كتاب المكاسب - ج5

- الشيخ مرتضى الأنصاري المزيد...
404 /
3

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الإهداء

سيدي ... أبا صالح

هذه جهودي بين يديك متواضعة بذلتها في سبيل تخليد فقه (أئمة أهل البيت) و هم آباؤك و أجدادك الطاهرون عليهم الصلاة و السلام في سبيل إحياء تراثنا العلمي الأصيل، أهديها أليك ... يا حافظ الشريعة يا من يملأ الأرض قسطا و عدلا بعد ما ملئت ظلما و جورا فأنت أولى بها ممن سواك، و لا أراها متناسبة و ذلك المقام الرفيع.

و أراني مقصرا غير أن الهدايا على قدر مهديها.

فتفضل عليّ يا سيدي (عجل اللّه تعالى لك الفرج) بالقبول، فانه غاية المأمول.

عبدك الراجي

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

[تتمة المكاسب المحرمة]

[تتمة النوع الرابع ما يحرم الاكتساب به لكونه عملا محرما في نفسه]

هجاء المؤمن

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

[المسألة السابعة و العشرون هجاء المؤمن]

«السابعة و العشرون» (1) (هجاء المؤمن) حرام بالأدلة الأربعة (2)، لأنه (3) همز و لمز و أكل اللحم و تعبير و اذاعة سر، و كل ذلك (4) كبيرة موبقة.

____________

(1) أي (المسألة السابعة و العشرون) من النوع الرابع الذي يحرم الاكتساب به لكونه عملا محرما في نفسه: هجاء المؤمن.

هو مصدر ثان لهجا يهجو، إذ مصدره الأول هجوا، معناه:

الشتم، و تعداد المعايب.

(2) الكتاب و السنة و الإجماع و العقل.

(3) تعليل لحرمة الهجاء من الكتاب العزيز أي الهجاء همز و لمز، و أكل لحم الأخ المؤمن فتشمله آية: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ.

و آية: «وَ لٰا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ».

و قد مضت الإشارة الى معنى الهمز و اللمز في الجزء الثالث من (المكاسب) من طبعتنا الحديثة. ص 308.

و الى معنى أ يحب أحدكم أن يأكل في نفس المصدر ص 304- 307 فراجع.

(4) أي الهمز و اللمز، و أكل اللحم، و التعيير، و إذاعة السر من المعاصي الكبيرة التي أوعد اللّه عز و جل على مرتكبها العقاب في الآخرة كما هو الملاك في الكبيرة.

8

و يدل عليه (1) فحوى ما تقدم في الغيبة، بل البهتان (2) أيضا بناء (3) على تفسير الهجاء بخلاف المدح كما عن الصحاح فيعم (4) ما فيه من المعايب و ما ليس فيه كما عن القاموس و النهاية و المصباح، لكن مع تخصيصه فيها (5) بالشعر.

و أما تخصيصه بذكر ما فيه بالشعر (6) كما هو ظاهر جامع المقاصد فلا يخلو عن تأمل.

____________

(1) أي على تحريم الهجاء كل ما ذكرناه في حرمة الغيبة.

راجع نفس المصدر. من ص 307 الى ص 320.

و كذا يدل على حرمة الهجاء كل ما تقدم في السب.

راجع نفس المصدر. ص 7- 10.

(2) أي بل يدل على تحريم الهجاء كل ما تقدم في حرمة البهتان راجع نفس المصدر. ص 339- 340.

(3) تعليل لكون أدلة البهتان تشمل الهجاء، أي شمول أدلة البهتان للهجاء مبني على تفسير الهجاء بخلاف المدح: بأن يقال: إن معناه الذم و القدح.

(4) الفاء تفريع على ما أفاده: من كون معنى الهجاء خلاف معنى المدح أي فبناء على ذلك يكون معنى الهجاء أعم من معنى المدح، أي سواء أ كانت المعايب في الشخص موجودة أم لا.

(5) أي مع تخصيص الهجاء في الكتب الثلاثة بالشعر: بمعنى أن هؤلاء الأعلام و إن عمموا معنى الهجاء، لكنهم خصصوه بالشعر، دون النثر.

(6) هذا القول أفاده (صاحب جامع المقاصد)، فإنه أفاد في كتابه شيئين في الهجاء:

(أحدهما): كونه مختصا بذكر المعايب الموجودة في الشخص.-

9

و لا فرق في المؤمن بين الفاسق و غيره.

و أما الخبر (1): محصوا ذنوبكم بذكر الفاسقين فالمراد به (2) الخارجون عن الإيمان، أو المتجاهرون بالفسق.

و كذا يجوز هجاء الفاسق المبدع، لئلا يؤخذ ببدعه، لكن بشرط الاقتصار على المعايب الموجودة فيه، فلا يجوز بهته بما ليس فيه، لعموم حرمة الكذب (3).

و ما تقدم (4) من الخبر في الغيبة من قوله (عليه السلام) في حق المبتدعة: باهتوهم

____________

- (ثانيهما): كونه مختصا بالشعر، دون النثر.

(1) دفع وهم حاصل الوهم: أنكم قلتم: إنه لا فرق في عدم جواز هجو المؤمن بين كونه عادلا، أو فاسقا.

لكن قوله (عليه السلام) في الحديث: محصوا ذنوبكم بذكر الفاسقين يدل على اختصاص عدم الجواز بالعدول فيخصص الخبر ذلك العموم.

و أما الحديث فلم نعثر على مصدر له في الكتب التي بأيدينا، و راجعنا بعض كتب إخواننا السنة فلم نجد له مصدرا أيضا.

(2) هذا جواب عن الوهم المذكور.

و خلاصته: أن العموم باق على ما كان، و الخبر هذا لا يخصصه لأن المراد من الفاسقين في الخبر إما الخارجون عن الإيمان، و إما المتجاهرون بالفسق فلا يشمل مطلق الفساق حتى يختص عدم جواز الهجو بالعدول فلا يخصص العموم.

(3) لأن حرمة الكذب عامة تشمل عدم جواز الافتراء حتى بالفاسق.

(4) دفع وهم حاصل الوهم: أن الحديث الوارد في قول الامام (عليه السلام) في ص 50 في الجزء الرابع من (المكاسب) من طبعتنا الحديثة:

باهتوهم كيلا يطمعوا في إضلالكم عام يشمل العيوب الموجودة في المبدع-

10

كيلا يطمعوا في إضلالكم: محمول (1) على اتهامهم، و سوء الظن بهم بما يحرم اتهام المؤمن به: بأن يقال: لعله زان، أو سارق.

و كذا (2) اذا زاد ذكر ما ليس فيه من باب المبالغة.

و يحتمل ابقاؤه (3) على ظاهره: بتجويز الكذب عليهم لأجل المصلحة فإن مصلحة تنفير الخلق عنهم أقوى من مفسدة الكذب.

و في رواية أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له:

إن بعض أصحابنا يفترون و يقذفون من خالفهم.

فقال: الكف عنهم أجمل (4).

____________

- و غير الموجودة فيه فكيف تقولون باختصاص الهجاء بالعيوب الموجودة فيه؟

(1) جواب عن الوهم المذكور و قد ذكر في المتن فلا حاجة الى تكراره.

(2) أي و كذا يجوز ذكر معايب المبدع الواقعية مبالغة، بناء على ما أفاده الشيخ: من عدم دخوله في الكذب فلا تشمله أدلته.

(3) أي إبقاء قول الامام (عليه السلام): باهتوهم على ظاهره: و هو جواز رمي المبدع بما ليس فيه.

(4) (الكافي). الجزء 8. ص 285. الحديث 431.

11

[المسألة الثامنة و العشرون الهجر]

الهجر

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

«الثامنة و العشرون» (1) (الهجر) بالضم و هو الفحش من القول، و ما استقبح التصريح به منه (2) ففي صحيحة أبي عبيدة: البذاء (3) من الجفاء و الجفاء في النار (4).

و في النبوي: إن اللّه حرم الجنة على كل فحّاش بذي قليل الحياء لا يبالي بما قال و لا ما قيل فيه (5).

و في رواية سماعة: إياك أن تكون فحّاشا (6).

و في النبوي: إن من شر عباد اللّه من يكره مجالسته لفحشه (7).

و في رواية: من علامات شرك الشيطان الذي لا شك فيه أن يكون

____________

(1) أي (المسألة الثامنة و العشرون) من النوع الرابع الذي يحرم الاكتساب به لكونه عملا محرما في نفسه: الهجر و هو بضم الهاء و سكون الجيم: معناه: الكلام القبيح، و بالفتح الابتعاد و القطيعة.

(2) أي من القول.

(3) بفتح الباء معناه: الفحش يقال: بذا زيد أي فحش.

و الجفاء معناه: الإعراض.

(4) (اصول الكافي). الجزء 2. ص 325. الحديث 9.

(5) نفس المصدر. ص 323. الحديث 3.

(6) نفس المصدر. ص 326. الحديث 5.

(7) نفس المصدر. ص 325. الحديث 8.

14

فحاشا لا يبالي بما قال، و لا ما قبل فيه (1)، إلى غير ذلك من الأخبار.

هذا آخر ما تيسر تحريره من المكاسب المحرمة (2).

____________

(1) نفس المصدر. ص 323. الحديث 1

(2) أي ما كان متعلق الاكتساب عملا محرما في ذاته و نفسه كالنوع الرابع.

و ليس المراد منها كل ما في الأنواع المذكورة: في النوع الأول و الثاني و الثالث و الخامس في الجزء 1- 2- 3- 4- 5 من المكاسب من طبعتنا الحديثة.

15

الاجرة على الواجبات

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

[النّوع الخامس مما يحرم التكسب به]

النّوع الخامس مما يحرم التكسب به

[حرمة التكسب بالواجبات]

ما يجب على الإنسان فعله (1) عينا أو كفاية تعبدا أو توصلا

____________

(1) أي كل شيء وجب على المكلف إتيانه يحرم أخذ الاجرة عليه ثم لا يخفى عليك أن الشيخ قسم هذا الواجب على قسمين: و قسم كلا منهما الى تعبدي و توصلي فهذه أربعة أقسام و إليها أشار الشيخ بقوله:

عينا كفاية، تعبدا أو توصلا و نحن نذكرها مشروحة:

(الأول): الواجب العيني التعبدي: و هو الواجب الذي يراد إتيانه من شخص المكلف بداعي الأمر الإلهي و بقصد القربة بحيث لو لم يأت به كذلك لم يسقط الواجب عنه كالصلاة و الصوم و الحج.

(الثاني): الواجب العيني التوصلي و هو الواجب الذي لا يعتبر في اتيانه قصد القربة و بداعي الأمر الإلهي كوجوب التزوج على الأعزب و إن أتى به بقصد القربة يثاب عليه.

(الثالث): الواجب الكفائي التعبدي: و هو الواجب الذي يراد إتيانه و صدوره في الخارج من أي مكلف كان بقصد القربة و داعي الأمر الإلهي: بحيث لو قام به أحد المكلفين سقط الوجوب عن الآخرين و إن لم يأت به أحد عوقب الجميع، لعدم سقوط التكليف عنهم حينئذ كتغسيل الميت و الصلاة عليه.

(الرابع): الواجب الكفائي التوصلي: و هو الواجب الذي يراد إتيانه و صدوره من أي مكلف كان من غير اشتراط قصد القربة و داعي-

18

على المشهور كما في المسالك (1)، بل عن مجمع البرهان (2) كأن دليله الإجماع.

و الظاهر أن نسبته (3) الى الشهرة في المسالك في مقابل قول السيد

____________

- الأمر الإلهي كتكفين الميت، و مواراته تحت الأرض، و إنقاذ الغرقى و إطعام الجائع المسكين، و حفظ النظام في اتخاذ الحرف و المهن، و توزيعها على المجتمع.

و لو أتى بهذه الامور بقصد القربة يثاب عليها.

و لا يخفى عليك أنه لا يجوز أخذ الاجرة على هذه الواجبات في الواجبات العينية التعبدية، و الكفائية التعبدية.

و أما العينية التوصلية، و الكفائية التوصلية فيجوز أخذ الاجرة عليهما.

(1) أي ادعى (الشهيد الثاني) في المسالك شهرة هذا القول:

و هي حرمة أخذ الاجرة على الواجبات.

(2) جملة بل عن مجمع البرهان من (شيخنا الأنصاري) معناها:

أنه نقل عن مجمع البرهان أن دليل الشهيد الإجماع على ذلك

(3) أي الظاهر أن نسبة (الشهيد الثاني) هذا الحكم: و هو تحريم أخذ الاجرة على الواجبات العينية، أو الكفائية، سواء أ كانت تعبدية أم توصلية الى الشهرة في المسالك: لأجل ذهاب السيد الى جواز أخذ الاجرة على تجهيز الميت لغير الولي، حيث إن السيد لا يرى وجوب التجهيز على غير الولي، و هذا القول يستلزم جواز أخذ الاجرة على التجهيز لغير الولي فيكون قوله مخالفا للمشهور الذاهب الى عدم جواز أخذ الاجرة على تجهيز الميت الواجب على المكلفين، سواء أ كانوا من أولياء الميت أم لا، فاسند (الشهيد الثاني) حرمة أخذ الاجرة على التجهيز الى الشهرة لأجل ذلك.

19

المخالف في وجوب تجهيز الميت على غير الولي، لا (1) في حرمة أخذ الاجرة على تقدير الوجوب عليه.

و في جامع المقاصد الإجماع على عدم جواز أخذ الاجرة على تعليم صيغة النكاح، أو إلقائها (2) على المتعاقدين. انتهى.

و كأن لمثل هذا و نحوه (3) ذكر في الرياض أن على هذا الحكم الإجماع في كلام جماعة، و هو (4) الحجة. انتهى (5).

و اعلم أن موضوع هذه المسألة (6)،

____________

(1) أي و ليس كلام السيد مخالفا لحرمة اخذ الاجرة في تجهيز الميت على غير الولي لو قيل بوجوبه عليه حتى يكون كلامه مخالفا لما ذهب إليه الإجماع: من حرمة اخذ الاجرة على الواجبات، لأنه من بداية الأمر و رأسا ينكر وجوب التجهيز على غير الولي.

(2) المراد من الإلقاء التلقين أي يقول المتعاقدان بعين ما يقوله الملقن.

(3) أي و كأن لمثل كلام (الشهيد الثاني) في المسالك، و ما نقل عن مجمع البرهان، و دعوى (صاحب جامع المقاصد) الإجماع على ذلك:

ذكر صاحب (الرياض): من أن عدم جواز أخذ الاجرة على الواجبات اجماعي.

(4) هذا رأي صاحب (الرياض) أي عدم جواز أخذ الاجرة على الواجبات هو الحق و الصحيح، بناء على مبناه: من حجية الإجماع المنقول.

(5) أي ما أفاده (صاحب الرياض) في الرياض في هذا المقام.

(6) أي موضوع البحث و محوره في مسألة عدم جواز أخذ الاجرة على الواجبات: هو الواجب الذي فيه نفع يعود الى باذل المال حتى يصح بذل المال في قباله، لئلا تقع المعاوضة باطلة حتى يكون أكل المال أكلا-

20

..........

____________

- بالباطل، فمثل هذا الواجب الذي هو محور الكلام و محل النزاع في أنه هل يجوز أخذ الاجرة عليه أم لا؟

و ليس البحث في مطلق الواجب و لو لم يكن فيه نفع يعود الى باذل المال، لأن الواجب الذي ليس فيه نفع يعود الى الباذل خارج عن إطار الكلام، و محل النزاع، لعدم وجود شيء يقابل بالمال فيكون أكل المال أكلا بالباطل فمثل الواجبات العينية التعبدية التي وجب على المكلف إتيانها مباشرة كالصلاة و الصوم و الحج لا يصح أخذ الاجرة عليها، لخروجها عن محل البحث، حيث لا يوجد فيها منفعة تعود الى الباذل.

إذا عرفت أن مدار البحث هو الواجب الذي فيه نفع يعود الى الباذل فلا فرق بين الواجب العيني و الكفائي في عدم جواز أخذ الاجرة عليه.

(أما الأول): كالقضاء للمدعي إذا كانت منحصرة في شخص القاضي، و ليس غيره موجودا فيبذل شخص له مبلغا، فإن في حكم القاضي للباذل منفعة تعود إلى الباذل ليحكم في صالحه.

(و أما الثاني): فتجهيز الميت، حيث إن المكلف يبذل مالا لآخر ليقوم بتجهيزه عوضا عنه حتى يسقط التكليف عنه، ففي سقوط التكليف عن الباذل ببذل المال نفع يعود إليه.

ثم لا يخفى ان بعض الأعلام أفاد في هذا المقام تعميم البحث حتى على الواجبات العينية كالصلاة و الصوم و الحج، حيث يمكن فرض نفع فيها يعود إلى الباذل المستأجر و ذلك النفع هو إطاعة اللّه عز و جل من اتيان الواجبات.

و هذا المقدار من النفع يكفي في صحة بذل المال على الواجبات العينية إذا لا يخص البحث الواجبات التي ذكرها المصنف، كما أنه يصح بذل-

21

ما اذا كان للواجب (1) على العامل منفعة تعود الى من يبذل بإزائه المال كما لو كان كفائيا و أراد (2) سقوطه منه فاستأجر غيره، أو كان (3) عينيا على العامل و رجع نفعه منه الى باذل المال كالقضاء للمدعي إذا وجب عينا.

و بعبارة اخرى (4) مورد الكلام ما لو فرض مستحبا لجاز الاستيجار

____________

- المال تجاه تلك يصح بذل المال تجاه هذه، لعين الملاك، إذ لا يجب في متعلق الإجارة إلا كونه متعلقا لغرض عقلائي.

و لا شك أن اطاعة اللّه عز و جل أعظم غرض عقلائي يصح بذل المال له، فإن الباذل يقصد ببذله اقامة أوامر اللّه في البلاد حتى يتوجه الناس إليه عز و جل.

(1) في جميع نسخ المكاسب الموجودة عندنا: الخطية و المطبوعة هكذا:

ما اذا كان الواجب، و الصحيح، ما اذا كان للواجب كما أثبتناه، لعدم انسجام المعنى كما لا يخفى على النبيل الخبير الناقد البصير، و السهو من النساخ.

(2) أي الباذل أراد سقوط الواجب الكفائي عن نفسه كما عرفت في ص 20.

(3) أي أو كان الواجب عينيا كما في القضاء لو انحصر في واحد و هو المراد من العامل.

(4) حاصل قوله: بعبارة اخرى: أن مدار البحث، و محور الكلام في الواجب الذي لو فرض كونه مستحبا لجاز الاستيجار عليه و أخذ الاجرة في قباله، سواء أ كان المستحب عينيا أم كفائيا فإذا صح فرضا أخذ الاجرة على هذه المستحبات لوجود نفع فيها يعود الى الباذل: صح أخذ الاجرة على الواجبات التي فيها نفع يعود الى الباذل.

أما المستحب الكفائي فكمستحبات تجهيز الميت علاوة على واجباته

22

عليه، لا (1) أن الكلام في كون مجرد الوجوب على الشخص مانعا

____________

و كرفع الأذى عن طريق المارة، و غيرهما: من المستحبات الاكيدة الواردة في الشرع.

و أما المستحب العيني فكقراءة القرآن الكريم، و زيارة المراقد الطاهرة و أقسام الحج غير حجة الاسلام، و الصوم المستحبي، و غير ذلك من المستحبات الواردة في الشرع.

(1) في جميع نسخ (المكاسب) الموجودة عندنا: الخطية و المطبوعة من الطباعة القديمة و الحديثة هكذا: لأن الكلام.

و الصحيح كما أثبتناه: (لا أن الكلام) لعدم انسجام المعنى في الأول كما لا يخفى على النبيل، حيث إن الشيخ قال في صدر البحث: و اعلم أن موضوع هذه المسألة: ما اذا كان للواجب على العامل منفعة تعود الى من يبذل بإزائه المال.

فمقتضى هذه العبارة: أن تكون الجملة لا أن الكلام.

أي ليس مورد البحث في الواجب بما أنه واجب، سواء أ كان فيه نفع يعود الى الباذل أم لا، لخروج ما ليس فيه نفع يعود الى الباذل عن حريم النزاع، لأن بذل المال في قباله بذل للباطل كما عرفت في ص 19 عند قولنا: ثم لا يخفى أن بعض الأعلام.

و قد عرفت أيضا أن البحث يعم حتى مثل هذه الواجبات العينية المطلوب فيها مباشرة المكلف.

ثم العجب من الشراح و المعلقين على الكتاب لم يعلقوا حول هذه العبارة شيئا و أخذوها على علاتها.

و لا شك أن هذا الغلط الفضيع جاء من قبل نساخ الكتاب المحترفين للكتابة، لأن جلهم و إن شئت قل: كلهم غير متقين.

23

عن اخذ الاجرة عليه، فمثل (1) فعل الشخص صلاة الظهر عن نفسه لا يجوز أخذ الاجرة عليه، لا لوجوبها، بل لعدم وصول عوض المال الى باذله فإن النافلة (2) أيضا كذلك.

و من هنا (3) يعلم فساد الاستدلال على هذا المطلب (4): بمنافاة (5)

____________

(1) الفاء تفريع على ما أفاده الشيخ بقوله: لا أن الكلام في كون مجرد، أي بعد أن عرفت أن مورد البحث هو الواجب الذي فيه نفع يعود الى باذل المال، لا مطلق الواجب العيني: فيخرج عن موضوع البحث مثل الصلاة و الصوم و الحج، حيث لا نفع فيها يعود الى الباذل و ما كان كذلك لا نزاع في عدم جواز أخذ الاجرة عليه.

و قد عرفت خلاف ذلك منا.

(2) أي المستحبات التي لا نفع فيها يعود الى الباذل مثل الواجبات في عدم جواز أخذ الاجرة عليها، لاتحاد الملاك فيهما.

(3) أي و من أجل أن الملاك في عدم جواز أخذ الاجرة على الواجبات هو عدم وجود نفع فيها يعود الى الباذل المستأجر: يعلم فساد استدلال (صاحب الرياض) على عدم جواز أخذ الاجرة في الواجبات.

و خلاصة استدلاله: أن أخذ الاجرة على الواجبات مناف للإخلاص المطلوب في العبادات، لأن بين الأخذ و الإخلاص تنافر و تضاد، حيث إن الإخلاص يطلب إيقاع الفعل بداعي أمر المولى القدير قربة لوجهه المقدس خاليا عن جميع الشوائب، و أخذ الاجرة يطلب ايقاع الفعل تجاه الاجرة و وفاء لعقد الاجارة فهما متضادان متنافران لا يجتمعان.

(4) و هي حرمة أخذ الاجرة على الواجبات العبادية المطلوب فيها قصد الإخلاص كما عرفت آنفا.

(5) الجار و المجرور متعلق بقوله: الاستدلال على هذا المطلب.-

24

ذلك للاخلاص في العمل، لانتقاضه (1) طردا و عكسا بالمندوب، و الواجب التوصلي.

____________

- و الباء للاستعانة أي استعان (صاحب الرياض) على عدم جواز أخذ الاجرة على الواجبات بهذا الدليل و هو الذي ذكرناه لك آنفا بقولنا في ص 23: و خلاصة استدلاله.

(1) هذا جواب من الشيخ ردا على استدلال (صاحب الرياض).

و خلاصة الجواب: أن الاستدلال المذكور لا يكون مانعا للاغيار و لا جامعا للافراد و قد قرر في محله: أن التعريف لا بد أن يكون مانعا للأغيار، و جامعا للافراد.

(أما الأول): فلأن الاستدلال المذكور منتقض بالمندوب التعبدي المشترط فيه قصد الاخلاص و القربة، حيث إنه يقول بجواز أخذ الاجرة عليه مع أن الاستدلال شامل له، لمنافاة اخذ الاجرة مع قصد الإخلاص المطلوب في المستحب التعبدي.

فبناء على مذهب صاحب الرياض: من جواز أخذ الاجرة على المستحب التعبدي يجب خروجه عن الاستدلال المذكور، مع أنه داخل فيه.

(و أما الثاني): و هو عدم كون الاستدلال جامعا للافراد، لأنه منتقض بالواجبات التوصلية التي لا يشترط فيها قصد القربة و الإخلاص فان المستدل يقول بعدم جواز أخذ الاجرة عليها، مع أن الاستدلال المذكور لا يشمله، لعدم مطلوبية قصد الاخلاص في الواجبات التوصلية حتى يتنافى أخذ الاجرة مع الاخلاص فيلزم خروجها عن القاعدة الكلية: و هو عدم جواز أخذ الاجرة، و القول بجواز أخذ الاجرة عليها، مع أنها داخلة في المدعى: و هو عدم جواز أخذ الاجرة فلا يكون الاستدلال المذكور جامعا للافراد.-

25

و قد يرد ذلك (1): بأن تضاعف الوجوب بسبب الإجارة يؤكد الإخلاص.

و فيه (2) مضافا الى اقتضاء ذلك الفرق بين الإجارة و الجعالة حيث (3) إن الجعالة لا توجب العمل على العامل:

____________

- ثم لا يخفى أن الانتقاص المذكور إنما يلزم لو كان المستدل يقول بعدم جواز أخذ الاجرة في الواجبات مطلقا، سواء أ كانت تعبدية أم توصلية

لكنه يمكن أن يكون استدلاله في الواجبات التعبدية فقط، إذا لا يتوجه الانتقاض المذكور عليه عكسا.

(1) أي و قد يرد استدلال (صاحب الرياض) بطريق اخرى غير ما أوردناه عليه و الراد هو صاحب (مفتاح الكرامة).

و خلاصة الرد أن الواجب بعد أخذ الاجرة عليه يتضاعف فيه الوجوب أي يصبح له وجوبان:

وجوب من قبل الأمر المولوي و هو أمر اللّه عز و جل الذي أمر عبده باتيان الفعل.

و وجوب من قبل الاجارة الذي جاء من ناحية المستأجر.

(2) أي و في هذا الرد إشكال بالإضافة إلى اقتضاء الرد الفرق بين الاجارة و الجعالة.

(3) هذا هو الفارق و خلاصته أن أداء العمل في الجعالة ليس واجبا على العامل فيجوز له رفع اليد عن العمل متى شاء و أراد و لو في أثنائه.

بخلاف الاجارة، حيث إن الأجير فيها مكلف باتيان العمل بدوا و ختاما، و لا يصح له رفع اليد أبدا، فالرد المذكور لا يشمل الجعالة فلا يتضاعف الوجوب، و لا يتأكد الإخلاص.-

26

أنه (1) إن اريد أن تضاعف الوجوب يؤكد اشتراط الإخلاص فلا ريب أن الوجوب الحاصل بالإجارة توصلي لا يشترط في حصول ما وجب به قصد القربة مع (2) أن غرض المستدل منافاة قصد أخذ المال لتحقق

____________

- و المراد من الاجارة: الاجارة اللازمة.

(1) هذا هو الاشكال على الرد المذكور.

و خلاصته أن الوجوب الآتي من قبل الاجارة ليس واجبا تعبديا حتى يشترط فيه قصد الإخلاص، بل هو واجب توصلي لا يحتاج الى قصد القربة و الإخلاص.

إذا لا يتأكد الإخلاص.

نعم يتأكد الواجب و يتضاعف فيصبح ذا جنبتين: جنبة تعبدية من ناحية الأمر المولوي، و جنبة توصلية من قبل المستأجر.

(2) هذا اشكال آخر من الشيخ على صاحب (مفتاح الكرامة) الراد على (صاحب الرياض).

و خلاصة الاشكال: أن (صاحب الرياض) إنما يقول بمنافاة أخذ الاجرة للإخلاص لأجل ان الإخلاص لا يتعلق بالقلب، و لا يتأتى منه عند اتيان العمل حين أخذ العامل الاجرة عليه.

و ليس غرضه من عدم جواز أخذ الاجرة على الواجبات: أن الأخذ مناف للإخلاص المطلوب في أصل العمل، حيث إن الشارع قد اشترط الإخلاص في وجوب العمل، لأنه من الممكن أن يشترط الشارع قصد الإخلاص في اتيان العمل مع جواز أخذ الاجرة عليه.

لكن الكلام في تحقق هذا الاخلاص من العامل.

و قد عرفت أن الإخلاص لا يتأتى و لا يتعلق بقلب العامل عند أخذه الاجرة على الواجب.-

27

الإخلاص في العمل، لا (1) لاعتباره في وجوبه.

و ان اريد (2) أنه يؤكد تحقق الإخلاص من العامل فهو مخالف للواقع قطعا، لأن ما لا يترتب عليه أجر دنيوي أخلص مما يترتب عليه ذلك بحكم الوجدان.

هذا (3) مع أن الوجوب

____________

- و هذا معنى منافاة أخذ الاجرة للإخلاص المطلوب في أصل العمل.

(1) أي و ليس غرض (صاحب الرياض) من عدم جواز أخذ الاجرة.

و قد عرفت معنى هذا آنفا بقولنا في ص 26: و ليس غرضه.

(2) اشكال ثان من الشيخ على (صاحب مفتاح الكرامة) فيما أفاده ردا على (صاحب الرياض) القائل بحرمة أخذ الاجرة على الواجبات لكونه منافيا للإخلاص.

و خلاصته: أن ما أفاده (صاحب مفتاح الكرامة): من أن الاجرة تؤكد الإخلاص فيتضاعف الوجوب مخالف للواقع و نفس الأمر، لأن العمل الذي لا يترتب عليه أجر دنيوي اخلاصه أشد و أقوى و آكد من العمل الذي يترتب عليه أجر دنيوي و الحاكم بذلك هو الوجدان و الضرورة.

ثم لا يخفى على الفطن البصير أن صيغة أفعل التفضيل في قول الشيخ:

أخلص لم تستعمل في معناها الحقيقي الذي هو أشد اخلاصا، لمنافاة معناه الحقيقي مع مراد الشيخ و هو انكار أصل الإخلاص في جانب العمل الذي يترتب عليه أجر دنيوي، بل معناها منسلخ منها.

(3) اشكال ثالث من الشيخ على (صاحب مفتاح الكرامة) فيما أفاده ردا على (صاحب الرياض) القائل بحرمة أخذ الاجرة على الواجبات لكونه منافيا للاخلاص.-

28

الناشئ من الإجارة إنما يتعلق بالوفاء (1) بعقد الاجارة.

و مقتضى الإخلاص المعتبر في مترتب الثواب على موافقة هذا الأمر و لو لم يعتبر في سقوطه: هو (2) إتيان الفعل من حيث استحقاق المستأجر له بإزاء ماله، فهذا المعنى (3) ينافي وجوب إتيان العبادة لأجل استحقاقه تعالى إياه، و لذا (4) لو لم يكن

____________

- و خلاصته: أن لنا هنا وجوبين: وجوبا من قبل المستأجر، و وجوبا من قبل المولى، و منشأ كل واحد يخالف الآخر، لأن منشأ الأول عقد الاجارة و نفسها فهو وليد الاجارة، و منشأ الثاني هو الأمر الإلهي المولوي الذي يجب أن يؤتى من قبل انباري عز و جل بداعي أمره خالصا لوجهه المقدس، خاليا عن كل شائبة فهو وليد الأمر المولوي، فالوجوب في الأول وضعي معاملي نشأ من ناحية المعاوضة، و الوجوب في الثاني حكمي نشأ من ناحية الأمر المولوي الإلهي الذي يشترط فيه قصد القربة فاختلف المنشأ آن.

فكيف يمكن أن يقال: يتأكد الإخلاص، و تضاعف الوجوب.

(1) المراد بالوفاء هو الوفاء المتولد من الأمر في قوله تعالى:

أَوْفُوا بِالْعُقُودِ.

(2) هذه الجملة: (هو اتيان الفعل) مرفوعة محلا خبر لقوله:

و مقتضى.

(3) و هو اتيان الفعل ازاء مال المستأجر مناف لوجوب اتيان الفعل الذي هي العبادة للّه تبارك و تعالى المستحق له.

(4) تعليل للمنافاة المذكور.

و خلاصته: أنه لا يمكن الجمع بين القصدين و هما: قصد اتيان الفعل للّه تبارك و تعالى. و قصد اتيانه للمستأجر، لأن الأول يحتاج الى قصد القربة و العبودية بمعنى اتيانه لذاته المقدسة و بداعي أمره مجردا عن كل شائبة-

29

هذا العقد (1) واجب الوفاء كما في الجعالة (2) لم يمكن قصد الإخلاص مع قصد استحقاق العوض فلا إخلاص هنا حتى يؤكده وجوب الوفاء بعد الإيجاب بالإجارة، فالمانع (3) حقيقة هو عدم القدرة على إيجاد الفعل الصحيح بإزاء العوض، سواء أ كانت المعاوضة لازمة أم جائزة.

[القربة في العبادات المستأجرة]

و أما (4) تأتي القربة في العبادات المستأجرة، فلأن (5) الإجارة إنما تقع على الفعل المأتي به تقربا إلى اللّه، نيابة عن فلان.

____________

- و الثاني يحتاج الى قصد وقوع الفعل إزاء المال الذي أخذه من المستأجر فكيف يمكن إتيانه للّه تبارك و تعالى؟

فلا يوجد إخلاص في البين حتى يؤكده فيتضاعف الوجوب.

(1) و هو العقد الحاصل بين المستأجر و الأجير.

(2) حيث إنها جائزة و ليست بلازمة.

(3) أي المانع الحقيقي عن أخذ الاجرة في الواجبات هو عدم تمكن المكلف من اتيان الفعل قربة الى اللّه تعالى بعد أن أخذ الاجرة من المستأجر على العمل، سواء أ كانت المعاوضة هنا لازمة كما في الإجارة، أم جائزة كما في الجعالة.

(4) هذا و هم حاصله: أن المانع الحقيقي عن أخذ الاجرة على الواجبات العبادية المحتاجة إلى قصد التقرب لو كان هو المنافاة بين اتيان العمل قربة الى اللّه، و بين أخذ الاجرة عليها، لكونه غير مقدور للمكلف ايجاده على الوجه الصحيح: و هو الاتيان بقصد القربة فما تقولون في الواجبات التعبدية الفائتة عن الميت كالصلاة و الصوم و الحج التي تحتاج الى قصد القربة و قد افتى الفقهاء بجواز أخذ الاجرة عليها؟

(5) هذا جواب عن الوهم المذكور.

و خلاصته: أن قصد القربة في النيابة عن الواجبات التعبدية الفائتة-

30

توضيحه:

إن الشخص يجعل نفسه نائبا عن فلان في العمل متقربا إلى اللّه

____________

- عن الميت أمر ممكن يتمشى فيها مع أخذ الاجرة عليها، حيث إن الواجب على الميت الذي هو المنوب عنه هو إتيان الواجب قربة الى اللّه، خالصا لوجهه المقدس، خاليا عن كل شائبة و قد وقع هذا الواجب المقيد بهذا القيد عن النائب حرفيا من دون فرق بين وقوعه من النائب، أو عن المنوب عنه، فالمنوب عنه الذي هو الميت يتقرب الى اللّه عز و جل بفعل النائب الذي وقع متقربا الى اللّه.

و الإجارة وقعت على هذا الفعل الذي كان في ذمة الميت بنحو المقرر و الأجير أتى بالفعل على النحو الّذي وقعت عليه الإجارة.

بيان ذلك: أن الشخص تارة يجعل نفسه نائبا عن الميت في عباداته الفائتة عنه قربة الى اللّه تعالى من دون أن يجعل هذه النيابة إزاء اجرة فتكون هذه النيابة و الجعل أمرا مستحبا في نفسه، لأن النيابة هذه احسان الى الميت لوصول النفع من هذه النيابة إليه، و اخرى يؤجر الشخص نفسه عن الميت في أداء عباداته الفائتة منه بعقد الإجارة فتكون هذه الإجارة واجبة يجب على الأجير اتيان العمل المستأجر وجوبا توصليا لا يحتاج الى قصد القربة، فالإجارة وقعت في مقابل هذه النيابة، و النائب يستحق هذه الاجرة بسبب تلك النيابة.

و أما أصل العمل و هي العبادة فيقع متقربا إلى اللّه تعالى خاليا عن كل شائبة و رياء و قصد اجرة فيتقرب المنوب عنه الذي هو الميت الى اللّه تعالى بسبب تقرب النائب الى اللّه تعالى، لصدور الفعل منه متقربا إليه جل شأنه فلم تقع الاجرة في مقابل نفس العبادة حتى يقال: إن أخذ الاجرة يتنافى و إتيان العبادة قربة الى اللّه تعالى.-

31

فالمنوب عنه (1) يتقرب إليه تعالى بعمل نائبه و تقربه (2) و هذا الجعل (3) في نفسه مستحب، لأنه إحسان إلى المنوب عنه، و إيصال نفع إليه.

و قد يستأجر (4) الشخص عليه فيصير (5) واجبا بالإجارة وجوبا توصليا لا يعتبر فيه التقرب، فالأجير إنما يجعل نفسه لأجل استحقاق الاجرة نائبا عن الغير في إتيان العمل الفلاني تقربا إلى اللّه فالاجرة في مقابل النيابة في العمل المتقرب به إلى اللّه التي مرجع نفعها إلى المنوب عنه.

و هذا (6) بخلاف ما نحن فيه،

____________

(1) و هو الميت كما عرفت آنفا.

(2) أي و تقرب النائب الى اللّه.

(3) بفتح الجيم و المراد منه هو جعل النائب نفسه عن الميت في أداء عباداته الفائتة قربة إلى اللّه تعالى، من دون أخذ شيء تجاهه و هو الشق الأول الذي أشرنا إليه بقولنا في ص 30: إن الشخص تارة يجعل نفسه.

(4) هذا هو الشق الثاني الذي اشير إليه بقولنا في ص 30:

و اخرى يؤجر الشخص نفسه.

و مرجع الضمير في عليه: العمل.

(5) أي هذا العمل الذي وقعت عليه الإجارة.

(6) أي أخذ الاجرة في العبادات الفائتة عن الميت خلاف ما نحن فيه: و هي العبادات الواجبة على الشخص نفسه كالصلاة و الصوم و الحج التي لا يجوز أخذ الاجرة عليها، لعدم وجود نفع فيها يعود الى المستأجر و قد عرفت أنه لا بدّ في الإجارة من وجود نفع يعود إلى المستأجر حتى تصح الإجارة، فالاجرة لو اخذت وقعت في مقابل نفس العبادة المطلوب فيها قصد القربة و هو لا يتمشى و أخذ الاجرة، و أين هذا من مسألة النيابة-

32

لأن (1) الاجرة هنا في مقابل العمل تقربا إلى اللّه، لأن العمل بهذا الوجه (2) لا يرجع نفعه إلا إلى العامل، لأن (3) المفروض أنه يمتثل ما وجب على نفسه بل في مقابل نفس العمل فهو يستحق نفس العمل.

و المفروض أن الإخلاص هو إتيان العمل لخصوص أمر اللّه تعالى و التقرب يقع للعامل دون الباذل، و وقوعه (4) للعامل يتوقف على أن لا يقصد بالعبادة سوى امتثال أمر اللّه تعالى.

فإن قلت: يمكن للأجير أن يأتي بالفعل مخلصا للّه تعالى بحيث لا يكون للإجارة دخل في إتيانه فيستحق الاجرة، فالإجارة غير مانعة من قصد الإخلاص.

قلت: الكلام في أن مورد الإجارة لا بدّ أن يكون عملا قابلا لأن

____________

- عن الميت في عباداته الفائتة عنه، حيث وقعت الإجارة في مقابل النيابة لا في مقابل العبادة.

(1) تعليل لكون ما نحن فيه خلاف الواجب التوصلي و هي النيابة عن الميت، و قد عرفت التعليل عند قولنا في ص 31: فلا يجوز أخذ.

(2) و هو كون الاجرة في مقابل العمل تقربا الى اللّه تعالى فليس فيه نفع يعود إلى المستأجر، بل يعود إلى العامل الذي هو المكلف بالعمل فالمستأجر ليس ذي نفع، و التقرب يحصل للعامل لا للباذل الّذي هو المستأجر.

(3) تعليل لعدم رجوع نفع الإجارة الى المستأجر.

و قد عرفت التعليل عند قولنا في ص 31: فالاجرة لو اخذت.

(4) أي و وقوع العمل الذي هي العبادة الواجبة على المكلف بشخصه و المراد من العامل هو المكلف.

33

يوفّى به بعقد الإجارة، و يؤتى به لأجل استحقاق المستأجر إياه و من باب تسليم مال الغير إليه، و ما كان من قبيل العبادة غير قابل لذلك (1).

فإن قلت: يمكن أن تكون غاية الفعل التقرب، و المقصود من اتيان هذا الفعل المتقرب به استحقاق الاجرة كما يؤتى بالفعل تقربا الى اللّه و يقصد منه حصول المطالب الدنيوية كأداء الدين، وسعة الرزق، و غيرهما من الحاجات الدنيوية (2).

قلت: فرق بين الغرض الدنيوي المطلوب من الخالق الذي يتقرب إليه بالعمل.

و بين الغرض الحاصل من غيره و هو استحقاق الاجرة، فإن طلب الحاجة من اللّه تعالى سبحانه و لو كانت دنيوية محبوب عند اللّه فلا يقدح في العبادة، بل ربما يؤكدها.

و كيف كان (3) فذلك الاستدلال حسن في بعض موارد المسألة:

و هو الواجب التعبدي في الجملة (4)،

____________

(1) أي لتسليم مال الغير إليه، و لاستحقاق المستأجر ذاك العمل.

(2) كما في صلاة الحاجة و الختوم المأثورة الواردة عن (الرسول الأعظم و أئمة أهل البيت) عليهم الصلاة و السلام.

(3) أي أي شيء أوردنا على ما أورده (صاحب الرياض) فاستدلاله على أخذ الاجرة في الواجبات التعبدية بقوله: بمنافاة الاجرة للقربة المتخذة في العبادات المعبر عنها بقصد الإخلاص.

(4) تقييد الواجب التعبدي بقوله: في الجملة، لإخراج الواجب التخييري، حيث إن الوجوب فيه تعلق بالقدر الجامع بين الفردين: و هي نفس الصلاة مجردة عن إتيانها قصرا أو تماما في موارد التخيير للمسافر كبيت اللّه الحرام، و مسجد النبي (صلى اللّه عليه و آله)، و مسجد الكوفة-

34

إلا أن مقتضاه (1) جواز أخذ الاجرة في التوصليات، و عدم (2) جوازه في المندوبات التعبدية، فليس (3) مطردا و لا منعكسا.

____________

- و الحائر الحسيني على مشرفه آلاف الثناء و التحية، حيث إنه يجوز أخذ الاجرة عليها، لأن الاجارة وقعت على أحد فرديه، لا على القدر الجامع كما لو فرضنا شخصا استأجر مسافرا ليصلي تماما في أحد أماكن التخيير ليقتدي به فالإجارة صحيحة، و الصلاة صحيحة أيضا، لعدم وقوع الإجارة على نفس الواجب الذي هو القدر الجامع بين الفردين، بل وقعت على التمام الذي هو أحد فردي الواجب التخييري الذي لم يكن متعلقا للإجارة.

و يحتمل أن يكون القيد لإخراج بعض الواجب الكفائي التعبدي كالصلاة على الميت و تغسيله حيث إن التكليف فيه توجه إلى طبيعي المكلف، دون الأفراد فالأجير بشخصه في الواجب الكفائي لم يكن العمل متوجها إليه و واجبا عليه حتى لا يصح بذل المال عليه، إذا لا منافاة بين أخذ الاجرة و اتيان الواجب.

فهذان الواجبان خارجان عن تعريف (صاحب الرياض)، لعدم منافاة أخذ الاجرة عليها مع الإخلاص المطلوب في العبادة.

إذا انحصر تعريفه في الواجبات التعبدية العينية كالصلاة و الصوم و الحج و المستحبات التعبدية المشترط فيها الإخلاص كالنوافل اليومية، حيث إنهما داخلتان في التعريف.

(1) أي مفهوم دليل (صاحب الرياض): جواز الأخذ على الواجبات الكفائية التوصلية كالحرف و المهن الواجبة كفائيا.

(2) أي و عدم جواز أخذ الاجرة على المندوبات التعبدية كالنوافل اليومية.

(3) أي و من المؤسف جدا أن تعريف (صاحب الرياض) حرمة-

35

نعم قد استدل على المطلب بعض الأساطين (1) في شرحه على القواعد بوجوه: أقواها أن التنافي بين صفة الوجوب و التملك ذاتي، لأن (2) المملوك المستحق لا يملك و لا يستحق ثانيا.

توضيحه (3): إن الذي يقابل المال لا بدّ أن يكون كنفس المال مما يملكه المؤجر حتى يملكه المستأجر في مقابل تمليكه المال إياه فاذا فرض العمل واجبا للّه ليس للمكلف تركه فيصير نظير العمل المملوك للغير.

ألا ترى أنه إذا أجر نفسه لدفن الميت لشخص لم يجز له أن يؤجر نفسه

____________

- أخذ الاجرة على الواجبات ليس مانعا للأغيار، و لا جامعا للأفراد كما عرفت في الهامش 1 ص 24.

(1) أي و (لشيخنا كاشف الغطاء) في حرمة أخذ الاجرة على الواجبات طريق آخر غير ما سلكه (صاحب الرياض).

و خلاصته: أن هناك شيئين: وجوبا و تملكا، و هما جوهران متضادان و متنافران كتضاد النور و الظلمة، و تنافر العلم و الجهل، فالوجوب في العبادة من قبل الباري عز و جل فالتملك يقع له فهو مستحقها و مالكها لا غير فاذا وقعت الإجارة عليها أصبحت مملوكة للغير فهو مالكها و مستحقها مع أنها كانت مستحقة للّه عز و جل، فيلزم حينئذ تعدد المالك، و تكثر المستحق على مملوك واحد بنحو الاستقلال كل منهما يملكه بتمامه في ظرف يملكه الآخر و هو محال فيقع التضاد و التنافر بين المالكين فيكون التضاد ذاتيا.

(2) تعليل لكون التنافي بين صفة الوجوب و التملك ذاتيا و قد عرفته و كلمة المستحق بصيغة المفعول يراد منها العبادة التي وقعت عليها الإجارة.

(3) أي توضيح كون التضاد بين الوجوب و التملك ذاتيا: أن العبادة التي وقعت في مقابل المال من قبل المستأجر لا بدّ أن تكون من الأموال-

36

ثانيا من شخص آخر لذلك العمل (1)، و ليس (2) إلا لأن الفعل صار مستحقا للأول و مملوكا له، فلا معنى لتمليكه ثانيا للآخر مع فرض بقائه (3) على ملك الأول.

و هذا المعنى (4) موجود فيما أوجبه اللّه تعالى خصوصا فيما يرجع الى حقوق الغير (5)، حيث إن حاصل الإيجاب هنا (6) جعل الغير مستحقا لذلك العمل من هذا العامل كأحكام تجهيز الميت التي جعل الشارع

____________

- حتى يصح للمؤجر تمليكها للمستأجر إذا وقعت الإجارة عليها.

و المفروض أن العبادة واجبة على المكلف فاصبحت ملكا للّه تبارك و تعالى فلا يصح إتيانها للغير: بان تقع الإجارة عليها في ظرف هي ملك له عز و جل.

فهي نظير الأعمال المستأجرة التي تقع الإجارة عليها في أنها لا يصح إتيانها للغير في ظرف هي ملك المستأجر الأول.

فهذا معنى كون التنافي بين صفة الوجوب و التملك ذاتيا.

(1) و هو دفن الميت، لأن عمله هذا مملوك للشخص الأول و قد آجره له فلا يمكن أن يملك هذا العمل لشخص آخر.

(2) أي و ليس عدم جواز إجارة نفسه ثانيا من شخص آخر.

(3) أي مع بقاء العمل للمستأجر الأول في ظرف الذي يؤجر نفسه لذلك العمل للمستأجر الثاني، و لم يحصل فسخ من المستأجر الأول، و لا موجب من موجبات الفسخ حتى تصح الإجارة ثانيا للمستأجر الثاني.

(4) و هو تمليك ما يملكه الغير للغير.

(5) أي في الواجب الذي هو من حق الغير.

(6) المراد منه: طلب الشارع العمل على نحو الوجوب كما في تجهيز الميت.

37

الميت مستحقا لها على الحي فلا يستحقها غيره ثانيا هذا (1).

و لكن (2) الإنصاف أن هذا الوجه أيضا لا يخلو عن الخدشة لإمكان (3) منع المنافاة بين الوجوب الذي هو طلب الشارع الفعل

____________

(1) أي خذ ما تلوناه عليك في هذا المقام و اجعله في ذكرياتك حتى تعرف حقيقة الأمر عند ما نورد على ما أفاده (الشيخ الكبير كاشف الغطاء).

(2) من هنا يريد الشيخ أن يناقش ما أفاده (كاشف الغطاء).

(3) هذا وجه المناقشة:

و خلاصته: أنه يمكن رفع التضاد و التنافي بين صفة الوجوب و التملك و منع التدافع المذكور بين الاستحقاقين:

و هما استحقاق الباري عز و جل الفعل و هي العبادة قبل وقوع الإجارة عليه.

و استحقاق العبد للفعل بعد وقوع الإجارة عليه:

ببيان أن الباري عز و جل يستحق على عبده الطاعة باتيان المأمور به بعبارة أوضح أن تملك الشارع للعبادة ليس من قبيل تملك الإنسان للشيء و استحقاقه له، لأن الإنسان إذا ملك شيئا لا يجوز له أن يملكه لآخر في ظرف تملكه لهذا الشيء، لأن تملك زيد للدار مثلا أو العمل لا يجتمع مع تملك عمرو نفس الدار، أو العمل بالاستقلال إذ تملك الأول يدفع و ينفي تملك الثاني، و كذا تملك الثاني يدفع و ينفي تملك الأول فاصبح التملكان متضادين متنافرين متحاربين.

و من هنا قيل: اجتماع مالكين على مملوك واحد بنحو الاستقلال في ظرف تملك كل منهما ما يتملكه الآخر محال ذاتا، و ممتنع وقوعا.

38

و بين استحقاق المستأجر له، و ليس استحقاق الشارع للفعل، و تملكه (1) المنتزع من طلبه من قبيل استحقاق الآدمي و تملكه (2) الذي ينافي تملك الغير و استحقاقه.

ثم إن هذا الدليل (3) باعتراف المستدل يختص بالواجب العيني (4).

و أما الكفائي (5) فاستدل على عدم جواز أخذ الاجرة عليه: بان الفعل (6)

____________

(1) بالرفع عطفا على اسم ليس، أي و ليس تملك الشارع للفعل و كلمة المنتزع: صفة للتملك.

(2) بالجر عطفا على مجرور من الجارة في قوله: من قبيل اي و ليس من قبيل تملك الآدمي.

(3) و هو أن التنافي بين صفة الوجوب و التملك ذاتي.

(4) كالفرائض اليومية و الحج و الصوم.

(5) كتجهيز الميت.

(6) المراد من الفعل آثاره و منافعه الراجعة الى المكلف كالثواب الذي يترتب على تجهيز الميت من تغسيله و تكفينه، و الصلاة عليه، و مواراته في الأرض، فان هذا الأثر الذي هو الثواب كله لمن يتصدى هذه الامور و هو شخص المؤجر لو آجر نفسه لها، و ليس فيها نفع يعود إليه فلا يدخل في ملكه و حيازته شيء منها حتى تصح الإجارة عليها و يبذل بإزائها المال.

هذا هو المراد من قوله: بان الفعل متعين له، و لو لا هذا التفسير لم يبق فرق بين الواجب العيني الذي تعين على المكلف بعينه، أو على جميع المكلفين باعيانهم.

و بين الواجب الكفائي الّذي اريد الفعل من طبيعي المكلف، لكن بنحو البدلية: بمعنى أنه لو أتى به مكلف واحد سقط عن الآخرين.

39

متعين له فلا يدخل في ملك آخر، و بعدم (1) نفع المستأجر فيما يملكه، أو يستحقه غيره، لأنه (2) بمنزلة قولك: استأجرتك لتملك منفعتك المملوكة لك، أو لغيرك.

و فيه (3) منع وقوع الفعل له بعد إجارة نفسه للعمل للغير، فإن آثار الفعل حينئذ (4) ترجع الى الغير فاذا وجب إنقاذ غريق كفاية، أو إزالة النجاسة عن المسجد فاستأجر واحدا غيره، فثواب الإنقاذ و الإزالة يقع للمستأجر دون الأجير المباشر لهما.

نعم يسقط الفعل عنه (5)، لقيام المستأجر به و لو بالاستنابة.

____________

(1) دليل ثان لعدم جواز أخذ الاجرة على الواجبات الكفائية أى و لعدم وجود نفع للمستأجر الذي هو الباذل فيما يبذله من المال بإزاء ما يملكه المكلف من الآثار الراجعة إليه كما عرفت آنفا.

(2) تعليل لعدم وجود نفع للمستأجر يعود إليه.

(3) أى و فيما استدل القائل بعدم جواز أخذ الاجرة على الواجبات الكفائية للتنافي الذاتي بين صفة الوجوب و التملك: نظر و اشكال، و قد ذكر وجه النظر في المتن.

(4) أى حين آجر نفسه للعمل للغير.

و المراد من آثار الفعل: استحقاق الثناء في الدنيا، و الثواب في الآخرة.

(5) أى الإنقاذ، أو الإزالة يسقط عن العامل المباشر للإنقاذ أو الإزالة و إن وقع ثواب الإنقاذ، أو الإزالة للمستأجر، لأن العمل مملوك له.

40

و من هذا القبيل (1) الاستيجار للجهاد مع وجوبه كفاية على الأجير و المستأجر.

و بالجملة فلم أجد دليلا على هذا المطلب (2) وافيا بجميع أفراده عدا الإجماع الذي لم يصرح به إلا المحقق الثاني (3).

لكنه (4) موهون بوجود القول بخلافه من أعيان الأصحاب من القدماء و المتأخرين على ما يشهد به الحكاية و الوجدان.

____________

(1) أى و من قبيل الواجب الكفائي التوصلي: الجهاد، فإنه واجب كفائي عبادي يجب على كافة المسلمين، فلو قام به جمع لصد العدو سقط عن الآخرين، و كذا لو استأجر أحد المسلمين شخصا للقيام بالجهاد فقام و صد العدو سقط الجهاد عن المستأجر و وقع الثواب له.

(2) و هو عدم جواز أخذ الاجرة على الواجبات من حيث هي واجبات يكون ذلك الدليل وافيا و حاويا لجميع أفراد الواجب بحيث يشمل كلها حرفيا و هي أربعة:

(الأول): الواجب العيني التعبدى كالصلاة.

(الثاني): الواجب العيني التوصلي كمقدمات الحج.

(الثالث): الواجب الكفائي التعبدى كتجهيز بعض اعمال الميت كالصلاة عليه و تغسيله.

(الرابع): الواجب الكفائي التوصلي كانقاذ الغريق.

(3) عند قول الشيخ في صدر عنوان المبحث في ص 19:

و في (جامع المقاصد) الإجماع على عدم جواز أخذ الاجرة على تعليم صيغة النكاح، و القائها على المتعاقدين.

(4) أي هذا الإجماع الذي نقله صاحب (جامع المقاصد) مردود بسبب وجود كثير من المخالفين و هم من أعلام الأصحاب.

41

أما الحكاية (1) فقد نقل المحقق و العلامة رحمها اللّه و غيرهما القول بجواز أخذ الاجرة على القضاء (2) عن بعض.

فقد قال في الشرائع: أما لو أخذ الجعل من المتحاكمين (3) ففيه خلاف، و كذلك العلامة في المختلف.

و قد حكى العلامة الطباطبائي في مصابيحه عن فخر الدين و جماعة التفصيل بين العبادات و غيرها.

____________

(1) من هنا يروم الشيخ أن ينقل أقوال المخالفين حكاية و ما وجده بام عينيه الذي عبر عنه وجدانا.

و خلاصة الحكاية الأولى: أن المحقق الأول قال في الشرائع: إن القضاء الذي هو فصل الخصومات و الحكم بين المتخاصمين حسب الدستور الإسلامي و الذي هو واجب كفائي على الفقهاء و المجتهدين في كل صقع و مكان:

لو اخذ تجاهه من المتحاكمين جعل ففيه خلاف أى في أخذه جوازا و عدما خلاف بين الفقهاء.

فهذا الخلاف الذي نقله المحقق دليل على عدم صحة الإجماع المدعى من قبل المحقق الثاني القائل بعدم جواز أخذ الاجرة على الواجبات بالإجماع.

(2) أي و كذلك العلامة نقل الخلاف في المختلف.

هذه حكاية ثانية من الشيخ على وجود المخالف.

(3) هذه حكاية ثالثة من الشيخ على وجود المخالف للإجماع المدعى و خلاصتها: أن جواز أخذ الاجرة و عدمه دائر مدار العبادة و غيرها.

فان كان الواجب عباديا كالواجبات المشروط فيها قصد القربة فلا يجوز أخذ الاجرة عليها، لمنافاة أخذ الاجرة مع قصد الإخلاص.

و إن كان غير عبادي كبعض تجهيز امور الميت، و كتولي القضاء و وجوب المحافظة على الأمن و النظام العام فيجوز أخذ الاجرة عليها.

42

و يكفي في ذلك (1) ملاحظة الأقوال التي ذكرها في المسالك في باب المستاجر.

و أما (2) ما وجدناه فهو أن ظاهر المقنعة بل النهاية و محكي المرتضى جواز الأجر على القضاء مطلقا (3) و ان أوّل (4) بعض كلامهما: بإرادة الارتزاق.

و قد اختار جماعة جواز أخذ الاجرة عليه (5) اذا لم يكن متعينا

____________

(1) أي و يكفي في وهن الإجماع المدعى، و عدم ثبوته ما ذكره (شيخنا الشهيد الثاني) في المسالك في كتاب المتاجر من الأقوال في جواز أخذ الاجرة على الواجبات فراجع هناك.

(2) من هنا يريد الشيخ أن يذكر ما رآه بام عينيه من الأقوال المخالفة للإجماع المدعى.

(3) سواء أ كان من بيت المال أم من المتقاضيين، و سواء أ كان القاضي غنيا أم فقيرا.

ثم لا يخفى عليك أن جواز أخذ الاجرة للقاضي على قسمين:

(الأول): أن يكون الأجر من بيت مال المسلمين.

(الثاني): أن يكون من المترافعين الطالبين من القاضي الحكم بينهما.

أما الأول فلا إشكال في جوازه، لتصريح الفقهاء بذلك.

و أما الثاني فقد وقع الخلاف فيه بين الفقهاء.

(4) أي و إن فسر بعض الفقهاء كلام صاحب المقنعة و النهاية، و المحكي من السيد المرتضى جواز أخذ الاجرة: بارتزاقه من بيت مال المسلمين فقط لا مطلقا.

(5) أي على القضاء إذا لم يكن القضاء على الحاكم متعينا بان لم ينحصر القضاء فيه.

43

أو تعين (1) و كان القاضي محتاجا.

و قد صرح فخر الدين في الإيضاح بالتفصيل بين الكفائية التوصلية و غيرها فجوز أخذ الاجرة في الأول.

قال في شرح عبارة والده في القواعد في الاستيجار على تعليم الفقه ما لفظه: الحق عندي أن كل واجب (2) على شخص معين لا يجوز للمكلف أخذ الاجرة عليه.

و الذي وجب كفاية فان كان مما لو أوقعه بغير نية لم يصح (3) و لم يزل الوجوب فلا يجوز أخذ الاجرة عليه، لأنه عبادة محضة، قال اللّه تعالى: (وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (4) حصر (5) غرض الأمر في انحصار غاية الفعل في الإخلاص، و ما يفعل

____________

(1) أي القضاء، لكن القاضي فقير ليس له أي سبيل في اعاشة نفسه و عائلته.

(2) المراد منه الواجب العيني التعبدي.

(3) كغسل الميت و الصلاة عليه، حيث اشترط فيهما قصد القربة.

(4) البينة: الآية 5.

(5) تعليل لكون الواجب الكفائي المشترط فيه قصد القربة عبادة محضة.

و خلاصته: أن الباري عز و جل حصر غرض الأمر الذي هو و ما امروا في انحصار غاية الفعل التي هي العبادة: في الإخلاص و العبودية أي ليس هناك غرض من هذا الأمر سوى العبودية و الإخلاص، و هذه العبودية و الإخلاص تتنافى مع أخذ الاجرة كما عرفت سابقا في استدلال صاحب الرياض في ص 23 عند قوله: و من هنا يعلم فساد الاستدلال.

و هذا معنى قوله: و ما يفعل بالعوض الذي هي الاجرة لا يكون كذلك، أي لا يحصل منه الإخلاص المطلوب في العبادة.

44

بالعوض لا يكون كذلك، و غير ذلك (1) يجوز أخذ الاجرة عليه، إلا ما نص (2) الشارع على تحريمه كالدفن. انتهى.

نعم رده (3) في محكي جامع المقاصد، لمخالفة هذا التفصيل (4) لنص الأصحاب.

أقول (5): لا يخفى أن الفخر أعرف بنص الأصحاب من المحقق الثاني فهذا والده (6) قد صرح في المختلف بجواز أخذ الاجرة على القضاء إذا لم يتعين (7)، و قبله المحقق في الشرائع، غير أنه قيد صورة عدم التعيين بالحاجة (8)،

____________

(1) أي و غير الواجب التعيني و الكفائي الذي اشترط فيه قصد القربة.

(2) أفاد (السيد الطباطبائي اليزدي) (قدس سره) في تعليقته على المكاسب في هذا المقام في ص 27: لم أعثر على هذا النص.

(3) أي رد (المحقق الثاني فخر الدين)

(4) و هو التفصيل بين الواجب الكفائي التعبدي، و غيره.

(5) هذا رد من الشيخ على (المحقق الثاني) و انتصار لفخر الدين و لا عجب في ذلك، فانه فخر المحققين و مفخرة الفقهاء.

(6) أي والد (فخر المحققين و هو العلامة).

(7) المراد بالتعين انحصار القضاء فيه بحيث لا يوجد غيره ففي هذه الصورة لا يجوز له أخذ الاجرة على القضاء، و يعبر عنه بالواجب العيني.

راجع حول الواجب العيني و الكفائي كتب الاصول.

و حول القضاء (اللمعة الدمشقية) من طبعتنا الحديثة. الجزء 3.

من ص 61 إلى ص 121.

(8) فهنا قيدان لجواز أخذ الاجرة على القضاء.

(أحدهما): عدم انحصار القضاء عليه.

45

و لأجل ذلك (1) اختار العلامة الطباطبائي في مصابيحه ما اختاره فخر الدين من التفصيل (2).

و مع هذا (3) فمن أين الوثوق على اجماع لم يصرح به الا المحقق الثاني مع ما طعن به الشهيد الثاني على اجماعاته بالخصوص في رسالته في صلاة الجمعة.

و الذي (4) ينساق إليه النظر أن مقتضى القاعدة في كل عمل له منفعة محللة (5) مقصودة جواز أخذ الاجرة (6) و الجعل عليه و ان كان داخلا في العنوان الذي أوجبه اللّه على المكلف (7).

____________

- (ثانيهما): احتياج القاضي لاخذ الاجرة: بان ليس له سبيل لاعاشة نفسه و عائلته و إن تعين القضاء عليه.

(1) أي و لأجل هذه التصريحات و الأقوال الصادرة من هؤلاء الأعلام.

(2) تقدم التفصيل عند قوله في ص 43: الحق عندي.

(3) أي و مع هذه الأقوال المختلفة للإجماع المدعى التي نقلناها لك حكاية و وجدانا فلا يبقى وثوق بالإجماع المدعى من (المحقق الثاني).

(4) من هنا يريد الشيخ أن يبدي نظره حول الموضوع.

(5) أي محللة عند الشارع، و مقصودة عند العقلاء.

(6) الواو هنا بمعنى او، أي أو الجعل.

(7) بان يكون العمل المأخوذ عليه الاجرة ينطبق عليه العنوان الذي أوجبه اللّه كما إذا بذل شخص للمصلي مالا على أن يوقع صلاته في أول الوقت، أو في مسجد معين، أو يقتدي بإمام معين إذا كان له في ذلك مصلحة عقلائية، فإن البذل في هذه الموارد وقع بإزاء المقدمات، أو المحسنات:

من أداء الصلاة في أول الوقت، أو المكان الفلاني، لا في قبال الواجب المعين و هي الصلاة نفسه حتى لا يجوز أخذ الاجرة عليها، لمنافاتها للإخلاص المطلوب في العبادة.

46

ثم ان صلح ذلك الفعل المقابل (1) بالاجرة لامتثال الإيجاب المذكور أو اسقاطه (2) به، أو عنده (3) سقط (4) الوجوب مع استحقاق الاجرة، و ان لم يصلح (5) استحق الاجرة و بقي الواجب في ذمته لو بقي

____________

(1) بصيغة المفعول المراد منه الفعل الواجب، أي إن صلح العمل الذي له منفعة محللة عند الشارع، و مقصودة عند العقلاء لامتثال الواجب كما إذا كان الواجب كفائيا كدفن الميت فاستأجر شخص أحدا لدفنه عن نفسه فدفنه كذلك قاصدا به امتثال أمر الدفن: تحقق الامتثال، و سقط الواجب، و برأت ذمة الأجير و المستأجر معا، حيث إن الدفن كان واجبا عليهما كفائيا.

و يستحق الأجير الاجرة لاتيان متعلق الاجارة، لأن الأمر بالوفاء بعد الاجارة توصلي، لا يعتبر فيه قصد الامتثال.

(2) أي إسقاط الواجب بالعمل الذي أخذ عليه الاجرة كما لو استأجر ولي الميت شخصا للصلاة عليه فاتى الأجير بهذه الصلاة فسقطت عن المستأجر.

(3) أي سقط عنه المستأجر بحسب اجتهاده، أو تقليده.

(4) جواب لإن الشرطية في قوله: ثم إن صلح ذلك الفعل.

(5) أي و إن لم يصلح ذلك العمل الذي له منفعة محللة عند الشارع و مقصودة عند العقلاء لامتثال الواجب، أو إسقاطه به، لفقد شروط السقوط كما في التعبديات، حيث يعتبر فيها قصد الامتثال و القربة، كما لو استأجر شخص لفعل صلاة الظهر عن نفسه، لا عن قبل الدافع و كان الغرض من الاجارة اتيان الصلاة ليتعلم كيفيتها فاتاها الأجير بقصد أخذ الإجارة: استحق الاجرة.

لكن بقيت الصلاة في ذمته يجب عليه اتيانها إن كان الوقت باقيا و قضاؤها إن خرج الوقت، لأنه لم يقصد القربة من إتيان الصلاة و إنما-

47

وقته، و الا (1) عوقب على تركه.

و أما مانعية مجرد الوجوب من صحة المعاوضة على الفعل فلم تثبت على الإطلاق (2)، بل اللازم التفصيل، فان كان العمل واجبا عينيا تعيينيا لم يجز أخذ الاجرة، لأن أخذ الاجرة عليه مع كونه واجبا مقهورا من قبل الشارع على فعله أكل للمال بالباطل (3)، لأن عمله هذا لا يكون محترما، لأن استيفاءه (4) منه لا يتوقف على طيب نفسه، لأنه (5) يقهر عليها، مع عدم طيب النفس و الامتناع.

____________

- قصد اتيانها لأخذ الاجرة.

و إما استحقاق الأجير الاجرة فلأنه مسلم عمله محترم.

(1) أي و ان لم يبق الوقت ثم لم يأت بالواجب قضاء عوقب الأجير على ترك الصلاة العائدة له.

(2) أي منع أخذ الاجرة على الواجب بنحو مطلق لم يثبت، بل بنحو الموجبة الجزئية.

(3) حيث إن بذل المال على مثل هذا العمل لا يعد عقلائيا، و ليس فيه منفعة محللة من قبل الشارع فاخذ الاجرة عليه يكون أخذا مجانا من دون مقابل شيء في تجاهه فعمله غير محترم، حيث لا يقابل بالمال بعد أن كان مقهورا عليه من قبل الشارع.

(4) مصدر باب الاستفعال مضاف إلى مفعوله، أي استيفاء الشارع العمل من المكلف لا يتوقف على طيب نفس المكلف.

و الأولى أن يقال: إن إيفاءه من قبل المكلف لا يتوقف على طيب نفسه.

(5) أي لأن المكلف مقهور على هذا العمل، و مجبور بإتيانه فلا يتوقف الاتيان على طيب نفسه.

48

و مما يشهد بما ذكرناه (1): أنه لو فرض أن المولى أمر بعض عبيده بفعل لغرض و كان (2) مما يرجع نفعه، أو بعض نفعه الى غيره فأخذ العبد العوض من ذلك الغير على ذلك العمل (3) عدّ أكلا للمال مجانا و بلا عوض.

ثم انه لا ينافي ما ذكرناه (4) حكم الشارع بجواز أخذ الاجرة على العمل بعد ايقاعه (5) كما أجاز (6) للوصي أخذ اجرة المثل، أو مقدار الكفاية (7)، لأن (8)

____________

(1) و هو أن أخذ الاجرة في قبال هذا العمل مع كونه مقهورا على المكلف من قبل الشارع: أكل للمال بالباطل، حيث يكون أخذا مجانا و بلا عوض.

(2) أي ذلك الفعل الذي أمر المولى به عبده باتيانه.

(3) و هو الفعل الذي أمر المولى باتيانه كما اذا أمر خادمه بإيصال الضرير الى داره فاخذ الخادم منه أجرا في مقابل عمله.

ثم ان عدم جواز الأخذ جار أيضا في الأجير الذي كل وقته للمستأجر.

(4) و هو عدم جواز أخذ الاجرة في التعبديات العينية التعينية.

(5) أي بعد ايقاع الاجير العمل.

(6) أي الشارع.

(7) على الخلاف في المسألة.

راجع (اللمعة الدمشقية) من طبعتنا الحديثة. الجزء 5. ص 80.

(8) تعليل لعدم منافاة عدم جواز أخذ الاجرة لحكم الشارع بجواز أخذ الوصي اجرة المثل، أو مقدار الكفاية، أي أخذ الوصي اجرة المثل أو مقدار الكفاية، لا ينافي ما ذكرناه، لأن جواز الأخذ للوصي حكم شرعي قد ثبت بدليل خاص خارجي.

49

هذا حكم شرعي، لا من (1) باب المعاوضة.

ثم لا فرق فيما ذكرناه (2) بين التعبدى من الواجب و التوصلي مضافا (3) في التعبدى الى ما تقدم: من منافاة أخذ الاجرة على العمل للإخلاص كما نبهنا عليه (4) سابقا، و تقدم عن الفخر (5).

و قرره (6) عليه بعض من تأخر عنه.

و منه (7) يظهر عدم جواز أخذ الاجرة على المندوب اذا كان عبادة

____________

(1) أي ليس أخذ الوصي اجرة المثل، أو مقدار الكفاية من باب المعاوضة و المعاملة حتى يكون منافيا لما ذكرناه: و هو عدم جواز أخذ الاجرة في التعبديات العينية التعينية.

(2) من حرمة أخذ الاجرة على الواجبات العينية التعينية، سواء أ كانت تعبدية أم توصلية.

(3) أي و يزيد الإشكال في التعبدي المشروط فيه قصد القربة:

أن أخذ الاجرة مناف للإخلاص المطلوب فيه كما عرفت عند استدلال (صاحب الرياض) في ص 23 عند قوله: بمنافاة ذلك للإخلاص، لأن التعبدي لا بدّ أن يؤتى به مجردا عن جميع الشوائب و منها أخذ الاجرة.

(4) أي على هذا المنافاة.

(5) أي في قوله في ص 43: و الحق عندي أن كل واجب.

(6) أي و أثبت عدم جواز أخذ الاجرة على الواجبات من تأخر عنه و هو (العلامة السيد بحر العلوم) عند قول الشيخ في ص 45: و لأجل ذلك اختار (العلامة الطباطبائي) في مصابيحه ما اختاره (فخر الدين).

(7) أي و من ذهاب (فخر الدين) إلى عدم جواز أخذ الاجرة على الواجبات، و اثبات ذلك من قبل (العلامة الطباطبائي) في مصابيحه و من اختيارنا عدم جواز أخذ الاجرة على الواجبات.

50

يعتبر فيها التقرب (1).

و أما الواجب التخييرى فان كان توصليا فلا أجد مانعا عن جواز أخذ الاجرة على أحد فرديه بالخصوص بعد فرض كونه مشتملا على نفع محلل للمستأجر، و المفروض أنه (2) محترم لا يقهر المكلف عليه فجاز أخذ الاجرة بإزائه، فاذا تعين دفن الميت على شخص، و تردد الأمر بين حفر أحد موضعين فاختار الولي أحدهما بالخصوص، لصلابته، أو لغرض آخر (3) فاستأجر ذلك لحفر ذلك الموضع بالخصوص لم يمنع من ذلك (4) كون (5) مطلق الحفر واجبا عليه، مقدمة للدفن.

و ان كان (6) تعبديا فان قلنا بكفاية الاخلاص

____________

(1) أي قصد القربة، لمنافاة قصد القربة مع أخذ الاجرة.

(2) أي المفروض أن هذا العمل المستأجر الذي يأخذ العامل الأجر على أحد فردي الواجب غير مقهور على اتيانه بالخصوصية المذكورة و الكيفية المرادة من قبل الباري عز و جل.

نعم أريد منه أصل اتيانه كيف شاء و انفق.

(3) كقرب الدفن للامام (عليه السلام).

(4) خلاصة معنى هذه العبارة: أن وجوب أصل الحفر على المكلف لا يمنع من أخذ الاجرة على الكيفية المذكورة الزائدة على أصل الحفر، لأن الحفر شيء، و الخصوصية الزائدة شيء آخر خارج عن أصل مفهوم الحفر الواجب على المكلف.

(5) بالرفع فاعل لقوله: لم يمنع، أي أصل الحفر لا يمنع عن أخذ الاجرة على الكيفية الزائدة كما عرفت.

(6) أي الواجب التخييري، هذا هو الشق الثاني له، إذ شقه الأول هو الواجب التخييري التوصلي كما عرفت في مواراة الميت.-

51

بالقدر المشترك (1) و ان كان (2) ايجاد خصوص بعض الأفراد لداع غير الاخلاص فهو كالتوصلي.

____________

- و خلاصة هذا الشق: أن الواجب التخييري التعبدي كالقصر و التمام في موارد الرخصة كمسجد الحرام، و مسجد النبي، و مسجد الكوفة، و الحائر الحسيني على مشرفه آلاف التحية و الثناء فلو أعطى شخص لشخص آخر مبلغا لإتيان الصلاة فيها إما قصرا، أو تماما جاز للشخص الآخر أخذ المبلغ تجاه اتيان الصلاة بالخصوصية المذكورة، لأن الاتيان هكذا يكون كالواجب التوصلي و ان كان أصل إيجاد الخصوصية المذكورة لداع غير الإخلاص، و أخذ الاجرة على هذه الخصوصية لا ينافي الإخلاص المطلوب في العبادة، لكفاية الإخلاص في نفس الصلاة و أصل العبادة المعبر عنه بالقدر المشترك بين ذينك الفردين، و الجامع بينهما، و لا نحتاج إلى أزيد من هذا، و الخصوصية المذكورة خارجة عن القدر المشترك كما عرفت بخروجها في الواجب التخييري التوصلي فالاجرة وقعت إزاء الفرد الذي هي الخصوصية المذكورة، لا إزاء القدر الجامع حتى ينافي الأخذ مع الإخلاص المطلوب في العبادة.

ثم إن في اختيار هذه الخصوصية نفع يعود الى المستأجر فلا يكون الأخذ أكلا للمال بالباطل.

(1) قد عرفت معنى القدر المشترك آنفا.

(2) إن هنا وصلية، أي و ان كان ايجاد الخصوصية المذكورة لغير داع الإخلاص كما عرفت آنفا.

هذا كله بناء على عدم مانعية اتحاد القدر المشترك مع الخصوصية المذكورة عن التفكيك بين القدر المشترك و الأفراد في القصد.

52

و ان قلنا: (1) ان اتحاد وجود القدر المشترك مع الخصوصية مانع عن التفكيك بينهما (2) في القصد كان حكمه كالتعيني.

و أما الكفائي فان كان توصليا (3) أمكن أخذ الاجرة على اتيانه لأجل باذل الاجرة فهو العامل في الحقيقة.

و ان كان (4) تعبديا لم يجز (5) الامتثال به، و أخذ الاجرة عليه.

____________

(1) أي و أما بناء على أن الاتحاد المذكور مانع عن التفكيك بين القدر المشترك، و الخصوصية المذكورة فيكون حكم هذا الواجب التخييري التعبدي حكم الواجب التعبدي التعييني في عدم جواز أخذ الاجرة عليه، لعدم إمكان قصد الإخلاص و القربة في القدر المشترك، من دون قصد في الخصوصية المذكورة التي هو أحد فردي التخيير، لاتحاد القدر المشترك مع الخصوصية المذكورة خارجا.

(2) أي بين الخصوصية المذكورة، و القدر المشترك المعبر عنه بالجامع كما عرفت آنفا.

(3) كإنقاذ الغريق، و إطعام الجائع، و إكساء العريان من الواجبات التوصلية التي لا يشترط قصد القربة فيها فيجوز أخذ الاجرة عليها، و اتيان العمل لأجل الباذل: بمعنى أن ثواب الإنقاذ يرجع الى الباذل، لأن الباذل هو العامل في الإنقاذ حقيقة فالثواب له، و إن كان المباشر للإنقاذ شخص الأجير.

(4) أي الواجب الكفائي كتجهيز الميت.

(5) الظاهر أنه بصيغة المضارع المجهول من باب الإفعال من أجزأ يجزأ، أي لم يكتف الامتثال بهذا الواجب الكفائي التعبدي مع أخذ الاجرة عليه، لمنافاة أخذ الاجرة مع قصد القربة و الاخلاص المطلوب في العبادة.

و يحتمل بصيغة المعلوم بمعنى الجواز مجزوما بلم الجازمة محركا بالكسر، لأن-