كتاب المكاسب - ج7

- الشيخ مرتضى الأنصاري المزيد...
395 /
7

[تتمة كتاب البيع]

[في خصوص ألفاظ عقد البيع.]

مقدمة (1) في خصوص ألفاظ عقد البيع.

قد عرفت أن اعتبار اللفظ في البيع، بل في جميع العقود مما نقل عليه عقد الاجماع (2)، و تحقق فيه الشهرة العظيمة (3)، مع الإشارة إليه (4) في بعض النصوص.

____________

(1) اى هذه مقدمة.

قد جرت عادت المؤلفين في كل فن عند ما يكتبون عن موضوع أن يمهدوا لها بمقدمة في بداية الكتاب قبل الدخول في الموضوع، لتكون إشارة الى مواضيع الكتاب التي يبحث عنها حتى يكون القارئ بصيرا بها قبل إحاطته بمحتويات الكتاب.

و فائدة هذه المقدمة زيادة التوضيح، و مساعدة القارئ.

و الشيخ جريا على القاعدة المألوفة اتى بالمقدمة هنا.

(2) و هو الاجماع المدعى من قبل ابن ادريس في السرائر الذي ذكره الشيخ في الجزء 6. ص 77.

و الاجماع المدعى من قبل السيد ابن زهرة في الغنية الذي نقله الشيخ في الجزء 6. ص 79.

(3) الظاهر منها ما ذكره العلامة في التذكرة و نقلها الشيخ في الجزء 6. ص 84 و لا يخفى أن العلامة افاد: الأشهر عندنا أنه لا بدّ من الصيغة، و لم يقل المشهور حتى تكون الشهرة محققة.

اذ قد عرفت الفرق بين الأشهر و المشهور في الجزء 6. ص 196.

(4) اى الى اعتبار اللفظ في البيع.

8

لكن هذا (1) يختص بصورة القدرة.

أما مع العجز عنه (2) كالأخرس فمع عدم القدرة على التوكيل لا اشكال و لا خلاف في عدم اعتبار اللفظ، و قيام الإشارة مقامه.

و كذا (3) مع القدرة على التوكيل، لا لأصالة (4) عدم وجوبه كما قيل، لأن (5) الوجوب بمعنى الاشتراط كما فيما نحن فيه (6)،

____________

(1) و هو اعتبار اللفظ في البيع، بل في مطلق العقود.

(2) اى عن اتيان اللفظ.

(3) أى و كذا لا إشكال في عدم اعتبار اللفظ في البيع مع القدرة على التوكيل.

(4) اى ليس عدم اعتبار اللفظ في البيع في صورة القدرة على التوكيل لاجل أصالة عدم وجوبه كما أفيد في المقام.

و المراد من أصالة عدم الوجوب هي البراءة.

(5) تعليل لكون عدم اعتبار اللفظ في البيع ليس لاجل أصالة البراءة و خلاصت: أن المراد من الوجوب في باب العقود و المعاملات هو الاشتراط الّذي هو الحكم الوضعي: و هي الصحة و البطلان، لا الحكم التكليفي، خذ لذلك مثالا.

اذا قيل: يجب في النكاح، أو البيع مثلا الماضوية، أو العربية أو تقديم الايجاب على القبول، أو البلوغ: يراد منه الاشتراط اى يشترط أن يكون العقد كذا، و لا يراد من الوجوب الحكم التكليفي، لأن الوجوب بمعنى الاشتراط فيما نحن فيه و هو البيع هو الاصل، فكيف يصح أن يقال: إن عدم اعتبار اللفظ في البيع لاجل أصالة عدم وجوبه؟

(6) و هو البيع كما عرفت آنفا.

9

هو الاصل، بل (1) لفحوى ما ورد: من عدم اعتبار اللفظ في طلاق الأخرس فإن حمله (2) على صورة عجزه عن التوكيل حمل للمطلق على الفرد

____________

(1) اى عدم اعتبار اللفظ في البيع مع القدرة على التوكيل لأجل مفهوم الأولوية: و هو وقوع طلاق الأخرس بالاشارة مع قدرته على توكيل الغير، فجواز البيع منه بالاشارة مع القدرة المذكورة بطريق أولى، لأن الطلاق و النكاح و الأموال و الدماء مما أكد عليه الشارع تأكيدا بالغا فوق ما يتصوره العقل.

راجع حول صحة طلاق الأخرس بالاشارة مع القدرة المذكورة (وسائل الشيعة) الجزء 15 ص 299- 301 الباب 19. الأحاديث أليك نص الحديث الثاني ص 300.

عن ابان بن عثمان قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن طلاق الأخرس.

قال: يلف قناعها على راسها و يجذبه.

فالشاهد في قوله (عليه السلام): يلف قناعها على رأسها، حيث لم يعتبر اللفظ في وقوع الطلاق من الأخرس و إن كان قادرا على توكيل غيره لكون الحديث مطلقا لا تقييد فيه بصورة العجز عن التوكيل.

(2) تعليل لعدم اعتبار اللفظ في البيع.

و خلاصته: أن حمل ما ورد من الأحاديث: من عدم اعتبار اللفظ في طلاق الأخرس: على صورة عجزه عن توكيله الغير حمل للمطلق على الفرد النادر و هو عجزه عن التوكيل، و لازم هذا الحمل خروج اكثر أفراد الأخرس عن الحكم.

10

النادر، مع (1) أن الظاهر عدم الخلاف في عدم الوجوب.

ثم لو قلنا: (2) إن الأصل في المعاطاة اللزوم بعد القول بإفادتها الملكية فالقدر المخرج (3) صورة قدرة المتبايعين على مباشرة اللفظ.

و الظاهر أيضا كفاية الكتابة (4) مع العجز عن الاشارة، لفحوى (5)

____________

(1) اى مع أن ظاهر اكثر الفقهاء عدم خلافهم في عدم وجوب التوكيل على الأخرس و إن كان قادرا على التوكيل.

يريد الشيخ أن يؤيد ما ادعاه: من عدم اعتبار اللفظ في طلاق الأخرس و إن كان قادرا على التوكيل: بظهور كلمات اكثر العلماء في عدم وجوب التوكيل على الأخرس و إن كان قادرا على التوكيل لمن راجع كلماتهم في المقام.

(2) خلاصة هذا الكلام: أن العمومات الواردة لو شملت المعاملات بأجمعها، و قلنا: إن مقتضى هذا العموم لزوم المعاطاة التي هي من المعاملات بناء على افادة المعاطاة اللزوم، و غيرها: من أفراد المعاملات الفعلية التي منها الاشارة فاللازم حينئذ الحكم بكفاية الاشارة و لو مع القدرة على التوكيل، اذ المسلم و المتيقن خروج صورة قدرة المتبايعين على مباشرة اللفظ: عن كفاية الاشارة.

و أما مع العجز عن مباشرة اللفظ و لو مع القدرة على التوكيل فلا مانع من شمول تلك العمومات، لكفاية الاشارة

(3) بصيغة المفعول.

(4) اى في الأخرس في البيع.

(5) اى لمفهوم الأولوية، فإنه اذا جاز طلاق الأخرس بالكتابة مع العجز عن الاشارة فبطريق أولى يجوز بيعه، لأن الطلاق مما اكد عليه الشرع تأكيدا بالغا

11

ما ورد من النص (1) على جوازها في الطلاق، مع أن الظاهر (2) عدم الخلاف فيه

و أما مع القدرة على الاشارة فقد رجح بعض الإشارة (3)

و لعله (4) لأنها أصرح في الإنشاء من الكتابة

و في بعض روايات الطلاق ما يدل على العكس (5)،

____________

(1) راجع المصدر نفسه. ص 300 الحديث 4 أليك نصه عن يونس في رجل أخرس كتب في الارض بطلاق امرأته قال: اذا فعل في قبل الطهر بشهود، و فهم عنه كما يفهم عن مثله و يريد الطلاق جاز طلاقه على السنة

(2) اى الظاهر من كلمات الفقهاء عدم خلافهم في كفاية الكتابة في طلاق الأخرس.

(3) اى على الكتابة، فالأحسن حينئذ من إجراء العقد بالإشارة في الأخرس.

(4) أي و لعل تقديم الإشارة على الكتابة في طلاق الأخرس.

(5) و هو ترجيح الكتابة على الاشارة.

راجع المصدر نفسه. ص 299- الحديث 1. أليك نصه.

عن أبي نصر البزنطي أنه سأل أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الرجل تكون عنده المرأة يصمت و لا يتكلم.

قال: أخرس هو؟

قلت: نعم، و يعلم منه بغض لامرأته، و كراهة لها.

أ يجوز أن يطلق عنه وليه؟

قال: لا، و لكن يكتب و يشهد على ذلك.

قلت: فإنه لا يكتب و لا يسمع كيف يطلقها؟

12

و إليه (1) ذهب الحلي (رحمه اللّه) هناك.

[ثم الكلام في الخصوصيات المعتبرة في اللفظ]

ثم الكلام في الخصوصيات المعتبرة في اللفظ (2)

تارة يقع في مواد الألفاظ: من حيث افادة المعنى بالصراحة و الظهور و الحقيقة (3) و المجاز (4) و الكناية (5)، و من حيث اللغة المستعملة (6) في معنى المعاملة

و اخرى (7) في هيئة كل من الايجاب و القبول: من حيث اعتبار كونه (8) بالجملة الفعلية، و كونه بالماضي.

____________

قال: بالذي يعرف به: من أفعاله مثل ما ذكرت من كراهته و بغضه لها.

(1) اى و الى هذا العكس ذهب ابن ادريس، فإنه رجح الكتابة على الإشارة.

(2) من الماضوية و العربية، و تقديم الايجاب على القبول.

(3) و هو استعمال اللفظ فيما وضع له كاستعمال الاسد في الحيوان المفترس، و استفادة هذا المعنى بواسطة التبادر.

(4) و هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له كاستعمال لفظ الاسد في الرجل الشجاع بقرينة يرمي مثلا، و يعبر عن هذه القرينة بالصارفة لصرفها اللفظ عن معناه الحقيقي.

(5) و هو ذكر اللازم و إرادة الملزوم كقولك: زيد طويل النجاد المراد منه طول قامته، فإن طول النجاد كناية عن طوله حمائل سيفه الذي هو لازم طول القامة.

و ستأتي الاشارة الى أن الكناية على قسمين: الجلية. و الخفية.

(6) كالعربية و الفارسية، و غير ذلك من اللغات.

(7) اى و يقع الكلام اخرى.

(8) اي كون كل واحد من الايجاب و القبول.

13

و ثالثة (1) في هيئة تركيب الايجاب و القبول: من حيث الترتيب (2) و الموالاة (3)

[المشهور عدم جواز الإنشاء بالألفاظ الكنائية و المجازية]

اما الكلام من حيث المادة فالمشهور عدم وقوع العقد بالكنايات

قال (4) في التذكرة: الرابع من شروط الصيغة التصريح (5) فلا يقع بالكناية بيع البتة مثل قوله ادخلته (6) في ملكك، أو جعلته (7) لك أو خذه (8) مني، أو سلطتك (9)

____________

(1) اى و يقع الكلام ثالثة.

(2) و هو تقديم الايجاب على القبول.

(3) و هو اتباع القبول للايجاب من دون فصل معتد به بينهما

(4) من هنا يروم الشيخ الاتيان بكلمات الفقهاء الصريحة في عدم وقوع العقد بالكنايات.

(5) اي الاتيان باللفظ الصريح الدال على البيع.

(6) فإن ادخلته في ملكك أعم من البيع، و الهبة المعوضة، و غير المعوضة، و الاجارة فيكون من الكنايات.

(7) فإن الجعل أعم من البيع، و الهبة المعوضة، و غير المعوضة؛ و الاجارة فيكون من الكنايات.

(8) فإن الامر بالأخذ أعم من البيع، و الهبة المعوضة، و غير المعوضة فيكون من الكنايات.

(9) فإن التسليط على المال أعم من البيع، و الهبة المعوضة، و غير المعوضة، و الاجارة، و الاعارة، فيكون من الكنايات.

نعم لو قال: سلطتك عليه بكذا اخرج الاعارة، لأنه لا يكون في مقابل شيء.

14

عليه بكذا (1) عملا (2) بأصالة بقاء الملك، و لأن (3) المخاطب لا يدري بم خوطب. انتهى (4)

و زاد في غاية المراد على الأمثلة مثل قوله: اعطيتكه بكذا، أو تسلط عليه بكذا (5)

و ربما يبدل هذا (6) باشتراط الحقيقة في الصيغة فلا ينعقد (7)

____________

(1) فإن هذه الأمثلة تحتمل البيع و الهبة المعوضة، و غير المعوضة فتكون من الكنايات فلا يصح وقوع البيع بها.

(2) تعليل لعدم وقوع البيع بالكنايات.

و المراد من الاصل هنا الاستصحاب اى استصحاب بقاء المال على ملك صاحبه عند الشك في انتقاله الى الغير بالكناية.

(3) تعليل ثان لعدم وقوع البيع بالكنايات.

(4) راجع (تذكرة الفقهاء) من طبعتنا الحديثة. الجزء 7. ص 5

(5) المثالان ملحقان بالأمثلة الثلاثة المتقدمة: من حيث عدم وقوع البيع بهما، لكونهما من الكنايات.

و تأتي الخدشة فيهما كما ذكرنا الخدشة في الثلاثة.

(6) و هو اشتراط التصريح في الصيغة: بأن يقال: تشترط الحقيقة في الصيغة.

(7) اى البيع لا ينعقد بالألفاظ المجازية كاستعمال لفظ سلطتك عليه.

قد عرفت معنى الحقيقة و المجاز في الجزء 6. الهامش 1 ص 10.

و المجاز في الاصل مصدر ميمي إما بمعنى اسم الفاعل و هي الجائزة المراد منها المتعدية.-

15

بالمجازات حتى صرح بعضهم بعدم الفرق بين المجاز القريب (1) و البعيد (2)

____________

- أو بمعنى اسم المفعول اى الكلمة المجوز بها.

ثم المجاز على ثلاثة أقسام:

(مجاز لغوي) كاستعمال لفظ الاسد في الرجل الشجاع مع القرينة الصارفة.

(مجاز شرعي): كاستعمال لفظ الصلاة في الأركان المخصوصة.

(مجاز عرفي): و هو إما خاص يتعين ناقله عن المعنى اللغوي كما في النحوي و الصرفي و الكلامي.

و إما عام لا يتعين ناقله.

(1) المجاز القريب ما كانت مناسبته و مشابهته و علاقته مع المعنى الحقيقي أكثر من غيره، خذ لذلك مثالا.

إن الرفع في قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم): رفع عن امتي تسعة له ثلاثة تقادير.

تقدير رفع المؤاخذة، تقدير رفع الاثر الشائع، تقدير نفس التسعة

فتقدير رفع نفس التسعة أقرب الى المعنى الحقيقي من تقدير رفع الاثر الشائع، أو تقدير رفع المؤاخذة الذي هو بعض الآثار، لوضوح أن الشيء بارتفاعه بنفسه يرتفع جميع آثاره و جميع خصائصه التي منها رفع الاثر الشائع، و رفع المؤاخذة.

(2) و قد عرفت معناه بتفسيرنا المجاز القريب و هو ما كانت مناسبته و مشابهته و علاقته مع المعنى الحقيقي أقل كما في تقدير رفع المؤاخذة في الحديث النبوي، فإن مناسبته مع المعنى الموضوع له الذي هو الرفع أقل من تقدير-

16

و المراد بالصريح كما يظهر من جماعة من الخاصة و العامة في باب الطلاق، و غيره (1) ما كان موضوعا بعنوان ذلك العقد لغة (2)، أو شرعا (3) و من الكناية (4)

____________

- رفع الاثر الشائع، و هو أقل من تقدير رفع نفس التسعة.

و كما في استعمال الجملة الخبرية في الطلب الوجوبي، فإن الطلب الوجوبي الذي هو المعنى المجازي للجملة الخبرية أقل ربطا و نسبة مع المعنى الحقيقي من الطلب الندبي فيكون الطلب الوجوبي مجازا بعيدا.

(1) اى و غير الطلاق من بقية العقود.

(2) كما في وضع البيع لمبادلة مال بمال.

(3) كما في وضع الصلاة للماهية المجعولة المفتعلة من الشارع: و هي الأجزاء و الشرائط بكاملها، و كذا بقية الألفاظ العبادية و غيرها الموضوعة للمعاني المفتعلة من الشارع.

(4) اى و المراد من الكناية.

الكناية مصدر كنى يكني، أو كنى يكنو معناه التعبير عن شيء بلفظ غير صريح: بأن يكون اللفظ موضوعا لمعنى آخر غير الذي اريد.

بعبارة اخرى أن الكناية عبارة عن ذكر اللازم و إرادة الملزوم كقولك:

زيد طويل النجاد المراد من طول النجاد طول قامته، اذ طول النجاد كناية عن طول حمائل سيفه فذكر القائل اللازم و اراد الملزوم: و هي طول القامة فاستعمل اللفظ في غير معناه.

و الفرق بينها، و بين المجاز مع أن كليهما يستعملان في غير ما وضع له هو أن الكناية يمكن الجمع فيها بين اللازم و الملزوم

بخلاف المجاز، فإنه لا يمكن الجمع بين المعنى الحقيقي و المجازى.

17

ما افاد لازم ذلك العقد بحسب الوضع فيفيد إرادة نفسه (1) بالقرائن و هي (2) على قسمين عندهم: جلية (3) و خفية (4)

[الظاهر جواز الإنشاء بكل لفظ له ظهور عرفي في المعنى المقصود]

و الذي يظهر من النصوص (5) المتفرقة في أبواب العقود اللازمة (6)

____________

(1) اى نفس العقد.

(2) اى الكناية.

(3) و هي ما كانت الواسطة فيها قليلة كقولك: زيد طويل النجاد المراد منه طول قامته الذي هو الملزوم، فالانتقال من طول النجاد الذي هو طول حمائل سيفه الى طول القامة يكون بواسطة واحدة فليس في هذه الكناية تكثير واسطة، و يقال لها: (الكناية الجلية).

(4) و هي ما كانت الواسطة فيها كثيرة كقولك: زيد كثير الرماد المراد منه كثرة جوده الذي هو ملزوم لوسائط كثيرة، فإن الانتقال إليه يحتاج الى تكثير الواسطة، لأن المخاطب ينتقل من كثرة الرماد الى كثرة إحراق الحطب تحت القدر، و من كثرة الإحراق ينتقل إلى كثرة الطبائخ و من كثرة الطبخ ينتقل الى كثرة الأكلة، و من كثرة الأكلة ينتقل الى كثرة الضيفان، و من كثرة الضيوف ينتقل الى المطلوب: و هي كثرة جود زبد و سخائه.

فهذه الكناية تحتاج الى تكثير الواسطة، فلهذا يقال لها:

(الكناية الخفية).

(5) و هي الأخبار المشار إليها في الجزء 6. الهامش 4. ص 199 و الهامش 1 ص 200.

(6) كالبيع و الاجارة و الرهن و الصلح.

18

و الفتاوى (1) المتعرضة لصيغها في البيع بقول مطلق (2)، و في بعض أنواعه (3)، و في غير البيع من العقود اللازمة (4) هو (5) الاكتفاء بكل لفظ له ظهور عرفي معتد به في المعنى المقصود (6) فلا فرق بين قوله:

بعت و ملكت، و بين قوله: نقلت الى ملكك، أو جعلته ملكا لك بكذا

و هذا (7) هو الذي قواه جماعة من متأخري المتأخرين (8)

و حكي عن جماعة ممن تقدمهم كالمحقق، حيث حكي عن تلميذه كاشف الرموز (9)

____________

(1) بالجر عطفا على مجرور (من الجارة) في قوله: من النصوص اى و الذي يظهر من فتاوى العلماء.

و مرجع الضمير في صيغها: العقود اللازمة.

(2) أى من دون أن تفرق تلك النصوص و الفتاوى بين أفراد البيع

(3) اى و في بعض أنواع البيع كالمؤجل، و الحال، و السلف، و الخيار

(4) كالنكاح و الاجارة، و الرهن و الصلح.

(5) خبر للمبتدإ المتقدم في قوله: و الذي يظهر.

(6) كالرهن، و الاجارة، و الصلح.

و الفاء في فلا فرق تفريع على قوله: هو الاكتفاء اى فعلى ضوء ما ذكرنا فلا فرق بين هذين النوعين: و هما: بعت و ملكت، و بين نقلت اى ملكك، أو جعلته ملكا لك: في استعمال هذه الألفاظ في العقد المقصود.

(7) و هو الاكتفاء بكل لفظ.

(8) كالمحقق الاردبيلي.

(9) يأتي شرح حياته و مؤلّفه في (أعلام المكاسب).

19

أنه حكي عن شيخه المحقق أن عقد البيع لا يلزم فيه لفظ مخصوص و أنه (1) اخناره أيضا.

[ظهور كلمات الفقهاء في وقوع البيع بكل لفظ يدل عليه]

و حكي عن الشهيد (رحمه اللّه) في حواشيه أنه جوز البيع بكل لفظ دل عليه (2) مثل اسلمت أليك و عاوضتك.

و حكاه (3) في المسالك عن بعض مشايخه المعاصرين، بل هو (4) ظاهر العلامة (رحمه اللّه) في التحرير، حيث قال: إن الايجاب هو اللفظ الدال على النقل مثل بعتك، أو ملكتك، أو ما يقوم (5) مقامهما، و نحوه المحكي عن التبصرة (6) و الارشاد و شرحه لفخر الاسلام، فاذا كان الإيجاب هو اللفظ الدال على النقل فكيف لا ينعقد بمثل نقلته الى ملكك، أو جعلته ملكا لك بكذا؟.

____________

(1) اى كاشف الرموز اختار عدم لزوم البيع الى لفظ مخصوص بل يكتفي فيه بكل لفظ.

(2) اى على البيع.

(3) اى الاكتفاء بكل لفظ.

(4) اى الاكتفاء بكل لفظ في البيع.

(5) هذا هو محل الشاهد في نقل هذا الكلام، فإن ما يقوم مقامهما كل لفظ دل على البيع و النقل و الانتقال.

(6) التبصرة (للعلامة الحلي) (قدس اللّه نفسه الزكية).

هي مؤلّف نفيس جدا، و الكتاب هذا و ان كان صغيرا حجمه لكن كثير معناه.

و الكتاب هذا حاو جميع أبواب الفقه من بداية الطهارة الى نهاية الحدود و الديات مع صغر حجمه.-

20

بل قد يدّعى أنه (1) ظاهر كل من اطلق اعتبار الايجاب و القبول فيه، من دون ذكر لفظ خاص كالشيخ و أتباعه. فتأمل.

و قد حكي عن الاكثر تجويز البيع حالا بلفظ السلم (2)

و صرح جماعة أيضا في بيع التولية بانعقاده (3) بقوله: وليتك العقد

____________

- و قد علق على الكتاب الفطاحل من أعلام الطائفة.

و طبع الكتاب اكثر من مرة فلله در مصنفه العظيم و (سلام اللّه عليه)

(1) اي الاكتفاء بكل لفظ.

(2) المراد من السلم هو بيع السلف، و بيع السلف عبارة عن تعجيل الثمن، و تأجيل المثمن الى وقت معلوم بالشروط المقررة في بابه.

راجع (اللمعة الدمشقية) من طبعتنا الحديثة. الجزء 3. من ص 402 الى 424.

و مقصود الشيخ: أن البيع يتحقق خارجا بصيغة السلف في قول البائع: سلمتك، أو أسلفتك عند أكثر الفقهاء.

و هذا دليل على أنه يكتفى في العقود، و في البيع بكل لفظ.

(3) اى بانعقاد البيع بلفظ وليتك.

و التولية مصدر ولى يولي يقال: وليت فلانا امر كذا.

و التولية في البيع: أن يشتري انسان سلعة بثمن معلوم ثم يوليها رجلا آخر بذلك الثمن.

بعبارة اخرى: أن التولية إعطاء السلعة برأس المال فيقول البائع بعد علمه، و علم المشتري بالثمن، و ما تبعه: من المؤن، و اجرة الكيّال و المحراث، و غيرها: وليتك هذا العقد.

فاذا قال المشتري: قبلت لزمه الثمن جنسا، و قدرا و وصفا.

راجع المصدر نفسه. ص 436

21

أو وليتك السلعة، و التشريك (1) في المبيع بلفظ شركتك.

و عن المسالك في مسألة تقبل أحد الشريكين في النخل حصة صاحبه بشيء معلوم من الثمرة: أن ظاهر الأصحاب جواز ذلك (2) بلفظ التقبيل مع أنه لا يخرج عن البيع، أو الصلح، أو معاملة ثالثة لازمة عند جماعة (3)

____________

(1) اى و ينعقد البيع بلفظ التشريك: بأن يقول المشتري بعد شراء العين المبيعة لصديقه: شركتك في العين المبيعة التي اشتريتها، فيجعل له نصيبا بما يخصه من الثمن: من النصف، أو الربع، أو الثلث مثلا بشرط علمهما بقدره.

(2) اى جواز وقوع البيع بلفظ التقبيل في تقبيل احد الشريكين حصة صاحبه من الثمرة بشيء معلوم.

حاصل هذه العبارة كما شرحناها في (اللمعة الدمشقية) من طبعتنا الحديثة. الجزء 3. ص 368: أن يكون هناك نخيل، أو أشجار بين شريكين، أو اكثر، فيلتزم احد الشريكين لصاحبه إزاء حصته من الثمر بمقدار معلوم: من الكيل، أو الوزن.

و ذلك بأن يخرص اى يخمن الثمر اجمع فيتعاقدان على قبول احدهما حصة صاحبه بعد الخرص و التخمين مقابل كيل، أو وزن معلوم من نفس الثمر، أو غيره.

فيقول احد الشريكين المقدم على شراء حصة صاحبه إزاء حصته:

أتقبل حصتك بكذا مقدار من الوزن؛ أو الكيل.

(3) راجع المصدر نفسه.

22

هذا ما حضرني من كلماتهم في البيع (1)

[ظهور كلمات الفقهاء في وقوع غير البيع بكل لفظ يدل عليه]

و أما في غيره (2) فظاهر جماعة في القرض عدم اختصاصه بلفظ خاص فجوزوه بقوله (3): تصرف فيه، أو انتفع به و عليك رد عوضه أو خذه بمثله و اسلفتك، و غير ذلك (4) مما عدوا مثله (5) في البيع من الكنايات مع (6) ان القرض من العقود اللازمة على حسب (7) لزوم البيع و الاجارة

و حكي عن جماعة في الرهن أن ايجابه يؤدي بكل لفظ يدل عليه (8) مثل قوله: هذه وثيقة عندك.

و عن الدروس (9) تجويزه بقوله خذه، أو امسكه بمالك.

____________

(1) الى هنا كان كلام الشيخ حول نقل كلمات العلماء الأعلام في البيع في الاكتفاء بكل لفظ، دون لفظ يخصه.

(2) من هنا يريد الشيخ أن ينقل كلمات الفقهاء حول غير البيع:

من بقية العقود في الاكتفاء بكل لفظ، دون ألفاظ مخصوصة تخصها.

(3) اى بقول المقرض.

(4) مثل قولك: تملكه.

(5) اى مثل لفظ تصرف فيه، أو انتفع به، أو تملكه.

(6) يقصد الشيخ أن القرض من العقود اللازمة فلازمه أن يؤتى له بلفظ خاص، لا بمطلق اللفظ، فتصريح جماعة بوقوعه بمطلق اللفظ دليل على إرادة الاكتفاء به، و أن القرض يقع به.

(7) اى لزوم القرض كلزوم البيع و الاجارة، من دون فرق بينه و بينهما، فإذا يكتفى في القرض بكل لفظ فقد يكتفى به في البيع.

(8) اي لا يحتاج الى لفظ خاص، مع أنه لازم من طرف الراهن

(9) اى تجويز الرهن.

23

و حكي عن غير واحد تجويز ايجاب الضمان الذي هو من العقود اللازمة بلفظ تعهدت المال و تقلدته، و شبه (1) ذلك.

و لقد ذكر المحقق و جماعة ممن تاخر عنه جواز الاجارة بلفظ العارية (2) معللين بتحقق القصد.

و تردد جماعة في انعقاد الاجارة بلفظ بيع المنفعة (3)

و قد ذكر جماعة جواز المزارعة بكل لفظ يدل على تسليم الارض للمزارعة (4)

____________

(1) كقولك: عليّ اداؤه و بذمتي إعطاؤه.

و المراد من الضمان هنا ضمان الغير في المحاكم الشرعية بالمال.

راجع المصدر نفسه. الجزء 4. ص 113- 114.

(2) بأن يقول: اعرتك الدار بمدة سنة مثلا بمبلغ قدره مائة دينار مثلا.

و نتيجة الإعارة هو استيفاء المنافع، فنتيجة الاعارة و الاجارة واحدة إلا أن الاولى جائزة، و الثانية لازمة.

راجع المصدر نفسه. ص 255

(3) بأن يقول: بعتك منفعة الدار سنة كاملة مثلا بمبلغ قدره خمسون دينارا

(4) المزارعة تسليم الارض الى الزارع بعوض من الثمر و الحاصل معلوم القدر، راجع المصدر نفسه. ص 275.

فهنا يجوز لصاحب الارض أن يقول عند تسليمها للمزارع: خذ الارض بربع حاصلها مثلا.

24

و عن مجمع البرهان كما في غيره أنه لا خلاف في جوازها (1) بكل لفظ يدل على المطلوب، مع كونه (2) ماضيا

و عن المشهور جوازها (3) بلفظ ازرع.

و قد جوز جماعة الوقف بلفظ حرمت و تصدقت (4) مع القرينة الدالة على إرادة الوقف مثل أن لا يباع، و لا يورث، مع عدم الخلاف كما عن غير واحد على أنهما (5) من الكنايات.

و جوز جماعة وقوع النكاح الدائم بلفظ التمتع (6)، مع أنه ليس صريحا فيه.

____________

(1) اى في جواز المزارعة بكل لفظ.

(2) اى مع كون اللفظ الدال على المطلوب من الأفعال الماضية:

بأن يقول: سلمتك الارض.

(3) اى المزارعة بلفظ الأمر في قبال من خص اللفظ فيها بصيغة الماضي.

(4) مع أن الوقف له لفظ خاص كقولك: وقفت

راجع المصدر نفسه. الجزء 3. ص 164.

(5) اى حرمت و تصدقت من الكنايات، و ليستا من الألفاظ الصريحة الدالة على الوقف، و مع ذلك قال جماعة باكتفائهما في الوقف لو وقع بهما، فكيف لا يكتفى بكل لفظ في البيع؟

(6) بأن تقول المرأة: متعتك نفسي، أو يقول وكيل المرأة: متعت نفس موكلتي لك.

25

و مع هذه الكلمات (1) كيف يجوز أن يسند الى العلماء، أو اكثرهم وجوب ايقاع العقد باللفظ الموضوع له (2)، و أنه لا يجوز بالألفاظ المجازية (3)، خصوصا مع تعميمها (4) للقريبة و البعيدة كما تقدم (5) عن بعض المحققين.

و لعله لما عرفت من تنافي ما اشتهر بينهم: من عدم جواز التعبير بالألفاظ المجازية في العقود اللازمة، مع ما عرفت منهم من الاكتفاء في اكثرها بالألفاظ غير الموضوعة لذلك العقد (6)

____________

(1) التي نقلها الشيخ عن الأعلام في الاكتفاء بكل لفظ في بقية العقود بقوله في ص 22: و أما في غيره فظاهر جماعة في القرض الى قوله في ص 24:

و جوز جماعة وقوع النكاح الدائم بلفظ التمتع، مع أنه ليس صريحا فيه

(2) اى للعقد: بأن يقال في البيع: بعتك، و في الاجارة: آجرتك، و في القرض اقرضتك، و في الهبة: وهبتك، و في النكاح الدائم: زوجتك، أو أنكحتك و في الموقت: متعتك، و في العارية: اعرتك، و في القرض: أقرضتك

و هكذا بقية العقود

(3) و كذا بالألفاظ الكنائية.

(4) يقصد الشيخ من هذه العبارة أن بعض الأعلام منع وقوع العقد بالمجازات و ان كانت قريبة، حيث عرفت في الهامش 1 ص 15:

أن المجاز على قسمين: القريب: و البعيد.

فقال: إن بعض الأعلام عمم المنع حتى بالمجازات القريبة.

(5) في قوله في ص 14- 15: فلا ينعقد بالمجازات حتى صرح بعضهم بعدم الفرق بين المجاز القريب و البعيد.

(6) فإن المشهور بين العلماء عدم جواز التعبير في العقود اللازمة بالألفاظ المجازية.-

26

جمع المحقق الثاني على ما حكي عنه في باب السلم و النكاح بين كلماتهم:

بحمل (1) المجازات الممنوعة على المجازات البعيدة، و هو جمع حسن.

و لعل (2) الاولى أن يراد باعتبار الحقائق في العقود اعتبار الدلالة اللفظية الوضعية (3)، سواء أ كان اللفظ الدال على إنشاء العقد موضوعا له بنفسه (4) أو مستعملا فيه مجازا بقرينة لفظ موضوع (5) آخر، ليرجع (6) الافادة بالاخرة الى الوضع، اذ (7) لا يعقل الفرق في الوضوح الذي هو

____________

- و من طرف آخر يقولون بالاكتفاء بكل لفظ في العقود فهذا هو التنافي بين الكلامين.

فراد المحقق الثاني الجمع بينهما فقال: إن المراد من المجازات التي لا يصح وقوع العقود بها هي المجازات البعيدة، لا القريبة.

(1) الباء بيان لكيفية الجمع بين أقوال الفقهاء.

(2) من هنا يريد الشيخ أن يبدي رايه حول جواز استعمال الألفاظ المجازية في العقود، و عدم الجواز.

(3) و هي الألفاظ الموضوعة لمعانيها اللغوية، سواء أ كان الوضع بنحو الحقيقة أم بنحو المجاز، اذ المجاز أيضا وضعي، لاجازة الواضع هذا الاستعمال.

(4) كما في الوضع الحقيقي.

(5) كما في الوضع المجازي.

(6) تعليل للأعمية المرادة من قوله: سواء أ كان اللفظ الدال على إنشاء العقد، اى إنما نقول بهذه الأعمية، ليكون مآل افادة المعنى من اللفظ لا محالة.

(7) تعليل لرجوع الإفادة بالاخرة الى الوضع-

27

مناط الصراحة بين افادة لفظ للمطلب بحكم الوضع، أو افادته (1) له بضميمة لفظ آخر يدل (2) بالوضع على إرادة المطلب من ذلك اللفظ.

و هذا (3) بخلاف اللفظ الذي يكون دلالته على المطلب لمقارنة حال

____________

- و خلاصته: أن الفرق في الوضوح الذي هو ملاك الصراحة بين افادة لفظ للمطلب بحكم الوضع كما في الموضوع له الحقيقي، و بين افادة لفظ للمطلب بضميمة لفظ آخر الذي هي القرينة الصارفة كما في المجاز: غير معقول، و غير متصور.

(1) اى افادة اللفظ للمطلب.

خلاصة هذا الكلام: أن افادة اللفظ للمطلب تارة يكون بمعونة لفظ آخر و بمساعدته: بمعنى أن ذلك اللفظ الآخر بشخصه يدل على المطلب و ان كان اللفظ الّذي جيء به لا يدل على المطلب، فهذه الدلالة تكون لفظية و وضعية أيضا، لأنها كانت باذن من الواضع كما في الكنايات فإنها لا تدل على المطلب بوحدها، لاحتمالها للمطلب، و غيره.

لكن لما جيء بلفظ آخر الّذي يسمى بالقرينة دل اللفظ الاول على المطلب و هو البيع و إن كانت الدلالة بمعونة القرينة، فالدلالة لفظية وضعية.

(2) اى اللفظ الآخر الدال على المطلب إنما يدل عليه بالوضع كما عرفت آنفا عند قولنا: خلاصة هذا الكلام.

(3) اى اللفظ الدال على المراد بمعونة لفظ آخر الذي هي القرنية التي يرجع مآلها الى اللفظ و الوضع، و يكون الاستعمال باذن من الواضع:

غير اللفظ الدال على المراد بمعونة قرينة حالية، أو بمعونة سبق مقال خارج عن العقد، لأن الاعتماد في إنشاء المقاصد يكون حينئذ على القرينة-

28

أو سبق مقال خارج عن العقد، فإن الاعتماد عليه (1) في متفاهم المتعاقدين و ان كان من المجازات القريبة جدا رجوع عما بني عليه: من (2) عدم العبرة بغير الأقوال في إنشاء المقاصد. (3) و لذا لم يجوزوا العقد بالمعاطاة و لو مع سبق مقال، أو اقتران حال يدل على إرادة البيع جزما (4)

و مما ذكرنا (5) يظهر الاشكال في الاقتصار على المشترك اللفظي

____________

الحالية و هو خلاف بناء القوم في تفهيم مرادهم، حيث بنوا على إنشاء مقاصدهم بالأقوال لا بالقرينة الحالية، و لا بمعونة سبق مقال و إن كانت القرينة من المجازات القريبة.

فالحاصل: أن العرف المتداول ينشأ مقاصده بالأقوال، و أن التفهيم بالقرائن الحالية خارج عن إطار الدلالات المتداولة عندهم.

(1) أى على اللفظ الذي يكون دلالته على المطلب لمقارنة حال أو سبق مقال.

(2) كلمة من بيان لقوله: عما بني عليه اي بني عليه عبارة عن عدم الاعتبار في إنشاء المقاصد بالقرائن الحالية، أو بسبق مقال، بل لا بد أن يكون الإنشاء بمعونة الأقوال.

(3) تعليل لبناء القوم على عدم اعتبار القرائن الحالية اى و لاجل أن الاعتبار بالأقوال في إنشاء المقاصد، لا بالقرائن الحالية.

(4) اى قطعا: بمعنى أن القرينة لو لم تكن قطعية تدل على إرادة المطلب الذي هو البيع مثلا لا تفيد في المقام اصلا.

(5) و هو أن الاعتبار في إنشاء المقاصد بالأقوال، لا بالقرائن الحالية يظهر الإشكال في الاكتفاء في فهم المراد من المشترك اللفظي على القرينة المعينة.-

29

اتكالا على القرينة الحالية المعينة، و كذا (1) المشترك المعنوي.

و يمكن أن ينطبق على ما ذكرنا (2) الاستدلال المتقدم في عبارة التذكرة بقوله (3) (قدس سره): لأن المخاطب لا يدري بم، خوطب اذ (4)

____________

- و خلاصته هذا الكلام: أن بعض الأعلام استشكل في اتيان المشترك اللفظي الموضوع لمعان متعددة بوضع على حدة لكل واحد منها يتعين كل واحد منها بقرينة معينة صارفة عن إرادة معنى آخر منها، لاستحالة إرادة معنيين، أو اكثر من المشترك اللفظي عند الاطلاق في آن واحد، و استعمال فارد: اعتمادا على القرينة الحالية، لعدم اعتبارها في إنشاء المقاصد عند القوم كما في لفظ العين الموضوعة للذهب و الفضة و الميزان و الجارية و الباكية و الجاسوس.

(1) اى و كذا استشكل بعض الأعلام في اتيان المشترك المعنوى الموضوع لمعنى واحد عام ينطبق على معاني كثيرة متعددة كلفظ الإنسان الموضوع للحيوان الناطق المنطبق على أفراده الكثيرة: من زيد و عمرو:

اتكالا على القرينة الحالية.

(2) و هو أن الاعتبار في إنشاء المقاصد بالأقوال، لا بالقرائن الحالية الخارجية، أو بمعونة سبق مقال.

(3) الّذي نقله الشيخ عنه في ص 14 بقوله: و قال في التذكرة.

(4) تعليل لانطباق استدلال العلامة على عدم اعتبار الكنايات في العقود بقوله: لأن المخاطب لا يدري بم خوطب على ما افاده الشيخ: من أن الاعتبار في إنشاء المقاصد بالأقوال، لا بالقرينة الحالية.

و خلاصته: أنه ليس مراد العلامة من قوله: لا يدري المخاطب بم خوطب: أن المخاطب لا يفهم مراد المتكلم من قوله: اعطيتكه بكذا، أو ادخله في ملكك حتى من القرائن الخارجية، فإن ذلك غير معقول.-

30

..........

____________

- بل مراد العلامة من ذلك: أنه لما كان قول القائل: ادخلته في ملكك و كذا بقية الأمثلة التي ذكرها في التذكرة من الكنايات و ليست من الألفاظ الصريحة الدالة على المراد و هو البيع: فلا بد حينئذ من دلالته على المعنى المنشأ و هو البيع: من قصد الملزوم الذي هو المعنى المنشأ حتى يحصل المعنى المنشأ، و بدون قصد الملزوم لا يحصل المعنى المنشأ.

و من الواضح أن قصد الملزوم لا يتحقق إلا بعد كون اللازم بالمعنى الأخص، لأن اللازم بالمعنى الأعم لا يمكن إرادة الملزوم منه إلا بالقرائن الخارجية فيكون الاعتبار اذا بالقرائن، لا باللفظ فلا تكون الدلالة لفظية فلم يحصل عقد لفظي يقع التفاهم به و قد اعتبر في الدلالة أن تكون لفظية

هذه خلاصة مراد الشيخ في تفسير قول العلامة.

(إن قلت): إن المعنى المنشأ الذي هو الملزوم يحصل بالنية و القرائن الحالية موجودة فلم لا يحصل الإنشاء؟.

(قلنا): إن القرائن لما كانت غير لفظية لا تؤثر النية في الانشاء كما قلنا هذا في المعاطاة: من أن النية بنفسها، أو مع انكشافها بغير الأقوال لا تؤثر في النقل و الانتقال الذي هو معنى الاسم المصدري.

ثم لا بأس بإشارة، اجمالية الى قسمي اللازم: اللازم بالمعنى الأعم، و اللازم بالمعنى الأخص.

(أما الاول): فهو ما لا يختص بملزوم واحد كالحرارة اللازمة للنار و الشمس، و الحركة السريعة، و النور الحاصل من الضياء و الشمس و القمر

(و أما الثاني): فهو اللازم المختص بملزوم واحد، و قد يعبر عنه باللازم المساوي كالخاصة للانسان كالضحك و التعجب بالقوة، أو الإدراك العقلي للانسان.

ثم إن معنى اللازم ما يمتنع انفكاكه عن ملزومه عقلا

31

ليس المراد (1) أن المخاطب لا يفهم منها (2) المطلب و لو بالقرائن الخارجية بل المراد (3) أن الخطاب بالكناية لما لم يدل على المعنى المنشأ (4) ما لم يقصد الملزوم (5)، لأن (6) اللازم الأعم كما هو الغالب، بل المطرد في الكنايات لا يدل على الملزوم ما لم يقصد المتكلم خصوص الفرد المجامع مع الملزوم الخاص، فالخطاب في نفسه محتمل لا يدري المخاطب بم خوطب، و إنما يفهم المراد بالقرائن الخارجية الكاشفة عن قصد المتكلم (7)

و المفروض (8) على ما تقرر في مسألة المعاطاة أن النية بنفسها، أو مع

____________

(1) اى مراد العلامة كما عرفت عند قولنا في الهامش 4 ص 29 و خلاصته

(2) اى من الكناية و هي الأمثلة التي ذكرها العلامة في التذكرة و نقلها الشيخ هنا في ص 13 بقوله: و قال في التذكرة.

(3) اى مراد العلامة كما عرفت في ص 30 عند قولنا: بل مراد العلامة.

(4) و هو البيع كما عرفت في ص 30 عند قولنا: على المعنى المنشأ و هو البيع.

(5) المراد منه البيع كما عرفت.

(6) تعليل لعدم دلالة الكناية على المعنى المنشأ ما لم يقصد الملزوم و قد عرفته عند قولنا في ص 30 فلا بد حينئذ.

(7) و هذا خلاف الاعتبار، اذ الاعتبار بالدلالة اللفظية كما اشرنا إليه عند قولنا في ص 30: فلم يحصل عقد لفظي.

(8) قد عرفت معناه في ص 30 عند قولنا: قلنا: إن القرائن لما كانت.

32

انكشافها بغير الأقوال لا تؤثر في النقل و الانتقال: فلم (1) يحصل هنا عقد لفظي يقع التفاهم به.

لكن هذا الوجه (2) لا يجري في جميع ما ذكروه من أمثلة (3) الكناية

[دعوى أن العقود أسباب شرعية توقيفية]

ثم إنه ربما يدّعى أن العقود المؤثرة في النقل و الانتقال أسباب شرعية توقيفية (4)

____________

(1) جواب لقوله: لما لم يدل.

(2) و هو الذي ذكره الشيخ في تفسير قول العلامة: لا يدري المخاطب بم خوطب بقوله: إن الخطاب بالكناية لما لم يدل على المعنى المنشأ ما لم يقصد الملزوم، لأن اللازم الأعم الى آخر قوله الذي شرحناه في ص 30

و خلاصته: أن المخاطب لا يدري بم خوطب: من حيث الألفاظ و القرائن اللفظية.

و أما بحسب القرائن الحالية فلا مانع من كون المخاطب يدري بم خوطب، فهذا التعليل لا يجري في جميع أمثلة الكنايات التي ذكرها الفقهاء، لأن بعض أمثلة الكنايات تدل على المراد بالقرائن اللفظية التي هو اللازم الأخص مثل قولك: ادخلته في ملكك، فإنه لازم مساو للبيع:

بمعنى أنه لا فرق بين قولك: بعت، و قولك: ادخلته في ملكك كما ذكره بعض الأجلة من المحشين.

لكن للخدشة فيه مجال، حيث إن المثال أعم من البيع و الهبة المعوضة، و غير المعوضة فلا يكون مساويا للبيع فلا يكون باللازم الأخص فينطبق عليه قول العلامة: لا يدري المخاطب بم خوطب إلا بالقرائن الحالية

(3) اي الأعم مما ذكره العلامة، و غيره في الكنايات.

(4) اى ألفاظ العقود لا بد أن تكون متلقاة من الشارع فلا يجوز

33

كما حكي عن الايضاح (1): من أن كل عقد لازم وضع الشارع له صيغة مخصوصة بالاستقراء فلا بد من الاقتصار على المتيقن

و هو (2) كلام لا محصل له عند من لاحظ فتاوى العلماء، فضلا عن الروايات المتكثرة الآتي بعضها (3)

و أما ما ذكره الفخر (4) (قدس سره) فلعل المراد فيه من الخصوصية المأخوذة في الصيغة شرعا هي اشتمالها على العنوان المعبر به عن تلك المعاملة في كلام الشارع، فاذا (5) كانت العلاقة الحادثة بين الرجل و المرأة معبرا عنها في كلام الشارع بالنكاح (6)

____________

لنا التصرف فيها باتيان ألفاظ مجعولة من قبلنا كما أن هذه التوقيفية تكون في العبادات فلا يجوز فيها التصرف: من حيث الزيادة و النقيصة.

(1) مؤلف شريف في الفقه الامامي لفخر الاسلام (فخر المحققين) نجل العلامة (قدس سرهما) يأتي شرحه و شرح مؤلفه في (أعلام المكاسب)

(2) اى ما افاده المدعي: من أن العقود المؤثرة في النقل و الانتقال أسباب شرعية.

(3) الدالة هذه الروايات على عدم وجود صيغة مخصوصة للعقود

(4) اى في الايضاح بقوله: إن كل عقد لازم وضع الشارع له صيغة مخصوصة.

(5) الفاء تفريع على ما افاده: من أن المراد من الخصوصية المأخوذة في الصيغة شرعا هو اشتمالها على العنوان المعبر عن تلك المعاملة به في كلام الشارع. و قد ذكر الشيخ التفريع فلا نعيده

(6) كلفظ انكحت

34

أو الزوجية (1) أو المتعة (2) فلا بد من اشتمال عقدها (3) على هذه العناوين، فلا يجوز (4) بلفظ الهبة، أو البيع أو الاجارة، أو نحو ذلك (5)

و هكذا الكلام في العقود المنشأة للمقاصد الأخر كالبيع و الاجارة و نحوهما (6)

فخصوصية اللفظ من حيث اعتبار اشتمالها على هذه العناوين (7)

____________

(1) كلفظ زوجت

(2) كلفظ متعت

(3) اى عقد المرأة لا بد أن يكون مشتملا على احد هذه الألفاظ حتى تتحقق العلقة الزوجية؛ و يجوز للرجل التمتع بها بجميع معاني التمتع

(4) اى عقد المرأة بأحد هذه الألفاظ: بأن تقول المرأة: و هبتك نفسي، أو بعتك نفسي، أو آجرتك نفسي

(5) كلفظ سلطتك في قول المرأة: سلطتك على بضعي.

(6) كالقرض و الهبة، و الصلح و المزارعة و المساقاة، و العارية فلا يجوز استعمال لفظ الاجارة في البيع، أو بالعكس.

و كذا لا يجوز استعمال لفظ القرض في البيع، أو بالعكس

و كذا لا يجوز استعمال لفظ المزارعة في الهبة، أو بالعكس.

و هكذا بقية العقود، فإنه لا يجوز استعمال اي لفظ من العقود أو الايقاعات الصادرة من الشارع في غير ما صدر عنه.

(7) و هو عنوان الزوجية، و عنوان البيع، و عنوان الاجارة، و عنوان الهبة، و عنوان القرض، و عنوان العارية، و عنوان المزارعة، و عنوان المساقاة، و عنوان المضاربة، و عنوان المصالحة.

فاختيار لفظ خاص لمعنى خاص إنما هو لاجل اشتماله على ذاك المعنى

35

الدائرة في لسان الشارع، أو ما يراد فها لغة، أو عرفا، لأنها (1) بهذه العناوين موارد للأحكام الشرعية التي لا تحصى.

فعلى هذا (2) فالضابط وجوب ايقاع العقد بإنشاء العناوين الدائرة في لسان الشارع؛ اذ لو وقع (3) بإنشاء غيرها.

فإن كان (4) لامع قصد تلك العناوين كما لو لم تقصد المرأة إلا هبة

____________

الخاص المعبر عنه بالعنوان الّذي ذكرناه لك، فلا بد من وقوع ذاك العنوان المراد بلفظ خاص الوارد من الشارع.

فالحاصل: أن انتخاب لفظ خاص لانشاء معنى خاص إنما هو لاجل ذاك المعنى، و ذاك العنوان الوارد من الشارع ليس إلا

(1) تعليل للخصوصية المذكورة

و خلاصته: أن العقود المنشأة للمقاصد الاخرى، كلفظ البيع المنشأ به علقة التمليك، و قطع حبل الملكية عنه، و اتصاله بالمشتري مثلا بهذا العنوان اصبح موردا للحكم الشرعي.

(2) اى فعلى ضوء ما قلناه: من أن خصوصية اللفظ إنما هو لاجل اشتمالها على تلك العناوين فلا بد من ذكر قاعدة كلية في المقام: و تلك القاعدة هو وجوب ايقاع كل عقد بإنشاء العناوين الدائرة في لسان الشارع.

(3) اى العقد لو وقع في الخارج بإنشاء غير العناوين الدائرة في لسان الشارع كايقاع علقة الزوجة بلفظ غير زوجت. و غير انكحت و غير متعت كلفظ سلطت في قول المرأة، سلطتك على بضعي.

و كذا ايقاع قطع حبل اتصال الملكية عنه، و وصلها بشخص المشتري لو كان بغير لفظ بعت كلفظ اقرضت و هبت ادخلت سلطت.

(4) اى فإن كان العقد الواقع بغير العناوين الدائرة في لسان الشارع لا يقصد منه تلك العناوين.

36

نفسها، أو اجارة نفسها مدة الاستمتاع لم تترتب عليه الآثار المحمولة في الشريعة على الزوجية الدائمة، أو المنقطعة.

و إن كان (1) بقصد هذه العناوين دخل (2) في الكناية التي عرفت أن تجويزها رجوع الى عدم اعتبار افادة المقاصد بالأقوال.

فما (3) ذكره الفخر (رحمه اللّه) مؤيد لما ذكرناه، و استفدناه من كلام والده (قدس سره).

و إليه (4) يشير أيضا ما عن جامع المقاصد: من أن العقود متلقاة من الشارع فلا ينعقد عقد بلفظ آخر ليس من جنسه (5)

____________

(1) اى و إن كان العقد الواقع بغير العناوين الدائرة في لسان الشارع تقصد منه تلك العناوين فقد دخل في سلسلة الكنايات التي عرفت أن جواز اتيان العناوين بها هدم لما بناه القوم: من عدم اعتبار القرائن الحالية في إنشاء المقاصد، لأن الكنايات تحتاج الى نصب القرائن الحالية فيكون الاعتبار بها، لا بالأقوال التي هو الملاك في إنشاء المقاصد.

(2) اى غير العناوين كما عرفت آنفا.

(3) تفريع على ما افاده الشيخ: من أنه لا بد من وقوع العقود بأسرها بإنشاء العناوين الواردة في لسان الشارع أى فعلى ضوء ما ذكرناه لا يكون ما ذكره فخر المحققين في الايضاح: من أن كل عقد لازم وضع الشارع له صيغة مخصوصة مخالفا لنا، و لوالده، حيث افاد العلامة بعدم وقوع العقود بالكنايات، لأن المخاطب لا يدري بم خوطب.

(4) اى و الى ما ذكره فخر المحققين يشير المحقق الثاني في جامع المقاصد

(5) كايقاع علقة الزوجية بلفظ ملكتك بضعي.

37

و ما (1) عن المسالك: من أنه يجب الاقتصار في العقود اللازمة على الألفاظ المنقولة شرعا المعهودة لغة (2)

و مراده بالمنقولة شرعا هي الماثورة في كلام الشارع.

و عن كنز العرفان (3) في باب النكاح أنه حكم شرعي حادث فلا بد له من دليل يدل على حصوله و هو العقد اللفظي المتلقى من النص (4)

ثم ذكر لايجاب النكاح ألفاظا ثلاثة (5)، و عللها (6) بورودها في القرآن.

____________

(1) اى و الى ما ذكره فخر المحققين في الايضاح يشير الشهيد الثاني في المسالك.

(2) كما في ألفاظ العقود و الايقاعات و العبادات، فإنها قد نقلت عن معانيها اللغوية من قبل الشارع، و وضعت للماهيات المجعولة من قبله إما بالوضع التعييني، أو التعيني.

كما عرفت في الجزء 6 الهامش 1 من ص 23- الى 28.

(3) يأتي شرح الكتاب و مؤلفه في (أعلام المكاسب).

(4) اى من الشارع فلا بد من الاقتصار عليه.

(5) و هو لفظ: زوجت. انكحت. متعت.

(6) اى و علل صاحب كنز العرفان الاقتصار على الألفاظ الثلاثة المذكورة في باب النكاح بورودها في القرآن الكريم.

قال عز من قائل: قٰالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هٰاتَيْنِ (1)

____________

(1) القصص: الآية 27.

38

و لا يخفى أن تعليله (1) هذا كالصريح فيما ذكرناه: من تفسير توقيفية العقود، و أنها متلقاة من الشارع، و وجوب الاقتصار على المتيقن

و من هذا الضابط (2) تقدر على تميز الصريح المنقول شرعا المعهود لغة من الألفاظ المتقدمة في أبواب العقود المذكورة من غيره (3) و أن الاجارة بلفظ العارية (4) غير جائزة، و بلفظ بيع المنفعة، أو السكنى مثلا لا يبعد جوازه (5)

و هكذا (6)

____________

و قال جل ذكره: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ (1)

و قال عز اسمه: فَلَمّٰا قَضىٰ زَيْدٌ مِنْهٰا وَطَراً زَوَّجْنٰاكَهٰا (2)

(1) اى تعليل صاحب كنز العرفان في حصر العلقة الزوجية في الألفاظ الثلاثة: بورودها في القرآن الكريم.

(2) و هي توقيفية العقود، و أنها متلقاة من الشارع، و أنه واجب الاقتصار على القدر المتيقن.

(3) اى من غير الصريح.

(4) في قوله: اعرتك منفعة الدار و هو يريد الاجارة من الإعارة.

(5) في قوله: بعتك منفعة الدار، أو سكناها سنة كاملة و هو يقصد الاجارة من البيع.

(6) اى و كذا بقية العقود، فإنه لو اتي بلفظ الصلح مثلا في مقام القرض و قال: صالحتك بكذا و هو يقصد الإقراض من لفظة صالحتك فلا يصح.

____________

(1) النساء: الآية 24.

(2) الأحزاب: الآية 37.

39

[اذا عرفت هذا فلنذكر ألفاظ الايجاب و القبول.]

اذا عرفت هذا (1) فلنذكر ألفاظ الايجاب و القبول.

[أما الإيجاب]

[منها: لفظ بعت في الايجاب]

(منها) (2): لفظ بعت في الايجاب، و لا خلاف فيه فتوى و نصا و هو و إن كان من الأضداد بالنسبة الى البيع و الشراء

لكن كثرة استعماله في البيع وصلت الى حد تغنيه عن القرينة.

[منها: لفظ شريت]

(و منها) (3): لفظ شريت فلا اشكال في وقوع البيع به لوضعه له كما يظهر من المحكي عن بعض اهل اللغة، بل قيل لم يستعمل في القرآن الكريم إلا في البيع.

و عن القاموس شراه يشريه ملكه بالبيع و باعه كاشتراه فهما ضدان.

و عنه أيضا كل من ترك شيئا و تمسك بغيره فقد اشتراه.

و ربما يستشكل فيه (4) بقلة استعماله عرفا في البيع، و كونه محتاجا الى القرينة المعينة (5)، و عدم نقل الايجاب به (6) في الأخبار، و كلام القدماء (7)

____________

(1) و هي توقيفية العقود و الإيقاعات، و أنه لا بد في صدورها من الشارع.

(2) اى من تلك الألفاظ.

من هنا اخذ الشيخ في عد ألفاظ وردت في الايجاب و القبول من الشارع فقال: منها.

(3) اى و من تلك الألفاظ الواردة في الايجاب و القبول.

(4) اى في لفظ شريت.

(5) اى اذا استعمل عرفا في البيع يحتاج الى ذكر قرينة معينة تعين المراد منه هل البيع، أو الشراء؟.

(6) اى بلفظ شريت.

(7) اى و لم يأت لفظ شريت في كلام القدماء في الايجاب.

40

و لا يخلو (1) عن وجه.

[منها: لفظ ملكت بالتشديد]

(و منها) (2): لفظ ملكت بالتشديد، و الاكثر على وقوع البيع به بل ظاهر نكت الارشاد الاتفاق عليه، حيث قال: إنه لا يقع البيع بغير اللفظ المتفق عليه كبعت و ملكت.

و يدل عليه ما سبق في تعريف البيع (3): من أن التمليك بالعوض المنحل الى مبادلة العين بالمال هو المرادف للبيع عرفا و لغة كما صرح به فخر الدين حيث قال: إن معنى بعت في لغة العرب ملّكت غيري.

و ما قيل من أن التمليك يستعمل في الهبة بحيث لا يتبادر منه عند الاطلاق غيرها.

فيه أن الهبة إنما يفهم من تجريد اللفظ عن العوض (4)، لا من مادة التمليك فهي (5) مشتركة معنى بين ما يتضمن المقابلة (6)، و بين المجرد عنها (7)، فإن اتصل بالكلام ذكر العوض افاد المجموع المركب بمقتضى الوضع التركيبي البيع، و إن تجرد عن ذكر العوض اقتضى تجريد الملكية

____________

(1) اى هذا الاشكال وجيه، فمآل الإشكال الى عدم جواز استعمال لفظ شريت في البيع.

(2) اى و من تلك الألفاظ الواردة من الشارع في الايجاب و القبول

(3) في ص 36 من الجزء 6

(4) كما في الهبة غير المعوضة.

(5) اى الهبة مشتركة بالاشتراك المعنوي، لا اللفظي.

(6) كما في الهبة المعوضة.

(7) اى عن المقابلة كما في الهبة غير المعوضة.

41

المجانية (1)

و قد عرفت سابقا أن تعريف البيع بذلك (2) تعريف بمفهومه الحقيقي، فلو اراد منه (3) الهبة المعوضة، أو قصد المصالحة بنيت صحة العقد على صحة عقد بلفظ غيره مع النية.

و يشهد لما ذكرنا (4) قول فخر الدين في شرح الارشاد أن معنى بعت في لغة العرب ملكت غيري (5)

[أما الايجاب باشتريت]

و أما الايجاب باشتريت ففي مفتاح الكرامة أنه قد يقال بصحته كما هو الموجود في بعض نسخ التذكرة، و المنقول عنها في نسختين من تعليق الارشاد.

____________

(1) كما في الهبة غير المعوضة.

(2) اى بمبادلة مال بمال كما عرفت في ص 9 في الجزء 6

(3) خلاصته هذا الكلام: أنه لو اراد القائل من لفظ بعت الهبة أو الصلح: لتوقفت صحة هذا العقد على القول بصحة التعبير عن كل عقد بلفظ آخر كإرادة الإجارة من لفظ بعت، أو الهبة، أو الصلح منه.

فإن قلنا بصحة ذلك تفرع عليها صحة إرادة الهبة، أو المصالحة من البيع، مع قصد الهبة، أو الصلح منه.

و إن لم نقل بالصحة فلا تقع الهبة، أو الصلح من لفظ بعت و إن نوى الهبة، أو الصلح.

(4) و هو أن صحة إرادة الهبة، أو الصلح من لفظة بعت مثلا متوقفة على صحة إرادة العقد بلفظ غيره مع نية الهبة، أو الصلح.

(5) فقول فخر المحققين دليل على صحة إرادة العقد بلفظ غيره من العقود.

42

أقول: و قد يستظهر ذلك (1) من عبارة كل من عطف على بعت و ملكت شبههما (2)، أو ما يقوم مقامهما، اذ (3) إرادة خصوص لفظ شريت من هذا (4) بعيد جدا.

و حمله (5) على إرادة ما يقوم مقامهما في اللغات الاخر للعاجز عن العربية أبعد (6) فيتعين إرادة ما يراد فهما لغة أو عرفا، فيشمل شريت و اشتريت.

لكن الإشكال المتقدم (7) في شريت أولى بالجريان هنا، لأن شريت استعمل في القرآن الكريم في البيع بل لم يستعمل فيه (8) إلا فيه، بخلاف اشتريت (9)

____________

(1) و هو وقوع الايجاب بلفظ اشتريت.

(2) فإن كلمة شبههما تشمل لفظ اشتريت في وقوع الايجاب به و كذلك أو ما يقوم مقامهما، فإنه يشمل لفظة اشتريت.

(3) تعليل لشمول لفظة شبههما اشتريت.

(4) اى من كلمة شبههما، أو ما يقوم مقامهما.

و أما وجه البعد فلترادف لفظتي شريت و اشتريت.

(5) اى و حمل لفظ أو ما يقوم مقامهما.

(6) لعل وجه الأبعدية: أن الشيخ يعتقد أن الفقهاء الذين اتوا بجملة أو ما يقوم مقامهما لا يجوزون إجراء الصيغة بغير العربية.

(7) و هو قوله في ص 39: و ربما يستشكل فيه بقلة استعماله عرفا في البيع، و كونه محتاجا الى القرينة المعينة.

(8) اى فى القرآن الكريم لم تستعمل كلمة شريت إلا في البيع.

(9) فإنه قد استعملت لفظة اشتريت في القرآن الكريم في الشراء-

43

و دفع (1) الإشكال في تعيين المراد منه بقرينة تقديمه الدال على كونه ايجابا إما بناء على لزوم تقديم الايجاب على القبول، و إما لغلبة ذلك.

غير صحيح، لأن (2) الاعتماد على القرينة غير اللفظية في تعيين المراد من ألفاظ العقود قد عرفت ما فيه.

____________

- قبال البيع في قوله تعالى:

إِنَّ اللّٰهَ اشْتَرىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوٰالَهُمْ (1)

(1) دفع و هم

حاصل الوهم: أن الاشكال الوارد في احتياج كلمة اشتريت عند استعمالها في البيع الى قرينة معينة: يدفع بسبب تقديم اشتريت، اذ التقديم دليل على أنه الايجاب فيتعين أن المراد منه هو البيع، لا الشراء فلا يحتاج هذا الاستعمال الى قرينة معينة.

و الباء في قوله: بقرينة تقديمه بيان لكيفية الدفع التي عرفتها عند قولنا: حاصل الوهم.

و لا يخفى أن دلالة تقديم اشتريت على كونه هو الايجاب و يراد منه البيع باحد الامرين.

إما لبناء القوم على لزوم تقديم الايجاب على القبول.

أو لأجل الغالب، حيث إن الغالب في العقود تقديم الايجاب على القبول.

(2) جواب عن الوهم المذكور.

حاصله: أنه لو قلنا بهذه المقالة يكون الاعتبار حينئذ في المقاصد المنشأة بالقرائن الحالية، لا بالأقوال.

____________

(1) التوبة: لآية 111

44

إلا أن يدّعى أن ما ذكر سابقا (1): من اعتبار الصراحة مختص بصراحة اللفظ: من حيث دلالته على خصوص العقد، و تميزه (2) عما عداه من العقود.

و أما تمييز ايجاب عقد معين عن قبوله الراجع الى تمييز البائع عن المشتري فلا يعتبر فيه الصراحة بل يكفي استفادة المراد و لو بقرينة المقام (3)، أو غلبته أو نحو هما.

____________

و قد عرفت أن الاعتماد عليها هدم لبناء القوم على اعتمادهم في المقاصد المنشأة بالألفاظ.

(1) في قوله في ص 26: اذ لا يعقل الفرق في الوضوح الّذي هو مناط الصراحة.

خلاصة هذا الاستثناء، أن اعتبار الأقوال في إنشاء المقاصد إنما يخص كيفية أداء الصيغة و بيانها و صراحتها.

و هذا مما لا بد أن يكون بالدلالة اللفظية.

أما تعيين أن أيّ الطرفين من العقد ايجاب أو قبول فتكتفى به بالقرائن الحالية كتقديم الايجاب على القبول، فلا يكون هذا هدما لبناء القوم:

من اعتبار الأقوال في إنشاء المقاصد.

كما افاده الشيخ في ص 28 بقوله: رجوع عما بني عليه: من عدم العبرة بغير الأقوال.

(2) بالجر عطفا على مجرور (على الجارة) في قوله: على خصوص أى و من حيث دلالته على تميز هذا العقد الخاص الذي نحن بصدده عن بقية العقود.

و هذا مما لا بد أن يكون بالدلالة اللفظية.

(3) المراد منه القرينة الحالية الخارجية.

45

و فيه (1) إشكال

[أما القبول]

و أما القبول فلا ينبغي الاشكال في وقوعه بلفظ قبلت و رضيت و اشتريت، و ابتعت و تملكت، و ملكت مخففا.

و أما بعت فلم ينقل الا من الجامع (2)، مع أن المحكي عن جماعة من أهل اللغة اشتراكه بين البيع و الشراء.

و لعل الإشكال فيه (3) كإشكال اشتريت في الايجاب.

و اعلم أن المحكي عن نهاية الأحكام و المسالك أن الاصل في القبول قبلت و غيره بدل، لأن القبول على الحقيقة مما لا يمكن به الابتداء (4)، و الابتداء بنحو اشتريت و ابتعت (5) ممكن

و سيأتي توضيح ذلك في اشتراط تقديم الايجاب.

ثم إن في انعقاد القبول بلفظ الإمضاء (6) و الاجازة و الانفاذ و شبهها.

____________

(1) اى في كفاية استفادة المراد و لو بالقرائن الحالية.

(2) اى استعمال كلمة بعت في القبول إلا عن كتاب الجامع، و كتاب الجامع مؤلف شريف في الفقه يأتي شرحه و شرح مؤلفه في (أعلام المكاسب)

(3) أى الاشكال في استعمال كلمة بعت في القبول مثل الإشكال في استعمال لفظة اشتريت في الايجاب: في احتياجه الى القرائن اللفظية، و أنه لا اعتبار بالقرائن الحالية.

(4) حيث إنه متفرع على شيء خارجي سابق عليه يمكن تغلبه و ما دام لم يتحقق الشيء في الخارج كيف يمكن تحقق القبول الذي يتفرع عليه

(5) الذين هما من ألفاظ القبول يمكن استعمالهما في الايجاب.

(6) أى بلفظ امضيت. اجزت. انفذت.

46

وجهين (1)

[فرع]

فرع لو اوقعا العقد بالألفاظ المشتركة بين الايجاب و القبول ثم اختلفا في تعيين الموجب و القابل (2) إما بناء على جواز تقديم القبول و إما من جهة اختلافهما في المتقدم (3)

فلا يبعد الحكم بالتحالف، ثم عدم ترتب الآثار المختصة بكل من البيع و الاشتراء على واحد (4) منهما

[مسألة: في اشتراط العربية]

(مسألة): المحكي عن جماعة: منهم السيد عميد الدين و الفاضل المقداد و المحقق و الشهيد الثانيان اعتبار العربية في العقد، للتأسي (5)

____________

(1) وجه بعدم الانعقاد: لأنها من الألفاظ المشتركة تحتاج في تعيين المراد من معانيها الى نصب قرينة لفظية وضعية؟

و وجه بالانعقاد، لأن القرينة الحالية تكفي في المقام.

(2) بأن يدعي كل واحد منهما أني موجب و ينكر القبول، فلازمه إنكار الايجاب لصاحبه.

(3) بأن يحلف المدعي على إنكار تقدم صاحبه في الايجاب كما أن صاحبه يحلف على إنكار تقدم صاحبه في الايجاب.

راجع الجزء 6. الهامش 4. ص 177 حول التحالف

(4) اى على كل واحد من البائع و المشتري، لا البائع وحده و لا المشتري وحده كما توهم هذه اللفظة.

(5) اى بالرسول الأعظم (صلى اللّه عليه و آله و سلم)، للامر من اللّه عز و جل في ذلك بقوله عز من قائل: و لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّٰهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (1)

____________

(1) الأحزاب الآية 21

47

كما في جامع المقاصد، لأن (1) عدم صحته بالعربي غير الماضي يستلزم عدم صحته بغير العربي بطريق أولى.

و في الوجهين (2) ما لا يخفى

و أضعف منهما (3) منع صدق العقد على غير العربي مع التمكن من العربي.

فالاقوى صحته بغير العربي.

و هل يعتبر عدم اللحن من حيث المادة و الهيئة، بناء على اشتراط العربي؟.

الأقوى ذلك، بناء على أن دليل اعتبار العربية هو لزوم الاقتصار على المتيقن من أسباب النقل (4)

و كذا (5) اللحن في الإعراب.

و حكي عن فخر الدين الفرق بين ما لو قال: بعتك بفتح الباء و بين ما لو قال: جوزتك بدل زوجتك فصحح الاول، دون الثاني إلا

____________

فالرسول كان يوقع العقود بالعربية فلا بد من التأسي به في ايقاع العقود و الايقاعات بالعربية، ليتحقق التأسي.

(1) دليل ثان لاعتبار العربية في العقود.

و هو في الواقع قياس أولوية و خلاصته: أنه لو لم يجز ايقاع العقد بغير العربي الفصيح فبطريق أولى لا يجوز ايقاعه بغير العربي.

(2) و هما: التأسى و قياس الأولوية

(3) اى من الوجهين المذكورين.

(4) و لا شك أن القدر المتيقن من أسباب النقل هو العربي الفصيح

(5) و كذا اى يعتبر عدم اللحن في حركات أواخر الكلمات في ألفاظ العقد

48

مع العجز عن التعلم و التوكيل (1)

و لعله لعدم معنى صحيح في الاول إلا البيع، بخلاف التجويز، فإن له معنى آخر (2) فاستعماله في التزويج غير جائز.

و منه (3) يظهر أن اللغات (4) المحرفة لا بأس بها اذا لم يتغير بها المعنى.

ثم هل المعتبر عربية جميع أجزاء الايجاب و القبول كالثمن و المثمن أم تكفي عربية الصيغة الدالة على إنشاء الايجاب و القبول حتى لو قال:

بعتك اين كتاب را بده درهم كفى؟

و الأقوى هو الأول (5)، لأن غير العربي كالمعدوم فكأنه لم يذكر في الكلام.

____________

(1) أى في الثاني و هو قوله: جوزتك بدل زوجتك.

(2) و هو الجواز بمعنى الامكان، و بمعنى عدم الحظر

(3) اى من أن للبيع ليس معنى آخر لو قال: بعتك بفتح التاء بخلاف جوزتك بدل زوجتك، فإن له معنى آخر.

(4) المراد منها الكلمات اللغوية، لا اللغات الاجنبية في قبال اللغة العربية.

(5) و هو اعتبار جميع أجزاء الايجاب و القبول.

لا يخفى على القارئ النبيل أن ما أفاده الشيخ: من اعتبار العربية في جميع أجزاء الايجاب و القبول لا يخلو من إشكال، حيث إن البائع لو كان مصريا و العملة المتداولة فيما بينهم هي الجنية المصري و هي كلمة اجنبية فما ذا يقول عند البيع مكان الجنية لو كان البيع بعشرة جنيهات؟

49

نعم لو لم يعتبر ذكر متعلقات الايجاب (1) كما لا يجب في القبول و اكتفي بانفهامها و لو من غير اللفظ صح الوجه الثاني (2)

لكن الشهيد (رحمه اللّه) في غاية المراد في مسألة تقديم القبول نص على وجوب ذكر العوضين في الايجاب (3)

ثم إنه هل يعتبر كون المتكلم عالما تفصيلا بمعنى اللفظ (4): بأن يكون فارقا بين معنى بعت و ابيع و أنا بائع، أو يكفي مجرد علمه بأن هذا اللفظ يستعمل في لغة العرب لانشاء البيع؟

الظاهر هو الاول (5) لأن عربية الكلام ليست باقتضاء نفس الكلام بل بقصد المتكلم منه (6) المعنى الذي وضع له عند العرب، فلا يقال: إنه تكلم و ادّى المطلب على طبق لسان العرب، الا اذا ميز بين معنى بعت و ابيع و اوجدت البيع، و غيرها.

بل على هذا (7) لا يكفي معرفة أن بعت مرادف لقوله:

____________

(1) اى من دون أن يذكر في البيع الثمن لفظا كما لم تذكر متعلقات القبول في البيع لفظا، حيث يكتفى عن الذكر بالتفهيم و التفاهم فيما بينهم و لو بالاشارة.

(2) و هو الاكتفاء بعربية الصيغة، دون بقية الأجزاء.

(3) فمن هذا القول يستفاد عربية جميع أجزاء الايجاب و القبول.

(4) اى بلفظ الايجاب و القبول، و جميع مشتقاتهما.

(5) و هو كونه عالما تفصيلا بلفظ الايجاب و القبول، و جميع مشتقاتهما.

(6) أى من الكلام.

(7) و هو أنه لا يقال: إنه تكلم بالعربية إلا اذا ميز القائل بين معنى بعت و ابيع.

50

فروختم حتى يعرف أن الميم في الفارسي عوض عن تاء المتكلم، فيميز بين بعتك و بعت بالضم، و بعت بفتح التاء، فلا ينبغي ترك الاحتياط و ان كان في تعينه (1) نظر، و لذا (2) نص بعض على عدمه

[مسألة في اشتراط الماضوية]

(مسألة) المشهور كما عن غير واحد اشتراط الماضوية؛ بل في التذكرة الاجماع على عدم وقوعه بلفظ ابيعك، أو اشتر مني (3)

و لعله لصراحته (4) في الانشاء، اذ المستقبل (5)، أشبه بالوعد و الأمر (6) استدعاء، لا ايجاب، مع أن قصد الانشاء بالمستقبل (7) خلاف المتعارف.

____________

(1) اى في تعين معرفة الايجاب و القبول، و متعلقاتهما، و جميع مشتقاتهما نظر و اشكال.

وجه النظر أن العرف يحكم بأن المتكلم بالعربي و إن لم يفهم معناه:

يصدق عليه أنه تكلم بالعربية.

(2) أى و لأجل أن في تعين الايجاب و القبول، و جميع أجزائهما نظرا و إشكالا صرح بعض الفقهاء بعدم اعتبار هذا.

(3) راجع (تذكرة الفقهاء) من طبعتنا الحديثة. الجزء 7. ص 5

(4) اى و لصراحة الماضي.

(5) و هو قولك: ابيعك.

(6) و هو قولك: اشتر مني.

(7) اى بصيغة المضارع كما في قولك: ابيعك.

و لا يخفى ضعف ما افاده شيخنا الانصاري، لوقوع النكاح في القرآن الكريم بصيغة المضارع في قوله عز من قائل:

قٰالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هٰاتَيْنِ عَلىٰ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمٰانِيَ حِجَجٍ. القصص: الآية 27.

51

و عن القاضي في الكامل و المهذب عدم اعتبارها (1)

و لعله لاطلاق البيع و التجارة (2)، و عموم العقود (3)، و ما دل في بيع الآبق (4)، و اللبن في الضرع (5) من الايجاب بلفظ المضارع

____________

اللهم إلا أن يقال: إن انكحك وعد و ليس إنشاء، أو أنه كان في شريعة (موسى بن عمران)، لا في شريعتنا.

(1) اى الماضوية.

(2) اى على غير الماضي.

(3) و هو قوله تعالى: وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ، و أَوْفُوا بِالْعُقُودِ

فالعموم في الآيتين يشمل العقد الصادر بصيغة المضارع و الأمر.

(4) اسم فاعل من ابق يأبق ابقا و اباقا وزان تعب يتعب معناه:

الهروب بلا مبرر و مجوز.

يقال: ابق العبد من مولاه اى هرب من سيده من غير خوف منه و لا كد عمل.

راجع (وسائل الشيعة). الجزء 12. ص 262. الباب 11 الحديث 1- 2. أليك نص الحديث 1

عن الامام ابي الحسن موسى (عليه السلام) قلت له: أ يصلح لي أن اشتري من القوم الجارية الآبقة و اعطيهم الثمن و اطلبها انا؟

قال: لا يصلح شراؤها إلا أن تشتري منهم معها ثوبا، أو متاعا فتقول لهم: اشتري منكم جاريتكم فلانة و هذا المتاع.

فالشاهد في لفظة اشتري، حيث وقع الايجاب بها بلفظ المستقبل.

(5) راجع المصدر نفسه. ص 259. الباب 8. الحديث 1- 2 أليك نص الحديث 2-

52

و فحوى ما دل عليه في النكاح (1)

و لا يخلوا هذا (2) من قوة لو فرض صراحة المضارع في الانشاء على وجه لا يحتاج الى قرينة المقام. فتأمل (3)

[مسألة في شرطية الترتيب بين الإيجاب و القبول]

(مسألة): الأشهر كما قيل لزوم تقديم الايجاب على القبول، و به صرح في الخلاف و الوسيلة و السرائر و التذكرة، كما عن الايضاح و جامع المقاصد

____________

- عن سماعة قال: سألت عن اللبن يشترى و هو في الضرع.

فقال: لا إلا أن يحلب لك من اسكرجة (1) فيقول: اشتر مني هذا اللبن الذي في اسكرجة و ما في ضروعها بثمن مسمى، فإن لم يكن في الضرع شيء كان ما في الاسكرجة.

فالشاهد في لفظة اشتر، حيث وقع الايجاب بها بلفظ الامر.

(1) راجع المصدر نفسه. الجزء 14. ص 466. الباب 18.

الأحاديث، أليك نص الحديث 2.

عن أبي بصير عن ثعلبة قال: تقول: اتزوجك على كتاب اللّه و سنة نبيه نكاحا غير سفاح؛ و على أن لا ترثيني و لا ارثك كذا و كذا يوما بكذا و كذا درهما، و على أن عليك العدة

فالشاهد في لفظة اتزوجك، حيث وقع الإيجاب بها بصيغة المضارع

(2) و هو عدم اعتبار الماضوية في العقود.

(3) لعله اشارة الى وهن اشتراط صراحة المضارع في الانشاء على وجه لا يحتاج الى قرينة.

____________

(1) في كتب اللغة بدون الألف، و الكلمة فارسية معربة و هي بضم السين و الكاف و الراء المشددة، و هي إناء صغير يؤكل فيه الشيء القليل من الادام.

53

و لعله (1) الأصل بعد حمل آية وجوب الوفاء (2) على العقود المتعارفة كاطلاق البيع و التجارة في الكتاب و السنة (3)

و زاد بعضهم (4) أن القبول فرع الايجاب فلا يتقدم عليه، و أنه تابع له فلا يصح تقدمه عليه.

و حكي عن غاية المراد عن الخلاف الاجماع عليه (5) و ليس (6)

____________

(1) اى و لعل تقديم الايجاب على القبول هو الاصل الذي هو الاستصحاب أى استصحاب بقاء كل من العوضين في ملك مالكه عند الشك في سببية الايجاب المتأخر عن القبول.

(2) و هو قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، حيث يحمل على العقود المتعارفة عند نزول الآية، و المتعارف في ذلك العصر هو تقديم الايجاب على القبول.

(3) حيث يحمل البيع و التجارة على ما هو المتعارف في الخارج: و هو تقديم الايجاب على القبول.

فحمل البيع و التجارة و العقود على ما هو المتعارف يضيق دائرة الاطلاق.

(4) أى زاد بعض الفقهاء في المقام دليلا آخر: و هو أن القبول فرع الايجاب كما في الاخذ و الاعطاء، حيث إن الأخذ فرع الاعطاء

(5) اى على تقديم الايجاب على القبول.

(6) هذا اعتراض من شيخنا الأنصارى على الاجماع المدعى في غاية المراد عن الخلاف فيريد أن ينفي الاجماع.

54

في الخلاف في هذه المسألة (1) إلا أن البيع مع تقديم الايجاب متفق عليه فيؤخذ به (2) فراجع.

خلافا للشيخ في المبسوط في باب النكاح (3)، و إن وافق الخلاف في البيع (4) إلا أنه عدل عنه (5) في باب النكاح.

بل ظاهر كلامه (6) عدم الخلاف في صحته (7) بين الامامية، حيث إنه بعد ما ذكر أن تقديم القبول بلفظ الأمر في النكاح: بأن يقول الرجل زوجني فلانة جائز بلا خلاف.

قال: أما البيع فإنه اذا قال: بعنيها فقال: بعتكها صح عندنا و عند قوم من المخالفين.

____________

(1) اى مسألة تقديم الايجاب على القبول.

(2) اى بهذا الاتفاق في تقديم الايجاب على القبول حين التعامل فيكون صحيحا بالاتفاق.

فهذا الاتفاق يدل على صحة البيع اذا تقدم الايجاب على القبول و ليس اجماعا على وجوب تقديم الايجاب على القبول.

(3) حيث قال: بجواز تقديم الايجاب على القبول.

(4) حيث قال هنا بوجوب تقديم الايجاب على القبول، و البيع يذكر قبل النكاح في الكتب الفقهية.

(5) اى عن وجوب تقديم الايجاب على القبول.

و لا يخفى أن ما نقله شيخنا الانصاري عن الخلاف بقوله: إن البيع مع تقديم الايجاب متفق عليه فيؤخذ به: لا يدل على رأي الشيخ في وجوب تقديم الايجاب على القبول.

(6) اى كلام شيخ الطائفة.

(7) اى في صحة تقديم القبول على الايجاب.

55

و قال قوم منهم: لا يصح حتى يسبق الايجاب. انتهى (1)

و كيف كان فنسبة القول الأول (2) الى المبسوط مستندة الى كلامه في باب البيع.

و أما في باب النكاح (3) فكلامه صريح في جواز التقديم كالمحقق (رحمه اللّه) في الشرائع؛ و العلامة في التحرير، و الشهيدين في بعض كتبهما و جماعة ممن تأخر عنهما (4)، للعمومات السليمة (5) عما يصلح لتخصيصها

و فحوى (6) جوازه في النكاح الثابت بالأخبار مثل خبر ابان بن تغلب

____________

(1) راجع (المبسوط) الطبعة الحروفية الثانية عام 1388. الجزء 4 ص 194، و العبارة هنا منقولة بالمعنى.

(2) و هو وجوب تقديم الايجاب على القبول.

خلاصة هذا الكلام أن هذا الوجوب المستند الى الشيخ إنما هو في كتاب البيع من المبسوط، لا في كتاب النكاح من المبسوط، فإنه في نكاح المبسوط عدل عن وجوب تقديم الايجاب على القبول و قال بصحة تقديم القبول على الايجاب.

و ظاهر كلامه عدم الخلاف في ذلك.

(3) اى من كتاب المبسوط.

(4) اى عن الشهيدين.

(5) و هو قوله تعالى: وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ؛ و أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ، فإن هذه الآيات دالة بعمومها على جواز تقديم القبول على الايجاب.

(6) بالجر عطفا على مجرور (اللام الجارة) في قوله: للعمومات السليمة، اي و لفحوى الدال على جواز تقديم القبول على الايجاب.-

56

الوارد في كيفية الصيغة المشتمل على صحة تقديم القبول بقوله (1) للمرأة:

اتزوجك متعة على كتاب اللّه، و سنة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) الى أن قال: فاذا قالت: نعم فهي امرأتك و أنت أولى الناس بها (2)

و رواية سهل الساعدي المشهورة في كتب الفريقين كما قيل المشتملة على تقديم القبول من الزوج بلفظ زوجنيها (3):

و التحقيق أن القبول اما أن يكون بلفظ قبلت و رضيت.

و إما أن يكون بطريق الأمر و الاستيجاب نحو بعني فيقول المخاطب؛ بعتك

____________

و المراد من الفحوى هي الأولوية المأخوذة في باب النكاح، فإنه لما جاز في الأعراض التى اهتم بها الشارع المقدس اهتماما بالغا تقديم القبول على الايجاب فبطريق اولى يجوز في بقية العقود و الايقاعات.

(1) اى بقول الرجل الذي هو القابل.

(2) (وسائل الشيعة) الجزء 14. ص 466. الباب 18. الحديث 1

و في الباب أحاديث اخرى كلها صريحة في جواز تقديم القبول على الايجاب

(3) راجع (مستدرك وسائل الشيعة) المجلد 2. ص 563. أبواب عقد النكاح و أولياء العقد. الباب 1. الحديث 4

أليك نص الحديث.

روى سهل الساعدي أن النبي (صلى اللّه عليه و آله) جاءت إليه امرأة فقالت: يا رسول اللّه إني قد وهبت نفسي لك.

فقال: لا اربة (1) لي في النساء.

____________

(1) بفتح الهمزة و الراء و الباء و التاء مشتقة من ارب يأرب معناه الاحتياج يقال: ارب إليه اى احتاج إليه.