كتاب المكاسب - المقدمة

- الشيخ مرتضى الأنصاري المزيد...
322 /
5

مقدمة التحقيق

الإهداء

سيدي ... أبا صالح

هذه جهودي بين يديك متواضعة بذلتها في سبيل خدمة الدين الحنيف

في سبيل تخليد فقه (أئمة أهل البيت) آباؤك و أجدادك الطاهرون عليهم الصلاة و السلام. في سبيل إحياء تراثنا العلمي الأصيل أهديها أليك ... يا حافظ الشريعة. يا من يملأ الأرض قسطا و عدلا بعد ما ملئت ظلما و جورا، فأنت أولى بها ممن سواك. و لا أراها متناسية و ذلك المقام الرفيع.

و أراني مقصرا و قاصرا. غير أن الهدايا على مقدار مهديها.

فتفضل علي يا سيدي (عجل اللّه تعالى لك الفرج) بالقبول، فإنه غاية المأمول.

عبدك الراجي

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

شكر و تقدير

حينما قمت بطباعة (اللمعة الدمشقية) و تصحيح هذا السفر الجليل و التعليق عليه: لم أقصد بعملي هذا سوى خدمة الدين الاسلامي الحنيف و عرضا لصفحات ناصعة عن (الفقه الجعفري).

و بعد الإخراج الى عالم الوجود بتلك الطباعة الأنيقة البديعة شاكرين اللّه عز و جل على هذه الموفقية الكاملة فقد وقع الكتاب و للّه الحمد موقع القبول و الإعجاب من رواد العلم و طلابه، و لا سيما الأعلام منهم، و على رأس هؤلاء الأفذاذ و في طليعتهم سماحة شيخنا الوالد آية اللّه (الشيخ مرتضى آل ياسين) دام ظله فقد اتحفنا بكلمته القيمة الثمينة تلك الكلمة التي جاءت مشرفة و قد تلقيناها بكل إعزاز و إكبار و إجلال و زينا بها الجزء الثالث من (اللمعة الدمشقية) من طبعتنا الحديثة.

و كان من جملة ما تفضل به سماحته علينا في الكتاب و أمرنا به:

معالجة الكتب الدراسية بمثل ما عالجنا (اللمعة الدمشقية).

فشاء اللّه عز و جل أن يحقق أمنية شيخنا المعظم دام فضله و علاه على يد ولده البار فقمت امتثالا لما أمرني بهذا العبء الثقيل فقد تم الجزء الأول من (المكاسب) بعد عناء شديد خلال ثلاثة أعوام متتالية فقدمناه

8

الى الطباعة فخرج بحمد اللّه تعالى كزميله السابق كتاب (اللمعة الدمشقية) و قد فاق وفاق شاكرين سماحة شيخنا الوالد على هذا الإفضال، و هذا اللطف الجميل. و نقدر هذه الالتفاتة الكريمة.

ثم تفضل علينا سماحته بكلمة أثمن و أثمن من زميلتها حول المكاسب فزينا بها الجزء الأول من الكتاب.

و أخيرا فأملنا الوطيد، و رجاؤنا الأكيد من سماحته دام ظله أن يجعلنا دوما تحت إرشاداته، و يتحفنا بوصاياه البالغة. و أكرم من أب رءوف.

24 محرم الحرام/ 1393

السيد محمد كلانتر

9

[التقريظ للاستاذ مرتضى آل ياسين (رحمه الله)]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

عزيزي العلّامة الحجة السيّد محمد كلانتر دام تأييده ابعث أليك بتحيّاتى الطيّبة راجيا من المولى جلّ شأنه ان يمدك بعونه و يجعلك فى حصنه انه العليّ القدير

و بعد فما أشدّ اغتباطى بهذا الجهود الجديد الّذي آثرتموه بجهودكم المنتجة غبّ انتهائكم من مجهودكم الأول إيثارا لمكاسب العلم التى لا يهدف إليها الّا المتاجرون مع اللّه تعالى فى تجارة لن تبور طمعا فى ربحها الآجل و تحقيقا لنفعها العاجل المضمون عبر الأجيال و القرون و إنّى بصفتى واحدا من ابناء العلم أجدنى مدينا لكم بالشكر و الشكر الجزيل على ما عانيتم و ما زلتم تعاتون من جهود مضنية فى سبيل العلم و اهله و لا شك فى انّ المعنيين بدراسة هذا الكتاب الوحيد فى بابه سوف لا يضنّون بتثمين جهودكم تثمينا ينبع من شهورهم بزنة هذه الجهود التى هيّئت لهم اكبر المعونة على دراسة هذا الكتاب و استيعاب فوائده و مقاصده و اين كتاب ياترى احقّ بالعناية و الرعاية من هذا الكتاب الجليل الّذي لم يسبق و لم يلحق بمثيل فجزاكم اللّه عن مؤلفه الامام المرتضى خير الجزاء و لكم من دارسيه و مدرسيه اجزل الشكر و الثناء و السلام عليكم و رحمة اللّه بركاته. 6/ رجب 1390 مرتضى آل ياسين

10

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

«رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسٰانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي».

القرآن الكريم

11

المقدّمة

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

كنت عند اشتغالي بالكتاب و دراسته لدى أساتذتي المعروفين ألمس فيه أنه أكبر دعامة لبناء صرح الاجتهاد الحديث. و معرضا خصبا لدراسة أساليب الاستدلال الفقهي الحاضر.

فقد أنتج شيخنا (الأعظم الأنصاري) طريقة بديعة عميقة في الاستدلال خاصة به، لا تشبه طريقة القدماء المشتملة على البساطة بأي حال من الأحوال حيث عدل عن طريقة الاقتناع البدائي بفحوى الأدلة الاجتهادية الى طريقة الاستدلال المتعمق، و الأخذ بأطراف الأدلة المترامية، و دراسة متفرقاتها و جمعها، ليتخلص من التناقض الذي وقع فيه غيره ممن اكتفى بالظاهر المجرد، و الأمر الذي قد حاز معه (قصب السبق) الأوفى في طريقة هذه البديعة بما أعجب معاصريه، كما أعجز من بعده من الاستزادة عليه حتى عاد الكثيرون منهم معترفين بنبوغه و تفوقه في هذا المضمار.

و الخلاصة: أن كتابه هذا أصبح و لا يزال محط أنظار العلماء، كما أن البلوغ الى مطاوي مطالبه الدقيقة صار محكما للمشتغلين يختبر به بلوغهم درجة الاجتهاد. و من ثم فقد عكف روّاد العلم و الفضيلة على دراسته و استخراج درره و لئاليه، متسابقين متباهين

غير أن هذا الكتاب و لا يزال معقّدا التعبير في أكثر مواضعه نظرا للدقة في المعنى، و العمق في مضامينه هنا و هناك فاستدعى مثل هذا الغموض التوضيح و البيان.

14

و لذلك دعت الضرورة الى دراسة الكتاب، و مداولته مع أهل الفن و الخبرة بغية تمكّن الاستفادة منه بأفضل صورة، و أوضح طريقة.

نعم كانت أمنيتي منذ بدء عهدي بالكتاب معالجة هذه الناحية الخطيرة من هذا السفر الثمين، و حل أكبر مشكلة كانت و لا يزال طلاب العلوم الدينية يواجهونها في حياتهم الدراسية الاجتهادية.

أجل: كانت هذه الأمنية في نفسي تؤلمني كلّما فكرّت في طريقة توصلني الى هذا الهدف النبيل الذي هو في نفس الوقت خطير جدا حتى سهّل اللّه عز و جل و له الشكر على ما أنعم أخيرا لي بعض الأمور فعلفت على دراسة الكتاب دراسة عميقة ليست كسوابقها.

بل أعمق و أعمق بكثير مدونا عصارة أفكاري و شواردها حول مواضع الكتاب بأرقام الهوامش، سواء التوضيحية منها أم التحليلية حتى صارت بحمد اللّه تعالى بعد جهدنا و مجهودنا لمّة نفيسة جاهزة للإفادة و الاستفادة و مهيئة للعرض و الإخراج لروّاد الكتاب من طلاب العلوم الشرعية الساعين للاختصاص في الدراسات الفقهية و الأصولية.

هذا!! و لا أكتمك أيها القارئ العزيز إني تركت في سبيل هذه الخدمة الجليلة العظيمة جل أشغالي مع أهميتها القصوى بالنسبة لي، و سعيت بكل ما في وسعي من جهد و طاقة، و صرفتها بغية الكمال، بالرغم من علي باستحالته، اذ لا كمال لأيّ موجود يتصف بالإمكان، حيث إنه خاص بذات ذي الجلال الواجب الوجود المستجمع لجميع صفات الكمال.

بل الشوق دفعني في السعي.

و جريا على القاعدة القائلة: (لا يترك الميسور بالمعسور) على أن هذا لا يمنعني من أن أؤكد رجائي الى إخواني الأعزاء، و زملائي الأجلاء

15

في ارشادي الى مواقع الاشتباه، و سأبقى شاكرا لهم هذا الفضل و الإحسان طيلة الحياة.

ثم لا يخفى ما يتطلب هذا العمل من الجهد في سبيل تحقيق أصل الكتاب و تقويم نصه، و مقابلته مع عدة نسخ، و تطبيق أحاديثه على المصادر

و لا سيما و الطباعات السابقة جلها أو كلها مشحونة بأغلاط و أخطاء هي كثيرا ما تغير وجه المراد منها، بل حتى في ألفاظ الروايات الواردة عن (الأئمة المعصومين) (صلوات اللّه عليهم أجمعين).

و هذا أمر عسير مجهد عثرنا عليه بعد جهد جهيد، و تدقيق عميق يلاحظه كل من قرأ هذا الكتاب فقد وفقنا اللّه عز و جل عليه فصححنا نسخة طبق الأصل تلكم الأخطاء حتى عاد الكتاب واضح العبارة، وافي البيان، مشروح المراد، بين المقصود.

و لست مبالغا لو قلت: إن جملة واحدة من عبارات الكتاب ربما استدعت منا صرف أيام و ليالي متتالية بلغت ثلاثين يوما لأجل التدقيق و التحقيق حولها، و استخراج فحواها، ثم تثبيت النتاج بصورة واضحة في الهامش الأمر الذي يجلب عناية القراء و المطالعين بدقة فيأخذونها بعين الاعتبار، و لا يستهينون ما بذل بشأنها من تحقيق و توضيح.

و يكفي اثباتا لهذه الدعوى مراجعة سائر النسخ المطبوعة جمعاء، و مقارنتها مع طبعتنا هذه، و إن كان ذلك لا يخفى على ذوي النهى و الفضيلة.

و أراني مقصرا في تقديري مساعي سيدنا الوالد صاحب النفس الزكية حجة الاسلام و المسلمين (السيد محمد صادق الصدر) دامت بركاته و عمت إفاضاته، حيث أتعب نفسه الشريفة في مؤازرتي بهذا المضمار فجزاه اللّه خير الجزاء.

هذا!! و من الناحية المنهجية فقد جزأنا الكتاب الى اثني عشر

16

أو أربعة عشر جزء. تسهيلا لطلبة العلم و رواده في تناوله، و استصحابه لمعاهد الدرس و التحضير، جاعلين الشرح في أسفل الصفحة معلما بأرقام مرتبة على أسلوب طبعتنا (اللمعة الدمشقية).

و أخيرا فإن رجائي إزاء هذا العمل الجليل، و الخدمة الدينية الكبرى:

هو القبول لدى شعلة- و كلهم شموعها- مذهب (أهل البيت) (الإمام جعفر بن محمد الصادق) عليه و على آبائه و أبنائه الطاهرين المعصومين أفضل التحية و السلام.

السيد محمد كلانتر

الجمعة. 4 رجب 1391 ه

17

كلمة حول الشيخ الأنصاري

لا يسعني المجال أن أشرح حياة (شيخنا الأعظم الأنصاري) (قدس اللّه نفسه الزكية) ...

و ليس باستطاعتي أن أستوفي ترجمته، أو أوفي حقه بما يليق و مكانته لأن اشتغالي بإدارة (جامعة النجف الدينية)- العامرة حتى ظهور (الحجة البالغة) (عجل اللّه تعالى له الفرج، و سهل له المخرج)- التي تستدعي بذل الفكر الجاد في إدارة شئونها، و لا سيما الأزمة المالية التي أعيش فيها، مضافا الى ما أعانيه من بعض الأمراض المؤلمة التي حرمتني الوقت الكافي، لتصفح سيرته الحافلة بكل ما تعتز به الإنسانية، علما و ورعا و تحرّجا في الدين.

لهذا و ذاك!! فإني استميح من روحانيته المقدسة العفو و العذر من القصور، أو الخلل في هذه الدراسة المتواضعة، حيث أخذت بالمثل السائر:

(ما لا يدرك كله لا يترك جله)

و في المأثور:

(لا يترك الميسور بالمعسور)

و اني بكل اعتزاز و فخر أقدم هذه الدراسة و هي من أثمن ما أتمناه في حياتي الفانية، راجيا أن تسلط بعض الأضواء على حياة (شيخنا الأعظم) الذي قل نظيره في الأجيال الماضية، و القرون الغابرة: من علمائنا الأبرار و فقهائنا العظام.

و أملي: أن يكون فيها رضا اللّه عز و جل، و إعلاء لكلمته العليا

18

و خدمة خالصة للعلم و رواده، و حافزا للأساتذة و الباحثين على البحث و التنقيب عن حياة (شيخنا الأعظم)، و غيره من علمائنا الفطاحل عطر اللّه مراقدهم.

كما آمل أن تكون لي ذكرى بعد وفاتي، لعلّني أكون ممن عناهم (الرسول الأعظم) (صلى اللّه عليه و آله) بقوله: (اذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا عن ثلاث: صدقة جارية، أو ولد صالح، أو علم ينتفع به الناس).

19

حياة الشيخ الأنصاري

كان (شيخنا الأعظم الأنصاري) نادرة الدهر، و نابعة العصر و مثالا حيا للعلم و العمل، و نبراسا يقتدى به في الاجتهاد، و مرآة جلية للورع و التقوى، و صورة صادقة للأخلاق المحمدية السامية، و مدرسة نموذجية للتربية الاسلامية العالية، و الذي استضاء بنور علمه كل عالم، و لاذ بكنفه كل فاضل، و لا تزال الهيئة العلمية الدينية في (النجف الأشرف) و غيرها في بقية البقاع العلمية الامامية تتغذى بتراثه العلمي في (الفقه و الأصول) منذ أن نبغ و جاء الى الوجود.

ولادته:

ولد طاب ثراه في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة الحرام عام 1214 في مدينة (دزفول) (1) من أبوين كريمين أصيلين في الرفعة و الشرف عريقين في الفضل و الأدب.

____________

(1) بكسر الدال: كلمة فارسية مركبة من كلمتين و هما: (دز) بمعنى القلعة، و فول معرب (بل) بالباء الفارسية بمعنى الجسر، اي قلعة الجسر ثم سميت المدينة باسم الجسر.

و هي مدينة بهيجة ذات نهر كبير يجري من جانبها و عليه جسر ضخم في غاية الاتقان يعد من عجائب الأبنية في دوره.

و المدينة هذه واقعة على أرض مسطحة واسعة الجوانب تعد من الإقليم الثالث، هواؤها حار، و ماؤها عذب، و لها نواحي خضرة و فيها بساتين كثيرة ذات فواكه متنوعة. من الرازنج و الأترج، و الليمون-

20

اسمه و اسم أبيه و نسبه:

(الشيخ مرتضى ابن الشيخ محمد أمين الأنصاري) (1).

____________

بقسميه: الحامض. و الحلو، و لالنكي، و فيها أراضي زراعية يزرع فيها الحنطة و الشعير و الباقلاء، من النوع الجيد الممتاز، و في الوقت الحاضر توجد بها فواكه أخرى.

و قد أصبحت هذه المدينة من المدن الواسعة الكبيرة الراقية ذات شوارع و ساحات وسيعة، و كانت و لا تزال من المدن العلمية الشهيرة و فيها المدارس الدينية من القسم الداخلي يسكنها طلاب العلم و رواده.

و قد أنجبت هذه المدينة علماء أماجد، و فضلاء فطاحل أصبحوا من أساطين العلم و ركائزه كصاحب المقابيس و شيخنا الأنصاري، و أمثالهما عشرات الأعلام ممن يطول بنا المقام لو ذكرناهم.

و كان فيها رجال من أهل السير و السلوك و العرفان الشامخ الرفيع منهم (السيد صدر الدين الموسوي) من بني أعمامنا، و له أيادي شاسعة في هذا الميدان.

و أسرة الشيخ استوطنت هذه المدينة منذ عهد قديم، و قسم من هذه الأسرة تسكن في (أهواز و أصفهان، و طهران).

و لا تزال فيها الأعلام منهم آية اللّه السيد النبوي الذي هو من أسرة (سادات گوشه) و من بني أعمامنا.

(1) لانتهاء نسبه الشريف الى الصحابي الشهير (جابر بن عبد اللّه) الأنصاري السلمي الخزرجي.

أليك موجز من حياته:

كنيته: قيل أبو عبد الرحمن، و قيل: أبو عبد اللّه، و قيل: أبو محمد.

كان هذا الصحابي الجليل من قدامى صحابة (الرسول الأعظم) (صلى اللّه عليه و آله) و من أجلائهم، و ممن اختص (بأهل البيت) (صلوات اللّه عليهم)، و كان من حوارى (أمير المؤمنين) عليه الصلاة و السلام و خواصه، و كان ممن يفضله على غيره، و شهد معه وقعة (صفين).

و شهد غزوة بدر، و قيل: لم يشهد، و شهد غزوات أخرى مع (الرسول الأعظم) (صلى اللّه عليه و آله).

أدرك جابر (الامام محمد الباقر) (عليه السلام) و له معه حديث حسن ذكره في (أعيان الشيعة). الجزء 15. ص 174. أليك نصه.

قال استاذ العلماء (فخر المحققين الخواجا نصير الدين الطوسى) ما تعريبه: ذهب (الامام محمد الباقر) (عليه السلام) الى دار جابر بعد أن ابتلى بالضعف و الكبر فسأله عن حاله.

فقال: أنا في حال الكبر أحب إليّ من الشباب، و المرض أحب إليّ من الصحة، و الموت أحب إليّ من الحياة.

فقال (الامام الباقر) (عليه السلام): أما أنا فأحب إليّ الحالة التي يختارها اللّه لي من الشباب و الكبر و المرض و العافية و الحياة و الموت.

فلما سمع جابر ذلك أخذ يد الامام (عليه السلام) فقبلها ثم قال: صدق رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم)، فإنه قال: ستدرك ولدا من أولادي اسمه اسمي يبقر العلوم كما يبقر الثور الأرض.

كان جابر صريح الولاء (لأهل البيت) (عليهم السلام)، و شديد

21

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

22

____________

الانقطاع إليهم، و كان ينادي بحب علي (عليه السلام) و يتظاهر به.

و كان يتكئ على عصاه و يدور في سكك المدينة و زقاقها و يقول:

معاشر الناس أدبوا أولادكم على حب (علي بن أبي طالب) فمن أبى فلينظر في شأن أمه.

أدرك جابر (الامام الباقر) (عليه السلام) كما ذكرنا فبلّغه سلام (جده رسول اللّه) (صلى اللّه عليه و آله) حينما قال له: يا جابر إنك تدرك (محمد بن علي) فأقرأه مني السلام.

و سأل جابر (الامام الباقر) (عليه السلام) أن يضمن له الشفاعة يوم القيامة فضمن (عليه السلام) له الشفاعة.

و كان جابر من أجلاء المفسرين.

و جابر هذا قد صنع وليمة (لرسول اللّه) (صلى اللّه عليه و آله) يوم حفر الخندق فدعا فيها (رسول اللّه) (صلى اللّه عليه و آله) فجاء مع أصحابه فأكلوا عن آخرهم.

و جابر أول من زار (الامام أبا عبد اللّه الحسين) (عليه السلام) في يوم الأربعين (1).

يوم الأربعين هو مناسبة مرور أربعين يوما على مصرع (سيد الشهداء) ريحانة (الرسول الأعظم) (صلى اللّه عليه و آله)، و قد قتل (صلوات اللّه و سلامه عليه) يوم عاشورا العاشر من المحرم الحرام عام 61 فيصادف يوم أربعينه في اليوم العشرين من صفر.

جاء جابر من المدينة المنورة قاصدا (كربلاء) لزيارة قبر (الحسين) توفي في (المدينة المنورة) عام 73 بعد عمر جاوز التسعين و قيل إنه آخر صحابي مات. صلى عليه امير المدينة.

(عليه السلام) في السنة الأولى فورد (كربلاء) في مثل هذا اليوم فاغتسل بالفرات و جاء الى القبر الطاهر فدنا إليه و وقع عليه فخر مغشيا فرش عليه الماء فأفاق، ثم قال: يا حسين فبكى ثم قال كلماته المروية في الكتب.

و في مثل هذا اليوم في كل عام تأتي الشيعة من أصقاع العراق و البلاد المجاورة لها، و من البلدان الشيعية النائية: الى (كربلاء المقدسة) لزيارة المرقد الطاهر حسب الأحاديث الواردة عن (أهل البيت) في فضيلة زيارته (عليه السلام) في هذا اليوم.

و قد عدت زيارته من علامات المؤمن.

قال (الامام الحسن العسكري) (عليه السلام): علامة المؤمن خمس:

صلاة احدى و خمسين، و زيارة الأربعين، و التختم باليمين، و تعفير الجبين و الجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم.

راجع (وسائل الشيعة). الجزء 10. ص 373. الباب 56 من أبواب المزار. الحديث 1.

و الجزء 3. ص 42. الباب 13 من أبواب الفرائض. الحديث 29.

و في الآونة الأخيرة لم تتجاوز مائة سنة أخذت الشيعة تحتفل لتخليد ذكرى هذا اليوم احتفالات هامة فتأتي (كربلاء) بمواكبها من شرق العراق و غربها و قد جاوزت المئات و نفوسها تبلغ نصف مليون و أكثر و تضرب الخيام و الفسطاط، ثم تأخذ في الخروج من ليلة الأربعين الى آخر يومه من مقرها الى الصحن الشريف و معها منتسبوها و هم لاطمون على الصدور، و تصرف المبالغ الباهظة لأجل اقامة الشعائر الإلهية من غير حساب، حيث إن (الحسين) (عليه السلام) أراق دمه و دم ولده و أصحابه في سبيل ابقاء الدين، و احياء كلمة اللّه العليا فتخليد ذكرى هذا اليوم

23

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

24

والده:

أما والده العظيم (الشيخ محمد أمين الأنصاري): فقد كان من أجلة العلماء العاملين، المروجين للدين الحنيف توفي بمرض الطاعون عام 1248 خارج مدينة (دزفول) فشيع جثمانه تشييعا حضره كافة الطبقات و دفن في مكان يعرف اليوم ب: (كاشفية) (1).

____________

بهذا الشكل تعظيم للشعائر: «وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعٰائِرَ اللّٰهِ فَإِنَّهٰا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ».

لكن!! يا حبذا لو كانت هذه المواكب تأتي بصورة منظمة تحت إشراف لفيف من المرشدين العالمين، و عقلاء كاملين من أهل الفضيلة و الثقافة، و ممن يهمه أمر المجتمع الاسلامي و الانساني فيرشدون هؤلاء المجتمع الذين يجتمعون في كل عام: الى التعاليم الاسلامية، و الأحكام الإلهية من البداية الى النهاية ببيان سلس، و كلام عذب، ليتخلقوا بالخلق الفاضل

(1) لاتخاذ العالم الرباني، و العارف الإلهي السيد الشريف (السيد صدر الدين الموسوي) گوشه: هذا المكان معبدا و مصلى له.

كان هذا السيد العظيم أحد أعلام العلم و أقطاب العرفان، و من أسرة السادة الشريفة الشهيرة ب: (سادات گوشه) القاطنين في (دزفول) منذ عهد قديم يرجع الى القرن الخامس الهجري حينما ارتحلوا من (المدينة المنورة) و جاءوا الى (العراق)، ثم الى (ايران) و هم و (سادات كلانتر) بنو عمومة، فان (سادات كلانتر) من أولاد (السيد رشيد الدين) و هم من أولاد (السيد صدر الدين الكبير).

و للسيد بالإضافة الى مقاماته العلمية: توغله في العرفان الشامخ الرفيع

25

والدته

أما والدته العظيمة: فهي بنت العلامة الجليل (الشيخ يعقوب) الأنصاري.

و كانت هذه المرأة الصالحة المؤمنة عابدة تقية، مواظبة على القيام بجميع العبادات من الفرائض و النوافل، مكبة على صلاة الليل و لم تفتها من نافلته ركعة واحدة حتى أخريات حياتها.

قيل: إنها بلغت من الورع و صلابة الإيمان مقاما كانت تؤثر الانصياع للشرع الشريف في كل بادرة من بوادر حياتها.

هذا و قد نقلت عنها بوادر كثيرة تدل على عمق إيمانها.

أليك بادرتين منها:

(الأولى): أنها لم ترضع هذا المولود المبارك طيلة إرضاعها له إلا و هي متطهرة.

(الثانية): أنه كان لشيخنا الأعظم اخ اسمه (الشيخ منصور) من اهل العلم و الفضيلة و كان فقير الحال- كما هي شيمة العلماء- كثير العيال فرقّت عليه والدته فاخبرت ولدها الاكبر شيخنا الأعظم حين أن ألقت الرئاسة الامامية مقاليدها إليه، و اصبح زعيما مطلقا في الأصقاع الشيعية فدعته لمساعدته بأكثر من الرواتب الجارية على روّاد العلم و طلابه التي كان يجريها عليهم (شيخنا الأعظم) حسب احتياجاتهم.

فقالت مخاطبة له: إن أخاك ضعيف الحال، كثير العيال و راتبه المقرر لا يسد مصاريفه اليومية و انت تراه بهذه الحالة و الأموال تحت

____________

و قد ألف فيه كتبا نظما و نثرا، و له كتب علمية قيمة أخرى بعضها مطبوع.

انتقل الى الرفيق الأعلى ليلة 15 شعبان المعظم. عام 1258 و حمل نعشه الطاهر الى (كربلاء المشرفة) و دفن هناك.

26

تصرفك، و تتمكن من إعطائه اكثر مما تعطي الآخرين.

فلما سمع (شيخنا الأعظم) مقالة أمه ناولها مفاتيح الغرفة التي فيها الأموال قائلا لها بلهجة المؤمن الذي لم يخضع لمنطق العاطفة:

هاك يا أماه مفاتيح الغرفة و افتحيها و خذي من الدراهم البيض، و الدنانير الصفر ما شئت، و ما يكفي ولدك الفقير على أن اكون أنا في حل، و تتحملين انت تبعاته و مسئولياته.

يا أماه إن هذه الأموال التي ترينها مجتمعة عندي هي حقوق الفقراء، و ذوى الحاجات توزع عليهم على حد سواء فكلهم فيها سواسية كأسنان المشط لا تمييز بين أحد و آخر.

يا أماه إن كان لك في الغد جواب عن الزيادة التي تأخذ فيها لولدك فاعملي ما شئت، فإن ورائك حسابا دقيقا فما ذا تصنعين؟

فزعت الوالدة من هذه الكلمات، و سرت رعدة الخوف من اللّه عز و جل في جميع أوصالها، و علمت أن لها يوما عسيرا، و حسابا دقيقا لا يشابه عالم المادة و الشهوات فرفضت المفاتيح و سلمتها الى ولدها، و تابت الى اللّه تبارك و تعالى من تلك المبادرة التي لم تتدبر عواقبها في بداية الامر و تناست بؤس ولدها الفقير و إملاقه. و اعتذرت منه.

عجبا!! إن المرأة ذات العواطف، مليئة الحنان بأولادها، فهي تبذل كل ما لها من الجهود في سبيل تمشية امور أولادها، و ترفيههم و ترقيهم في المجتمع مهما بلغ الامر، و لا يوقف عن عزمها اي شيء فكيف سلّمت المفاتيح الى ولدها حين أن سمعت مقالة شيخنا البار بأمه؟

نعم: الامر هكذا، لكن الذي دعاها الى التسليم: هو إيمانها باللّه العزيز، و يقينها بيوم الحساب.

فهنيئا لهذه المرأة المؤمنة التي شعرت في الحال باليوم العسير، و الحساب

27

الدقيق، و المسئولية الصعبة الخطرة حتى رجعت عما طالبت، و لم تدنس ثوبها بالسحت و الأوساخ، و حطام الدنيا الدنيّة التي تتكالب عليها طلابها.

و بهذه الروح الطاهرة، و الملكات الفاضلة انجبت (شيخنا الأعظم) الذي هو عملاق الفقه و الأصول في الإسلام.

فقد عكف على كتبه و مصنفاته و تحقيقاته كل من نشأ من بعده من علمائنا الأعلام، و فقهائنا العظام الى عصرنا الحاضر، و الأعصار الآتية فهم عيال عليه، و مغترفون من منهله العذب.

و لتكن هذه المرأة المؤمنة الصالحة مثالا صالحا لنسائنا اليوم التي خرجن عن كل قيد، و تركن كل شيء، و نسين يوم المعاد، و كأنهن يقلن بكل صراحة و استهتار: لا جنة و لا نار، و اذا مات الانسان فقد فات فلا حساب و لا كتاب و لا عقاب.

جده لامّه

هو العالم الجليل، (الشيخ يعقوب) الأنصاري (رحمه الله).

نال من الفضل مرتبة سامية، و درجة عالية، حتى قيل في حقه:

(ما بقي فن إلا و هو خطيبه، و لا غصن إلا و هو عندليبه).

عمه

العالم الفاضل. و الكامل البارع (الشيخ حسين الأنصاري) (رحمه الله).

نشأته العلمية

نشأ شيخنا في أحضان هذه الأسرة الكريمة التي جمعت بين العلم و العمل و الفضل و الأدب نشأة دينية صحيحة علمية، أعتني به منذ نعومة أظفاره

28

عناية دقيقة. في تربيته و تعليمه روعي فيهما الجانب الديني و الأخلاقي رعاية بالغة.

و لم يختلط في حياته الفردية و الاجتماعية الا مع أسرته الطاهرة و المقربين إليهم.

فيوما بصحبة ابيه، و حينا بملازمة عمه و اخيه، و تارة بمعية بعض الأخيار.

إلى أن اكتمل رشده، و استقام عوده، و اشتد ساعده، و ظفر بنصيب وافر من العلم، و صار محط الأنظار، و ذاع صيته في الأقطار.

فبدأ في توجيه نفسه بنفسه حسبما يراه صالحا لشأنه، مبالغا في كسب رضا والديه، رغم ما كان يتمتع به من المقام السامي.

و ليست هذه المبالغة و المواظبة في طاعة والديه بعد بلوغه و رشده، و ارتفاع قدره و علو شأنه إلا من آثار تلك التربية الصحيحة التي تلقاها عنهما.

(بيئته):

و البيئة الرشيدة الصالحة احد المقومات للكيان التربوي التي تمد الشخص بالسلوك الحسن، و قد كانت البيئة التي عاش فيها (شيخنا الأعظم) من البيئات الإسلامية الراقية.

و من الطبيعي أن للبيئة و النشأة أثرهما الخاص في سلوك الإنسان و سعادته و شقاوته.

و كم شاهدنا في هذه الفترة القليلة من عمرنا القصير في هذه الظروف المشئومة التي نحن نعيش فيها: جملة من الأحداث المتفاوتة المتباينة التي تركت آثارا سيئة على بعض الأسر و البيوتات، نتيجة للتربية الفاسدة

29

(دراساته البدائية):

قرأ القرآن الكريم و ختمه على حفّاظه المشهورين في مسقط رأسه، ثم اخذ في تعلم الكتابة و القراءة و أصول الحساب لدى أساتذة الفن، و مهرة الوقت حتى استوفى منها نصيبها، ثم وجه هممه العالية نحو العلوم العربية من النحو و الصرف و البلاغة و العروض بالإضافة الى العلوم العقلية من المنطق و الكلام فاكب عليها و اتقنها فاصبح ذا ملكة يقتدر بها من استخراج قواعدها، و تطبيقها على صغرياتها فبلغ بذلك مرتبة سامية، و درجة عالية و نال فيها أسمى الدرجات فصار من المتضلعين بها، و كتاباه: (الرسائل و المكاسب) اكبرا شاهد على إحاطته بالقواعد العربية، و القوانين المنطقية و الكلامية.

ثم شرع في الأصول و الفقه و لمّا يكمل العقد الثاني من عمره المبارك فاخذ في دراستهما دراسة تفهم و تعمق فحضر بحث بعض الأفاضل من علماء بلدته، فاستفاد منهم حتى نال مرتبة سامية يشار إليه بالبيان. و الوصول الى هذه الدرجة الرفيعة. و هذا يدل على نبوغه المبكر.

و كان جل استفاداته في هذين العلمين على عمه الجليل الفقيه:

(الشيخ حسين الأنصاري) الذي كان من أعلام أسرته، و من أفذاذ بلدته.

أنهى (شيخنا الأعظم) دروسه العالية في الفقه و الأصول على هذا العم النبيل، و بلغ فيهما الدرجة الراقية، و ظهرت له المقدرة العلمية.

لكنه يروم البلوغ الى أقصى مراحلهما، و أسمى مراتبهما كي يصبح مجتهدا مطلقا، و محققا تحريرا، و مدرسا منطيقا فعزم على الرحيل و التغرب عن الأهل و الأولاد و الأوطان في سبيل الوصول الى هدفه الأسنى.

30

(أسفار شيخنا الأنصاري):

(لشيخنا الأعظم) رحلات داخل (ايران) و خارجها فلنشرع بأسفاره الى خارج (ايران).

(السفرة الاولى: العراق)

سافر (شيخنا الأنصاري) بخدمة والده الجليل عام 1232 و هو في (العقد الثاني) من عمره المبارك و قد بلغ 18 عاما: لزيارة مراقد (اهل البيت) الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا.

خرجا من وطنهما و جاءا حتى وردا (كربلاء المشرفة).

كانت (كربلاء) بفضل بركة (الاستاذ الوحيد البهبهاني) احدى المدن العلمية الشيعية الشهيرة، و ثانية العواصم الإسلامية في معاهدها الجبارة المضاهية (للنجف الاشرف) في تقدمها العلمي. و سيرها الدراسي إن لم تفقها. و كانت مكتظة بالفطاحل، و مشحونة بالنوابغ (كالاستاذ الوحيد البهبهاني، و الشيخ يوسف البحراني، و صاحب الرياض، و صاحب الضوابط، و السيد المجاهد، و شريف العلماء)، و أمثال هؤلاء الأساطين الذين ازدهر بهم الدهر، و ابتسم بوجودهم العصر.

تشرف الشيخ بخدمة والده لزيارة (السيد المجاهد) حيث كان زعيم الحوزة العلمية، بالإضافة الى وصية عم الشيخ لهذه الزيارة فوردا مجلس درسه العامر و كان حافلا بالأفاضل فجلس والد الشيخ صدر المجلس قريبا من السيد بامر منه، و جلس (شيخنا الأنصاري) آخره بمقتضى عمره، و ادبه فبعد أن رحّب السيد المجاهد بوالد الشيخ ترحيبا حارا عاد السيد على بحثه الذي كان في جوانب صلاة الجمعة حرمة و وجوبا في (عصر الغيبة)

31

(عجل اللّه تعالى لصاحبها الفرج). ثم الوجوب عيني أو تخييري فدار الكلام نفيا و إثباتا، و طال الحديث و النقاش الى أن ذهب السيد الى الحرمة و اذا (بشيخنا الأنصاري) الذي كان كله سكوت و إصغاء في جميع المجالات و النقاشات أفاد بالوجوب، و اخذ يفيض من الأدلة النقليّة ما أبهر السيد و الحاضرين و أعجبهم حتى مال السيد الى الوجوب بعد أن انهته تحقيقاته العلمية القيمة الى الحرمة.

ثم اخذ في تفنيد هذه المقدمات، و اتى بمقدمات اخرى أدل و أمتن من الأولى على حرمة صلاة الجمعة فازداد تعجب (السيد المجاهد) و الحاضرين، و لا سيما (شيخنا الأنصاري) في العقد الثاني من عمره المبارك و لم يكمل العشرين و قد بلغ ثمانية عشر سنة و هو محيط بجوانب المسألة.

سأل (السيد المجاهد): من هذا الشاب؟.

فاجاب والده الجليل: إنه ولدى فرحب (السيد) به ترحيب أب عطوف حنون، ثم عقب ذلك الحنان بقوله: اقر اللّه به عينك، ثم قال له: امض الى وطنك بعد أن قضيت وطرا من زيارتك، ودع ولدك هنا للاشتغال و إنهاء دراساته، فإني ارى فيه النبوغ و الوصول الى أسنى مكانة علمية.

و قد حقق اللّه تعالى هذه الفراسة من (السيد المجاهد) في حق (شيخنا الأنصاري) و لم يطل العهد به.

امتثل والد الشيخ ما امره السيد فذهب الى شأنه و ترك ولده في (كربلاء) ليستفيد من غزارة علم السيد، و مناهله العذبة الفياضة فاكب على دراساته ليلا و نهارا بحضوره معهد درسي (السيد المجاهد، و الأستاذ شريف العلماء) حيث كانا زعيمى الحوزة العلمية، إلا أن الاول أشخص و أبرز و له المرجعية العليا فاستمر الحضور الى أربعة أعوام فاستفاد من نمير منهلهما العذب

32

حتى ظهرت فيه مقدرته العلمية، و مواهبه الفذة. و كانت هذه المواهب تزداد يوما فيوما و الشيخ لازم الاستاذين ملازمة الظل حتى حدثت في (كربلاء) أيام الوالي (داود باشا) (1) فتن و اضطرابات، و دامت هذه المعارك فاضطر العلماء و الفضلاء و الطلاب و اكثر أهالي كربلاء الى المغادرة و الذهاب الى (كاظمين) فكان الشيخ ممن هاجر مع المهاجرين فحل في مدينة الكاظمين.

____________

(1) هذه الحادثة تسمى حادثة (ميرآخور) نسبة الى قائد الحملة (سليمان ميرآخور): و هي فارسية مركبة من كلمتين احداهما: (مير) و هو الرئيس. و ثانيتهما: (آخور) و هو الاصطبل. اي رئيس الاصطبل حيث كان سليمان اميرا على اصطبل الحكومة العثمانية في العراق.

أليك خلاصة الحادثة بعد أن اغتال (داود باشا) (الوزير سعيد باشا) الوالي على العراق و قتله عام 1234: طمع في استقلال (العراق) لضعف الحكومة العثمانية فرتب جيشا مسلحا حتى استولى على (بغداد) بالعنف و الإرهاب فاصبح واليا عليها فاستتبت له الأمور، ثم استعمل الشدة و القسوة مع أهالي (بغداد) فوضع السيف فيهم فازعجهم و اقلقهم ثم طمع في بقية البلدان العراقية فبسط سطوته و صولته عليها، و لا سيما على (العتبات المقدسة) و الحلة فكاتب أهل الحلة فاجابوه و هم كارهون ولايته فارسل نحوهم جيشا فدخلوا المدينة فجعلوا أعزة أهلها أذلة فقتلوا النفوس، و خرّبوا الدور، و قطعوا الأشجار و النخيل، و هدموا سور المدينة.

كان العامل الوحيد في تسلط (داود باشا) على البلاد: إحداث الفتن بين أهالي كل مدينة اخذها لكي يتمكن من السيادة عليها و قد قيل:

(فرق تسد) فلما فتح الحلة القى الخلاف بينهم فتم له الاستيلاء عليها بذلك.

ثم أرسل (صالح آغا الأندروني) قائم مقاما على (النجف الاشرف)-

33

____________

- (و فتح اللّه خان) متصرفا على (كربلاء)، ثم اصدر فرمانا اي (مرسوما) بنقابة السيد حسين بن مرتضى آل دراج لأشراف (كربلاء) و أبقى سدانة الروضة المقدسة الحسينية بيد سادنها القديم (السيد محمد علي ابن عباس) آل طعمة، و أبقى سدانة (الروضة المطهرة العباسية) بيد (السيد سلطان بن ثابت) آل ثابت، ثم ارسل خمسمائة جندي لحماية (كربلاء)، إلا أن متصرف اللواء أساء السلوك مع أهالي كربلاء و جرح عواطفهم. و تحدى شعورهم الديني فاخذ من الصحن الشريف ساحة اختصها له و لحاميته ملعبا لهم، مستخفا بالروضة المقدسة، ثم دخل في الإيوان الذهبي بحذائه و لم يجرأ احد على منعه، ثم جعل جواسيس على أهالي كربلاء كانوا يدخلون الدور للتجسس فينهبون ما في الدور فكرر العمل منهم فكثرت الاعتداءات حتى ضاق صدر الأهالي من أعمالهم الهمجية فشكوا و معهم أهالي الحلة و الكاظمية: الى (داود باشا)، و بلغت استغاثاتهم إليه تترى واحدة تلو اخرى.

لكن الوالي الجر كسي الذي كان من المماليك و من أهل (تفليس) لم يعتن. و لا أصغى إليهم. و لم يهتم لامرهم، فاخذ النقيب و حاميته بالاعتدءات أشد و اكثر منها في الأول، و قد بلغ من اعتداءاتهم أنهم تعرضوا لاحد أنجال (الملك القاجاري) الذي جاء لزيارة المرقد الطاهر من (ايران) فسلبوا منه جميع ما معه من الأموال و التحف و المجوهرات فاطلع (عبد المجيد خان) الخليفة العثماني على الحادثة فامر حالا بإعدام هؤلاء الأشقياء. لكن المتصرف لم ينفذ الحكم فطلب النقيب و سادن الروضة من المتصرف تسليم الأشقياء و العصاة، و تنفيذ حكم الإعدام بحقهم فرفض المتصرف تسليمهم إليهم فكتب الى (داود باشا) و سعى-

- في حق النقيب و السادن، فاخذ الوالي جانب المتصرف و اتفقا على القضاء على النقيب و السادن.

اطلع أهالي (كربلاء) على ما اضمره الوالي و المتصرف للنقيب و السادن فقامت قيامتهم، و ثار الرأي العام في القضاء على المتصرف ففكروا في الانتقام منه فدعوا المتصرف الى وليمة طعام خارج المدينة في احد بساتينها في يوم معين فجاء المتصرف مع جنوده و حاميته و هم مدججون بالسلاح و العتاد، علتهم الخيلاء و الكبرياء، و نشوة الغرور، فنزل المتولي من جواده فجلس في المكان المعد له، ثم جيء بالطعام فاشتغل بالاكل فحمل عليه ثلاثون رجلا من أهالي كربلاء ببنادقهم فاصيب برصاصتين، و اخوه برصاصة فوقعا جريحين على الارض فاخرج المتصرف سيفه فاراد أن يحمل عليهم فلم يمهلوه فحمل عليه رجل فقطع راسه و راس اخيه فاخذ الأهالي راسيهما يطوفون بهما في زقاق كربلاء و أسواقها و شوارعها، فاخذ الجيش في الفرار فذهب قسم منهم الى (بغداد) و اختفي القسم الآخر، و وصل الخبر الى (داود باشا) فارسل رسولا الى (علماء كربلاء) يخبرهم بمغادرتها، لأنه يريد الانتقام من أهاليها و يجعل عاليها سافلها.

أساء الخبر العلماء، لأنهم كانوا عالمين أن (داود باشا) سيرتكب ذلك لو اتيحت له الفرص، و ساعدته الظروف بفتح (كربلاء) كما فعل بأهالي (الحلة) فاجتمع العلماء بالفور في دار المرحوم (السيد محمد مهدي الشهرستاني) و استقر رأيهم على ارسال وفد من العلماء الى (داود باشا) للمفاوضة معه و يراسهم (السيد محمد مهدي القزويني) و (الشيخ موسى كاشف الغطاء) فذهبوا الى (بغداد) و اجتمعوا مع (الوالي) فجرت المفاوضات و تم الصلح بينه و بين (الكربلائيّين) بمساعدة الوزير-

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

(السفرة الثانية العراق):

و بعد أن قضى (شيخنا الاعظم) سنتين في مسقط راسه مشتغلا بالبحث و التدريس عاد الى (كربلاء) للاستفادة من زعيم حوزتها العلمية (الاستاذ شريف العلماء) فدخل (كربلاء) بعد معاناة مشاق السفر،

____________

- (محمد العجمي) و مساندته، ثم طلب (السيد القزويني) من الوالي سدانة (الروضة المقدسة الحسينية) للسيد (محمد علي آل طعمة) فوافق على ذلك، ثم عين الوالي (على افندي) حاكما على (كربلاء) و فرض على أهاليها بدفع 35000 قران من الفضة ضريبة سنويا، ثم جعل (سادن الروضة) معاونا للحاكم في تمشية أموره و تسييرها، ثم خلع الوالي على سادن (الروضة المقدسة) ب: لقب (چلبي).

فكل هذا الشغب و الاضطرابات مما دعت مهاجرة العلماء و الفضلاء و الأهالي من (كربلاء).

و كان (شيخنا الأعظم) من المهاجرين الذين خرجوا من كربلاء و ذهبوا الى كاظمين فلم يطل العهد به من المكث هناك حتى جاء بعض الزوار من أهالي مدينته لزيارة العتبات المقدسة، حيث إن الشيعة تزور قبور أئمتهم الأطهار المعصومين في مناسبات زمنية فزاروا العتبات المقدسة عدى (كربلاء)، للاغتشاشات و الفتن الموجودة فيها من قبل (داود باشا) و بعد الزيارة تشرفوا لزيارة (شيخنا الأنصاري) فالتمسوا منه الرجوع الى وطنه فاستجاب دعوتهم و ذهب معهم، و كان الشيخ معززا مكرما طيلة السفر الى أن ورد مسقط راسه.

حل الشيخ في بلده (دزفول) و بقي ما يقرب من سنتين مشتغلا بالتدريس و التحقيق، اداء رسالته الخالدة فادى ما كان واجبا عليه.

36

و مرارة الطريق.

ثم بعد التشرف (بالحرم المقدس الحسيني) على مشرفه آلاف الثناء و التحية حضر معهد بحث استاذه (شريف العلماء) فلازمه ملازمة الظل فلم يفارقه حتى استفاد من نمير منهله العذب غاية ما يمكن.

كان (شيخنا الأعظم) ملازما لبحث استاذه فظفر بانشودته الضالة خلال عام واحد يتردد عليه.

ثم عزم (شيخنا الأعظم) بعد بقائه في كربلاء سنة كاملة:

على زيارة مرقد مولانا (امير المؤمنين) عليه الصلاة و السلام و الانتهال من نمير تلك (المدينة العلمية الجبارة) فدخل (النجف الأشرف) فتشرف لزيارة المرقد العلوي الطاهر، ثم حضر معهد درس فقيه الشيعة (الشيخ موسى كاشف الغطاء) المعبر عنه ب: (المصلح بين الدولتين) (1)

____________

(1) وجه تلقيب الشيخ موسى كاشف الغطاء ب: (المصلح بين الدولتين):

أنه في أيام (سعيد باشا) الوالي على (بغداد) حدث بين الحكومتين (الإيرانية و العثمانية) حادث سبب إثارة الحرب بينهما.

أليك خلاصة الحادث.

جاء لفيف من (الايرانيين) لزيارة مراقد (العتبات المقدسة) حسب طقوسهم الدينية، و تقاليدهم المذهبية فلما دخلوا (العراق) حمل عليهم عسكر الأتراك فقتلوا جماعة منهم، و نهبوا أموالهم و أموال الآخرين الذين لم يقتلوا فرجع الباقون الى (كرمانشاه) و كان الوالي عليها (محمد علي ميرزا) نجل (الملك فتحعلي شاه) القاجار، حيث كان هو الوالي على كردستان الايرانية و لرستان، من قبل والده فرجع الباقون من محل الحادث و ذهبوا الى محل الشهزاده و هم يبكون و يصرخون و معهم نسائهم و حرائرهم.

- سأل الشهزاده عن سبب بكائهم فاخبروه بما أصابهم في الطريق من جند العثمانيين فاستشاط غضبا و زاد تعجبا و قال: يا عجبا نحن تركنا العثمانيين عما فعلوا معنا و عفونا عنهم و هم بعد على جهلهم و ظلمهم و نحن أجدر بالبدءة في التعدي، و أحرى بالإساءة معهم، فهيأ من ساعته جيشا لمحاربة الأتراك.

و كانت هذه المعارك لبدامية دوما بين الحكومتين.

سمع الوالي بذلك فاعدّ جيشا عرمرما لمحاربة الشهزاده فتوجه نحو خانقين، و توجه الشهزاده نحو خانقين فاشتعلت نيران الحرب بين الجيشين قريبا من خانقين و كان النصر للشهزاده، و أسر من الجيش العثماني و فيهم داود افندي الجركسي الذي صار واليا على بغداد بعد قتل واليها (سعيد باشا) ولي نعمته الذي سمي بعد ذلك داود باشا.

اضطرب (سعيد باشا) الوالي و أهالي بغداد، خوفا من مجيء الشهزاده الى بغداد، و وقوع الحرب بينهما فلم يريدا إلا الاستنجاد (بالشيخ موسى) فاستنجد به فكتب هو و أهالي بغداد إليه يطلبون منه الاصلاح بين الدولتين.

وردت الكتب على الشيخ فلبى دعوتهم و مسئولهم، حقنا للدماء فكتب الى الملك (فتحعلي شاه القاجار)، والى (الشهزاده) فارسل الكتابين إليهما مع ابن عمه الشيخ موسى الخضر فجاء الشيخ الى ايران و سلم الكتابين فوقعا موضع تقدير و تجليل فجرى الصلح بين الدولتين، فامر الشهزاده بزحف الجيش، و رجع الشيخ مع الممثل الوالي فرحين مسرورين و معهما التحف و الهدايا الثمينة، كما أن الوالي ارسل هدايا و تحف كثيرة للشهزاده-

37

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

38

فوجده بحرا زاخرا متلاطما دفاقا في الفقه، بصيرا بقوانينه، عالما بمبانيه فاستفاد منه سنة كاملة، أو اكثر، ثم عزم على مغادرة العراق فخرج حتى جاء الى مسقط راسه فحل فيها.

(السفرة الثالثة ربوع ايران):

لم يكتف (الشيخ الأنصاري) بما استفاده من بحوثه الفقهية و الأصولية في (النجف الأشرف و كربلاء المشرفة) من أعلامهما و لم يقتصر على معلوماته هذه فحسب فهو يروم الوصول الى الهدف الاسمي فعزم على مغادرة مسقط راسه، و كانت الغاية من سفره هذا التطواف في أصقاع ايران، و التجوال في ربوعها، ليطلع على الحركة العلمية في تلك البلاد، و يجتمع مع رجالات العلم الذين اشتهروا فيها، للاستطلاع على مقامهم العلمي حتى لو كان هناك من يمكن الاستفادة منه لاستفاد كما استفاد من بحوث أفذاذ (النجف و كربلاء) و آرائهم القيمة.

لم يوقف عزمه و ارادته شيء عن سفرته هذه سوى رضى والدته الكريمة التي كانت مقدرة و مكرمة عند الشيخ غاية التقدير و الإكرام، و الشيخ يعلم أن والدته لا ترضى بسفره لو سمعت، حيث فارقته ستة أعوام في سفرتيه الى (العراق) ففكر في كيفية إرضائها فعرض عليها سفره و أنه قاصد خراسان لزيارة الامام الثامن (ابي الحسن الرضا) (عليه السلام)، فاطلعت والدته الحنون على سفر ولدها البار فأظهرت عدم رضاها بذلك، لعدم

____________

- و الملك بصحبة الشيخ و الممثل الدبلوماسي.

فهذه الخدمة الانسانية لقب شيخنا الفقيه ب: المصلح بين الدولتين.

راجع العبقات العنبرية في الطبقات الجعفرية للفقيد الراحل آية اللّه الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء.

39

تمكنها من مفارقته ثالثة.

و كان (شيخنا الأعظم) يطلب ضالته، و يسعى جاهدا لتحقيقها فاصر على السفر، و أحلت الأم الحنون على البقاء، لكن الشيخ لم ينثني عن عزمه فحاول إقناعها و إرضائها فاستعمل شتى الوسائل بكل ما لديه من الإمكانيات فلم تقنع و لم ترض فاصرت على بقائه عندها فطال الإلحاح من الشيخ، و كثر الإصرار من الأم، و دام الإلحاح و الإصرار أياما و أسابيع حتى اتفقا اخيرا على إيكال امرهما الى الاستخارة (1) التي هي الطريقة الوحيدة في حل كل مهمة فعزما عليها ب: (القرآن المجيد).

أخذ (الشيخ المصحف الشريف) ناويا ما اراده فقرأ المأثور ثم فتحه و اذا في يمين الصفحة المباركة: (وَ لٰا تَخٰافِي وَ لٰا تَحْزَنِي إِنّٰا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جٰاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (2). القصص: الآية 8.

فرح (شيخنا الأعظم) من موافقة الاستخارة لسفره و سر بذلك

____________

(1) مصدر باب الاستفعال من استخار يستخير. و معناه: طلب الخير من اللّه العزيز: و هو من متفردات الشيعة الامامية عند ما تكون لهم مهمة لم يعلموا بصلاحها و فسادها، و العقل متحير عندها، لعدم إحاطته بجميع جوانب المصالح و المفاسد: يستخيرون اللّه جل جلاله، لعلمه بالأمور و إحاطته بالمصالح و المفاسد.

(2) إن اللّه تبارك و تعالى يحكي (لرسوله الأعظم) (صلى اللّه عليه و آله) عن نبيه (موسى) (عليه السلام) بعد أن وضعته أمه فخافت عليه من فراعنة وقتها و أنهم يقتلونه فاوحى إليها بطريق الإلهام و القذف في قلبها:

أن لا تخافي منهم من القتل، فاذا خفت عليه القتل فألقيه في البحر و هو النيل و لا تخافي عليه الضيعة، و لا تحزني من فراقه إنا رادوه أليك بالقريب العاجل، و نجعله من الأنبياء و المرسلين.

40

سرورا بالغا، ثم فسر الآية الكريمة لوالدته الحنون فسكنت روعتها و فرحت بهذه البشارة.

و تفاءلت بالخير و الموفقية الكاملة لولدها من سفره هذا، فإن الآية الكريمة بشرت بمستقبل مشرق (لشيخنا الأعظم)، و قد تحققت هذه البشارة و أصبح (شيخنا الأنصاري) مرجعا دينيا، و زعيما علميا و قائدا روحيا بعد أن القت الزعامة الدينية مقاليدها إليه، و مؤلفا عظيما حيث خلف كتبا عكف عليها و لا يزال رواد العلم و طلابه: و منها هذا الكتاب الذي بأيدينا و نوضحه لك، و نعلق عليه.

استعد شيخنا للسفر فخطر بباله أن يصحب معه أخاه، و عرض الفكرة على اخيه (الشيخ منصور) فاستقبلها بالسرور و الشعف، فاستخار له (بالمصحف) الشريف، و اذا بالآية الكريمة: سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ القصص: الآية 39.

أنس (شيخنا الانصاري) بهذه البشارة فاستعد للسفر فخرج مع اخيه من مسقط راسهما متوكلين على اللّه العزيز، قاصدين مدينة (بروجرد) حيث كان فيها احد الأعلام النوابغ، فقطعا تلك الطرق الوعرة، و الجبال الشامخات الناطحات ذات صعود و نزول و التواءات: و هي جبال (لرستان) كل ذلك للحصول على هدفه الاسمي، فبعد العناء دخلا مدينة (بروجرد) (1)

____________

(1) بضم الباء مدينة جميلة فرهة من مدن (ايران) ماؤها عذب، و هواؤها رطب، تعد من الإقليم الرابع، واقعة على أرض مسطحة، جوانبها وسيعة، و فيها أسواق و شوارع بديعة، و على سكانها لمحة من الجمال الطبيعي و هم من اهل الحال، و أصحاب الكمال، و فيها بساتين و حدائق كأنها (إرم) ذات العماد، و لها أراضي زراعية إنتاجها حسن جدا، و فيها الصناعات اليدوية البديعة و منها صناعة الورشو على أقسامها، و تعد هذه-

41

و حلا في مدرستها الدينية (1).

____________

- الصناعة وحيدة فيها.

و قد اصبحت هذه المدينة ببركة رجال الدين و رواد العلم احد المراكز العلمية الصغيرة في دورها، و لا تزال كذلك.

و قد انجبت هذه المدينة رجالا و نوابغ سجلت أسماؤهم في صفحات التاريخ، و في طليعتهم (العلامة السيد بحر العلوم)، و في عصرنا زعيم الطائفة المرحوم (السيد آغا حسين الطباطبائي البروجردي) طاب ثراه صاحب المآثر العلمية، و الآثار العمرانية الخالدة.

(منها): مدارسه الدينية في (النجف الأشرف و كربلاء و كرمانشاه) من القسم الداخلي.

و منها: مساجده الشامخات في (زاهدان و طهران).

و منها: (مسجده الأعظم) في (قم) الذي هو من أعظم المساجد و الذي يضاهي (المسجد الاقصى، و المسجد النبوي) في ضخامته و بنايته الشامخة العالية، و الذي تقام فيه الصلاة خمسة أوقات، و تدرس فيه الدروس الدينية، و تلقى فيه المواعظ و الارشادات و المسائل طيلة السنة.

(1) كان المؤسس لهذه المدرسة العلمية، و الحركة الدراسية: العالم الجليل (الشيخ اسد اللّه البروجردي) الشهير في حدود بلاده ب:

(حجة الاسلام).

كان هذا العالم النبيل من أعلام رجالات الشيعة في عصره في تلك البلاد، و كان ذا علم غزير، و فضل كثير، أوجد الحركة العلمية هناك و بنى مدرسة ضخمة عالية لرواد العلم و طلابه من القسم الداخلي فاصبحت من المدن العلمية الشيعية في (ايران) تضاهي البلدان العلمية فيها-

42

حط الشيخ و اخوه رحلهما في المدرسة، و بعد يومين زار الشيخ اسد اللّه زعيم الحوزة العلمية في (بروجرد) (شيخنا الأنصاري) و اخاه في المدرسة فتصافحا و تعانقا، ثم دار بينهما الترحيب.

كانت الزيارة مجردة عن البحوث العلمية فلم يقف (الشيخ البروجردي) على مدى علمية (شيخنا الأنصاري)، و لم يكن على معرفة سابقة به فطلب من الشيخ بقائه في (بروجرد)، ليكون مدرسا لولده في مدرسته فاحس الشيخ بذلك فقال لاخيه: أين كتابات دروسك التي القيتها عليك في الطريق هاتها و قدمها للشيخ فجاء بها في ساعته و قدمها للشيخ البروجردي فاخذها و طالعها فاطلع على مدى مقام (شيخنا الأنصاري) العلمي فندم عما قاله للشيخ و اعتذر، ثم اخذهما الى داره و بقيا عنده ثلاثون يوما معززين مكرمين.

ثم عزما على المغادرة و خرجا من عنده قاصدين مدينة (اصفهان) (1)

____________

- تشد إليها الرجال، و تهافت عليها ذوو الفضل من شتى بلاد (ايران).

انتقل الى جوار ربه الكريم عام 1270- 1271 في مدينة (بروجرد) و دفن بها.

(1) بكسر الهمزة و سكون الصاد و ضم الفاء معرب (سپاهان): و هي كلمة فارسية مركبة من كلمتين و هما: (سپاه) بمعنى الجيش.

و (هان) بمعنى المكان اي مكان الجيش حيث كانت ثكنة لاحدى الفرق الجيشية الكبرى (لملوك الفرس) الساسانيين.

كانت هذه المدينة الجبارة تعد و لا تزال ثالثة المدن العلمية الاسلامية من حيث أهمية مركزيتها الثقافية.

بل هي من أكبر معاهدها، و من أعظم عواصم الأدب الكبرى منذ الفتح الاسلامي، و اعتناق مواطينها للدين الحنيف، و حفلت هذه المدينة بأعظم الرجال، و نوابغ الأعلام.

جاء في معجم البلدان ج 1. ص 273:

(و خرج من اصبهان من العلماء و الأئمة في كل فن ما لم يخرج من مدينة من المدن: ... و قد فشا فيها الخراب في هذا الوقت و قبله في نواحيها، لكثرة الفتن و التعصب بين الشافعية و الحنفية، و الحروب المتصلة بين الحزبين، فكلما ظهرت طائفة نهبت محلة الاخرى و أحرقتها و خربتها لا يأخذهم من ذلك إل و لا ذمة!).

و لنعطيك نموذجا من تلك الفتن المدمرة نورد موجز ما اشار إليه ابن ابي الحديد الشافعي في شرح نهج البلاغة.

قال في ج 8 ص 237 عند كلامه على خروج التتر، و تدميرهم البلاد الاسلامية و قد عاش في تلك الكارثة العظمى و عاصرها:

(و لم يبق لهم إلا اصبهان، فإنهم نزلوا عليها مرارا سنة سبع و عشرين و ستمائة و حاربهم اهلها، و قتل من الفريقين مقتلة عظيمة و لم يبلغوا منها غرضا.

حتى اختلف اهل اصبهان في سنة 633 و هم طائفتان: حنفية. و شافعية و بينهم حروب متصلة، و عصبية ظاهرة.

فخرج قوم من أصحاب الشافعي الى من يجاورهم و يتاخمهم من ممالك التتار فقالوا لهم: اقصدوا البلد حتى نسلمه إليكم! ... فنزلوا على اصفهان في سنة ثلاث و ثلاثين المذكورة و حصروها فاختلف سيفا الشافعية و الحنفية في المدينة حتى قتل كثير منهم، و فتحت أبواب المدينة فتحها الشافعية! على عهد بينهم و بين التتر أن يقتلوا الحنفية و يعفوا عن الشافعية، فلما دخلوا البلاد بدءوا بالشافعية فقتلوهم قتلا ذريعا و لم يقفوا مع العهد الذي عهدوه لهم ثم قتلوا الحنفية، ثم قتلوا سائر الناس و سبوا النساء و شقوا بطون الحبالى و نهبوا الأموال، ثم أضرموا النار فاحرقوا (أصبهان) حتى صارت تلولا من الرماد) انتهى.

43

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

44

____________

و قد ساعد على أهمية هذه المدينة عوامل تاريخية و جغرافية ليس هنا محل ذكرها، و قد عظمت منزلتها الدينية عند (الطائفة الامامية) منذ أن حلت فيها: (الدولة الصفوية) و اتخذتها عاصمة لهم فهي من اغنى المراكز الثقافية العالية الراقية، و منها صدرت الدورات العلمية و أعظمها:

(حلية الأولياء):

(المعجم الكبير للطبراني):

(بحار الأنوار): في علوم (أهل البيت الأطهار).

هذه الموسوعة الجبارة التي تعد من أعظم الكتب الاسلامية المؤلفة لحد الآن، و الحاوية لشتى علومها فبالأحرى أن يقال لها: (دائرة المعارف)

و قد انجبت هذه المدينة الجبارة المئات من الأفذاذ أمثال (شيخنا البهائي) الذي بفضله نشرت على العالم تعاليمه القيمة، و إرشاداته الثمينة

هذه آثاره الخالدة، و خرائطه الجبارة التي تبهر العقول، و التي تشع على الدهور يأتي شرح حياته في أعلام المكاسب.

و هذا مولانا (الشيخ عبد اللّه التستري) مؤسس الحوزة العلمية في (اصبهان)، و صاحب المدرسة المعروفة فيها باسمه.

و هذا المجلسي الاول، و المجلسي الثاني مؤلف البحار و عشرات الكتب.

و هذه مساجدها الشامخة: (مسجد شاه، مسجد الشيخ لطف اللّه المسجد الجامع، مسجد السيد) و غيرها من عشرات المساجد.

و هذه مدارسها العالية كأنها صرح ممرد من قوارير: (المدرسة السلطانية. مدرسة الصدر. مدرسة نادر شاه. مدرسة ملا عبد اللّه. مدرسة باقلعه، و غيرها من المدارس الدينية.

و هذه بناياتها التاريخية الأثرية التي امتازت بهندستها، و التي تدهش العقول.

كل هذه بفضل بركة (الدولة الصفوية) و ملوكها الذين لهم-

45

حط الشيخ و اخوه رحلهما في احدى الخانات المعدة للقادم و المسافر و كان الزعيم الديني و العلمي في (اصبهان) يوم ذاك: الفقيه العظيم السيد الشريف السيد محمد باقر الشفتي الملقب ب: (حجة الاسلام الرشتي) (1)

____________

- (القدح المعلى) في تأييد المذهب. و إليهم يرجع الفضل الاكبر في نشره و تشجيع العلم و التأليف، و تعظيم الشعائر، و تشييد الجوامع، و تخليد المآثر و بناية المدارس، و تشجيع العلم و رواده، و ترويج العلماء و تكريمهم و تقديمهم على كافة الطبقات، و إعطائهم مشيخة الاسلام، و مناصب الوزارة و المصاهرة معهم، و غير هذه مما يعلي شأنهم في المجتمع.

(1) كان هذا السيد الجليل من مفاخر علماء الشيعة و نوابغها.

أنهى دراساته البدائية و المتوسطة و قسما من الفقه و الأصول الراقي في (اصبهان)، ثم غادرها قاصدا (العتبات المقدسة) لإنهاء دراساته العالية لدى أساطين العلم، و جهابذة الفضل فحل في (كربلاء) فتتلمذ على (الاستاذ الاكبر الوحيد البهبهاني) فاستفاد من علمه الجم، و من بحره المتلاطم، ثم بعد وفاته تتلمذ على السيد بحر العلوم و صاحب الرياض و كاشف الغطاء حتى برع في الفقه و الأصول.

و كان (سيدنا المترجم) له القدح المعلى في الحكمة و الفلسفة و الكلام و الحديث و الرجال و الرياضة، و الهندسة و العلوم الغريبة.

و الخلاصة: أنه كان مثالا للفضيلة.

ثم إن للسيد ميزة خاصة على بقية رجالات الدين في عصره:

و هو تصلبه في تنفيذ أحكام الدين، و اقامة الحدود الشرعية على الجناة و المجرمين

كان (سيدنا المترجم) كثير العبادة، ملتزما بالنوافل، مترنما بالأدعية و الأذكار، قائما في الأسحار، يناجي ربه في آناء الليل و أطراف النهار.

له مؤلفات نافعة جيدة ليس هنا محل ذكرها. لبى نداء ربه الجليل-

46

كانت غاية (شيخنا الأنصاري) من سفره الى (اصبهان):

هو الوقوف على مدى علمية (السيد)، و كان للسيد معهد درس فحضره (شيخنا الأنصاري) متنكرا و الحفل مكتظ بالأفاضل، مملو بالفطاحل و السيد يلقي عليهم البحوث الفقهية و الأصولية، و كان البحث في جوانب مسألة فقهية غامضة فدار الحديث بينهم، و كثر القيل و القال فيها و كل أفاد حسب معلوماته، ثم أفاد السيد و أورد شبهة على مباني المسألة و مداركها و أراد الجواب من أفاضل حوزته.

لم يوفق أحد للجواب و السيد مطرق راسه و يريد منهم الجواب و الحل.

كان (شيخنا الأنصاري) آخذا جانب السكوت و الإصغاء الى كلمات السيد و تلامذته فالتفت الى أحد الجالسين بجنبه الذي كان من أهل الفضيلة بهدوء و وقار من غير أن يلفت أنظار الآخرين فقال: هذا جواب اشكال السيد، ثم شرع في الجواب حسب رايه الصائب، و الرجل الفاضل يصغي إليه بإمعان فاستحسنه منه فخرج (شيخنا الأنصاري) من فوره من المجلس ثم أخذ الرجل الفاضل يقرر جواب الشيخ (للسيد الاستاذ) فأصغى السيد الى الجواب الى أن أنهاه فأعجبه و تعجب منه فسأل التلميذ: من أين لك هذا الجواب؟

حيث إن السيد يعلم أن الجواب فوق مستوى ذلك التلميذ فلم يبين التلميذ حقيقة الامر، فأصر السيد و أراد منه حقيقة الامر.

لم ير التلميذ بدا إلا الاعتراف بالواقع فحكى واقع الامر فسأل السيد عن اسم الرجل فقال التلميذ: ما سألته، فالتفت السيد بذهنه الوقاد أن الجواب صدر من ناحية الشيخ، لاشتهاره بالفضيلة و المقدرة العلمية عند السيد

____________

- فانتقل الى الرفيق الأعلى عام 1260 في (اصبهان) و دفن هناك في مقبرة هيأها لنفسه و هي بجنب مسجده المعروف باسمه (مسجد السيد).

47

و الأوساط العلمية فأمر السيد بعض أصحابه بالفحص عنه في الفور فذهب من ساعته ليسأل عن المجيب و اذا هو بالمكان الذي وصفناه لك آنفا فجاء فاخبر السيد فقال السيد له: اذهب و أخبره بذهابنا إليه في هذا اليوم فذهب و أخبره بذلك فاعتذر الشيخ عن تشريف السيد قائلا: إن السيد من حقه أن يزار، لأنه زعيم ديني و علمي له مكانته السامية في الاجتماع.

جاء الرسول فاخبر السيد بمقالة الشيخ و ما جرى بينهما.

فقال السيد: الواجب علينا زيارته فجاء مع لمة من تلامذته الأفاضل و اذا بالشيخ و اخيه متوجهان الى دار السيد فالتقيا في الزقاق، و تعانقا في الطريق حسب الدستور الاسلامي، حيث إن المقرر فيه عند ما يجتمع الأخوان أن يتعانقا و يتصافحا، ثم تبادلت بينهما كلمات الترحيب و التحبيب فاعتذر الشيخ قائلا: إن وظيفتنا زيارتكم و التشرف بخدمتكم، فاجاب السيد إن الواجب علينا زيارتكم.

اجل!! هكذا كان شأن رجال الدين و زعمائه الأخيار، فإنهم لا يرون لأنفسهم ميزة خاصة على الآخرين مهما بلغوا من المقام، و نالوا من الجاه و لعمر الحق: إن هؤلاء هم المعنيون في قول الامام الصادق (عليه السلام):

(من كان من الفقهاء حافظا لدينه، صائنا لنفسه، مخالفا لهواه، مطيعا لامر مولاه فللعوام أن يقلدوه):

و لعمرك: إنهم كانوا مخالفين لهواهم، مطيعين لامر مولاهم، فهذه و تلك نالوا المراتب السامية، و الدرجات العالية، و الرئاسة الإلهية.

إن (السيد) زعيم ديني و علمي و له مكانته المرموقة في الأوساط العلمية، و السلطات الزمنية، و المجتمعات الدينية فمن حقه أن يزار.

و (الشيخ) قادم، و لكل قادم كرامة، و من جملة إكرامه:

إعزازه بأن يزار، بالإضافة الى أن زيارته إدخال السرور في قلبه و هو

48

من المستحبات الأكيدة و قد حث عليه الشرع فالسيد ادّى وظيفته الشرعية و الشيخ أتى بالواجب العرفي فكل جاء ليزور صاحبه.

اضف الى ذلك: أن كل واحد منهما لا يرى لنفسه ميزة حتى يزار أولا، ثم يرد عليه الزيارة.

و هذا هو نكران الذات.

اخذ السيد الشيخ و اخاه الى داره ليحلّا ضيفين عنده فاحسن ضيافتهما فبقيا عنده شهرا كاملا فاستمرت المحاورات العلمية، و البحوث الفقهية بين (السيد و الشيخ) ليل و نهار طوال أيام إقامته عند (السيد) و كانا يخوضان في المسائل الأصولية و الفقهية، و دام البحث بينهما.

كان (السيد) معجبا بآراء الشيخ الرصينة، و بكثرة إحاطته و طول باعه فألف بالمحاورات فيما بينهم، و أنس به فرغب في بقاء (الشيخ) عنده فسأله عن سبب مجيئه.

فقال: قاصدا زيارتكم، فقال (السيد): هلا بقيتم هنا.

فقال (الشيخ): إن لنا دويرة في بلدتنا لا بدّ لنا من الرجوع إليها.

فاجاب (السيد): إننا نتمكن من تهيئة دار لكم هنا.

فقال (الشيخ): إن الوالدة بالانتظار و لو اردنا البقاء في (ايران) لاخترنا (اصفهان).

كان الشيخ و اخوه في دار السيد و في ضيافته مكرمين معززين شهرا كاملا، ثم عزما على مغادرة (أصبهان) فخرجا منها قاصدين مدينة (كاشان).

كانت الغاية من سفر (شيخنا الأنصاري) الى هذه المدينة:

الاستطلاع على مدى علمية (المولى النراقي) (1) الذي كانت له الشهرة العلمية في أوساطها في الأصقاع الشيعية.

____________

(1) هو الفقيه الأعظم، و الفيلسوف الأكبر، و الحكيم المتأله، موسوعة-

- الفضائل أحد أقطاب العلم و أساطينه في القرن الثالث عشر: (المولى أحمد بن محمد مهدي بن أبي ذر النراقي) أعلى اللّه درجاتهم، و رفع في الخلد مقامهم.

ولد في قرية (نراق) من قرى (كاشان).

و كاشان احدى مدن (ايران) واقعة بين (قم و أصفهان) كانت و لا تزال من المدن العظام في (ايران)، و كانت عامرة أيام (الدولة الصفوية) أكثر مما هي الآن و قد بلغت من عمرانها أن عدت من أهم بلاد ايران و كان فيها المعامل اليدوية المدهشة للعقول.

منها: معمل الحرير الذي يعد إنتاجه من أجود الحرير العالمي و كان يحمل الى البلاد.

و منها: معمل السجاد و سجاده من أرقى نوع السجاد الايراني و قد بلغ من جودته أن الطبقات العالية و المتوسطة تلج بذكره و تقول: (السجاد الكاشاني) و من عجيب أمر هذه المدينة أنه لا يوجد فيها بطال كلهم من أهل الحرف و الذوق.

لهم أعمال يدوية أخرى منها: (صناعة الصفر) فإنهم يصنعون منه الظروف و الأواني البديعة قل نظيرها في بقية البلدان.

و جوانب هذه المدينة مفتوحة و فواكهها من النوع الجيد و لا سيما البطيخ و الرمان و التين و العنب.

أنجبت هذه المدينة أعلاما و أفذاذا ممن رجالات العلم كمولانا النراقي و أبيه، و مولانا الفيض الكاشاني صاحب المؤلفات القيمة. تأتي الإشارة الى حياته عند ما يذكر عنه الشيخ أقوالا في التنجيم، و غير هؤلاء الجهابذة.

دراساته البدائية: أخذ أوليات دراساته في مسقط رأسه، ثم شرع في العلوم العربية من الصرف و النحو و الفصاحة و البلاغة هناك حتى أنهاها و برع فيها.

ثم أخذ في المنطق و الرياضيات و الهيئة و الفلكيات لدى أساتذتها المعروفين من مهرة العصر فبلغ فيها مرتبة رفيعة، و درجة عالية قل نظيره في أقرانه و هو في حداثة من العمر.

ثم بدأ في الفقه و الأصول، و الحكمة و الكلام و الفلسفة عند والده العظيم صاحب المآثر الخالدة، و المؤلفات النافعة علامة زمانه الذي هو أحد (المهادى الأربعة من الأعلام): (المولى محمد مهدي النراقي و السيد محمد مهدي بحر العلوم، و السيد محمد مهدي الشهرستاني و الميرزا مهدي الخراساني): فأكمل دراساته العالية لدى هذا العملاق و أنهاها حتى ظهرت فيه مقدرته العلمية، و بلغ مرتبة رفيعة.

لكن الشاب الطموح يروم أمنى المراتب، و أعلى المعارج، حيث إن منهوم العلم لا يشبع مهما بلغ و وصل فعزم على مغادرة بلاده، و الرحيل الى العراق للاستفادة من أعلام عاصمة العلم و أساطين (الجامعة الكبرى) (في النجف الأشرف)، حيث كانت المعهد الأعلى للدراسات العالية منذ أن اتخذها (شيخ الطائفة) عاصمة لها فجاء حتى دخل (النجف الأشرف)

و بعد التشرف (بالحرم المطهر العلوي): حضر معهد درس الفقيه الأعظم (الشيخ جعفر كاشف الغطاء، و العلامة السيد بحر العلوم) فاستفاد من منهليهما العذب الفياض مدة تشرفه هناك حتى نال مرتبة عظيمة في الفقه و الأصول، ثم ذهب الى كربلاء المشرفة) التي كانت ثانية العواصم العلمية-

- بعد أن أوجد حركتها (الأستاذ الأكبر الوحيد البهبهاني) فحضر مجلس (الأستاذ الأكبر، و السيد ميرزا مهدي الشهرستاني) و استفاد منهما حتى بلغ مرتبة قيل له بعد أساتذته: إنه (أحد أقطاب العلم) الذين يشار إليهم فرجع الى بلاده و حلّ في (كاشان) فاجتمع عنده الأفاضل فاستفادوا من نمير منهله العذب.

كان (للمولى النراقي) بالإضافة إلى علمي الفقه و الأصول باع طويل في الحكمة و الفلسفة الإلهية و الرياضيات و الفلك و الأدب و الشعر.

و له الاطلاع الواسع في الأديان.

و خلاصة القول: أنه كان مثالا للعلم، و مرآة كاملة للفضيلة، و أصبح مفخرة من مفاخر الطائفة، و عبقريا من عباقرها.

تلامذته: ربى بدوره تلامذة أفذاذا يفتخر الدهر بهم و يكفيه فخرا: أن (شيخنا الأنصاري) أحد تلكم النوابغ، و لا يسعنا المقام ذكر أسمائهم فنكتفي بهذا التلميذ العملاق (الشيخ الأنصاري) عند ذكر أساتذته.

مؤلفاته: (للمولى النراقي) مصنفات جيدة قيمة قد استفاد منها الفطاحل و لا يزال علماء الطائفة عاكفين عليها.

«منها»: (مستند الشيعة) في أحكام الشريعة و كتابه هذا يعطينا دروسا كاملة عن مدى تبحره في الأحكام، و تسلطه على فروع المسائل و مداركها، و غزارة علمه، و طول باعه.

- «و منها»: (عوائد الأيام) و الكتاب هذا عديم النظير في بابه و موضوعه، بل ليس له مثيل عند علمائنا الأعلام مع كثرة تصانيفهم و تآليفهم.

«و منها»: (سيف الأمة).

و الكتاب هذا رد على الرجل المسيحي (بادري) الذي دخل بذي رجال الدين، ثم حضر المعاهد العلمية التي تتشكل في المدارس الدينية و المساجد و طال حضوره زمنا لا يقل عن عشرة أعوام، و كانت الغاية من حضوره الحلقات الدراسية: الاستفادة من المعارف الاسلامية لعله يتمكن من الرد على الإسلام، ثم بعد أن قضى وطره خرج عن زي رجال الدين و رجع إلى دينه السابق و زيه كما كان عليهما من قبل فسود أوراقا أورد فيها بزعمه الباطل طعونا في القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه.

فالكتاب هذا رد على ذاك الطعن المزعوم.

و لعمر الحق: (إن المولى النراقي) قد أتعب نفسه الشريفة بتأليفه هذا الكتاب النفيس فقد جمع من المصادر المهمة من كتب اليهود و النصارى الشيء الكثير لموضوع بحثه حتى رده بأسلوب بديع، و بكلام سلس رصين فشكر اللّه سعيه، و أجزل مثوبته.

«و منها»: أسرار الحج.

«و منها»: أساس الأحكام.

«و منها»: عين الأصول.

«و منها»: مفتاح الأحكام.

«و منها»: الخزائن على غرار مشكلات العلوم لوالده العظيم و الكتاب هذا كمخلاة شيخنا البهائي.

- «و منها»: رسالة في مبحث اجتماع الأمر و النهي.

«و منها»: معراج السعادة على غرار (جامع السعادات) لوالده العظيم في علم الأخلاق.

و قد وفقنا اللّه تعالى لتصحيح (جامع السعادات) و التعليق عليه و طباعته طباعة أنيقة على الطراز الحديث ذات أسلوب بديع في ثلاثة أجزاء متناسقة، و عليه مقدمة نفيسة جدا لزميلنا المكرم العلامة الحجة (الشيخ محمد رضا المظفر) أعلى اللّه مقامه عميد كلية الفقه و مؤسسها.

و قد طبع إلى الآن خمس مرات نفدت نسخها، و سيطبع إن شاء اللّه أكثر من عشرات المرات.

و أما كتاب (معراج السعادة) فقد طبع عشرات المرات و هو باللغة الفارسية يبحث عن علم الأخلاق، و هو مؤلّف عظيم في بابه فقد رتب المؤلف فيه جميع المواضيع التي تخص تزكية النفس و تصفيتها، و ذكر في قبال كل فضيلة ما يضادها من الرذائل، و بين علاجها و طرق مكافحتها و قد وقع الكتاب موضع إقبال و اهتمام (الأمة المسلمة الإيرانية) و من يتكلم بلغتهم لتأثيره العميق في النفس الأمّارة و تهذيبها، و سوقها إلى الأخلاق الفاضلة و المثل العالية، و الملكات الحسنة، و إماتة ميولها السبعية، و مشتهياتها الحيوانية و تسلم عنانها، و التسلط على زمامها لأن النفس لامّارة بالسوء إلا ما رحم ربي.

فقد أثر الكتاب على كثيرين ممن درسه، و هذبوا أنفسهم و أصبحوا يمثلون الأخلاق الفاضلة و هم قدوة للآخرين.

و ممن أثر الكتاب فيه أثرا عميقا صديقنا المكرم الأخ في اللّه صاحب هذه المؤسسة الإنسانية الخالدة: (جامعة النجف الدينية) التي أنفق على إنشائها بهذا الشكل الرائع الجميل كأنها صرح ممرد من قوارير من خالص-

- ماله الحلال من غير ملل و لا سأم قربة لوجهه الكريم المقدس لا يبتغي سوى رحمته الواسعة.

و قد انجبت هذه المؤسسة و للّه الحمد منذ افتتاحها عام 1382 ليلة (مبعث الرسول الأعظم) (صلى اللّه عليه و آله) إلى ليلتنا هذه ليلة السبت الثالث من المحرم الحرام 1392: عشرات الأفاضل من مختلف البلاد و رجعوا إلى بلادهم للإرشاد و التوجيه الصحيح، و قد وفقوا بحمد اللّه لذلك.

هذا بالإضافة الى نشرها العشرات من الكتب النافعة أخلاقا، فقها أصولا، تفسيرا.

هذه دورتها الثمينة: (الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية) في عشرة أجزاء بالطبع الحسن الجميل المزينة بالتعاليق و الشروح.

هذه دورتها القيمة: (المكاسب) الذي بأيدينا و سيخرج قريبا إلى عالم الوجود إن شاء اللّه تعالى.

نعم أشاد هذا المحسن الغيور المؤمن باللّه هذا الصرح الشامخ في سبيل إعلاء كلمة اللّه و إحياء شريعة سيد المرسلين (صلى اللّه عليه و آله) فحسب كما قال شخصه الكريم دام توفيقه و فضله: إني بنيت هذه المؤسسة سوف يخرج منها من يقول: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): كذا، و قال: كذا و قال: كذا.

عود على بدء: و (للمولى النراقي) كتب اخرى تركنا ذكرها خوفا من الإطالة و الخروج عن الموضوع.

49

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

50

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

51

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

53

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

54

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}