهيره و إزالة النجاسة عنه، حيث إنّه يوجب فراغ ذمّته عمّا وجب عليه من الإزالة و سقوط ذلك الواجب أيضا عن الباقين.

و من غرائب هذا المقام ما ذكره بعضهم من أنّ ذلك يصير من باب الواجب التخييري في التكاليف على ما يراه الإماميّة من وجوب الكلّ و السقوط بفعل أحدها، و لا مانع من ذلك عقلا.

فإنّ الواجب التخييري على ما يراه الإماميّة من وجوب كلّ واحد على البدل، بمعنى أنّه لا يجب الجميع، و لا يجوز الإخلال بالجميع، و أيّها فعل كان واجبا في نفسه لا بدلا عن الواجب، لزمه وحدة المكلّف و تعدّد المكلّف به، و مفروض المقام ليس من هذا الباب، بل التأدية واجب عيني على كلّ واحد من الأيدي المتعاقبة، غاية الأمر كونه توصّليّا، و سقوطه بأداء بعضهم عن الباقين حتّى من تلف في يده العين من مقتضى توصّليّته كما عرفت.

و لو جعله من باب الواجب الكفائي الذي يخاطب به الكلّ و يسقط بفعل البعض عن الباقين لكان أنسب، مع أنّه ليس من هذا الباب أيضا، لتعدّد سبب الوجوب فيه و اختصاص كلّ سبب بمن تحقّق منهم في حقّه.

و من ثمَّ يصير من الواجب العيني، و لا ينافيه سقوطه عن الباقين بفعل البعض، لأنّ الواجب العيني قد يكون توصّليّا و المقام منه، لأنّ المصلحة الباعثة على إيجاب التأدية بعد الضمان إنّما هو تفريغ الذمة عن حقّ الغير و إيصاله إلى صاحبه، و المفروض حصوله بأداء واحد و لو كان أوّل السلسلة الذي هو الغاصب، فيسقط الضمان و الخطاب بالأداء إلى المالك عن غيره و لو كان آخر السلسلة الذي استقرّ الضمان عليه و تلفت العين في يده بموت و نحوه أو صارت كالتلف في تعذّر الأداء بإباق أو شرد أو ضياع أو وقوع في البحر و نحوه. و أمّا جواز رجوع الأوّل عليه بما أدّاه إلى المالك من المثل أو القيمة أو جواز رجوع غير الأوّل من حيث كونه مغرورا بما أدّاه إلى المالك على الأوّل الغاصب باعتبار كونه غارّا أو غير ذلك ممّا ذكروه من أحكام هذه المسألة فهي أحكام أخر لا مدخل لها في ضمان اليد، تثبت

226

بأدلّة أو قواعد أخر غير خبر على اليد، مثل قاعدة نفي الضرر أو قاعدة كلّ مغرور يرجع على من غرّ أو غير ذلك.

كما أنّ رجوع كلّ مأخوذ غرامة إلى دافعه بعد عود العين إلى المالك و زوال ملك الآخذ عنه و لو كان هو المالك باعتبار كونه متزلزلا مراعى بعود العين إليه و جواز حبس العين للغاصب حتّى يستردّ ما غرمه للمالك أو جواز إجبار المالك بردّ ما أخذه غرامة إلى الغاصب، أحكام أخر خارجة عمّا نحن فيه من ضمان اليد بالخصوص المتحقّق بالاستيلاء على مال الغير.

و لكن ينبغي أن يعلم أنّ إطلاق سقوط الضمان عن الكلّ بأداء البعض إنّما يستقيم في صورة تلف العين في يد آخر السلسلة أو تعذّر أو تعسّر أدائها لعارض- و لو كانت باقية ما دام أداؤها متعذّرا أو متعسّرا- لا في صورة بقائها في يده مع تمكّن أدائها إلى المالك من غير عسر و إن رجع المالك على غيره بأخذ المثل أو القيمة، لوضوح أنّ الغاصب لا يملك العين المغصوبة و لا يزول ملك المالك عنها، للأصل، و ربّما يكون إجماعا، و إن كان المالك يملك متزلزلا ما أخذه من المثل أو القيمة غرامة و لو من الغاصب في صورة تعذّر أداء العين أو تعسّره.

و توهّم لزوم الجمع حينئذ بين العوض و المعوّض، يدفعه:

أوّلا: منع عدم جوازه شرعا، إذ لا دليل على استحالته عقلا، و الجواز الشرعي يثبت بالدّليل و لو من جهة الأصل و خبر «على اليد».

و ثانيا: منع إطلاق عدم الجواز حتّى فيما لو كان ملك أحدهما تامّا و ملك الآخر ناقصا كمفروض المسألة، بل القدر المسلّم كون ملك كلّ منهما تامّا.

و ثالثا: جواز كون الممتنع بعد تسليم امتناعه في الملك التام و الناقص أيضا اجتماعها في يد واحدة، على معنى كونهما بعد اجتماع ملكيهما لواحد تحت يده، و مفروض المقام ليس كذلك، لأنّ المعوّض بعد عوده إلى المالك يزول ملكه عن العوض لمكان كونه مراعى بالحيلولة، فإذا ارتفعت بالعود ارتفع و وجب عليه ردّه إلى من أخذ منه، و جاز له استرداده.

و قد يقال للمتفصّي عن محذور الجمع: بأنّ ما أخذ المالك من المثل أو القيمة

227

من الغاصب في صورة تعذّر أداء العين ليس عوضا عن العين، بل إنّما يأخذه للحيلولة و الضرر، و لذا يسمّى ضمان الحيلولة و عوض الحيلولة و قيمة الحيلولة.

و فيه: أنّ قضيّة الاستناد لإثبات ضمان الحيلولة إلى عموم خبر «على اليد» كونه بدل العين، و حيث إنّ ملكه مراعى بالحيلولة يسمّى بما ذكر، فإنّ المال المأخوذ غصبا و نحوه له حالات ثلاث:

الاولى: حالة بقائه في يد الغاصب بحيث يتمكّن من ردّه إلى مالكه، فهو حينئذ مضمون عليه، و معنى ضمانه كونه في عهدته إلى أن يردّه إليه.

الثانية: حالة بقائه أيضا، و لكن مع عدم تمكّنه من ردّه فهو مضمون عليه أيضا إلى أن يردّ مثله أو قيمته إلى المالك مع بقاء ملكه فيه و لو من جهة الأصل، فلو عاد وجب ردّه إليه، و إذا ردّه وجب عليه المالك ردّ ما أخذه أوّلا من المثل أو القيمة إليه، و هو المسمّى بضمان الحيلولة تارة و عوض الحيلولة أخرى، و يملكه المالك ما دامت الحيلولة باقية.

الثالثة: حالة تلفه بموت و نحوه، و يخرج بسببه عن ملك المالك، لأنّ الملك صفة وجوديّة لا بدّ لها من محلّ موجود، و يملك المالك ملكا تامّا عوضه من المثل أو القيمة في ذمّة الغاصب.

و ظاهر كلامهم التمسّك في جميع هذه الحالات لإثبات الضمان بخبر «على اليد» و هذه الحالات تتمشّى في عنوان تعاقب الأيدي أيضا، فالوجه في التفصّي عن إشكال الجمع بين العوض و المعوّض هو ما ذكرناه.

ثمَّ اعلم: إنّ خبر «على اليد» له إطلاق من جهات عديدة لا يثبت عموم قاعدة ضمان اليد به إلّا بمراعاة الإطلاق من جميع تلك الجهات.

منها: إطلاق اليد باعتبار جنسيّة لامه، فيشمل الكبير و الصغير، الذكر و الأنثى و غيرهما من أفراد جنس الإنسان.

و منها: إطلاق الموصول بالنسبة إلى الأعيان و الصفات المتقوّمة و المنافع المتقوّمة و الحقوق الماليّة حسبما ذكرناه سابقا.

و منها: إطلاق الصلة، و هو الأخذ بمعنى الاستيلاء، فيشمل ما لو كان بعنوان

228

العدوان، كما في صورة الغصب مع العلم بالحكم تكليفا و هو الحرمة، أو وضعا و هو الضمان أو الجهل به. و ما لو كان بغير عدوان، كما لو كان بعنوان العارية أو الوكالة أو الأمانة من الغاصب لجهله بكونه مغصوبا و كالمقبوض بالعقد الفاسد و المقبوض بالسوم و ما يتلف في يد الصانع و غيره ممّا يضمن باليد من غير تحقّق عدوان.

و منها: إطلاق الحكم المستفاد من الهيئة التركيبيّة، و هو الضمان بمعنى كون المال في عهدته بالقياس إلى حالات المال المأخوذ، فإنّه يعمّ ما لو كان باقيا أو مستحيلا أو ممزوجا بغيره أو متغيّرا أو زائلا عنه الصفة أو معيوبا أو تالفا كلّه أو بعضه، كلّ ذلك بفعل اللّه [تعالى] أو بفعل ذي اليد أو بفعل أجنبي، و لأجل عموم الخبر باعتبار الإطلاق الموجود فيه من الجهات المذكورة يندرج فيه ضمان المقبوض بالعقد الفاسد، و بذلك ينطبق قاعدة «اليد» على محلّ البحث من قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» فهذا هو وجه الاستدلال بها عليها، و قد تمَّ الدليل و ثبت المدّعى على وجه يعمّ جميع عقود المعاوضة.

و قد يتوهّم عدم اندراج المقبوض بالعقد الفاسد في قاعدة «ضمان اليد» لأنّ المال إنّما يقبض بإذن المالك، فلا وجه لكونه في ضمان القابض، لأنّ الإذن من جملة مسقطات الضمان.

و يندفع: منع كون الإذن في القبض و التصرف بإطلاقه مسقطا للضمان، و إنّما يسقطه في صورة خاصّة، و هي الإذن في القبض و التصرّف على وجه الاستئمان الذي يكون المال معه أمانة مالكيّة أو شرعيّة.

و ضابطها كون القبض و التصرّف لمصلحة المالك منفردة أو منضمّة إلى مصلحة القابض لا لمصلحة القابض فقط، و لذا لا يسقطه في المقبوض بالسوم، و في المغصوب إذا أذن المالك في بقائه في يد الغاصب، و في المال المجهول المالك الذي صاحب اليد مأذون شرعا في الصدقة، مع أنّه ضامن عند ظهور المالك، و المال المأذون في أكله في المخمصة، و غير ذلك من الأمثلة التي يجامع الإذن المالكي أو الشرعي فيها الضمان.

فإسقاط الضمان من بعض أحكام الإذن في بعض صوره لا من لوازم ماهيّته،

229

فالإذن الموجود في المقبوض بالعقد الفاسد بمجرّده لا يقضي بعدم اندراجه في قاعدة «ضمان اليد».

على أنّا نقول: إنّ قضيّة عموم خبر «على اليد» ضمان ذي اليد للمال مع الإذن في قبضه و مع عدمه، و لذا يضمنه في الأمثلة المذكورة و غيرها الذي منه ضمان الصانع و الأجير و الطبيب لما يتلف في أيديهم، غاية الأمر أنّه خرج من العموم باب الأمانات بدليل عامّ للجميع، أو كلّ نوع منها بدليل خاصّ به.

مع أنّه قد يمنع إطلاق الإذن في المقبوض بالعقد الفاسد، بل كان مقيّدا بعوض لم يسلم للمالك الاذن في القبض و التصرّف، و من الظاهر أنّ المقيّد يرتفع بارتفاع قيده.

المقام الثاني في بيان مدرك عكس القاعدة

و قد عرفت أنّ مورده عقود الأمانات و غيرها من العقود المجّانيّة، و ضابطها كلّ عقد لم يكن مبنيّا على التعويض، و هو تضمين القابض للمال من المالك المقبض له بعوض جعلي.

و البحث هنا أيضا يرجع إلى إثبات الملازمة بين صحيح هذه العقود و فاسدها في عدم الضمان، على معنى أنّ عدم الضمان في صحيح هذه العقود يلازم عدم الضمان في فاسدها، و مرجعه إلى إثبات عدم الضمان في فاسدها بعد فرض ثبوته في صحيحها.

فقد يستدلّ عليه بالأولويّة بتقريب: أنّ الصحيح من هذه العقود مع صحّته و إمضاء الشارع إيّاه إذا لم تقبض الضمان فالفاسد منها الذي هو بفساده بمنزلة العدم أولى بعدم اقتضاء الضمان، و ذلك أنّ الضمان إمّا أثر من إقدام المالك على تضمين القابض كما في عقود المعاوضة، أو من حكم الشارع به كما في الغصب و الإتلاف و غيره من أسباب الضمان.

و الأوّل خلاف الفرض، و إلّا لثبت الضمان في صحيح هذه العقود، و كذلك لأنّ المفروض فساد العقد، و معناه أنّ الشارع لم يرتّب عليه أثر أو لم يحكم بسببه بشيء.

230

و قد يمنع الأولويّة بأنّ الصحيح من هذه العقود لإمضاء الشارع إيّاه أثّر في رفع الضمان، و لا يلزم منه كون فاسدها أيضا مؤثّرا في دفعه لكون وجوده بمنزلة عدمه، فلا أولويّة.

أقول: و الظاهر أنّ مبنى الوجهين في دعوى الأولويّة و منعها على اختلاف النظر في أنّ الأصل في المقام هل هو عدم الضمان أو أنّه الضمان؟

فنقول في تحقيقه: إنّ المراد من الأصل المطلوب في المقام إن كان هو الأصل الأوّلي- أعني أصل البراءة- فهو مقتض لعدم الضمان في صحيح هذه العقود و فاسدها كما نبّهنا عليه عند تأسيس الأصل، و حينئذ فالضمان في ثبوته يحتاج إلى سبب أو دليل مخرج من الأصل، و على ذلك مبنى دعوى الأولويّة.

و توجيهها: أنّ صحيح هذه العقود مع إمضاء الشارع إيّاه إذا لم ينهض سببا للضمان ففاسدها- الذي هو بمنزلة العدم- أولى بعدم نهوضه سببا له، فيبقى الأصل المذكور بالنسبة إليه على اقتضائه لعدم الضمان، فمدركه في الحقيقة هو ذلك الأصل، و الأولويّة إنّما يتمسّك بها لمنع قيام المخرج من الأصل، لا لإثبات المقتضي لعدم الضمان.

و إن كان هو الأصل الثانوي- أعني قاعدة ضمان اليد المستنبطة من عموم خبر على اليد كما نبّهنا عليه قبيل ذلك في ذيل المقام الأوّل- فهو مقتض للضمان في جميع الأمانات صحيحها و فاسدها، و حينئذ فعدم الضمان يحتاج إلى دليل مخرج من عموم الضمان، و على ذلك مبنى منع الأولويّة.

و توجيهه: أنّ الضمان هو الأصل بمقتضى عموم خبر «على اليد» خرج منه الصحيح من عقود الأمانات لما دلّ على كونه مؤثّرا في رفع الضمان، و بقي غيره- أعني فاسد تلك العقود- تحت الأصل، فلا أولويّة.

و إلى هذا ينظر ما قيل: من أنّ الفاسد و إن لم يكن له مدخليّة في الضمان إلّا أنّ مقتضى عموم «على اليد» هو الضمان، خرج منه المقبوض بصحاح العقود التي يكون مواردها غير مضمونة على القابض و بقي الباقي.

و لكن قد يدفع المنع المذكور على التوجيه الذي ذكرناه بما ملخّصه: أنّ الدليل