أدب الطّف أو شعراء الحسين عليه السلام - ج3

- السيد جواد شبر المزيد...
314 /
1

-

2

-

3

بِسمِ الله الرَحمنِ الرَحيمِ

هذا هو الجزء الثالث من موسوعة شعراء الحسين (عليه السلام) أو أدب الطف ، وكنت على موعد مع القراء أن أوافيهم بالجزء الثالث وهو يحمل بين دفتيه شعراء القرون الثلاثة : السادس ـ السابع ـ الثامن ، ولكن العلم لا نهاية له ، وافق البحث والتنقيب كأفق الكون يتمدد ويتسع ( والسماء بنيناها بأيد وانا لموسعون ) ، ومن حيث اريد ولا اريد اتسع البحث حول القرن السادس واذا به يحتلّ المكان ولا يترك مكاناً لتالييه.

والحق اني كتبت الجزئين السابقين ولم اهيء نفسي كما يجب وانما تنبهت بعد لخطورة البحث وعظم المسؤولية ، ولا أبالغ اذا قلت اني نخلت اكثر من خمسين ديواناً من دواوين الشعراء في القرون المتقدمة وقرأت كل بيت من أبياتها عسى أن يكون هناك بيت يخصّ الموضوع ، وسبرت كثيراً من الدواوين ، وتركتها والنفس غير طيبة بفراقها ، تركتها والامل لم يزل متصل بها والحسرة تتبعها ذلك أني لا أُؤمن أن أمثال اولئك الشعراء الفطاحل لم ينظموا في يوم الحسين مع ما عرفوا به من الموالاة والمفاداة لأهل البيت (صلوات الله عليهم) ، فهل تعتقد أن أمثال أبي تمام والفرزدق وابن الرومي والبحتري

4

والحسين الطغرائي وصفي الدين الحلي والمتني واضرابهم لم يقولوا في الحسين ولم يذكروا يومه ويتأثروا بموقفه البطولي مع أن يوم الحسين هزّ العالم هزاً عنيفاً لا زال صداه يملأ الافاق.

ان الكثير من تراثنا الادبي ضاع وأهمل وغطت عليه يد العصبية في الاعصر الاموية وتوابعها في عصور الجهل والعقلية المتحجرة ، يدلك على ذلك ما تقرأه من نصوص الادب ودواوين الشعراء أمثال ديوان كعب بن زهير الذي نشرته دار القومية للطباعة والنشر في الجمهورية العربية المتحدة وعندما جاء على قصيدة كعب التي أولها :

هل حبل رملة قبل البين مبتور * * * أم أنت بالحلم بعد الجهل معذور

روى لنا الشارح عن كتاب ( منتهى الطلب من أشعار العرب ) المجلد الاول ص 10 من مخطوطة دار الكتب المصرية رقم 53 ما نصه : وقال كعب يمدح أمير المؤمنين علياً (عليه السلام). وكانت بنو امية تنهى عن روايتها وإضافتها الى شعره. انتهى.

وعندما تقف على قصيدة عوف بن عبدالله ـ من شعراء القرن الاول الهجري والتي يستنهض بها التوابين لأخذ ثار الحسين (عليه السلام) وأولها.

صحوت وقد صحّ الصبا والعواديا ـ وقلت لاصحابي أجيبوا المناديا.

يقول المرزباني في معجم الشعراء ما نصه : وكانت هذه المرثية تخبّأ ايام بني أميّة ، وانما خرجت بعد ذلك.

وحسبك إذ تسأل التاريخ لم ضاع اكثر شعر ابراهيم بن العباس الصولي في أوائل العهد العباسي ولَم جمع كل شعر له يتضمن الثناء على أهل البيت فاحرقه بالنار ، ولم ضاعت قصيدته التي تزيد على مائتي بيتاً والتي أنشدها

5

بين يدي علي بن موسى الرضا (عليه السلام) فلم يحفظ الناس منها الا مطلعها وهو :

أزال عزاء القلب بعد التجلّدِ * * * مصارع أبناء النبي محمد

واسأل التاريخ لماذا يُنبش قبر منصور النمري في عهد هارون الرشيد ألأنه قال :

آل النبي ومن يحبهمُ * * * يتطامنون مخافة القتل

أمنوا النصارى واليهود وهم * * * من أُمّة التوحيد في أزلِ

وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

المؤلف

6

الأبيُوردي الأموي

محمد بن احمد الابيوردي الاموي القائل في رثاء الحسين (عليه السلام) من قصيدة :

وجدّي وهو عنبسة بن صخرٍ * * * بريء من يزيد ومن زياد (1)

وفي معجم الادباء ج 6 ص 342 قال : ورثى الحسين (عليه السلام) بقصيدة قال فيها ومن خطه نقلت :

فجدي ـ وهو عنبسة بن صخرٍ ـ * * * بريء من يزيد ومن زياد

أقول وجدّه الذي يفخر به هو عنبسة بن عتبة بن عثمان بن عنبسة بن ابي سفيان وهو صخر بن حرب بن امية.

____________

1 ـ الاعيان ج 1 القسم الثاني ص 194.

7

ابو المظفر محمد بن احمد بن محمد بن احمد الاموي المعاوي الشاعر الابيوردي (1) مات باصبهان 20 ربيع الاول سنة 507.

قال ابو الفتح البستي يرثيه :

اذا ما سقى الله البلاد وأهلها * * * فخصّ بسقياها بلاد أبيورد

فقد أخرجت شهما خطيراً بأسعد * * * مُبرَّاً على الاقران كالأسد الوردي

فتى قد سرت في سرّ أخلاقه العُلى * * * كما قد سرت في الورد رائحة الورد

و ( الابيوردي ) نسبة الى أبيورد بفتح أوله وكسر ثانية وياء ساكنة وفتح الواو وسكون الراء ودال مهملة ، مدينة بخراسان وأصله من كوفن قرية من قرى ابيورد بين ( نسا ) وأبيورد.

قال ياقوت كان إماماً في كل فّنٍ من العلوم عارفا بالنحو واللغة والنسب والاخبار ، ويده باسطة في البلاغة والانشاء وله تصانيف في جميع ذلك وشعره سائر مشهور.

أقول : نقلنا هذا عن الاعيان ج 43 ص 261 وترجمه الشيخ القمي في الكني والالقاب فقال :

كان راوية نسابة وكان يكتب في نسبه : المعاوي ينسب الى معاوية الاصغر في عمود نسبه ، له ديوان ومقطعات.

وكانت وفاته مسموما بأصبهان.

____________

1 ـ ينتهى نسبه الى عثمان بن عنبسه بن ابي سفيان صخر بن حرب الأموي.

8

وقال صاحب اعلام العرب : جاء الى بغداد وتولى فيها الاشراف على خزانة دار الكتب بالنظامية بعد القاضي أبي يوسف بن سليمان الاسفرائني المتوفى سنة 498 هـ وخاف أخيراً من سعي أعدائه عند الخليفة المستظهر العباسي احمد بن المقتدى المتوفى سنة 512 هـ لاتهامه بهجو الخليفة ومدح صاحب مصر ففرّ الى همذان ، ثم سكن أصفهان حتى توفي فجأة أو مسموماً سنة 507 هـ.

وأخذ الابيوردي عن جماعة ، وذكروا أنه كان من أخبر الناس بعلم الانساب ، متصرفاً في فنون جمّة من العلوم ، وافر العقل ، كامل الفضل وكان فيه تيه وكبرياء ، وعلو همة ، وكان يدعو « اللهم ملّكني مشارق الارض ومغاربها »!! وقد حصل من انتجاعه بالشعر من ملوك خراسان ووزرائهم ، ومن خلفاء العراق وأمرائهم ، ما لم يحصل لغيره! ومع هذا فهو يشكو كثيراً في شعره. وممن مدحهم سيف الدولة صدقة في الحلة الذي أغدق عليه الصلات والهبات.

له ديوان مطبوع مشهور قسمه الى : « العراقيات والنجديات والوجديات » وله تصانيف كثيرة منها كتاب ما اختلف ائتلف في أنساب العرب ، تاريخ أبيورد ونسا ، قبسة العجلان في نسب آل أبي سفيان ، الطبقات في كل فن ، تعلَّة المشتاق الى ساكني العراق. كتاب المجتنى من المجتبى في الرجال ، نهزة الحافظ ، كوكب المتأمل ـ يصف فيه الخيل ، تعلَّة المقرور يصف فيه البرد والنيران ، الدرة الثمينة ، صهلة القارح يرد فيه على المعري ، زاد الرفاق.

1 ـ ديوانه ، طبع بالمطبعة العثمانية بلبنان سنة 1317 هـ مرتب على الحروف.

2 ـ زاد الرفاق في المحاضرات ، يقع في 319 ورقة ، مصور عن نسخة دار الكتب المصرية وهو يشبه محاضرات الراغب الاصبهاني.

9

ملاحظة :

جاء في الديوان وفي وفيات الاعيان ان وفاته كانت سنة 557 ولكن الاكثر على أنها سنة 507 كما في معجمي الادباء والبلدان وأبي الفداء ومرآة الزمان.

ومن شعره كما في الكنى والالقاب :

تنكّر لي دهري ولم يدر أنني * * * أعزّ وأحوال الزمان تهون

وظلّ يريني الخطب كيف اعتداؤه * * * وبتُّ أُريه الصبر كيف يكون

كان فيه تيه وكبر وعزّة نفس ، كتب مرة رقعة الى المستظهر بالله العباسي ، ختمها بكلمة : الخادم المعاوي.

فكره الخليفة النسبة الى معاوية واستبشعها ، فكشط الميم من المعاوي فصارت : الخادم العاوي ، وردّ الرقعة اليه.

وجاء في روضان الجنات : محمد بن احمد بن محمد بن احمد بن محمد بن اسحاق الحربي الاموي المعروف بالابيوردي الشاعر اللغوي ، كان كما نقل عن السمعاني او حد عصره وفريد دهره في معرفة اللغة والانساب وغير ذلك وكان قويّ النفس ، ومن شعره :

يا من يساجلني وليس بمدركٍ * * * شأوي وأين له جلالة منصبي

لا تتعبنَ فدون ما أملته * * * خرط القتادة وامتطاء الكوكب

المجد يعلم أينا خيرٌ أباً * * * فأسأله تعلم ايّ ذي حسب أبي

جدي معاوية الاغرٌّ سمت به * * * جرثومة من طينها بغض النبي

وورثته شرفا رفعت مناره * * * فبنو أميّة يفخرون به وبي

ومن شعره ما رواه ابن خلكان

ملكنا أقاليم البلاد فاذعنت * * * لنا رغبة أو رهبة عظماؤها

10

فلما انتهت أيامنا علقت بنا * * * شدائد أيام قليل رخاؤها

وكان الينا في السرور ابتسامها * * * فصارت علينا بالهموم بكاؤها

وصرنا نلاقي النائبات بأوجه * * * رقاق الحواشي كاد يقطر ماؤها

لمحة عن معاوية الثاني

أقول انه يفتخر بجده معاوية الاصغر وكان كما قال الخوارزمي : باراً فاضلاً. وهو ولي عهد ابيه ، خطب الناس فقال : ايها الناس ، ما انا بالراغب في التأمير عليكم ولا بالامن من شركم. وإن جدي معاوية نازع من كان أولى به في قرابته وقدمه ، أعظم المهاجرين قدراً ، ابن عم نبيكم وزوج ابنته ومنها بقية النبيين وسلالة خاتم النبيين. فركب منه جدي ما تعلمون وركبتم معه ما لا تجهلون حتى نزلت به منيّته فتجاوز الله عنه ، ثم تقلّد أمره أبي وكان غير خليق للخلافة فقلّت مدَّته وانقطعت آثاره وصار حليف حفرته وأعماله ، ولقد أنسانا الحزنُ له الحزنَ عليه. فيا ليت شعري هل اقيلت عثراته وهل اعطي أمنيته ، أم عوقب باسائته فانا لله وانا اليه راجعون ، ثم صرت انا ثالث القوم والساخط فيما أرى اكثر من الراضي ، وما كنت لاحتمل اثامكم والقى الله بتبعاتكم فشأنكم بأمركم.

فقال مروان : يا ابا ليلي سنة عمرية ، فقال يا مروان تخدعني عن ديني ، أئتني برجال كرجال عمر اجعل الأمر بينهم شورى ، والله لئن كانت الخلافة مغنما فلقد أصابنا منها حظ ، وإن كانت شراً فحسب آل ابي سفيان ما أصابوا منها ، ثم نزل. فقالت له امه : يا بني ليتك كنت حيظة في خرقة ، فقال : وانا وددت ذلك يا اماه ، أما علمت ان لله تعالى ناراً يعذّب بها من عصاه وأخذ غير حقه ، فعاش اربعين يوماً ومات. وقيل له : اعهد الى من أحببتَ فإنا له سامعون مطيعون ، فقال : اتزوّد مرارتها واترك لبني امية حلاوتها. وكان له مؤدب يميل الى علي فظن به آل ابي سفيان انه دعاه الى

11

هذه الخطبة ، فاخذوه بعد موته ( أي بعد معاوية ) فدفنوه حياً. يقول الدميري في حياة الحيوان :

ان بني امية قالوا لمؤدبه عمر المقصوص : انت علّمته هذا ولقّنته اياه وصددته عن الخلافة وزّينت له حبَ علي وأولاده وحملته على ما وسمنا به من الظلم وحسّنتَ له البدع حتى نطق بما نطق وقال ما قال فقال : والله ما فعلت ولكنه مجبول ومطبوع على حبّ علي ، فلم يقبلوا منه ذلك واخذوه ودفنوه حياً حتى مات.

ألوان من شعر الأبيوردي

قال وقد أورده ياقوت الحموي في معجم الادباء

وعليلة الالحاظ ترقد عن * * * صبٍّ يصافح جفنه الأرقُ

وفؤاده كسوارها حرج (1) * * * ووساده كوشاحها قلق

عانقتها والشهب ناعسة * * * والافق بالظلماء منتطق (2)

ولثمتها والليل من قصرٍ * * * قد كاد يلثم فجره الشفق

بمعانق ألِفَ العَفافَ : به * * * كرمٌ باذيال التقى علِق

ثم افترقنا حين فاجأنا * * * صبح تقاسم ضوءه الحدق

وبنحرها من أدمعي بلل * * * وبراحتي من نشرها عبَق

ومن روائعه قوله :

وهيفاء لا أصغي الى من يلومني * * * عليها ويغريني بها أن أعيبها

أميل باحدى مقلتي إذا بدت * * * اليها وبالأخرى أراعي رقيبها

وقد غفل الواشي ولم يدر أنني * * * أخذت لعيني من سليمي نصيبها

____________

1 ـ أي ضيق.

2 ـ أي محاط.

12

وللأبيوردي كما كان في الأعيان :

يلقى الزمان الى كف معوّدة * * * في ندوة الحي تقبيلا وإرفادا

محسد الجد لم تطلع ثنيته * * * إن المكارم لا يعد من حسادا

يا خير من وخدت إيدي المطيّ به * * * من فرع خندف آباء وأجدادا

رحلت فالمجد لا ترقى مدامعه * * * ولم ترقّ علينا المزن أكبادا

وضاع شعر يضيق الحاسدون به * * * ذرعاً وتوسعه الايام انشادا

فلم أهب بالقوافي بعد بينكم * * * ولا حمدت وقد جرّبتُ أجوادا

لا يخضعون لخطب إن ألم بهم * * * وهل تهزَّ الرياح الهوج أطوادا

وله وقد رواه الحموي :

ومتّشح باللؤم جاذبني العلا * * * فقدّمه يسرٌ وأخّرني عسرُ

وطوّقت أعناق المقادير ما أتى * * * من الدهر حتى ذلّ للعجز الصدر

ولو نيلت الارزاق بالفضل والحجى * * * لما كان يرجو أن يثوب له وفر

فيا نفس صبراً إن للهم فرجة * * * فما لك إلا العز عندي أو القبر

ولي حسب يستوعب الأرض ذكره * * * على العدم والاحساب يدفنها الفقر

وقوله كما رواه الحموي :

خطوب للقلوب بها وجِيبُ * * * تكاد لها مفارقنا تشيبُ

نرى الأقدار جارية بأمر * * * يريب ذوي العقول بما يَريب

فتنجح في مطالبها كلاب * * * وأسد الغاب ضارية تخيب

وتُقسم هذه الأرزاق فينا * * * فمأ ندري أتخطي أم تصيب

ونخضع راغمين لها اضطراراً * * * وكيف يلاطم الإشفى (2) لبيب

وأنشد السمعاني له كما في معجم الأدباء :

كُفَّي أميمة غرب اللوم والعذل * * * فليس عرضي على حالٍ بمبتذلِ

____________

1 ـ الاشفى ، المثقب.

13

إن مسَّني العُدْمُ فاستبقي الحياء ولا * * * تكلفيني سؤال العُصبة السفل

فشعر مثلي وخير القول أصدقه * * * ما كان يفتر عن فخر وعن غزل

أما الهجاء فلا أرضى به خلقاً * * * والمدح إِن قلته فالمجد يغضب لي

وله كما في معجم الأدباء :

علاقة بفؤادي أعقبت كمداً * * * لنظرة بِمنى أرسلتها عرضا

وللحجيج ضجيج في جوانبه * * * يقضون ما أوجب الرحمن وافترضا

فأيقظ القلب رعباً ما جنى نظري * * * كالصقر ندّاه ظلُّ الليل فانتفضا

وقد رمتني غداة الخيف غانية * * * بناظرٍ إن رمى لم يُخطىء الغرضا

لما رأى صاحبي ما بي بكى جزعاً * * * ولم يجد بمنىً عن ُخلَّتي عوضا

وقال دع يا فتى فهرٍ فقلتُ له * * * يا سعدُ أودعَ قلبي طرفُها مرضا

فبتُّ أشكو هواها وهو مرتفقٌ * * * يشوقه البرق نجدياً إذا ومضا

تبدو لوامعه كالسيف مختضباً * * * شباه بالدم أو كالعرق إن نبضا

ولم يُطق ما أعانيه فغادرني * * * ـ بين النقا والمصلّى عندها ـ ومضى

ومن مفرداته :

لم يعرف الدهر قدري حين ضيعني * * * وكيف يعرف قدر اللؤلؤ الصدف

وفي خريدة القصر للعماد الاصبهاني : الابيوردي هو محمد بن احمد بن محمد القرشي الاموي ابو المظفر شاعر في طليعة شعراء العربية وإن لم ينل حظّه من الدراسة والبحث ، وهو مؤرخ وعالم بالانساب ، وله ديوان شعر مطبوع وقد اختار البارودي طائفة كبيرة من شعره في مختاراته ، وكان طموحاً ولعل هذا هو سبب قتله.

14

وقال الابيوردي مفتخراً بنفسه :

تقول ابنة السعدي وهي تلومني * * * أما لك عن دار الهوان رحيلٌ (1)

فإن عناء المستنيم (2) الى الأذى * * * بحيث يذلُّ الاكرمون طويل

فثب وثبةً فيها المنايا أو المنى * * * فكل محبٍّ للحياة ذليل

وإن لم تطقها فاعتصم بابن حرةٍ * * * لهمّته فوق السماك مقيل

يعين على الجُلّى ويستمطر الندى * * * على ساعةٍ فيها النوال قليل

فَللموتُ خيرٌ للفتى من ضَراعةٍ * * * تردُّ إليه الطرف وهو كليل

وما علمت أن العَفاف سجيّتي * * * وصبري على ريب الزمان جميل

أبى لي أن أغشى المطامع منصبي (3) * * * وربي بأرزاق العباد كفيل

وقال أيضاً مفتخراً :

وإني اذا أنكرتني البلاد * * * وشِيب رضى أهلها بالغضب

لكا لضيغم الوَرد كاد الهوان * * * يدبَّ إلى غابه فاغترب

فشيدتُ مجداً رسا أصله * * * أمُتُّ إليه بأمٍّ وأب

ولم أنظم الشعر عجباً به * * * ولم أمتدح أحداً من أرب

ولا هزني طمعٌ للقريض * * * ولكنه ترجمان الأدب (4)

ورأيت في مجموعة خطية للمرحوم الشيخ علي كاشف الغطاء في مكتبة كاشف الغطاء العامة برقم 872 أبيات الابيوردي الاموي والتخميس للشيخ محمد رضا النحوي من شعراء القرن الثالث عشر الهجري.

سلا عنكُم مَن ضلَّ عنكم وما اهتدى * * * عشيَة آنسنا على ناركم هدى

____________

1 ـ عن جواهر الادب جمع سليم صادر ج 4 ص 190.

2 ـ استنام الى الاذى سكن إليه واطمأن.

3 ـ أصلى.

4 ـ عن جواهر الادب سليم صادر. ج 4 ص 190.

15

ومذ عادنا الشوق القديم كما بدا * * * نزلنا بنعمان الأراك وللندى

سقيط به ابتلَّت علينا المطارفُ

عكفنا به والركب للاين جُثَّمُ * * * كأنهمُ طيرٌ على الماء حوَّم

قضوا للكرى حقاً ونومي محرَّم * * * فبتُّ أُقاسي الوجد والركب نوَّم

وقد أخذت منا السرى والتنائف

صحا كل ذي شوق من الشوق وارعوى * * * وبتُّ أُعاني ما أُعاني من الجوى

أُعلل نفسي بارعواء عن الهوى * * * واذكر خوداً ، ان دعاني على النوى

هواها أجابته الدموع الذوارف

تنكّر ربع بعد ميثاء ممحلُ * * * عفى رسمه العافي جنوب وشمأل

تعرَّض عنه العين والقلب مقبل * * * لها في محاني ذلك الشعب منزل

اذا أنكرته العين فالقلب عارف

وعهدي به والعيش برد منمنم * * * به وهو للذات واللهو موسم

ومذ هاجني شوق له متقدم * * * وقفت به والدمع أكثره دم

كأنّي من عيني بنعمان راعف

أقول ومن المناسب أن أذكر ما يخطر ببالي ممن مدح أهل البيت من الأمويين ، فمنهم مروان بن محمد السروجي. قال المرزباني في معجم الشعراء ص 321 هو من بني أمية من أهل سروج بديار مضر ، كان شيعياً ، وهو القائل :

يا بني هاشم بن عبد مناف * * * إنني مَعكم بكل مكان

أنتم صفوة الإله ومنكم * * * جعفر ذو الجناح والطيرانِ

وعليٌ وحمزةٌ أسدُ الله * * * وبنتُ النبيّ والحسنان

فلئن كنتُ من أميّة إني * * * لبريء منها إلى الرحمنِ

16

وفي أعيان الشيعة ج 1 القسم الثاني ص 193

مروان بن محمد السروجي المرواني وفاته سنة 460

وفي مطالع البدور ومجمع البحور (1) للقاضي صفي الدين احمد بن صالح اليماني قال : قال بعض الموالين للعترة الطاهرة وهو من بني أمية ( الابيات )

وقال أبو الفرج الأصفهاني : ابو عديّ الأموي شاعر بني أمية وهو عبدالله ابن عمرو بن عدي بن ربيعة بن عبدالعزّى بن عبد شمس كان يكره ما يجري عليه بنو أمية من ذكر علي بن ابي طالب (صلوات الله عليه) وسبّه على المنابر ويظهر الانكار لذلك فشهد عليه قوم من بني أمية ذلك وانكروا عليه ونهوه عنه فلم ينتهي فنفوه من مكة الى المدينة فقال في ذلك.

شردوا بي عند امتداحي علياً * * * ورأوا ذاك فيَّ داءً دوّياً

فور بي لا أبرح الدهر حتى * * * تمتلي مهجتي بحبي عليا

وبنيه لحب احمد إني * * * كنت أحببتهم لحبي النبيّا

حبَّ دين لا حبّ دنيا وشرّ * * * الحب حباً يكون دنياوياً

صاغني الله في الذوابة منهم * * * لا زنيماً ولا سنيداً دعياً

عدّوياً خالي صريحا وجدي * * * عبد شمس وهاشم أبويا

فسواء عليَّ لست أبالي * * * عبشمياً دعيت أم هاشميا (2)

وجاء في كتاب « أدب الشيعة » تأليف عبدالحسيب طه قال : فمن المفاضلة والمدح قول أيمن بن خريم بن فاتك الأسدي ، وكان شديد التشيع لعلي (عليه السلام) :

نهاركُم مكابدة وصومُ * * * وليلكم صلاةٌ واقتراء

____________

1 ـ الكتاب في مكتبة كاشف الغطاء العامة.

2 ـ عن مجموعة المرحوم الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ، مكتبة كاشف الغطاء العامة وهي بخطه

17

بُليتم بالقرآن وبالتزكَّي * * * فأسرع فيكُم ذاك البلاء

بكى نجدٌ غداة غد عليكم * * * ومكة والمدينة والجواء (1)

وحُق لكل ارض فارقوها * * * عليهم ـ لا أبالكم ـ البكاء

أأجمعكم وأقواماً سواء * * * وبينكُم وبينهم الهواء

وهم أرض لأرجلكم وانتم * * * لأرؤسهم وأعينهم سماء!!

ورواها صاحب ديوان المعاني ، واعجام الأعلام ، والأغاني.

وأمر هشام بن عبد الملك عامله على المدينة أن يأخذ الناس بسب اميرالمؤمنين ـ علي بن ابي طالب ـ والحسين ، فيقول كثير بن كثير بن عبدالمطلب من كعب بن لؤي بن غالب :

لعن الله مَن يسُبّ علياً * * * وحسيناً من سوقة وإمام

أتسبّ المطيّبينَ جدوداً * * * والكرام الأخوال والأعمام

طبتَ نفساً وطاب بيتك بيتاً * * * أهل بيت النبيّ والإسلام

رحمة الله والسلام عليكم * * * كلما قام قائم بسلام

يأمن الطير والظباء ولا يأ * * * من رهط النبي عند المقام!!

____________

1 ـ الجواء ، الواسع.

18

ابن الهباريَّة

أحسين والمبعوث جدك بالهدى * * * قسماً يكون الحق عنه مسائلي

لو كنتُ شاهد كربلا لبذلتُ في * * * تنفيس كربك جهد بذل الباذل

وسقيتُ حدَّ السيف من أعدائكم * * * عَللا وحدّ السمهرىّ البازل

لكنني أُخّرتُ عنك لشقوتي * * * فبلابلي بين الغري وبابل

هبني حرمتُ النصر من أعدائكم * * * فاقلّ من حزن ودمع سائل

19

الشريف ابو يعلى محمد بن محمد بن صالح الهاشمي العباسي البغدادي الشاعر المشهور الملقب نظام الدين ، كان شاعراً مجيداً وله اتصال بنظام الملك ، له ديوان شعر كبير في اربع مجلدات ومن غرائب نظمه كتاب ( الصادح والباغم ) وهو على أسلوب ( كليلة ودمنة ) نظمه للامير سيف الدولة صدقة بن دبيس صاحب الحلة. نقل سبط بن الجوزي في تذكرة الخواص ان ابن الهبارية (1) الشاعر اجتاز بكربلا فجعل يبكي على الحسين وأهله وقال يديهأ : ـ أحسين والمبعوث جدك بالهدى الابيات.

ثم نام في مكانه فرأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في المنام فقال له يا فلان جزاك الله عني خيراً ، ابشر فان الله تعالى قد كتبك ممن جاهد بين يدي الحسين (عليه السلام).

توفى بكرمان سنة 504 وعن انساب السمعاني انه توفي سنة 504 والصحيح 509 وقال : له في رثاء الحسين ومدح آل الرسول اشعار كثيرة.

وذكره السيد في الاعيان فقال : ابو يعلى نظام الدين محمد بن محمد بن صالح ابن حمزة بن عيسى المعروف بابن الهبارية الهاشمي العباسي البغدادي قال : وقد طبع كتابه ( الصادح والباغم ) في الهند ومصر وبيروت (2) وقال غيره : هو أحد شعراء بغداد المفُلقين ، لازم خدمة نظام الملك صاحب المدرسة النظامية وأحد وزراء الدولة السلجوقية واتصل بغيره من الرؤساء وشعره في غاية الرقة ولكنه يغلب عليه الهزل والهجاء إلا أنه اذا نظم في الجدّ والحكمة اتى بالعجب كما في كتابه ( الصادح والباغم ) وله كتاب ( الفطنة في نظم كليلة ودمنة ).

____________

1 ـ الهبارية بفتح الهاء وتشديد الباء الموحدة نسبة الى هبار جده لأمه.

2 ـ وهو في نحو 2000 بيتاً نظمها في عشر سنين. وطبع في باريس سنة 1886 م وفي مصر سنة 1292 وفي بيروت سنة 1886 م.

20

وترجم له العماد الاصفهاني في ( خريدة القصر ) فقال :

الشريف ابو يعلى محمد بن محمد بن صالح ابن الهبّارية العباسي الشاعر وديوان شعره اربعة اجزاء.

وترجم له صاحب دائرة المعارف الاسلامية فقال : ولد في بغداد حوالي منتصف القرن الخامس الهجري ( العاشر الميلادي ) وتعلم في المدارس التي انشئت في ذلك العهد وخاصة في النظامية التي اسسها نظام الملك عام 459 هـ (1067) م ولم يكن يهتم بما كان يجري فيها من المناظرات الكلامية.

قال في خريدة القصر قسم العراق ، وأنشدت له بأصفهان من قصيدة :

أثار جارُ داركَ وهيَ في شرع العلى * * * ربعٌ حرامٌ آمنٌ جيرانُهُ

لا يزهدنّك منظري في مَخبَري * * * فالبحرُ مِلحُ مياههِ عقيانهُ

ليس القُدودُ ، ولا البرود ، فضيلة * * * ما المرء إلا قلبُه ولسانُهُ

وأنشدت له في الباقلاء الأخضر :

فصوصُ زمرُّدٍ في كيس دُرٍّ * * * حكَت أقماعها تقليم ظُفرِ

وقد خاط الربيع لها ثياباً * * * لها لونان من بِيض وخُضر

وأنشدت له في نظام الملك :

نظام العلى ، ما بالُ قلبك قد غدا * * * على عبدك المسكين دون الورى فظا؟

أنا أكثر الورّاد حقاً وحرمة * * * عليك ، فما بالي أقلَّهم حظّا؟

وأنشدت له ايضاً :

وإذا سخطتُ على القوافي صغتها * * * في غيره ، لأذلها وأهينها

وإذا رضيتُ نظمتها لجلاله * * * كيما أشرفها به وأزينها

وقوله من قصيدة :

إنما المال منتهى أمل ألخا * * * مِلِ ، والرُدُّ مطلب الأشراف

21

لا أُحِبّ الفِجَّ الثقيلَ ولو جا * * * دَ ببذلِ المِئينَ والآلافِ

وأُحبُّ الفتى يهشُّ الى الضيُّـ * * * ـف بأخلاقه العِذاب اللّطاف

أريحياً طَلِقَ المحَيّا حييّاً * * * ماءُ أخلاقِهِ من الكبرِ صافِ

ولو اني لو أحظَ منه بغير الـ * * * ـشمّ شيئاً ، لكان فوق الكافي

ومن قوله :

ومُدلل دقت محاسنُ * * * وجهه عن أن تكيَّف

ترك التصنَّعَ للجمَا * * * ل ، فكان أظرف للتظرف

لو أن وجه البدر يُشـ * * * ـبهُ وجههُ ما كان يُكسف

الصُّدغ مسكٌ والثنا * * * يا لؤلؤ ، والريق قَرقف (1)

والوردُ من وَجَناته * * * بأنامِلِ الألحاظ يُقطَف

وله في نوح الحمامة

بي مثلُ ما بك يا حمامَ البانِ * * * أنا بالقدود وأنت بالإغصانِ

أعد السَّترم كيفَ شئت ، فإننا * * * فيما نجُنُّ من الهوى سياّنِ

لي ما رويت من النَّسيب ، وإنما * * * لك فيه حقَّ الشَّدو والألحانِ

قال : وحكي لي : ان ابا الغنائم ابن دارست حمل ابن الهبارية على هجو نظام الملك فأبى ، وقال : هو منعم في حقي فكيف أهجوه؟ فحمله على أن سأل ( نظام الملك ) شيئاً ، صعبت عليه أجابته الى ذلك ، فقال ابن الهبارية :

لا غَروَ إن مَلكَ ( إبنُ إسـ * * * ـحاق ، وساعدَهُ القَدَرَ

وصفت له الدُّنيا ، وخُصَّ * * * ( أبو الغنائم ) بالكدَر

فالدّهر كالدّولاب ليـ * * * ـس يدورُ إلا بالبَقَر

فلما سمع ( نظام الملك ) هذه الأبيات ، قال : هذه إشارة الى أنني من

____________

1 ـ القرقف : الخمر

22

( طُوس ) فإنّه يقالُ لأهل ( طوس ) « البقر » واستدعاه ، وخلع عليه وأعطاه خمسمائة دينار فقال ابن الهبَّارية لـ ( تاج الملك ) : ألم أقل لك؟ كيف أهجوه ، وإنعامه بلغ هذا الحد الذي رأيته؟

وقال :

يا أيها الصاحبُ الأجلُّ * * * إن لم يكن وابلٌ فطل (1)

المالُ فانٍ ، والذَّكرُ باقٍ * * * والوَفر فرعٌ ، والعِرض أصلُ

فاجعلهُ دونَ العِيال ستراً * * * فالصَّونُ في أن يكون بَذلُ

لا تَحقَرن شاعراً تراهُ * * * فَعُقدَة الشًّعرِ لا تُحَلُّ

ومن معانيه الغريبة قوله في الرد على من يقول : ان السفر به يبلغ الوطر :

قالوا أقمتَ وما رزقتَ وإنما * * * بالسير يكتسب اللبيب ويُرزقُ

فاجبتهم ما كل سير نافعاً * * * الحظ ينفع لا الرحيل المقلق

كم سفرة نفعت وأخرى مثلها * * * ضرَّت ويكتسب الحريص ويخفق

كالبدر يكتسب الكمال بسيره * * * وبه اذا حرم السعادة يمحِق

وله :

ما صغتُ فيك المدح لكنني * * * من غرَّ أوصافك أستملي

تملي سجاياك على خاطري * * * فها أنا أكتبُ ما تُملي

وله في ابن جهير لما استوزر ثانية بسبب مصاهرة نظام الملك :

قل للوزير ، ولا تُفزعكَ هيبتهُ * * * وإن تعاظمَ واستولى لمنصبه :

لولا ابنة الشيخ ما استوزرتَ ثانية * * * فاشكر حراً ، صرت مولانا الوزير به

وقوله :

ما مُنح الانسان من دهره * * * موهبةً أسنى من العقل

____________

1 ـ الوابل ، المطر الشديد الضخم القطر ، والطل ، المطر الخفيف يكون له اثر قليل ، وفي التنزيل قوله تعالى ( فان لم يصبها وابل فطل ).

23

يؤنسُهُ إن مَلَّهُ صاحبُ * * * فهو على الوحدة في أهلِ

ما ضرَّهُ عندي ولا عابَهُ * * * إن غَلبَته دولةُ الجهلِ

أقول وذكر له العماد في الخريدة كثيراً من الشعر في الهزل والخمر والمجون ورتبّه على الحروف وقد اكتفينا بهذه الباقة من الوان شعره ، قال ابن خلكان : ومحاسن شعره كثيرة وله كتاب نتائج الفطنة في نظم كليلة ودمنة ، وديوان شعره كبير يدخل في اربع مجلدات ، ومن غرائب نظمه كتاب الصادح والباغم نظمه على أسلوب كليلة ودمنة ، وهو أراجيز وعدد بيوته الفا بيت ، نظمها في عشر سنين ، ولقد أجاد فيه كل الاجادة ، وسير الكتاب على يد ولده الى الامير ابي الحسن صدقة بن منصور بن دبيس الاسدي صاحب الحلة وختمه بهذه الابيات.

هذا كتابٌ حسنُ * * * تحار فيه الفطنُ

أنفقتُ فيه مدّه * * * عشر سنين عدّه

منذ سمعتُ باسمكا * * * وضعته برسمكا

بيوته ألفانِ * * * جميعها معان

لو ظلّ كل شاعر * * * وناظم وناثر

كعمر نوح التالد * * * في نظم بيت واحد

من مثله لما قدر * * * ما كل مَن قال شعر

أنفذته مع ولدي * * * بل مهجتي وكبدي

وأنت عند ظني * * * أهل لكل مَن

وقد طوى اليكا * * * توكلاً عليكا

مشقة شديدة * * * وشقة بعيدة

ولو تركت جيت * * * سعياً وما ونيت

إن الفخار والعلا * * * إرثك من دون الملا

قال : فاجزل عطيته وأسنى جائزته.

24

الحسين الطغرائي (1)

ومبسم ابن رسول الله قد عبثت * * * بنو زياد بثغر منه منكوتِ

____________

1 ـ قال ابن خلكان ، والطغرائي بضم الطاء المهملة ، وسكون الغين المعجمة وفتح الراء بعدها ألف مقصورة ـ هذه النسبة الى من يكتب الطغرى ، وهي الطرّة التي تكتب في أعلى الكتب فوق البسملة بالقلم الغليظ ، ومضمونها نعوت الملك الذي صدر الكتاب عنه ، وهي لفظة أعجمية.

25

مؤيد الدين الحسين بن علي الاصفهاني المنشىء المعروف بالطغرائي.

قال الحر العاملي في أمل الأمل : فاضل عالم صحيح المذهب ، شاعر أديب ، قتل ظلماً وقد جاوز ستين سنة ، وشعره في غاية الحسن ، ومن جملته لأمية العجم المشتملة على الآداب والحكم ، وهي أشهر من أن تذكر ، وله ديوان شعر جيد. ثم ذكر بعض اشعاره وذكره ابن خلكان وأثنى عليه وقال : انه كان غزير الفضل لطيف الطبع فاق أهل عصره بصنعة النظم والنثر ، وقال السيد الامين في الاعيان : مؤيد الدين ابو اسماعيل الحسين بن علي بن محمد بن عبدالصمد الاصبهاني الوزير المنشىء المعروف بالطغرائي من ذرية ابي الاسود الدؤلي. ولد سنة 453 وقتل سنة 514 بأربل عن عمر تجاوز الستين وفي شعره ما يدل على أنه بلغ 57 سنة لأنه قال وقد جاءه مولود.

هذا الصغير الذي وافى على كبر * * * أقرَّ عيني ولكن زاد في فكري

سبعٌ وخمسون لو مرَّت على حجرٍ * * * لبان تأثيرها في ذلك الحجر

وهو شاعر مجيد وله ديوان شعر مطبوع بمطبعة الجوائب يشتمل على روائع ومبتكرات في المعاني وهو يحتوي على مائتين وسبعة وخمسين قصيدة ومقطوعة تتكون من ألفين وثمانمائة وخمسة وسبعين بيتاً ، وفيها الشيء الكثير من الحكم والوصف والمديح والعتاب والشكوى والحماسة ، ومن ذلك مقطوعتان في ذكر ولائه لأهل البيت (عليهم السلام) ونقمته على ظالميهم بقوله :

حُبُّ اليهود لآل موسى ظاهر * * * وولاؤهم لبني أخيه بادي

26

وإمامهم من نسل هارون الأولى * * * بهم اهتدوا ، ولكل قوم هادي

وأرى النصارى يكرمون محبة * * * لنبيهم نجراً من الأعواد

وإذا توالى آل أحمد مسلمٌ * * * قتلوه أو وسموه بالإلحاد

هذا هو الداء العياء بمثله * * * ضلّت حلوم حواضر وبوادي

لم يحفظوا حق النبيّ محمد * * * في آله ، والله بالمرصاد

وكأن هذه القطعة كانت لسان حاله ، فقد رمي بالإلحاد في آخر حياته وقتل بهذه التهمة ومضى شهيداً محتسباً.

وأما القطعة الثانية فهي :

توعدني في حبَّ آل محمد * * * وحب ابن فضل الله قوم فأكثروا

فقلت لهم لا تكثروا ودعوا دمي * * * يراق على حبي لهم وهو يهدر

فهذا نجاح حاضر لمعيشتي * * * وهذا نجاة ارتجي يوم أحشر

وأورد له ابن شهراشوب في المناقب قوله في أهل البيت :

نجوم العلى فيكم تطلعُ * * * وغائبها نحوكم يرجعُ

على يستقلُّ فلا يستقرُّ * * * به لهما دونكم مضجع

ومن مشهور شعره قصيدته المعروفة بلامية العجم لأن ناظمها عجمي أصبهاني ، نظمها ببغداد سنة 505 واولها :

أصالة الرأي صانتني عن الخطلِ * * * وحلية الفضل زانتني لدى العطلِ

وذلك في مقابلة لامية العرب للشنفري العربي التي أولها :

أقيموا بني أمي صدور مطيكم * * * فإني إلى قوم سواكم لأميلُ

وقد شرح لامية العجم صلاح الدين بن أيبك الصفدي بشرح مطول يشتمل على جزئين ضخمين ، وقد أوردها ياقوت الحموي في معجم الأدباء بتمامها إعجاباً بها

27

وكذلك ابن خلكان أوردها بتمامها ، وترجمها بعض المستشرفين الى اللاتينية (1) وشطًّرها وخمَّسها كثيرون ، وأعجبني من ذلك تخميس جرجي افندي نخلة سعد ، من أدباء لبنان ، نشرته مجلة العرفان اللبنانية وأوله :

تركتُ صحبي بين الكأس والغزلِ * * * يداعبون ذوات الأعين النُجُلِ

أما أنا ولسان الحق يشهد لي * * * أصالة الرأي صانتني عن الخطل

وحلية الفضل زانتني لدى العطل

وكل التخميس جاء مجارياً لمتانة القصيدة منسجماً معها ، واذا كنا لم نذكره هنا فلا تفوتنا القصيدة فهي حاوية لجملة من الحكم والنصائح وها هي :

أصالة الرأي صانتني عن الخطلِ * * * وحلية الفضل زانتني لدى العطل

مجدي أخيراً ومجدي أولاً شَرعٌ * * * والشمس رأد الضحى كالشمس في الطفل

فيمَ الإقامة بالزوراء لا سكني * * * بها ولا ناقتي فيها ولا جملي

ناء عن الأهل صِفرَ الكفِ منفرد * * * كالسيف عُرّي متناه من الخلل

فلا صديقٌ إليه مُشتكى حزني * * * ولا أنيس إليه منتهى جَذَلي

طالِ اغترابي حتى حنًّ راحلتي * * * ورحلها وقرى العسالة الذُبُل

وضجَّ من لغَبٍ نضوي وعجّ لما * * * يلقى ركابي ولَّج الركب في عذلي

أريد بسطة كفٍ أستعين بها * * * على قضاء حقوق للعلى قِبَلي

والدهر يعكس آمالي ويُقنعني * * * من الغنيمة بعد الكد بالقَفَل

حُبُّ السلامة يَثني همَّ صاحبه * * * عن المعالي ويُغري المرء بالكسل

فإن جنحتَ إليه فاتخذ نَفَقاً * * * في الارض أو سُلَّماً في الجوّ فاعتزل

ودعُ غِمار العلى للمقدمين على * * * ركوبها واقتنع منهنَّ بالبلل

يرضى الذليل بخفض العيش يخفضه * * * والعزّ بين رسيم الأينق الذُلُل

فادرأ بها في نحور البيد حافلةَ * * * معارضاتٍ مثاني اللجم بالجُدُل

____________

1 ـ خريدة القصر.

28

إن العلى حدثتني وهي صادقة * * * فيما تُحدّث أن العزّ في النُقل

لو أن في شرف المأوى بلوغَ مُنى * * * لم تبرح الشمس يوماً دارةَ الحمَل

أهبتُ بالحظ لو ناديت مستمعاً * * * والحظُّ عنيَّ بالجهّال في شُغل

لعله إن بدا فضلي ونقصهُم * * * لعينه نام عنهم أو تنبه لي

أعلل النفس بالآمال أرقبها * * * ما أضيق العيش لو لا فسحةُ الأمل

لم أرتض العيش والأيام مقبلة * * * فكيف أرضى وقد ولّت على عَجَل

غالى بنفسي عرفاني بقيمتها * * * فصُنتها عن رخيص القدر مبتذل

وعادة النصل أن يزهو بجوهره * * * وليس يعمل إلا في يَدَي بطل

ما كنت أؤثر أن يمتدَّ بي زمني * * * حتى أرى دولة الأوغاد والسَفل

تقدمتني أناسٌ كان شوطهم * * * وراء خطوي إذا أمشي على مَهَل

هذا جزاءُ أمرىءٍ أقرانه درجوا * * * من قبله فتمنّى فُسحةَ الأجل

وإن عَلانيَ مَن دوني فلا عجبٌ * * * لي أسوةٌ بانحطاط الشمس عن زُجل

فاصبر لها غير محتالٍ ولا ضجرٍ * * * في حادثِ الدهر ما يُغني عن الحيل

أعدى عدوّك أدنى مَن وثقتَ به * * * فحاذر الناس واصحبهم على دَخَل

وإنما رجلُ الدنيا وواحدُها * * * من لا يُعوّلُ في الدنيا على رجل

غاض الوفاءُ وفاض الغدر وانفرجت * * * مسافة الخُلف بين القول والعمل

وحُسنُ ظنك بالأيام معجزةٌ * * * فظُنّ شراً وكن منها على وَجَل

وشانَ صدقِك عند الناس كذُبهم * * * وهل يطابق معوّجٌ بمعتدل

إن كان ينجع شيء في ثباتهم * * * على العهود فسبقُ السيف للعذل

يا وارداً سُؤر عيش كله كدرٌ * * * أنفقتَ عمرك في أيامك الأول

فيمَ اعتراضك لجَّ البحر تركبه * * * وأنت يكفيك منه مصّة الوشل

ملك القناعة لا يخشى عليه ولا * * * تحتاج فيه إلى الأنصار والخول

ترجو البقاء بدارٍ لا ثَباتَ لها * * * فهل سمعتَ بظلٍّ غير منتقل

ويا خبيراً على الأسرار مطلعاً * * * أنصت ففي الصمت منجاةٌ من الزلل

قد رشحوّك لأمرِ إن فطِنتَ له * * * فأربأ بنفسك أن ترعى مع الهُمَل

29

كان وزيراً للسلطان مسعود بن محمد السلجوقي بالموصل.

وفي معجم الادباء : كان آية في الكتابة والشعر خبيراً بصناعة الكيمياء له فيها تصانيف أضاع الناس بمزاولتها أموالاً لا تحصى وخدم السلطان ملكشاه بن ألب ارسلان وكان منشىء السلطان محمد مده ملكه متولي ديوان الطغراء وصاحب ديوان الانشاء تشرفت به الدولة السلجوقية وتشوفت اليه المملكة الايوبية وتنقَّل في المناصب والمراتب وتولى الاستيفاء وترشح للوزارة ولم يكن في الدولتين السلجوقية والايوبية من يماثله في الانشاء سوى أمين الملك ابي نصر العتبي وله في العربية والعلوم قدم راسخ وله في البلاغة المعجزة في النظم والنثر قال الامام محمد بن الهيثم الاصفهاني : كشف الاستاذ أبو اسماعيل بذكائه سر الكيمياء وفك رموزها واستخرج كنوزها وله فيها تصانيف وذكرها وقوله كان خبيراً بصناعة الكيميا لم يظهر المراد من أهو العلم بصناعتها فقط أم أنه كان يعلم كيفية صنعها وصحت معه فحول المعادن الى ذهب وفضة ربما ظهر من قوله : أضاع الناس بمزاولتها أموالاً لا تحصى الاول ولا صحت معه لاشتهر ذلك وكان ذا ثروة عظيمة وقال ابن خلكان في تاريخه : الحسين بن علي بن محمد بن عبد الصمد الاصبهاني الطغرئي غزير الفضل لطيف الطبع فاق بصنعة النظم والنثر ، توفي سنة 515 وفي انساب السمعاني.

في المنشي ، هذه النسبة الى انشاء الكتب الديوانية والرسائل والمشهور بهذه النسبة الاستاذ ابو اسماعيل الحسين بن علي بن عبد الصمد المنشي الاصبهاني صدر العراق وشهرة الآفاق وذكر معه رجلا آخر. وفي مرآة الجنان في حوادث سنة 514 فيها توفي الوزير مؤيد الدين الحسين بن علي الاصبهاني كاتب ديوان الانشاء للسلطان محمد بن ملكشاه كان من أفراد الدهر وحامل لواء النظم والنثر وهو صاحب لأمية العجم ، وفي أمل الآمل : مؤيد الدين الحسين بن علي الاصبهاني المنشي المعروف بالطغرائي فاضل عالم صحيح المذهب

30

شاعر أديب ، قتل ظلماً وقد جاوز ستين سنة وشعره ، في غاية الحسن ومن جملته لامية العجم المشتملة على الآداب والحكم وهي أشهر من أن تذكر وله ديوان شعر جيد اهـ وفي الرياض : الشيخ العميد الوزير مؤيد الدين فخر الكتاب ابو اسماعيل الحسين بن علي بن محمد بن عبدالصمد الاصبهاني المنشي المعروف بالطغرائي الامامي الشهيد المقتول ظلماً الشاعر الفاضل الجليل المشهور صاحب لامية العجم التي شرحها الصفدي بشرح كبير معروف وكان مشهوراً بمعرفة علم الكيمياء ويعتقد صحة ذلك وله فيه تأليف اهـ ولاشتهاره بعلم الكيمياء قيل عن لاميته المعروفة بلامية العجم انها رمز الى علم الكيمياء وهو خيال فاسد كما قيل عن كتاب كليلة ودمنة مثل ذلك. وفي تاريخ السلجوقية لعماد الدين محمد بن محمد الاصفهاني بعد ما ذكر مرض السلطان محمد بن ملكشاه السلجوقي ما لفظه : وأما الاستاذ ابواسماعيل الطغرائي فانهم لما لم يروا في فضله مطعنا ولا على علمه من القدح مكمناً أشاعوا بينهم انه ساحر وانه في السحر عن ساعد الحذق وحاسر وأن مرض السلطان ربما كان بسحره وأنه ان لم يصرف عن تصرفه فلا أمن من أمره فبطلوه وعطلوه واعتزلوه وعزلوه اهـ.

وقال الصفدي في شرح لامية العجم : أخبرني العلامة شمس الدين محمد ابن ابراهيم بن مساعد الانصاري بالقاهرة المحروسة ان الطغرائي لما عزم أخو مخدومه على قتله أمر أن يشد إلى شجرة وأن يوقف تجاه جماعة ليرموه بالسهام ، ففعل ذلك به وأوقف إنساناً خلف الشجرة من غير أن يشعر به الطغرائي وأمره أن يسمع ما يقول : وقال لأرباب السهام : لا ترموه بالسهام إلا إذا أشرت إليكم. فوقفوا والسهام في أيديهم مفوقة لرميه. فأنشد الطغرائي في تلك الحال هذه الابيات :

ولقد أقول لمن يسدّد سهمهُ * * * نحوي وأطراف المنيَّة شُرَّعُ

والموت في لحظات أحور طرفه * * * دوني وقلبي دونه يتقطَّع

31

بالله فتّش في فؤادي هل يرى * * * فيه لغير هوى الأحبَّة موضع

أهون به لو لم يكن في طيّه * * * عهد الحبيب وسرّه المستودع

فلما سمع ذلك رقَّ له وأمر بإطلاقه ذلك الوقت ، ثم أن الوزير عمل على قتله فيما بعد وقتل اهـ.

فمن شعره ما أورده الحر العاملي في أمل الأمل قوله :

إذا ما لم تكن ملكاً مطاعاً * * * فكن عبداً لخالقه مطيعا

وإن لم تملك الدنيا جميعاً * * * كان تهواه فاتركها جميعا

هما نهجان من نسكٍ وفتك * * * يحلّان الفتى الشرف الرفيعا

وقوله :

يا قلب مالك والهوى من بعد ما * * * طاب السلوَّ وأقصر العشاق

أو ما بدا لك في الافاقة والأولى * * * نازعتهم كأس الندام أفاقوا

مرض النسيم وصحَّ والداء الذي * * * أشكوه لا يرجى له إفراق

وهدا خفوق النجم والقلب الذي * * * ضمَّت عليه جوانحي خفَّاق

وفي خريدة القصر للعماد الكاتب انه كتب اليه أبو شجاع ابن أبي الوفاء وكان من معاصريه بأصفهان وهو تائب من شرب الخمر يستهديه شراباً :

يا من سما بجلاله * * * فخراً على كل الأنامِ

وغدت مكارم كفه * * * تغني العفاة عن الغمام

إن كنت قد نزهت نفـ * * * ـسك عن مساورة المدام

فأسير جودك نحو ما * * * نزَّهت نفسك عنه ظام

فامنن عليه بالشرا * * * ب وعش سعيداً ألف عام

فالعمر يركض كالسحا * * * ب وكل عيش كالمنام

واجلّ ما أدَّخر الفتى * * * شكر يبوح على الدوام

32

فأجابه الاستاذ الطغرائي بقوله :

من تاب من شرب المدام * * * ومن مقارفة الحرام

وسمت به النفس العزوب * * * عن التورط في الاثام

فاستحي ان تلقاه منـ * * * ـتجعاً لأهداء المدام

وابني أحق بما سالـ * * * ـت لديه من بلل الأوام

فاستسقه فلديه ما * * * يغنيك عن سقي الغمام

واسرق من الأيام حظـ * * * ـك من حلال أو حرام

فالدهر ليس ينام عنـ * * * ـك وأنت عنه في منام

ومن شعره قوله :

جامل عدوك ما استطعت فانه * * * بالرفق يطمع في صلاح الفاسد

واحذر حسودك ما استطعت فانه * * * إن نمت عنه فليس عنك براقد

ان الحسود وان أراد تودداً * * * منه أضر من العدوّ الحاقد

ولربما رضي العدو اذا رأى * * * منك الجميل فصار غير معاند

ورضا الحسود زوال نعمتك التي * * * أوتيتها من طارفٍ أو تالد

فاصبر على غيظ الحسود فناره * * * ترمي حشاه بالعذاب الخالد

أو ما رأيت النار تأكل نفسها * * * حتى تعود الى الرماد الهامد

تضفو على المحسود نعمة ربه * * * ويذوب من كمد فؤاد الحاسد

وقوله في مدح العلم

من قاس بالعلم الثراء فانه * * * في حكمه أعمى البصيرة كاذب

العلم تخدمه بنفسك دائماً * * * والمال يخدم عنك فيه نائب

والمال يسلب أو مبيد لحادث * * * والعلم لا يخشى عليه سالب

والعلم نقش في فؤادك راسخ * * * والمال ظل عن فِنائك ذاهب

هذا على الانفاق يغزر فيضه * * * أبداً وذلك حين تنفق ناضب

33

ومن شعره قوله :

أما العلوم فقد ظفرت ببغيتي * * * منها فما احتاج ان أتعلما

وعرفت أسرار الحقيقه كلها * * * علماً أنار لي البهيم المظلما

وورثت هرمس سر حكمته الذي * * * ما زال ظناً في الغيوب مرجّما

وملكت مفتاح الكنوز بحكمة * * * كشفت لي السرَّ الخفيَّ المبهما

لولا التقية كنت أظهر معجزاً * * * من حكمتي تشفي القلوب من العمى

أهوى التكرّم والتظاهر بالذي * * * علّمته والعقل ينهى عنهما

وأريد لا ألقى غبياً مؤسراً * * * في العالمين ولا لبيباً معدما

والناس إما جاهل أو ظالم * * * فمتى أطيق تكرّما وتكلّما

وقوله يصف طلوع الشمس وغروب البدر :

وكأنما الشمس المنيرة أذ بدت * * * والبدر يجنح للغروب وما غرب

متحاربان لذا مجن صاغه * * * من فضة ولذا مجن من ذهب

وقوله :

أيكيّة صدحت شجواً على فنن * * * فاشعلت ما خبا من نار أشجاني

فاحت وما فقدت إلفا ولا فجعت * * * فذكرتني أوطاري وأوطاني

طليقة من أسار الهمّ ناعمة * * * أضحت تجدد وجد الموثق العاني

تشبهت بي في وجد وفي طرب * * * هيهات ما نحن في الحالين سيآن

ما في حشاها ولا في جفنها أثر * * * من نار قلبي ولا من ماء أجفاني

يا ربّة البانة الغناء تحضنها * * * خضراء تلتف أغصانا باغصان

ان كان نوحك إسعاداً لمغتربٍ * * * ناء عن الاهل ممني بهجران

فقارضيني اذا ما اعتادني طرب * * * وجداً بوجد وسلواناً بسلوان

ما أنت مني ولا يعنيك ما أخذت * * * مني الليالي ولا تدرين ما شاني

34

وقوله :

اقول لنضوي وهي من شجني خلو * * * حنانيك قد أدميت كلمي يا نضو

تعالى اقاسمك الهموم لتعلمي * * * بأنك مما تشتكي كبدي خلو

تريدين مرعى الريف والبدو ابتغي * * * وما يستوي الريف العراقي والبدو

هوى ليس يسلي القرب عنه ولا النوى * * * وشجو قديم ليس يشبهه شجو

فاسرٌ ولا فكٌ ووجدٌ ولا أسى * * * وسقم ولا برء وسكرٌ ولا صحو

عناء معنّ وهو عندي راحة * * * وسمٌ ذعافٌ طعمه في فمي حلو

وقوله :

انظر ترى الجنة في وجهه * * * لا ريب في ذاك ولا شك

أما ترى في الرحيق الذي * * * ختامه من خاله مسك

وقال يعزى معين الملك عن نكبته :

تَصبّر معين الملك إن عنَّ حادثٌ * * * فعاقبة الصبر الجميل جميلُ

ولا تيأسن من صُنع ربك إنني * * * ضمين بأن الله سوف يديل

فإن الليالي إذ يزول نعيمها * * * تُبشرُ أن النائبات تزول

ألم تر أن الليل بعد ظلامه * * * عليه لإسفار الصباح دليل

وأن الهلال النضو يقمر بعدما * * * بدا وهو شخت الجانبين ضئيل (1)

فلا تحسبنَّ الدوح يُقلع كلما * * * يمرُّ به نفح الصبا فيميل

ولا تحسبنَّ السيف يقصف كلما * * * تعاوده بعد المضاء كُلول

فقد يعطف الدهر الأبيُّ عنانه * * * فيشفى عليل أو يُبلُّ غليل

ويرتاش مقصوص الجناحين بعد ما * * * تساقط ريش واستطار نسيل (2)

ويستأنف الغصن السليب نضارةً * * * فيورق ما لم يعتوره ذبول

____________

1 ـ النضو : المهزول ، والشخت الضامر عن غير هزال.

2 ـ النسيل : ما يسقط من الريش.

35

وللنجم من يعد الذبول استقامة * * * وللحظّ من بعد الذهاب قفول

وبعض الرزايا يوجب الشكر وقعها * * * عليك وأحداث الزمان شكول

ولا غرو أن أخنت عليك فإنمّا * * * يُصادمَ بالخطب الجليل جليل

وأي قناةٍ لم تُرنّح كعوبها * * * وأي حسام لم تصبه فلول

أسأت إلى الأيام حتى وترتها * * * فعندك أضغان لها وتبول (1)

وما أنت إلا السيف يسكن غمده * * * ليشقى به يوم النزال قتيل

أما لك بالصدّيق يوسف أُسوة * * * فتحمل وطء الدهر وهو ثقيل

وما غضّ منك الحبس والذكر سائرٌ * * * طليق له في الخافقين ذميل (2)

فلا تذعنن للخطب آدك (3) ثقله * * * فمثلك للأمر العظيم حمول

ولا تجزعن للكبل مسك وقعه * * * فإن خلاخيل الرّجال كبول

وإن امرءً تعدو الحوادث عرضه * * * ويأسى لما يأخذنه لبخيل

ومن شعر الطغرائي في الفخر ما ذكره الزيات في تاريخ الادب العربي

أبى الله أن اسمو بغير فضائلي * * * إذا ما سما بالمال كلُّ مسوَّد

وإن كرمت قبلي أوائل أسرتي * * * فإني بحمد الله مبدأ سؤددي

وما المال إلا عارة مستردة * * * فهلا بفضلي كاثروني ومحتدى

إذا لم يكن لي في الولاية بسطة * * * يطول بها باعي وتسطو بها يدي

ولا كان لي حكم مطاع أجيزه * * * فأرغم اعدائي وأكبت حسّدي

فاعذر إن قصَّرت في حق مُجتدٍ * * * وآمن أن يعتادني كيد معتد

أَأُكفى ولا أكفي؟ وتلك غضاضة * * * أرى دونها وقع الحسام المهند

من الحزم ألا يضجرالمرءُ بالذي * * * يعانيه من مكروهةٍ فكأن قدِ

إذا جلدي في الأمر خان ولم يُعن * * * مريرة عزمي ناب عنه تجلدي

ومن يستعن بالصبر نال مراده * * * ولو بعد حين إنه خير مسعد

____________

1 ـ التبول جمع التبل : هو الثأر.

2 ـ الذميل : السير اللين.

3 ـ آدك : اثقلك وأجهدك.

36

ابو منصور الجواليقي

ابو منصور الجواليقي

قال ابن شهراشوب في المناقب : قال الجواليقي في ذم يزيد حين ضرب ثنايا الحسين (عليه السلام) بالقضيب الخيزران.

واختال بالكبر على ربه * * * يقرع بالعود ثناياه

بحيث قد كان نبيٌ الهدى * * * يلثم في قبلته فاه

37

جاء في أعيان الشيعة ج 49 ص 52 :

أبو منصور موهوب بن أبي طاهر أحمد بن محمد بن الخضر بن الحسين الجواليقي البغدادي.

ولد سنة 466 وتوفي يوم الأحد منتصف المحرم سنة 539 ببغداد ودفن بباب حرب وصلى عليه قاضي القضاة الزينبي بجامع القصر.

و ( الجواليقي ) نسبه الى عمل الجوالق أو بيعها. والجواليق جمع جوالق وهو وعاء معروف. وهو معرب جوال بالجيم الفارسية ، لأن الجيم والقاف لا يجتمعان في كلمة واحدة عربية البتة. قال ابن خلكان : وهي نسبة شاذة لأن الجموع لا ينسب اليها بل إلى آحادها ، إلا في كلمات شاذة محفوظة كأنصاري في النسبة الى الأنصار. والجواليق في جمع جوالق شاذ أيضاً لأن الياء لم تكن في المفرد والمسموع فيه جوالق بضم الجيم وجمعه جوالق بفتحها وهو باب مطرد كرجل حلاحل بضم الحاء أي وقور جمعه حلاحل بفتح الحاء ، وشجر عدامل أي قديم ، جمعه عدامل ، ورجل عراعر أي سيد ، جمعه عراعر ، ورجل علاكد أي شديد ، جمعة علاكد ، وله نظائر كثيرة اهـ.

( أقوال العلماء فيه )

ذكره ابن الانباري في نزهة الألباء في طبقات الأدباء فقال :

وأما أبو منصور موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر الجواليقي اللغوي فإنه كان من كبار أهل اللغة ، وكان ثقة صدوقاً ، وأخذ عن الشيخ ابي زكريا

38

يحيى الخطيب التبريزي ، وألف كتباً حسنة وقرأت عليه ، وكان منتفعاً به لديانته وحسن سيرته اهـ.

وذكره ابن خلكان فقال : أبو منصور موهوب بن أبي طاهر أحمد بن محمد ابن الجواليقي البغدادي الأديب اللغوي كان إماماً في فنون الأدب وهو من مفاخر بغداد ، قرأ الأدب على الخطيب ابي زكريا التبريزي يحيى بن علي ولازمه وتلمذ له حتى برع في فنه ، وهو متدين ثقة غزير الفضل وافر العقل مليح الخط كثير الضبط صنَّف التصانيف المفيدة وانتشرت منه مثل شرح أدب الكاتب والمعرّب ، ولم يعمل في جنسه اكثر منه ، وتتمة درة الغواص للحريري سماء التكملة فيما يلحن فيه العامة الى غير ذلك ، وكان يختار في مسائل النحو مذاهب غريبة ، وكان في اللغة أمثل منه في النحو ، وخطه مرغوب فيه يتنافس الناس في تحصيله والمغالاة فيه ، وسمع ابن الجواليقي من شيوخ زمانه واكثر ، وأخذ الناس عنه علماً جماً ، وينسب اليه من الشعر شيء قليل « اه ». وذكره وأباه أحمد السمعاني في الانساب فقال : الجواليقي ابو طاهر احمد بن محمد بن الخضر بن الحسين الجواليقي والد شيخاً ابي منصور كان شيخنا صالحا سديداً ًوابنه الامام ابو منصور موهوب بن ابي طاهر الجواليقي من اهل بغداد كان من مفاخر بغداد بل العراق وكان متديناً ًثقة غزير الفضل وافر العقل مليح الخط كثير الضبط قرأ الادب على ابي زكريا التبريزي والقاضي وابي الفرج البصري وتلمذ لهما وبرع في الفقه وصنف التصانيف وانتشر ذكره وشاع في الآفاق وقرأ عليه اكثر فضلاء بغداد وسمع ابا القاسم علي بن احمد ابن التستري وابا طاهر محمد بن احمد بن ابي الصقر الانباري وابا الفوارس طراد بن محمد الزينبي ومن بعدهم ، سمعت منه الكثير وقرأت عليه الكتب مثل غريب الحديث لابي عبد وامالي الصولي وغيرها من الأخبار المشهورة « اهـ ».

وذكره السيوطي في بغية الوعاة فقال : موهوب بن احمد بن محمد ابن

39

الحسن بن الخضر ابو منصور الجواليقي النحوي اللغوي كان اماماً في فنون الادب صحب الخطيب التبريزي وسمع الحديث من ابي القاسم ابن التستري ( البستري ) وابي طاهر بن ابي الصقر وروى عنه الكندي وابن الجوزي وكان ثقة ديناً غزير الفضل وافر العقل مليح الخطّ والضبط درس الادب في النظامية بعد التبريزي واختص بامامة المقتفي وكان في اللغة أمثل منه في النحو وكان متواضعاً طويل الصمت من أهل السنة لا يقول الشيء الا بعد التحقيق يكثر من قول لا ادري « اهـ ».

( اخباره )

قال ابن خلكان : جرت له مع الطبيب هبة الله بن صاعد المعروف بابن التلميذ واقعة عنده وهي انه لما حضر اليه للصلاة به ودخل عليه اول دخله فما زاده على ان قال السلام على اميرالمؤمنين ورحمة الله تعالى فقال له ابن التلميذ وكان حاضراً قائماً بين يدي المقتفي وله ادلال الخاصة والصحية : ما هكذا يسلم على اميرالمؤمنين يا شيخ فلم يلتفت ابن الجواليقي اليه وقال للمقتفي يا اميرالمؤمنين سلامي هو ما جاءت به السنة النبوية وروى له خبراً في صورة السلام ثم قال : يا اميرالمؤمنين لو حلف حالف ان كافراً لم يصل الى قلبه نوع من انواع العلم على الوجه المرضي لما حنث لأن الله تعالى ختم على قلوبهم ولن يفك ختم الله إلا بالايمان فقال له صدقت وأحسنت فيما فعلت وكأنما ألجم ابن التلميذ بحجر مع فضله وغزارة ادبه وحكى ولده ابو محمد اسماعيل وكان أنجب اولاده قال كنت في حلقة والدي يوم الجمعة بعد الصلاة بجامع القصر والناس يقرؤن عليه فوقف عليه شاب وقال يا سيدي قد سمعت بيتين من الشعر ولم افهم معناهما واريد ان تعرفني معناهما فقال قل فانشده :

وصل الحبيب جنان الخلد اسكنها * * * وهجره النار يصليني به النارا

40

فالشمس بالقوس أمست وهي نازلة * * * ان لم يزرني وبالجوزاء إن زارا

فقال له والدي يا بني هذا شيء من علم النجوم وسيرها لا من صنعة أهل الادب فانصرف الشاب من غير حصول فائدة واستحيا والدي من أن يسأل ما ليس عنده منه علم وقام وآلى على نفسه أن لا يجلس في حلقته حتى ينظر في علم النجوم ويعرف تسيير الشمس والقمر فنظر في ذلك وحصل معرفته ثم جلس. ومعنى البيت المسؤول عنه : ان الشمس اذا كانت في آخر القوس كان الليل في غاية الطول لأنه يكون آخر فصل الخريف ، واذا كانت في آخر الجوزاء كان الليل في غاية القصر لانه آخر فصل الربيع : ولبعض شعراء عصره وهو الحيص بيص كما في مختصر الحزيدة للحافظ :

كل الذنوب ببلدتي مغفورة * * * إلا اللذين تعاظما ان يغفرا

كون الجواليقي فيها ملقيا * * * أدبا وكون المغربي معبرا

فاسير لكنته تمل فصاحة * * * وغفول فطنته تعبّر عن كرى

وقال ابن الانباري في النزهة : كان يختار في بعض مسائل النحو مذاهب غريبة وكان يذهب الى ان الاسم بعد لولا يرتفع بها على ما يذهب اليه الكوفيون وكان يذهب الى أن الألف واللام في نعم الرجل ، للعهد على خلاف ما ذهب اليه الجماعة من انها للجنس لا للعهد ، وحضرت حلقته يوماً وهو يقرأ عليه كتاب الجمهرة لابن دريد وقد حكى عن بعض النحويين انه قال اصل ليس ( لا ايس ) فقلت هذا الكلام كأنه من كلام الصوفية فكأن الشيخ أنكر علي ذلك ولم يقل في تلك الحال شيئاً فلما كان بعد ذلك بإيام وقد حضرنا على العادة قال اين ذلك الذي انكر ان يكون اصل ليس لا ايس ، اليس ( لا ) تكون بمعنى ليس فقلت للشيخ ولم اذا كان لا بمعنى ليس يكون اصل ليس لا آيس فلم يذكر شيئاً وكان الشيخ ; في اللغة أمثل منه في النحو وقال ابن الانباري في ترجمة الحريري القاسم بن علي :

41

يحكى انه لما قدم بغداد شيخنا ابو منصور موهوب بن احمد الجواليقي والحريري يقرأ عليه كتاب المقامات فلما بلغ في المقامة 21 الى قوله :

وليحشرن اذل من فقع الفلا * * * ويحاسبن على النقيصة والشغا

قال الشيخ ابو منصور ما الشغا قال الزيادة ، فقال له الشيخ ابو منصور إنما الشغا اختلاف منابت الأسنان ولا معنى له ها هنا وقال ابن الانصاري أيضاً حكى شيخنا أبو منصور عن الشيخ ابي زكريا يحيى بن علي التبريزي عن ابي الجوائز الحسين بن علي الكاتب الواسطي قال رأيت سنة 414 وأنا جالس في مسجد قبا من نواحي المدينة امرأة عربية حسنة الشارة رائقة الاشارة ساحبة من أذيالها رامية القلوب بسهام جمالها فصلت هناك ركعتين احسنتهما ثم رفعت يديها ودعت بدعاء جمعت فيه بين الفصاحة والخشوع وسمحت عيناها بدمع غير مستدعى ولا ممنوع وأنشأت تقول وهي متمثلة :

يا منزل القطر بعدما قنطوا * * * ويا وليَّ النعماء والمنن

يكون ما شئت ان يكون وما * * * قدرت أن لا يكون لم يكن

وسألتني عن البئر التي حفرها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بيده وكان أمير المؤمنين بتناول ترابها منه بيده فأريتها اياها وذكرت لها شيئاً من فضلها ثم قلت لها لمن هذا الشعر الذي انشدتيه منذ الساعة فقالت بصوت شج ولسان منكسر انشدناه حضري لاحق لبدوي سابق وصلت له منا علايق ثم رحلته الخطوب وقد رقت عليه القلوب وان الزمان ليشح بما يشح ويسلس ثم يشرس ولو لا ان المعدوم لا يحسن لقلت ما اسعد من لم يُخلق فتركت مفاوضتها وقد صبت الى الحديث نفسها خوفاً ان يغلبني النظر في ذلك المكان وان يظهر من صبوتي ما لا يخفى على من كان في صحبتي ومضت والنوازع تتبعها وهواجس النفس تشيعها ( اهـ ).

42

تشيعه :

عن صاحب رياض العلماء انه قال فيه : ابن الجواليقي من الامامية واليه اسند الشهيد الثاني ; في اجازته للحسين بن عبد الصمد والد البهائي واليه ينسب بعض نسخ دعاء السماء ، وقد يطلق على بعض العامة وهو ـ اي ابن الجواليقي الامامي ـ الشيخ موهوب بن احمد بن محمد بن الخضر الجواليقي انتهى.

ولعل المراد بالجواليقي هو هذا فيستأنس به لكونه من شرط كتابنا وأما ما قاله صاحب الرياض من أن الشهيد الثاني اسند إليه في اجازته للشيخ حسين بن عبدالصمد : فهو اشارة الى قوله في الاجازة المذكورة : واروي كتاب الجمهرة مع باقي مصنفات محمد بن دريد ورواياته واجازاته بالاسناد المقدم الى السيد فخار الموسوي عن ابي الفتح محمد بن الميداني عن ابن الجواليقي عن الخطيب ابي زكريا التبريزي عن ابي محمد الحسن بن علي الجوهري عن ابي بكر بن الجراح عن ابن دريد المصنف الى أن قال وعن السيد فخار جميع مصنفات الهروي صاحب كتاب الغريين عن ابي الفرج بن الجوزي عن ابن الجواليقي عن ابي زكريا الخطيب التبريزي عن الوزير ابي القاسم المغربي عن الهروي المصنف. وعن ابن الجواليقي عن ابي الصقر الواسطي عن الجسثي عن التنيسي عن الانطاكي عن ابي تمام حبيب بن اوس الطائي صاحب الحماسة لها ولجميع تصانيفه ورواياته بالاسناد الى السيد فخار عن ابي الفتح الميداني عن ابن الجواليقي جميع كتبه ( اهـ ) وينبغي أن يكون مستند صاحب الرياض في كونه إمامياً غير اسناد الشهيد الثاني في اجازته له كرواية بعض نسخ دعاء السمات أو غير ذلك فإن اسانيدة الى كتب اللغة والادب قد اشتملت على غير الامامية وروايته في تلك الاجازة عن الخطيب التبريزي تعين ان مراد صاحب الرياض به هو المترجم لا غيره من العامة ممن يطلق عليه ابن الجواليقي فان الخطيب التبريزي شيخه وقد مر عن السيوطي انه من أهل

43

السنة ولعله لم يطلع على حاله ، وصاحب الرياض لا يشك في سعة اطلاعه والله اعلم.

( مشايخه )

قد علم مما مر انه أخذ عن جماعة كثيرين دراسة ورواية (1) الخطيب التبريزي يحيي بن علي (2) القاضي ابو الفرج البصري (3) علي بن احمد بن التستري (4) محمد بن احمد بن ابي الصقر الانباري (5) طراد بن محمد الزينبى (6) ابو الصقر الواسطي.

( تلاميذه )

(1) ابن الانباري عبدالرحمن بن محمد. (2) السمعاني عبد الكريم بن محمد صاحب الانساب. (3) الكندي. (4) ابو الفرج ابن الجوزي. (5) ولده اسماعيل. (6) ابو الفتح محمد بن الميداني.

( مؤلفاته )

(1) شرح ادب الكاتب (2) ما تلحن فيه العامة (3) المقرب وهو ما عرب من كلام المعجم ومر عن ابن خلكان انه لم يعمل في جنسه اكثر منه (4) تتمة درة الغواص سماه التكملة فيما يلحن فيه العامة وذلك ان درة الغواص في أوهام الخواص فهو قد جعل لها تتمة في اوهام العوام فيكون ما تلحن فيه العامة وتتمة درة الغواص واحداً وقد عد السيوطي في مؤلفاته ما تلحن فيه العامة وتتمة درة الغواص فجعلها اثنين فيكون درة الغواص في اوهام الخواص وما تلحن فيه العامة في اوهام العوام (5) كتاب في علم العروض. انتهى.

44

وفي روضات الجنات ترجم له وذكر له من الشعر قوله ـ كما رواه الدميري في حياة الحيوان :

ورد الورى سلسال جودك فارتووا * * * ووقفت حول الورد وقفة حائم

حيران أطلب غفلة من وارد * * * والورد لا يزداد غير تزاحم

وترجم لولده اسماعيل بن موهوب.

وفي التاج المكلل للسيد صديق حسن خان : موهوب بن احمد شيخ اهل اللغة في عصره ، سمع الحديث الكثير وقرأ الادب ودرس. قال ابن الجوزي : كان غزير العقل طويل الصمت لا يقول الشيء الا بعد التحقيق والفكر الطويل وكان كثيراً ما يقول : لا ادري.

45

ابو الغمر الإسناوي

قال أبو الغمر الاسناوي محمد بن علي الهاشمي المتوفى سنة 547 هـ في غلام لبس في يوم عاشوراء ثوب صوف

أيا شادنا قد لاح في زي ناسك * * * فباح بمكنون الهوى كل ماسك

رويدك قد أعجزت ما يعجز الضبا * * * واضرمت نيران الجوى المتدارك

أنحن فتكنا بابن بنت محمد * * * فتثأر منا بالحفون الفواتك (1)

____________

1 ـ عن خريدة القصر للعماد الاصبهاني.

46

قال العماد الاصفهاني في ( خريدة القصر ) ج 2 ص 158 ـ قسم شعراء مصر أبو الغمر الاسناوي محمد بن علي الهاشمي.

كان أشعر أهل زمانه وأفضل أقرانه. ذكره لي بعض الكتبيين من مصر وأثنى عليه ، وقال : توفي سنة سبع وأربعون ؛ وانشدني من شعره قوله :

ألحاظكم تجرحنا في الحشا * * * ولحظنا يجرحكم في الخدود

جرح بجرح فاجلعوا ذا بذا * * * فما الذي أوجب جرح الصدود

وله :

يا أهل قوص غزالكم * * * قد صاد قلبي واقتنص

نض الحديث فشفني * * * يا ويح قلبي وقت نص

وأورده ابن الزبير في كتاب الجنان ، وذكر من شعره قوله :

طرقتني تلوم لما رأت في * * * طلب الرزق للتذلل زهدي

هبك أني أرضى لنفسي بالكد * * * ية يا هذه فممن أكدي

وقوله في الخمر :

عذراء تفترُّ عن دّرٍ على ذهب * * * إذا صببت بها ماء على لهب

وافى اليها سنان الماء يطعنها * * * فاستلأمت زرداً من فضة الحبب

وقوله :

أيا ليلة زار فيها الحبيب * * * ولم يك ذا موعد ينتظر

47

وخاض الي سواد الدجى * * * فيا ليت كان سواد البصر

وطابت ولكن ذممنا بها * * * على طيب ريّاه نشر الشجر

وبتنا من الوصل في حُلّةٍ * * * مطرّزة بالتقى والخفر

وعقلي بها نهب سكر المدام * * * وسكر الرضاب وسكر الحورَ

وقد أخجل البدر بدر الجبين * * * وتاه على الليل ليل الشعر

وأعدى نحولي جسم الهواء * * * واعداه منه نسيم عطر

فمنّي معتبر العاشقين * * * ومن حسن معناه إحدى العبر

ومن سقمي وسنا وجهه * * * اريه السها ويريني القمر

وقوله :

ايها اللائم في الحـ * * * ـبِّ لحاك الله حسبي

لست أعصى ابداً في * * * طاعةِ العذّال قلبي

وقوله في العذرا :

وغزال خلعت قلبي عليه * * * فهو بادٍ لأعين النظَّار

قد ارانا بنفسج الثغر بدرا * * * طالعاً من منابتٍ الجلنار

وقدت نار خده فسواد الشعر * * * فيه دخان تلك النار

وله :

يفترُّ ذاك الثغر عن ريقه * * * در حبابٍ فوق جريال

ونون مسكِ الصدغ قد أعجمت * * * بنقطةٍ من عنبر الخالِ

48

الشروطي البغدادي

سعى طرفي بلا سببٍ لقتلى * * * كما لدم الحسين سعى زيادُ

يريد ابنه عبيد الله بن زياد

49

محمود بن محمد بن مسلم الشرُوطيّ البغدادي.

كان شاباً رائق الشعر ، بديع النظم والنثر ، قال العماد الاصفهاني في خريدة القصر وجريدة العصر : كان ينشدني من شعره كثيراً ، ولم أثبته ، وآخر عهدي به سنة اثنتين وخمسين وخمس مئة ، وتوفي بعد ذلك ، وانا بواسط ، وله ديوان ، وكان معظم مدحه في نقيب النقباء ابن الاتقى الزينبي قال من قصيدة في مدحه ، أولها :

في حدّ رأيك ما يغني عن القضب * * * وفي سخائك ما يربي على السحب

وفي اعتزامك ما لو شئت تنفذه * * * أباد بالخوف أهل الدهر والرعب

دانت لهيبتك الأيام خاضعةً * * * وفلَّ عزمك حدّ الموكب اللجب

وقال عنك لسان الدهر ما نطقت * * * به على كل عودٍ ألسن الخُطَب

يا ( طلحة بن علي ) ما لرائدنا * * * الى الغنى غير ما توليه من سبب

جابت بنا البيد عيسٌ طالما غنيت * * * براحتيك عن الأمواه والعشب

حتى وصلنا الى ملكٍ ، مواهبة * * * مقسومة بالندى في العجم والعرب

محجّبٌ برواق من مهابته * * * يلقى الوفود بمالٍ غير محتجب

ومنها :

فجدّه في صعودٍ لم يزل أبداً * * * وماله بالندى المنهل في صبب

ردّت مكارمه الانواء جامدة * * * وقال نائله للعسجدِ : انسكب

يا منفذ الرأي في أجساد حُسدّه * * * ولو غدا الدهر منها موضع اليلب

ومن يغار الضحى من نور طلعته * * * وإن يقل وجهه للبدر « غِب » يغب

50

أبن لنا عنك ، قد حارت خواطرنا * * * في كنه وصفك بين العُجب والعَجب

ذا الزهد في ملك نلقاه او مَلَك * * * وذا عفاف نقيبٍ او عَفافُ نبي

وذا الذكاء الذي لم يؤته بشر * * * في واحد المجد أم في السبعة الشهب

وذا الندى الجم من كفيك منسكب * * * أم من سحابٍ بوبل الغيث منسكب

وذا الكمال لبدر التمّ ، ام لكما * * * ل الدولة الماجد ابن السادة النجب

وهذه خلع بالفخر مشرقة * * * ام ضوء نورٍ بنورٍ منك ملتهب

حاكت عليك يد التوفيق حُلّتها * * * وطرّزتها يد الآراء والأرب

يستنّ بالذهب الابريز رونقها * * * وربما بك تستغني عن الذهب

كأنها لقب يسمو علاك به * * * وفي جلالك ما يسمو على اللقب

حتى لو انك لا تنمى الى نسب * * * لدلّنا بشرك البادي على النسب

فافخر ، فمن ( هاشم ) حُزت الفخار ومن * * * نجار ( زينب ) يا ابن المجد والحسب

جلال قدر أبٍ تسمو ومنقبة * * * للأمِّ فافخر بأمٍّ للعلى وأب

هذي المناقب قد وافتك باسمة * * * تهزُّ عندك عطفيها من الطرب

وقد سعى نحوها قوم فما ظفروا * * * مما رجوه بغير الجهد والتعب

ومنها :

[ إن ساجلوك وجاؤوا بانتسابهم * * * ففي السماء مقر الرأس والذنب ]

أو شابهوا عاطفات منك طيبة * * * فالعود والعود معدودان في الخشب

وكله خشب في الأرض منبته * * * لكن شتان بين النبع والغرب

أو كان أصلك يا ابن المجد أصلهم * * * فالنخل ـ لاشك ـ أصل الليف والرطب

لبيك من منعم قال الزمان له * * * أنت المعد لصرف الدهر والنوب

ومنها :

وكيف لا ترتضي الآمال رأي فتى * * * مذ كان في المهد أعطي الحكم وهو صبي