كتاب النكاح

- الشيخ مرتضى الأنصاري المزيد...
491 /
7

[المقدمة]

[كلمة الأمين العام لمؤتمر الشيخ الأنصاري]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّٰه ربّ العالمين و الصلاة و السّلام على خير خلقه محمّد و آله الطيبين الطاهرين.

لم تكن الثورة الإسلاميّة بقيادة الإمام الخميني (رضوان اللّٰه عليه) حدثا سياسيّا تتحدّد آثاره التغييريّة بحدود الأوضاع السياسيّة إقليميّة أو عالميّة، بل كانت و بفعل التغييرات الجذريّة التي أعقبتها في القيم و البنى الحضاريّة التي شيّد عليها صرح الحياة الإنسانيّة في عصرها الجديد حدثا حضاريّا إنسانيّا شاملا حمل إلى الإنسان المعاصر رسالة الحياة الحرّة الكريمة التي بشّر بها الأنبياء عليهم الصلاة و السلام على مدى التاريخ و فتح أمام تطلّعات الإنسان الحاضر أفقا باسما بالنور و الحياة، و الخير و العطاء.

و كان من أولي نتائج هذا التحوّل الحضاري الثورة الثقافيّة الشاملة التي شهدها مهد الثورة الإسلاميّة إيران و التي دفعت بالمسلم الإيراني إلى اقتحام ميادين الثقافة و العلوم بشتّى فروعها، و جعلت من إيران، و من قم المقدّسة بوجه خاصّ عاصمة للفكر الإسلامي و قلبا نابضا بثقافة القرآن و علوم الإسلام.

8

و لقد كانت تعاليم الإمام الراحل (رضوان اللّٰه تعالى عليه) و وصاياه و كذا توجيهات قائد الثورة الإسلاميّة و وليّ أمر المسلمين آية اللّٰه الخامنئي المصدر الأوّل الذي تستلهم الثورة الثقافيّة منه دستورها و منهجها، و لقد كانت الثقافة الإسلاميّة بالذات على رأس اهتمامات الإمام الراحل (رضوان اللّٰه عليه) و قد أولاها سماحة آية اللّٰه الخامنئي حفظه اللّٰه تعالى رعايته الخاصّة، فكان من نتائج ذاك التوجيه و هذه الرّعاية ظهور آفاق جديدة من التطوّر في مناهج الدراسات الإسلاميّة بل و مضامينها، و انبثاق مشاريع و طروح تغييريّة تتّجه إلى تنمية و تطوير العلوم الإسلاميّة و مناهجها بما يناسب مرحلة الثورة الإسلاميّة و حاجات الإنسان الحاضر و تطلّعاته.

و بما أنّ العلوم الإسلاميّة حصيلة الجهود التي بذلها عباقرة الفكر الإسلاميّ في مجال فهم القرآن الكريم و السنّة الشريفة فقد كان من أهمّ ما تتطلّبه عمليّة التطوير العلمي في الدراسات الإسلاميّة تسليط الأضواء على حصائل آراء العباقرة و النوابغ الأوّلين الذين تصدّروا حركة البناء العلمي لصرح الثقافة الإسلاميّة، و القيام بمحاولة جادّة و جديدة لعرض آرائهم و أفكارهم على طاولة البحث العلمي و النقد الموضوعي، و دعوة أصحاب الرأي و الفكر المعاصرين إلى دراسة جديدة و شاملة لتراث السلف الصالح من بناة الصرح الشامخ للعلوم و الدراسات الإسلاميّة و روّاد الفكر الإسلاميّ و عباقرته.

و بما أنّ الإمام المجدّد الشيخ الأعظم الأنصاري (قدّس اللّٰه نفسه) يعتبر الرائد الأوّل للتجديد العلمي في العصر الأخير في مجالي الفقه و الأصول- و هما من أهمّ فروع الدراسات الإسلاميّة- فقد اضطلعت الأمانة العامّة لمؤتمر الشيخ الأعظم الأنصاري- بتوجيه من سماحة قائد الثورة الإسلاميّة

9

آية اللّٰه الخامنئي و رعايته- بمشروع إحياء الذكرى المائويّة الثانية لميلاد الشيخ الأعظم الأنصاري (قدّس سرّه) و ليتمّ من خلال هذا المشروع عرض مدرسة الشيخ الأنصاري الفكريّة في شتّى أبعادها و على الخصوص إبداعات هذه المدرسة و إنتاجاتها المتميّزة التي جعلت منها المدرسة الأمّ لما تلتها من مدارس فكريّة كمدرسة الميرزا الشيرازي و الآخوند الخراساني و المحقّق النائيني و المحقّق العراقي و المحقّق الأصفهاني و غيرهم من زعماء المدارس الفكريّة الحديثة على صعيد الفقه الإسلامي و أصوله.

و تمهيدا لهذا المشروع فقد ارتأت الأمانة العامّة أن تقوم لجنة مختصّة من فضلاء الحوزة العلميّة بقم المقدّسة بمهمّة إحياء تراث الشيخ الأنصاري و تحقيق تركته العلميّة و إخراجها بالاسلوب العلمي اللّائق و عرضها لروّاد الفكر الإسلاميّ و المكتبة الإسلاميّة بالطريقة التي تسهّل للباحثين الاطّلاع على فكر الشيخ الأنصاري و نتاجه العلمي العظيم.

و الأمانة العامّة لمؤتمر الشيخ الأنصاري إذ تشكر اللّٰه سبحانه و تعالى على هذا التوفيق تبتهل إليه في أن يديم ظلّ قائد الثورة الإسلاميّة و يحفظه للإسلام ناصرا و للمسلمين رائدا و قائدا و أن يتقبّل من العاملين في لجنة التحقيق جهدهم العظيم في سبيل إحياء تراث الشيخ الأعظم الأنصاري و أن يمنّ عليهم بأضعاف من الأجر و الثواب.

أمين عام مؤتمر الشيخ الأعظم الأنصاري محسن العراقي

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

[كلمة مسئول لجنة التحقيق]

بسم اللّٰه الرحمن الرحيم

الحمد للّٰه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين، و اللعنة على أعداء الدين.

أمّا بعد:

بين أيدينا كتاب النكاح، للشيخ الأعظم الأنصاري (قدّس سرّه)، و الكتاب يحتوي على رسائل ثلاث:

الاولى- في النكاح:

و هي تتضمّن البحث حول المقصدين الأوّل و الثاني من كتاب إرشاد الأذهان للعلّامة الحلّي (قدّس سرّه)، الأوّل منه يبحث حول أقسام النكاح: الدائم و المتعة و نكاح الإماء، و الثاني يبحث حول الصداق.

الثانية- الرضاع:

و هذه الرسالة لم تكن شرحا للإرشاد، بل هي رسالة مستقلّة، و لكنّا جعلناها بعد رسالة النكاح لتشغل قسما من المطلب الأوّل من المقصد الثالث، الذي يتضمّن البحث حول المحرّمات بالنسب و الرضاع.

12

الثالثة- المصاهرة:

اشتهرت هذه الرسالة برسالة المصاهرة في حين أنّها شرح للمواضيع التالية:

1- المطلب الثاني من المقصد الثالث، و هو يتضمّن البحث حول باقي أسباب التحريم، و هي: المصاهرة، و الكفر، و العقد و الوطء.

و لكن لم يكن بحثه حول الكفر و العقد و الوطء تامّا.

2- المقصد الرابع، و هو موجب الخيار الشامل للعيب و التدليس.

3- مسألة مستقلّة تتعلّق بالقسمة.

هذا و لم يبحث حول المقصد الخامس و هو لواحق النكاح، الذي يتضمّن أبحاث: القسمة، و النفقة، و أحكام الأولاد.

و بهذا تمكنّا أن نعرض هذه الرسائل الثلاث بشكل كتاب يشتمل على أغلب مباحث النكاح طبقا لإرشاد الأذهان، و المباحث التي بقيت من دون تعرّض لها هي:

المحرّمات بالنسب، و تتمّة في الباب الثالث- في أسباب التحريم- و المقصد الخامس في اللواحق، و هي القسمة و النفقة و أحكام الأولاد.

و هنا نرى من اللازم أن نشير إلى أمور:

الأوّل- أنّ الرسالة الثانية- كما أشرنا- اشتهرت باسم رسالة المصاهرة في حين أنّ موضوع المصاهرة جزء من الرسالة، لأنّها تتضمّن مواضيع أخرى كما تقدّم.

الثاني- لم يتّضح لدينا هل أنّ الشيخ (قدّس سرّه) شرح جميع كتاب النكاح من الإرشاد لكنّه ضاع بعضه كما ربما يظهر ممّا هو موجود من النسخة

13

الأصلية حيث يشاهد فيها انقطاع فجائي في الأثناء؟ كما في نهاية الباب الثالث من المقصد الثالث، حيث يبحث فيه حول العقد و الوطء، و هما من أسباب التحريم.

و بعد إتمامه يترك البحث حول بعض الفروعات المذكورة تحت عنوان «تتمّة» و يشرح بعضها الآخر، فهنا نلمس بوضوح ضياع بعض الأوراق، أو أنّه كان متقصّدا في ذلك؟

الثالث- أنّ الشيخ (قدّس سرّه) قد كتب حول الرضاع حوالي ورقة واحدة- بخطّه- ثمّ أعرض عنه و كتب من جديد، و نحن أوردناهما معا رعاية للأمانة.

النسخ المعتمد عليها:

اعتمدنا في تحقيق الكتاب- الرسائل الثلاث- على النسخ التالية:

أوّلا- النسخة الأصلية- مخطوطة الشيخ (قدّس سرّه)-:

كان أكثر اعتمادنا على النسخة الأصلية التي توجد في مكتبة الإمام الرضا (عليه السلام) ضمن مجموعة تحتوي على الوصايا و القضاء و غيرهما برقم (11127)، حيث تبدأ رسالة النكاح من الورقة (36) حتى (83)، و الرضاع من (84) حتى (103)، و المصاهرة من (103) حتى (119).

و نحن بدورنا نشكر إدارة المكتبة لما بذلته من مساع حميدة في تحضير مصوّرات النسخ الخطّية و منها هذه النسخة.

و قد رمزنا لهذه النسخة برمز «ق».

و كانت لرسالة الرضاع نسخة خطّية أخرى في مكتبة الإمام

14

الرضا (عليه السلام) و لكن لم نعتمد عليها.

ثانيا- نسخة من المكاسب:

و النسخة الثانية التي اعتمدنا عليها هي نسخة من المكاسب مطبوعة عام (1305) و هي تتضمّن سوى المكاسب رسائل اخرى للشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)، منها هذه الرسائل الثلاث.

و قد رمزنا لهذه النسخة برمز «ع».

ثالثا- نسخة ثانية من المكاسب:

و هي المطبوعة عام (1325) في أصفهان منضمّة معها الرسائل المتقدّمة.

و رمزنا لهذه النسخة برمز «ص».

رابعا- نسخة ثالثة من المكاسب:

و هي المطبوعة عام (1375) في تبريز مع شرح الشهيدي و قد استفيد منها في رسالتي الرضاع و المصاهرة حيث طبعتا ملحقتين بها.

و رمزنا لها برمز «ش».

شكر و تقدير:

و في الختام نشكر جميع الإخوة الذين بذلوا جهودا متواصلة في إحياء هذا الأثر القيّم، و نخصّ منهم بالذكر، أصحاب السماحة حجج الإسلام و المسلمين:

الشيخ محمّد الحسّون الذي اشترك في تحقيق رسالتي النكاح و الرضاع، و الشيخ رحمة اللّٰه الرحمتي الذي حقّق رسالة المصاهرة و اشترك في تحقيق

15

رسالة الرضاع و قام بمراجعتها، و السيّد علي الموسوي الذي اشترك في تحقيق رسالة النكاح و قام بمراجعتها، و السيّد منذر الحكيم الذي قام بتنظيم العناوين الجانبيّة للكتاب، و السيّد محمّد جواد الجلالي الذي قام بملاحظة الصيغة النهائية للكتاب، و السيّد هادي العظيمي الذي قام بتنظيم الفهارس الفنّية للكتاب.

هذا و نسأل اللّٰه تعالى لنا و لكلّ المساهمين في إحياء فقه أهل البيت (عليهم السلام) التوفيق، إنّه قريب مجيب.

مسئول لجنة التحقيق محمّد علي الأنصاري

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

24

بسم اللّٰه الرحمن الرحيم

الحمد للّٰه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين، و لعنة اللّٰه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

25

[شرح] كتاب النكاح [من الإرشاد]

و قد اختلف في أنّه حقيقة في الوطء، أو العقد، أو فيهما، أو مجاز فيهما على أقوال. و الظاهر: أنّ المراد من العقد- هنا- هو الحاصل من العقد لا نفس الإيجاب و القبول، و هو الذي يعبّر [عنه- في الفارسية-] (1):

ب«زن گرفتن» و ب«شوهر گرفتن»، يشهد بذلك ما ذكر أهل اللغة له من الاستعمالات (2).

و الكلام فيه في مقاصد خمسة:

____________

(1) ما بين المعقوفتين من «ع» و «ص»، و محلّه منخرم في «ق».

(2) انظر الصحاح 1: 413- مادة: «نكح».

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

المقصد الأوّل في أقسام النّكاح

28

و هي- على ما في الروايات (1)- ثلاثة:

نكاح بميراث و هو الدائم، و نكاح بلا ميراث و هو المنقطع، و نكاح بملك يمين.

____________

(1) الوسائل 14: 57، الباب 35 من أبواب مقدمات النكاح و آدابه.

29

القسم الأوّل في الدّائم

و الكلام فيه في مطالب

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

المطلب الأوّل في بيان حكمه و آدابه

اعلم أنّه يستحبّ النكاح استحبابا مؤكّدا خصوصا مع شدّة الطلب، و لا يختصّ بصورة الطلب، للعمومات، مثل قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم):

«تناكحوا تناسلوا» (1)، و قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): «ما استفاد مسلم فائدة بعد الإسلام أفضل من زوجة مسلمة، تسرّه إذا نظر إليها، و تطيعه إذا أمرها، و تحفظه إذا غاب عنها» (2)، و قوله (عليه السلام): «الركعتان يصلّيهما متزوّج أفضل من رجل أعزب يقوم ليله و يصوم نهاره» (3).

و من الأخيرين يظهر أفضلية النكاح من التفرّغ للعبادة.

و لو خاف أن يفضي تركه إلى الوقوع في الزنى و شبهه، كالنظر و اللّمس و غيرهما وجب مقدّمة لترك الحرام.

____________

(1) عوالي اللئالي 2: 261، و عنه مستدرك الوسائل 14: 153، الباب الأوّل من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 17، و تمامه: «أباهي بكم الأمم يوم القيامة».

(2) الوسائل 14: 23، الباب 9 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 10، بتفاوت يسير.

(3) الوسائل 14: 7، الباب 2 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 4.

32

و لا فرق بين العلم بإفضاء تركه إلى الحرام و بين الظنّ به، و في الشكّ تردّد، و في الوهم الظاهر العدم.

و أمّا آدابه المستحبّة فهي أمور:

منها: اختيار البكر الولود العفيفة الكريمة الأصل كلّ ذلك بحكم الأخبار (1)، و شهادة الاعتبار. قيل: المراد بكرم الأصل: أن لا يكون أصلها (2) عن زنى (3)، و الحق بالزنى الحيض و نحوه. و قيل فيه غير ذلك (4)، و المرجع في أغلب أفراده هو العرف.

و منها: صلاة ركعتين، و الدعاء بعدهما، و ذلك بعد إرادة التزويج، كما يستفاد من الرواية (5)، قيل (6): و قبل تعيين الزوجة، كما يستفاد من الدعاء (7).

و منها: الإشهاد على المشهور، خلافا للعماني (8) و جماعة

____________

(1) الوسائل 14: 33، الباب 16 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث الأوّل، و 14: 14، الباب 6 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 2، و 14: 29، الباب 3 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 4.

(2) ليس في «ع»: أصلها.

(3) المسالك 1: 344.

(4) انظر الجواهر 29: 37.

(5) الوسائل 14: 79، الباب 53 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث الأوّل.

(6) نهاية المرام 1: 40.

(7) ورد نصّ الدعاء في الرواية المذكورة في الوسائل 14: 79، الباب 53 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث الأوّل.

(8) نقله عنه العلّامة في المختلف: 535.

33

من العامّة (1) فأوجبوه لمستند ضعيف لا يرفع به اليد عن الأصل.

و منها: الإعلان، و هو ضدّ الإسرار و أبلغ من الإشهاد، لأنّ الإشهاد لا ينافي الإسرار، و هو مستحبّ من غير خلاف يحكى هنا، و يدلّ عليه النبوي (2).

و الخطبة أمام العقد و الخطبة (3)، و أقلّها: حمد اللّٰه و الصلاة على محمد و آله (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم)، و أكملها: إضافة الشهادتين، و الوصيّة بتقوى اللّٰه، و الدعاء للزوجين.

و إيقاع العقد ليلا، للخبر عن الرضا (عليه السلام) (4).

و صلاة ركعتين عند الدخول، و الدعاء بالمأثور و أمر المرأة بذلك.

و وضع يده على ناصيتها و الدعاء بما في رواية أبي بصير (5).

و الدخول ليلا للخبر عن الصادق (عليه السلام) (6).

و التسمية عند الجماع لئلّا يشاركه الشيطان فيه.

و سؤال اللّٰه الولد الذكر السويّ.

____________

(1) انظر المغني 6: 450، و ليس في «ع» و «ص»: من العامّة.

(2) مستدرك الوسائل 14: 213، الباب 34 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 2، و فيه: «و لا نكاح في السرّ».

(3) ليس في «ع» و «ص»: و الخطبة.

(4) الوسائل 14: 62، الباب 37 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 2.

(5) الوسائل 14: 81، الباب 55 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 2.

(6) الوسائل 14: 62، الباب 37 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 2.

34

و الوليمة عند الزفاف و هو: إهداء العروس إلى زوجها، و ظاهر هذه العبارة ليلة الزفاف، لكن في الخبر: «زفّوا عرائسكم ليلا و أطعموا ضحى» (1) و لا يبعد أن يراد به ضحى تلك الليلة، فتكون الوليمة بعد الدخول.

و ما يستفاد من بعض الروايات (2) من الإطعام بعد العقد و قبل الدخول، فلعلّه على غير جهة الوليمة الموظّفة.

و كيف [كان] (3)، فقد حدّت (4) وقتها في الأخبار بيوم أو يومين (5).

و اعلم أنّه يجوز أكل ما ينثر في الأعراس كما يجوز [أصل النثار و نحوه ممّا هو مقصود] (6) للعقلاء في هذه المقامات، فيخرج بذلك عن الإسراف و إضاعة المال، لكن [ينبغي] (7) جواز الأكل مع العلم برضى المالك بالأكل، و المراد ما يعمّ الظنّ الذي يطمئنّ إليه (8) العقلاء في أمثال المقام من دلالة الألفاظ و غيرها (9) سواء حصل بشاهد الحال أو بالإباحة القوليّة.

____________

(1) و هو الخبر المشار إليه في الصفحة المتقدّمة، الهامش 4.

(2) الوسائل 14: 64، الباب 40 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث الأوّل.

(3) من «ع» و «ص»، و ليس في «ق».

(4) كذا في «ق»، و الأنسب: حدّ.

(5) الوسائل 14: 64، الباب 40 من أبواب مقدّمات النكاح.

(6) ما بين المعقوفتين من «ع» و «ص»، و محلّه منخرم في «ق».

(7) من «ع» و «ص»، و محله منخرم في «ق».

(8) في «ع» و «ص»: به.

(9) ليس في «ع» و «ص»: من دلالة الألفاظ و غيرها.

35

و حيث جاز (1) الأكل لا يجوز الأخذ إلّا مع العلم كذلك، و حيث جاز فهل يملك المأخوذ بالأخذ، أم لا؟ قولان:

نسب إلى المشهور الأوّل (2)، لأنّه مال أعرض عنه صاحبه فيجوز تملّكه، كسائر ما يعرض عنه و يلحق بالمباحات الأصليّة، و لأنّ مالكه مسلّط على ملكه فله إباحة تملّكه لغيره، و قد صدر منه ذلك بحكم ما يستفاد من النثار عرفا و عادة، فيجوز للآخذ تملّكه بالأخذ، و يكشف عن ذلك السيرة الجارية بين الناس في معاملتهم للمأخوذ معاملة الأملاك، و تعاطيهم إيّاه على هذا الوجه.

و يمكن الجواب، أمّا عن الإعراض فبأنّ الإعراض- الملحق للمعرض [عنه] (3) بالمباحات- هو ما قصد الإعراض عنه أوّلا و بالذات من غير تعلّق القصد أوّلا بأخذ الغير له، لا ما كان المقصود منه بالذات تصرّف الغير فيه و أخذ الغير له و استلزمه (4) الإعراض عنه (5)، و إلّا فهذا الإعراض ثابت في جميع الإباحات حتّى في المعاطاة، مع أنّ أحدا لم يستدلّ على حصول الملك فيها بإعراض المالك عن العين، و صيرورتها كالمباحات الأصليّة.

و الحاصل، أنّ الإعراض قد يحصل قصدا و بالذات، و قد يحصل في

____________

(1) من هنا إلى قوله: «فهل ..» ليس في «ع» و «ص».

(2) لم نقف عليه.

(3) من «ع» و «ص».

(4) في «ص»: و استلزامه.

(5) ليس في «ع» و «ص»: عنه.

36

ضمن إرادة تصرّف الغير و أخذه و إتلافه، و الملحق بالمباحات الأصليّة هو الأوّل- مع تسليم وجود الدليل عليه عموما- لا الثاني المتحقّق فيما نحن فيه.

و أمّا عن الثاني فبأنّ (1) تملّك الأخذ إن كان ناشئا عن تمليك المالك، فلم يقع من المالك شيء يدلّ على التمليك، و النثار لا يستفاد منه إلّا الإذن في التصرّف، و إن كان ناشئا عن إباحة المالك لتملّكه- كما هو ظاهر كلام المستدلّ- ففيه: أنّ الكلام في خروج المال- بالنثار وحده أو مع الأخذ- عن ملك مالكه، و إلّا فمع الخروج لا يحتاج تملّك الآخذ إلى إباحة المالك ذلك له، بل بمجرّد الخروج يجوز تملّكه، لأنّه شيء لا ملك لأحد عليه.

و من هنا يظهر المنافاة [بين الكلامين، إذ لو صدر منه إباحة ملكه لغيره] (2) و حصل له لا يحتاج [بعده] (3) إلى إباحة التملّك (4)، بل له ذلك بإباحته العرفية، فيحصل الإعراض، بل حصل إباحة التملّك فهو في الحقيقة تمليك من المالك، فكيف يتملّك بالحيازة كالمباحات الأصليّة؟! و أمّا السيرة المدّعاة، فهي إنّما تدلّ على جواز التصرّف في المأخوذ تصرّف الملّاك في أملاكهم، و هذا لا يدلّ على تملّكه بالأخذ، فلعلّ الملك موقوف على موت الآخذ، أو التصرّف فيه تصرّفا متلفا أو كالمتلف كالبيع،

____________

(1) في «ع» و «ص»: فلأن.

(2) ما بين المعقوفتين من «ع» و «ص»، و محلّه منخرم في «ق».

(3) ليس في «ق»: بعده.

(4) في «ع» و «ص»: التمليك.

37

و يحكم بالملك قبل البيع آنا ما كما في شراء القريب المنعتق (1) على المشتري.

لكنّ الإنصاف، أنّ القول بالتملّك بالأخذ أقرب من هذه التكلّفات، و الدليل عليه هي السيرة الكاشفة عن أنّ النثار مفيد للتمليك (2)، و بناء الناثر على التمليك، دون مجرّد الإباحة.

و منه يظهر أنّ المنثور لا يخرج عن ملكه بمجرّد النثار، بل لا بدّ من الأخذ، فما لم يأخذه أحد فهو باق على ملك مالكه، فالنثار و الأخذ إيجاب و قبول فعليّان.

نعم، لو استندنا في تملّك الآخذ إلى إعراض المالك و صيرورة العين كالمباحات الأصلية- التي يجوز حيازتها لكلّ أحد- توجّه القول بخروج المنثور عن ملك المالك بمجرّد النثار، بل بمجرّد التوكيل فيه، لصدق الإعراض- حينئذ- أيضا. و لكنّك قد عرفت ضعف ذلك (3) الاستناد.

و هل يجوز الرجوع على (4) الآخذ بما أخذ- بناء على المختار من تملّكه- أم لا؟ وجهان:

من أصالة اللزوم في الملك، و من أنّ هذا التملّك (5) لا يزيد على المعاطاة بناء على إفادتها الملك، بل هي أولى باللزوم، من حيث إنّها معاوضة، و ما نحن فيه تبرّع محض، أو أشبه شيء بالهبة المجرّدة.

____________

(1) في «ص»: المعتق.

(2) في «ص»: للتملك.

(3) في «ع» و «ص»: هذا.

(4) في «ع» و «ص»: إلى.

(5) في «ق» ظاهرا: التمليك.

38

ثمّ إنّ المعتبر في التملّك هو الأخذ، و لو بأن يبسط حجره أو طرف ردائه أو يأخذ طبقا كبيرا، إلّا أن لا يرضى المالك بالأخذ بهذا النحو، و لا يكفي في الأخذ مجرّد وقوعه في يده أو حجره أو عمامته، بل لو أخذه- حينئذ (1)- غيره ملكه.

نعم، لو استندنا في التملّك إلى إعراض المالك، جاء الإشكال الآتي في مثل ما إذا تعشّش طائر في ملكه أو وقع صيد في شبكته بغير قصد، و لا يبعد الحكم بعدم التملّك في أمثال ذلك، و اللّٰه العالم بأحكامه.

و يجوز للرجل أن ينظر إلى وجه من يريد تزويجها و إلى كفّيها اتّفاقا على الظاهر المصرّح به (2)، لحسنة محمد بن مسلم- بإبراهيم ابن هاشم-، قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يريد أن يتزوّج المرأة أ ينظر إليها؟ قال: نعم، إنّما يشتريها بأغلى الثمن» (3).

و حسنة هشام و حمّاد و حفص (4): «عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال:

لا بأس بأن ينظر إلى وجهها و معاصمها إذا أراد أن يتزوّجها» (5).

و رواية الحسن بن السريّ، قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): الرجل يريد أن يتزوّج المرأة، يتأمّلها و ينظر إلى خلفها و إلى وجهها؟ قال: لا بأس بأن ينظر الرجل إلى المرأة إذا أراد أن يتزوّجها، ينظر إلى خلفها و إلى

____________

(1) ليس في «ع» و «ص»: حينئذ.

(2) صرّح بذلك الشهيد الثاني في المسالك 1: 347، و الفاضل في كشف اللثام 2: 8.

(3) الوسائل 14: 59، الباب 36 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث الأوّل.

(4) في «ص»: هشام بن سالم و حمّاد بن عثمان و حفص بن البختري.

(5) الوسائل 14: 59، الباب 36 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 2.

39

وجهها» (1).

ثمّ إنّ الحسنة الاولى، و إن كانت بإطلاقها مجوّزة للنظر إلى غير الوجه و الكفّين، إلّا أنّ المتبادر من النظر إلى المرأة بحكم [العرف] (2) هو النظر إلى الوجه و اليدين، لأنّهما (3) موقع النظر غالبا و غيرهما (4) مستور غالبا بالثياب، مضافا إلى أنّ تخصيص النظر- المجوّز في الحسنة الثانية- بالوجه و المعاصم ابتداء، لا يظهر له وجه إلّا اختصاصهما بجواز النظر، و إن لم نقل بمفهوم اللقب.

و أوضح من ذلك الرواية الثالثة، فإنّه (عليه السلام)- بعد أن قال: «ينظر إليها»- قال: «ينظر إلى خلفها و إلى وجهها».

فكان (5) هذا التقييد بعد الإطلاق لدفع توهّم إرادة الإطلاق المتوهّم بادئ النظر من الفقرة الاولى.

و المراد بالنظر إلى خلفها النظر إلى قامتها المستورة بالثياب من خلفها، و المراد بالمعاصم- في الحسنة .. (6).

و ممّا ذكر- من موهنات الإطلاق المتوهّم في حسنة محمد بن مسلم

____________

(1) الوسائل 14: 59، الباب 36 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 3.

(2) من «ع» و «ص».

(3) في «ق»: لأنّها.

(4) في «ق»: و غيرها.

(5) كذا في «ق» و مصححة «ع»، و في «ص»: و إن كان.

(6) كذا في النسخ، و في هامش «ص» ما يلي: كذا في تمام النسخ، و لا يخفى عدم تماميّة العبارة.

40

و نحوها (1) من المعتبرة المعتضدة بالتعليل المذكور فيها: «بأنّه يشتريها بأغلى الثمن»، المقتضي لجواز النظر حتّى يندفع الغرر- يظهر (2) ضعف ما قوّاه بعض متأخّري المتأخّرين من جواز النظر إلى جميع جسدها عدا العورة، تمسّكا بالإطلاق المذكور (3).

و أمّا التعليل المزبور، فالمراد أنّ إرادة تزويجه بالمهر (4) الغير الحقير- كما هو الغالب- تجوّز النظر إلى ما يندفع بالاطّلاع عليه معظم الغرر الحاصل من جهة حسن الخلقة و اللون و قبحهما. و لا يخفى أنّ ذلك يندفع بالنظر إلى الوجه و الكفّين، إذ يستدلّ بهما غالبا على حسن سائر الأعضاء و قبحها من حيث الخلقة و اللون المطلوبين فيهما.

و أمّا الحاصل من جهة العيوب العارضة فإنّه لا يندفع بملاحظة جميع الجسد ما عدا العورة أيضا، بل لا بدّ في اندفاعه من ملاحظة العورة أيضا، مع أنّ أحدا لم يقل به.

و الحاصل، أنّ ملاحظة الأخبار- [الواردة] (5) في المسألة- بالنظر الجليل (6) و إن كانت تؤدّي إلى الحكم بجواز النظر مطلقا، إلّا أنّ ملاحظتها

____________

(1) في «ع» و «ص»: و نحوه.

(2) في «ق»: و بما دلّ يظهر، و في «ع»: و يظهر.

(3) نصّ على ذلك في الجواهر 29: 66، لكن كونه مراد المؤلّف (قدّس سرّه) من عبارة «بعض متأخري المتأخرين» بعيد.

(4) في «ع» و «ص»: للمهر.

(5) من «ع» و «ص»، و محلّها منخرم في «ق».

(6) في «ع» و «ص»: الجلي.

41

بدقيق النظر لا تورث الجرأة على الخروج عمّا دلّ على حرمة النظر إلى الأجنبيّة.

بقي الكلام في أنّه إذا قلنا في المسألة الآتية (1): بجواز النظر إلى وجه الأجنبيّة و كفّيها و إن كانت ذات بعل، فما الفرق بين من يراد تزويجها و من لا يراد تزويجها؟

و يمكن الفرق بينهما- مضافا إلى أنّ النظر هنا غير مرجوح اتّفاقا، و في المسألة الآتية مرجوح اتّفاقا، كما يظهر من المسالك (2)-: بأنّ النظر إلى من يريد تزويجها إنّما هو لاختبارها (3) و أنّها حسنة خلقة و لونا تصلح لأن يزوّجها و يعاشرها و يقضي بها شهوته بالنظر و الملاعبة و المواقعة، أم لا؟

و النظر بهذا القصد لا يجوز فيمن لا يريد تزويجها، لعدم دلالة أدلّة الجواز- كما سيأتي (4)- على ذلك، بل النظر لهذا الداعي لا ينفك غالبا عن الريبة- بناء على أنّ المراد بها ما يخطر في البال من النظر- و لذا اشترط (5) في مسألتنا هذه في جواز النظر: أن لا يمنع من تزويجها مانع فعليّ مثل كونها ذات بعل أو معتدّة، و أن يكون المقصود بالنظر: الاختبار لا التلذّذ- نعم، لا بأس بحصول اللذّة بالنظر و إن علم بها قبله- و أن يحتمل أن يطّلع

____________

(1) و هي مسألة: «عدم جواز النظر إلى الأجنبية» الآتية في الصفحة: 44.

(2) المسالك 1: 347.

(3) في «ع» و «ص»: لاختيارها.

(4) انظر الصفحات: 47- 49 من هذا الكتاب.

(5) في «ص» و «ع»: اشترطنا.

42

بالنظر على ما لا يطّلع (1) عليه بدونه، لأنّه المتبادر من مساق الأخبار و تعليلها.

نعم، لا يشترط فقد من يخبره بأوصافه (2)، فإنّ المسموع ليس كالمبصر.

و لا يقتصر في النظر على مرّة واحدة، بل يجوز تكراره بشرط أن يحتمل أن يفيده الثاني ما لم يفده الأوّل، لإطلاق الأخبار المعتضدة بالتعليل الدالّ على أنّ الرخصة من جهة اندفاع معظم الغرر بلونها و خلقها، فيجوز إذا توقّف على تكرار النظر.

[و كذا مقتضى إطلاق الأخبار: جواز النظر و لو (3) من غير إذن منها] (4).

ثمّ إنّه هل يجوز للمرأة أن تنظر إلى من يريد التزوّج (5) أم لا؟

قولان، أقواهما: الأوّل كما صرّح به .. (6)، لما يستفاد من التعليل في أخبار المسألة، فإنّ الرجل إذا جاز له النظر لئلّا يضيع ماله الذي يعطيها

____________

(1) في «ع» و «ص»: ما لم يطلع.

(2) كذا في النسخ، و لعل تذكير الضمير باعتبار رجوعه إلى (من يريد تزويجها)، المتقدم في الصفحة: 38.

(3) ليس في «ق» و «ع»: و لو.

(4) كذا في «ع» و «ص»، و قد وردت العبارة في هامش «ق».

(5) في «ع» و «ص»: يريد تزويجها.

(6) من «ق»، و محل النقط منخرم بمقدار كلمتين، و لعلّهما: «العلامة (قدّس سرّه)»، انظر القواعد 2: 1.

43

على جهة الصداق و غيره، فلأن يجوز النظر (1) للمرأة لئلّا يضيع بضعها أولى، سيّما مع أنّ للرجل مناصا عن المرأة بالطلاق إذا لم يجدها على ما يريد بخلاف المرأة.

و بالجملة، حيث دلّت الأخبار على أنّ الرجل يشتري بأغلى الثمن (2) فيجوز له النظر استفيد منها أنّ المرأة- أيضا- تبيع نفسها و بضعها، و لا ريب أنّه أغلى مثمن.

و بذلك ظهر ضعف القول الآخر مستندا إلى عدم الدليل، فإنّه ناش عن عدم الدقّة في مفاد التعليل.

و كذا يجوز النظر إلى أمة يريد شراءها، و تحقيق ذلك في كتاب البيع.

و المشهور- كما في كلام جماعة (3)-: جواز النظر إلى نساء أهل الذمة، و شعورهنّ إذا كان النظر بغير ريبة أو قصد التلذّذ و مستند (4) المسألة ضعيف مجبور، و لضعفه طرحه الحلّي (5) و الفاضل في المختلف (6)- على ما حكي عنهما- و لانجباره أخذ به الآخرون (7).

____________

(1) ليس في «ع» و «ص»: النظر.

(2) راجع حسنة محمد بن مسلم المتقدّمة.

(3) منهم الشهيد الثاني في المسالك 1: 347، و المحدث البحراني في الحدائق 23: 58، و المحقق السبزواري في الكفاية: 153.

(4) الوسائل 14: 149، الباب 112 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث الأوّل.

(5) السرائر 2: 610.

(6) المختلف 2: 534.

(7) كالشيخ في النهاية: 484، و المفيد في المقنعة: 521، و المحقق في الشرائع 2: 269.

44

و يجوز للرجل أن ينظر إلى جسد مثله عدا العورة أو مع قصد التلذّذ، و أن ينظر إلى جسد الزوجة- ظاهرا و باطنا- متلذّذا، و يستوي في ذلك عورتها و غيرها، و في حكم الزوجة أمته الغير المزوّجة، أمّا المزوّجة: ففي كلام غير واحد أنّ المعروف بينهم أنّها كالأجنبيّة (1)، و كذا المكاتبة و المشتركة. أمّا المرهونة و المؤجرة: ففيهما كلام.

و يجوز أن ينظر إلى المحارم أيضا- و هي من يحرم عليه نكاحها دائما بنسب أو رضاع أو مصاهرة- عدا العورة.

و للزوجة كالزوج-: النظر إلى جسد الزوج و عورته تلذّذا، و إلى محارمها عدا العورة، لا مع قصد التلذّذ.

و اعلم أنّه لا خلاف في أنّه لا يجوز (2) النظر إلى الأجنبيّة مطلقا مع قصد التلذّذ أو الريبة، و لا في أنّه لا يجوز مطلقا في غير الوجه و الكفّين، و أمّا فيهما- مع عدم الوصفين- فاختلف فيه، فقيل بالجواز مطلقا على كراهيّة (3)، و قيل بالجواز مرّة لا أزيد (4)، و قيل: لا يجوز مطلقا إلّا للحاجة (5)، و هو الذي اختاره المصنّف (قدّس سرّه)- هنا- و بعض آخر (6)

____________

(1) كالمحقق السبزواري في الكفاية: 153، و المحقق البحراني في الحدائق 23: 61.

(2) في «ع» و «ص» زيادة: للمرء.

(3) ذهب إليه الشيخ في المبسوط 4: 160، و البحراني في الحدائق 23: 53.

(4) ذهب إليه المحقّق في الشرائع 2: 269.

(5) في «ص»: لحاجة.

(6) انظر كنز العرفان 2: 222.

45

تمسّكا بعموم ما دلّ على وجوب غضّ البصر (1)، و قوله تعالى وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ (2)، مؤيّدا بمفهوم الأخبار المتقدّمة في أنّه لا بأس بالنظر إلى وجه من يراد (3) تزويجها (4)، حيث اشترط في بعضها عدم البأس بصورة إرادة التزويج (5)، و بما دلّ على «أنّ النظر سهم من سهام إبليس» (6)، و «أنّ زنى العين النظر» (7)، و «أنّه ربّ نظرة أورثت حسرة يوم القيامة» (8)، و بمكاتبة الصفار: «قال: كتبت إلى أبي محمّد (عليه السلام) (9) في رجل أراد أن يشهد على امرأة ليس لها بمحرم، هل يجوز له أن يشهد عليها و هي من وراء الستر، و يسمع كلامها إذا شهد رجلان عدلان أنّها فلانة بنت فلان التي تشهدك و هذا كلامها، أو لا يجوز له الشهادة حتّى تبرز و يثبتها بعينها؟ فوقّع (عليه السلام):

تتنقّب و تظهر للشهود» (10).

و بجريان السيرة على منع النساء من أن يخرجن متكشفات.

و لأنّ النظر مظنّة الفتنة، فالأليق بمحاسن الشرع حسم الباب.

____________

(1) من قوله تعالى قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ .. النور: 30.

(2) النور: 31.

(3) ليس في «ع» و «ص»: من يراد.

(4) انظر الصفحة: 38 من هذا الكتاب.

(5) انظر الصفحة: 38 من هذا الكتاب.

(6) الوسائل 14: 138، الباب 104 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث الأوّل.

(7) نفس المصدر، الحديث الثاني، و فيه: فزنى العينين النظر.

(8) نفس المصدر، الحديث الأوّل، و فيه: و كم من نظرة أورثت حسرة طويلة.

(9) في المصدر: كتبت إلى الفقيه.

(10) الاستبصار 3: 19 الحديث 58.

46

و لأنّ [امرأة خثعمية جاءت إلى] (1) رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) في حجّة الوداع تستفتيه، و كان الفضل بن العبّاس رديف رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم)، فأخذ ينظر إليها و تنظر إليه، فصرف رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) وجه الفضل عنها، و قال: «رجل شابّ و امرأة شابّة أخاف أن يدخل الشيطان بينهما» (2).

هذه جملة ما وقفت عليه من أدلّة القول بالمنع (3).

و في الجميع نظر، أمّا في آية الغض (4) فلأنّها لا تفيد العموم.

و أمّا قوله لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ (5) فلتخصيصها بقوله إِلّٰا مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا (6)، و فسّر في الرواية- المحكية عن تفسير علي بن إبراهيم-:

ب«الثياب و الكحل و الخاتم و خضاب الكف و السوار» (7).

و في موثقة زرارة- لو لا القاسم بن عروة-: بالثاني و الثالث (8).

____________

(1) من «ع» و «ص»، و محله منخرم في «ق».

(2) لم نعثر عليه بعين العبارة في المصادر الحديثية، نعم روي ما يقرب منه في المستدرك عن بعض نسخ الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا (عليه السلام)، و ورد معناه في روايات العامة أيضا، انظر المستدرك 14: 269، الباب 81 من أبواب مقدّمات النكاح، و صحيح البخاري 5: 97.

(3) في «ع» و «ص»: أدلّة المنع.

(4) النور: 30.

(5) النور: 31.

(6) النور: 31.

(7) تفسير القمي 2: 101، و عنه مستدرك الوسائل 14: 275، الباب 85 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 3.

(8) الوسائل 14: 146، الباب 109 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 3.

47

و في رواية أبي بصير: بالخاتم و السوار (1).

و لا ريب أنّ إبداءهما مستلزم لإبداء الكفّين غالبا.

و في صحيحة الفضيل، قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الذراعين من المرأة، هما من الزينة التي قال اللّٰه وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا لِبُعُولَتِهِنَّ (2)؟ قال: نعم، و ما دون الخمار (3) من الزينة، و ما دون السوارين» (4).

و فيها دلالة ظاهرة على خروج الوجه و الكفين عن الزينة التي يحرم إبداؤها.

و أصرح منها: مرسلة مروك بن عبيد، لكن فيها زيادة: «القدمين» على «الوجه و الكفين» (5).

و لا تقدح (6)، لأنّ طرح بعض الرواية لدليل (7) لا يسقط باقيها عن درجة الاعتبار.

____________

(1) الوسائل 14: 146، الباب 109 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 4، إلّا أنّ فيه: الخاتم و المسكة و هي القلب.

(2) النور: 31.

(3) في هامش «ص» في هذا الموضع ما يلي: قوله: و ما دون الخمار .. إلخ قال الكاشاني: و ما دون الخمار، يعني ما يستره الخمار من الرأس و الرقبة، و هو ما عدا الوجه منهما، و ما دون السوارين يعني من اليدين، و هو ما عدا الكفين منهما.

(4) الوسائل 14: 145، الباب 109 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث الأوّل.

(5) الوسائل 14: 146، نفس الباب، الحديث 2.

(6) في «ق»: و لا يقدح.

(7) ليس في «ع» و «ص»: لدليل.

48

و في الكفاية عن قرب الإسناد عن الحميري، عن مسعدة (1) بن زياد، قال: «سمعت جعفرا (عليه السلام) (2)- و سئل عما تظهر المرأة من زينتها؟- قال:

الوجه و الكفّين» (3).

و فيها- أيضا- بسند لم يستبعد صحّته، عن عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل ما يصلح له أن ينظر [إليه] (4) من المرأة التي لا تحلّ له؟ قال: «الوجه و الكفّين (5)» (6).

إلى غير ذلك من الأخبار التي يقف عليها المتتبّع، منها: ما سيجيء في مسألة جواز النظر لمعالجة المريض (7).

و منها: ما سيجيء في جواز سماع صوتها (8).

و منها: ما دلّ على كراهة القنازع و القصة (9) و نقش الراحة بالخضاب

____________

(1) في «ع»: سعد.

(2) في النسخ زيادة: «يقول».

(3) كفاية الاحكام: 153- 154، قرب الإسناد: 82، الحديث 270، و عن الوسائل 14: 146، الباب 109 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 5.

(4) من المصدر.

(5) في قرب الإسناد: و الكفّ و موضع السوار.

(6) كفاية الاحكام: 153- 154، قرب الإسناد: 227، الحديث 890.

(7) الوسائل 14: 172، الباب 130 من أبواب مقدّمات النكاح، و سيجيء في الصفحة: 56.

(8) الوسائل 14: 143، الباب 106 من أبواب مقدّمات النكاح.

(9) في «ع» و «ص»: العقصة، و القصّة- بالضم و التشديد-: شعر الناصية، و الجمع قصص، (مجمع البحرين) 4: 180.

49

للمرأة، و أنّ نساء بني إسرائيل هلكن بهذه (1)، إذ لو وجب ستر الوجه و الكفّين كغيرها لم يكره تزيينها- كما لا يكره تزيين غيرها- كيف شاءت.

و منها: ما روي عن دخول جابر مع النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) على فاطمة (عليها السلام) فرأى وجهها أصفر من الجوع فدعا رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) فشبعت و عاد وجهها أحمر (2).

و أمّا فيما دلّ من أخبار المسألة السابقة (3) على اشتراط جواز النظر بإرادة التزويج ففيه (4)، أوّلا: أنّ سياق الشرط فيها ليس مفيدا للتعليق كما يظهر بالتأمّل فيها، مع أنّه لو سلم ثبوت المفهوم فقد عرفت أنّ الجواز هناك غير مشروط بما يشترط هنا من عدم قصد اختبار حسن المرأة خلقة و لونا و قبحها و قابليّتها للمعاشرة و المباشرة و عدمها، و لا شكّ أنّ النظر بهذا القصد معلّق على إرادة التزويج، مع أنّ الجواز هناك أريد به الإباحة [بالمعنى الأعم] (5)، و هو معلّق على إرادة التزويج.

هذا كلّه، مع أنّ في الأخبار التي ذكرناها كفاية في الخروج عن ظاهر المفهوم بحمل البأس في المفهوم على الكراهة، بل لعلّه ليس مخالفا للظاهر.

____________

(1) الوسائل 14: 134، الباب 100 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث الأوّل.

(2) الرواية منقولة بالمعنى، انظر الوسائل 14: 158، الباب 120 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 3.

(3) المتقدّمة في الصفحة: 38.

(4) كذا في النسخ.

(5) ما بين المعقوفتين من «ع» و «ص».

50

و أمّا فيما دلّ على أنّ «النظر سهم من سهام إبليس» (1)، فلأنّه ظاهر فيما كان عن شهوة كما لا يخفى، و كذا ما دلّ على أنّ «زنى العين النظر» (2)، و يشهد له (3) قوله (عليه السلام): «و زنا الفم القبلة» (4) فإنّها لا تكون إلّا عن شهوة.

و أمّا قوله: «ربّ نظرة أورثت حسرة» (5)، فلأنّه على وجه الإيجاب الجزئي، و لا يجدي في ما نحن فيه (6).

و أمّا في المكاتبة (7)، فلعدم دلالتها على وجوب التنقّب أوّلا، و احتمال كون الأمر بالتنقّب من جهة إباء المرأة عن التكشّف لكونها متستّرة مستحيية عن أن تبرز للرجال، فإنّ ذلك ممّا يشقّ على كثير من النساء، و إن كان جائزا، إذ ربّ جائز يشقّ من جهة الغيرة و المروّة، فإنّك قد عرفت جواز النظر إلى وجه من يراد تزويجها و كفّيها اتّفاقا، مع أنّ هذا شاقّ على كثير من النسوان و أهليهنّ سيّما الأبكار من أولي الأخطار.

و يؤيّد ذلك أنّه لمّا قال أبو حنيفة لمؤمن الطاق: «أنت تحلّ المتعة، فلم لا ترخص نساءك أن يتمتّعن و يكتسبن؟ فقال له مؤمن الطاق:

____________

(1) المتقدّمة في الصفحة: 45.

(2) المتقدّمة في الصفحة: 45.

(3) ليس في «ع» و «ص»: له.

(4) الوسائل 14: 138، الباب 104 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 2.

(5) المتقدّمة في الصفحة: 45.

(6) ليس في «ع» و «ص»: «و لا يجدي في ما نحن فيه».

(7) أي مكاتبة الصفّار المتقدّمة في الصفحة: 45.

51

ليس كلّ الصناعات يرغب فيها» (1).

و يؤيّد ذلك ما روي أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لأهل العراق:

[ «نبّئت أنّ نساءكم يدافعن الرجال في الطريق أما تستحيون؟» (2) و في حديث آخر إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «أما تستحيون و لا تغارون، نساؤكم يخرجن إلى الأسواق و يزاحمن العلوج» (3)] (4).

و حاصل المرام: أنّه ربّ جائز يقتضي الحياء تركه.

و من هذا يظهر وجه النظر فيما ادّعي من جريان السيرة على منع النساء من أن يخرجن سافرات، إذ لا يخفى أنّ هذا المنع ليس بآكد من منع تكشّفهنّ لمن يريد تزويجهنّ، بل هذا آكد (5) بمراتب شتّى، فإن أريد أنّ سيرة العلماء على منعهنّ، ففيه: أنّ هذا تمسّك بالإجماع في محلّ النزاع.

و من هذا يظهر العجب من بعض المعاصرين حيث ادّعى في هذه المسألة- بعد ترجيح المنع-: أنّ التطلّع على النساء المتستّرات من المنكرات

____________

(1) الكافي 5: 450، كتاب النكاح- أبواب المتعة، الحديث 8.

هذا و قد ورد في «ق» تتمّة لهذا الحديث لا يقرأ منه إلّا ما يلي: «و أ .. لأبي ..

عنه .. من الاعراض .. ما .. مؤمن الطاق في جواب أبي حنيفة». و تتمّة الحديث ما يلي: «و إن كانت حلالا، و للناس إقدار و مراتب يرفعون أقدارهم .. الحديث».

(2) الوسائل 14: 174، الباب 132 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث الأوّل.

(3) نفس المصدر، الحديث 2.

(4) ما بين المعقوفتين من «ع» و «ص»، و العبارة في «ق» منخرمة في مواضع، و ما يمكن قراءته فيها هو ما يلي: «اما .. تستحيون أنّ نساءكم .. فعن الرجال في الطريق .. يزاحمن العلوج في الأسواق».

(5) في «ع» و «ص»: هو آكد.

52

في دين الإسلام (1)، و قال- في مسألة جواز النظر إلى من يريد تزويجها- بجواز النظر إلى جميع جسدها (2)، فيا ليت شعري التطلّع إلى جسد المرأة الباكرة المخدّرة من اولي الخطر بغير اطّلاعها- لاختبار خلقتها و لونها و قابليّتها للأمور المطلوبة من الزوجات- أنكر عند الناس إذا اطّلعوا على تطلّعه عليها لأجل الاختبار، أم تطلّعه على وجهها لا لقصد الاختبار المذكور، بل لأجل معاملة أو غرض آخر مع عدم قصد التلذّذ و عدم الريبة؟! و هل الإنكار في المقامين إلّا لأجل الغيرة و الاستحياء إذا كانت المرأة من أولي الأخطار و ذوات الأستار و سكنة الأمصار؟! و أمّا فيما ذكره من أنّ النظر مظنّة الشهوة (3) و وقوع الفتنة، ففيه:

أنّ المعهود من الشارع حسم الباب في أمثال هذه المظان بالحكم بالكراهة دون التحريم كما يعلم بالتتبّع في الأحكام الشرعية، مع أنّ هذا استحسان (4) لا نقول به.

و أمّا خبر الخثعميّة (5) فهو على جواز [النظر أدلّ] (6) كما لا يخفى.

ثمّ إنّ الأخبار المجوّزة مطلقة، فتشمل النظرة الاولى و الثانية.

____________

(1) الجواهر 29: 80.

(2) الجواهر 29: 67.

(3) في «ع» و «ص»: مظنة للشهوة.

(4) في «ص»: الاستحسان.

(5) المتقدمة في الصفحة: 46.

(6) من «ع» و «ص»، و محلّه منخرم في «ق».

53

و استدلّ من خصّ الجواز بالأولى بأدلّة ضعيفة لا تنهض لتقييد تلك الأخبار.

ثم إنّك قد عرفت أنّ النظر إذا كان بقصد التلذّذ فهو حرام إجماعا (1)، كما ادّعاه غير واحد (2)، و عليه أو على خوف الفتنة يحمل ما ورد من ذمّ النظر في الأخبار.

و أمّا إذا لم يقصد به التلذّذ و لكن علم بحصول اللذّة بالنظر، أو لم يعلم به، و لكن تلذّذ في أثناء النظر، فهل يجب الكفّ، أم لا؟ الظاهر: الثاني، لإطلاق الأدلّة، و لأنّ النظر إلى حسان الوجوه من الذكور و الإناث لا ينفكّ عن التلذذ غالبا- بمقتضى الطبيعة البشرية المجبولة على ملاءمة الحسان- فلو حرم النظر مع حصول التلذذ لوجب استثناء النظر إلى حسان الوجوه مع أنّه لا قائل بالفصل بينهم و بين غيرهم.

و يؤيّد ما ذكرنا ما رواه في الكافي عن عليّ بن سويد في الصحيح قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام): إنّي مبتلى بالنظر إلى المرأة الجميلة، فيعجبني النظر إليها، فقال: لا بأس يا علي (3) إذا عرف اللّٰه من نيّتك الصدق، و إيّاك و الزنى فإنّه يمحق البركة و يذهب بالدين» (4).

فإنّ مراد السائل أنّه كثيرا ما يتّفق له الابتلاء بالنظر إلى المرأة

____________

(1) ليس في «ع» و «ص»: إجماعا.

(2) منهم فخر المحققين في إيضاح الفوائد 3: 6.

(3) في المصدر: فقال لي يا علي.

(4) الكافي 5: 542، الحديث 6 و فيه: و يهلك الدين، و عنه الوسائل 14: 231، الباب الأوّل من أبواب النكاح المحرم، الحديث 3.

54

الجميلة، و أنّه حين النظر إليها و المكالمة معها- لمعاملة أو غيرها- يتلذّذ بالنظر لمكان حسنها، و لعلّ ذلك من جهة كون الراوي من أهل الصنائع و الحرف التي يكثر مخالطتهم للنساء كالصائغ و البزّاز حيث يكثر تردّد النساء إليهم، سيّما نساء البوادي اللاتي لا يتسترن، فسأل عن أنّه يجب الكف عن النظر عند التلذّذ أم لا؟ فأجاب (عليه السلام) بأنّه لا بأس بذلك إذا علم اللّٰه من قصدك مطابقة ما تظهره من أنّ نظرك ليس لمجرّد التلذّذ حيث عبّرت عن مخالطتك معهنّ «بالابتلاء بهنّ»، و أنّك كاره لإعجابك الحاصل حين النظر، ثم حذّره عن الزنى.

و حمل الرواية بعض من عاصرناه (1) على النظرة الاتفاقيّة و حصول الإعجاب- أعني: اللذّة بعد النظر- فأجابه (عليه السلام): بأنّه إذا علم اللّٰه منك الصدق، أي: أنّك لم تتعمّد النظر، فلا بأس. و لا يخفى بعد هذا الحمل بل الظاهر ما ذكرنا من معنى الخبر. نعم، ينافي هذا الخبر ما رواه في الكافي في الحسن- بابن هاشم- عن ربعي بن عبد اللّٰه، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «كان رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) يسلّم على النساء و يرددن عليه، و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يسلّم على النساء، و كان يكره أن يسلّم على الشابّة منهنّ، و يقول: أتخوّف أن يعجبني صوتها فيدخل عليّ (2) أكثر مما طلبت من الأجر» (3).

____________

(1) و هو صاحب الجواهر في الجواهر 29: 79.

(2) في «ص»: فيدخل من الإثم عليّ.

(3) الكافي 5: 535، باب التسليم على النساء، الحديث 3، و عنه الوسائل 14: 173، الباب 131 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 3.

55

فإنّ الرواية على أنّه (عليه السلام) كان يكره التسليم عليهنّ لاحتمال التلذّذ بصوتهنّ، فصورة العلم بالتلذّذ [أولى بالمراعاة، إلّا أنّ حمله على الكراهة ممّا لا غائلة فيه، خصوصا بعد جعله التقابل بين أجره- أي ما يرد عليه من الجزاء- و أجر السلام المستحب، و إن كان الوارد على ذلك أكثر، لكن لا تبلغ درجة الحرمة، فتدبر] (1).

و اعلم أنّه قد فسّرت الريبة في المسالك (2) و غيره (3) بخوف الوقوع في المحرّم، و جعل خوف الافتتان عبارة عنها.

و لا يبعد أن يكون المراد بها- كما عن كشف اللثام-: ما يخطر بالبال عند النظر (4). و لعلّ المراد به: الميل إلى فعل الحرام مع المنظور إليه، من الزنى و التقبيل و نحوهما.

و الظاهر حرمة النظر مع الريبة، سواء فسرت بخوف [الوقوع في الحرام، أو] (5) بخوف الافتتان، أو خطور ما يخطر في البال (6) من قبائح الأعمال. أمّا الأوّل فظاهر، و أمّا الثاني و الثالث فلأنّ فيهما الفساد المنهي

____________

(1) ما بين المعقوفتين من «ع» و «ص»، و محلّه منخرم في «ق»، و ما يمكن قراءته فيها هو ما يلي: (.. اللذة .. به أولى .. مع العلم بحصول .. بل احتماله .. بأنّ معنى .. أي المباح .. فلا يدل .. كان .. حرمة ..). و الظاهر أنّ ما انخرم من «ق» هو أكثر ممّا أثبت في «ع» و «ص»، فتأمّل.

(2) المسالك 1: 347.

(3) انظر الجواهر 29: 70.

(4) كشف اللثام 2: 8، و فيه: ما يخطر بالبال من النظر.

(5) من «ع» و «ص»، و محله منخرم في «ق».

(6) في «ع» و «ص»: بالبال.

56

عنه، و ما تقدّم من صرف النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) وجه ابن العبّاس عن الخثعمية معلّلا بخوف دخول الشيطان بينهما يشمل كلّ واحد من المعاني الثلاثة، فيصلح دليلا لحرمة النظر مع الريبة (1) مطلقا، لأنّها بأي معنى كانت (2) من الشيطان.

ثم إنّ المراد بالحاجة- التي استثناها المصنّف (قدّس سرّه) من تحريم النظر إلى الأجنبيّة- هي الحاجة المضطرّ إليها (3) دون مطلق الحاجة، و إلّا فالنظر غالبا لا يكون إلّا لحاجة، مع أنّ مطلق الحاجة لا دليل على تسويغها للنظر المحرّم، و إنّما المسوغ هي الضرورة بحكم العقل و النقل، و للضرورة موارد:

منها: المرض، فيجوز للطبيب أن ينظر إلى عورة الأجنبيّة فضلا عن سائر مواضع جسدها، للعمومات الدالّة على إباحة الضرورات للمحظورات (4)، و خصوص صحيحة الثمالي، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال:

«سألته عن المرأة المسلمة يصيبها البلاء في جسدها- إمّا كسر و إمّا جراح- في مكان لا يصلح النظر إليه، و يكون الرجل أرفق بعلاجه من النساء،

____________

(1) في «ع» و «ص»: عن الريبة.

(2) في «ع» و «ص»: بأي وجه كان.

(3) في «ع» و «ص» زيادة: المعبّر عنها بالضرورة.

(4) مثل قوله (عليه السلام): «و ما اضطرّوا اليه»، انظر الوسائل 5: 345، الباب 30 من أبواب الخلل في الصلاة، الحديث 2، و مثل قوله (عليه السلام): «ما حرم اللّٰه شيئا إلّا و أحلّه عند الاضطرار إليه»، انظر الوسائل 4: 690، الباب الأوّل من أبواب القيام، الحديث 6 و 7.