كتاب المكاسب - ج1

- الشيخ مرتضى الأنصاري المزيد...
322 /
5

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين الى يوم الدين.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

[و ينبغي أولا التيمن بذكر بعض الأخبار الواردة على سبيل الضابطة للمكاسب، من حيث الحل و الحرمة]

في المكاسب (1).

و ينبغي أولا التيمن بذكر بعض الأخبار الواردة على سبيل الضابطة للمكاسب، من حيث الحل و الحرمة:

فنقول- مستعينا باللّه تعالى-: روى في الوسائل (2)

____________

(1) جمع مكسب: وزان مفعل من الكسب.

إما مصدر ميمي بمعنى الكسب، كالمقتل بمعنى القتل.

و إما اسم مكان: لمحل الكسب و التجارة.

و الأول: و هو المعنى المصدري الميمي ليق بمراد الفقيه و العلم، حيث إن الفقيه من شأنه البحث عن أفعال المكلفين، دون الأعيان الخارجية، فإنها متعلقات أفعالهم و هي خارجة عن موضوع البحث.

و معنى الكسب: المعاوضة على الشيء بالربح و الفائدة.

(2) مؤلف شريف، و مصنف عظيم في أحاديث (أهل البيت) (عليهم صلوات اللّه و سلامه أجمعين)، يشتمل على مدارك فقه (الشيعة الامامية):

من أول الطهارات إلى آخر الحدود و الديات.

أخذت هذه الأحاديث من الكتب الأربعة: (الكافي ... من لا يحضره الفقيه ... التهذيب ... الاستبصار). و سائر الكتب المعتمدة التي تربو على مائة و ثمانين كتابا، مع ذكر الأسانيد و أسماء الكتب في مقدمة الكتاب.

8

..........

____________

- هذا المؤلف الشريف الذي حوى تمام أحاديث الأحكام من أول الطهارات إلى آخر الحدود و الديات كالبحر لا يساجل، و لمؤلفه فضل كبير. و أيادي بيضاء على (الطائفة الامامية) بتأليفه هذه الموسوعة العظيمة الشريفة فجزاه اللّه عن الاسلام و أهله خير ما يجزى العاملون.

1- طبع الكتاب في (ايران) على الحجر أكثر من مرة في ثلاث مجلدات ضخام بالقطع الكبير.

2- و طبع أخيرا و ليس آخرا في (طهران) في عشرين جزء مع تعليقات تحت إشراف لجنة من أفاضل الحوزة العلمية ب: (قم) و على رأسهم فضيلة العلامة زميلنا المكرم (الميرزا عبد الرحيم الرباني) الشيرازي دام فضله و علاه.

و الكتاب خرج بحمد اللّه من الطبع على طراز حسن جميل، و اسلوب رائع بديع. و قد أصبح في متناول أيدي رواد العلم و طلابها يستفيدون منه و أراحوا النفوس من مطالعة الطباعة القديمة فجزى اللّه الكريم:

المعلق، و المصحح، و الناشر، و الساعي، و الطابع، عن الاسلام و أهله خير ما يجزي العاملين.

و لما كان الكتاب موسوعة عظيمة، حافلة بجميع أسانيد الفقه، من أول الطهارات إلى آخر الحدود و الديات: كان أملنا وطيدا بهؤلاء الأفاضل الأماجد الذين اتعبوا نفوسهم الشريفة، و كرسوا جهودهم الثمينة، و صرفوا أوقاتهم الغالية في سبيل إخراج هذه الموسوعة العظيمة الجبارة إلى عالم الوجود، بهذا الشكل الحسن الجميل: ببذل جهود أكثر حول الكتاب تحقيقا و تعليقا، حيث إنه مشتمل على أحاديث حمة، بعضها غامض و صعب جدا لا يمكن غض النظر عنه، و ابقاؤه على ما هو عليه، و لا سيما-

9

..........

____________

- نحن في ظروف تتطلب الدقة في مثل هذه التحقيقات و التعليقات.

كما فعلنا ذلك في (اللمعة الدمشقية)، حين أقدمنا على طباعتها و التعليق عليها، و في (المكاسب) هذه التي ستقف على موارد كثيرة من جوانبها التي علقنا عليها.

ثم إن بعض المفردات من بعض الأحاديث يحتاج إلى توضيح أكثر و تفسير أعمق لو بقي على ما هو عليه لاختل المعنى في مفاهيم ألفاظ الحديث و أفاد خلاف ما أراده الإمام (عليه السلام) كما ستعرف ذلك أثناء التعليق على (المكاسب)، و سنشير إلى تلك المواضيع إن شاء اللّه.

و من المؤسف جدا أن هؤلاء الأفاضل الكرام الذين تحملوا المشاق في سبيل إخراج هذه الموسوعة الهامة التي تدور عليها (رحى الشيعة الامامية) في الأحكام الفقهية إلى عالم الوجود بالشكل الذي وصفناه لم يمعنوا النظر الدقيق حول أحاديث الكتاب التي تتطلب التوضيح و التفسير، بل إما أنهم جعلوها على علاتها من دون أي تحقيق و تفسير كما كان الأمر قبل ذلك.

أو علقوا عليها تعليقا بسيطا لا يشفي العليل، و لا يروي الغليل.

هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى: اننا أثناء تصحيحنا (اللمعة الدمشقية)، و هذا الكتاب الذي بأيدينا: و هو (المكاسب) في إخراج أحاديثهما، و عرضها على (الوسائل): راينا اخلالا في الحديث لا ينسجم معناه مع المراد مما أفادوه في الكتابين.

فعرضناه على مصادره و اذا بالاختلاف الفاحش بين المصادر، و بين المنقول في الوسائل، و سنشير إلى تلك الموارد إن شاء اللّه حرفيا حتى يطلع-

10

..........

____________

- القارئ الكريم.

فبهذا و ذاك نرجو من هؤلاء الأفاضل الأماجد- الذين خدموا العلم و الدين بإخراج هذه الموسوعة الجبارة إلى عالم الوجود، و لهم أيادي مشكورة ممدوحة تجاه (الشيعة الامامية)- إعادة طباعتها من جديد و إحياء هذا التراث الخالد العظيم، مع تحقيقاتهم القيمة، و شروحهم الثمينة و إبداء آرائهم و نظرياتهم الغالية حول بعض الأحاديث و ما أكثره.

كما أننا نؤكد رجاءنا من هؤلاء الأفاضل الذين يجاهدون في إحياء المشاريع الدينية التي بأيديهم، أو بأيدي آخرين من الكتب التي هي من امهات الكتب الشيعية و أصولها، و التي أصبحت تدور عليها رحى الدراسة (الامامية): أن يعلقوا عليها تعليقا وافيا ان لم تطبع لحد الآن.

أو طبعت لكنها من غير تحقيق و تدقيق، أو حققت لكنها تحقيق يسير: اعادة طباعتها ثانية.

ثم رجائي منهم أن يرشدوا اولئك الذين قاموا بطباعة تلك الكتب النفيسة، أو في صدد طباعتها إلى النقاط التي ذكرناها، و لا سيما عرض الأحاديث على مصادرها حرفيا و تطبيقها معها.

كما أني أرجو ممن يتصدى لطباعة هذه الكتب أن لا يكون هدفه منها: (التجارة الدنيوية) التي تبور.

بل هدفه الاسمي: التجارة الأخروية التي لن تبور. و اللّه هو الموفق و المؤيد و المعين.

إليك نموذجا من تلك الأحاديث التي يستدل الشيخ بها اشارة في عدم الانتفاع بالميتة و أجزائها التي تحلها الحياة من ذي النفس السائلة:

إليك نص عبارة الشيخ في (المكاسب).

11

..........

____________

- قال في المسألة الخامسة من المسائل الثمان في «النوع الأول» في الاكتساب بالأعيان النجسة:

(الخامسة: يحرم المعاوضة على الميتة، و أجزائها التي تحلها الحياة من ذي النفس السائلة على المعروف من مذهب الأصحاب.

و في (التذكرة)- كما عن المنتهى و التنقيح-: الاجماع عليه.

و عن (رهن الخلاف): الإجماع على عدم ملكيتها.

و يدل عليه مضافا إلى ما تقدم من الأخبار: ما دل على أن الميتة لا ينتفع بها). انتهى كلام الشيخ.

و المراد من (ما الموصولة) في قوله: ما دل: الحديث المروي عن (الفتح بن يزيد الجرجاني) عن (أبي الحسن) (عليه السلام) الذي استدل به الشيخ: على عدم جواز الانتفاع بالميتة و أجزائها التي تحلها الحياة.

قال: كتبت إليه أسأله عن جلود الميتة التي يؤكل لحمها ذكيا.

فكتب (عليه السلام): لا ينتفع من الميتة بإهاب (1) و لا عصب (2)، و كل ما كان من السخال الصوف إن جز، و الشعر و الوبر و الإنفحة (3) و القرن، و لا يتعدى إلى غيرها إن شاء اللّه.

____________

(1) بكسر الهمزة و الهاء وزان كتاب.

(2) بفتح العين و الصاد: هي الأطناب و العروق المنتشرة في البدن المتصل بعضها ببعض تكون مصدرا للحركة و الحس في بدن الانسان بقدرة الباري عز و جل.

(3) بكسر الهمزة و سكون النون و فتح الفاء و الحاء: شيء يستخرج من بطن الجدي قبل أن يطعم غير اللبن فيعصر في صوفة مبتلة في اللبن فيغلظ كالجبن و هو المعروف عند العامة: بالمجبنة.

12

..........

____________

- هذا نص الحديث المروي في (وسائل الشيعة) الجزء 16 ص 448 الباب 33 الحديث 1.

فالواو في «و كلّ ما كان من السخال» إن جعلناها عاطفة على المجرور في قوله (عليه السلام): بإهاب و لا عصب فسد المعنى، حيث يلزم اتحاد الحكم: و هو عدم جواز الانتفاع بالميتة و أجزائها في المعطوف: و هي الأشياء المذكورة، و في المعطوف عليه و هو الإهاب و العصب.

فيكون المعنى هكذا: لا ينتفع من الميتة بإهاب و لا عصب، و لا بهذه الأشياء، مع أن الأمر ليس كذلك، حيث ان الإمام (عليه السلام) في مقام إعطاء حكم جديد للمعطوف: و هو جواز الانتفاع بهذه الأشياء من الصوف و الشعر، و الوبر، و الإنفحة، و القرن، و أن هذه الأشياء مما ينتفع بها و ليس حكمها حكم المعطوف عليه في عدم الانتفاع بها:

و القرينة على ذلك صراحة قوله (عليه السلام): و لا يتعدى إلى غيرها أي لا يتعدى جواز الانتفاع من هذه الأشياء إلى غيرها من بقية أجزاء الميتة فالواو استينافية، لا عاطفة حتى يتوهم الاتحاد فيجري الفساد.

ثم إن مما يزيد في الطين بلة: عدم اعراب صحيح لكلمة (الصوف) لأنه إن جعلنا الصوف منصوبة خبرا لكان اختل المعنى، حيث يكون هكذا

و كل ما كان من السخال: الصوف فالجملة غير مستقيمة المعنى.

و إن جعلناها مرفوعة لا يدرى سبب رفعها هل على الابتداء؟

أو على الخبر؟.

فان كان على الخبر للمبتدإ المقدم: و هو قوله: (و كل ما كان):

لا ينسجم المعنى كما ترى.

و إن كان على الابتداء بقي بلا خبر.

13

..........

____________

- ثم إن كلمة: (و كل ما كان) مرفوعة على الابتداء تحتاج إلى الخبر بناء على جعل الواو استينافية فأين الخبر؟

فهذه و تلك مما جعلتنا نشك في كون تمام ألفاظ الحديث صادرة عن الامام (عليه السلام) فراجعنا (الوسائل) ثانيا فرأينا الحديث مرويا عن (الكافي، و التهذيب و الاستبصار) فطبقناه عليها فوجدنا مطابقة (الوسائل) مع (الكافي و الاستبصار)، إلا في كلمة (من الجارة) حيث إنها موجودة في الكتابين داخلة على كلمة (الصوف)، و ليست موجودة في (الوسائل)، مع أنها لازمة كما عرفت.

ثم طبقنا الحديث على (التهذيب) فرأينا الاختلاف الواضح بين الوسائل، و بينه فاطمأن القلب، و سكن الفؤاد. إليك نص الحديث.

عن (الفتح بن يزيد الجرجاني) عن (أبي الحسن) (عليه السلام).

قال: كتبت إليه أسأله عن جلود الميتة التي يؤكل لحمها ذكيا.

فكتب (عليه السلام): لا ينتفع من الميتة بإهاب و لا عصب، و كل ما كان من السخال من الصوف- إن جز- و الشعر و الوبر و الإنفحة و القرن:

ينتفع بها، و لا يتعدى إلى غيرها إن شاء اللّه.

راجع التهذيب الطبعة الثانية طباعة (النجف الأشرف) الجزء 9 ص 76 الحديث 58.

فالحديث هنا مشتمل على كلمة (من الجارة) التي هي بيان (لما الموصولة) في قوله (عليه السلام): و كل ما كان، و وجودها لازم لكلمة (الصوف)، إذ لو لاها لاختل المعنى و الإعراب كما عرفت.

و كذلك مشتمل على جملة: (ينتفع بها) و هي لازمة أيضا، لأنها مرفوعة محلا خبر للمبتدإ المقدم و هو قوله: (و كل ما كان)، إذ لو لم تكن-

14

..........

____________

- موجودة بقي المبتدأ بلا خبر، حيث إن الواو استينافية، و لا يصح جعلها عاطفة، لفساد المعنى كما عرفت.

فعلى ضوء ما ذكرنا تحصل: أن الواو هنا استينافية، لا عاطفة، للزوم الفساد المذكور كما نبهنا عليه.

ثم إن كلمة (و كل ما) في أغلب النسخ مكتوبة متصلة، أي هكذا (و كلما)، و الصحيح أن تكتب منفصلة كما اثبتناه لك، لأن «ما» هنا موصولة و مضاف إليه، لكلمة (كل) التي يراد منها العموم، و ليست جزء للكلمة كما في قولنا، كلما كانت الشمس طالعة كان النهار موجودا فهذا الحديث أحد الأحاديث التي لم تفسر، و لم يعلق عليها.

و سيمر عليك و ما أكثر هذه الأحاديث أثناء التعليق على (المكاسب) ما فسرناه من الأحاديث، و طبقناها على المصادر المنقول عنها، و سنشير الى تلك الأحاديث حرفيا ان شاء اللّه.

3- و طبع (الكتاب) في (القاهرة) على الحروف في دار العهد الجديد للطباعة كامل مصباح.

على نفقة الشريف فضيلة السيد مرتضى الكشميري، صاحب (مكتبة النجاح) (في النجف الأشرف).

و قد خرج منه لحد الآن خمسة أجزاء.

و على الكتاب مقدمة للاستاذ (محمد عبد المنعم الخفاجي)، الاستاذ بكلية اللغة العربية بالأزهر: أحببت أن أذكر شطرا منها، ليكون القارئ الكريم على بصيرة من عظم الكتاب.

إليك نموذجا منها.

و الكتاب و مستدركه في أصول مصادر (فقه الامامية): و هو-

15

..........

____________

- مرجع خصب نافع غاية النفع في الوقوف على أسرار التشريع، و دقائق الأحكام، و جوامع السنن.

و مذهب (الامام جعفر بن محمد الصادق) (عليه السلام) هو أحد المذاهب الفقهية الموروثة، و إليه ترجع الشيعة الامامية في أحكامها، و فقه تشريعها.

و يعتمد المذهب الشيعي على رواية الأئمة عن الرسول (صلوات اللّه و سلامه عليه): من الذين رووا الحديث النبوي، و فهموا اشاراته، و عدّوا رواة عن جدهم الأعظم (صلى اللّه عليه و آله) لأحكام الشريعة، و أسرار الدين، و يجمع الشيعة الامامية بذلك على فقه واحد: هو فقه أئمتهم المأخوذ من الكتاب و السنة.

و انما سمي (بالفقه الجعفري)، لأن «الامام جعفر الصادق» وجد مجالا أكبر و أوسع لنشر فقهه، و دوّن عنه تلاميذه أصولا في الفقه فعن «الامام جعفر بن محمد» يأخذون.

و الجزء الأول من كتاب (وسائل الشيعة)، يبحث في مقدمة العبادات، و في الطهارة، و كيفية الوضوء في استقصاء و دقة و عمق و احاطة، و تحليل و تفصيل، و سوف تليه أجزاء عديدة في سائر أبواب الفقه الشيعي و أحكامه.

و هذا الفقه يتلاقى مع المذاهب الأربعة في كثير، و يختلف عنها في قليل.

و من مثل هذا الاختلاف: اشتراط (الامامية)، شاهدين عدلين في وقوع الطلاق فلا يقع بدونهما.

لقوله تعالى: «فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فٰارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ» (1)

____________

(1) الطلاق: الآية 2.

16

و الحدائق (1) عن الحسن بن علي بن شعبة،

____________

- و هم لا يوقعون طلاق الثلاث بلفظ واحد، أو تتابعا في مجلس واحد، و لا ينعقد عندهم الطلاق بالحلف.

و من مثل الاختلاف أيضا زواج المتعة حيث يحله الشيعة، و يحرمه غيرهم، و يعتمد الشيعة على قوله تعالى: «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» (1).

على أن الذي يجيزه (الشيعة الامامية) من هذا الزواج: هو زواج المرأة الخالية من الموانع الشرعية، و يلزم فيه عقد و مهر، و يترتب عليه ميراث الولد، و عدة الزوجة بانقضاء المدة، أو الانفصال.

انتهى موضع الحاجة.

أما المؤلف فيأتي شرح حياته في (أعلام المكاسب).

(1) (الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة)

كل ما يقال في حق الكتاب فهو كواصف الشمس.

(و صفات ضوء الشمس تذهب باطلا).

و مختصر القول: أن الكتاب موسوعة فقهية، و مجموعة عظيمة، و مدونة كبيرة، من أجل الموسوعات، و أكبر المجموعات، حافلة بمهام المسائل، طافحة بأمهات الدلائل، مليئة بالآراء و الأقوال، حاوية بالأحاديث و الأخبار، جامعة للفرائض و السنن و الآداب، محتشدة بالفروع و الأحكام

فهو جامع مبسوط لم يعمل مثله في بابه في كتب الأصحاب.

ألف الكتاب ليستغني طلاب العلم و رواده عن كتب الفقه و الحديث و الاستدلال كما قال مؤلفه في مقدمات الكتاب:

و يكفيك في عظم الكتاب ما اثنى عليه الأعلام الأفذاذ.

قال المحقق الفذ العلامة الحبر (الحجة الاميني) (رحمه الله) في كتابه-

____________

(1) النساء: الآية 22.

17

..........

____________

- شهداء الفضيلة ص 316: و كتابه الحدائق الدائر السائر بين الفقهاء ينم عن غزارة علم مؤلفه، و تضلعه في العلوم، و تبحره في الفقه و الحديث كما يشف كتابه (لؤلؤة البحرين) عن سعة اطلاعه على أحوال الرجال

و قال (المحقق الخونساري) في روضات الجنات المجلد 2 ص 341 342: الحدائق الناضرة من التصانيف الفاخرة الباهرة التي تلذ بمطالعتها النفس، و تقر بملاحظتها العين.

و قال (المحدث القمي) في كتابه (الفوائد الرضوية) من ص 713 إلى ص 716 في حق المؤلف و كتابه: صاحب التصانيف الرائعة النافعة الجامعة التي احسنها كتاب: (الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة) و هو كتاب جليل في الغاية، كثير النفع.

و قال مترجم حياة (شيخنا الراحل) في مقدمة (الطبعة الأولى):

و من حملة ما افرغه في قالب التصنيف، و ألفه في غاية الإحكام و الترصيف:

هو كتاب (الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة): و هو لعمري كتاب حوى ما لم يحوه كتاب، و مؤلف جمع ما لم يجر في خطاب، فصل المسائل فتفصل، و طول الدلائل فتطول، فكم فيها من أزهار نكات تزرى على زهر الروض المطلول، و أنوار أبحاث يخجل عندها نور الربيع.

الى ان يقول: فهو كتاب جامع للأدلة و الأقوال، حاو للفروع الكثيرة. حسن الترتيب، يشتمل على أبحاث لطيفة، و مسائل شريفة.

طبع هذا السفر الجليل في (ايران) على الحجر في ست مجلدات ضخام

و طبع اخيرا و ليس آخرا إن شاء اللّه في (النجف الأشرف) على الحروف طباعة أنيقة جميلة ذات روعة و جمال في (مطبعة النجف).

و عليه تعليقات قيمة نفيسة لزميلنا المكرم فضيلة العلامة المفضال الحجة-

18

[حديث تحف العقول]

في كتاب تحف العقول (1) عن مولانا الصادق (صلوات اللّه و سلامه عليه) حيث سئل عن معايش العباد فقال: جميع المعايش كلها من وجوه المعاملات فيما بينهم مما يكون لهم فيه المكاسب (2)

____________

- (الشيخ محمد تقي الإيرواني) دامت فضائله و بركاته على نفقة محب الخير و الفضيلة (الشيخ علي الآخوندي) وفقه اللّه لما يحب و يرضى في خمسة و عشرين جزءا.

صدر منه الى الأسواق لحد الآن خمسة عشر جزءا، و سيخرج الباقي ان شاء اللّه بالقريب العاجل.

أما المؤلف فيأتي شرح حياته في (أعلام المكاسب).

(1) (تحف العقول من آل الرسول) صلى اللّه عليه و عليهم أجمعين كتاب نفيس جليل مبسوط، كثير الفائدة، اعتمد عليه الأصحاب (رضوان اللّه عليهم)، و الكتاب مشتمل على جمل وافية من الأحاديث (النبوية و أئمة أهل البيت)، و مواعظهم الشافية، و النصائح الإلهية البالغة.

طبع الكتاب أخيرا في (طهران) عام 1376 على الحروف طباعة أنيقة بديعة عليها تعاليق قيمة نفيسة من زميلنا المكرم الأخ (علي أكبر الغفاري) أصبحت موضع إعجاب الأفاضل وفقه اللّه تعالى لما يحب و يرضى.

و أما المؤلف فيأتي شرح حياته في (أعلام المكاسب).

(2) طبقنا الحديث على (وسائل الشيعة) الجزء 12 ص 54 الى ص 58 الباب 2 من أبواب جواز التكسب بالمباحات الحديث 1.

و على (الحدائق الناضرة) فرأينا فرقا شاسعا بين المذكور هنا و بين المصدرين، ثم طبقناه على مصدره الأصلي (تحف العقول) فوجدنا الاختلاف فيه أكثر فأكثر.

و ذكر موارد الاختلاف حرفيا في الهوامش يوجب فصلا طويلا بين التعاليق، و مطالب الكتاب، و لربما أدى ذكرها الى صفحات، و تركها و ابقاؤها على ما هي عليه يتنافى و ما بنينا عليه من عرض الأحاديث-

19

..........

____________

- المذكورة في الكتب الدراسية، و بقية الكتب التي يراد طباعتها:

على مصادرها و تطبيقها عليها، و التعليق عليها إن كانت محتاجة إليه: فانحصر العلاج بذكر الحديث الشريف بداية و نهاية عن مصدره الأصلي. ليكون القارئ النبيل بصيرا بموارد الاختلاف.

بالإضافة الى فوائد جمة في ذكر الحديث الشريف.

و قبل ذكر الحديث الشريف عن مصدره الاصلي (تحف العقول) لا بدّ من الفات أنظار قرائنا الكرام الى نقاط هامة في جوانب الحديث ليكونوا على بصيرة بالاشكالات الواردة عليه، ثم نشرع في الجواب عنها.

أليك تلك النقاط.

(الاولى): أن الحديث أصبح موضع نزاع و نقاش بين الفقهاء من حيث الصحة و السقم، لكونه ضعيف السند بالارسال، و لا سيما أنه مروي بلفظ سأله سائل فلم يدر من السائل، و من المسئول.

(الثانية): أن الحديث لم يذكر في (الكتب الأربعة): (الكافي.

من لا يحضره الفقيه. التهذيب. الاستبصار) مع أن المؤلف كان معاصرا (لشيخنا الصدوق).

و بالإضافة الى أن (الشيخ الصدوق) لم يرو عنه. كما أن المؤلف لم يرو عنه أيضا.

فهذا و ذاك مما يوجب الشك في صحة الحديث.

(الثالثة): أن الحديث مشتمل على اضطراب في التعبير، و تشويش في الضمير، و قلق في التذكير و التأنيث، حيث ذكر فيه التذكير موضع التأنيث، و التأنيث موضع التذكير، و الجمع مكان المفرد، و المفرد موضع الجمع، و (من) الموضوعة للعاقل مستعملة مكان (ما) الموضوعة-

20

..........

____________

- لغير ذوي العقول، و بالعكس، و تكرر معنى واحد في جمل متعددة.

كل هذه الأمور موجبة للإخلال في الفصاحة و البلاغة الموجب للشك في صدور تمام ألفاظ الحديث عن الامام (عليه السلام)، لاستبعاد كون مثل هذا الحديث المشتمل على ذلك الخلل صادرا عمن هو مصدر الفصاحة و البلاغة و معدنهما، و الذي لغته تابعة للغة القرآن الكريم، هذا القرآن الذي أعجز الانس و الجن عن اتيان آية بمثلها (وَ لَوْ كٰانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً): الإسراء: الآية 88.

(الرابعة): أن الحديث مع ضعف سنده لإرساله كيف جعله شيخنا الأعظم في مختلف فروع مسائل كتابه (المكاسب) من أوله الى آخره مصدرا لها، حتى جعله كقاعدة كلية لتلك الفروع و المسائل و كبرى لتلك الصغريات، و يتمسك به فيها، مع عدم صلاحيته للحجبة و الاستدلال به رأسا كما هو مذهب سيدنا الأستاذ (السيد الخوئي) دام ظله:

من ترك الحديث الضعيف المرسل، و ان عمل به المشهور، نظرا الى أن الشهرة لا تكون حجة، لا مستندا للحكم، و لا جابرا للضعف، و لا مرجحا للمتعارضين.

هذه هي النقاط الأربع الحساسة المتوجهة نحو الحديث، و التي أوجبت الشك في صدور كله عن الامام (عليه السلام)، و لا سيما الثلاثة الاول.

و أليك الجواب عن الاولى، و الثالثة، و الرابعة.

(أما الجواب عن الاولى) فنقول: إن القدامى من علمائنا الأعلام الى زمان (شيخ الطائفة) و ما بعده عدا (شيخنا الشهيد الثاني):

يرون العمل بالخبر الضعيف، و أنه حجة اذا عمل به المشهور، و يعبر عنه: ب(الشهرة العملية) التي وقعت محل النزاع في كونها جابرة-

21

..........

____________

- لضعف الرواية أم لا.

و معنى العمل بالشهرة: استناد القدماء بالحديث الضعيف و جعله مدركا للحكم الإلهي من دون ان يكون هناك مدرك آخر غيره

لكننا نقول: وافى لنا الجزم به بهذا اللون.

هذا في الشهرة العملية.

و أما الشهرة الفتوائية و الروايتية فلا كلام في عدم انجبار الرواية الضعيفة بهما، لأن رواة الحديث الضعيف و إن كانوا كثيرين لا ترفع عنه الضعف، و مجرد مطابقة الفتوى لمضمون الحديث الضعيف لا تصلح جبرا.

(أما الجواب عن الثالثة) فنقول: إن الاضطراب الواقع في التعبير و التشويش الموجود في الضمير نشأ عن نقل الراوى الحديث بالمعنى، حيث لم يسجل ألفاظه حرفيا. و نفس تعابيره في مجلس التخاطب، و إنما أثبت ما حوته ذهنيته الوقادة من المطالب الملقاة عليه بعد مفارقته مجلس الامام (عليه السلام)، و من ثم وقع التشويش المذكور في الضمائر، و الاضطراب في التعبير في مقام التعبير، و نقل الحديث، و لا سيما و الحديث مطول و مذيل لا يمكن ضبط ألفاظه حرفيا.

إن قلت: أ ليس هناك أحاديث مطوّلة، و خطب مذيلة، و أدعية مفصلة كدعاء كميل، و الصحيفة السجادية على منشئها آلاف التحية، و دعاء الصباح، و دعاء عرفة، و أدعية أخرى مأثورة، و ما أكثرها:

و هذه خطب (أمير المؤمنين) عليه الصلاة و السلام في النهج، و خطب اخرى أثبتها الرواة بنفس التعابير، و بعين الألفاظ الواردة عن الامام (عليه السلام)، من غير تشويش في الألفاظ و تغيير في المعنى.

قلت: نعم الامر كما تقول.

22

..........

____________

- لكن قرائح الناس حسب فطرتهم الذاتية، و خلقتهم الأولية مختلفة فهناك ذوو القريحة الوقادة، و الذهنية القوية الوهّاجة كانوا يحفظون الحديث و الأدعية و الخطب و القصائد بألفاظها اذا ألقيت عليهم مرة واحدة فكان يملي تلك الأحاديث، و الخطب، و الأدعية و القصائد الملقاة عليه بعد ذلك بنفس التعبير، و بتلك الألفاظ كأن ذهنه (مسجلة اتوماتيكية) و من بين هؤلاء الأفذاذ و على رأسهم (عبد اللّه بن عباس) حبر الامة خريّت هذه الصناعة فانه كان يملي كل ما يخطبه (أمير المؤمنين) عليه الصلاة و السلام، و كلما يخطب، و يرقى المنبر و لم تفته كلمة واحدة منها و له كلمته المشهورة: فو اللّه ما أسفت على كلام قط كأسفي على هذا الكلام ألا يكون (أمير المؤمنين) (عليه السلام) بلغ منه حيث اراد

و خلاصة القصة: أن (أمير المؤمنين) (عليه السلام) قام خطيبا في (مسجد الكوفة) فألقى خطبته المشهورة (الخطبة الشقشقية) و حين بلوغه عليه الصلاة و السلام: (و لألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز) فقام إليه رجل من أهل السواد فناوله كتابا فجعل ينظر فيه فلما فرغ من قراءته قال له ابن عباس:

يا أمير المؤمنين لو اطردت مقالتك من حيث أفضيت.

فقال عليه الصلاة و السلام:

هيهات يا بن عباس تلك شقشقة هدرت ثم قرّت.

راجع نهج البلاغة المجلد الاول ص 68 شرح ابن ابي الحديد طباعة دار العربية الكبرى ب: (مصر) عام 1329.

(أما الجواب عن الرابعة).

فنقول: إن (الشيخ الاعظم الانصاري) لم يستدل بهذا الحديث-

23

..........

____________

- فيما استدل به كدليل أساسي مستقل للمسألة، و إنما أخذ منه تأييدا في الأكثر

و لا شك أن الخبر الضعيف يصلح تأييدا و إن لم يصلح دليلا.

على أن المواضع التي تمسك بها الشيخ من هذا الحديث في الأكثر تكون مؤيدة بنصوص معتبرة عامة، أو خاصة فصارت تلك النصوص كالقرينة على صحة صدور هذه الرواية، أو جملة منها إن لم تكن دليلا على صحة جميع جمل الحديث.

ثم إن الشيخ ممن يرى حجية الخبر الضعيف إذا عمل به المشهور من العلماء، لأن عملهم هذا يجبر ما في الحديث من ضعف، نظرا إلى أن حجية الخبر منوطة بالسيرة العقلائية التي تعتمد على كل خبر محفوف بقرائن الصدق و الاعتماد.

(و أما الجواب عن الثانية) فلم أوفق له لحد الآن، حيث إن الحديث لم يوجد في الكتب الاربعة، و لم يرو (شيخنا الصدوق) عنه مع كونه معاصرا له، و هو لم يرو عنه.

و كذلك بقية الأعلام الذين كانوا في عصره، أو جاءوا بعده بقليل لم يرووا الحديث عنه، و لم يذكروه في كتبهم.

هذه غاية ما يمكن أن يقال في الذب عن الحديث، و الدفاع عن حريمه و عن الايرادات الواردة عليه حسب معلوماتنا القاصرة.

و أما الحديث الشريف فمنقول في (تحف العقول) طباعة (طهران) عام 1373 من ص 331 إلى ص 338.

أليك نصه:

جوابه (عليه السلام) عن جهات معايش العباد، و وجوه إخراج الأموال:

سأله سائل فقال: كم جهات معايش العباد التي فيها الاكتساب-

24

..........

____________

- و التعامل بينهم، و وجوه النفقات؟.

فقال (عليه السلام): جميع المعايش كلها من وجوه المعاملات فيما بينهم مما يكون لهم فيه المكاسب أربع جهات من المعاملات.

فقال له: أكل هؤلاء الأربعة حلال، أو كلها حرام، أو بعضها حلال، و بعضها حرام.

فقال (عليه السلام): قد يكون في هؤلاء الأجناس الأربعة حلال من جهة، و حرام من جهة.

و هذه الأجناس مسميات معروفات الجهات.

فأول هذه الجهات الأربعة: الولاية، و تولية بعضهم على بعض فأول ولاية: الولاة، و ولاة الولاة إلى أدناهم بابا من أبواب الولاية على من هو وال عليه.

ثم (التجارة) في جميع البيع و الشراء بعضهم من بعض.

ثم (الصناعات) في جميع صنوفها.

ثم (الإجارات) في كل ما يحتاج إليهم من الاجارات.

و كل هذه الصنوف تكون حلالا من جهة، و حراما من جهة.

و الفرض من اللّه على العباد في هذه المعاملات: الدخول في جهات الحلال منها، و العمل بذلك الحلال، و اجتناب الجهات الحرام فيها.

تفسير معنى الولاية.

و هي (جهتان):

(فاحدى الجهتين) من الولاية: ولاية ولاة العدل الذين أمر اللّه بولايتهم، و توليتهم على الناس، و ولاية ولاته، و ولاة ولاته إلى أدناهم بابا من أبواب الولاية على من هو وال عليه.

25

..........

____________

- (و الجهة الأخرى) من الولاية: ولاية ولاة الجور، و ولاة ولاته إلى أدناهم بابا من الأبواب التي هو وال عليه.

فوجه الحلال من الولاية: ولاية الوالي العادل الذي أمر اللّه بمعرفته و ولايته، و العمل له في ولايته، و ولاية ولاته، و ولاة ولاته بجهة ما أمر اللّه به الوالي العادل بلا زيادة فيما انزل اللّه به، و لا نقصان منه، و لا تحريف لقوله، و لا تعد لأمره إلى غيره فاذا صار الوالي والي عدل بهذه الجهة فالولاية له، و العمل معه، و معونته في ولايته، و تقويته: حلال محلل و حلال الكسب معهم.

و ذلك: أن في ولاية والي العدل، و ولاته إحياء كل حق، و كل عدل، و إماتة كل جور و فساد، فلذلك كان الساعي في تقوية سلطانه و المعين له على ولايته ساعية الى طاعة اللّه، مقويا لدينه.

و أما وجه الحرام من الولاية: فولاية الوالي الجائر، و ولاية ولاته الرئيس منهم، و اتباع الوالي فمن دونه من ولاة الولاة إلى أدناهم بابا من أبواب الولاية على من هو وال عليه، و العمل له، و الكسب معه بجهة الولاية لهم: حرام و محرم، معذب من فعل ذلك على قليل من فعله أو كثير، لأن كل شيء من جهة المئونة معصية كبيرة من الكبائر.

و ذلك: إن في ولاية الوالي الجائر: دروس (1) الحق كله و إحياء الباطل كله، و إظهار الظلم و الجور و الفساد، و إبطال الكتب و قتل الأنبياء و المؤمنين، و هدم المساجد، و تبديل سنة اللّه و شرائعه فلذلك حرم العمل معهم، و معونتهم، و الكسب معهم، إلا بجهة الضرورة

نظير الضرورة إلى الدم و الميتة.

____________

(1) مصدر درس يدرس: أي عفا و نمحى و ذهب أثره.

26

..........

____________

- و أما تفسير التجارات في جميع البيوع، و وجوه الحلال من وجه التجارات التي يجوز للبائع أن يبيع مما لا يجوز له.

و كذلك المشتري الذي يجوز له شراؤه مما لا يجوز له فكل مأمور به مما هو غذاء للعباد، و قوامهم به في أمورهم في وجوه الصلاح الذي لا يقيمهم غيره مما يأكلون و يشربون و يلبسون و ينكحون، و يملكون.

و يستعبدون من جهة ملكهم، و يجوز لهم الاستعمال له من جميع جهات المنافع التي لا يقيمهم غيرها من كل شيء يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات، فهذا كله حلال بيعه و شراؤه، و إمساكه، و استعماله و هبته و عاريته.

و أما وجوه الحرام من البيع و الشراء، و كل أمر يكون فيه الفساد مما هو منهي عنه من جهة أكله و شربه، أو كسبه أو نكاحه، أو ملكه أو إمساكه، أو هبته أو عاريته.

أو شيء يكون فيه وجه من وجوه الفساد: نظير البيع بالربا لما في ذلك من الفساد.

أو البيع للميتة أو الدم أو لحم الخنزير، أو لحوم السباع من صنوف سباع الوحش أو الطير، أو جلودها، أو الخمر، أو شيء من وجوه النجس.

فهذا كله حرام و محرم، لأن ذلك كله منهي عن أكله، و شربه و لبسه، و ملكه و إمساكه و التقلب فيه بوجه من الوجوه، لما فيه من الفساد فجميع تقلبه في ذلك حرام.

و كذا كل بيع ملهو به، و كل منهي عنه مما يتقرب به لغير اللّه أو يقوى به الكفر، و الشرك من جميع وجوه المعاصي، أو باب-

27

..........

____________

- من الأبواب يقوى به باب من أبواب الضلالة، أو باب من أبواب الباطل أو باب يوهن به الحق فهو حرام محرم: حرام بيعه و شراؤه و إمساكه و ملكه و هبته و عاريته، و جميع التقلب فيه، إلا في حال تدعو الضرورة إلى ذلك.

(و أما تفسير الاجارات):

فاجارة الانسان نفسه، أو ما يملك، أو يلي أمره من قرابته أو دابته، أو ثوبه بوجه الحلال من جهات الاجارات أن يؤجر نفسه أو داره أو أرضه، أو شيئا يملكه فيما ينتفع به من وجوه المنافع.

أو العمل بنفسه و ولده و مملوكه، أو أجيره من غير أن يكون وكيلا للوالي، أو واليا للوالي فلا بأس أن يكون أجيرا يؤجر نفسه، أو ولده أو قرابته، أو ملكه أو وكيله في اجارته، لأنهم وكلاء الأجير من عنده ليس هم بولاة الوالي.

نظير الحمال الذي يحمل شيئا بشيء معلوم إلى موضع معلوم فيجعل ذلك الشيء الذي يجوز له حمله بنفسه، أو بملكه، أو دابته، أو يؤاجر نفسه في عمل يعمل ذلك العمل بنفسه، أو بمملوكه أو قرابته، أو بأجير من قبله.

فهذه وجوه من وجوه الإجارات حلال لمن كان الناس ملكا أو سوقة، أو كافرا، أو مؤمنا فحلال إجارته، و حلال كسبه من هذه الوجوه.

فأما وجوه الحرام من وجوه الاجارة. نظير أن يؤاجر نفسه على حمل ما يحرم عليه أكله أو شربه، أو لبسه، أو يؤاجر نفسه في صنعة ذلك الشيء أو حفظه. أو لبسه، أو يؤاجر نفسه في هدم المساجد ضرارا-

28

..........

____________

- أو قتل النفس بغير حل، أو عمل التصاوير و الأصنام و المزامير، و البرابط و الخمر و الخنازير و الميتة و الدم، أو شيء من وجوه الفساد الذي كان محرما عليه من غير جهة الاجارة فيه.

و كل أمر منهي عنه من جهة من الجهات فمحرم على الانسان اجارة نفسه فيه أو له، أو شيء منه أو له، إلا لمنفعة من استأجرته كالذي يستأجر الأجير يحمل له الميتة ينحيها عن أذاه، أو أذى غيره و ما أشبه ذلك.

و الفرق بين معنى الولاية و الإجارة، و إن كان كلاهما يعملان بأجر:

أن معنى الولاية أن يلي الانسان لوالي الولاة، أو لولاة الولاة فيلي أمر غيره في التولية عليه، و تسليطه، و جواز أمره و نهيه، و قيامه مقام الوالي إلى الرئيس، أو مقام و كلائه في أمره، و توكيده في معونته، و تسديد ولايته، و إن كان أدناهم ولاية فهو وال على من هو وال عليه يجري مجرى الولاة الكبار الذين يلون ولاية الناس في قتلهم من قتلوا، و إظهار الجور و الفساد.

و أما معنى الاجارة فعلى ما فسرنا من اجارة الانسان نفسه، أو ما يملكه من قبل أن يؤاجر لشيء من غيره فهو يملك يمينه، لأنه لا يلي أمر نفسه و أمر ما يملك قبل أن يؤاجره ممن هو آجره.

و الوالي لا يملك من أمور الناس شيئا، إلا بعد ما يلي أمورهم و يملك توليتهم، و كل من آجر نفسه، أو آجر ما يملك نفسه، أو يلي أمره من كافر، أو مؤمن، أو ملك، أو سوقة على ما فسرنا مما تجوز الاجارة فيه فحلال فعله و كسبه.

29

..........

____________

- (و أما تفسير الصناعات):

فكل ما يتعلم العباد، أو يعلمون غيرهم من صنوف الصناعات مثل الكتابة و الحساب، و التجارة و الصياغة. و السراجة و البناء، و الحياكة و القصارة و الخياطة، و صنعة صنوف التصاوير ما لم يكن مثل الروحاني و أنواع صنوف الآلات التي يحتاج إليها العباد التي منها منافعهم، و بها قوامهم، و فيها بلغة جميع حوائجهم. فحلال فعله و تعليمه، و العمل به و فيه لنفسه، أو لغيره.

و ان كانت تلك الصناعة، و تلك الآلة قد يستعان بها على وجوه الفساد، و وجوه المعاصي، و يكون معونة على الحق و الباطل: فلا بأس بصناعته و تعليمه: نظير الكتابة التي هي على وجه من وجوه الفساد من تقوية معونة ولاة ولاة الجور.

و كذلك السكين و السيف و الرمح و القوس، و غير ذلك من وجوه الآلة التي قد تصرف الى جهات الصلاح، و جهات الفساد، و تكون آلة و معونة عليهما: فلا بأس بتعليمه و تعلمه، و أخذ الأجر عليه و فيه، و العمل به و فيه لمن كان له فيه جهات الصلاح من جميع الخلائق، و محرم عليهم فيه تصريفه الى جهات الفساد و المضار: فليس على العالم و المتعلم اثم و لا وزر، لما فيه من الرجحان في منافع جهات صلاحهم، و قوامهم به و بقائهم، و انما الإثم و الوزر على المتصرف بها في وجوه الفساد و الحرام.

و ذلك إنما حرم اللّه الصناعة التي حرام هي كلها التي يجيء منها الفساد محضا: نظير البرابط و المزامير، و الشطرنج.

و كل ملهو به و الصلبان و الأصنام، و ما أشبه ذلك من صناعات أشربة الحرام، و ما يكون منه و فيه الفساد محضا، و لا يكون فيه و لا منه شيء من وجوه الصلاح: فحرام تعليمه و تعلمه و العمل به، و أخذ الأجر عليه-

30

..........

____________

- و جميع التقلب فيه من جميع وجوه الحركات كلها، إلا أن تكون صناعة قد تنصرف الى جهات المنافع.

و إن كان قد يتصرف بها و يتناول بها وجها من وجوه المعاصي فلعله لما فيه من الصلاح: حلّ تعلمه و تعليمه و العمل به، و يحرم على من صرفه الى غير وجه الحق و الصلاح.

فهذا تفسير بيان وجه اكتساب معايش العباد، و تعليمهم في جميع وجوه اكتسابهم وجوه اخراج الأموال و إنفاقها.

أما الوجوه التي فيها إخراج الأموال في جميع وجوه الحلال المفترض عليهم وجوه النوافل كلها: فأربعة و عشرون وجها.

منها: سبعة وجوه على خاصة نفسه، و خمسة وجوه على من تلزمه نفسه، و ثلاثة وجوه مما تلزمه فيها من وجوه الدين.

و خمسة وجوه مما تلزمه فيها من وجوه الصلات.

و أربعة أوجه مما تلزمه فيها النفقة من وجوه اصطناع المعروف.

فأما الوجوه التي تلزمه فيها النفقة على خاصة نفسه: فهي مطعمه و مشربه و ملبسه و منكحه و مخدمه، و عطاؤه فيما يحتاج إليه من الإجراء على حرمة متاعه، أو حمله أو حفظه.

و معنى يحتاج إليه: من نحو منزله، أو آلة من الآلات يستعين بها على حوائجه.

و أما الوجوه الخمس التي تجب عليه النفقة لمن تلزمه نفسه: فعلى ولده و والديه و امرأته و مملوكه لازم له ذلك في حال العسر و اليسر.

و أما الوجوه الثلاثة المفروضة من وجوه الدين: فالزكاة المفروضة الواجبة في كل عام، و الحج المفروض، و الجهاد في إبّانه و زمانه.

31

..........

____________

- و أما الوجوه الخمس من وجوه الصلات و النوافل: فصلة من فوقه و صلة القرابة، و صلة المؤمنين، و التنفل في وجوه الصدقة و البر و العتق.

و أما الوجوه الأربع: فقضاء الدين، و العارية، و القرض، و إقراء الضيف: واجبات في السنة

(ما يحل للانسان أكله):

فأما ما يحل و يجوز للانسان أكله مما أخرجت الأرض فثلاثة صنوف من الأغذية.

صنف منها جميع الحب كله من الحنطة و الشعير و الأرز و الحمص و غير ذلك من صنوف الحب و السماسم و غيرها. كل شيء من الحب مما يكون فيه غذاء الانسان في بدنه و قوته فحلال أكله.

و كل شيء تكون فيه المضرة على الانسان في أكله فحرام أكله، إلا في حال الضرورة.

و الصنف الثاني مما أخرجت الأرض من جميع صنوف الثمار كلها مما يكون فيه غذاء للانسان و منفعة له و قوته به: فحلال أكله و ما كان فيه المضرة على الانسان في أكله فحرام أكله.

و الصنف الثالث جميع صنوف البقول و النبات، و كل شيء تنبت الأرض من البقول كلها مما فيه منافع الانسان، و غذاء له: فحلال أكله.

و ما كان من صنوف البقول. فما فيه المضرة على الانسان في أكله نظير بقول السموم القاتلة، و نظير الدفلي (1)، و غير ذلك من صنوف-

____________

(1) بكسر الدال، و سكون الفاء، و فتح اللام: هو نبت زهره اعتيادي كالورد الأحمر.

32

..........

____________

- السم القاتل فحرام أكله.

و أما ما يحل أكله من لحوم الحيوان فلحوم البقر و الغنم و الإبل و ما يحل منه من لحوم الوحوش، و كل ما ليس فيه ناب، و لا مخلب

و ما يحل من أكل لحوم الطير كلها، ما كانت له قانصة: فحلال أكله.

و ما لم يكن له قانصة فحرام أكله، و لا بأس بأكل صنوف الجراد.

و أما ما يجوز أكله من البيض فكل ما اختلف طرفاه فحلال أكله و ما استوى طرفاه فحرام أكله.

و ما يجوز أكله من صيد البحر من صنوف السمك: ما كان له قشور فحلال أكله، و ما لم يكن له قشور فحرام أكله.

و ما يجوز من الأشربة من جميع صنوفها: فما لا يغير العقل كثيره فلا بأس بشربه.

و كل شيء منها يغير العقل كثيره فالقليل منه حرام.

و ما يجوز من اللباس.

فكلما أنبتت الأرض فلا بأس بلبسه، و الصلاة فيه، و كل شيء يحل لحمه فلا بأس بلبس جلده الذكي منه، و صوفه و شعره و وبره.

و إن كان الصوف و الشعر و الريش و الوبر من الميتة، و غير الميتة ذكيا فلا بأس بلبس ذلك، و الصلاة فيه.

و كل شيء يكون غذاء الانسان في مطعمه و مشربه، أو ملبسه فلا تجوز الصلاة عليه و لا السجود، إلا ما كان من نبات الأرض من غير ثمر قبل أن يصير مغزولا، فاذا صار غزلا فلا تجوز الصلاة عليه إلا في حال ضرورة.

أما ما يجوز من المناكح فأربعة وجوه. نكاح بميراث، و نكاح-

33

أربع جهات (1) و يكون فيها (2) حلال من جهة، و حرام من جهة.

فأول هذه الجهات الأربع الولاية (3) ثم التجارة (4) ثم الصناعات (5) ثم الإجارات (6).

____________

- بغير ميراث، و نكاح اليمين، و نكاح بتحليل من المحلّل له من ملك من يملك.

و أما ما يجوز من الملك، و الخدمة فستة وجوه: ملك الغنيمة، و ملك الشراء، و ملك الميراث، و ملك الهبة، و ملك العارية، و ملك الأجر.

فهذه وجوه ما يحل، و ما لا يجوز للانسان انفاق ماله، و إخراجه بجهة الحلال في وجوهه، و ما يجوز فيه التصرف و التقلب من وجوه الفريضة و النافلة.

(1) أي أربعة أقسام: الولاية، التجارة، الصناعة، الإجارة.

(2) أي في هذه الأقسام الأربعة المذكورة.

(3) بكسر الواو و فتحها و هي الإجارة و السلطنة، و منها قوله تعالى: «هُنٰالِكَ الْوَلٰايَةُ لِلّٰهِ» (1).

(4) و هو البيع و الشراء لغرض الربح و المنفعة.

(5) جمع صناعة بكسر الصاد و فتحها: و هو العلم الحاصل بمزاولة العمل كالخياطة، و الكتابة، و النجارة و الصياغة، و البناية، و ما شاكل ذلك مما يكون في فعله نفع للمجتمع.

و المراد من الصناعة هنا: مزاولة العمل نفسه، لا العلم الحاصل منه المعبر عنه بالملكة و الاقتدار على العمل، أو القوة القاهرة.

(6) جمع اجارة: و هو تمليك المنفعة من المؤجر، و تملك المنفعة من المستأجر بعوض معين معلوم.

و إنما جيئت الاجارة بلفظ الجمع، لتعدد الأعيان المستأجرة فيها-

____________

(1) الكهف: الآية 44.

34

و الفرض من اللّه تعالى على العباد في هذه المعاملات الدخول في جهات الحلال، و العمل بذلك، و اجتناب جهات الحرام منها.

فاحدى (1) الجهتين من الولاية ولاية ولاة العدل (2) الذين أمر اللّه بولايتهم على الناس.

و الجهة (3) الأخرى ولاية ولاة الجور (4) فوجه الحلال من الولاية ولاية الوالي العادل، و ولاية ولاته (5) بجهة ما أمر به الوالي العادل بلا زيادة و نقيصة (6) فالولاية له، و العمل معه، و معونته و تقويته حلال محلّل.

و أما وجه الحرام من الولاية فولاية الوالي الحائر، و ولاية ولاته

____________

- كما يقال: البيوع باعتبار تعدد الأعيان المبيعة.

(1) أي جهة الحلال من الولاية.

(2) و هم (أهل البيت) عليهم الصلاة و السلام: «الّذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا» (1).

و قد أمر اللّه عز و جل بذلك في قوله: «أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» (2).

(3) و هي جهة الحرام من الولاية.

(4) بأن يكون الانسان واليا من قبل ولاة الجور و الظلم.

(5) بأن يكون واليا عن الوالي المنصوب من قبل (الإمام المعصوم) (عليه السلام).

(6) بأن يقوم الوالي، أو والي الوالي بالجهة التي عيّنها من فوقه كما لو عيّن الإمام (عليه السلام) له جباية الأموال، أو القضاء و الحكم بين الناس، أو الأمر بالمعروف، و النهي عن المنكر، أو إقامة صلاة الجماعة و الجمعة، أو حاكما على مدينة، أو قطر، أو أميرا على جيش.

____________

(1) النساء: الآية 59.

(2) النساء: الآية 58.

35

و العمل لهم (1) و الكسب لهم (2) بجهة الولاية معهم حرام محرم معذب فاعل ذلك على قليل من فعله، أو كثير، لأن كل شيء من جهة المعونة (3) له معصية كبيرة من الكبائر.

و ذلك (4) أن في ولاية والي الجائر دروس (5) الحق كله، و إحياء الباطل كله، و إظهار الظلم و الجور و الفساد، و إبطال الكتب، و قتل الأنبياء، و هدم المساجد، و تبديل سنة اللّه و شرائعه (6) فلذلك (7) حرم العمل معهم و معونتهم، و الكسب معهم إلا بجهة الضرورة نظير الضرورة

____________

(1) من الأعمال السالفة الذكر.

(2) أي كسب المال لمصالحهم إما بالتجارة، أو الجباية، أو غير ذلك.

و الباء في بجهة الولاية معهم: ظرفية، أي المحرم ما لو كان في هذه الجهة، فالكسب و العمل يكون حراما أيضا.

فهذه الجملة متفرعة على الولاية المحرمة.

(3) أي للوالي الجائر، أو والي الوالي الجائر.

(4) تعليل للولاية المحرمة.

(5) مصدر درس يدرس درسا. وزان نصر ينصر نصرا و معناه: الاضمحلال و الاندراس.

(6) جمع شريعة و هي السنة، و المراد بها ما شرّع اللّه لعباده من السنن و الأحكام.

(7) تعليل لحرمة ولاية الوالي الجائر، و والي الوالي الجائر. أي و لأجل أن ولاية والي الجائر مستلزمة لهذه الإضرار و المفاسد من اندراس الحق، و إحياء الباطل كله، و إظهار الظلم و الجور، و غير ذلك: يحرم التصدي لمثل هذه الولاية.

و لا يخفى: أن اتصاف الوالي الجائر، أو والي واليه بالصفات-

36

إلى الدم و الميتة (1).

و أما تفسير التجارات في جميع البيوع و وجوه الحلال من وجه التجارات التي يجوز للبائع أن يبيع مما لا يجوز له، و كذلك المشتري (2) الذي يجوز له شراؤه مما لا يجوز فكل مأمور به مما هو غذاء للعباد، و قوامهم (3) به في أمورهم في وجوه الصلاح الذي لا يقيمهم غيرها مما يأكلون و يشربون و يلبسون، و ينكحون، و يملكون و يستعملون من جميع المنافع التي لا يقيمهم غيرها، و كل شيء يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات فهذا كله حلال بيعه و شراؤه و إمساكه و استعماله و هبته و عاريته.

و أما وجوه الحرام من البيع و الشراء فكل أمر يكون فيه الفساد مما هو منهي عنه من جهة أكله، و شربه، أو كسبه، أو نكاحه، أو ملكه

____________

- المذكورة غير مستلزم لاتصافه بها اتصافا كليا فعليا، بل يكفي اتصافه بها اتصافا جزئيا، فحينئذ يكون شريكا مع الوالي الجائر في المظالم.

نعم تصديه لهذا المنصب موجب لاتصافه بتلك الصفات كليا.

(1) أي إذا اضطر إلى ولاية الجائر فانه يجتهد جهده في أن يعمل بالشرع، و لا يخالفه ما أمكن.

كذلك إذا اضطر إلى أكل الميتة، أو الدم فانه ينبغي أن يكتفي منهما بما يسد الرمق، و يدفع غائلة الجوع، أو يدفع الهلاك عن نفسه أو عمن يتصل به.

(2) الظاهر أنه بصيغة الفاعل بقرينة قوله (عليه السلام): يجوز للبائع.

(3) بالرفع عطفا على قوله (عليه السلام): «مما هو غذاء للعباد» أي مما هو قوام للعباد. فيكون من عطف العام على الخاص، لإفادة التعميم في المطلوب.

37

أو إمساكه، أو هبته، أو عاريته، أو شيء (1) يكون فيه وجه من وجوه الفساد نظير البيع بالربا، أو بيع الميتة، أو الدم، أو لحم الخنزير، أو لحوم السباع من صنوف سباع الوحش، أو الطير، أو جلودها، أو الخمر أو شيء من وجوه النجس، فهذا كله حرام محرّم، لأن ذلك كله منهي عن أكله و شربه، و لبسه و ملكه و إمساكه و التقلب (2) فيه فجميع تقلبه في ذلك حرام.

و كذلك كل مبيع ملهوّ به (3)، و كل منهي عنه مما يتقرب به لغير اللّه عز و جل، أو يقوى به الكفر و الشرك (5) في جميع وجوه المعاصي (6) أو باب يوهن به الحق (7) فهو حرام محرّم بيعه و شراؤه و إمساكه، و ملكه و هبته، و عاريته، و جميع التقلب فيه (8) إلا في حال تدعو الضرورة فيه إلى ذلك (9).

____________

(1) بالجر عطفا على المضاف إليه في قوله (عليه السلام): «فكل أمر»، أي فكل شيء يكون فيه وجه من وجوه الفساد فهو حرام و منهي عنه.

(2) أي الاستعمالات في ذلك الشيء.

(3) كآلات القمار و الشطرنج.

(4) كاتخاذ الدور و الأماكن للعبادة الباطلة لغير ذاته المقدسة.

(5) كبيع السلاح لأعداء الدين.

(6) أي أية معصية كانت.

(7) تفسير لما سبق من الجمل.

(8) أي جميع استعمالاته.

(9) أي إلى استعمالاته و التقلب فيه.

38

و أما تفسير الإجارات (4) (*) فاجارة الانسان نفسه، أو ما يملك أو يلي أمره من قرابته (1) أو دابته أو ثوبه (2) بوجه الحلال من جهات الإجارات أن (3) يؤجر نفسه، أو داره، أو أرضه، أو شيئا يملكه فيما

____________

أي الإجارات المحللة بقرينة قوله (عليه السلام) فيما يأتي: و أما وجوه الحرام من وجوه الاجارة.

(1) بيان للجملة الأخيرة: و هو قوله (عليه السلام): (أو يلي أمره) فهو من قبيل اللف و النشر الغير المرتب، لأن المناسب أن يؤتى بالمثال للجملة الأولى و هو قوله (عليه السلام): (أو ما يملك) ثم الاتيان بالجملة الأخيرة و هو قوله (عليه السلام): (أو يلي أمره) و هذا دليل نقل الحديث بالمعنى.

(2) الدابة و الثوب مجروران عطفا على مدخول (من الجارة) أي من دابته و ثوبه فهما بيانان للجملة الأولى في قوله (عليه السلام): (أو ما يملك) أي يؤجر الانسان ما يملكه كالدابة و الثوب، و غيرهما.

ثم إن اجارة الانسان قرابته، أو ما يملكه على قسمين:

(الأول): اجارته لهم بعقد واحد.

(الثاني): اجارة كل واحد منهما بعقد مستقل و على حدة.

(3) في (الوسائل و الحدائق و تحف العقول) أن يؤجر كما هنا و أغلب نسخ الكتاب.

لكن في بعض نسخ (المكاسب) و بعض شروحها (أو يؤجر) حتى قال (الشيخ المامقاني) (رحمه الله) في تعليقته على المكاسب في هذا المقام: إن أو هنا بمعنى الواو، و أن الجملة معطوفة على الاسم الصريح في قوله (عليه السلام): اجارة الانسان نفسه، أو داره، أو أرضه.

ثم إن معنى هذه الجملة إلى آخر قوله (عليه السلام): أو مملوكه أو أجيره قد استفيد من الجملة السابقة عليها: و هو قوله (عليه السلام):

39

ينتفع به من وجوه المنافع، أو العمل بنفسه (1)، و ولده و مملوكه و أجيره من غير أن يكون (2) وكيلا للوالي، أو واليا للوالي فلا بأس أن يكون أجيرا يؤجر (3) نفسه، أو ولده (4)، أو قرابته (5)، أو ملكه

____________

- فاجارة الانسان نفسه، أو ما يملك، أو يلي أمره من قرابته، أو دابته أو ثوبه فالتكرار دليل نقل الحديث بالمعنى، كما ذكرناه لك في النقاط الأربعة المذكورة في بداية الحديث.

(1) العمل بنفسه أعم من أن يكون الانسان هو المباشر للعمل، أو غيره مباشرا له.

(2) يحتمل أن يكون اسم كان (المستأجر).

و يحتمل أن يكون اسمها (المؤجر) أي من غير أن يكون المستأجر أو المؤجر وكيلا عن الوالي الجائر.

(3) هذه الجملة: يؤجر نفسه تفسير لقوله (عليه السلام): فلا بأس أن يكون أجيرا، أي يؤجر الانسان نفسه مباشرة، أو تسبيبا.

(4) بضم الواو و سكون اللام و ضم الدال: جمع ولد بفتح الواو و اللام: يراد منه: الصبي الذي لم يبلغ الحلم.

و كذا المراد من ولد الولد: الصغار منهم حتى يجوز للأب، أو الجد اجارة ابنه، أو حفيده.

(5) بفتح القاف: هم أقرباء الرجل ممن له التصدي في الايجار عنهم بولاية، أو وصاية إذا كانوا صغارا، أو وكالة.

و لا يخفى عدم صحة اجارة الانسان أقربائه إلا إذا كان وليا عليهم أو وصيا، أو وكيلا عنهم كما عرفت، لعدم تسلطه عليهم.

ثم ان تفسير الأقرباء بولد الرجل خلاف ظاهر الحديث، حيث قد تقدم ذكر ولد الرجل آنفا كما عرفت في الهامش 4، فلا معنى لتكرارهم-

40

أو وكيله (1)، في اجارته، لأنهم (2) وكلاء الأجير،

____________

- ثانيا، و التكرار هذا قرينة على أن الحديث منقول بالمعنى كما ادعيناه في الدفاع عن الايرادات الواردة على الحديث.

(1) بنصب وكيله فهو عطف على قوله (عليه السلام): أن يؤجر نفسه.

و المراد من الوكيل: من يقوم بالعمل من موكله، أي يؤجر الانسان موكله الذي وكله في الإجارة بالوكالة عنه.

(2) هذه الجملة: (لأنهم وكلاء الأجير) من الجمل المعقدة المحتاجة الى التفسير و قد فسرها المحشّون و المعلقون على الكتاب تفاسير مختلفة أليك تفسيرها حسب الإمكان.

اطلاق الوكلاء على هؤلاء المذكورين و فيهم من هو تحت ملكه أو ولايته: من عبيد أو أولاد: اطلاق توسعي فالمراد من التعليل المذكور:

لأنهم وكلاء الأجير: أن هنا فرقا بين من يقوم بالعمل الاجاري من باب أنه فرد من أفراد ولاة أهل الجور، أو من المنصوبين عنهم فيه.

و بين الرجل الأجنبي في العمل بأجرة معينة من دون أن يكون واليا أو منصوبا عن السلطان، أو يكون في زمرتهم كهؤلاء المذكورين الذين يقومون بالعمل من قبل انسان فلهذا الانسان القيام بالعمل مباشرة أو توكيلا للغير، أو ولاية على الغير.

و يعبر عن هذا الانسان القائم بالعمل مباشرة، أو توكيلا للغير:

ب: المقاول، أو المتعهد في اللسان الدارج، و في عصرنا الحاضر.

و المقاول هذا يتقبل الأعمال الكبيرة: من بناية الدور، و تعبيد الطرق و مد الجسور، و تبليط الشوارع و الأزقة، و مد الأنابيب و الكهرباء مع المواد و العمل، أو العمل فقط تحت شروط و قيود و تعهدات رسمية:

من حيث المواد و البناء و العمل كما و كيفا.

41

من (1) عنده، ليس هم بولاة الوالي (2) نظير الحمال الذي يحمل شيئا

____________

- فالحاصل: أن الامام (عليه السلام) في مقام اعطاء السائل درسا كاملا من هذه الاجارة، حيث إنه (عليه السلام) يقصد من هذه الجملة: لأنهم وكلاء الأجير من عنده: الشخص المقاول، أو المتعهد الذي يتقبل عملا بالمقاولة و التعهد، أو فقل ب: القنطرات بالاجارة لنفسه، أو لأحد المذكورين من المستأجر الذي يقال له: المقاول له، أو المتعهّد له، ثم يوكّل هؤلاء المذكورين في إنجاز العمل الذي تقبّله لأن يقوم به بشخصه أو أحد المذكورين و لو فضولة، لعلمه بأنهم لا يرفضون العمل الذي تقبّله لهم.

(1) بكسر الميم حرف جر و (عند) بمعنى قبل، و معنى العبارة أن هؤلاء المذكورين يكونون وكلاء الأجير من قبله كما عرفت شرحه في الهامش 2 ص 40.

(2) الظاهر أن هذه الجملة: (ليسوا هم بولاة الوالي) مرفوعة محلا خبر ثان لقوله (عليه السلام): (لأنهم وكلاء الأجير)، أي و لأن هؤلاء المذكورين ليسوا بولاة الوالي الجائر، بل وكلاء الأجير الذي يقال له: المقاول، أو المتعهد.

و يحتمل أن تكون الجملة منصوبة محلا على أن تكون حالا لضمير الجمع في (لأنهم) أي حال كون هؤلاء المذكورين ليسوا بولاة والي الجور.

و يحتمل أن تكون الجملة مرفوعة محلا صفة لضمير الجمع في (لأنهم).

و جعل هذه الجملة مرفوعة، أو منصوبة محلا دليل على أن المراد من الأجير في قوله (عليه السلام): لأنهم وكلاء الأجير: هو المقاول او المتعهد.

و إنما أتى (عليه السلام) بهذه الجملة: (ليسوا هم بولاة الوالي)-

42

معلوما بشيء معلوم (1)، فيجعل (2) ذلك الشيء الذي يجوز له حمله بنفسه، أو بملكه (3)، أو دابته، أو يؤاجر نفسه في عمل يعمل ذلك العمل بنفسه، أو بمملوكه، أو قرابته، أو بأجير من قبله (4) فهذه وجوه من وجوه الاجارات حلالا لمن كان من الناس ملكا، أو سوقة (5) أو كافرا أو مؤمنا فحلال اجارته، و حلال كسبه من هذه الوجوه.

فأما وجوه الحرام من وجوه الاجارة نظير أن يؤاجر نفسه على حمل ما يحرم أكله، أو شربه (6) أو يؤاجر نفسه في صنعة ذلك الشيء (7) أو حفظه، أو يؤاجر نفسه في هدم المساجد ضرارا (8)، أو فى قتل النفس

____________

- حتى لا يتخيل أن الأجير من قبل الوالي الجائر و هم وكلاء هذا الوالي و لذا قال (عليه السلام): (لأنهم وكلاء الأجير من عنده).

(1) أي بمبلغ معلوم كدينار مثلا.

(2) في (تحف العقول، و الوسائل و المكاسب) و بقية المصادر التي بأيدينا (فيجعل)، و الظاهر أن الصواب: (فيحمل).

(3) كما اذا كانت له سيارة، أو طيارة، و ان أمكن ادخالهما في الدابة

(4) أي يكون الانسان وكيلا في اجارة الغير. فالغير الذي هو الموكل أجير، و الوكيل مؤجر من قبل هذا الغير.

(5) بضم السين و سكون الواو، و فتح القاف: الرعية، و من كان دون الملك.

(6) أو لبسه كما إذا كان الملبوس من الحرير الخالص للرجال أو جلد الميتة.

(7) أي الشيء المحرم أكله، أو شربه.

(8) أي من دون أن يكون في هدمها مصلحة، فلو كان في الهدم مصلحة كتجديد بنائه، أو توسيعه، أو إخراج المنافذ الصحية له-

43

بغير حق (1) أو عمل التصاوير (2) و الأصنام، و المزامير (3) و البرابط (4) و الخمر (5) و الخنازير (6) و الميتة (7) و الدم (8)، أو شيء (9) من وجوه الفساد الذي كان محرما عليه من غير جهة الاجارة فيه.

____________

- فلا حرمة فيه.

(1) بخلاف ما إذا كان القتل بحق كالقصاص، فانه لا حرمة فيه

(2) أي عمل التصاوير المحرمة كصناعة تماثيل ذوات الأرواح.

(3) بفتح الميم جمع مزمار بكسر الميم و سكون الزاء: آلة غناء يزمر بها.

و المراد من عمل المزامير صناعتها و استعمالها.

(4) بفتح الباء جمع بربط، بفتح الباء و سكون الراء وزان جعفر:

آلة غناء يضرب بها.

و المراد من عمل البرابط: صناعتها و استعمالها.

(5) بأن يؤجر نفسه لعمله و ايجاده، و شربه، و بيعه.

(6) بفتح الخاء جمع خنزير بكسره بأن يؤجر نفسه لبيعها، أو أكلها.

(7) بأن يؤجر نفسه لبيع الميتة و أكلها.

(8) بأن يؤجر نفسه لبيع الدم و أكله.

و لا يخفى أن الخنازير و الميتة و الدم معطوفات على التصاوير في قوله (عليه السلام): أو عمل التصاوير، أي يؤاجر نفسه لعمل هذه الأمور.

(9) بالجر عطفا على مدخول (في الجارة) في قوله (عليه السلام):

أو يؤاجر نفسه في هدم المساجد، أي يؤاجر نفسه في شيء من وجوه الفساد، كشرب البول النجس، أو أكل مال الغير الذي كان الأكل و الشرب عليه محرما قبل اجارة نفسه لهذا العمل، لأن حرمته ذاتية.

و هذا معنى قوله (عليه السلام): كان محرما عليه من غير جهة الاجارة.

44

و كلّ (1) أمر منهي عنه من جهة من الجهات فمحرّم على الانسان اجارة نفسه فيه (2)، أو له (3)، أو شيء منه (4)، أو له (5)

____________

(1) بالرفع مبتدأ خبره (فمحرم عليه) و الواو استئنافية و دخول الفاء على الخبر هنا لأجل كون المبتدأ في معنى الشرط و إنما أتى (عليه السلام) بهذه الجملة المستأنفة، لعدم استفادة حرمة الاجارة على المحرمات من جميع الجهات. من الجملة السابقة.

و معناها: أن اجارة الانسان نفسه لايجاد محرم في الخارج كشرب الخمر مثلا تكون محرمة.

(2) أي في هذا الأمر المنهي عنه من جهة من الجهات.

(3) أي لأجل غرض ايجاد المنهي عنه في الخارج كما لو آجر نفسه لحمل العنب بشرط أن يجعله خمرا.

فنفس الاجارة واقعة على الفعل المباح و هو حمل العنب.

لكن الغاية المترتبة عليها: و هو جعل العنب خمرا محرمة فالاجارة تكون محرمة أيضا بسبب تلك الغاية.

(4) بجر شيء عطفا على مدخول (في الجارة) في قوله (عليه السلام):

اجارة نفسه فيه. فالمعنى: أنه يحرم على الانسان اجارة نفسه في ايجاد بعض المنهي عنه كما في (عامل المطبعة) فإنه يرتب الحروف للكتب المفيدة التي لا تضر بالدين.

و يرتب الحروف للكتب المضلة و المضرة للدين فاجارة نفسه لهذا القسم من ترتيب الحروف حرام.

(5) أي لغرض ايجاد الحرام.

فتمام هذه الأقسام من الاجارات، سواء أ كان فيها ايجاد تمام المنهي عنه أم بعضه، و سواء أ كان الغرض من الاجارة ترتب تمام المنهي عنه-

45

إلا (1) لمنفعة من استأجرته كالذي يستأجر الأجير يحمل له الميتة ينحيها (2) عن أذاه (3)، أو أذى غيره، و ما أشبه ذلك إلى أن قال: و كل من آجر نفسه، أو ما يملك، أو يلي أمره من كافر، أو مؤمن، أو ملك أو سوقة على ما فسرناه مما تجوز الاجارة فيه فحلال محلّل فعله و كسبه.

و أما تفسير الصناعات فكل ما يتعلم العباد، أو يعلّمون غيرهم من أصناف الصناعات مثل الكتابة و الحساب، و التجارة و الصياغة و البناء و الحياكة و السراجة (4) و القصارة (5) و الخياطة، و صنعة (6) صنوف التصاوير

____________

- أم بعضه: حرام.

هذه غاية ما يمكن في توجيه هذه الجملة من الحديث الشريف.

(1) استثناء من قوله (عليه السلام): فمحرم على الانسان اجارة نفسه فيه، أو له، أو شيء منه، أو له.

فالمعنى: أن الاجارة اذا كانت لمنفعة مباحة للمستأجر نفسه، أو لغيره فانها جائزة لا محالة كما مثل لها بحمل الميتة لدفع أذاها عن نفسه، أو غيره

(2) أي يبعدها حتى لا يتأذى هو، أو غيره منها.

(3) المصدر مضاف إلى الفاعل، أي من تأذي شخصه.

(4) بكسر السين و تخفيف الراء: حرفة السراج، اي من يصنع السرج للفرس و البغل و الحمير.

(5) بكسر القاف و تخفيف الصاد: حرفة القصار، اي من يبيّض الثياب و ينقيها من الأوساخ، و هو بياض خاص كما في عصرنا الحاضر حيث يبيضون ثيابهم بمسحوق خاص بعد غسلها، و ازالة الوساخة عنها.

(6) بالجر عطفا على المضاف إليه في قوله (عليه السلام): مثل الكتابة اي و مثل صنعة أقسام التصاوير.

46

ما لم تكن (1) مثل (2) الروحاني، و أنواع (3) صنوف الآلات التي يحتاج إليها العباد منها منافعهم، و بها قوامهم (4) و فيها بلغة (5) جميع حوائجهم فحلال فعله و تعليمه و العمل به (6) و فيه (7) لنفسه (8)، او لغيره و ان كانت تلك الصناعة، و تلك الآلة قد يستعان بها على وجوه الفساد و وجوه المعاصي، و تكون معونة على الحق و الباطل (9) فلا بأس بصناعته

____________

(1) اي التصاوير.

(2) بضم الميم و الثاء: جمع مثال، وزان سرج و سراج، و حجب و حجاب، فهو منصوب، بناء على أنه خبر لكان في قوله (عليه السلام):

لم تكن.

و المراد من المثل: الهياكل التي تمثل ذوات الأرواح كالحيوانات و الحشرات.

و المعنى: انه يجوز تعليم صنعة التصاوير اذا لم تكن على نحو التماثيل.

(3) بالجر عطفا على المضاف إليه في قوله (عليه السلام): مثل الكتابة اي و مثل أنواع صنوف الآلات.

(4) كآلات الكتابة و الطباعة و النجارة و البناية، و أثاث البيت.

(5) بضم الباء و سكون اللام و فتح الغين بمعنى الكفاية من العيش.

و المراد منها هنا: مقدار الكفاية من الحوائج الضرورية البيتية.

(6) اي استعمال تلك الآلة.

(7) اي ايجاد تلك الآلة تسبيبا، أو مباشرة.

(8) الجار و المجرور متعلق بقوله (عليه السلام): فحلال أي فحلال فعله و تعليمه، و العمل به لغيره.

(9) أما الحق فكاستعمال السكين مثلا في الحوائج الضرورية الحياتية و أما الباطل فكاستعماله في قتل الانسان ظلما.

47

و تقلبه (1) نظير الكتابة التي هي على وجه من وجوه الفساد تقوية و معونة (2) لولاة الجور.

و كذلك السكين (3) و السيف و الرمح و القوس، و غير ذلك من وجوه الآلات التي تصرف الى وجوه الصلاح، و جهات الفساد و تكون آلة و معونة عليهما (4) فلا بأس بتعليمه و تعلمه، و اخذ الأجر عليه و العمل به (5) و فيه (6) لمن كان له فيه جهات الصلاح من جميع الخلائق (7) و محرّم عليهم تصريفه الى جهات الفساد و المضار فليس على العالم، و لا المتعلم إثم و لا وزر، لما فيه (8) من الرجحان في منافع جهات صلاحهم، و قوامهم و بقائهم، و انما الإثم و الوزر على المتصرف فيه في جهات الفساد و الحرام

____________

(1) مرجع الضمير في صناعته و تقلبه: (فاعل تلك الصناعة، و تلك الآلة) فالمصدر مضاف الى فاعله، اي فلا بأس بصناعة الانسان هذه الآلة التي قد يستعان بها على وجوه الفساد و المعاصي.

و كذا لا بأس باستعمال الانسان هذه الآلة أيضا.

(2) تقوية و معونة منصوبتان على المفعول لأجله، اي نظير الكتابة التي تكون لغرض تقوية الجور، و معونتها على الفساد.

(3) اي و كذلك لا بأس باستعمال السيف و السكين و أمثالهما مما يستعمل للفساد تارة، و للصلاح اخرى.

(4) اي على الفساد و الصلاح كما علمت آنفا.

(5) اي استعمال تلك الآلة التي قد يستعان بها على الحرام.

(6) اي ايجاد تلك الآلة في الخارج تسبيبا، أو مباشرة.

(7) اي سواء أ كان مسلما أم كافرا.

(8) تعليل لعدم وجود الإثم و المعصية لمن يتعلم صنعة الآلة، أو يستعملها أو يعلّم الغير.

48

و ذلك (4) (*) انما حرم اللّه الصناعة التي هي حرام كلها التي يجيء منها الفساد محضا (1) نظير البرابط و المزامير و الشطرنج (2)، و كل ملهو به و الصلبان (3) و الأصنام (5) (*)، و ما اشبه ذلك من صناعات الأشربة الحرام

____________

(*) تعليل ثان لعدم وجود الإثم و الوزر في تعلم تلك الآلة، و تعليم الغير.

(1) اي ليس فيها أية جهة من جهات الصلاح.

(2) بكسر الشين و فتحها، و الكسر اكثر، بناء على تعريبه: كلمة فارسية معربة (شش رنگ) اي ذات الوان ستة، لأن هذا اللعب له ستة اصناف من القطع التي يلعب بها، فكل قطعة لها لون خاص، و اسم مخصوص

أليك اسماءها:

(الأول): الشاه و هو الملك.

(الثاني): الفرزان. و هي الملكة.

(الثالث): الفيل و هو الحيوان المعروف.

(الرابع): الفرس و هو الحيوان المعروف.

(الخامس): الرخ طائر كبير و همي: جمعه رخاخ: و هي القطعة من قطع الشطرنج.

(السادس): البيذق هو الماشي راجلا و منه بيذق الشطرنج.

(3) بضم الصاد و سكون اللام: جمع (صليب): و هو هيكل مربع يكون على شكل خطين متقاطعين اتخذه النصارى رمزا و شعارا لهم لأنهم يزعمون أنها الخشبة التي صلب عليها (عيسى بن مريم) (عليهما السلام) هكذا شكله:+.

(*) بفتح الهمزة جمع (صنم) و هو الذي يصنع من الحجر او الصفر مصورا.

49

و ما يكون منه و فيه (1) الفساد محضا، و لا يكون منه، و لا فيه شيء من وجوه الصلاح: فحرام تعليمه و تعلّمه و العمل به، و أخذ الأجرة عليه و جميع التقلب (2) فيه من جميع وجوه الحركات، إلا أن يكون (3) صناعة قد تصرف إلى جهة المنافع، و ان كان قد يتصرف فيها و يتناول بها وجه من وجوه المعاصي فلعلة ما فيه من الصلاح حل تعلّمه و تعليمه، و العمل به و يحرم على من صرفه إلى غير وجه الحق و الصلاح.

فهذا تفسير بيان وجوه اكتساب معايش العباد، و تعلمهم في وجوه اكتسابهم الى آخر الحديث المنقول عن تحف العقول المشار إليه في ص 23 الى 33.

و حكاه (4) غير واحد عن رسالة المحكم،

____________

- بخلاف الوثن فإنه يصنع من الخشب، أو الحجر، أو الفضة أو الذهب غير مصوّر.

(1) الفرق بين الأول: و هو (ما يكون منه الفساد محضا).

و بين الثاني: و هو (ما يكون فيه الفساد محضا):

هو أن الأول منشأ للفساد و مقدمة له، و ليس في وجوده الفساد.

و أن الثاني علة تامة للفساد، و في وجوده الفساد.

مثال الأول: (السينما و التلفزيون) فإنهما منشئان للفساد، و مقدمتان له، و ليس في وجودهما الفساد.

مثال الثاني: (الخمر و الأصنام و الأفلام الخلاعية) فإن فيها الفساد و أنها علة تامة له.

(2) أي جميع استعمالاته

(3) أي ذلك الشيء.

(4) أي حكى حديث تحف العقول كثير من الأعلام.

50

و المتشابه (1) للسيد (قدس سره).

[فقه الرضا]

و في الفقه (2) المنسوب إلى مولانا الرضا (صلوات اللّه).

____________

(1) هذه الرسالة (لعلم الهدى السيد المرتضى) أعلى اللّه مقامه ذكرها الاستاذ (رشيد الصفار) في مقدمة (ديوان المرتضى) ص 120 بقوله: رسالة في المحكم و المتشابه منقول من تفسير النعماني.

و ذكرها أيضا (صاحب الحدائق) في (لؤلؤة البحرين) ص 322

و ذكرها (العلامة المجلسي) في (بحار الأنوار في مجلد القرآن)

و ذكرها (صاحب الذريعة إلى تصانيف الشيعة) في الجزء 4 ص 120

و ذكرها (العلامة النوري) في (مستدرك وسائل الشيعة) المجلد 3 ص 120.

و كل هؤلاء الأعلام يذكرون الكتاب عن (تفسير النعماني) عند شرح حياته.

و الكتاب طبع (بإيران) الطبعة الحجرية سنة 1312.

أما المؤلف فيأتي شرح حياته في (أعلام المكاسب).

(2) (فقه الرضا):

اختلفت الآراء و الأقوال حول الكتاب في صحة انتسابه إلى الإمام الرضا (عليه السلام)، و نفيه عنه:

1- ذهب العلامة المجلسي، و والده العظيم (1)، و السيد بحر العلوم-

____________

(1) بحار الأنوار الطبعة الحديثة: الجزء الأول ص 11- 12.

بل قيل: إن المجلسيين أظهرا الكتاب، و لم يكن قبل ذلك أثر منه.

51

..........

____________

- و الفاضل الهندي و صاحب الحدائق: و صاحب الرياض، و الوحيد البهبهاني: إلى صحة الانتساب، و أنه من منشئاته (عليه السلام).

و قد حقق شيخنا النوري في مستدرك وسائل الشيعة: المجلد 3 ص 336- 361 تحقيقا مسهبا، و أثبت صحة الانتساب إليه (عليه السلام).

2- ذهب صاحب الوسائل، و صاحب تحفة الأبرار، و صاحب الفصول، و صاحب الروضات، إلى أن المؤلّف مجهول.

3- و ذهب صاحب رياض العلماء،- و ينقل هذا الرأي عن شيخه الاستاذ- و السيد حسين القزويني: إلى أنه رسالة علي بن موسى بن بابويه القمي (والد الصدوق) إلى ولده، و انتسابه إلى الرضا (عليه السلام) نشأ من اشتراك اسمه مع اسم الإمام (عليه السلام) (1).

4- و أخيرا ذهب المحقق البارع سيدنا السيد حسن الصدر إلى عدم صحة الانتساب، و ألّف في ذلك رسالة مستقلة سمّاها: فصل القضاء في الكتاب المشتهر ب: فقه الرضا.

و أثبت أن الكتاب هو نفس كتاب «التكليف» لمحمد بن علي الشلمغاني- الذي وردت التوقيعات الشريفة من الناحية المقدسة بلعنه-

و دليله على ذلك ملخصا: أن الشلمغاني قد تفرد بنقل أحاديث لم توجد في أي كتاب من كتب الحديث، و لأجل ذلك حينما عرض كتابه «التكليف» إلى باب الحجة أبي القاسم حسين بن روح النوبختي، قال في حقه: إن أحاديثه صحيحة إلا موضعين أو ثلاثة منها.

____________

(1) اعتمدنا في نقل هؤلاء الأعلام على: «المستدرك: المجلد 3 ص 336- 339

52

و سلامه عليه (1).

اعلم يرحمك اللّه أن كل مأمور به (2) على العباد، و قوام لهم في أمورهم من وجوه الصلاح الذي لا يقيمهم غيره مما يأكلون و يشربون و يلبسون و ينكحون، و يملكون و يستعملون فهذا كله حلال بيعه و شراؤه و هبته و عاريته.

و كل أمر يكون فيه الفساد مما قد نهي عنه من جهة أكله و شربه و لبسه و نكاحه و إمساكه بوجه الفساد مثل الميتة و الدم و لحم الخنزير و الربا و جميع الفواحش، و لحوم السباع و الخمر، و ما أشبه ذلك فحرام ضار للجسم (3) انتهى.

[حديث دعائم الإسلام]

و عن دعائم الإسلام للقاضي نعمان المصري عن مولانا الصادق (عليه السلام) إن الحلال من البيوع كلما كان حلالا من المأكول و المشروب، و غير ذلك مما هو قوام للناس، و يباح لهم الانتفاع، و ما كان محرما أصله منهيّا عنه لم يجز بيعه و لا شراؤه (4) انتهى.

____________

- و قد عثر سيدنا السيد الصدر على هذه المواضع الثلاثة- في باب الشهادات و تحديد الكر، و إجزاء غسل الرجلين في الوضوء عند نسيان المسح- في الكتاب المشتهر ب: فقه الرضا، و استنتج من ذلك كله أن الكتاب هو نفس كتاب «التكليف» للشلمغاني.

(1) راجع (مستدرك الوسائل)، الجزء 2، ص 425، الباب 2 من أبواب ما يكتسب به. الحديث 1.

(2) في المصدر: مما هو منّ.

(3) في المصدر: و فساد للنفس.

(4) راجع (دعائم الإسلام)، الجزء 2، طبعة (مصر) سنة 1385، تحقيق (آصف بن علي أصغر فيضي) ص 18، رقم الحديث 23.

53

[النبوي المشهور]

و في النبوي المشهور إن اللّه إذا حرّم شيئا حرّم ثمنه (1).

إذا عرفت ما تلوناه، و جعلته في بالك متدبرا لمدلولاته.

____________

- لكن المذكور هنا مخالف مع مصدره.

إليك نص الحديث المذكور هناك:

عن (جعفر بن محمد) (عليهما السلام) أنه قال: الحلال من البيوع كل ما هو حلال من المأكول و المشروب، و غير ذلك مما هو قوام للناس و صلاح و مباح لهم الانتفاع به.

و ما كان محرما أصله منهيا عنه لم يجز بيعه، و لا شراءه.

و أما دعائم الإسلام فموسوعة في الأحاديث المأثورة عن (أئمة أهل البيت) عليهم الصلاة و السلام في معرفة الحلال و الحرام، و القضايا و الأحكام في الفقه (الشيعي الامامي).

و كل ما في الكتاب من الأحاديث مطابقة لما في الكتب الأربعة (الكافي من لا يحضره الفقيه، التهذيب، الاستبصار).

الّف الكتاب أيام (الدولة الفاطمية) بمصر، و نال مصنفه بذلك مرتبة سامية رفيعة عندهم، و حاز شهرة عظيمة في شرق البلاد و غربها.

كان المصنف شيعيا اماميا فأظهر الحق تحت ستار التقية، و كانت السلطة المذهبية للإسماعيلية في تلك الديار، حيث كانت ملوك الفاطميين معتنقين للمذهب.

اعتمد علماء (الطائفة الإمامية) على الكتاب و أثنوا عليه، و على مؤلفه ثناء بليغا.

و طبع الكتاب أولا في عام 1370 بمصر مع مقدمة محتوية على حياة المؤلف بقلم (الدكتور محمد كامل حسين).

(1) (مستدرك وسائل الشيعة). المجلد 2، ص 427. الباب 6.

الحديث 8.

54

[أقسام المكاسب]

فنقول: قد جرت عادة غير واحد على تقسيم المكاسب إلى محرم و مكروه و مباح (1)، مهملين (2) للمستحب و الواجب، بناء على عدم وجودهما في المكاسب، مع إمكان التمثيل للمستحب بمثل الزراعة و الرعي مما ندب إليه الشرع (3)، و للواجب بالصناعة،

____________

(1) أي مكسب حرام، و مكسب مكروه، و مكسب مباح.

(2) حال للفقهاء المستفاد من قوله (قدس اللّه روحه): و قد جرت عادة غير واحد.

(3) أليك الأحاديث الواردة في الزراعة عن يزيد بن هارون الواسطي قال: سألت (جعفر بن محمد) (عليهما السلام) عن الفلاحين.

فقال: هم الزارعون كنوز اللّه في أرضه، و ما في الأعمال شيء أحب إلى اللّه من الزراعة، و ما بعث اللّه نبيا إلّا زرّاعا، إلا ادريس (عليه السلام) فإنه كان خياطا.

الوسائل طبعة (طهران) سنة 1382. الجزء 12. ص 25 الحديث 3.

و عن سيابة عن (أبي عبد اللّه) (عليه السلام) قال: سأله رجل فقال له: جعلت فداك اسمع قوما يقولون: إن الزراعة مكروهة.

فقال له: ازرعوا و أغرسوا فلا و اللّه ما عمل الناس عملا أحل و لا أطيب منه الى آخر الحديث.

نفس المصدر. الجزء 13، ص 193، الحديث 1.

و الأخبار الواردة في استحباب الزراعة كثيرة راجع نفس المصدر تجد هناك بابا مستقلا فيه.

و أما الأخبار الواردة في استحباب الرعي، إليك بعضها:

عن محمد بن عطية قال: سمعت (أبا عبد اللّه) (عليه السلام) يقول:

إن الله عز و جل أحبّ لأنبيائه من الأعمال: الحرث. و الرعي، لئلا-