مشارق الأحكام

- الشيخ محمد بن احمد النراقي المزيد...
510 /
9

[المدخل]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه، فيّاض عوارف المعارف و المتفضّل بفوائد الأيادي و حقائق اللطائف، المتوحّد في ذاته فلا يدركه انسان (1) كلّ عارف، و المتجلّي بصفاته فلا يغيب عن المشاهد و المواقف، و الصلاة على من أرسله بالكتاب المبين و نسخ به الصحائف محمّد (صلّى اللّه عليه و آله الطاهرين)، الذين فضّلهم على العالمين و خصّهم بما لا يلحقه لاحق و لا سالف.

و بعد فيقول الفقير إلى ربّه الباقي عبد الصاحب محمّد بن أحمد بن محمّد مهدي النراقي، أنالهم اللّه سبحانه من فضله يوم التلاقي:

هذه فوائد جمّة و مطالب مهمّة في تنقيح نبذ من الضوابط الكلّية الشرعيّة، و تحقيق مدارك لجملة من أمّهات المسائل الفرعية التي لا مناص عنها للفقيه الراشد و الطالب المسترشد، ممّا زلّت فيه أقدام أقوام و اتّسع فيه ميدان النظر لفرسان الكلام، و ضاق منه المخرج على من دخله و دار المقام، استطرفتها من غنائم الدهر و اقتطفتها من ثمار عوائد الأيّام.

____________

(1) انسان العين: ما يرى في سواد العين أو هو سوادها. (المنجد)

10

و أرجو من اللّه تعالى أن يكون بيانا لكنوز حقائقها و تبيانا لرموز دقائقها، و إن كنت معترفا- و الصدق منجاة- بأنّ الباع قصير و البضاعة مزجاة، جعلتها تذكرة لنفسي و تبصرة لمن أراد، و سمّيتها بمشارق الأحكام و اللّه الموفّق للسداد.

11

[المشرق الأوّل] [في بيان ما يقتضيه الأصل في المعاملات من الصحّة أو الفساد]

مشرق: في بيان ما يقتضيه الأصل في المعاملات من الصحّة أو الفساد، و تعيين مواردهما و ما يتبع ذلك، و في هذا البحث تحقيق أمور:

الأوّل: ما يقتضيه الأصل الأوّلي من الصحة و البطلان في الشبهة الحكمية، سواء كان الشكّ في شرعية أصل المعاملة أو في شرائطها و موانعها.

الثاني: ما ثبت خروجه منه و انقلب إلى أصل ثانويّ شرعيّ، و فيه تحقيق معنى آية أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1).

الثالث: ما يتحصّل من الأصلين، من لزوم الصيغة أو عدمه في العقود، و شرائط الصيغة فيما تحقّق لزومها، فهنا مطالب ثلاثة:

المطلب الأوّل: فيما يقتضيه الأصل الأوّلي الحكمي من الصحّة و الفساد في المعاملات.

فاعلم أنّه قد استمرّت بين الناس منذ استقرّت العادات و وضعت السياسات، معاملات بينهم في العقد و الحلّ و الربط و الفكّ فيما يحتاجون إليه في تمدّنهم و انتظام معاشهم، من التجارات و المناكحات و العطيّات و العهود و المواثيق

____________

(1) المائدة (5): 1.

12

و أشباهها، و أكثرها غير مختصّة بالشرائع و الديانات، فضلا عن شريعة الإسلام، بل تعمّ الأديان و العادات، و اختلف حكمها فيها في بعض الخصوصيات و الشرائط و أسباب الانعقاد و الآثار و الأحكام المترتّبة عليها، كالبيع الشائع في الكلّ المختلف أحواله فيها بالانعقاد بالصيغة أو بالصفقة أو بمثل الملامسة أو المنابذة أو الحصاة، و الاشتراط بعدم الغرر و عدمه و نحو ذلك، فمهيّات أمثال تلك العقود غير مخترعة و لا موضوعة بالأصل في شريعتنا، بل أمضاها الشارع بشرائط قرّرها. نعم، يختصّ بعضها بالشرائع أو بشريعتنا.

و جملة تلك المعاملات و العقود المعتبرة هي المعهودة المتداولة المدوّنة التي ضبطها الفقهاء سلفا و خلفا في كتبهم و مسفوراتهم، و وضعوا لها أبوابا و لها أسماء معروفة، كالبيع و الصلح و الرهن و الإجارة و المزارعة و المضاربة و الضمان و الحوالة و الكفالة و الوكالة و النذر و الوقف و النكاح و الطلاق و الظهار و اللعان و غيرها.

ثم إنّ ماهيّات تلك المعاملات كيفيات خاصّة و روابط معهودة في الشرع و العرف و العادة متمايزة بأنفسها، سواء كانت متباينة بالآثار المترتبة عليها أيضا، كالبيع و الإجارة و النكاح و الطلاق، أو متناسبة بالعموم و الخصوص المطلقين، كالبيع و الصلح، أو من وجه كالصلح و الضمان، أو بالتساوي كالبيع و الهبة المعوّضة.

و يظهر ثمرة الفرق حينئذ بالاختلاف في بعض الأحكام المتفرّعة عليها، بل قد يتفق بحسب تعاهد المتعاقدين في القيود و الشروط توافق اثنين منها في فرد في جميع الآثار و الأحكام المترتّبة عليها، فتميّزها حينئذ بمجرّد نفس مفهوم المعنى المعهود من المعاملة الحاكي عنه اسم المعاملة المخصوص بها، بحيث لا يصحّ و لا ينعقد أحدهما بقصد معنى الآخر منه.

و من هذا ينقدح عدم كفاية قصد إنشاء مجرّد الآثار المترتّبة عليها بالألفاظ

13

و القرائن الدالّة على تلك الآثار، بل يجب قصد مفهوم العقد المعهود ماهيّته. و حيث إنّ الدال على تلك الماهيّة هو اللفظ المخصوص الذي يسمّى به فينعقد به. و يظهر منه اختصاص انعقاده به، دون مطلق ما دلّ على ما يفيد أثره و أحكامه، من التجارات الغير المتداولة فيه و لو مع القرائن المنضمّة، و سيجيء تفصيله إن شاء اللّه تعالى.

ثم العقد إن علم صحّته شرعا فهو، و إن شك فيها سواء لم يعلم كونه مما تداول بين الناس، أو علم و لم يعلم كونه من الموظّفة الشرعية، أو علم و لم يعلم اشتراطه بما وقع فيه الشك، فمقتضى الأصل الأوّلي فساده بمعنى عدم ترتّب الأثر المقصود منه شرعا، لأنّ الصحّة من الأمور الشرعية المتوقفة على التوظيف الذي هو أمر حادث، ينفيه الأصل إلى أن يثبت بدليل.

و ما أفاده بعض المحققين من تصحيح المعاملة بأصل البراءة، باعتبار اقتضاء إباحة ما تعاقد عليه المتعاملان و إن لم يفد اللزوم، من الغرائب، فإنّ الإباحة الشرعية هنا فرع ترتّب الأثر شرعا المتوقف على الجعل الشرعي المسبوق بالعدم، و لو هو إمضاء الشارع ما تداول عليه عادة الناس في ترتّب الأثر عليه، و الاستصحاب يقتضي عدمه، و لا يعارضه أصل البراءة، لأنّ متعلّقه نفي السبب و متعلّقها ثبوت السبب، و الأوّل مزيل للثاني و مقدّم عليه، بل لا تعارض بينهما حقيقة كما حقّقناه في الأصول و يأتي الإشارة إليه هنا في بعض الفوائد، و عليه عمل الفقهاء و سيرتهم في الفقه حتى الفاضل القائل و إن خالفه قولا في أصوله.

و نظيره في الشك الموضوعي ما إذا شكّ في إذن المالك، فلا يجوز حينئذ تناول مال الغير بأصل الإباحة، أو شكّ في التطهير أو التذكية فلا يتناوله بأصل الطهارة أو البراءة.

و لا يتوهّم أنّ الإباحة الشرعية في كلّ مورد يتمسّك بها بالأصل حكم شرعي

14

مسبوق بالعدم، فيعارضه الاستصحاب فلم يبق للأصل مورد أصلا، إذ ليس تعارض الاستصحاب لأصل البراءة بالمزيلية في جميع صور التعارض، كما إذا شك في الإباحة الاستقلالية الغير المترتّبة على حدوث سبب، فإنّ مقتضى الاستصحاب ليس هنا نفي السبب بل يمكن القول بكون الأصل حينئذ مزيلا للاستصحاب، نظرا إلى ثبوت التوظيف للإباحة الاستقلالية الظاهرية بمثل قوله (عليه السلام): «كلّ شيء مطلق حتى يرد فيه نهي» (1) و «الناس في سعة مما لا يعلمون» (2)، و غيرهما من أدلّة البراءة المقتضية للعلم الشرعيّ الرافع للاستصحاب كما بيّناه في مقامه.

المطلب الثاني: في بيان ما ثبت خروجه من الأصل الأوّلي و انقلب فيه بالأصل الثانوي المقتضى للصحّة.

فاعلم أنّ ظاهر أكثر الأصحاب بل المعروف منهم، انقلاب أصل الفساد في أغلب صور الشك في اشتراط شيء أو مانعيّته لمعاملة من المعاملات الموظفة، إلى أصل ثانوي اجتهادي يقتضي صحّة جميع ما صدق عليه اسم تلك المعاملة الموظفة عرفا، بل ربما يظهر من بعضهم أصالة الصحة عند الشك في شرعية أصل المعاملة و توظيفها بالخصوص أيضا، و بها يستدلّ على تأسيس عقد المعاوضة المطلقة بلفظ «عاوضت». و منشأ هذا الأصل في المشهور عموم قوله سبحانه في سورة المائدة:

____________

(1) الفقيه 1: 317.

(2) لم نظفر على رواية بهذا التعبير في الجوامع الروائية، بل الوارد فيها تعبيران آخران:

أحدهما رواية السكوني بهذا التعبير: «هم في سعة حتّى يعلموا». (المحاسن للبرقي:

452؛ وسائل الشيعة 3: 493، الباب 50 من أبواب النجاسات، الرواية 4270).

و الآخر ما نقل مرسلا عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بهذا التعبير: «الناس في سعة ما لم يعلموا».

(مستدرك الوسائل 18: 20، الباب 12 من أبواب مقدمات الحدود، الرواية 21886).

15

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1)، فيستدلّون به على صحة العقود أو لزومها، و تداولوا عليه حتى قيل أنه المجمع عليه بينهم و قد يتأمّل فيه.

و جملة القول في الاستدلال بالآية أنّهم بين من يستدلّ بها على تأسيس العقود مطلقا، أي كلّما كان عقدا لغة و عرفا سواء كان من الموظفة الشرعية بخصوصها، كالعقود المدوّنة في كتب الفقه، أو غيرها فيتمسّك بها على ترتّب الأثر المقصود من وضعه عليه، و على تصحيح العقود الموظفة إذا شكّ في اشتراط شيء أو مانعيّته فيها إلّا ما ثبت فساده من أصل كالمغارسة أو لفقدان شرط معلوم كالرباء و المحاقلة و الشغار و مشاركة الأبدان و نحوها، و بين من يستدلّ بها على تصحيح الموظفة خاصّة حملا للعقود عليها، فيستدلّ بها على نفي اشتراط ما شكّ فيه، و بين من ترك الاستدلال بها على الصحّة مطلقا، سواء كان من الموظفة أم لا، زعما لإجمال العقود في الآية، و هو الظاهر من والدي العلّامة (2)، و يظهر منهم خلاف آخر في دلالتها على لزوم العقد و عدمه يأتي الإشارة إليه، وجه استدلال الأوّل:

دلالة الجمع المحلّى باللام على العموم حقيقة الشامل لكلّ ما صدق عليه العقد لغة أو عرفا، فثبت توظيفه في الشرع بهذا العموم.

و استشكل باستلزامه خروج الأكثر إذا كثر ما يسمّى عقدا في اللغة أو العرف مما لا يجب الوفاء به إجماعا، و الباقي في جنب المخرج كالمعدوم.

____________

(1) المائدة (5): 1.

(2) مستند الشيعة 2: 366.

16

و أجيب عنه بأنّ تخصيص الأكثر إنّما يلزم لو كان المقصود من عموم العقود العموم النوعيّ و هو خلاف التحقيق، بل المراد العموم الأفرادي فإذا لوحظ الأفراد فلا شكّ أنّ أفراد العقود المتداولة أكثر من أفراد غيرها، سيّما في مثل البيع و الإجارة و النكاح و أمثالها.

و فيه أنّ المناط في الأكثرية إنّما هو بالنسبة إلى أفراد المدلول الوضعيّ من حيث كونها أفرادا له، فإنّها مورد تعلّق الحكم، و لا شكّ أنها غير مختصّة بالأفراد الواقعة في زمان الخطاب، بل يعمّ المتوقّعة الفرضية، بل كلّها أو أكثرها متوقّعة من وقت الصدور، و أكثريتها بأكثرية الأنواع و الأصناف التي هي تحتها، إلّا أن يقال بأنّ الجهة المقتضية لأكثرية وقوع الأفراد الواقعة مطّردة و حاصلة بحكم الحدس و الوجدان للمتوقعة أيضا، كما يشهد به العيان في الأفراد المتجدّدة بعد نزول الآية، و لكنه غير مفيد أيضا، لأنّ أكثرية وقوع تلك المعاملات الموظفة إنّما هي باعتبار فساد غيرها شرعا، فلا يناط بها الاستعمال الموجب لتلك الكثرة الذي به تأسيس الصحة، مع أنّ أكثرية المتداولة الشرعية بالنسبة إلى غيرها من الواقعة بين جميع فرق الأنام في العالم في أزمنة الخطاب و قبلها و بعدها إلى الآن غير مسلّمة، بل خلافها معلوم.

وجه استدلال الثاني:

بطلان الحمل على العموم لما ذكر، فيتعين حمل اللام على العهد و الإشارة إلى جنس العقود المتداولة في زمان الصدور التي هي المدوّنة في الكتب، لا خصوص أشخاص كلّ عقد متداول فيه بكيفياتها المخصوصة، فيصحّ الاستدلال بها على الأفراد المشكوكة لدخولها في الجنس.

و يرد عليه أنّه لو سلّم صحّة الإشارة بلام العهد إلى أنواع الجنس دون فرده،

17

فدعوى كونه المعهود في الآية يطالب بالدليل، لاحتمال كونها الأفراد الصحيحة بكيفياتها المخصوصة، بل هي أقرب بمعنى العهد المعروف في كتب الأدب. و حيث يحتمل كان متعيّنا في الاستدلال، اقتصارا على القدر المتيقن، مضافا إلى احتمال كون المعهود غير ذلك من المعاني الآتية.

و بهذا يظهر وجه ترك الثالث للاستدلال بالآية على الصحة رأسا، و هو مشكل أيضا بملاحظة مخالفته لسيرة العلماء و متفاهمهم قديما و حديثا، بحيث يكاد أن يكون إجماعا منهم على الاستدلال بها، بل صار من المسلمات بين جمهور الأصحاب. فاللازم تحقيق الحال و تصحيح الاستدلال على وجه لا يرد عليه الإشكال، فأقول فاستمع و كن من الشاهدين:

و ليعلم أوّلا أن العقد أصله لغة و عرفا الجمع بين الشيئين بحيث يعسر الانفصال، كما ذكره غير واحد، و هو يشمل الحسّي كعقد الحبل و شدّ العناج، و غير الحسّي و هو الذي يطلق عليه العهد الموثّق المتناول لمثل عقود المعاملات.

قال الجوهري (1): عقدت الحبل و العهد و البيع و انعقد. و في القاموس (2): عقد الحبل و البيع و العقد يعقده اشتدّه. و في المصباح (3): عقدت الحبل فانعقد، و العقد ما يمسكه و يحبسه و يوثقه، و منه قيل عقدت البيع و نحوه و عقدت اليمين، و الفرق بين العقد و العهد كما في المجمعين و آيات الأحكام و غيرها أنّ في العقد معنى الاستيثاق و الشدة، فلا يكون إلّا بين اثنين، و العهد قد يتفرد به الواحد.

و منه يعلم أن إطلاق العقد على العهد الموثق من باب الحقيقة لا المجاز، و ما

____________

(1) صحاح اللغة: 510.

(2) القاموس المحيط 1: 383.

(3) في «س»: شدّه؛ مصباح اللغة: 421.

18

يشعر به في الكشّاف (1) في قوله: «و العقد العهد الموثق شبه بعقد الحبل و غيره» من اختصاص الحقيقة بالأوّل (2) إنّما هو إبداء للمناسبة بين الاستعمالات الحقيقية و ربط الخفيّ بالجليّ، كما هو دأب علماء اللغة في ربط المعاني المستعملة فيها تصاريف اللفظ بعضها إلى بعضها. ثم الظاهر اتفاق أئمة التفسير و غيرهم على أن المراد بالعقد في الآية العهد الموثق، صرّح به في الكشاف (3) و البيضاوي (4) و الطبرسي (5) و الطريحي (6) و المحقق الأردبيلي في آيات الأحكام (7) و المحدث الكاشاني في الصافي (8) و غيرهم، و في تفسير عليّ بن إبراهيم (9) بعد ذكر الآية عن الصادق (عليه السلام): «أي العهود» و يشعر به الأمر بالإيفاء به، فإنّه لا يناسب غير العهد، نظير قوله تعالى وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ (10).

ثم العهد الذي هو من معانى العقد من المعاهدة، ما فيه شدّ و ربط و توثيق بين اثنين، كما دلّ عليه كلام من ذكر و شهد به العرف، لا من سائر إطلاقات العهد كالتقدم بالأمور و المعرفة و الالتقاء و الإصلاح و الوصيّة. نعم، بعض ما يطلق عليه

____________

(1) الكشاف 3: 5.

(2) أي الحسّي.

(3) الكشاف 3: 5.

(4) تفسير البيضاوي 1: 407.

(5) مجمع البيان 2: 150.

(6) مجمع البحرين 3: 103.

(7) زبدة البيان في أحكام القرآن: 462.

(8) تفسير الصافي 2: 5.

(9) تفسير القمي 1: 160.

(10) البقرة (2): 177.

19

كالضمان و اليمين و الأمان داخل فيما هو المراد من العهد الموثّق. و قال أمين الإسلام في المجمع (1) بعد تفسير العقود بالعهود: اختلف في هذه العهود على أقوال:

الأوّل: أنّ المراد بها العهود التي كان أهل الجاهلية عاهد بعضهم بعضا فيها على النصرة و الموازرة و المظاهرة على من حاول ظلمهم أو بغاهم سوء، و ذلك هو معنى الحلف عن ابن عباس و مجاهد و الربيع و قتادة و الضحاك و السدى (2).

الثاني: أنّها العهود التي أخذ اللّه سبحانه على عباده للإيمان به و طاعته فيما أحلّ لهم و حرّم عليهم، عن ابن عباس في رواية أخرى قال: هو ما أحلّ و حرّم و ما فرض و حدّ في القرآن كلّه، فلا تتعدّوا فيه و لا تنكثوا، و يؤيّده قوله سبحانه:

الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّٰهِ مِنْ بَعْدِ مِيثٰاقِهِ* (3) الآية.

الثالث: أنّ المراد بها العقود التي يتعاقدها الناس بينهم و يعقدها المرء على نفسه كعقد الأيمان و النكاح و عقد العهد و عقد البيع و عقد الحلف، عن ابن زيد و زيد بن أسلم.

الرابع: أنّ ذلك أمر من اللّه سبحانه لأهل الكتاب بالوفاء بما أخذ به ميثاقهم بالعمل بما في التوراة و الإنجيل في تصديق نبيّنا و ما جاء به (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من عند ربّه، عن ابن جريح و أبي صالح.

ثمّ قوّى من هذه الأقوال القول الثاني، و قال: يدخل في ذلك جميع الأقوال الأخر فيجب الوفاء بجميع ذلك إلّا ما كان عقدا في المعاونة على أمر قبيح، فإنّ ذلك محذور بلا خلاف، انتهى.

و مثله في مجمع البحرين (4)، و هو كما ترى ظاهر بل صريح في أنّ المراد بالعقود

____________

(1) مجمع البيان 2: 150.

(2) مجمع البيان 2: 150.

(3) البقرة (2): 27.

(4) مجمع البحرين 3: 103.

20

التي يتعاقدها الناس بينهم، أي عقود المعاملات في القول الثالث ليس كلّما يعقده المرء و لو اختراعا منه، بل العقود المجوّزة الموظّفة في الشرع مثل البيع و النكاح و اليمين و النذر، كما استشعره والدي العلّامة من كلامه (1)، إذ ليس ما يخترعه المرء داخلا في القول الثاني الذي قوّاه و جعله جامع الأقوال أعني عقود اللّه التي أوجبها على العباد، و لا ينافيه استثناؤه المعاملات المحظورة عنه لأنّه استثناء ما فيه المنع للمعاونة على أمر قبيح من المعاملات الشرعيّة الموظفة كالبيع للظلمة و بيع الخمر و آلات اللهو و النذر في المعاصي و نحوها، فالعقود المخترعة الغير الموظفة بخصوصها خارجة عن تلك الأقوال.

نعم، لو أريد من العقود العموم أي مطلق العهود الموثقة أو مطلق عهود المعاملات خاصّة كانت الغير الموظفة داخلة فيها. و الإيراد عليه (2) باتفاقهم على اشتراط الاستيثاق و الشدّة في معنى العقد و لا يثبت ذلك إلّا بعد ثبوت اللزوم الشرعي، إذ مجرّد بناء المتعاقدين ليس إلّا نفس العهد، و التوثيق محتاج إلى موجب، و ليس في أمثال المقام إلّا إلزام الشرع، فلا يكون المعاملات الغير الموظفة داخلا في العموم.

و يمكن المناقشة فيه بأنّ مجرد بناء المتعاقدين و إن لم يكف في صدق التوثيق بل هو نفس العهد، إلّا أنّ تسجيله بما تداول بينهم و تصافقا به عليه من لفظ أو فعل لتوثيق العهد و أحكامه عند قصدهم به تأكيدا للعهد و تقرّره كاف في صدق التوثيق العرفي. و بالجملة مفاد هذا القول الذي اختاره الطبرسي هو الذي ذكره سائر من ذكر من المفسّرين.

____________

(1) مستند الشيعة 1: 282.

(2) كذا، و الظاهر هكذا: و يمكن الإيراد عليه.

21

و كيف كان فما يحتمل أن يكون مرادا من العهود الموثقة التي هي معنى العقود في الآية، إمّا أحد الأقوال الأربعة المذكورة في المجمع، أو خصوص عقود المعاملات، و عليه إمّا مطلق ما يعم الشرعية و العرفية و صدق عليه المعاملات عرفا، أو خصوص جنس المعاملات الموظفة أو أفرادها المشتملة على جميع شرائط الصحّة، أو المراد غير ذلك من معاني العهد المناسب لصدق العقد عليه كالوصية أو الأمر أو الضمان أو اليمين.

و ما يفيد المدّعى من الاستدلال به من تلك الاحتمالات، إمّا الحمل على العموم أو على خصوص عقود المعاملات مطلقا أو أجناسها الموظفة من باب العهد، كما استظهره بعض الأجلّة في توجيه الاستدلال بالآية.

و الأوّل و إن كان مقتضى الحقيقة إلّا أنّ فيه ما تقدّم من لزوم تخصيص الأكثر، و الآخر غير معلوم بحجّة، مع قيام احتمال غيره من المحتملات المذكورة، بل بمقتضى لزوم الاقتصار على المتيقن حينئذ يتعيّن احتمال الأفراد الصحيحة، إلّا أنّ هنا دقيقة غفلوا عنها، مقتضاها الحمل على المعنى الثاني الذي قوّاه الطبرسي أو ما يقرب منه.

و بها يتمّ الاستدلال بالآية. و هو مطلق العهود الموثقة الشرعية، سواء كانت بيننا و بين اللّه كالنذور و نحوها، أو من اللّه إلينا كالإيمان به المعقود في عالم الذرّ و بعده في أداء أمانة التكليف التي حملها الإنسان كما قال اللّه تعالى أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ (1) و الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّٰهِ مِنْ بَعْدِ مِيثٰاقِهِ* (2) الآية، أو بين أنفسنا بعضنا مع بعض كالبيع و النكاح و الصلح و غيرها من عقود المعاملات، و معنى الأمر وجوب الوفاء بكلّ عهد من تلك العهود الموثقة الشرعية.

____________

(1) البقرة (2): 40.

(2) البقرة (2): 27.

22

و لبيان ذلك نذكر مقدّمة هي أنّ تخصيص الحكم المتعلّق في الجمع المحلّى ببعض الأفراد لدليل مخرج لغيره يمكن على وجوه ثلاثة:

الأولى: حمل اللام على الاستغراق و إخراج البعض من باب التخصيص.

الثانية: حملها على العهد و الإشارة بها إلى الباقي إذا كانت هناك قرينة على العهد.

الثالثة: كون اللام للاستغراق من غير تخصيص و لكن خروج البعض من باب تقييد المدخول بالثاني لا بتخصيص العموم.

و فرق الأخير مع الثاني ظاهر، لكون اللام هنا للاستغراق و فيه للعهد.

و أمّا مع الأوّل فهو أنّ التجوّز عليه في الهيئة المركبة الموضوعة للعموم و على الأخير في المدخول خاصّة باستعماله في بعض أفراد الماهيّة، و دخول اللام عليه بمعناها الاستغراقي فهي لاستغراق جميع ما استعمل فيه المدخول من غير تخصيص، فلا تجوّز في اللام و لا في الهيئة التركيبية، فإنّ حقيقة اللام المحلّى بها الجمع استغراق جميع أفراد المعنى المستعمل فيه المدخول، سواء كان حقيقيا أو مجازيا، حتى أنه لو كان من غير جنس معناه الحقيقي، فهي لاستغراق أفراد هذا المعنى المجازي، نحو: «اللّه وليّ الأيادي» أي النعماء، فلا تجوّز في العموم و لا تخصيص بل التجوّز في المدخول، بل لو أريد بالمدخول ما يعمّ معناه الحقيقي، فاللام الداخلة عليه يفيد التعدّي عن أفراد الحقيقة.

و بهذا القياس ما إذا أريد به بعض أفراد الحقيقة، كقوله تعالى فَإِنَّهُ كٰانَ لِلْأَوّٰابِينَ غَفُوراً (1)، فإنّه لاستغراق التوّابين الذين هم بعض أفراد المعنى الحقيقي، و من هذا قولهم جمع الأمير الصاغة، أي صاغة بلده أو مملكته، فلا تجوّز في الاستغراق بل التقييد في الصاغة بقرينة العادة.

____________

(1) الإسراء (17): 25.

23

فالوجه الأخير يشارك الأوّل في استغراق أفراد ما استعمل فيه المدخول و استدعاء إخراج المشكوك فيه عن الاستغراق الدليل، على خلاف الثانى، فإنّ إدخاله يطالب الدليل اقتصارا على القدر المعلوم من العهد. و إذا كان المعهود نوعا يقتصر فيه على النوع المعلوم، إلّا أنّه يفيد العموم بالنسبة إلى النوع المعلوم، و لكنّه أيضا عموم إطلاقيّ لا وضعيّ.

و يشارك الثانى في جواز خروج أكثر أفراد معنى المدخول، نظرا إلى كونه من باب التقييد الغير الممتنع منه ذلك لا التخصيص، على خلاف الأوّل.

ثمّ إنّ تشخيص كون إرادة البعض من لفظ الجمع المحلّى من أيّ تلك الوجوه يمكن بملاحظة الدليل المخرج على حسب فهم العرف.

فإنّه على العهد لا بدّ أن يكون ذلك عهدا بين المتكلم و السامع، بحيث يصلح لانصراف اللفظ إليه مع متفاهم أهل العرف و الإشارة باللام إليه، سواء كان هو حضور المعهود نحو الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (1)، أو ذكره صريحا كقوله تعالى:

الْمِصْبٰاحُ فِي زُجٰاجَةٍ (2)، أو مكنيّا عنه كقوله تعالى لَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثىٰ (3)، و العهد الذكري يعمّ المتصل و غيره.

و منه ما إذا قال المولى لعبده: اكنس كلّ يوم البيت الفلاني و الفلاني إلى خمسة مثلا و في داره عشرون بيتا، ثم قال له يوما: اكنس البيوت فاذهب إلى السوق، فإنّه ظاهر في الخمسة المعهودة، و المناط فهم العرف، فلو لم يفهم منه العهد و إن سبق ذكره لا ينصرف إليه، كقوله تعالى جٰاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْبٰاطِلُ إِنَّ الْبٰاطِلَ كٰانَ زَهُوقاً

____________

(1) المائدة (5): 3.

(2) النور (24): 35.

(3) آل عمران (3): 36.

24

(1)، باعتبار ظهوره في العلة المناسبة للعموم.

و على التقييد يلزم أن يكون علّة خروج البعض عدم انصراف لفظ المدخول إليه عرفا عند الإطلاق، إمّا مطلقا، كما إذا غلب استعماله في البعض الآخر، و لو مع وقوعه في صيغ العموم باعتبار شذوذ غيره، أو في خصوص المورد، كما في جمع الأمير الصاغة، فإنّ المفهوم منه عرفا صاغة بلده أو مملكته لا جميع أهل الدنيا، و لعلّه لهذا يسمّيه أهل البيان بالاستغراق العرفي.

و في غير الصورتين يكون خروج البعض من باب التخصيص.

و لو شكّ في مورد أنّ خروج البعض من باب العهد أو تقييد المدخول فمقتضى الأصل كونه من الثاني، لاشتراكهما في تجوّز لفظ المدخول و لزوم التجوّز في اللام على العهد أيضا دون التقييد.

و إذ علمت ذلك نقول: فقد عرفت أنّه لا يصحّ البناء على العموم و التخصيص في الآية، لاستلزامه تخصيص الأكثر، فلا بدّ إمّا حمل اللام على العهد أو على الاستغراق و ارتكابه التقييد في المدخول، و الظاهر كما ذكره والدي العلّامة، أنّ تقدّم طلب بعض أفراد الجمع المحلّى على إظهار الطلب ثانيا باللفظ الدال على الجميع ممّا يظنّ معه إرادة الأفراد المتقدّمة، و لا أقلّ من صلاحيّة كونه قرينة لإرادتها، كما في الأمر بكنس البيوت في المثال المتقدّم، و الآية من هذا الباب، لأنّها في سورة المائدة و هي على ما ذكره المفسّرون آخر السور المنزلة، أو المنزلة في أواخر عهد النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

و قد علم من الشارع قبل نزولها في جملة عهود اللّه سبحانه عقود مقرّرة منه تعالى بين الناس بعضهم مع بعض من معاملاتهم المتداولة، فتقدم طلب الوفاء بتلك العقود يورث الظن بإرادتها خاصة من بين مطلق العقود، و لا أقلّ من كونه قرينة

____________

(1) الإسراء (17): 81.

25

لتعيين المعنى المجازي بعد صرف اللفظ عن العموم المحذور فيه، سيما مع تعاضدها بقرينة تعقبها بقوله تعالى أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعٰامِ (1)، الآية، فإنّه يشعر كون المراد بالعقود أمثال تلك الأحكام المفصّلة الموظفة قبل الخطاب، كما في الكشاف.

و يؤيّده أيضا عدم ذكر عقد آخر في الروايات المرويّة عن الحجج الطاهرة من بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) غير ما هو المتداول عند الفقهاء الموظف بخصوصه، فبملاحظة أمثال ذلك يتعيّن حمل العقود بعد تعذّر الحقيقة على ما تقدّم توظيفه قبل الآية.

فأمّا أنّه هل هو من باب التقييد و اللام على الاستغراق، أو من باب العهد، فيه احتمالان، و القرينة العرفية المذكورة صالحة للأمرين، حسب ما مرّ، لإمكان جعل اللام إشارة إلى هذا البعض بقرينة سبق العهد، أو كونها على حقيقتها أي الاستغراق و تقييد المدخول بقرينة انصراف اللفظ إليه، إلّا أنّ أصل الحقيقة في اللام يرجّح التقييد، و يكون معنى الآية وجوب الوفاء بجميع أفراد العهود الموثقة المقررة قبل الخطاب، فصحّ الاستدلال بها على نفي ما شك في اشتراطه أو مانعيته في العقود الموظفة، دون غير معلوم التوظيف.

فإن قلت: الموظفة هي الجامعة للشرائط فلا يتمّ تقريب الاستدلال.

قلت: توظيف الشرائط لا يمنع عن توظيف الماهيّة أعني جنس الموظفة، فيرجع الشك إلى أنّ المراد جنس الموظّفة أو هي منضمّة إلى الشرائط المقرّرة، فليقتصر على القدر المتيقّن من القيد، و هو الأوّل على البناء على التقييد الذي عرفت أنه مقتضى الأصل، و القرينة العرفية لا يقتضي أزيد منه، فمقتضى الأمر الوفاء بجميع أفراده، إلّا ما ثبت خروجه بدليل.

فإن قلت: لا شكّ في حصول العلم بكثير من الأفراد الصحيحة قبل نزول الآية،

____________

(1) المائدة (5): 1.

26

و لازمه حمل الأمر بالنسبة إليها على التأكيد، من قبيل الأمر بالمعروف، و إلى غيرها من سائر الأفراد على التأسيس، فيلزم استعمال الأمر في المعنيين، و هو غير معلوم الرخصة، بل صرّح بعضهم بعدم جوازه من قبيل استعمال المشترك في معنييه.

قلت: تجدّد الأمر و لو من باب التأكيد لا يوجب خروج الأمر عن حقيقته، و لا ينافيه تعلق الطلب به سابقا، فلا يتعدّد المعنى بتعلّق الأمر به و بغيره ثانيا، و هل تجد محذورا في قول الآمر: أكرم زيدا و عمروا، بعد ما قال قبله: أكرم زيدا.

و اختلاف جهة التعلق بهما من التأسيس و التأكيد لا يوجب تعدّد المستعمل فيه و اختلافه، و لا يثبت منعه، و مقتضى الأصل صحّة الاستعمال على مقتضى الوضع، مع أنّه يمكن الحمل على التأسيسي بالنسبة إلى المعلوم، فيكون كلّه من باب التأسيس.

هذا و يمكن تصحيح الاستدلال على نفي الاشتراط في محلّ الخلاف على حمل اللام على العهد أيضا، بأن يقال: مجرّد التوظيف قبل الخطاب غير كاف لكونه قرينة العهد، بل يشترط علم جميع المخاطبين بالآية بالمعهود، ليصلح للقرينة، و هو غير معلوم إلّا بالنسبة إلى أجناس تلك العقود الموظفة في الجملة، لا بجميع كيفياتها المخصوصة و شرائطها الواقعية، بل الظاهر بحكم الحدس و الاعتبار مضافا إلى الأصل عدم علم الجميع بها، كيف و هي بعد معركة الآراء و مختلف العلماء، و لو كانت شائعة عند جميع الناس من العوام و الخواص لكانت معروفة في الأنظار المتلاحقة و متداولة في الأيدي المتواصلة من الأصحاب فالتابعين فالعلماء إلى الآن، و اشتهرت في الأخبار الواردة عن الأطهار، مع توفّر الدواعي على النقل و الانتشار، و لم يكن موردا للخلاف بين الأسلاف و الأخلاف.

فالقدر المعهود من العقود الذي صحّت الإشارة إليه باللام هو أجناسها الموظفة، دون الكيفيات و الخصوصيات، و تعلّق الأمر بها لا يوجب حملها على الصحيحة،

27

كجواز تعلق الأمر بالأعمّ و بيان الشرط في خطاب آخر. كما هو الجواب عن اعتراض الصحيحي على القائل بالأعم في أسامى العبادات و المعاملات المتعلّقة للأوامر الشرعية، فإنّ صدق العام لا ينافي ثبوت الخاصّ، فيستدلّ بالأمر بها على صحّة جميع أفراد الماهيّة.

فإن قلت: يصحّ ذلك في الماهيّة العامة لا المجملة المبهمة، فلا يمكن الاستدلال بها على الفرد المشكوك فيه.

قلت: نعم، و لكنّ الماهيّة المبهمة داخلة في مطلق الماهيّة لصدقه عليها، كما يصدق على المطلقة و المشروطة، فلا ينافي صدق الماهيّة على المبهمة مع عدم ملاحظة الشرط، و إن كانت مشروطة في الواقع، كما يصدق قولنا: جاء الرجل، أي ماهيّته إذا جاء زيد، و حيث إنّ المفروض تعلّق الأمر في الآية بالمعهود، و هو مجرّد الجنس دون الخصوصيات و الشرائط، و إن احتمل ثبوت الشرط و بيانه في خطاب آخر، فمقتضاه بضميمة أصل عدم الاشتراط، تأسيس صحّة جميع ما صدق عليه الجنس المعهود، و صحّ الاستدلال به على مورد الشك، فليتأمّل.

و كيف كان فحاصل الكلام مما تلوناه صحّة الاستدلال بالآية على صحّة العقود الموظفة إذا شك في شرطية شيء أو مانعيته، إلّا إذا رجع الشك إلى المعنى الأعمّ و صدق نفس الماهيّة، فلم يصحّ الاستدلال حينئذ.

تتميم: ما ذكرنا هو الكلام في كيفية الاستدلال بالآية على صحّة العقود، و أمّا على لزومها باعتبار الأمر بالإيفاء، فيظهر منه الاختلاف فيه أيضا من كلام جماعة، فعن بعضهم تفسير الأمر بالإيفاء على لزوم نفس العقد و وجوب الالتزام به إلّا ما ثبت خروجه بدليل، فيكون منافيا لجواز العقد، و عن آخر بالعمل على مقتضى العقد ما دام باقيا، فلا ينافي جواز بعض العقود، كالشركة و المضاربة و غيرهما، و عن

28

ثالث بوجوب اعتقاد لزوم اللازم و جواز الجائز، و عن رابع حمله على الرخصة و نفي الحظر.

أقول: قد علمت أن المراد بالعقود أجناس العقود الموظفة بخصوصها، فمعنى الوفاء بها الذي تعلّق به الأمر ترتّب الأثر على العقد على حسب توظيفه، فقد يكون الأثر مقيّدا بمدّة معينة كالإجارة و النكاح المنقطع، و قد يكون مستداما بحيث لا ينقطع بسبب متجدّد، كالتحرير و الوقف على الجهة، و قد يكون مستداما إلى أن يتجدّد السبب، فقدره (1) على أن يزول به، و هذا السبب إمّا مما هو ليس لقصد المتعاقدين مدخل في زوال الأثر به، كالارتداد للزوجية في النكاح الدائم، أو له مدخل، إمّا من أحدهما كالطلاق و الفسخ من ذي الخيار، أو بشرط توافقهما كالإقالة، فمعنى الوفاء بالعقد ترتّب الأثر على حسب ما قدر في الشرع من أحد هذه الوجوه، فلا ينافي وجوب الوفاء بمقتضى العقد لشرعية السبب الرافع و زوال الأثر به، و ينقدح من هذا أن الآية لا تدلّ على لزوم العقد، بل على مجرّد تأسيس الصحّة، و إن أفاده الاستصحاب عند الشك في السبب المزيل، و أنّ الصواب هو التفسير الثاني مع ما في الأخيرين من تجوّز بعيد يدفعه الأصل.

المطلب الثالث: في بيان ما يقتضيه الأصل من لزوم الصيغة أو عدمه في المعاملات،

ثم ما يقتضيه على تقدير اللزوم في شرائطها من الخصوصيات و الكيفيات الخاصّة، فهنا بحثان:

البحث الأوّل: في أنّه هل يلزم الصيغة أو يكفي المعاطاة.

فنقول: قد تبيّن في المطلب الأوّل أصالة فساد العقود و المعاملات أوّلا، و في الثاني انقلاب هذا الأصل في العقود الموظفة المعلومة بأجناسها إلى أصل الصحّة، و على هذا فالشكّ إن رجع

____________

(1) كذا.

29

إلى نفس الماهيّة و صدقها على محلّ الشكّ يحكم بالفساد، لعدم ما يخرج به عن الأصل الأوّلي، و إن رجع إلى الخصوصيات و الكيفيات الزائدة يحكم بالصحة.

فالمعاملة الشرعية، إمّا يكون ممّا علم مدخلية الصيغة المخصوصة في انعقاده كالنكاح و الطلاق و نحوهما، أو يعلم عدمها كالعارية و نحوها، فلا كلام. و إن شكّ فيها أو في مطلق اللفظ، فإمّا يعلم أن ماهيّته الموظفة غير معناه اللغوي كاللعان و الظهار و نحوهما، سواء علم لها حقيقة شرعية أم لا، أو لا يعلم ذلك. و على الثاني، فإمّا ليس هنا إطلاق لفظي من الكتاب أو الأخبار دلّ على شرعيته، أو فيه إطلاق كذلك.

مقتضى الأصل في جميع الصور الفساد عدا الأخيرة، إذا الشكّ في غيرها يرجع إلى نفس الماهيّة و صدق الموظفة على المجرّد عن الصيغة، سيما على قول من يجعل المعاملة نفس الإيجاب و القبول، و في إطلاق العقد على المعاملة في عرف المتشرعة إشعار بالمدخلية، فإنّ الصيغة بمنزلة عقدة الحبل يشدّ به عهد المتعاملين، و لذا شاع استعمال العقد في الصيغة.

و يؤيده ما ذكره بعض المحققين في حكمه بتوقّف انعقاد المعاملات عليها، من قصور الأفعال عن المقاصد الباطنية، كالتمليك و التملّك و الإنشاء و الرضا، و غايتها إفادة مطلق الظنّ، و لا يغني (1) بعموم المنع (2) و الاتّفاق على توقف الأسباب الشرعية على العلم أو الظنّ المعتبر شرعا، و من أنّ المعاملات شرعت لنظام أمر المعاش، و هي مثار الاختلاف و منشأ التنازع و التراجع، فيجب ضبطها بالأمر الظاهر الكاشف عما في الضمير، و إن كان نقضا للغرض الداعي إلى وضعها في الشريعة، و القيّم بذلك هو البيان المعبّر عمّا في الضمير بسهولة دون غيره، و لذا قرن سبحانه هذه النعمة بنعمة الإيجاد في محكم الكتاب و قد جرت عادة الشارع في جميع المواضع

____________

(1) مطلق الظنّ (خ).

(2) أي بسبب عموم المنع.

30

بإناطة الأحكام بأسبابها الظاهرة، و الكشف عنها في مقام الالتباس بالطرق المعهودة الميسّرة لعامة الناس، و جعل المدار في المعاملات على العقود، انتهى.

و أمّا في الأخيرة فمقتضى أصل الحقيقة الحمل على المعنى اللغوي على كون بيان الشرع بتقرير ما تداول بين الناس قبل الشرع، كما تقدّم بيانه، فيقتضي الإطلاق عدم اشتراط الصيغة إلّا أن يدلّ دليل على الاشتراط في الصحّة أو اللزوم، كما لعله الإجماع في اللزوم، كما سنشير إليه، و ذلك كالبيع الذي دلّ على شرعيته إطلاق قوله سبحانه أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ و نحوه، المحتمل لكونه باقيا على معناه اللغوي و العرفي، الذي يعمّ مجرّد التقابض لقصد البيع الخالي عن الصيغة، للتبادر و عدم صحّة السلب المثبت للغة، بضميمة أصل عدم النقل.

و من هذا نشأ الخلاف المشهور في صحّة المعاطاة في البيع و عدمها، بل مال بعض المحققين إلى لزومها، و حيث طال فيها التشاجر و التنازع، رأيت أن أبيّن جليّة الحال فيها، فنقول: اختلفوا في التقابض و المعاطاة على وجه المعاوضة من دون صيغة على أقوال:

الأوّل: أنّه بيع لازم نسب إلى المفيد فيما قال: «و ينعقد البيع على تراض بين الاثنين فيما يملكان التبايع له إذا عرفاه جميعا و رضيا بالبيع و تقابضا و افترقا بالأبدان» (1).

و في المسالك (2) إلى بعض معاصريه إلّا أنّه اشترط كون الدال على الرضا لفظا.

و اختاره من متأخري المتأخرين المحقق الأردبيلي (3) و والدي العلّامة (4)، وفاقا

____________

(1) المقنعة: 591.

(2) مسالك الأفهام 3: 147.

(3) مجمع الفائدة و البرهان 8: 139.

(4) مستند الشيعة 2: 361.

31

من أهل الخلاف لأحمد بن حنبل و مالك مطلقا، و لبعض الحنفية و الشافعية و ابن شريح في الحقير (1).

و أنكر بعضهم كونه قول المفيد ناقلا هو و غيره الإجماع بل ظاهر المذهب على خلافه، بل و ربما نسب إليه اعتبار اللفظ المخصوص في البيع و عدم كونه بيعا عنده.

و في المختلف (2): «للمفيد قول يوهم الجواز»، ثم حكى كلامه المتقدّم، و قال:

«ليس في هذا تصريح بصحّته إلّا أنّه يوهم». و الإنصاف أنّه غير خال عن الظهور في الصحّة و إن لم يكن صريحا.

الثاني: أنّه بيع غير لازم، ذهب إليه المحقق الكركي (3) و جماعة (4)، بل ظاهر الأوّل الإجماع عليه، حيث قال: «المعروف بين الأصحاب أنّها أي المعاطاة بيع، و إن لم يكن كالعقد في اللزوم، خلافا لظاهر عبارة المفيد، و لا يقول أحد من الأصحاب أنّه بيع فاسد سوى المصنف في النهاية (5) و قد رجع عنه في كتبه المتأخرة عنها، و قول اللّه تعالى أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (6) يتناولها، لأنّها بيع، للاتفاق حتى من القائلين بفسادها، و عليه يتنزّل القول بإفادتها الإباحة لوجوه ذكرها في جامع المقاصد (7).

____________

(1) الفقه على المذاهب الأربعة 2: 156؛ الروضة للنووي 3: 336؛ فتح القدير 6: 252؛ المغني لابن قدامة 3: 562؛ حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء 4: 13.

(2) مختلف الشيعة 5: 51.

(3) جامع المقاصد 4: 58.

(4) تحرير الأحكام 1: 164.

(5) نهاية الإحكام 2: 449.

(6) البقرة (2): 275.

(7) جامع المقاصد 4: 58.

32

الثالث: أنّه ليس بيعا و إنما يفيد إباحة محضة، اختاره في المبسوط (1) و الخلاف (2) و السرائر (3) و التنقيح (4) و الغنية (5) و المسالك (6) و الدروس (7) و الروضة (8) و في الخامس:

الإجماع عليه، و في المستند (9): المشهور عدم كونه بيعا، و في الأوّلين: كاد أن يكون إجماعا، و إن لم يتحقّق منهم منع إفادته الملك.

الرابع: أنّه بيع فاسد، نسب إلى الفاضل في النهاية (10).

الخامس: أنّه معاملة مستقلّة مفيدة للملك المتزلزل، مال إليه بعضهم و هو محتمل به.

هذا ما تحقق لي من الأقوال، و قال بعض مشايخ من عاصرناه: «إنّ محلّ النزاع غير محرّر، و كلماتهم فيه مشتبهة أو مختلطة، بل ربما ترى منهم نقل الإجماع على طرفي الضدّ حتى من فقيه واحد، فإنّ النزاع إن كان في المعاطاة مع قصد البيع، فهي على القول باشتراط الصيغة معاملة فاسدة، كما نسب القول بها إلى النهاية (11)، لأنّها

____________

(1) المبسوط 2: 76.

(2) الخلاف 3: 7.

(3) السرائر 2: 244.

(4) التنقيح الرائع 2: 22.

(5) غنية النزوع 1: 214.

(6) مسالك الأفهام 1: 133.

(7) الدروس الشرعية 3: 192.

(8) الروضة البهية 3: 222.

(9) مستند الشيعة 3: 361.

(10) نهاية الإحكام 2: 449.

(11) نفس المصدر.

33

تابعة بما اتفقاه، فلا يفيد الإباحة، كما أشار إليه الكركي (1) في نفي الاشتراط، قائلا: «بأنّ المقصود من المتعاطيين إنّما هو الملك، فإذا لم يحصل كانت فاسدة، و لم يجز التصرف في العين، و كافة الأصحاب على خلافه». انتهى.

و على القول بعدم اشتراط الصيغة كانت بيعا صحيحا، فلم يبق للقول بالإباحة المشهور بينهم محلّ في المسألة.

و إن كان الخلاف فيها مجرّدا عن قصد البيع فهي ليست بيعا قطعا، و يفيد الإباحة قولا واحدا، إذ الظاهر عدم الخلاف في مشروعيته حينئذ و لو على جهة المبادلة، و أيضا لم يتحقّق منهم أنّ الخلاف في المعاطاة هو فيما يتحقّق فيه سائر شرائط البيع عدا الصيغة، كما هو صريح المسالك (2). و لازم كونه بيعا، أو يعمّ غيره، كما هو لازم تعليقهم الإباحة بحصول التراضي، مضافا إلى ما نقل عنهم من عدم اشتراط قبض المجلس في معاملة النقدين في المعاطاة.

و عن الشهيد في القواعد (3) تجويز جهالة العوضين فيها، و أيضا قولهم بأنّ المعاطاة بيع صحيح أو فاسد أو إباحة مطلق في المقام، مع أنّ جماعة ذكروا فيه و غيرهم في غيره: أنها تأتي في غير البيع أيضا من العقود المعوضة العينية كالصلح و الهبة المعوّضة، و نحوهما. انتهى كلامه. أقول: هذه الإشكالات لا محلّ لها، فإنّ النزاع في إمكان إيقاع البيع على وجه المعاطاة و عدمه، فمن قال بالأوّل، و هو من لم يشترط الصيغة، يقول باشتراط قصد البيع و سائر الشروط عدا الصيغة عند إرادة البيع بها، و من قال بالثاني لا يجوز قصده منها، و يقول: لا يصلح لغير الإباحة، و إن لم يستجمع شرائط البيع فلا يقصد منها البيع، و هكذا في سائر العقود.

____________

(1) جامع المقاصد 4: 58.

(2) مسالك الأفهام 3: 147.

(3) لم نقف عليه، و لكن بحث عن الغرر في القواعد و الفوائد 2: 61.

34

نعم، هنا كلام آخر، هو أنّه على كفاية التقابض في البيع، فهل يلزم قصد البيع منه، أو ينصرف إليه مجرّدا عن القصد؟ و سنشير إليه في آخر البحث. و كيف كان، فالأقوى عدم اشتراط الصيغة في الصحّة، و إفادة مطلق الملك، و اشتراطها في اللزوم.

أمّا الأوّل، فلوجوه:

أحدها: إطلاق البيع في العرف و العادة على التقابض بقصد التمليك بغير الألفاظ المخصوصة المقصودة بها إنشاء البيع إطلاقا شائعا لا يصحّ سلبه عنه، فيثبت به الحقيقة عرفا، و بضميمة الأصل، لغة، فيحمل عليه ما في الكتاب و السنّة، لعدم ثبوت الحقيقة الشرعية، بل الظاهر كما عليه الإجماع في المصابيح عدمها، فيتناوله عموم قوله تعالى أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (1) و نحوه، مثل ما في صحيح جميل و غيره:

«من ابتاع شيئا فهو له» (2).

و ثانيها: جريان السيرة القطعية المستمرّة على معاملة المأخوذ حسب المعاطاة معاملة الأملاك عينا و ثمنا في جميع التصرّفات التي منها ما لا يصحّ وقوعه إلّا من المالك، كالنقل و العتق و وطء الجارية و نحوها، و غير التصرّفات، كالإرث و الفقر و الغنى و استطاعة الحج و الزكاة و الخمس و غيرها، معتضدا بنقل الإجماع المتقدّم عن الكركي (3) و الظاهر من غيره على كونه بيعا.

و ثالثها: الإجماع القطعي على إباحة التصرف بها، و لم ينقل الخلاف فيها إلّا عن الفاضل في النهاية (4)، و قد رجع عنه في كتبه المتأخرة (5).

____________

(1) البقرة (2): 275.

(2) لم نقف عليه بهذه العبارة.

(3) جامع المقاصد 4: 58.

(4) نهاية الإحكام 3: 449.

(5) مختلف الشيعة 5: 348.

35

و الإباحة هنا دليل الملك، إذ المالك إنما أباحه بقصد الملك، فلو لم يحصل الملك لم يبق الجواز.

و احتمال كونها معاملة مستقلّة يدفعه الأصل، كما ستعلم، مضافا إلى عدم قصده المتعاطي، بل المعلوم من أحوال الناس في المعاملات المتداولة بينهم على سبيل المعاطاة في الأسواق و غيرها قصدهم التمليك على جهة المبايعة.

و من هذا يظهر وجه آخر، و هو أنّ الصيغة لو كانت شرط الصحّة شرعا كانت تلك المعاملات المعاطاتية بيوعا فاسدة غير مجوّزة للتصرف، لعدم كون الصيغة دخيلا في تحقّق المسمى اللغوي، كما تبين، و لا له حقيقة شرعية، و كونها كذلك غير منقول من أحد من العلماء كما مرّ.

و رابعها: أنّه لو لم تفد المعاطاة الملك مع ما فيها من الشيوع و اشتهار العمل على الملك بما لا مزيد له في جميع الأعصار و الأمصار قديما و حديثا لوجب صدور المنع عنه من الأئمة، بل تكرّره و توافره، و لو صدر لوصل إلينا، لتوفر الدواعي، فعدمه دليل العدم، بل الثابت منهم بتقريرهم المعلوم لنا قطعا خلافه.

و خامسها: أنّه لو كانت المعاطاة للإباحة المحضة دون الملك لما اشترط فيها تعيين المبتاع، كما في الإباحة المجّانية، مثل نثار العرس، و الظاهر أنّهم لا يقولون به، و يؤيّد المطلوب بل لا يبعد جعله دليلا اتفاقهم على اللزوم بعد التصرف المتلف، لاستبعاد كون تلف المال مملّكا للعوض المسمّى، خصوصا مع حصرهم النواقل المملّكة فيما ليس هو منه.

و أمّا الثاني، أي اشتراط الصيغة في اللزوم، فلوجهين:

أحدهما: ظهور الإجماع المعتضد بسيرة الأصحاب في المحافظة على ذكر الصيغ الخاصّة و ضبط ألفاظها و المداقة فيها و اهتمامهم في ذكر الخلاف في

36

خصوصيات الصيغة، من غير إشارة إلى الخلاف في أصلها، و لا ذكر دليل عليه، المشعر بكونه منزلا عندهم منزلة المسلّمات القطعية، بل قيل أنّه من الضروريات التي استغنت بذلك عن ذكرها في النصوص و غيرها، كما يؤمي إليه خلوّه عن ذكره فيما لا إشكال في اعتبارها فيه، كالنكاح و الطلاق و نحوهما.

و لم ينقل الخلاف فيمن تأخّر إلّا عمّن ذكر (1)، و الإجماع منعقد من قبله، و عن بعض معاصري الشهيد الثاني، و هو مع شرطه مطلق اللفظ محافظة على حصر التمليك و التحريم بالكلام، للخبر الآتي القاصر عن إفادته، لا شريك له ظاهرا، و متروك بالشذوذ فيمن تقدّم عن غير المفيد، و كلامه كما ترى غير صريح فيه لظهوره في بيان شرائط صحّة البيع و لزومه ما لا ينعقد به (2)، و ترك تعرّضه للتعويل على معلومية اعتبارها، كما لم يتعرّض لها في مثل النكاح و الطلاق أيضا، و يقوّي ذلك نقل بعضهم (3) عنه اعتبار اللفظ في البيع.

و ثانيهما: استصحاب عدم اللزوم، فإنّ اللزوم قيد وجوديّ زائد على مطلق الملك ينفيه الأصل، و لا هكذا تزلزل الملك، فإنّه لازم الماهيّة أعني مطلق الملك، من قبيل الماهيّة في مسألة المرة و التكرار في الأمر الموافقة للمرّة.

لا يقال: إنّ الملك بنفسه مقتض لبقائه، لا يرتفع إلّا برافع، فارتفاعه به- و هو معنى التزلزل- أمر جديد يحتاج إلى جعل شرعيّ ينفيه الأصل.

لأنّا نقول: زوال الملك و انفساخه برجوع المالك، قد يكون من جهة تزلزل الملك و عدم تماميته و عدم ارتفاع سلطنة المالك بالمرة في مقابل المستقر، فكان

____________

(1) المقنعة: 591.

(2) لا ما ينعقد به (صح ظ).

(3) مسالك الأفهام 3: 147.

37

بحيث له الرجوع متى شاء، كما في محل البحث، و يؤمي إليه إطلاق التزلزل عليه دون الخيار، و إلى ما ذكرنا ينظر ما قيل من أنّ الملك مقول بالتشكيك قابل للشدة و الضعف، و قد يكون لدليل خارج عن مقتضى المعاملة من شرط أو جبر ضرر أو تعبد، كما في الخيارات.

و المقتضي لجواز الرجوع في الأوّل هو نقصان الملك، فليس بأمر زائد عن مطلق الملك، و إن كان زواله من أثر الرجوع، بخلاف الثاني.

فإن قلت: لا شبهة في أنّ زوال مطلق الملك أمر متجدّد مسبّب عن الرجوع و مقتضى الاستصحاب بقاؤه و عدم زواله به عند الشك.

قلت: حيث ثبت بالاستصحاب المتقدّم اقتضاء الملك المستفاد من المعاطاة جواز الرجوع و زواله به، ينتقض به استصحاب البقاء، و يكون تعارض الاستصحابين من باب تعارض المزيل و المزال، إذ الأوّل سبب لزوال مقتضى الثاني دون العكس، بل هو على تقدير ثبوته كاشف عن خلاف السبب مقدّم على الكاشف كما حقّقناه في مقامه، فهو من قبيل ما إذا وجدت رطوبة في الثوب محتملة للقلّة التي يتجفّف في ساعة، و الكثرة التي لا يتجفّف فيها، فشكّ بعد الساعة في حصول الجفاف، فإنّه يبنى فيها على استصحاب عدم الكثرة المقتضي للجفاف، لا استصحاب الرطوبة الكاشفة عن الكثرة.

و احتجّ من اشترط الصيغة لمطلق الملك بوجوه:

منها: ما في عدة أخبار باختلاف يسير، إنّما يحلّل الكلام و يحرّم الكلام (1).

و الجواب: أنّ المقصود بالاستدلال، إن كان مطلق الحلّ، فهو يحصل بالإباحة

____________

(1) وسائل الشيعة 18: 48، الباب 8 من أبواب أحكام العقود، الرواية 23114؛ الكافي 5: 201؛ التهذيب 7: 50.

38

التي يكتفي فيها بالأفعال و إذن شاهد الحال إجماعا، و إن كان الحلّ على وجه الملك فلا يساعده اللفظ، و موارد التعليل به في الأخبار غير دالّة عليه، بل هي في إرادة دوران اللزوم بالكلام دون الصحة، كما فهمه صاحب الوافي (1) أوفق و أظهر، مضافا إلى أنّ مطلق الكلام أعمّ من الصيغة الشرعية، و تخصيصه بها ليس أولى من التقييد بما إذا انحصر طريق فهم المراد و القصد باللفظ، و يمكن أن يكون ذكر الكلام من باب التغليب، و المقصود ما يفهم منه القصد و الرضا.

و منها: ظهور الاتفاق على جريان حكم البيع الفاسد على البيع بالصيغ الباطلة، و لو أنّ المعاطاة كانت بيعا لزم كونه صحيحا بالصيغة الباطلة، لخروج الصيغة عن حقيقته.

و الجواب: أوّلا أنّ إفادة المعاطاة الملك على القول بها إنّما هي إذا قصد بالتقابض البيع، فإذا اقترن بالصيغة لم يقصد به إنشاء البيع فلا يحصل الملك بالتقابض حينئذ قولا واحدا، سيما إذا تأخّر التقابض عن الصيغة، فإنّه يكون حينئذ من باب تسليم مال الغير إليه، بل يقصد البيع حينئذ بنفس الصيغة، فإذا فسدت لم يؤثر هي في الملك أيضا، فلا يحصل الانتقال أصلا.

و الحاصل: أنّ البيع عند القائل بالمعاطاة قسمان:

قسم فيه إنشاء النقل بالصيغة و آخر بالتقابض، فإذا قصد الإنشاء بالأوّل لزم كون الصيغة صحيحة.

و ثانيا أنّه لو سلّم ذلك فهو يرد على القول بالملك اللازم، إذ على القول بالمتزلزل كان اللزوم أثر الصيغة، فإذا فسدت لم يلزم، و حيث إنّ المقصود بالمعاملة إذا اقترنت بها، الملك اللازم و عليه التراضي، فإذا بطلت بطل أصل المعاملة.

____________

(1) الوافي 18: 700، الرواية 18144.

39

و منها: إطلاق كلامهم في تحقّق البيع بإشارة الأخرس و نحوه على وجه يكون كالبيع بالصيغة من غير إشارة إلى تبعيتها للعقد كالمعاطاة.

و الجواب أنّ إشارة الأخرس تابعة لقصده، فإن قصد بها العقد يتبعه حكمه، و يكون البيع لازما، و إلّا يتبع المعاطاة، و غرضهم من الإطلاق بعد ذكر العقد هو الأوّل.

و منها: فحوى ما دلّ على عدم جواز المعاطاة في النكاح و الطلاق.

و الجواب أنّه قياس باطل، كما أنّه يجوز شرط الخيار فيه دونهما، مع أنّه يعارضه القياس بالعقود الجائزة.

و منها: ما في الدعائم (1): «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ في البيع و الشراء و النكاح و الخلع و الصدقة».

و الجواب قصوره عن المدّعى سندا و دلالة من وجوه لا تخفى.

و منها: معلومية اشتراط الصيغة من سيرة الأصحاب على ما أشرنا إليه.

و الجواب أنّ المعلوم منها اشتراطها في البيع اللازم دون الصحيح المتزلزل.

حجّة من ذهب إلى إفادة المعاطاة اللزوم، و لم يشترط الصيغة صدق البيع و التجارة عن تراض على المعاطاة في قوله عزّ و جلّ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (2) و إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (3).

و إطلاق الأخبار النافية للخيار، منطوقا و مفهوما عما يصدق عليه البيع، كقوله (عليه السلام): «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» و قوله: «و إذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما»، أو «فقد وجب البيع» (4) و نحوها من أخبار خيار الشرط و العيب.

____________

(1) دعائم الإسلام 3: 53، الفصل 5 من كتاب البيوع و الأحكام فيها.

(2) البقرة (2): 275.

(3) النساء (4): 29.

(4) وسائل الشيعة 18: 6، الباب 1 من أبواب الخيار، الرواية 23013.

40

و الجواب عن الآيتين عدم الدلالة على اللزوم، بل على مجرد الصحّة، و عن إطلاق الأخبار بظهوره في إرادة الخيار من حيث المجلس أو الشرط أو العيب، و بالجملة هو في بيان سببية تلك الأسباب للخيار، و هو لا ينافي ثبوته في بعض أفراد البيع لجهة أخرى، فهو من قبيل إن قبضت في المجلس صحّ الصرف، مع أنّه يمكن فساده من جهة أخرى، فإنّ غرض المتكلّم من مثل هذا الكلام على ما هو المتبادر و المنساق إلى الأذهان من السياق بيان مجرد شرطية الأوّل للثاني، مع الفراغ عن وجود سائر أجزاء العلّة.

تتميمات:

الأوّل: المعاطاة يمكن تصويرها على وجوه:

أحدها: أن يقصد بها الإباحة بعوض و التسليط على التصرف كيف شاء، و لو بالإتلاف من غير تضمين، دون الملك و لا شبهة في مشروعيتها حينئذ على وجه المبادلة، لعموم «الناس مسلطون» (1) و حلّية مال المرء بطيب نفسه، و لا خلاف فيه ظاهرا، و لا في عدم إفادتها الملك، و لا في عدم ضمان العوض مع التلف، كما في الإباحة المجانية في نثار العرس، و مقتضاها عدم صحة التصرفات المتوقفة على الملك، كالعتق و الوطء و البيع لنفسه و نحوها، فإنّ مجرّد تسليط المالك و لو على أمثال تلك التصرفات لا يوجب صحّتها شرعا، بل يتوقف على التوقيف الشرعيّ، و اتفاقهم على صحّته في المعاطاة لا يوجبها في محلّ الفرض، فإنّ من المجمعين من يقول بإفادتها الملك لكونه بيعا أو معاملة مستقلّة، و هو مناط صحّة هذه التصرفات الملكية عنده، فلا يقول بصحّتها في مثل تلك المعاطاة التي لا تفيده اتفاقا.

____________

(1) بحار الأنوار 2: 272؛ عوالي اللآلي 1: 457، الحديث 198.

41

و توجيه الجمع بين صحّة هذه التصرفات في المعاطاة على القول بعدم إفادتها الملك، و بين ما دلّ على أن لا بيع و لا عتق إلّا في ملك، بتقدير الملك ضمنا، كما يقدّر في: اعتق عبدك عنّي، و انعتاق العمودين على المشتري لا شاهد له أصلا، بل مقتضى الأصول و انحصار النواقل الشرعية في كتب الجماعة فيما ليس منه إرادة التصرف الناقل في مثل محل البحث يدلّان على خلافه، مع عدم انصراف الملك في قوله: «لا بيع إلّا في ملك» إلى مثل هذا الملك الضمني الذي تقديره بمجرد التقدم الذاتي، بل المتبادر منه الملك المتعارف في العرف و العادة.

و ثانيها: أن يقصد البيع بالمعاطاة أي إرادة النقل البيعي تفصيلا، كما إذا وقعت المساومة عليه، أو إجمالا على ما هو المعهود المركوز في المقصود غالبا في معاملات الناس المتداولة في الأسواق على سبيل المعاطاة، و المتّجه حينئذ كونها بيعا صحيحا غير لازم، على ما اخترناه بالأدلّة المتقدمة، فيعتبر فيها جميع ما يعتبر في البيع، لعموم ما دلّ عليه الشامل لمحل الفرض، و بيعا فاسدا على المحكيّ عن الفاضل في النهاية (1)، بل هو لازم قول جميع القائلين بمدخلية الصيغة في صحّة البيع، فإطلاق كلام هؤلاء في إفادتها الإباحة الشامل للفرض، خصوصا على تسليم بعضهم صدق البيع عليها لغة و عرفا، غفلة واضحة، بل عليهم حجّة صريحة، كما مرّت إليه الإشارة. فإنّ حرمة التصرف في المأخوذ بالمعاملة الفاسدة و ضمان ما يقبض بها من المسائل الإجماعية، و التعاطي مع تقييده بقصد البيع لا يفيد الإذن المطلق المجوّزة للتصرف، مع فرض عدم حصول المقصود، سيما مع الجهل بالفساد.

و من هذا يظهر فساد ما قيل، بل نسب إلى المتأخرين من أنّ محل النزاع و مجرى الأقوال من الإباحة و البيع المتزلزل و البيع الفاسد ما قصد به البيع، مع وجود جميع شرائطه عدا الصيغة.

____________

(1) نهاية الإحكام 3: 449.

42

و ثالثها: ما قصد به المعاوضة على وجه مطلق، من غير قصد البيع أو الإباحة المحضة، بمعنى عدم الالتفات إليهما لا تفصيلا و لا إجمالا، و الظاهر أنّ حكمه حكم الأوّل، فيحصل به الإباحة دون الملك، أمّا على عدم اشتراط الصيغة في الصحّة، فلحصول الإباحة على الوجهين، و توقّف الملك على قصد البيع، و أمّا على اشتراطها، فلحصول الإذن المجوّز للتصرف و المنافي له عند المشترط قصد البيع و لم يقع، و إن لم يقصد عدمه أيضا، و من هذا يظهر عدم اشتراط وجود سائر شرائط البيع حينئذ في حصول الإباحة مطلقا.

و رابعها: أن يقصد بها الملك المطلق، و هو كما قيل لا ريب في فسادها عند من يشترط الصيغة الخاصّة في تلك المعاوضة لإفادة الملك، لانتفاء الشرط، فينتفي به المشروط، فلا يحصل به الإباحة أيضا حسب ما مرّ، و أمّا عند من لم يشترطها، ففي صحّته و تنزيله على البيع بناء على أنّه الأصل في نقل الأعيان، و لا يخرج عنه إلّا بقصد غيره، كما أنّ الإجارة أصل في نقل المنافع مقدمة على الصلح و الجعالة، كما عن بعضهم، أو تنزيله على الهبة المعوضة، كما عن آخر، أو هو معاوضة ناقلة مستقلة ليست تحت شيء من المعاوضات المعروفة، كما يظهر عن ثالث. أو إفادته الإباحة دون الملك، أو فساده مطلقا، احتمالات، أظهرها الأخير، لإمكان المناقشة؛ في الأوّل: بمنع الأصل و خلوه عن الدليل، فلا ينزل العام على الخاص إلّا بقصده، و لذا لا يكتفي في صيغة البيع بمثل ملكتك.

نعم، لمّا كانت المعاملات العينية المعاطاتية بين الناس يقصد بها البيع غالبا في عاداتهم، كما أشير إليه إذا قصد بالنقل ما تداولت عليه تلك المعاملات جريا على عادتهم، و إن لم يلتفت إلى خصوص البيع تفصيلا، أمكن التنزيل عليه، و ما ذكرناه من الفساد في تلك الصورة إنما هو إذا لم يمكن تطبيق القصد، و لو جريا على العادة المتداولة في المعاطاة على البيع، فكان القاصد كالمتردّد بين خصوصيات المعاوضات.

43

و من هذا يظهر فساد الثاني أيضا.

و في الثالث: باستدعائه التوظيف الشرعي و الدليل عليه، بل قيل: حصر الأصحاب النواقل في ما ذكروه من الأمور المخصوصة يقتضي خلافه، و الاستناد إلى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ يندفع بما عرفت من كونه محمولا على العهد، و مع ذلك صدق العقد على المعاطاة محلّ إشكال، و دعوى السيرة المستمرّة على استقلال المعاطاة في التمليك واهية، لما عرفت من صدق البيع عليها مع القصد لغة و عرفا، فالسيرة لو كانت، فمن تلك الجهة، و إلّا فلا سيرة على الملك.

و في الرابع: بكونها مقيّدة بقصد الملك فينتفي بانتفائه.

الثاني: هل يختصّ المعاطاة بالبيع، أو يعمّ سائر العقود اللازمة، عدا مثل النكاح و الطلاق و أشباههما المتفق على بطلانها فيها؟

صرّح بالعموم المحقق القمي (1) لدخولها في عموم إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (2)، و «الناس مسلطون على أموالهم» (3).

و قد يلحق به بعض ما هو إيقاع كالشفعة و الإبراء و فسخ الخيار و نحوها مما يصدق على المعاطاة فيها اسم تلك المعاملة، لإلحاق المعاطاة بها حينئذ بصدق الاسم، فيلحقها حكمها عدا ما كان من لوازم الصيغة كاللزوم.

و حكي عن تعليق الإرشاد (4): أنّ من المعاطاة الإجارة و نحوها، بخلاف النكاح و الطلاق و نحوهما، فلا يقع أصلا، و به صرّح في الإجارة بعض أجلّة من عاصرناه.

____________

(1) جامع الشتات 1: 173.

(2) النساء (4): 29.

(3) عوالي اللآلي 1: 222، الحديث 99.

(4) حاشية الإرشاد للمحقق الثاني (مخطوط): 216.

44

و عن جامع المقاصد (1): أنّ في كلام بعضهم ما يقتضي اعتبار المعاطاة في الإجارة، و كذا في الهبة، و ذلك إذا أمره بعمل على عوض معين عمله و استحقّ الأجرة، و لو كانت هذه إجارة فاسدة لم يجز له العمل و لم يستحق أجرة، مع علمه بالفساد.

و ظاهرهم الجواز بذلك و كذا لو وهب بغير عقد فإنّ ظاهرهم جواز الإتلاف و لو كانت هبة فاسدة لم يجز، بل يمنع عن مطلق التصرف.

و في المسالك (2)، بعد نقل ذلك: لا بأس به، إلّا أنّ في مثال الهبة نظرا من حيث إنّ الهبة لا يختصّ بلفظ.

أقول: دعوى جواز المعاطاة في جميع العقود عدا ما استثنى مشكلة، فإنّ صدق التجارة و السيرة المعتبرة- و هما العمدة من أدلّة المعاطاة في أكثرها- ممنوع، و عدم القول بالفصل غير معلوم، بل في المحكيّ عن الجامع (3)- كما رأيت- تخصيصها بالإجارة و الهبة، و عموم: «الناس مسلطون»، لا يفيد أزيد من الإباحة دون الملك و اللزوم بالتلف، فعدم العموم أقرب، اقتصارا فيما خالف الأصل على مورد الدليل، و هو ما صدق عليه اسم التجارة، أو علمت فيه السيرة، أو استحقت المعاطاة اسم المعاملة في العرف و اللغة، مع وجود ما يقتضي صحّة مطلق تلك المعاملة، كما في معاطاة الهبة، فإن صحّتها مقتضى الدليلين الأخيرين (4)، فيجوز فيها العمل بمقتضى الملك، كوطء الجارية، كما في هدايا السلاطين لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و منها المارية القبطية، و نحوها القرض و الإجارة على احتمال قويّ، فيستحق بها الأجرة المسمّاة،

____________

(1) جامع المقاصد 4: 59.

(2) مسالك الأفهام 3: 152.

(3) جامع المقاصد 4: 59.

(4) و هما ما علمت فيه السيرة أو استحقّت المعاطاة اسم المعاملة في العرف و اللغة.

45

كما عليه السيرة في الأجراء و الأكرة (1)، و لو كانت إجارة فاسدة لم يستحقّ الأجرة مع علمه بالفساد، و لا المسمّاة مطلقا، و كذا معاطاة الصلح و الهبة المعوضة و الرهن و نحوها، مما يصدق عليه اسم التجارة أو المعاملة عرفا، على إشكال في الأخير، بل لا ينبغي ترك الاحتياط في الجميع، و في مثل الوقف و نحوه يتّجه العدم، و تفصيل الحال في كيفية الاستدلال في كلّ معاملة موكول إلى بابها في الفقه.

و كيف كان، فالظاهر عدم اللزوم في جميع ما صحّت المعاطاة فيه، للأصل المتقدّم.

الثالث: لا خلاف ظاهرا، تحقيقا و نقلا في لزوم المعاطاة بتلف العين من الجانبين، و أمّا من جانب فهو صريح جماعة، منهم المحقق الكركي (2)، بل قيل: لا أجد فيه مخالفا.

و جعله في المسالك (3) أقوى، مشعرا بوقوع الخلاف فيه، و منعه والدي العلّامة (4) و فصّل الفاضل القمي (5) بلزومها على القول بإفادتها الملك المتزلزل دون الإباحة.

و في المسالك (6) و الروضة (7) كغيرهما فيما حكي عنه: أنّ في معنى التلف نقلهما عن الملك بوجه لازم، بل مطلقا كما للوالد الماجد و الفاضل المتقدم (8) و غيرهما ممن عاصرناه.

____________

(1) جمع الأكّار، بمعنى الحرّاث.

(2) جامع المقاصد 4: 58.

(3) مسالك الأفهام 3: 151.

(4) مستند الشيعة 2: 361.

(5) جامع الشتات 1: 175.

(6) مسالك الأفهام 3: 151.

(7) الروضة البهية 3: 222.

(8) جامع الشتات 1: 175.

46

و في إلحاق تلف بعض العين بالكلّ كما عن جامع المقاصد (1) و تعليق الإرشاد احتمالات في المسالك (2)، ثالثها اللزوم من العين الآخر في مقابل التالف، و بقاء الباقي على أصل الإباحة، و في الروضة (3) مال إلى الأوّل.

أقول: الذي يقتضيه النظر لزوم المعاملات المعاطاتية المتداولة بتلف العوضين، أو الكلّ من البعض، أو البعض من الكلّ، و لكن فيما يقتضيه من الملك أو الإباحة على اختلاف القولين.

بيان ذلك: أنّ شرعية تلك المعاطاة على ما وقعت عليه المراضاة معقد إجماع الفريقين، و معنى شرعيتها ترتّب الأثر من الإباحة أو الملك شرعا عليها، على حسب ما تعاهد المتعاطيان عليه و حيث إنّ مقصودهما الواقع عليه المراضاة، تسليط كلّ منهما الآخر على التصرف فيما صار إليه كيف شاء، و إتلافه على ضمان العوض المسمّى، و كلّ من العوضين مأخوذ بهذا العنوان، فيقتضي شرعيتها كونه المتعيّن في مقابل الآخر دون عوضه، مثلا كان أو قيمة، مع أن التسلط على المطالبة بالعوض، مع كون التلف بتسليطه، ينفيه الأصل، و على هذا يصير الملك أو الإباحة على الخلاف لازما بالتلف.

نعم، إن ثبت الإجماع على حصول الملك بالتلف على القول بالإباحة أيضا، كما عساه يظهر من القائلين بها، فيصير ملكا لازما أيضا، و إلّا فلزم الإباحة.

و من هنا ينقدح أنّ التصرف المغيّر للعين، كالمزج و الطحن و قصر الثوب و أمثالها يوجب اللزوم أيضا من الجانبين، إن تغيرت العينان، و من جانب من تغيّرت عنده إن

____________

(1) جامع المقاصد 4: 58.

(2) مسالك الأفهام 3: 151.

(3) الروضة البهية 3: 222.

47

كانت من جانب، سواء كان التغيّر موجبا للنقص أو لا، لقضية الشرط بينهما المقتضي للزوم، و أصالة بقاء الملك للمالك الأوّل على الإباحة، و بقاء تزلزله على الملك لا تستلزم بقاء سلطنة الرجوع المنافي لغرضهما.

و ما عسى ما يتوهّم من الإشكال في المجال، أمّا على الإباحة فهو أنّها مجرّد الإذن في التصرف و الإتلاف على المبادلة، و هو لا يقتضي رفع التسلط على مطالبة ملكه، غاية الأمر رجوع صاحب التالف إلى عوضه دفعا للضرر، و شرعيته لا يقتضي أزيد من جواز التصرف و الإتلاف.

و يندفع بأنّ الإباحة الحاصلة من المعاملة المعاطاتية المتداولة عند القائل بها ليست على حدّ مطلق الإذن في التصرفات الثابت جوازه بمثل: «الناس مسلطون»، بل هي بمعنى صحّة ما وقع بينهما التراضي عليه في المعاملة من آثار الملك و ملك النماء و غيرهما، غير ملك العين و لذا يشترط في صحّتها تعيّن العوضين و نحوه، و هو غير لازم في مطلق الإذن، و الدليل على شرعيتها بهذا الوجه هو الإجماع القطعي و السيرة المعلومة في جميع الأعصار و الأمصار في تلك المعاملات المعاطاتية المتداولة بين الناس، فإنّهم يعاملون فيها معاملة الأملاك من غير نكير، غاية الأمر الخلاف في حصول ملك العين أو الإباحة المخصوصة على هذا الوجه، و منه اتفاقهم على حصول الملك بالتلف، و التجأ بعضهم في توجيهه على القول بالإباحة بحصول الملك الضمنى، من قبيل ملك من ينعتق عليه، فلا مجال لإنكار شرعيتها و ترتّب الآثار عليها، حسب ما اشترطاه إلّا على القول بكونها بيوعا فاسدة، و عرفت شذوذه و لا هكذا مطلق الإذن، فإنّه لا يفيد غير الحلّ في التصرف، دون ملك الآثار، و صحّة ما وقع عليه المراضاة.

و من هذا يظهر أنّ الإباحة التي ذكرناها في الصورة الأولى من صور المعاطاة،

48

أي ما إذا قصد بالتعاطي مجرد الإباحة على المبادلة بغير ملك هي من مطلق الإذن، و المتجه فيها عدم اللزوم مع بقاء أحد العينين أو بعضهما، و إن علم من قصد المتعاطيين فيها التسليط على التصرّف في ماله على ضمان العوض المسمّى، لعدم ثبوت شرعيتها بهذا الوجه، و لا صحّتها على حسب جميع ما وقع الإذن عليه، إذ ليست معدودة من وجه المعاملات الشرعية، و لا إجماع و لا سيرة فيها، فإنّها من الفروض النادرة.

و أمّا على الملك فالإشكال من وجهين:

الأوّل: أنّه كيف يلزم الملك بالتصرف الناقل و يسقط تسلّط المالك على الرجوع مع فرض بقاء العينين، فيرجع إلى المشتري الثاني بعين ملكه.

و هو مندفع بأنّ المراضاة في المعاطاة وقعت على تسليط كل منهما الآخر على جميع التصرفات حتى التصرف الناقل اللازم، كما هو المعلوم من الرجوع إلى أنفسنا، و المفروض صحّتها و شرعيتها كما مرّ، كيف و إلّا لم يحصل أصل النقل بوقوع الرضا به على هذا الوجه، مع أنّه خلاف الإجماع و السيرة، و لازم ذلك على القول بالملك لزوم النقل الثاني.

الثاني: أنّه كيف يلزم الملك المتزلزل بالتلف أو نحوه مع أنّ غاية الأمر أنّ المعاطاة حينئذ كالبيع بالخيار من الجانبين، و من المعلوم عدم اللزوم فيه بذلك و لذا ربما يجعل هذه الأحكام المسلمة في المعاطاة من أقوى الشواهد على أنّها للإباحة دون البيع.

و هو مدفوع (1) بأنّ شرعية المعاطاة كما أشرنا إليه إنّما هي على ما وقع عليه التراضي و التعاطي، و هو المراضاة بعين على عين، فعلى إفادته الملك المتزلزل إذا

____________

(1) عبارة النسختين هنا مختلفة و ما أثبتناه في المتن موافق لنسخة «س».

49

تلف أحدهما، فتجويز الرجوع، إمّا مع ضمان عوض التالف، أو بدونه، و أيّهما كان فهو خلاف المراضاة و المواضعة من كون العين في مقابل العين لا العوض أو بدونه فالخيار في المعاطاة تابع للعوضين، و يبقى ما بقيا، نظير الرجوع في الهبة المنتفي بتلف الموهوب بخلاف سائر الخيارات، فإنّها تابعة للعقد، و لازمه رجوع كل من المتعاقدين إلى ماله، أو ضمان العوض عند وقوع الفسخ المزيل لأثر العقد من حين وقوعه، و بعبارة أو وجه آخر أثر المعاطاة هو الملك المتزلزل، بمعنى عدم زوال تمام حقّ المالك من العين، و لذا قلنا مقتضى الأصل فيها عدم اللزوم و عدم حصول الملكية التامّة المنافية لبقاء حقّ المالك، غير أنّ العين في مقابل العين، و مقتضى ذلك عدم جواز رجوع صاحب التالف، لفوات محلّه، و لا صاحب الباقي لفوات ما يقابله الموضوع عليه، بخلاف خيارات العقود، فإنّ أثر العقد الملك التامّ و إنّما الخيار في فكّ العقد بدليل خارج عن مقتضى العقد، من شرط أو تعبّد أو جبر ضرر و نحوها، و لازمه سقوط الأثر من حين الفسخ و رجوع كلّ إلى ماله عند بقائه و ضمان من عنده عند تلفه، فإنّ دليل هذا الخيار لا يختصّ بصورة وجود العين بل يتّبع العقد.

الرابع: المحكيّ عن الشهيد (1) و الكركي (2) و صريح غيرهما كفاية قبض أحد العوضين بالفعل في حصول المعاطاة، و هي كذلك، لصدق البيع و التجارة، فيجري حكم البيع على قبض أحدهما، بل قيل بجوازها بالألفاظ المقصود بها إنشاء البيع، غير الصيغة المخصوصة و إن لم يقع قبض من أحدهما، فيجري فيها حينئذ حكم البيع الغير المقبوض.

____________

(1) الروضة البهية 3: 222.

(2) جامع المقاصد 4: 58.

50

و فيه إشكال، لعدم ظهوره من الدليل المذكور، و في المسالك (1) و الروضة (2) التأمل فيها عند عدم التقابض، لعدم صدق المعاطاة، لأنّها معاملة يتوقّف على الإعطاء من الجانبين، و ردّ بعدم وجود هذا اللفظ في النصوص، فلا يتبعه الحكم، مع أنّه يكفي في صدق المفاعلة المشاركة في الجملة، و إن لم يتحقّق المبدأ في كل منهما مستقلا، كما في المتابعة و المرابحة، فإنّ الفعل يحصل باجتماعهما، بل لا يبعد القول بحصول التعاطي بمقابلة ما في ذمّة أحدهما الملتزم به للمدفوع.

البحث الثاني: في بيان ضابطة صيغ العقود اللازمة على ما يقتضيه الأصول و عموم الأدلّة.

و ليعلم أوّلا أنّ العقد صيغة شرعية لا بدّ لها من متخاطبين و لو حكما يترتّب عليها نقل ملك أو سقوط حقّ أو حلّ فرج أو تسلّط على تصرف، و هو على ثلاثة أصناف:

لازم من الطرفين باعتبار أصله، و هو الذي لا يتسلّط على فسخه إلّا لسبب أجنبيّ من شرط أو جبر ضرر أو تعبد على وجه مخصوص، و ذلك البيع و الإجارة و الصلح و الضمان و الكفالة و الحوالة و السبق و الرمي و المزارعة و المساقاة و الصدقة و العمرى و الحبس و الوقف و النكاح و الهبة على بعض الوجوه و المكاتبة على الأشهر.

و لازم من أحدهما خاصّة بالأصالة، و هو الذي لا يتسلّط على فسخه من طرف اللزوم إلّا بسبب أجنبيّ، و ذلك الرهن، فإنّه لازم من طرف الراهن جائز من طرف المرتهن، و يوافقه الخلع و المباراة، حيث إنّ للزوجة الرجوع في البذل، و معه كان للزوج الرجوع في النكاح، فهو في قوّة الفسخ لازم من طرفه جائز من طرفها.

____________

(1) مسالك الأفهام 3: 151.

(2) الروضة البهية 3: 222.

51

و غير لازم من أحد منهما، و هو الجائز في أصله، و حكمه تسلّط كل منهما على الفسخ، و لا يعرضه اللزوم إلّا بنذر أو شرط و هو القرض و الوديعة و العارية و الوكالة و الجعالة و الشركة و المضاربة و الوصية و الهبة على وجه.

و الإيقاع صيغة شرعية يكفي فيها الواحد، يترتّب عليها قطع أو صلة أو نقل ملك أو استحقاق حقّ أو عقوبة أو سقوط حقّ و هي الطلاق و الرجعة و الظهار و الإيلاء و اللعان و العتق و التدبير و الأيمان و النذور و العهود و الحجر و الشفعة و الحكم.

و في مقابل العقد المعاطاة فيما صحّت فيه من المعاملات، فينعقد بمجرّد التقابض و القبض من طرف على ضمان العوض من الآخر، فمن لم يقل بإفادتها أثر المعاملة، كالقول بالإباحة المحضة في البيع، فعنده ليست من تلك المعاملة؛ و من يقول بإفادتها مفاد العقد لزوما أو جوازا فحكمها عنده حكمه، و من يقول بإفادتها الملك المتزلزل، كما هو المختار، فهو من أقسام المعاملة في مقابل العقد، و فرقها حينئذ مع العقد اللازم ظاهر و أمّا مع الجائز، فهو أنّ أثر الجائز هو الملك المستقر، و للمالك الفسخ، لدليل خارج، و أثر المعاطاة الملك المتزلزل و لا يستقرّ إلّا بتلف العين كما تبيّن.

ثم الظاهر الإجماع على أنّ العقد الجائز لا يتعين له لفظ، بل كل لفظ دال على معناه كاف فيه، و إن لم يكن عربيا و ماضيا و لا من الألفاظ الصريحة في بابه، و يكفي فيه القبول الفعلي و لا يشترط فيه الاتصال و الفورية و نحوها، و لعلّه يتأتّى فيه الخلاف المتقدم من كفاية المعاطاة و عدمها، و إن اكتفي بها في الحلّ على اشتراط الصيغة أيضا فيما يفيد التسليط على التصرف أو الانتفاع مطلقا أو مع بقاء العين، كالوكالة و العارية و الهبة الجائزة و القرض و نحوها، لحصول مطلق الإذن، و إن لم يترتّب عليه سائر ثمرات العقد و لم يشترط بشروطه، كما في الوكالة، فإنّها حيث كانت عقدا يشترط فيها التنجيز و القدرة على الموكّل فيه عند التوكيل و غيرهما، و لا

52

يشترط في الإذن المطلق، و في الفرض فلا يفيد المعاطاة فيه الملك، كما لعلّه المشهور، و إن أفادت الإباحة.

و إذا علمت ذلك نقول: النظر في صيغ العقود اللازمة، تارة في موادّ الألفاظ، و أخرى في الهيئات و التراكيب المعتبرة فيها.

أمّا الأوّل: فكلماتهم فيه في جليل النظر لا يخلو عن إجمال، بل تدافع حتى من فقيه واحد، كما ستطلع عليه.

قال العلّامة (رحمه اللّه) في التذكرة (1): «من شروط الصيغة الصراحة، فلا يقع بالكناية بيع البتة، مثل قوله: أدخلته في ملكك، أو جعلته لك، أو خذه منّي، أو سلّطتك عليه بكذا، عملا بأصالة بقاء الملك، و لأنّ المخاطب لا تدري بم خوطب»، انتهى.

و نحوه عن غيره.

قيل مستظهرا من آخرين: إنّ المراد بالصريح ما كان موضوعا لعنوان ذلك العقد لغة أو شرعا، و من الكناية ما أفاد لازم ذلك العقد بحسب الوضع، فيفيد إرادة نفسه بالقرائن، و قد يبدّل الصريح و الكناية بالحقيقة و المجاز، بل ينسب ذلك إلى العلماء أو أكثرهم، فيقال: لا ينعقد بالمجازات، و عن بعضهم عدم الفرق في الجميع بين المجاز القريب و البعيد، و مقتضى ذلك اشتراط الدلالة الوضعية في انعقاد الصيغة، و ربما يعلّل ذلك بأنّ تشريع العقود لكشف القصود، بحيث لا يبقى معها مجال التخالف و التجاذب في المعنى المراد، و لا يتأتّى هذا الفرض إلّا بإيراد الألفاظ الصريحة دون المجاز و الكناية، كالدفع و الإعطاء و التسليم و التسليط و أمثالها في البيع، و إن قصد بها البيع، و وقعت عليه المساومة و دلّت عليه القرينة، و أنت خبير بأنّ المجاز مع القرينة الصريحة سيما اللفظية قد يبلغ في الصراحة حدّ الحقيقة.

____________

(1) تذكرة الفقهاء 1: 461.

53

نعم، إن توقّف في مورد تمايز المعاملات المتشابهة بألفاظ مهياتها الموضوعة لها و أسماءها المتداولة فيها، كما إذا فرض اشتراكها لغيرها في جميع الآثار المترتبة عليها، كما أشرنا إليه فيما تقدّم، كان المتعين حينئذ المعاملة بمقصوده، إلّا أنه ليس كلّيا، فيمكن الإشارة في غيره إلى المقصود بآثاره المختصّة.

و ربما يظهر من بعضهم بل كثيرهم الاكتفاء في كثير من العقود- بل عن قائل في جميعها- بالألفاظ الغير الموضوعة لذلك العقد، و انعقادها بالمجازات و الكنايات مع القرائن الدالّة.

و قال في التحرير (1): «الإيجاب اللفظ الدال على النقل، مثل بعتك أو ملّكتك أو ما يقوم مقامهما»، و نحوه المحكيّ عن التبصرة (2) و الإرشاد (3) و شرحه لفخر الإسلام (4)، و ظاهره كما قيل حصول النقل بكلّ لفظ دال عليه، مثل نقلته إلى ملكك و جعلته ملكا لك بكذا، فيشمل الكنايات، و قد سبق منعه عنها في التذكرة.

و في المحكيّ عن المحقق أنّ عقد البيع لا يلزم فيه لفظ مخصوص (5)، و عن الشهيد في بعض تعليقاته أنّه جوّز البيع بكلّ لفظ دلّ عليه، مثل أسلمت إليك و عاوضتك (6)، بل قد يدّعى أنّه ظاهر كلّ من أطلق اعتبار الإيجاب و القبول اللفظيّ من دون لفظ خاص، كالشيخ و أتباعه.

____________

(1) تحرير الأحكام: 164.

(2) تبصرة المتعلمين: 316.

(3) إرشاد الأذهان: 359.

(4) الظاهر أنّ المراد من شرح الإرشاد ما هو لبعض تلاميذ فخر المحققين ينقل فيه عن شيخه فخر المحققين. راجع الذريعة 13: 75، و هذا الشرح مخطوط حتّى الآن.

(5) حكاه عنه في كشف الرموز 1: 446.

(6) حكاه عنه في مفتاح الكرامة 4: 150.

54

و عن ظاهر جماعة في الفرض الذي هو عقد لازم عدم اختصاصه بلفظ خاص، فجوّزوه بقوله: «تصرّف فيه و انتفع به و عليك ردّ عوضه»، أو «خذه بمثله».

و عن جماعة في الرهن أنّ إيجابه يؤدّى بكلّ لفظ يدلّ عليه، مثل قوله هذه وثيقة عندك أو أمسكه بمالك، و في الضمان بلفظ تعهّدت المال و تقلّدته و شبه ذلك، و المزارعة بكلّ لفظ تدلّ على تسليم الأرض للمزارعة.

و عن مجمع البرهان (1): «لا خلاف في جوازها بكلّ لفظ يدلّ عليه مع كونه ماضيا»، و عن المشهور جوازها بلفظ الأمر، نحو: ازرع، و الوقف بلفظ حرمت و تصدّقت، مع القرينة الدالّة على إرادة الوقف، مثل أن لا يباع و لا يورث، مع أنها من الكنايات، و غير ذلك مما هو ظاهر في الاكتفاء بغير الحقائق في العقود.

و جعل بعض أفاضل من عاصرناه، الضابط في جميع العقود اللازمة الحقيقة، و لكن ما تعمّ (2) لفظ المعاملة و لفظ قرينة المجاز، و جعله وجه الجمع بين اعتبارهم الحقائق و عدمه، فيكون المعتبر الدلالة اللفظية الوضعية، سواء كان اللفظ الدال على إنشاء العقد موضوعا له بنفسه أو مستعملا فيه مجازا بقرينة لفظ موضوع آخر ليرجع الإفادة بالآخر إلى الوضع؛ إذ لا يعقل الفرق في الموضوع الذي هو مناط الصراحة بين إفادة لفظ للمطلب بحكم الوضع أو إفادته له بضميمة لفظ آخر يدلّ بالوضع على إرادة المطلب من ذلك، و هذا بخلاف الذي يكون دلالته على المطلب لمقارنة حال أو سبق مقال خارج عن العقد، فإن الاعتماد عليه في متفاهم المتعاقدين- و إن كان من المجازات القريبة جدّا- رجوع عما بني عليه من عدم العبرة بغير الأقوال في إنشاء المقاصد، و لذا لم يجوّزوا العقد بالمعاطاة و لو مع سبق مقال أو اقتران حال يدلّ على إرادة البيع جزما، انتهى.

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان 10: 96.

(2) كذا.

55

و استشكل به الاقتصار على المشترك اللفظي، اتّكالا على القرينة الحالية المعيّنة و كذا المشترك المعنويّ، لأنّ الانكشاف بغير الأقوال لا يؤثر في النقل و الانتقال فلم يحصل هنا عقد لفظيّ يقع التفاهم به.

أقول: لا يخفى ما فيه.

أمّا أوّلا: فلأنّ أكثر ما ذكروه من أمثلة الكنايات الممنوعة يأبى عن هذا الجمع و الإناطة بما ذكر، كيف و قد سمعت من التذكرة التفريع على عدم الانعقاد بالكناية عدم وقوع البيع بقوله أدخلته في ملكك أو جعلته لك.

و من التحرير و غيره وقوعه بملكتك أو ما يقوم مقامه، و في غير البيع انعقاده بما هو أدون من ذلك دلالة عليه، مع أنّ عبارات المشترطين ظاهرة في كون العبرة بالصراحة و الحقيقية باللفظ المستعمل في نفس المعاملة المقصودة الذي يلزم و يقع الإنشاء به، و كونه دالا عليه بنفسه لا بمعونة قرينة و لو كانت لفظية.

و أمّا ثانيا: فلأنّ الفرق بالانعقاد و عدمه في المجازات بكون القرينة لفظية أو حالية مما لا يساعده دليل، فإنّ المناط في الانعقاد، إن كان إنشاء المعاملة باللفظ الموضوع لها، فهو غير ما قيل في شيء منهما، لتجوّز اللفظ المستعمل فيهما، و إن كان فهمه في الأوّل بمعونة القرينة اللفظية و في الثاني بالحالية، و إن كان حصول إنشاء المعنى المقصود باللفظ دون مجرّد النيّة، فهو ما قيل فيهما، لحصوله بما استعمل فيه اللفظ واقعا، لا بما هو طريق فهم المخاطب إياه، فلا ينتقض بالمعاطاة، إذ الإنشاء فيها بالفعل دون القول.

ثم أقول: تحقيق الحال على ما يختلج بالبال أنّه لا شك و لا خلاف في أنّ صيغ العقود من الأسباب الشرعية لانعقاد المعاملات و ترتّب الآثار و الأحكام عقيبها، و كذا لا خلاف في اعتبار ظهور اللفظ فيها في المعنى المقصود، و إن اختلفوا في

56

الاكتفاء بكلّ لفظ دلّ عليه، كالمحكيّ عن جماعة، أو لزوم لفظ أو ألفاظ مخصوصة، كما في المشهور، بل لعلّه الظاهر من مطاوي كلمات الأصحاب في أبواب العقود، و إن اختلفوا في بعض الشروط، بل بعض العقود معقد الإجماع في ذلك، و كيف كان فمقتضى الأصول فيها كما تقدّم في أوائل البحث الاقتصار على موارد الدليل، استصحابا لعدم السبب و عدم ترتّب الأثر، و ليس في النصوص ما يعمّ السببية لمطلق الألفاظ المفهمة و لو بالقرينة، عدا ظاهر عموم قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، و قد علمت أنّه محمول على استغراق أجناس العقود الموظفة المعهودة، من باب اختصاص مدخول اللام بالمعهود، أو إشارة اللام إلى العهد بها، مثل: جمع الأمير الصاغة، المستغرق في صاغة ملكه أو بلده، و ما يصلح قرينة للعهد لعموم المخاطبين في زمان الخطاب هو شيوع الاستعمال، و هو مختصّ بالألفاظ الخاصّة الموضوعة لتلك المعاملات لغة أو شرعا، أو المتداولة فيها بحسب الاستعمال في ألسنة العرف و لو مجازا، فيقتصر في الاستدلال بالآية على تلك الألفاظ.

و لعلّه يشير إلى ذلك ما حكي عن المحقق الثاني (1) في باب السلم و النكاح في الجمع بين كلمات المانعين عن المجازات و المجوّزين لها، بحمل المجازات الممنوعة على المجازات البعيدة.

و أظهر منه ما عن المسالك من أنّه يجب الاقتصار في العقود اللازمة على الألفاظ المنقولة شرعا، المعهودة لغة، و الظاهر أنّ مراده بالمنقولة شرعا هي المأثورة في كلام الشارع.

و عن المحقق الأردبيلي في باب النكاح أنه حكم شرعي حادث، فلا بدّ له من دليل يدلّ على حصوله، و هو العقد اللفظي المتلقّى من النص، ثم ذكر لإيجاب

____________

(1) جامع المقاصد 4: 207.

57

النكاح ألفاظا ثلاثة، و عللها بورودها في القرآن.

و على هذا فالضابط وجوب إيقاع العقد بإنشاء الألفاظ الدائرة في عرف المتشرّعة في زمان الشارع، تبعا للسان الشرع، و هي بعينها عنوانات تلك المعاملات، فلا ينعقد عقد بلفظ آخر ليس مما يختص به، و الظاهر أنّه المقصود من الصريح الذي اشترطوه، و تتضح منه أنه لا ينعقد مثلا بيع المنفعة أو الإعارة، و لا البيع بالهبة المعوّضة، و لا الوقف بالصدقة و أشباه ذلك، و لا ينعقد معاملة بما دلّ على لوازمها المختصّة، و لا بالألفاظ المشتركة، و لو مع القرينة اللفظية المعينة، إلا مع تداوله و شيوع استعماله فيه.

و لا يبعد جواز الضمان بالتعهد و ما يشبهه، و بهذا الضابط يتميّز الصريح المعهود، و الذي يتوقّف عليه الانعقاد في كلّ عقد من غيره.

و يمكن الاستدلال على ما قلناه، أيضا بما ذكرناه فيما تقدّم، من أنّ تمايز مهيات المعاملات التي جعل الشارع كلّا منها بالأصالة موردا لأحكام كثيرة،- و إن اتّفق اشتراكه في مورد لمعاملة أخرى منها، على حسب شرط المتعاملين و تعاهدهما- يعرف بتمايز ألفاظها المختصّة و عنواناتها المعروفة، فانعقادها بحقائقها يطلب بإنشاء تلك الأسماء و العنوانات المختصّة بها.

و أمّا الثاني: أعني الكلام في هيئات الصيغ و تراكيبها، كالعربية و الماضوية و تقدم الإيجاب و أمثالها، فمجمل القول فيها، أنّ ما شكّ منها في مدخليته في الماهيّة الأعمّ لجنس ما تداول عليه في زمان الخطاب، لزم الحكم باشتراطه، اقتصارا بالمتيقّن و عملا بالأصل، و ما علم عدم مدخليته في نفس الماهيّة، بل كان من الخصوصيات و المقارنات الزائدة المحتملة لكونه شرطا للصحّة، و كان اسم الماهية صادقا على فاقده منفيّ اشتراطه؛ لعموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و هذا يختلف باختلاف العقود

58

و الشروط، و لا عناية لنا هنا لخصوص أفراد العقود، بل هو موكول إلى أبوابها.

و الظاهر أنّ ماضوية اللفظ من القسم الأوّل، فيكون شرطا، إلّا فيما ثبت خلافه بإجماع و نحوه؛ لجريان العادة باستعمال الماضي في الإنشاء في العقود، و صراحته فيه؛ فإنّ قصد الإنشاء بالمستقبل خلاف المتعارف.

و عن بعضهم الإجماع على عدم الوقوع بالمضارع و الاستفهام، و في التذكرة (1) الإجماع على عدم وقوع البيع بلفظ أبيعك أو اشتر منّي. و كذا يشترط النطق، فلا ينعقد بالكتابة و الإشارة، و قيل يصحّ مع العجز، و لا دليل عليه.

و لا يبعد اشتراط العربية في أكثر العقود أيضا، لما ذكر، و عدم اللحن في الإعراب، بل عربية جميع أجزاء العقد الداخلة في أجزائه في الإيجاب و القبول، لأنّ غير العربية كالمعدوم، فكأنّه لم يذكر، فكان العقد غير تامّ، و من يكتفي بظهور اللفظ في المعنى المقصود يلزمه القول بعدم اشتراطه.

و هل يعتبر علم المتكلّم تفصيلا بمعنى الكلام و لو بتلقين غيره و عدم كونه من أهل اللسان، فيكون فارقا بين معنى أبيع و بعت و أوجدت البيع و غيرها؛ أو يكفي مجرّد علمه بأنّ هذا اللفظ لإنشاء المعاملة المقصودة، فيقصد إنشاءها به؟ الظاهر الأوّل، لأنّ التلفّظ بالعقد ليس من باب التعبّد من قبيل تلاوة القرآن، كالتلفّظ بمعجمات أوائل السور مثلا، لأنّ المقصود من تشريع العقد استعمال المتكلّم هذا اللفظ المخصوص في معناه المقصود، و إرادته منه، و لا يتمّ ذلك إلّا بفهم المعنى و انطباقه للفظ، فلا يقال للجاهل بالمعنى المستعمل فيه أنه استعمل اللفظ فيه و أراده منه.

____________

(1) تذكرة الفقهاء 1: 462.