كتاب المكاسب - ج8

- الشيخ مرتضى الأنصاري المزيد...
398 /
5

الاهداء

6

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

سيدي .. أبا صالح. يا ولي العصر.

هذه جهودي بين يديك متواضعة بذلتها في سبيل تخليد فقه (أئمة أهل البيت) و هم آباؤك و أجدادك الطاهرون عليهم الصلاة و السلام في سبيل احياء تراثنا العلمي الأصيل، أهديها أليك ... يا حافظ الشريعة يا من يملأ الأرض قسطا و عدلا بعد ما ملئت ظلما و جورا فأنت أولى بها ممن سواك، و لا أراها متناسبة و ذلك المقام الرفيع.

و أراني مقصرا و قاصرا غير أن الهدايا على قدر مهديها.

فتفضل عليّ يا سيدي (عجل اللّه تعالى لك الفرج) بالقبول، فإنه غاية المأمول.

عبد الراجي السيّد محمّد كلانتر

7

كتاب البيع

8

[تتمة كتاب البيع]

شروط المتعاقدين

9

[تتمة الكلام في شروط المتعاقدين]

[مسألة: و من جملة شرائط المتعاقدين قصدهما لمدلول العقد الذي يتلفظان به]

(مسألة): و من جملة شرائط المتعاقدين قصدهما لمدلول العقد الذي يتلفظان به (1).

____________

(1) يروم الشيخ من اشتراط قصد المتعاقدين لمدلول العقد الذي يتلفظان به في هذه المسألة الاشارة الى شروط ثلاثة يجب وجودها في المتعاقدين سواء في البيع أم في غيره:

(الاول): كون العاقد قاصدا للفظ أي يكون ملتفتا إليه، و قاصدا له عند صدوره منه.

و الغرض من هذا الشرط إخراج اللفظ الصادر من الغافل و النائم عن حريم المسألة، فإنه لا أثر لما يصدر عنهما، لعدم التفاتهما إليه عند صدوره منهما.

و كذا إخراج اللفظ الصادر من الغالط في قوله: آجرتك و هو يريد البيع.

(الثاني): كون العاقد قاصدا للمعنى: اي يكون الداعي لاستعمال اللفظ في المعنى هو إرادة ايجاد هذا المدلول في عالم الخارج، و كونه مريدا لايجاد المنشأ بهذا اللفظ الذي هو آلة لايجاده.

و الغرض من هذا الشرط هو اخراج الهازل و اللاعب باللفظ على سبيل اللعب عن حريم المسألة، لعدم وجود إرادة منهما لايجاد المنشأ في الخارج حقيقة وجدا.

10

و اشتراط القصد بهذا المعنى (1) في صحة العقد، بل في تحقق مفهومه (2) مما لا خلاف فيه و لا إشكال، فلا (3) يقع من دون قصد الى اللفظ كما في الغالط.

أو الى المعنى (4) كما في الهازل

____________

- (الثالث): كون مدلول اللفظ مطابقا لما يراد منه أي لا يكون اللفظ مستعملا في غير ما وضع له بغير علاقة كاستعمال لفظ البيع في قوله:

بعت في الإخبار، أو الاستفهام، أو معنى مغاير لمدلول العقد كارادة القرض من البيع مثلا.

و الغرض من هذا الشرط هو إخراج المذكورات عن حريم المسألة.

(1) و هو قصد المتعاقدين لمدلول العقد الذي يتلفظان به.

و المراد من مدلول العقد هو تمليك العين، أو المنفعة.

(2) أى في تحقق مفهوم العقد خارجا، فإن العقد لا يتحقق في الخارج اذا لم يقصد المتعاقدان مدلوله الذي يتلفظان به.

فبين صحة العقد، و تحقق مفهوم العقد خارجا عموم و خصوص مطلق اذ كلما صدقت صحة العقد في الخارج صدق تحقق مفهومه.

و ليس كلما صدق تحقق مفهوم العقد خارجا صدقت الصحة كما في العقد الباطل الفاقد لبعض شرائط العقد.

فالأخصية من جانب الصحة.

(3) القاء تفريع على ما أفاده: من اشتراط قصد المتعاقدين لمدلول العقد الذي يتلفظان به.

هذا اشارة الى الشرط الاول الذي ذكرناه في الهامش 1 ص 9

(4) اي و كذلك لا يقع العقد من دون قصد المتعاقدين الى معنى اللفظ.

هذا اشارة الى الشرط الثاني المشار إليه في الهامش 1 ص 9

11

لا بمعنى (1) عدم استعمال اللفظ فيه، بل بمعنى عدم تعلق ارادته (2) به و إن اوجد (3) مدلوله بالإنشاء كما في الامر الصوري (4) فهو شبيه الكذب في الإخبار.

أو قصد (5) معنى يغاير مدلول العقد: بأن قصد الإخبار (6) أو الاستفهام (7)، أو إنشاء معنى غير البيع مجازا (8)، أو غلطا (9) فلا (10) يقع البيع، لعدم القصد إليه،

____________

(1) اي و ليس معنى عدم القصد الى المعنى أن الهازل لا يقصد استعمال اللفظ في معناه، حيث إنه يستعمل اللفظ في معناه و يقصده منه، لكنه على نحو الهزل من دون إرادة جدية منه للمعنى، فهو في الحقيقة لا يكون قاصدا للانشاء كما هو الحال في الأوامر الصورية التي هي كذب بالإنشاء

(2) اي إرادة الهازل بالمعنى كما عرفت آنفا.

(3) اي الهازل كما عرفت آنفا.

(4) حيث إن الأمر الصوري ليس أمرا حقيقيا، لعدم وجود إرادة جدية فيه، بل الامر الصادر من الآمر على سبيل المزاح.

(5) هذا اشارة الى الشرط الثالث المشار إليه في ص 10

(6) اي من لفظ بعت في قوله: بعت اراد الإخبار.

(7) اى من لفظ بعت في قوله: بعت اراد الاستفهام.

(8) كما لو اراد من لفظ بعت في قوله: بعت الاجارة، بناء على جواز استعمال لفظه الموضوع لنقل الأعيان في نقل المنافع مجازا، حيث إن البيع يفيد نقل المنافع بالتبع.

(9) اى أو انشأ معنى غير البيع من لفظ بعت غلطا كما لو عبر عن البيع بالاعارة، أو إنشاء القرض منه و هو يريد القرض.

(10) الفاء تفريع على ما افاده في قوله: أو قصد معنى يغاير مدلول

12

و لا (1) المقصود اذا اشترطت فيه (2) عبارة خاصة.

ثم إنه ربما يقال بعدم تحقق القصد في عقد الفضولي (3) و المكره (4)

____________

- العقد، أى فعلى ضوء ما ذكرنا لا يقع البيع لو قصد منه الإخبار أو الاستفهام، أو معنى يغاير مدلول العقد، لعدم القصد الى البيع

فيلزم أن ما قصد لم يقع، و ما وقع لم يقصد، لعدم وقوع البيع منه.

(1) اى و لا يقع المقصود و هو الإخبار، أو الاستفهام، أو قصد معنى مغاير لمدلول العقد، بناء على اشتراط عبارة خاصة في المذكورات.

(2) اى في قصد معنى مغاير لمدلول العقد كما عرفت.

(3) لأنه مع علمه بكون العقد المؤثر شرعا هو الصادر عن المالك لا عن الاجنبي لا اثر لعقده، لعدم تحقق القصد منه الى حقيقة العقد

فانشاؤه إنشاء صوري لا يترتب عليه اي اثر.

و الجواب عن هذا الإشكال: أنه من الممكن أن يقال: إن عقد الفضولي و إن لم يكن علة تامة في التأثير الذي هو النقل و الانتقال، لكنه مقتض لهما فيتم بالاجازة التي هو احد جزئي وقوع العقد، و الجزء الآخر هو العقد.

فإن صدرت الاجازة صح العقد و وقع للمالك.

و إن لم تصدر و ردّ العقد لم يقع للمالك، و لا للعاقد

فالمانع من نفوذ عقد الفضولي هو عدم صدوره ممن له حق النقل و الانتقال، لا عدم تحقق القصد من الفضولي، لأنه قاصد عند إنشاء اللفظ و ايجاده في عالم الخارج الى حقيقة العقد.

(4) لأن المكره بالفتح لا يريد ايجاد النقل و الانتقال في الخارج باختياره، و إنما الخوف الجأه الى الإنشاء، فلولا التهديد من المكره بالكسر و تخويفه للمكره بالفتح لما انشأ أبدا.

13

كما صرح (1) به في المسالك، حيث قال: إنهما قاصدان الى اللفظ، دون مدلوله.

و فيه (2) أنه لا دليل على اشتراط أزيد من القصد المتحقق في صدق مفهوم العقد.

مضافا الى ما سيجيء في أدلة الفضولي (3).

و أما معنى ما في المسالك فسيأتي في اشتراط الاختيار.

[كلام صاحب المقابس في اعتبار تعيين المالكين و المناقشات فيه]

و اعلم أنه ذكر بعض المحققين (4) ممن عاصرناه كلاما في هذا المقام (5)

____________

فإنشاؤه إنشاء ساذج فارغ عن القصد.

و الخلاصة أن الداعي للإنشاء ليس قصد المنشأ في عالم الخارج حتى يترتب عليه الاثر: و هو النقل و الانتقال.

و الجواب عنه: أنه يمكن أن يقال: إن المكره بالفتح قاصد لتحقق النقل و الانتقال في الخارج، إلا أنه ليس هناك طيب النفس منه حالة صدور العقد.

و من الواضح أن طيب النفس صفة اجنبية عن مقولة القصد لا ربط لها بحقيقة القصد فلا يكون فقدانها موجبا لعدم تحقق القصد.

(1) اى بعدم تحقق القصد من الفضولي، و المكره.

(2) اي و فيما افاده الشهيد الثاني في المسالك في هذا الباب نظر و إشكال.

و قد ذكر الشيخ وجه الإشكال في المتن فلا نعيده.

(3) و هي كفاية هذا المقدار من القصد في عقد الفضولي، لقيام الاجماع عليها.

(4) و هو المحقق الشيخ اسد اللّه التستري صاحب المقابيس- (قدس سره)-

(5) و هو اعتبار قصد المتعاقدين لمدلول العقد الذي يتلفظان به.

14

في أنه هل يعتبر تعيين المالكين (1) الذين يتحقق النقل، أو الانتقال بالنسبة إليهما أم لا؟

و ذكر أن في المسألة (2) أوجها و أقوالا، و أن المسألة في غاية الإشكال، و أنه قد اضطربت فيها كلمات الأصحاب (قدس اللّه أرواحهم) في تضاعيف أبواب الفقه.

ثم قال (3): و تحقيق المسألة أنه إن (4) توقف تعين المالك على التعيين

____________

اعلم أن للمحقق التستري في هذا المقام نظريات ثلاث ذكرها في المقابيس و قد نقلها عنه الشيخ هنا.

و نحن نذكرها بتمامها، و نشير الى كل واحدة منها عند رقمها الخاص

(1) المراد من المالكين هنا البائع و المشتري، اذ بالبيع ينتقل الثمن الى البائع، و بالشراء ينتقل المثمن الى المشتري.

(2) و هي مسألة اعتبار تعيين المالكين الذين يتحقق النقل و الانتقال بالنسبة إليهما.

(3) اي قال (المحقق التستري) في المقابيس.

(4) هذه هي النظرية الاولى.

و خلاصة ما افاده هناك: أن البائع و المشتري إما أن يكونا متعينين حال العقد، أو غير متعينين.

فعلى الاول لا تحتاج المعاملة الى تعيينهما، لتعينهما في الواقع، و انصراف المعاملة إليهما كما لو كان زيد هو البائع، أو المشتري فقام بالمعاملة عنه وكيله، أو وليه.

و على الثاني تحتاج المعاملة الى التعيين، لعدم تعين البائع و المشتري في عالم الواقع، بداهة صلاحية كل واحد منهما أن يكون بايعا، أو مشتريا كما لو كان العاقد وكيلا عنهما في البيع و الشراء، أو وليا عليهما.

15

حال العقد، لتعدد (1) وجه وقوعه الممكن شرعا: اعتبر تعيينه في النية أو مع التلفظ به أيضا كبيع الوكيل، و الولي العاقد عن اثنين في بيع واحد (2)، أو الوكيل عنهما، و الولي عليهما في البيوع المتعددة (3) فيجب أن يعين من يقع له البيع، أو الشراء من نفسه، أو غيره.

و أن يميز (4) البائع من المشتري اذا أمكن الوصفان في كل منهما

____________

(1) تعليل لقوله: إن توقف تعين المالك على التعيين.

و قد عرفت التعليل عند قولنا في الهامش 4 ص 14: و على الثاني.

(2) و قد عرفت ذلك عند قولنا في الهامش 4 ص 14: كما لو كان العاقد وكيلا عنهما في البيع و الشراء: بأن يكون وكيلا عن احدهما في البيع و عن الآخر في الشراء.

(3) كما لو كان زيد وكيلا عن عمرو، أو وليا عليه للشراء له و البيع عنه.

و كان وكيلا أيضا عن شخص ثان، أو وليا عليه في الشراء له و البيع عنه.

ففي هاتين الصورتين يجب على الوكيل، أو الولي تعيين البائع أو المشتري عند صدور العقد منه.

(4) بصيغة الفاعل اى على الوكيل عن زيد، أو الولي عليه أن يميز البائع عن المشتري حال صدور العقد منه.

هذه هي النظرية الثانية تعرض لها صاحب المقابيس- (قدس سره)- في مسألة اشتراط قصد المتعاقدين لمدلول العقد الذي يتلفظان به.

و خلاصتها: أنه اذا كان شخص وكيلا عن اثنين في البيع و الشراء أو وليا عليهما في البيع و الشراء: بأن يصلح كل منهما أن يكون بايعا

16

فاذا عين (1) جهة خاصة تعينت.

و إن اطلق (2) فإن كانت هناك جهة ينصرف إليها الإطلاق كان كالتعيين كما (3) لو دار الامر بين نفسه

____________

أو مشتريا فاوقع العقد من قبلهما: بأن اشترى لاحدهما و باع عن الآخر.

فهنا لا يخلو الواقع من احد الامرين:

فإما أن يعين الوكيل، أو الولي جهة خاصة: بأن يقول: اشتريت لزيد وكالة عنه، أو ولاية عليه، و بعت عن عمرو وكالة عنه، أو ولاية عليه، فحينئذ تعينت الجهة الخاصة عند صدور العقد من الوكيل، أو الولي و وقع العقد صحيحا.

و إما أن يطلق: بأن لا يقول: اشتريت لزيد وكالة عنه، أو ولاية عليه، و لا بعت لعمرو وكالة عنه، أو ولاية عليه.

فإن كانت في هذه الحالة جهة ينصرف إليها الاطلاق اى قرينة معينة بها ينصرف هذا الاطلاق كان هذا الاطلاق كالتعيين أي يكون حكمه حكم ذاك من دون فرق بينهما.

كما لو دار الامر بين أن يكون الإنسان اصيلا عن نفسه في المعاملة الصادرة عنه، أو وكيلا عن الغير، فالقرينة الحالية الدالة على أن المعاملة الصادرة منه قد وقعت لنفسه تغنينا عن كونها صادرة منه لموكله، لاحتياج الوكالة الى مئونة زائدة، و الاصل عدمها.

(1) قد اشرنا الى معنى هذا عند قولنا: فإما أن يعين الوكيل.

(2) قد اشرنا الى معنى هذا في عند قولنا: و إما أن يطلق.

(3) هذا تنظير لما اذا كانت في صورة الاطلاق جهة خاصة أى قرينة

17

و غيره اذا (1) لم يقصد الإبهام، أو التعيين بعد العقد، و إلا (2) وقع لاغيا و هذا (3) جار في سائر العقود: من النكاح و غيره.

و الدليل (4) على اشتراط التعيين، و لزوم متابعته في هذا القسم أنه لو لا ذلك لزم (5) بقاء الملك بلا مالك معين في نفس الامر، و أن (6)

____________

معينة، فقد عرفت التنظير عند قولنا في ص 16: كما لو دار الامر بين أن يكون.

(1) اى ما قلناه: من أن الاطلاق كالتعيين اذا كانت هناك قرينة معينة فيما اذا لم يقصد العاقد من العقد الإبهام، أو يقصد التعيين بعد العقد

(2) اى لو قصد العاقد عند العقد الإبهام، أو قصد التعيين بعد العقد فلا تنصرف المعاملة إليه فيقع العقد لاغيا.

(3) أى ما قلناه: من التعيين و الاطلاق جار في جميع العقود من النكاح و غيره، و لا اختصاص له بالبيع.

(4) من هنا اخذ المحقق التستري صاحب المقابيس في الاستدلال على اشتراط تعيين البائع من المشتري في العقد بأمور ثلاثة نشير الى كل واحد منها تحت رقمه الخاص.

(5) هذا هو الدليل الاول.

و خلاصته أنه لو لم يشترط التعيين عند صدور العقد اذا لم يكن البائع و المشتري متعينين لزم بقاء الملك في عالم الواقع بلا مالك معين و هذا محال لأن البيع تمليك، و التمليك متقدم بشيئين:

المالك و المملوك، فاذا لم يكن المالك في البيع معينا لزم تحقق الملكية بدون المالك و هو محال.

(6) هذا هو الدليل الثاني.

18

لا يحصل الجزم بشيء من العقود التي لم يتعين فيه العوضان، و لا بشيء (1) من الأحكام و الآثار المترتبة على ذلك، و فساد ذلك ظاهر، و لا دليل على تأثير التعيين المتعقّب (2)، و لا (3) على صحة العقد المبهم، لانصراف (4) الأدلة الى ما هو الشائع المعروف من الشريعة، و العادة (5)

____________

و خلاصته: أن المستفاد من الأدلة الشرعية هو وجوب تحديد المنشأ من جهات عديدة.

(منها): أن يكون محددا بذاته كتعيين أنه بيع، أو اجارة.

(منها): تحديده من ناحية المميزات الخاصة كتعيين المالك و العوضين فالترديد في احدى الجهتين موجب لبطلان العقد، لقيام الاجماع على ذلك

فالجزم بالمالك الخاص من العوامل الدخيلة في صحة العقد.

(1) هذا هو الدليل الثالث.

و خلاصته: إجراء أصالة الفساد في المعاملة التي لم يتعين البائع و المشتري فيها، لأن الأدلة المستفادة منها صحة المعاملة منصرفة الى المعاملة التي عين فيها المالك، فعند عدم تعيين المالك لا تأتي تلك الأدلة، فمرجع مثل هذه المعاملة حينئذ الفساد.

(2) اي بعد العقد.

(3) أى و لا دليل أيضا على صحة العقد المبهم.

(4) تعليل لعدم صحة العقد المبهم اى لانصراف أدلة صحة العقد الى العقد الشائع المعروف عند الشريعة و هي المعاملة المذكور فيها المالك و العوضان و نوعيتها: من كونها بيعا، أو مزارعة، أو مساقاة، أو غير ذلك

(5) اى و لانصراف أدلة صحة العقد الى العقد الشائع المعروف من العادة، فإن العادة تحكم بعدم تاثير المعاملة المعين فيها المالك عقيب العقد، و بعد صدوره.

19

فوجب الحكم بعدمه (1)

و على هذا (2) فلو اشترى الفضولي لغيره في الذمة (3)، فإن عيّن ذلك الغير تعين و وقف على اجازته، سواء تلفظ بذلك (4) أم نواه (5)

و إن ابهم (6) مع قصد الغير بطل، و لا يتوقف الى أن يوجد له مجيز

الى أن قال (7): و إن لم يتوقف (8) تعين المالك على التعيين حال العقد: بأن يكون العوضان معينين، و لا يقع العقد فيهما على وجه يصح إلا لمالكهما

____________

أو اذا كانت مبهمة: من حيث ذكر المالك، أو العوضين، أو نوعيتهما

(1) اي بعدم وجود الإبهام في العقد.

(2) اى و على اشتراط تعيين البائع و المشتري في العقد.

(3) اى في ذمة الغير: بمعنى أنه اشترى للغير شيئا بمال الغير.

(4) اى تلفظ بالغير و اتى باسمه: بأن قال: اشتريت هذه الدار لزيد بمائة دينار في ذمة زيد.

(5) اي أم نوى ذلك الغير.

(6) اى فلو ابهم العاقد عند ما يجري العقد مع قصده الشراء للغير بطل العقد، و لا يتوقف الى أن يوجد له مجيز.

(7) اى المحقق التستري في المقابيس.

(8) هذه هي النظرية الثالثة حول اشتراط قصد المتعاقدين لمدلول العقد الذي يتلفظان به.

و خلاصتها: أنه إن لم يتوقف تعين المالك على تعيين البائع و المشتري:

بأن كان العوضان معينين كما اذا كان الثمن لزيد، و المثمن لعمرو فوكلا شخصا ثالثا للمعاملة فباع المثمن بالثمن من دون تعيين المالكين.

20

ففي وجوب (1) التعيين، أو الإطلاق المنصرف إليه، أو عدمه (2) مطلقا، أو التفصيل (3) بين التصريح بالخلاف فيبطل (4)، و عدمه (5) فيصح: أوجه (6)؟

(أقواها الاخير (7))

____________

فهل المعاملة هذه تقع صحيحة، أو تتوقف على تعيين البائع و المشتري؟

فالأقوال هنا ثلاثة:

(الاول): وجوب التعيين، أو الاطلاق المنصرف الى التعيين.

(الثاني): عدم الوجوب مطلقا، سواء صرح بالخلاف أم لم يصرح، لتعينه في الواقع فتصح المعاملة و إن صرح بالخلاف، فضلا عن قصده.

(الثالث): التفصيل بين التصريح بالخلاف، و عدمه، فإن صرح بالخلاف كما اذا كان الثمن لزيد فقال: بعته عن عمرو بطلت المعاملة.

و إن لم يصرح بالخلاف فالمعاملة صحيحة، و لا تتوقف الصحة على التعيين.

(1) هذا هو القول الاول المشار إليه آنفا

(2) هذا هو القول الثاني المشار إليه آنفا

(3) هذا هو القول الثالث المشار إليه آنفا

(4) اى العقد كما عرفت في القول الثالث

(5) اى و بين عدم التصريح بالخلاف فلا يبطل العقد كما عرفت في القول الثالث.

(6) اى أقوال ثلاثة كما عرفتها كلها عند قولنا: الاول، الثاني الثالث.

(7) و هو القول بالتفصيل كما عرفته في القول الثالث.

21

(و أوسطها الوسط (1))

(و أشبهها للاصول الاول (2))

و في حكم (3) التعيين ما اذا عين المال بكونه في ذمة زيد مثلا و على الأوسط (4) لو باع مال نفسه عن الغير وقع عنه (5)

____________

(1) و هو القول الثاني كما عرفت.

(2) و هو القول الاول كما عرفت اى أشبه الوجوه الثلاثة بالاصول القول الاول.

و المراد بالاصول هي الاصول الثلاثة

أصالة الفساد.

أصالة عدم ترتب الاثر الذي هو النقل و الانتقال.

أصالة عدم تحقق النقل و الانتقال.

و لا يخفى أن ما افاده المحقق التستري من أقوائية القول الثالث و أوسطية القول الثاني غير ممكن الجمع.

(3) اى و في حكم تعين العوض و تشخصه في الخارج اضافة العوض الى شخص معين و إن كان كليا، فالأقوال الثلاثة تأتي في هذا العوض المضاف الى شخص معين، و لا تختص بالعوض المعين الشخصي الخارجي.

(4) اى و على القول الثاني من الأقوال الثلاثة التي ذكرناها لك و هو عدم وجوب التعيين مطلقا، سواء صرح بالخلاف أم لم يصرح.

(5) اى وقع هذا البيع عن نفسه و شخصه، لا عن الغير.

أما سر عدم مجيء القول الاول هنا هو عدم وجوب تعيين المالك واقعا و في نفس الامر.

و أما سر عدم مجيء القول الثالث فهو أن التصريح بالخلاف لا يغير الواقع عما هو عليه.

22

و لغا قصد كونه عن الغير.

و لو (1) باع مال زيد عن عمرو، فإن كان (2) وكيلا عن زيد صح عنه، و إلا (3) وقف على اجازته.

و لو اشترى (4) لنفسه بمال في ذمة زيد، فإن لم يكن وكيلا عن زيد وقع له (5) و تعلق المال بذمته (6)، لا عن زيد، ليقف (7) على اجازته.

و إن كان (8) وكيلا فالمقتضي لكل من العقدين منفردا موجود.

____________

(1) اى و على القول الثاني الذي ذكرناه لك في ص 20

(2) اى البائع مال زيد لو كان وكيلا عن زيد في البيع عن عمرو صح البيع عن عمرو.

أما سر عدم مجيء القول الاول و الثالث هنا ما قلناه في الهامش 5 ص 21: فيما لو باع مال نفسه عن الغير.

(3) اي و إن لم يكن البائع وكيلا عن زيد في بيع ماله عن عمرو

(4) اى و على القول الأوسط الذي هو القول الثاني.

(5) اى وقع البيع عن نفس المشتري، و تعلق ثمن هذا الشراء بذمته و لا يقع البيع عن زيد حتى يتوقف على اجازته، فإن اجاز صح، و الا فلا

(6) اى بذمة المشتري كما عرفت آنفا.

(7) اللام للغاية بمعنى حتى اى حتى يقف العقد على اجازة زيد الموكل

(8) اى المشتري لنفسه بمال في ذمة زيد لو كان وكيلا عن زيد في الشراء.

خلاصة هذا الكلام أن مثل هذا الشراء في صورة الوكالة يمكن أن يقع لنفسه، و يمكن أن يقع عن زيد الموكل، لاقتضاء الشراء لكل واحد من العقدين منفردا.

23

و الجمع بينهما (1) يقتضي إلغاء احدهما.

و لمّا لم يتعين (2) احتمل البطلان (3)، للتدافع.

و صحته (4) عن نفسه، لعدم تعلق الوكالة بمثل هذا الشراء و ترجيح (5) جانب الأصالة.

____________

أما اقتضاؤه للمشتري فلاضافته الى نفسه في قوله: اشتريته لنفسي.

و أما اقتضاؤه للموكل فلاضافة ثمن الشراء الى ذمة زيد الذي هو الموكل

(1) اى بين العقدين و هما: إمكان وقوع العقد للمشتري، و وقوعه للموكل

(2) اى احد العقدين.

(3) اى بطلان المعاملة لاجل التدافع.

وجه التدافع: أن اضافة الشراء لنفسه في قوله: اشتريته لنفسي تدفع الشراء للموكل.

و اضافة الثمن الى ذمة الموكل في قوله: اشتريته لنفسي في ذمة زيد تدفع الشراء لنفسه، فكل اضافة تدافع الاخرى، فهذا التدافع موجب للبطلان.

(4) اى و احتملت صحة هذه المعاملة الواقعة عن نفسه بمال في ذمة زيد وجه الصحة أنه في مثل هذه الحالة يدور الامر بين وقوع المعاملة لنفسه أصالة، و وقوعها عن زيد وكالة باضافة الثمن الى ذمة زيد.

لكن وقوعها عن نفسه أصالة أولى من وقوعها عن زيد وكالة، لعدم تعلق الوكالة بمثل هذا الشراء الواقع عن نفسه، و لترجيح جانب الأصالة على الوكالة.

(5) بالجر عطفا على مجرور (اللام الجارة) في قوله: لعدم اى و لترجيح جانب الأصالة كما عرفت.

24

و عن الموكل (1)، لتعين العوض في ذمة الموكل.

فقصد (2) كون الشراء لنفسه لغوا كما في المعين.

و لو اشترى (3) عن زيد بشيء في ذمته فضولا و لم يجز فاجاز عمرو لم يصح عن احدهما.

____________

(1) اى و يحتمل وقوع المعاملة عن الموكل الذي اضاف المشتري ثمن الشراء الى ذمته، للقاعدة المسلمة المعروفة: و هو دخول المثمن في ملك من خرج عنه الثمن.

إذا صارت الاحتمالات ثلاثة.

(الأول): بطلان المعاملة و فسادها، للتدافع.

(الثاني): صحة المعاملة، للدوران المذكور.

(الثالث): وقوع المعاملة عن زيد الموكل، للقاعدة المسلمة.

(2) الفاء تفريع على ما أفاده: من احتمال وقوع المعاملة عن الموكل أى فعلى ضوء ما ذكرناه: من الاحتمال الثالث: و هو وقوع المعاملة عن الموكل، للقاعدة المسلمة يكون قصد المشتري شراء السلعة عن نفسه باطلا و لغوا.

كما لو كان الشراء من بادئ الامر معينا.

(3) اى و على القول الأوسط و هو القول الثاني المشار إليه في ص 20 فلو اشترى شخص لزيد شيئا فضولا و جعل ثمنه بذمة زيد و لم يجز زيد الشراء فاجاز عمرو الذي كان اجنبيا عن المعاملة، لعدم شراء الفضولي لعمرو، بل اشترى لزيد فلا يقع الشراء لزيد، و لا العمرو

أما عدم وقوعه لزيد فلعدم اجازته له.

و من الواضح توقف صحة الشراء على الاجازة.

25

و قس على ما ذكر (1) حال ما يرد من هذا الباب (2)

و لا فرق (3) على الأوسط في الأحكام المذكورة بين النية المخالفة و التسمية.

و يفرق بينهما (4) على الأخير

و يبطل الجميع (5) على الاول

انتهى كلامه (6)

____________

و أما عدم وقوعه عن عمرو فلكونه اجنبيا عن المعاملة، لعدم إقدام المشتري الشراء له.

(1) و هي الفروع المذكورة في قول صاحب المقابيس في ص 14: و إن لم يتوقف تعين المالك على التعيين الى قوله في ص 16: و لو اشترى عن زيد بشيء.

(2) و هو باب توقف تعين المالك على تعيين البائع و المشتري أو عدمه

(3) خلاصة هذا الكلام أنه لا فرق على القول الثاني المشار إليه في ص 20 في الأحكام المذكورة التي هي الفروع المترتبة على قول صاحب المقابيس (قدس سره) بين كون العاقد ينوي مخالفة ما اوقعه أو يصرح بذلك، لعدم وجوب تعين المالك على تعيين البائع و المشتري مطلقا سواء صرح بالخلاف أم لم يصرح.

(4) اى بين نية الخلاف، و التسمية على القول الاخير و هو القول الثالث المشار إليه في ص 20، لأن التصريح بالخلاف سبب لفساد المعاملة بخلاف ما اذا نوى فلا يبطل العقد.

(5) و هو نية الخلاف، أو التصريح بالخلاف على القول الاول و هو المشار إليه في ص 20، لوجوب تعيين البائع و المشتري، أو الاطلاق المنصرف الى التعيين.

(6) اى كلام المحقق التستري فيما افاده في المقابيس، و الذي نقله

26

(اقول) (1): مقتضى المعاوضة و المبادلة دخول كل من العوضين في ملك مالك الآخر؛ و إلا (2) لم يكن كل منهما عوضا و بدلا.

و على هذا (3) فالقصد الى العوض و تعيينه يغني عن تعيين المالك.

إلا أن ملكية العوض، و ترتب آثار الملك عليه قد يتوقف على تعيين المالك، فإن (4) من الأعواض ما يكون متشخصا بنفسه في الخارج كالأعيان (5)

(و منها) (6): ما لا يتشخص إلا باضافته الى مالك كما في الذمم لأن ملكية الكلي لا تكون إلا مضافة الى ذمة (7)

و إجراء أحكام الملك على ما في ذمة الواحد المردد بين شخصين

____________

عنه الشيخ هنا في ص 13 بقوله: و اعلم أنه ذكر بعض المحققين.

(1) من هنا كلام شيخنا الانصارى يروم النقاش مع المحقق التستري حرفيا فيما افاده: من النظريات الثلاث.

(2) اى و إن لم يكن مقتضى المعاوضة و المبادلة ما ذكرناه.

(3) اى و على هذا الاقتضاء.

هذا رد على النظرية الاولى لصاحب المقابيس المذكورة في ص 14 بقوله: إن توقف تعين المالك على التعيين اعتبر تعيينه في النية.

(4) تعليل لتوقف ملكية العوض، و ترتب آثار الملك على العوض أحيانا على التعيين.

(5) اى كالأعيان الخارجية المعلومة، سواء أ كانت نقودا أم أعراضا

(6) اى و بعض الأعواض.

(7) حيث إن الكلي لا يتشخص و لا يتعين في الخارج إلا باضافته الى الذمة.

27

فصاعدا (1) غير معهود.

فتعين الشخص في الكلي إنما يحتاج إليه، لتوقف اعتبار ملكية ما في الذمم على تعيين صاحب الذمة (2)

فصح على ما ذكرنا (3) أن تعيين المالك مطلقا غير معتبر، سواء في العوض المعين (4) أم في الكلي (5)، و أن (6)، اعتبار التعيين فيما ذكره (7) من الأمثلة في الشق الاول (8) من تفصيله إنما هو لتصحيح ملكية العوض بتعيين من يضاف الملك إليه، لا لتوقف المعاملة على تعيين

____________

(1) كما اذا قال المشتري الفضولي: اشتريت للغير و لم يضف المال الى ذمة شخص معين، فإن الغير مجهول مردد بين شخصين فصاعدا.

(2) بناء على عدم معهودية إجراء أحكام الملك على ذمة الواحد المردد بين شخصين فصاعدا.

(3) و هو أن مقتضى المعاوضة و المبادلة دخول كل من العوضين في ملك مالك الآخر.

(4) كما في الأعيان الخارجية.

(5) كما في الأعيان المتعلقة بالذمم.

(6) هذا رد على ما افاده المحقق التستري بقوله في ص 15: اعتبر تعيينه في النية، أو مع التلفظ به كبيع الوكيل، و الولي العاقد.

(7) و هي المذكورة في قول صاحب المقابيس، و الذي نقله عنه الشيخ في ص 15: كبيع الوكيل، و الولي العاقد عن اثنين في بيع واحد و الوكيل عنهما، و الولي عليهما.

(8) المراد منه هي النظرية الاولى للمحقق التستري التي نقلناها عنه في الهامش 4 ص 14 بقولنا: هذه هي النظرية الاولى

28

ذلك الشخص بعد فرض كونه مالكا، فإن (1) من اشترى لغيره في الذمة اذا لم يعين الغير لم يكن الثمن ملكا (2)، لأن ما في الذمة ما لم يضف الى شخص معين لم تترتب عليه أحكام المال: من جعله ثمنا، أو مثمنا.

و كذا (3) الوكيل، أو الولي العاقد عن اثنين، فإنه اذا جعل (4) العوضين في الذمة بأن قال: بعت عبدا بالف، ثم قال: قبلت فلا يصير العبد قابلا للبيع، و لا الألف قابلا للاشتراء به حتى يسند كلا منهما الى معين، أو الى نفسه من حيث إنه نائب عن ذلك المعين فيقول: بعت عبدا من مال فلان بالف من مال فلان فيمتاز البائع عن المشتري.

و أما (5) ما ذكره من الوجوه الثلاثة فيما اذا كان العوضان معينين

____________

(1) تعليل لكون اعتبار التعيين إنما هو لتصحيح ملكية العوض لا لتوقف المعاملة على ذلك الشخص.

(2) اى ملكا للبائع.

(3) هذا رد على ما افاده صاحب المقابيس في قوله في ص 15 عند نقل الشيخ عنه: كبيع الوكيل و الولي العاقد عن اثنين.

(4) اى اذا جعل الوكيل، أو الولي الثمن و المثمن في الذمة، و لم يضفهما الى شخص معين لا يصير المثمن قابلا للبيع، و لا الثمن قابلا للاشتراء به

(5) هذا رد على النظرية الثالثة لصاحب المقابيس فيما افاده و نقله عنه الشيخ في ص 19 بقوله: و إن لم يتوقف تعين المالك على التعيين.

و المراد من الوجوه الثلاثة ما افاده صاحب المقابيس بقوله في ص 20:

ففي وجوب التعيين، أو الاطلاق المنصرف الى التعيين، أو عدم وجوب التعيين مطلقا، أو التفصيل بين التصريح بالخلاف فيبطل، و عدم التصريح بالخلاف فيصح العقد.

29

فالمقصود اذا كان هي المعاوضة الحقيقية التي قد عرفت (1) أن من لوازمها العقلية دخول العوض في ملك مالك المعوض، تحقيقا (2) لمفهوم العوضية و البدلية: فلا حاجة الى تعيين من ينقل عنهما، أو إليهما العوضان، و إذا لم تقصد المعاوضة الحقيقية (3) فالبيع غير منعقد.

فإن جعل العوض من عين مال غير المخاطب الذي ملّكه المعوّض فقال: ملّكتك فرسى هذا بحمار عمرو فقال المخاطب: قبلت: لم يقع البيع لخصوص المخاطب، لعدم مفهوم المعاوضة معه (4)

و في وقوعه (5) اشتراء فضوليا لعمرو كلام يأتي.

____________

(1) اى في قول الشيخ ردا على صاحب المقابيس في ص 26: أقول مقتضى المعاوضة و المبادلة.

(2) منصوب على المفعول لاجله اي القول بأن من لوازم العقلية في المعاوضة الحقيقية دخول العوض في ملك مالك المعوض إنما هو لأجل تحصيل مفهوم العوضية و البدلية، حيث إن مفهوم المعاوضة هو دخول المثمن في ملك من خرج الثمن من ملكه.

فكلما اطلقت المعاوضة و المبادلة فهم منها هذا المعنى.

(3) التي عرفت معناها عند ما اورد الشيخ على صاحب المقابيس بقوله في ص 26: اقول: مقتضى المعاوضة و المبادلة دخول كل من العوضين في ملك الآخر.

(4) اى مع هذا المخاطب، حيث إن المخاطب قد قبل الفرس إزاء حمار عمرو فيلزم أن يدخل الفرس في ملكه ازاء خروج الحمار عن ملك عمرو، و هو مناف لمفهوم المعاوضة الحقيقية التي عرفتها.

(5) اى هل يقع هذا التمليك لعمرو الذي جعل المملك حماره ازاء فرسه تمليكا فضوليا؟

30

و أما ما ذكره (1) من مثال من باع مال نفسه عن غيره فلا إشكال في عدم وقوعه عن غيره.

و الظاهر (2) وقوعه عن البائع، و لغوية قصده عن الغير، لأنه (3) امر غير معقول لا يتحقق القصد إليه حقيقة (4) و هو (5) معنى لغويته و لذا (6) لو باع مال غيره عن نفسه وقع للغير مع اجازته كما سيجيء و لا يقع عن نفسه ابدا (7)

____________

فيه بحث يأتي في عقد الفضولي:

(1) اى صاحب المقابيس

هذا تأييد لما افاده صاحب المقابيس في ص 21: من وقوع البيع لنفسه لو باع مال نفسه عن الغير، لا وقوعه عن الغير.

و خلاصته: أن وقوع البيع للغير مناف لمفهوم المعاوضة الحقيقية الذي هو دخول المثمن في ملك من خرج عنه الثمن.

(2) وجه الظهور أن كلمة بعت موضوعة للمعاوضة الحقيقية و المبادلة الواقعية: و هو دخول المثمن في ملك من خرج عنه الثمن.

(3) أى قصد البائع وقوع البيع عن الغير.

(4) لأنك قد عرفت أن المعاوضة الحقيقية هو دخول المثمن في ملك من خرج عنه الثمن.

و من الواضح أن البائع مال نفسه للغير قد ادخل ثمن المبيع في ملك من لم يخرج المثمن من ملكه.

(5) اى عدم تحقق القصد الى الغير هو معنى لغوية قصد الغير لو قصد البائع وقوع البيع للغير.

(6) أى و لأجل عدم تحقق قصد الغير لو قصده البائع.

(7) لعدم تحقق مفهوم المعاوضة الحقيقية.

31

نعم (1) لو ملّكه فاجاز (2) قبل بوقوعه له، لكن لا من حيث إيقاعه أولا لنفسه، فإن القائل به (3) لا يفرق حينئذ (4) بين بيعه عن نفسه، أو عن مالكه.

فقصد (5) وقوعه عن نفسه لغو دائما، و وجوده كعدمه.

إلا (6) أن يقال: إن وقوع بيع مال نفسه لغيره إنما لا يعقل اذا فرض قصده للمعاوضة الحقيقية، لم لا يجعل هذا قرينة على عدم ارادته من البيع المبادلة الحقيقية، أو على تنزيل الغير منزلة نفسه في مالكية المبيع

____________

(1) استدراك عما افاده: من أنه لو باع مال غيره عن نفسه وقع للغير، لا لنفسه.

و خلاصته: أنه لو ملّك الغير ماله للبائع بعد أن باع البائع عن نفسه ثم اجاز البائع بعد تملكه للمال البيع.

قيل بوقوع البيع للبائع حينئذ.

لكن وقوعه له لا يكون من باب أن البائع الفضولي قد اوقع البيع لنفسه قبل تملكه له، بل من باب أنه بعد اجازته للبيع، و بعد أن صار المبيع ملكا له قد وقع البيع له، لأن القائل بوقوع البيع للفضولي بعد تمليكه المال له لا يفرق بين بيعه عن نفسه، أو عن مالكه.

(2) اى البائع الفضولي بعد تملكه المال.

(3) اى بوقوع البيع للبائع الفضولي بعد تملكه للمبيع.

(4) أى حين تمليك الغير ماله للبائع الفضولي كما عرفت آنفا.

(5) الفاء تفريع على ما أفاده: من أن من باع مال الغير عن نفسه بطل قصد البيع عن نفسه.

(6) استدراك عما افاده: من صحة وقوع البيع لنفسه لو باع ماله عن الغير، و لا يصح وقوعه عن الغير.

32

كما سيأتي (1): أن المعاوضة الحقيقية في بيع الغاصب لنفسه لا يتصور إلا على هذا الوجه (2)

و حينئذ (3)

____________

و خلاصته: أنه إنما نقول بعدم وقوع البيع للغير فيما اذا باع ماله عن الغير لو قصد المعاوضة الحقيقية التي عرفت معناها في ص 26

و من المحتمل إرادة غير المعاوضة الحقيقية.

أو إرادة تنزيل البائع الغير منزلة نفسه حقيقة.

كما في الحقيقة الادعائية في قول السكاكي: زيد اسد، حيث ادعى أن زيدا اسد حقيقة.

و الدليل على هذا الاحتمال هو إقدامه على بيع ماله عن الغير، اذ نفس هذا الإقدام قرينة على أنه لم يرد من المعاوضة الحقيقية، أو نزّل الغير منزلة نفسه حقيقة.

و لا يخفى أنه اذا لم يرد من المعاملة المعاوضة الحقيقية فأي شيء يراد منها؟

فإن اريد منها النقل و الانتقال فهو معنى المعاوضة الحقيقية، حيث إن البائع ينقل المثمن الى ملك المشتري، و المشتري ينقل الثمن الى ملك البائع فيكون هذا نتيجة المعاوضة الحقيقية التي هو دخول المثمن في ملك من خرج عنه الثمن.

و إن اريد منها المعاطاة فكذلك هي المعاوضة الحقيقية.

(1) أى في باب بيع الفضولي إن شاء اللّه تعالى

(2) و هو تنزيل الغاصب نفسه منزلة المالك حقيقة

(3) اى و حين أن نزل المالك الغير منزلة نفسه، أو حين أن أريد من المعاوضة المعاوضة غير الحقيقية نحكم ببطلان مثل هذه المعاملة التي باع المالك

33

يحكم ببطلان المعاملة؛ لعدم (1) قصد المعاوضة الحقيقية مع المالك الحقيقي.

و من هنا (2) ذكر العلامة و غيره في عكس المثال المذكور (3) أنه لو قال المالك (4) للمرتهن: بعه لنفسك بطل (5)

و كذا (6) لو دفع مالا الى من يطلب الطعام و قال: اشتر به لنفسك طعاما.

____________

مال نفسه عن الغير.

و لا يخفى أن الحكم بالبطلان مناف للاستدراك المذكور بقوله: إلا أن يقال، لأن الغاية من الاستدراك تصحيح الحكم ببطلان المعاملة المذكورة أي يحكم بصحة بيع المالك مال نفسه عن الغير.

و هنا نرى أن الشيخ (قدس سره) حكم في الاستدراك ببطلان البيع أيضا لو اريد من المعاوضة غير الحقيقية، أو اريد منها تنزيل الغير منزلة نفسه.

فما معنى هذا الاستدراك؟

(1) تعليل للحكم بالبطلان المذكور.

و لا يخفى عليك أن عدم قصد المعاوضة الحقيقية هو المدعى في قول الشيخ: لم لا يجعل هذا قرينة على عدم ارادته من البيع المبادلة الحقيقية.

(2) و هو عدم قصد المعاوضة الحقيقية مع المالك الحقيقي.

(3) المراد من المثال المذكور هو بيع المالك مال نفسه عن الغير.

و عكس هذا هو بيع مال الغير عن نفسه.

(4) و هو الراهن

(5) وجه البطلان واضح: و هو عدم قصد المعاوضة الحقيقية مع المالك الحقيقي.

(6) اى و كذا يبطل أيضا، وجه البطلان كما ذكرناه في قول الراهن

34

هذا (1)

و لكن الأقوى صحة المعاملة المذكورة (2)، و لغوية القصد المذكور لأنه راجع الى إرادة ارجاع فائدة البيع الى الغير، لا جعله (3) احد ركني المعاوضة.

و أما حكمهم ببطلان البيع في مثال الرهن (4)، و اشتراء (5) الطعام فمرادهم عدم وقوعه للمخاطب، لا أن المخاطب اذا قال: بعته لنفسي، أو اشتريته لنفسي لم يقع لمالكه اذا اجازه (6)

و بالجملة (7) فحكمهم (8) بصحة بيع الفضولي، و شرائه لنفسه و وقوعه للمالك يدل على عدم تأثير قصد وقوع البيع لغير المالك (9)

____________

(1) أى خذ ما تلوناه عليك في هذا الباب.

(2) و هو بيع المالك مال نفسه عن الغير.

(3) اى لا جعل الغير احد ركني المعاوضة حتى يقال بعدم صحة المعاملة لعدم قصد المعاوضة الحقيقية مع المالك الحقيقي.

(4) كما افاده العلامة الحلي (قدس سره) بقوله في ص 33: إنه لو قال المالك للمرتهن: بعه لنفسك بطل.

(5) بالجر عطفا على مجرور (الباء الجارة) في قوله: ببطلان البيع اى و أما حكمهم ببطلان شراء الطعام لنفسه في قوله في ص 33: اشتر به طعاما لنفسك.

(6) اى اذا اجاز المالك هذا الشراء، أو البيع.

(7) اى و خلاصة الكلام و حاصله في هذا المقام.

(8) اى حكم الفقهاء

(9) اى لو قصد الغير كما فيما نحن فيه، بل البيع يقع للمالك فقط فقصد الغير يكون لغوا.

35

ثم إن ما ذكرناه (1) كله حكم وجوب تعيين كل من البائع و المشتري من (2) يبيع له، و من يشتري له

[هل يعتبر تعيين الموجب للمشتري و القابل للبائع؟]

و أما تعيين الموجب لخصوص المشترى المخاطب، و تعيين القابل لخصوص البائع فيحتمل اعتباره (3).

____________

(1) و هو الذي ذكره عن المحقق التستري صاحب المقابيس في ص 14 بقوله: قال: و تحقيق المسألة: أنه إن توقف تعين المالك على التعيين اعتبر تعيينه الى أن قال: فيجب أن يعين من يقع له البيع، أو الشراء من نفسه، أو غيره، و أن يميز البائع من المشتري.

(2) كلمة من في الموضعين موصولة و منصوبة، بناء على أنها مفعول للمصدر المضاف الى فاعله، و المصدر هي كلمة تعيين في قوله: تعيين كل من البائع و المشتري اي يجب على البائع تعيين من يبيع له، و يجب على المشتري تعيين من يشتري له.

أى كل ما ذكرناه عن صاحب المقابيس في هذا المقام كان حول أنه على البائع وجوب تعيين من يبيع له، و على المشتري وجوب تعيين من يشتري له.

و هذه هي النظرية الاولى للمحقق التستري المشار إليها في الهامش 4 ص 14

(3) من هنا يروم الشيخ أن يناقش المحقق التستري فيما افاده:

من وجوب تمييز البائع عن المشتري الذي نقله عنه الشيخ في ص 15 بقوله:

و أن يميز البائع عن المشتري.

و عبرنا نحن عن هذا في الهامش 4 ص 15 بالنظرية الثانية.

و خلاصة النقاش: أن علم الموجب بكون القابل يقبل لنفسه، أو لغيره و الغير لا بدّ أن يكون معلوما عنده: من أنه زيد، أو عمرو.

و كذا علم القابل بكون الموجب أوجب البيع لنفسه، أو لغيره، و الغير

36

إلا (1) فيما علم من الخارج عدم إرادة خصوص المخاطب لكل

____________

لا بدّ أن يكون معلوما عنده: من انه زيد، أو عمر: يحتمل اعتباره و تعيينه فيما اذا كانت هناك خصوصية ملحوظة كما اذا أراد البائع البيع للذرية العلوية الطاهرة، أو لمن كان متصفا بالورع و التقوى، أو لمن كان من أهل العلم و الفضيلة، أو لمن كان رحما له، أو غير ذلك من الصفات و الخصوصيات المطلوبة عند طلابها.

و كذا المشتري اراد من الشراء الشراء للمذكورين المتصفين بتلك الخصوصيات المذكورة.

(1) هذا استثناء عما افاده: من وجوب تعيين البائع و تمييزه عن المشتري فيما اذا كانت هناك خصوصية.

و خلاصته: أنه اذا كانت هناك قرينة خارجية على عدم إرادة خصوص المخاطب، و أنه لم تكن ملاحظة في البين كما في غالب البيوع و الاجارات حيث إن البائع، أو الموجر لا يريدان من ضمير المخاطب في قولهما: ملكتك الدار، أو منفعة الدار سنة كاملة مثلا المخاطب المخصوص.

بل يريدان الأعم منه اي يقصدان من الضمير أي شخص كان المشتري سواء أ كان مالكا حقيقيا أم جعليا كما في المشتري الغاصب الذي اشترى بمال غصيب شيئا، أم كان بمنزلة المالك كالمأذون في الشراء من قبل شخص، أم كان وليا على من يشتري له كالجد الابي، و الحاكم الشرعي فإن البائع غرضه من البيع بيع سلعته و جلب الثمن إليه، و لا يقصد من المخاطب مخاطبا مخصوصا فحينئذ لا يعتبر تعيين البائع و المشتري، و تمييز كل واحد منهما عن الآخر

37

من المتخاطبين (1) كما في غالب البيوع و الاجارات، فحينئذ (2) يراد من ضمير المخاطب في قوله: ملكتك كذا، أو منفعة كذا بكذا هو المخاطب بالاعتبار الأعم: من كونه مالكا حقيقيا، أو جعليا كالمشتري الغاصب أو من هو بمنزلة المالك باذن، أو ولاية.

و يحتمل عدم اعتباره (3) إلا (4) إذا علم من الخارج إرادة خصوص الطرفين كما في النكاح، و الوقف الخاص، و الهبة، و الوكالة، و الوصية.

[مختار المؤلف و دليله]

و الأقوى هو الاول (5) عملا (6) بظاهر الكلام الدال على قصد الخصوصية، و تبعية العقود للقصود.

____________

(1) و هما: البائع و المشتري، حيث إن المشتري يكون مخاطبا للبائع عند الايجاب، و البائع يكون مخاطبا للمشتري عند القبول.

(2) اى حين أن اريد عدم إرادة خصوص المخاطب بواسطة القرينة الخارجية كما عرفت.

(3) اى عدم اعتبار تعيين البائع و المشتري، و تمييز كل واحد عن الآخر عند إرادة مخاطب مخصوص فيما اذا كانت هناك خصوصية ملحوظة

(4) استثناء عما افاده: من عدم اعتبار التعيين فيما اذا علم أن هناك خصوصية ملحوظة.

و خلاصته أن إرادة خصوص الطرفين مما لا بدّ منه في مثل النكاح و الوقف الخاص، و الهبة و الوصية و الوكالة، حيث إنها مما لا يقبل الوكالة

(5) و هو اعتبار تعيين البائع و المشتري فيما اذا كانت هناك خصوصية ملحوظة.

(6) تعليل لأقوائية القول الاول.

و خلاصته: أن ظاهر كلام كل من المتخاطبين يدل على قصد الخصوصية

38

و على فرض القول الثاني (1) فلو صرح بإرادة خصوص المخاطب اتبع قصده فلا يجوز للقابل أن يقبل عن غيره.

قال (2) في التذكرة: لو باع الفضولي، أو اشترى مع جهل الآخر (3) فإشكال ينشأ من أن الآخر إنما قصد تمليك العاقد (4)

و هذا الإشكال (5) و ان كان ضعيفا مخالفا للاجماع و السيرة (6)

____________

و بالإضافة الى أن العقود تابعة للقصود، فإن البائع لما قصد من ضمير المخاطب خصوصية فلا بد من وقوعها كذلك حتى يكون العقد تابعا للقصود و لو لم يقع ما قصد انخرمت القاعدة المذكورة:

و هي أن العقود تابعة للقصود فيلزم أن ما قصد لم يقع، و ما وقع لم يقصد.

(1) و هو عدم اعتبار التعيين عند إرادة خصوص المخاطب.

(2) هذا تأييد من الشيخ لما افاده: من أنه على فرض القول الثاني فلو صرح بإرادة خصوص المخاطب اتبع قصده فلا يجوز للقابل أن يقبل عن غيره.

(3) و هو البائع لو كان المشتري فضوليا، و المشتري لو كان البائع فضوليا.

(4) فظهر أن العاقد فضولي، سواء أ كان البائع أم المشتري.

(5) و هو أن الآخر إنما قصد تمليك العاقد، لا الفضولي.

هذا كلام شيخنا الانصاري يريد أن يورد على الإشكال الذي افاده العلامة (قدس اللّه نفسه).

(6) حيث إن الاجماع و السيرة قاما على صحة بيع الفضولي و شرائه بعد الاجازة، لأن العقد مركب من الايجاب و القبول و قد حصلا و من الاجازة، و قد وقعت، و هذا وجه الضعف.

39

إلا أنه (1) مبني على ما ذكرناه: من (2) مراعاة ظاهر الكلام (3)

[كلام العلامة في الفرق بين البيع و شبهه و بين النكاح و المناقشة فيه]

و قد (4) يقال في الفرق بين البيع و شبهه، و بين النكاح: إن (5) الزوجين في النكاح كالعوضين في سائر العقود، و تختلف الأغراض باختلافهما

____________

(1) اى إشكال العلامة.

(2) كلمة من بيان لما ذكرناه.

(3) حيث إن ظاهر كلام كل من البائع و المشتري يدل على قصد الخصوصية فلا بد من وقوعه على تلك الخصوصية.

(4) دفع و هم.

حاصل الوهم: أنه ما الفرق بين البيع و الاجارة، حيث قلتم بعدم اعتبار التعيين فيهما و لو قصدت الخصوصية، و بين النكاح: حيث قلتم باعتبار التعيين فيه و لو قصدت الخصوصية؟

هذا هو الجواب الاول عن التوهم المذكور.

و حاصله: أن الفرق واضح، لأن الزوجين في النكاح بمنزلة العوضين في البيع، و سائر العقود.

فكما أنه يجب تعيين العوضين، و كونهما معلومين.

كذلك الزوجان لا بدّ من كونهما معينين، اذ ليس كل انسان يقدم على زواج أية امرأة، بل يلاحظ في الزواج معها الخصوصيات البيتية و ما كان دخيلا في الرغبة إليها.

و كذا ليست كل امرأة تقدم على الزواج مع أي رجل.

و ذلك لاختلاف الأغراض باختلاف الزوجين.

فحينئذ وجب التعيين حتى يرد الايجاب و القبول في النكاح على امر واحد، اي على زوجة معينة، و زوج معين.

40

فلا بد من التعيين، و توارد (1) الايجاب و القبول على امر واحد.

و لأن (2) معنى قوله: بعتك كذا بكذا رضاه بكونه مشتريا للمال المبيع، و المشتري يطلق على المالك، و وكيله (3)

و معنى قولها: زوجتك نفسي رضاها بكونه زوجا، و الزوج لا يطلق على الوكيل انتهى.

و يرد (4) على الوجه الاول من وجهي الفرق أن كون الزوجين كالعوضين إنما يصلح وجها لوجوب التعيين في النكاح، لا لعدم وجوبه في البيع.

مع (5) أن الظاهر أن ما ذكرناه: من الوقف و اخوته كالنكاح في عدم جواز قصد القابل القبول فيها على وجه النيابة، أو الفضولي فلا بد من وجه مطرد في الكل.

____________

(1) بالجر عطفا على مجرور (من الجارة) في قوله: فلا بد من التعيين

(2) هذا هو الجواب الثاني عن التوهم المذكور.

و قد ذكر الشيخ الجواب في المنن فلا نعيده.

(3) اى و يطلق المشتري على وكيل المالك حقيقة كاطلاقه على نفس المالك حقيقة.

(4) من هنا يروم الشيخ أن يرد الوجه الاول: و هو أن الزوجين في النكاح كالعوضين في سائر العقود.

و خلاصته: أن الدليل الأول إنما يصلح دليلا لوجوب تعيين الزوجين في النكاح فقط، و لا يصلح دليلا لعدم وجوب التعيين في البيع، و بقية العقود بعبارة اخرى أن اثبات الشيء لا ينفي ما عداه.

(5) هذا إشكال آخر على الدليل الاول للفرق بين البيع و النكاح

41

و على الوجه (1) الثاني أن معنى بعتك في لغة العرب كما نص عليه فخر المحققين و غيره هو ملكتك بعوض، و معناه جعل المخاطب مالكا

و من المعلوم أن المالك لا يصدق على الولي و الوكيل و الفضولي (2)

[الأولى في الفرق بين النكاح و البيع]

فالأولى في الفرق ما ذكرناه: من أن الغالب في البيع و الاجارة هو قصد المخاطب، لا من حيث هو، بل بالاعتبار الأعم من كونه أصالة أو عن الغير (3)

و لا ينافي (4) ذلك عدم سماع قول المشتري في دعوى كونه غير اصيل

____________

و خلاصته: أن الدليل الذي ذكره المستدل يخص النكاح فقط، و لا يشمل بقية أخواته: من الوقف الخاص، و الهبة، و الوكالة و الوصية، مع أن هذه كالنكاح في وجوب التعيين، و أنها لا تقبل الوكالة فلا يجوز قصد القابل القبول فيها على وجه النيابة، أو الفضولي.

فما ذكر دليلا للفرق بين البيع و النكاح لا يكون مطردا في أخواته فلا بد من الاتيان بدليل يكون مطردا في الكل.

(1) اى و يرد على الوجه الثاني لبيان الفرق بين البيع و النكاح.

هذا إشكال من الشيخ على الدليل الثاني للفرق. و قد ذكره في المتن فلا نعيده.

(2) لصحة سلب معنى المالكية عن الولي، و الوكيل، و الفضولي فيقال: إنهم ليسوا مالكين.

(3) كالمالك الجعلي، و المأذون، و الولي.

(4) دفع وهم.

حاصل الوهم: أنه اذا كان الغالب في البيع و الاجارة هو قصد المخاطب بالمعنى الأعم، لا من حيث هو هو كما عرفت في الهامش 1 ص 36

42

فتأمل (1)

بخلاف النكاح، و ما اشبهه (2)، فإن الغالب قصد المتكلم للمخاطب من حيث إنه ركن للعقد (3)

بل ربما (4) يستشكل في صحة أن يراد من القرينة المخاطب من حيث قيامه مقام الاصل كما لو قال: زوجتك مريدا له باعتبار كونه وكيلا عن الزوج.

و كذا قوله: وقفت عليك، و اوصيت لك؛ و وكلتك.

____________

فلما ذا لا يسمع الى قول المشتري لو ادعى أنه ليس اصيلا في الشراء

مع أن دعواه لا بدّ أن تكون مسموعة حسب تقريركم؟

فاجاب الشيخ عن هذا التوهم: أنه لا منافاة بين كون الغالب في البيع و الاجارة هو قصد المخاطب بالمعنى الأعم، لا من حيث هو هو.

و بين عدم سماع قول المشتري عدم الشراء لنفسه أصالة.

و وجه عدم المنافاة: هو أن الظاهر من قول المشتري: اشتريت، أو قبلت، أو تملكت هو إسناد الشراء لنفسه، لا للغير، فلو ادعى عكس ذلك حينئذ لا تسمع، لكونها خلاف الظاهر.

(1) اشارة الى ما ذكرناه: من عدم وجه المنافاة.

(2) من الوقف الخاص، و الوصية و الهبة، و الوكالة.

(3) اى لا بمعناه الأعم، بل من حيث هو هو.

(4) هذا ترق من الشيخ عما افاده: من أن الغالب في النكاح و ما اشبهه:

من الوقف و الوصية، و الهبة، و الوكالة هو قصد المتكلم المخاطب من حيث إنه ركن للعقد.

43

و لعل (1) الوجه عدم تعارف صدق هذه العنوانات على الوكيل فيها، فلا يقال للوكيل: الزوج، و لا (2): الموقوف عليه، و لا: الموصى له (3) و لا الموكل (4)

بخلاف البائع و المستأجر (5) فتأمل (6)

____________

و خلاصته: أنه لربما يستشكل في صدق عنوان الزوج على الوكيل و لو مجازا، و أن العرف لا يطلق اسم الزوج على الوكيل اصلا حتى مجازا فلا مجال للقول بأن الغالب في النكاح، و ما أشبهه.

بل لا بدّ من القول بعدم وجود استعمال الزوج في الوكيل أبدا حتى في مورد واحد و لو مجازا.

(1) اى و لعل السر في عدم اطلاق الزوج على الوكيل، و على ما ذكر من الوقف، و الوصية، و الوكالة.

(2) اى و لا يقال للوكيل: الموقوف عليه.

(3) اى و لا يقال للوكيل: الموصى له.

(4) اى و لا يقال للوكيل: الموكل.

(5) فإنه يطلق الوكيل عليهما فيقال: إنهما وكيلان عن المالك.

(6) لما افاد الشيخ في الفرق بين البيع و الاجارة، و بين النكاح:

بان المتكلم لا يقصد من المخاطب في البيع و الاجارة مخاطبا خاصا من حيث هو هو، بل يقصد منه الأعم فلذا يصح اطلاق الوكيل عليهما.

بخلاف النكاح، حيث إن المتكلم يقصد من المخاطب مخاطبا خاصا لأن الزوجين فيه ركنان ركينان فلا يصح اطلاق الوكيل عليهما.

فقال: فالأولى في الفرق.

ثم افاد أن السر و العلة في ذلك هو عدم تعارف صدق عنوان الزوجية و الوصية، و الوكالة، و الوقف الخاص على الوكيل.

44

حتى لا يتوهم رجوعه (1) الى ما ذكرناه سابقا (2) و اعترضنا عليه (3)

____________

و تعارف صدق الوكيل على البائع و المستأجر بقوله في ص 43: و لعل الوجه عدم تعارف: توهم أن هذا الفرق هو الفرق الذي ذكره القيل بقوله في ص 39: و قد يقال في الفرق بين البيع.

فمرجع ما ذكره الشيخ من الفرق الى ذلك الفرق بعينه، فلما ذا رد على الفرق المذكور بقوله في ص 40: و يرد على الوجه الاول، و في ص 41 و على الوجه الثاني؟

فدفعا لهذا التوهم افاد أن تعارف صدق الوكيل على البائع و المستأجر و اطلاقه عليهما ليس من باب الحقيقة كما افاده القيل، حيث اراد من اطلاق الوكيل عليهما اطلاقا حقيقيا كما في قوله في ص 40: و المشتري يطلق على المالك و وكيله.

بل اطلاقه عليهما بنحو المجاز

فاذا لا يكون مرجع ما ذكره الشيخ من الفرق الى الفرق الذي ذكره القيل، و ثبت أن إشكال الشيخ وارد على الوجه الثاني من وجهي القيل المنقول في ص 40 بقوله: و لان معنى قوله: بعتك.

(1) اى رجوع الفرق الذي ذكره الشيخ الى الفرق الذي ذكره القيل كما عرفت آنفا.

(2) و هو الفرق الذي ذكره القيل كما عرفته آنفا.

(3) اى على ما ذكرناه سابقا: و هو الفرق الذي افاده القيل بقوله في ص 39: و قد يقال

فاعتراض الشيخ على ما ذكره القيل من الفرق في الوجه الاول المذكور في ص 39 بقوله: إن الزوجين في النكاح.

و في الوجه الثاني المذكور في ص 40 بقوله: و لأن معنى قوله: بعت: وارد لا محالة.

45

[مسألة: و من شرائط المتعاقدين الاختيار]

(مسألة): و من شرائط المتعاقدين الاختيار (1) و المراد به القصد الى وقوع مضمون العقد عن طيب النفس في مقابل الكراهة، و عدم طيب النفس، لا (2) الاختيار في مقابل الجبر.

[ما يدل على اشتراط الاختيار]

و يدل عليه (3) قبل الاجماع قوله تعالى: إلا أن تكون تجارة عن تراض (4)

و قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم)! لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه (5)

و قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم) في الخبر المتفق عليه بين المسلمين:

____________

(1) اشتراط الخيار إنما يكون لو كان الإكراه بغير حق.

و أما إذا كان بحق فلا يعتبر الاختيار في المتعاقدين كما في الاحتكار فإنه يصح بيع مال المحتكر بلا رضا منه لو أمر بذلك الحاكم الشرعي.

و كما في بيع الطعام على من هو مشرف على الهلاك لو اجبره الحاكم الشرعي، أو عدول المؤمنين، أو نفس المشتري، فإنه يصح بيعه و إن لم يكن راضيا.

و غير ذلك من الموارد المصرح بها في أبواب الفقه.

(2) اى و ليس معنى الاختيار ما يكون في مقابل الجبر كما في حركة المرتعش.

(3) اى على اعتبار الاختيار في المتعاقدين بالمعنى الذي فسرناه نحن

(4) و تجارة عن تراض إنما تصدق لو كان هناك اختيار، و طيب النفس من الطرفين.

و أما اذا كان هناك إكراه فمن أين تصدق و تجارة عن تراض؟

(5) مرت الإشارة الى الحديث في (المكاسب) من طبعتنا الحديثة الجزء 6. ص 180- 181. الهامش 5

فالحديث هذا يدل على لزوم الاختيار في المتعاقدين.

46

رفع، أو وضع عن امتي تسعة و أشياء، أو ستة (1) و منها ما اكرهوا عليه

____________

(1) راجع (وسائل الشيعة). الجزء 5. ص 345. الباب 30 الحديث 2. أليك نص الحديث.

محمد بن علي بن الحسين قال: قال النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم):

وضع عن امتي تسعة أشياء:

السهر، و الخطأ، و النسيان، و ما اكرهوا عليه، و ما لا يعلمون و ما لا يطيقون، و الطيرة، و الحسد، و التفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق الانسان بشفة.

فالحديث هذا يدل على لزوم الاختيار في المتعاقدين.

و لما انجر بنا البحث الى حديث الرفع المشتهر بين أعلام الطائفة و حملة الحديث، و الّذي اصبح من الصحاح، و لذا يغنينا عن التكلم عن سنده:

رأينا من المناسب، بل من اللازم اشارة اجمالية الى جوانب من فقه الحديث ليكون القارئ النبيل محيطا بها، خبيرا بالمعنيّ من الرفع.

فنذكر هنا بحوله و قوته على سبيل الاختصار ما استفدناه من مجلس درس (سيدنا الاستاذ المرحوم السيد البجنوردي) (قدس اللّه نفسه) عند ما كنا نحضر بحثه الشريف في (الجامع الطوسي) قبل تجديد بنائه.

أليك خلاصة ما افاضه علينا طيب اللّه رمسه في طي امور

(الامر الاول): الفرق بين الرفع و الدفع:

اعلم أن الرفع يستعمل عرفا في إزالة شيء موجود مع وجود المقتضي لبقائه.

و الدفع يستعمل عرفا في شيء لم يوجد بعد، مع وجود المقتضي لوجوده و يفترقان في مورد آخر: و هو أن الرفع لا يرد إلا في مورد اثّر المقتضي

47

..........

____________

بالكسر اثره فصار المقتضي بالفتح موجودا.

بخلاف الدفع، حيث إنه يرد بعد وجود المقتضى بالكسر و لم يوجد المقتضى بالفتح بعد.

و إن شئت قلت: الرفع مانع عن تأثير المقتضي بقاء، و الدفع مانع عن تأثيره حدوثا.

فالحاصل أن مفهوم الرفع عرفا هو ازالة الموجود مع وجود المقتضي لبقائه فهو ظاهر فيما له سبق وجود

و مفهوم الدفع عرفا هو منع تأثير المقتضي في وجود الشيء فهو ظاهر فيما ليس له سبق وجود.

(الامر الثاني): إن المراد من الرفع في هذه الامور التسعة المذكورة في الحديث الشريف هو الرفع التشريعي:

بمعنى أنه إنشاء لرفع هذه الامور في عالم الاعتبار التشريعي باعتبار آثارها الشرعية المترتبة على موضوعاتها في مواردها.

فالرفع التشريعي ليس إخبارا عن ارتفاع الشيء كي يكون كذبا ليحتاج الى التقدير، صونا لكلام الحكيم عن الكذب و اللغوية.

و بعبارة اخرى لسنا نقول: إن الرفع التشريعي يتعلق بنفس المذكورات فإن المذكورات في حديث الرفع غير (ما لا يعلمون) لا تقبل الرفع التشريعي لأنها من الامور التكوينية الخارجية فلا يكون رفعها إلا برفع أسبابها و عللها.

بل رفعها تشريعا إنما هو برفع آثارها الشرعية.

ثم إن ذلك الشيء هل هو خصوص المؤاخذة في الجميع كما أفيد؟

أو جميع الآثار كما قيل؟

48

..........

____________

أو الاثر الظاهر في كل واحد منها كما افاده (شيخنا الانصاري) (قدس سره)؟

خذ لذلك مثالا:

نهي المصلي عن التكلم بكلام الآدميين في الصلاة، و أنه مبطل لها عمدا

فاذا تكلم به نسيانا فلا يترتب عليه ذلك الاثر الشرعي الذي هو البطلان.

فالنسيان يرفع ذاك الاثر، و ليس معنى الرفع تشريعا سوى هذا.

و هكذا في بقية الامور الواردة في الحديث الشريف: من الاضطرار و الإكراه، و غيرها، فإنه لو صدر من المكلف في حالة الاضطرار، أو الإكراه شيء فلا يترتب على تلك الحالة الاثر الشرعي الذي كان يترتب على حالة الاختيار، و عدم الاضطرار: من الأحكام التكليفية و الوضعية.

فالخلاصة أن الرفع منزل منزلة العدم في عالم التشريع كما في قول الفقهاء: (لا شك لكثير الشك) المتصيد من الروايات: بمعنى أن شك كثير الشك في عالم الاعتبار التشريعي نازل منزلة العدم فشكه غير مؤثر فلا يترتب على شكه ما يترتب على غير كثير الشك: من أحكام الشك اذا كان في تشريع الرفع امتنان على العباد.

(الامر الثالث): أن المراد من رفع الآثار بحديث الرفع هي الآثار التي تعرض على موضوعاتهما، من دون أن تكون مقيدة بوجود احد هذه العناوين، و لا مقيدة بعدم احد هذه العناوين، لأنه اذا قيدت بالوجود يلزم أن لا يرتفع ذلك الاثر عند وجود احد هذه العناوين، اذ الموضوع للاثر مستدع لوضعه، و لا يمكن أن يكون موجها لرفعه، للزومه الخلف

49

..........

____________

كما في كفارة قتل الخطأ، و وجوب سجدتي السهو في موارد الزيادة أو النقيصة نسيانا، فإن سجدتي السهو إنما جاءتا من ناحية النقيصة، أو الزيادة التي سببها السهو و النسيان فلا يمكن رفعهما بحديث الرفع، لأن موضوعهما نفس النسيان و السهو.

و كذا كفارة الخطأ فإنما جاءت من قبل قتل الخطأ فلا يمكن رفعها بحديث الرفع، لأن موضوعها عدم العلم فكيف يعقل رفعها بحديث الرفع؟

و كذا لو كانت الآثار مقيدة بعدم احد هذه العناوين يكون ارتفاعها بارتفاع موضوعها، من غير احتياج الى التمسك بحديث الرفع في رفعها كما في كفارة إفطار شهر رمضان، فإنها مقيدة بالإفطار العمدي، فلو أكل نسيانا لم تتعلق بالآكل الكفارة، لارتفاع موضوعها و هو العمد، و لذا يبقى الآكل على صومه بعد الاكل كما ورد في الحديث.

أليك نص الحديث التاسع.

عن محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول:

من صام فنسي فاكل و شرب فلا يفطر من اجل أنه نسي، فإنما هو رزق رزقه اللّه تعالى فليتم صيامه.

راجع (وسائل الشيعة) الجزء 7. ص 34. الباب 9 كتاب الصوم.

و في المصدر أحاديث اخرى بهذا المضمون فراجع.

و كذلك القصاص، فإنه مقيد بالقتل العمدي فلو قتل شخص شخصا خطأ لم يتعلق به القصاص، لارتفاع موضوعه و هو العمد.

50

..........

____________

(الامر الرابع): أن حديث الرفع إنما شرّع لاجل الامتنان على الامة المسلمة، فهو إنما يجري اذا كان في رفعه منة على الأمة، فموضوعه هو ذاك لا غير.

و هذا امر معلوم لا كلام فيه.

و إنما الكلام في أنه هل هو مختص بالآثار التي يكون في وضعها خلاف المنة.

أو أنه يجري في مطلق ما يكون في رفع الآثار الامتنان على الأمة سواء أ كان في وضعها خلاف المنة أم لا.

ذهب (سيدنا الاستاذ) (قدس سره) الى أن الحديث مطلق من هذه الناحية، و أنه ظاهر في العموم و عدم، اختصاصه بما يكون في وضعه خلاف المنة.

ثم افاد بعدم وجود مبرر للشك في شموله لمطلق ما يكون في رفعها الامتنان كما افاد هذا المعنى استاذه المحقق (آغا ضياء الدين العراقي) (قدس سره). قائلا: بالاخذ بالقدر المتيقن.

و علق (سيدنا الاستاذ) (قدس سره) على مقالة استاذه المحقق ((قدس سره)) بأن الاخذ بالقدر المتيقن لا يبقي مجالا للاخذ بالإطلاق، اذ ما من مطلق إلا و له قدر متيقن بالنسبة الى حكمه.

اللهم إلا أن يكون القدر المتيقن في مقام التخاطب مانعا عن جريان الاطلاق، لعدم تمامية مقدمات الحكمة.

ثم استدرك (سيدنا الاستاذ) (قدس سره) و أفاد أن رفع التكليف امتنانا لو كان بالنسبة الى مكلف دون مكلف آخر فلا معنى لشمول الحديث لمثل هذا المورد، حيث عرفت أن حديث الرفع إنما شرّع لاجل الامتنان على الامة

51

..........

____________

المسلمة جمعاء، لا فردا دون فرد.

(الامر الخامس): أن حديث الرفع بالنسبة الى الأفعال الصادرة عن خطأ، أو نسيان، أو إكراه، أو اضطرار، أو عدم الطاقة حاكم على أدلة الأحكام الأولية بعناوينها الأولية، و تلك الأدلة محكومة

خذ لذلك مثالا:

إن الجلد الذي وضع حدا للزاني، أو قطع اليد الذي وضع حدا للسارق محكوم بحديث الرفع اذا وقع الزنا، أو السرقة بكره، أو نسيان أو اضطرار، أو خطأ، و حديث الرفع حاكم عليه.

و هذه الحاكمية و المحكومية تكونان بالحكومة الواقعية، كحكومة أدلة نفي الضرر و الحرج: في كونها حاكمة بالحكومة الواقعية، غير أن الحكومة الواقعية في دليل نفي الضرر و الحرج في جانب المحمول، أي أنهما يعرضان على نفس الأحكام الواقعية التي هي محمولات على أفعال المكلفين، أو على الأعيان الخارجية كالأحكام الوضعية التي تحمل على تلك الأعيان.

و في حديث الرفع بالنسبة الى الامور المذكورة في جانب عقد الوضع اى في جانب موضوعات الأحكام الشرعية التي هي عبارة عن أفعال المكلفين

نعم في حديث الرفع بالنسبة الى جملة (ما لا يعلمون) حكومة ظاهرية بالنسبة الى الأدلة الأولية، لأن موضوع ما لا يعلمون هو الجهل فعند ارتفاع الجهل، و انكشاف الواقع لا يأتي حديث الرفع.

(الامر السادس): اختلفت كلمات الأعلام في المرفوع بحديث الرفع هل هو جميع الآثار المترتبة على موضوعاتها، أو البعض؟

و قد عرفت في الامر الثاني أن المراد من الرفع هو الرفع التشريعي:

52

..........

____________

بمعنى أن الفعل الصادر في حالة الإكراه، أو الاضطرار، أو النسيان كالعدم في عالم الاعتبار التشريعي، أى لا تترتب عليه الآثار مثل ما تترتب على الفعل الصادر بغير هذه العناوين.

فهو في الواقع تنزيل الموجود منزلة المعدوم بالنسبة الى الآثار.

فالتنزيل تارة يكون بالنسبة الى وجود المنزل عليه.

و اخرى بالنسبة الى العدم.

(فالاول) عبارة عن جعل شيء منزلة شيء آخر من حيث الآثار

و يسمى هذا تنزيلا كتنزيل الطواف في البيت صلاة حقيقة في قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم): (الطواف في البيت صلاة).

(و الثاني) عبارة عن جعل وجود شيء منزلة عدمه من حيث الآثار و يسمى هذا رفعا كما فيما نحن فيه كقول الفقهاء: (لا شك لكثير الشك)

و قد عرفت أن حديث الرفع إنما شرّع للامتنان على الامة المسلمة فعليه لا بدّ أن يكون الرفع بالنسبة الى الآثار التي في رفعها امتنان على العباد

و كذلك لا بدّ أن يكون الرفع بالنسبة الى الآثار الشرعية التي رفعها و وضعها بيد الشارع، لا الى الآثار التكوينية التي ليس للشارع دخل في رفعها و وضعها.

افاد (سيدنا الاستاذ) (قدس سره) أن المراد من الرفع هو رفع كل أثر شرعي، سواء أ كان وضعيا أم تكليفيا، و لا اختصاص له بأثر دون آخر

(بعبارة اخرى) أن عروض احد العناوين الخمسة المذكورة موجبة و علة لارتفاع الحكم، سواء أ كان وضعيا أم تكليفيا عن معروضاتها اذا وجدت شرائط الرفع التي ذكرناها: من كون الرفع للامتنان، و كونه

53

..........

____________

قابلا للوضع و الرفع في عالم التشريع: بمعنى أن رفع الآثار، و وضعها بيد الشارع، لا من الآثار التكوينية، و عدم كون احد العناوين المذكورة في الحديث نفس موضوع الآثار، و عدم كون موضوع الآثار المرفوعة مقيدا بعدم العناوين المذكورة في الحديث.

فالحاصل أن الاثر، أو الآثار كلها مرفوعة عن صفحة التشريع باعتبار ارتفاع موضوعها في عالم التشريع، اذ لا يعقل وجود الحكم مع ارتفاع وجود الموضوع، لأنه اذا ارتفع الموضوع ارتفع الحكم لا محالة و اذا ارتفع الموضوع ارتفعت آثاره و أحكامه فهما كالعلة و المعلول.

(الامر السابع): أن الاثر لو كان مترتبا على وجود شيء، سواء أ كان الاثر من الأحكام الوضعية أم من الأحكام التكليفية، و قد ترك المكلف ذلك الشيء باحد من الامور الخمسة المذكورة: الاضطرار أو الإكراه، أو النسيان، أو الخطأ، أو لا يطيق عدم تركه: فلا مجال حينئذ لحديث الرفع، لأن تركه لا تترتب عليه آثار الوجود، لأن رفع المعدوم لا يمكن إلا بالوضع و الجعل.

و من الواضح أن حديث الرفع لا يتكفل الوضع، لأن مفاده الرفع فهو في مقام تنزيل الموجود منزلة المعدوم؛ لا تنزيل المعدوم منزلة الموجود

و قد عرفت أن صريح حديث الرفع رفع الشيء عن صفحة التشريع لا وضعه فيه.

و من هنا يعلم أنه لا يمكن تصحيح العبادة الفاقدة لبعض الأجزاء و الشرائط لنسيان، أو إكراه بحديث الرفع، لعدم وجود معنى لورود الرفع على السورة المنسية في الصلاة مثلا، لخلو صفحة الوجود عنها، فلا بد

54

..........

____________

من فحص دليل آخر كوجود قاعدة لا تعاد إلا في الأركان الخمسة في باب الصلاة، و غيرها من القواعد الفقهية.

(الامر الثامن): افاد بعض الأعلام أن المقصود من كلمة (ما الموصولة) في قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم): رفع عن امتي تسعة (و ما لا يعلمون) هو الموضوع المشتبه.

كما أن المراد من بقية الفقرات الموجودة في الحديث هو الموضوعات الخارجية أيضا، لبداهة عروض هذه العناوين على الأفعال الخارجية لا على الأحكام الشرعية.

فبقرينة وحدة السياق لا بدّ أن يراد من الجهل فيما لا يعلمون هو الجهل بالأفعال الخارجية، و عدم العلم بأنها من الأفعال المباحة كشرب الخل أو من الأفعال المحرمة كشرب الخمر.

اذا عرفت ذلك فاعلم أن حديث الرفع لا يشمل الشبهات الحكمية لأنها محل الخلاف.

و بعبارة أوضح: أنه لا يمكن أن يكون المراد من كلمة (ما الموصولة) في ما لا يعلمون الحكم و الموضوع جميعا، لأن إسناد الرفع الى الحكم إسناد الى ما هو له، و إسناده الى الموضوع إسناد الى غير ما هو له، اذ الغاية من رفع الموضوع رفع حكمه، لا رفع نفسه، فلا يمكن الجمع بين الإسنادين في استعمال واحد.

فحينئذ يدور الامر بين الاخذ بظهور وحدة السياق حتى يكون المراد من كلمة (ما الموصولة) خصوص الموضوع.

و بين الاخذ بظهور كون الإسناد الى ما هو له حتى يكون المراد