أدب الطّف أو شعراء الحسين عليه السلام - ج8

- السيد جواد شبر المزيد...
351 /
5

المقدمة

منذ سنوات عشر كنت كلما واتتني الفرصة ووجدت متسعاً من الوقت طرت الى بيروت وعكفت في احدى المطابع وواصلت السهر على إخراج جزء من أجزاء هذه الموسوعة ( أدب الطف ) فلا يمرّ شهر واحد حتى يكون الكتاب قد نجز ، وبيروت يومئذ قائمة على قدم وساق تصل الليل بالنهار بمواصلة العمل ، أما اليوم وقد هبطت اليها لنفس الغرض وبتاريخ 27 / 5 / 1977 والمصادف 8 جمادي الثانية من سنة 1397 ه‍ وإذا هي موحشة الجوانب خاوية على عروشها فذكرت قوله تعالى ( أو كالذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها ).

ايه يا عروس الشرق كيف ابيح حماك وصار عرضة للسلب والنهب.

هل تؤمنين بأن الأرض تشقى وتسعد ، وهل تؤمنين أن المعاصي تزيل النعم ( وضرب الله مثلاً قرية آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً فكفرت بأنعم الله فاذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ).

استغرقت في تفكيري ورددت ما خطر ببالي من الوقوف على الاطلال ومخاطبة الديار. ثم هيأ الله بعد اللتيا والتي من يستجيب لتحقيق أمنيتي ، فنجز الجزء السابع واتبعته بالجزء الثامن والحمد لله. وهذا الجزء يتضمن البقية من شعراء القرن الثالث عشر وقسماً من الرابع عشر.

المؤلف

6

السيد حيدر الحلي

المتوفى 1304

أهاشم لا يوم لك ابيضَّ أو ترى * * * جيادك تزجي عارض النقع أغبرا

طوالع في ليل القتام تخالها * * * وقد سدّت الافق السحاب المسخرا

بني الغالبيين الألى لست عالماً * * * أأسمح في طعن اكفك أم قرى

إلى الآن لم تجمع بك الخيل وثقة * * * كأنك ما تدرين بالطف ما جرى

هلمي بها شعث النواصي كأنها * * * ذئاب غضاً يمرحن بالقاع ضمرا

وإن سئلتك الخيل اين مغارها * * * فقولي ارفعي كل البسيطة عثيرا

فان دماكم طحن في كل معشر * * * ولا ثار حتى ليس تبقين معشرا

ولا كدم في كربلا طاح منكم * * * فذاك لأجفان الحمية أسهرا

غداة أبو السجاد جاء يقودها * * * أجادل للهيجاء لحملن أنسرا

عليها من الفتيان كل ابن نثرة * * * يعدّ قتير الدرع وشياً محبرا

أشمّ إذا ما افتض للحرب عذرة * * * تنشقّ من أعطافها النقع عنبرا

من الطاعني صدر الكتيبة في الوغى * * * إذا الصف منها من حديد توقرا

هم القوم اما اجروا الخيل لم تطأ * * * سنابكها إلا دلاصاً ومغفرا

إذا ازدحموا حشداً على نقع فيلق * * * رأيت على الليل النهار تكورا

كماة تعد الحيّ منها إذا انبرت * * * عن الطعن من كان الصريع المقطرا

7

ومَن يخترم حيت الرماح تظافرت * * * فذلك تدعوه الكريم المظفرا

فما عبروا إلا على ظهر سابح * * * إلى الموت لما ماجت البيض ابحرا

مضوا بالوجوه الزهر بيضاً كريمة * * * عليها لثام النقع لاثوه اكدرا

فقل لنزار ما حنينك نافع * * * ولومتّ وجداً بعدهم وتزفرا

حرام عليك الماء ما دام مورداً * * * لأبناء حرب أو ترى الموت مصدرا

وحجر على أجفانك النوم عن دم * * * شبا السيف يأبى أن يطل ويهدرا

أللهاشمي الماء يحلو ودونه * * * ثوت آله حرى القلوب على الثرى

وتهدأ عين الطالبي وحولها * * * جفون بني مروان ريّا من الكرى

كأنك يا أسياف غلمان هاشم * * * نسيت غداة الطف ذاك المعفرا

هبي لبسوا في قتله العار أسوداً * * * أيشفي إذا لم تلبسوا الموت أحمرا

ألا بكر الناعي ولكن بهاشم * * * جميعاً وكانت بالمنية أجدرا

فما للمواضي طائل في حياتها * * * إذا باعها عجزاً عن الضرب قصرا

ثوى اليوم أحماها عن الضيم جانباً * * * وأصدقها عند الحفيظة مخبرا

وأطعمها للوحش من جثث العدى * * * وأخضبها للطير ظفرا ومنسرا

قضى بعد ما ردّ السيف على القنا * * * ومرهفه فيها وفي الموت أثرا

ومات قريب العهد عند شبا القنا * * * يواريه منها ما عليه تكسرا

فإن يمس مغبّر الجبين فطالما * * * ضحى الحرب في وجه الكتيبة غبرا

وإن يقض ظمآناً تفطر قلبه * * * فقد راع قلب الموت حتى تفطرا

وألقحها شعواء تشقى بها العدى * * * ولود المنايا ترضع الحتف ممقرا

فظاهر فيها بين درعين نثرة * * * وصبر ودرع الصبر أقواهما عرى

سطا وهو أحمى من يصون كريمة * * * وأشجع من يقتاد للحرب عسكرا

فرافده في حومة الضب مرهف * * * على قلّة الأنصار فيه تكثرا

تعثّر حتى مات في الهام حده * * * وقائمه في كفه ما تعثرا

8

كأن اخاه السيف أُعطي صبره * * * فلم يبرح الهيجاء حتى تكسرا

له الله مفطور من الصبر قلبه * * * ولوكان من صم الصفا لتفطرا

ومنعطفاً اهوى لتقبيل طفله * * * فقبل منه قبله السهم منحرا

لقد ولدا في ساعة هو والردى * * * ومن قبله في نحره السهم كبرا

وفي السبي مما يصطفي الخدر نسوة * * * يعز على فتيانها أن تسيرا

حمت خدرها يقضى وودت بنومها * * * ترد عليه جفنها لاعلى الكرى

مشى الدهر يوم الطف أعمى فلم يدع * * * عماداً لها إلا وفيه تعثرا

وجشمها المسرى ببيداء قفرة * * * ولم تدر قبل الطف ما البيد والسرى

ولم تر حتى عينها ظل شخصها * * * إلى أن بدت في الغاضرية حسرى

فاضحت ولا من قومها ذو حفيظة * * * يقوم وراء الخدر عنها مشمرا

ولد السيد حيدر في الحلة وينتهي نسبه الى الامام أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) ـ كان مولده (15) شعبان سنة 1246 ه‍ الموافق سنة ( 1830 م ) وقبل أن يكمل عامه الثاني من عمره فقد والده فعاش يتيماً وتولى تربيته عمه السيد مهدي وكانت وفاته بالحلة يوم التاسع من ربيع الثاني وحمل إلى النجف فدفن في الصحن الشريف امام الرأس الشريف. كان شاعراً مجيداً من أشهر شعراء العراق أديباً ناثراً جيد الخط نظم فأكثر ولا سيما في رثاء الحسين (عليه السلام) فقد حلّق ، بالرغم من أن معاصريه من فحول الشعراء وأكابر الادباء فقد فاقهم حتى اعترفوا له بالفضل. قال السيد في الاعيان : وكان لغوياً عارفاً بالعربية شهماً أديباً ، وقوراً تقياً عليه سمات العلماء الأبرار كثير العبادة والنوافل كريم الطبع. في الطليعة اخبرني السيد حيدر الحلي قال رأيت في المنام فاطمة الزهراء (عليها السلام) فأتيت اليها مسلماً عليها مقبّلا يديها فالتفتت إلي وقالت :

أناعيَ قتلى الطف لا زلتَ ناعيا * * * تهيج على طول الليالي البواكيا

9

فجعلت أبكي وانتبهت وأنا اردد هذا البيت وجعلت أتمشى وأنا أبكي ففتح الله علي أن قلت :

أعد ذكرهم في كربلاء إن ذكرهم * * * طوى جزعاً طيّ السجل فؤاديا

ودع مقلتي تحمر بعد ابيضاضها * * * بعد رزايا تترك الدمع داميا

ستنسى الكرى عيني كأن جفونها * * * حلفن بمن تنعاه ان لا تلاقيا

وتعطي الدموع المستهلات حقها * * * محاجر تبكي بالغوادي غواديا

واعضاء مجد ما توزعت الضبا * * * بتوزيعها إلا الندى والمعاليا

لئن فرقتها آل حرب فلم تكن * * * لتجمع حتى الحشر إلا المخازيا

ومما يزيل القلب عن مستقره * * * ويترك زند الغيظ في الصدر واريا

وقوف بنات الوحي عند طليقها * * * بحال بها يشجين حتى الأعاديا

لقد الزمت كف البتول فؤادها * * * خطوب يطيح القلب منهن واهيا

وغودر منها ذلك الضلع لوعة * * * على الجمر من هذي الرزية حانيا

أبا حسن حرب تقاضتك دينها * * * إلى أن أسائت في بنيك التقاضيا

مضوا عطري الأبراد يأرج ذكرهم * * * عبيراً تهاداه الليالي غواليا

غداة ابن ام الموت اجرى فرنده * * * بعزمهم ثم انتضاهم مواضيا

واسرى بهم نحو العراق مباهياً * * * بأوجههم تحت الظلام الدراريا

تناذرت الأعداء منه ابن غابة * * * على نشرات الغيل اصحر طاويا

تساوره افعى من الهم لم يجد * * * لسورتها شيئاً سوى السيف راقيا

واظمأه شوق إلى العز لم يزل * * * لورد حياض الموت بالصيد حاديا

فصمم لا مستعدياً غير همة * * * تفل له العضب الجراز اليمانيا

واقدم لا مستسقياً غير عزمة * * * تعيد غرار السيف بالدم راويا

بيوم صبغن البيض ثوب نهاره * * * على لابسي هيجاء أحمر قانيا

ترقت به عن خطة الضيم هاشم * * * وقد بلغت نفس الجبان التراقيا

10

لقد وقفوا في ذلك اليوم موقفاً * * * إلى الحشر لا يزداد إلا معاليا

هم الراضعون الحرب اول ـا * * * ولا حلم يرضعن إلا العواليا

بكل ابن هيجاء تربى بحجرها * * * عليه ابوه السيف لا زال حانيا

طويل نجاد السيف فالدرع لم يكن * * * ليلبسه إلا من الصبر ضافيا

يرى السمر يحملن المنايا شوارعاً * * * إلى صدره ان قد حملن الأمانيا

هم القوم اقمار الندي وجوههم * * * يُضئن من الآفاق ما كان داجيا

مناجيد طلاعين كل ثنية * * * يبيت عليها مُلبد الحتف جاثيا

ولم تدر ان شدوا الحبا احباهم * * * ضمّن رجالاً أم جبالاً رواسيا

قال : ثم أوصى أن تكتب وتوضع معه في كفنه ترجم له الكثير وقرضوا شعره إذ هو الشاعر الذي لم يزل يحتفظ بمكانته السامية في نفوس الشعراء والعلماء والادباء ولم تضعضع الأيام ولا مرّ السنين من رفعته وجلالته وتقديره ، وما رأيت شاعراً من شعراء الحسين (عليه السلام) تتذوقه النفوس وتهوى تكرار قصائده كالسيد حيدر في جميع الأقطار الشيعية فهو مضرب المثل في هذه الصناعة. قال الزركلي في ( الاعلام ) : السيد حيدر شاعر أهل البيت في العراق أديب إمامي شعره حسن ، وكان مترفعاً عن المدح والاستجداء موصوفاً بالسخاء له ديوان شعر سماه ( الدر اليتيم ) وأشهر شعره حولياته في رثاء الحسين (عليه السلام) وترجم له الخطيب الأديب الشيخ اليعقوبي في البابليات فقال : ولد ; في الحلة ليلة النصف من شعبان سنة 1246 ه‍ ومات أبوه سنة 1247 فاقترن السيد مهدي ـ عم المترجم له ـ بزوجة اخيه السيد سليمان وعمر ولدها حيدر أقل من عامين فنشأ في حجر عمه وربيب نعمته وخريج مدرسته ، قال : وقد وقفت يوم كنت في الحلة على نسخ كثيرة من قصائد عمه ورسائله النثرية التي كان يبعث بها لآل كبة وغيرهم وهي بخطة المترجم له وفي آخرها يقول : وحضر كاتب الحروف ولدنا حيدر يهديكم عاطر التحيات.

11

وطفق من أول نشأته يحفظ الشعر ويعالج النظم كأنه مطبوع عليه حتى أحرزت قصائده استحساناً عظيماً في أندية الأدب ، وتفاءل قراء شعره بنبوغه في الفن ، كما أنه في نثره لا يقل عن نظمه فصاحة وبلاغة حتى قال فيه شيخ ادباء بغداد عبد الباقي العمري :

لقد أبدع السيد المرتقى * * * بتسميطه ذروة الابلق

وفاه بما فيه ـ لافظ فوه ـ * * * لبيد الفصاحة لم ينطق

وبرّز في حلبة غيره * * * اليها وإن طار لم يسبق

وقد كان أبيّ النفس ، واسع الجاه عظيم القدر يتمتع بمكانة سامية في الأوساط العلمية والأدبية بحيث يحتفى به حجة الاسلام الشيرازي إذا استزاره إلى سامراء ذكر الشيخ الأميني في ( الغدير ) ان السيد حيدر قصد سامراء لزيارة الإمامين العسكريين (عليهما السلام) وبعد أداء الزيارة قصد السيد المجدد الشيرازي ، فعزم السيد المجدد على ردّ الزيارة له وحمل معه مائة ليرة ذهبية ودفعها له بكل إجلال وتقدير ، ثم قبّل يد السيد حيدر حيث أنه شاعر أهل البيت (عليهم السلام) ، وهذا منتهى التقدير.

وكان من أوعى رجال الأدب صدراً لمادته لغة وعلوم عربية ومن اكثرهم حفظاً للفوائد واستظهاراً للشوارد وأشدهم مزاولة لأشعار العرب وخطبهم ، جزل الألفاظ رقيق المعاني حسن الروية جيد الطبع فجاء شعره في الغالب متين التأليف عربياً فصيح المفردات والتراكيب ، وحسبك منه ( حولياته ) التي لم يقصر فيها عن شأو زهير في البلاغة وصحة اللفظ والمعنى وهي مرثياته للسبط الشهيد أبي عبد الله الحسين؟ التي خلدته خلوداً يبقى مع الزمن ، فلا شك أنه شقّ فيها غبار الشريفين الرضى والمرتضى ومهيار وكشاجم وكل من تعاطى رثاء الامام الشهيد (عليه السلام) من فحول شعراء الشيعة المتقدمين والمتأخرين وجاء باللون الجديد في الرثاء وتفنن فيه ما شاء له أدبه ومقدرته في الألفاظ والمعاني والأساليب ما هزّ المشاعر واستمطر الدموع.

12

قال الشيخ اليعقوبي : وحدثني المغفور له السيد هادي القزويني أن عمه السيد ميرزا جعفر كان يقترح على خطيب الذكرى الحسينية في المحفل الذي يعقده بداره في الحلة طيلة العشرة الاولى في المحرم أن لا ينشده غير المراثي الحيدرية ، ومجموع قصائد السيد حيدر الحسينية (23) عدا المقاطيع وكلها من الشعر المختار ، وقد جمعت وطبعت مستقلة عن ديوانه غير مرة في الهند والنجف وقد أحجم عن مجاراته فيها كثير من الشعراء المعاصرين له والمتأخرين عنه.

وأنبأني الأديب الحاج عبد المجيد الشهير ب‍ ( العطار ) قال : دخلت على السيد يوماً وطلبتُ منه قصيدته النونية التي مطلعها :

إن ضاع وترك يابن حامي الدين * * * لا قال سيفك للمنايا كوني

فاستدعى بمحفظة خشبية أخرج منها أكثر من ثمان نسخ من القصيدة نفسها ، وكل واحدة تختلف عن سابقتها في التقديم والتأخير والتنسيق حتى دفع إلي آخر نسخة كان قد أعاد النظر في تهذيبها وهي التي ارتضاها بعد إجهاد الفكر ، والى مراثيه هذه أشار المجاهد السيد السعيد الحبوبي بقوله في قصيدته التي رثاه فيها وهي أبلغ قصيدة رثي بها المترجم له :

أجوهرة الدنيا التي قد تزينت * * * به واكتست من بشره اللمعانا

فمن للقوافي الغر بعدك حيدرٌ * * * يساجل فيها دائنا ومدانا

فكم لك إذ تدعو ابن أحمد ندبة * * * تزلزل رضوى أو تزيل أبانا

أطلتَ ولم تملل بكاك عليهم * * * فطال ولم نملل عليك بكانا

ولا تظن أن إبداعه يقتصر على مراثي أهل البيت (عليهم السلام) فإن شعره في شتى النواحي مزدان بالإبداع مرصوص الجوانب كالسلاسل الذهبية فاستمع إلى قطعة من قصيدته التي قالها في رثاء الميرزا جعفر القزويني والتي مطلعها :

قد خططنا للمعالي مضجعا * * * ودفنّا الدين والدنيا معا

عقدنا للمساعي مأتما * * * ونعينا الفخر فيه أجمعا

13

صاحب النعش الذي قد رفعت * * * بركات الأرض لما رفعا

وقوله من قصيدة يرثي بها علامة عصره الشيخ مهدي حفيد الشيخ الأكبر كاشف الغطاء :

يا من أضاء بنوره أفق الهدى * * * أعلمتَ بعدك كل افق أظلما

أبكيك للاحسان غاض نميره * * * قسراً وللآمال بعدك حوّما

رفعوك والبركات عن ظهر الثرى * * * وطووك واللمعات عن وجه السما

دفنوك وانصرفوا بأعظم حيرة * * * فكأنما دفنوا الكتاب المحكما

ولشاعرنا السيد حيدر آثار أدبية :

1 ـ كتاب دمية القصر في شعراء العصر ، جمع فيه ما قاله شعراء عصره في المرحوم الحاج محمد صالح كبة وأولاده وأحفاده وهو يقع في 556 صفحة ، لا توجد غير نسخة الاصل وهي في مكتبة الشيخ محمد مهدي كبة.

2 ـ العقد المفصل يجمع المحسنات البديعة والطرف الأدبية والنوادي والفكاهات واللغة والأدب ، طبع ببغداد في جزئين كبيرين سنة 1332.

3 ـ الاشجان في خير انسان يتكون من 95 صفحة جمع فيه ما قيل في رثاء السيد ميرزا جعفر القزويني وعدد الشعراء الذين ترجم لهم 23 شاعراً.

4 ـ ديوان شعره ، ولم يكن مجموعاً في حياة الناظم وإنما جمعه ابن اخيه السيد عبد المطلب باقتراح من الحجة السيد حسن الصدر (قدس سره). وقد طبع في الهند سنة 1312 ه‍ ثم أُعيد طبعه مرة ثانية بنفس الطباعة الحجرية فكانت كالاولى بكثرة اغلاطها النحوية والاملائية ، وفي سنة 1368 ه‍ قامت مطبعة ( الزهراء ) بالنجف الأشرف بطبع الجزء الأول من ثلاثة أجزاء بتحقيق الاستاذ اللامع صالح الجعفري مدرّس الأدب العربي في ثانوية النجف بعدما قابله بعدة نسخ مخطوطة وأجودها نسخة الشيخ السماوي المخطوطة بقلم الشيخ حسن مصبح سنة 1306 ه‍ كما قام

14

الاستاذ البحاثة على الخاقاني بتحقيق ونشر الديوان على نسخ مضبوطة محققة وأخرجه بأجمل اخراج في مطابع النجف أقول وقد ترجم له الشيخ عبد الرزاق البيطار في مؤلفه ( حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر ) جزء 1 صفحة 566 وأسماه ب‍ السيد حيدر الحلبي تصحيف ( حلي ) مع أن الكتاب طبع بمطبعة الترقي بدمشق بتحقيق الاستاذ محمد بهجة البيطار عضو مجمع اللغة العربية بدمشق سنة 1380 ه‍ 1961 م.

كما جاء في كتاب ( نفس المهموم ) للمحدث الشيخ عباس القمي ; قصيدة تزيد على 20 بيتاً أولها :

أتربة وادي الطف حياك ذو العرش * * * وروّت رباك المزن رشاً على رشّ

ونسبها للسيد حيدر الحلي ، والصحيح انها للشيخ حسن مصبح.

وجاء في ( اعيان الشيعة ) للسيد الأمين ج 29 عند ترجمة السيد حيدر ، هذه المقطوعة الغرامية التي مطلعها :

إلى م تسرّ وجدك وهو باد * * * وتلهج بالسلوّ وانت صبّ

والصحيح انها للشيخ عباس بن الملا علي النجفي ، وهي مثبتة في ديوانه.

توفي السيد حيدر في مسقط رأسه ـ الحلة ـ عشية الاربعاء في الليلة التاسعة من ربيع الثاني وعمره 59 سنة ودفن في النجف الاشرف في الجهة الشمالية من الصحن الحيدري أول الساباط بين مرقدي السيد ميرزا جعفر القزويني والشيخ جعفر الشوشتري ، ورثاه فريق من الشعراء كالسيد الحبوبي والسيد ابراهيم الطباطبائي ، والشيخ حمادي نوح ، والحاج حسن القيم ، والشيخ حسون العبدالله والشيخ محمد الملا ، وولده السيد حسين وابن اخيه السيد عبد المطلب ، وعقد له العلامتان السيد محمد القزويني وأخوه السيد حسين مأتم العزاء بدارهما في النجف ، ولذلك تخلص الحبوبي إلى مدحهما في آخر قصيدته التي مطلعها :

أبن لي نجوى إن أطقتَ بيانا * * * ألست لعدنان فماً ولسانا

15

عندما ندرس السيد حيدر الحلي (قدس سره) نجد له صلة اكيدة بعبقرية الشاعرين الشريف الرضي والمهيار الديلمي وان لهما تأثيراً قوياً على شاعريته وذلك لأنه درس شعر الرضي دراسة تحليلية ودوّن معظم قصائده والمختار من ديوانه في مجاميعه الأدبية ونسخ ديوان مهيار بكامله في أربعة أجزاء بالقطع الكبير. كتبه وهو ابن 25 سنة وكتب في آخره :

تمّ الجزء الرابع من ديوان مهيار الديلمي على يد المحتاج إلى ربه الغني حيدر بن سليمان الحسيني يوم الاثنين وهو اليوم السابع عشر من شوال 1271 ه‍.

ومن ثمة تجده قد ألمّ بكثير من معاني الشريف ومهيار وأودعها في قصائده بقوالب من الألفاظ ربما تكون أحيانا أقوى وأجزل من الأصل ، وها نحن نثبت أمثله منها : (1)

قال الشريف الرضي :

ودعي الأعنة من أكفك إنها * * * فقدت مصرفها ليوم مغار

وقال السيد حيدر :

لتلق الجياد السابقات عنانها * * * فليس لها بعد الحسين مصرّف

وقال الشريف الرضي :

إلى جده تنمى شمائل مجده * * * وهل ترجع الأشبال إلا إلى الأسد

وقال السيد حيدر :

كفى خلفاً عنه بأشبال مجده * * * وهل تخلف الاساد إلا شبولها

وقال الشريف الرضي :

كالغيث يخلفه الربيع وبعضهم * * * كالنار يخلفها الرماد المظلم

وقال السيد حيدر :

وبعضهم كالنار لا يخلفها * * * منها سوى ما كان من رمادها

____________

1 ـ عن البابليات للشيخ اليعقوبي في ترجمة سيد حيدر الحلي.

16

وقال الشريف الرضي :

وهل ينفع المكلوم عضّ بنانه * * * ولو مات من غيض الأسد الوردي

وقال السيد حيدر :

فعضضت البنان غيظاً ولكن * * * لا يفيد المكلوم عضّ البنان

وقال الشريف الرضي :

إنما قصّر من آجالنا * * * أننا نأنف من موت الهرم

وقال السيد حيدر :

عهدي بهم قصر الأعمار شأنهم * * * لا يهرمون وللهيّابة الهرم

وقال الشريف الرضي :

وترى خفافا في الورى فاذا انتدوا * * * وتلاغط النادي رأيت ثقالا

وقال السيد حيدر :

ان دعوا خفّوا إلى داعي الوغى * * * وإذا النادي احتبى كانوا الثقالا

وقال الشريف الرضي :

متأوهاً تحت الخطوب * * * تأوّه الجمل العقير

وقال السيد حيدر :

عججنا اليك من الظالمين * * * عجيج الجمال من الناحر

وقال الشريف الرضي :

إن الجياد على المرابط * * * تشتكي طول المقام

وقال السيد حيدر :

الخيل عندك ملّتها مرابطها * * * والبيض منها عرا أغمادها السأمُ

وقال الشريف الرضي :

بضوامر مثل النسور * * * وغلمة مثل الصقور

وقال السيد حيدر :

غداة ابو السجاد جاء يقودها * * * أجادل للهيجاء يحملن أنسرا

17

وقال أبو الطيب المتنبي في أبي العشائر :

افرسُ مَن تسبح الجياد به * * * وليس إلا الحديد امواه

وقال السيد حيدر :

فما عبروا إلا على ظهر سابح * * * إلى الموت لما ماجت البيض أبحرا

وقال المهيار الديلمي :

إذا راق صبح فالحصان مصاحب * * * وإن جنّ ليل فالحسام ضجيع

وقد أحسن السيد حيدر في أخذه حيث قال :

وله الطرف حيث سار أنيس * * * وله السيف حيث بات ضجيع

وقال المهيار :

نعم هذه يا دهر أّمّ المصائب * * * فلا توعدّني بعدها بالنوائب

وقال السيد حيدر :

يا دهر ما شئت فاصنع هان عظما * * * هذا الذي للرزايا لم يدع ألما

وقال ابن هاني الاندلسي :

لا يأكل السرحان شلوطعينهم * * * مما عليه من القنا المتكسّر

وقال السيد حيدر :

ومات كريم العهد عند شبا القنا * * * يواريه منها ما عليه تكسرا

وقال الحاج هاشم الكعبي المتوفى سنة 1231 يصف سبايا أهل البيت :

عبراتها تحيي الثرى لو لم تكن * * * زفراتها تدع الرياض همودا

وقال السيد حيدر :

فدمعها لو لم يكن محرقاً * * * عاد به وجه الثرى معشبا

أقول ذكر الشيخ اليعقوبي في ( البابليات ) ترجمة السيد مهدي السيد داود الحلي ـ عم السيد حيدر الحلي ـ تربية هذا الشاعر لابن أخيه السيد حيدر وكفالته له وتهذيبه إياه وتثقيفه ثم قال :

18

فمن ثمة تجد السيد حيدر قد اقتبس كثيراً من معاني عمه وأودعها في قوالب من الألفاظ تفوق فيها على عمه في قوة التراكيب وجمال الأساليب واليك قسماً مما سجلناه من ذلك أثناء مطالعاتنا لديوانيهما.

1 ـ قال السيد مهدي :

يلقى الكتائب مفرداً بهياجها * * * فكأنما هو في الهياج كتائب

وقال ابن أخيه :

فتلقى الجموع فرداً ولكن * * * كل عضو في الروع منه جموع

2 ـ وقال السيد مهدي :

لقد وقفوا موقفاً لو به * * * نصبن الجبال لأضحت هباءا

وقال ابن اخيه :

وقفوا والموت في قارعةٍ * * * لو بها أرسي ثهلان لزالا

3 ـ وقال السيد مهدي :

بالقضب زوجت النفوس وطلّقت * * * في الله دون إمامها أزواجها

وقال ابن أخيه :

ووفت بما عقدت فزوجت الطلى * * * بالمرهفات وطلقت حوباءها

4 ـ وقال السيد مهدي :

وإذا شدوا حباهم لست تدري * * * أرجال أم جبال في حباها

وقال ابن اخيه :

ولم تدر إن شدوا الحبا أحباهم * * * ضممن رجالا أم جبالا رواسيا

5 ـ وقال السيد مهدي :

من تحتهم لو تزول الأرض لانتصبوا * * * على الهوا هضبا أرسى من الهضب

وقال ابن اخيه :

دكوا رباها ثم قالوا لها * * * وقد جثوا نحن مكان الربى

19

6 ـ وقال السيد مهدي :

وان غيّر الخطب ألوانها * * * ترى وجهه في الخطوب طليقا

وقال ابن أخيه :

تزيد الطلاقة في وجهه * * * إذا غيّر الخوف ألوانها

7 ـ وقال السيد مهدي :

فتوردها في طلاهم ظماءاً * * * وتصدرها من دماهم رواءاً

وقال ابن اخيه :

فيصدرها ريانة من دمائهم * * * ويوردها ظمأنة تتلهف

8 ـ وقال السيد مهدي :

وعليه عجّ كبارهم * * * عجّة البازل من مُدية نحره

وقال ابن اخيه :

عججنا اليك من الظالمين * * * عجيج الجمال من الناحر

9 ـ وقال السيد مهدي :

دفنوا كتب النبيين به * * * أم به قد دفنوا علم الإمامه

وقال ابن اخيه :

دفنوا النبوة وحيها وكتابها * * * بك والامامة حكمها وقضاءها

وبالرغم من اعترافنا للسيد حيدر الحلي بأنه مجدد في الشعر ، وأنه المجلّي بين أقرانه فان لنا عليه مؤخذات منها قوله في قصيدته التي مطلعها :

ان لم أقف حيث جيش الموت يزدحم * * * فلا مشت بي في طرق العلى قدم

عندي من العزم سرٌ لا أبوح به * * * حتى تبوح به الهندية الخذم

وهذا المعنى أخذه من الشاعر أبي فراس الحمداني إذ يقول في قصيدته الشهيرة :

يصان مهري لأمر لا أبوح به * * * والدرع والرمح والصمصامة الخذم

20

ويقول السيد حيدر في قصيدته التي مطلعها :

تركت حشاك وسلوانها * * * فخلٌ حشاي وأحزانها

إلى أن يقول في مصرع الحسين بن علي (عليه السلام) :

عفيراً متى عاينته الكماة * * * يختطف الرعب ألوانها

وقد أخذ هذا المعنى من السيد الرضي في مرثيته للحسين (عليه السلام) :

تهابه الوحش ان تدنو لمصرعه * * * وقد أقام ثلاثاً غير مقبور

وجاء في ( المنتخب ) للشيخ فخر الدين الطريحي المتوفي 1085 وهو من رجال القرن الحادي عشر الهجري قوله في الحسين :

ألاعج يوم الطف لا زلتَ واربا * * * وللقلب لم تبرح على الصعب لاويا

كم انصدعت أمعاء مهجة أنفس * * * فليس لها من جرحك الدهرآسيا

وما زال زند الغيظ للوجد مضرماً * * * وضلعي على جمر الغضامنه حانيا

بك انطمست آثار دين محمد * * * وأصبح فيك الكون بالحزن داجيا

وهدّ من المجد الأثيل قوامه * * * فقوّض للعليا قباباً رواسيا

وفاضت عيون المكرمات كآبة * * * وجفن العلا ما أنفك بالدمع جاريا

وقامت لحشر الأنبياء قيامة * * * ترى الكل فيها للجريمة جاثيا

بها صورً صَعق الخلق حرّك للفنا * * * فأصبح فيها حجة الله ثاويا

ألا أيها اليوم المشوم على الورى * * * تركت جفون المكرمات دواميا

ضربت بسيف الجور كيوان عزها * * * فغودر فيها العدل أجرد ضاحيا

سرت منك في جنح الظلام قوائم * * * فكورن في ضوء النهار الدراريا

وسعّرن نيران الحروب فزعزعت * * * قوى العرش حتى قد برحن الثوانيا

قضت فيك جوراً آل حرب ذحولها * * * وساءت بآل الاكرمين التقاضيا

وشقّت على آل النبي ستورها * * * وثجّت لها بحراً من الدم ساجيا

لقد أثكل الدنيا لواعجك التي * * * صببن على كل الانام الدواهيا

21

وقدّ لها طود الهداية قلبه * * * وأصبح من ثكل لرزئك واهيا

غداة قضى سبط النبي محمد * * * على سغب طاوي الحشاشة ضاميا

حمى حوزة المجد المؤثل وانثنى * * * يجلّي عنا لدين الحنيف الغواشيا

وقد جاراه السيد حيدر بقصيدته التي مرّت وذلك بعد وفاة الشيخ فخر الدين الطريحي بأكثر من مأتي عام فقال :

أناعيَ قتلى الطف لا زلت ناعيا * * * تهيج على طول الليالي البواكيا

أعد ذكرهمه في كربلا ، إن ذكرهم * * * طوى جزعاً طي السجل فؤاديا

ودع مقلتي تحمر بعد ابيضاضها * * * بعدّ رزايا تترك الدمع داميا

وقال الشيخ عبد الحسين الاعسم المتوفى سنة 1247 ه‍ سن قصيدة حسينية :

صرخن بلا لبٍّ وما زال صوتها * * * يغضّ ولكن صحن من دهشة الرعب

وجاء السيد حيدر بعد 58 عاماً يقول في الموضوع نفسه وإن يكن البس المعنى ثوباً أجمل :

وقد كان من فرط الخفارة صوتها * * * يُغضّ فغض اليوم من شدة الضعف

كما قال الشيخ الاعسم في القصيدة نفسها يصف سبايا آل الرسالة يوم عاشوراء :

فأبرزنَ من حجب الخدور تودّ لو * * * قضت نحبها قبل الخروج من الحجب

فقال السيد حيدر في نفس القصيدة الحسينية :

ويا لوعه لو ضمني اللحد قبلها * * * ولم أبد بين القوم خاشعة الطرف

ونظم الشيخ ابراهيم صادق العاملي المتوفي سنة 1284 ه‍ أي قبل وفاة السيد حيدر بعشرين سنة فقال من قصيدة حسينية :

وأجلّ يوم راح مفخر هاشم * * * فيه أجب الظهر والعرنين

يوم به تلك الفواطم سُيّرت * * * أسرى تلفّ أباطحا بحزون

فأخذ هذا المعنى السيد حيدر فقال من قصيدة حسينية أيضاً :

وأجلّ يوم بعد يومك حلّ * * * في الاسلام منه يشيب كل جنين

22

يوم سرت اسرى كما شاء العدى * * * فيه الفواطم من بني ياسين

ويقول الشيخ سالم الطريحي المتوفى سنة 1295 في قصيدته التي قالها :

امية قد جاوزت حدها * * * فقم فالظبا سئمت غمدها

وفي آخرها :

لان ضاع وتربني هاشم * * * إذاً عدمت هاشم مجدها

ويقول السيد حيدر الحلي المتوفي 1304 ( اي بعد الشيخ سالم ب‍ 13 سنة :

إن ضاع وترك يابن حامي الدين * * * لا قال سيفك للمنايا كوني

وذكر الشيخ السماوي في ( الكواكب السماوية ) ان السيد حيدر دخل على العلامة السيد ميرزا جعفر القزويني فقال له : قد قارب شهر المحرم فهل نظمت في الامام الحسين (ع) على عادتك ، قال نعم ثم أنشده :

قد عهدنا الربوع وهي ربيع * * * أين لا أين انسها المجموع

حتى إذا بلغ الى قوله منها :

سبق الدمع حين قلت سقاها * * * فتركت الحيا وقلت الدموع

قال له السيد : كلا ، انك من معشر لا يتركون الحيا فاستحيا ، السيد حيدر ثم أبدل لفظة ( الحيا ) بالسما وجعل البيت هكذا :

سبق الدمع حين قلت سقتها * * * فتركت السما وقلت الدموع

نموذج من مراثي السيد حيدر للامام الحسين :

سجّلت حوليات الشاعر وهي كما قلت سابقاً 23 رائعة كلها من الشعر العالي الرصين القائم بنفسه ووددت أن اذكرها بهذه الموسوعة ، لكن ذلك خلاف ما صممنا عليه من الاختصار فاكتفينا بهذه القصائد الآتية :

قد عهدنا الربوعَ وهي ربيعُ * * * أين لا أين أُنسها المجموع

درج الحيّ أم تتّبع عنها * * * نجع الغيث أم بدهياءَ ريعوا

23

لا تقل : شملها النوى صدعته * * * إنما شمل صبري المصدوع

كيف أعدت بلسعة الهمّ قلبي * * * يا ثراها (1) وفيك يُرقى اللسيع

سبق الدمع حين قلت سقتها * * * فتركت السما وقلت الدموع

فكأني في صحنها وهو قعبٌ * * * أَحلِبُ المزن والجفون ضُروع

بت ليلَ التمام أنشد فيها * * * هَل لماضٍ من الزمان رجوع

وادّعت حولي الشجا ذات طوقٍ * * * مات منها على النياح الهجوع

وصفت لي بجمرتي مُقلتيها * * * ما عليه انحنين مني الضلوع

شاطرتني بزعمها الداءَ حزناً * * * حين أنّت وقلبي الموجوع

يا طروبَ العشيّ خلفك عني * * * ما حنيني صَبابةٌ وولوع

لم يَرُعني نؤي الخليط ولكن * * * من جوى الطف راعني ما يروع

قد عذلت الجزوعَ وهو صبور * * * وعذرت الصبورَ وهو جزوع

عجباً للعيون لم تغد بيضاً * * * لمصابٍ تحمرّ فيه الدموع

وأساً شابت الليالي عليه * * * وهو للحشرفي القلوب رضيع

أيّ يوم بشفرة البغي فيه * * * عاد أنف الاسلام وهو جديع

يوم أرسى ثقلُ النبي على الحتف * * * وخفّت بالراسيات صدوع

يوم صكّت بالطف هاشم وجه * * * الموت فالموت من لقاها مروع

بسيوفٍ في الحرب صلّت فللشو * * * س سجود من حَولها وركوع

وقفت موقفاً تضيّفت الطير * * * قِراه فحوّمٌ ووقوع

موقف لا البصير فيه بصير * * * لاندهاشٍ ولا السميع سميع

جلّل الأفق منه عارض نقع * * * من سنا البيض فيه برق لموع

فلشمس النهار فيه مَغيبٌ * * * ولشمس الحديد فيه طلوع

أينما طارت النفوس شعاعاً * * * فلطير الردى عليها وقوع

____________

1 ـ وفي نسخة : يا تراها.

24

قد تواصت بالصبرفيه رجالٌ * * * في حشى الموت من لِقاها صدوع

سكنت منهم النفوس جسوماً * * * هي بأساً حفائظ ودروع

سدّ فيهم ثغر المنيّة شهم * * * لثنايا الثغر المخوف طَلوع

وله الطِرفُ حيث سار أنيسٌ * * * وله السيف حيث بات ضجيع

لم يقف موقفاً من الحزم إلا * * * وبه سنّ غيره المقروع

طمعت أن تسومه القوم ضيماً * * * وأبى الله والحسام الصنيع

كيف يلوي على الدنيّة جيداً * * * لسوى الله ما لواه الخضوع

ولديه جأشٌ أردّ من الدرع * * * لضمأى القنا وهنّ شروع

وبه يرجعً الحفاظ لصدرٍ * * * ضاقت الأرضُ وهي فيه تضيع

فأبى أن يعيشَ إلا عزيزاً * * * أو تجلّى الكفاح وهو صريع

فتلقّى الجموعَ فرداً ولكن * * * كلّ عضو في الروع منه جموع

رمحه من بَنانه وكأن مِن * * * عزمه حدّ سيفه مطبوع

زوّج السيف بالنفوس ولكن * * * مهرُها الموت والخضابُ النجيع

بأبي كالئاًعلى الطف خدراً * * * هو في شفرة الحسام منيع

قطعوا بعده عُراه ويا حب‍ * * * ‍لَ وريدِ الاسلام أنت القطيع

وسروا في كرائم الوحي أسرى * * * وعداكَ ابنَ امها التقريع

لو تراها والعيسُ جشّمها الحا * * * دي من السير فوق ما تستطيع

ووارها العَفافُ يدعو ومنه * * * بدم القلبِ دَمعُه مَشفوع

يا ترى فوقه بقية وجدٍ * * * ملء أحشائها جوى وصدوع

فترفق بها فما هي إلا * * * ناضرٌ دامعٌ وقلبٌ مروع

لا تسمها جذب البرى أو تدري * * * ربّة الخدر ما البرى والنسوع (1)

قوّضي يا خيامَ عليا نزارٍ * * * فلقد قوّض العماد الرفيع

____________

1 ـ البرى : حلقات توضع في انف الناقة. النسوع : حبال طوال تشد بها الرحال.

25

واملأي العينَ يا أمية نوماً * * * فحسينٌ على الصعيد صريع

ودعي صكّة الجباهِ لويٌ * * * ليس يجديك صكّها والدموع

أفلطماً بالراحتين فهلا * * * بسيوف لا تتقيها الدروع

وبكاءً بالدمع حزناً فهلا * * * بدم الطعن والرماح شروع

قلّ ألا قراع ملمومة الحتـ * * * ـف فواهاً يافِهرُ أين القريع

وقال :

إن لم أقف حيث جيش الموت يزدحم * * * فلا مشت بي في طرق العلا قدم

لا بدّ أن أتداوى بالقنا فلقد * * * صبرتُ حتى فؤادي كله ألم

عندي من العزم سرٌ لا أبوحُ به * * * حتى تبوحَ به الهندية الخذم

لا أرضعت لي العلى ابناً صفو درّتها * * * إن هكذا ظلّ رمحي وهو منفطمُ

إليّةً بضبا قومي التي حَمَدت * * * قدماً مواقعها الهيجاءُ لا القمم

لأحلِبنّ ثديّ الحرب وهي قناً * * * لِبانها من صدور الشوسِ وهو دم

مالي أُسالم قوماً عندهم ترتي * * * لا سالمتني يدُ الأيام إن سلِموا

من حاملٌ لوليّ الأمرِ مألكة * * * تطوى على نفثات كلها ضرم

يابن الأولى يُقعدون الموت ان نهضت * * * بهم لدى الروع في وجه الضبا الهمم

الخيلُ عندك ملّتها مرابطها * * * والبيضُ منها عَرى أغمادَها السأم

هذي الخدور الأعدّاء (1) هاتكة * * * وذي الجباه ألا مشحوذة تسم

لا تطهر الأرض من رجس العدى أبداً * * * ما لم يَسِل فوقها سيل الدم العرم

بحيث موضع كلٍّ منهم لك في * * * دماه تغسله الصمصامة الخذم

اعيذ سيفك أن تصدى حديدته * * * ولم تكن فيه تجلى هذه الغِمم

قد آن أن يمطرَ الدنيا وساكنها * * * دماً أغرّ عليه النقع مرتكم

حرّان تدمغ هامَ القوم صاعقةٌ * * * من كفّه وهي السيف الذي علموا

نهضاً فمن بظباكم هامة فلقت * * * ضرباً على الدين فيه اليومَ يحتكم

____________

1 ـ العداء : شديد العدو.

26

وتلك أنفالكم في الغاصبين لكم * * * مقسومة وبعين الله تُقتسم

جرائم آذنتهم أن تعاجلهم * * * بالانتقام فهلا أنت منتقم

وان أعجب شيء أن أبثكّها * * * كأن قلبك خالٍ وهو محتدم

ما خلت تقعد حتى تستثارَ لهم * * * وأنتَ أنتَ وهم فيما جنوهُ هم

لم تبقِ أسيافهم منكم على ابن تقىً * * * فكيف تبقى عليهم لا أباً لهم

فلا وصفحك إنّ القوم ما صفحوا * * * ولا وحلمكَ إن القومَ ما حلموا

فحمل امك قدما أسقطوا حنقاً * * * وطفل جدك في سهم الردى فطموا

لا صبرَ أو تضع الهيجاء ما حملت * * * بطلقةٍ معها ماءُ المخاض دمُ

هذا المحرّم قد وافتك صارخة * * * مما استحلوا به أيامه الحرم

يملأن سمعكَ من أصوات ناعية * * * في مسمع الدهر من إعوالها صمم

تنعي اليك دماءَ غاب ناصرها * * * حتى اريقت ولم يخفق لكم علم

مسفوحة لم تجب عند استغاثتها * * * إلا بأدمع ثكلى شفّها الألم

حنّت وبين يديها فتيةٌ شربت * * * من نحرها نصب عينيها ، الضبا الخذم

موسدين على الرمضاءِ تنظرهم * * * حرى القلوب على ورد الردى ازدحموا

سقياً لثاوين لم تبلل مضاجعهم * * * إلا الدماء وإلا الأدمع السجم

أفناهم صبرهم تحت الضبا كرماً * * * حتى قضوا ورداهم ملؤه كرم

وخائضين غمار الموت طافحة * * * أمواجها البيض بالهامات تلتطم

مشوا الى الحرب مشي الضاريات لها * * * فصارعوا الموت فيها والقنا أجم

ولا غضاضة يوم الطف أن قتلوا * * * صبراً بهيجاء لم تثبت لها قدم

فالحرب تعلم إن ماتوا بها فلقد * * * ماتت بها منهم الأسياف لا الهمم

أبكيهم لعوادي الخيل إن ركبت * * * رؤوسها لم تكفكف عزمها اللجم

وللسيوف إذا الموت الزؤام غدا * * * في حدّها هو والأرواح يختصم

وحائرات أطار القوم أعينها * * * رعباً غداء عليها خدرها هجموا

27

كانت بحيت عليها قومها ضربت * * * سرادقا أرضه من عزهم حرم

يكاد من هيبةٍ أن لا يطوفَ به * * * حتى الملائك لولا أنهم خدم

فغودرت بين أيدي القوم حاسرةً * * * تُسبى وليس لها مَن فيه تَعتصم

نعم لوت جيدَها بالعتب هاتفةً * * * بقومها وحشاها ملؤه ضَرمُ

عجّت بهم مذ على أبرادها اختلفت * * * أيدي العدوّ ولكن مَن لها بهم

نادت ويا بُعدهم عنها معاتبةً * * * لهم ، ويا ليتهم من عتبها أمم

قومي الأولى عُقدت قدماً مآزرهم * * * على الحميّة ما ضيموا ولا اهتضموا

عهدي بهم قصر الأعمار شأنهم * * * لا يهرمون وللهيّابة الهرم

ما بالُهم لا عَفت منهم رسومهم * * * قروا وقد حملتنا الأنيقُ الرسم

يا غادياً بمطايا العزم حمّلها * * * همّاً تضيق به الأضلاع والحزم

عرّج على الحي من عمرو العلى وأرح * * * منهم بحيث اطمأن البأس والكرم

وحي منهم حماة ليس بابنهم * * * مَن لا يرفّ عليه في الوغى العلم

المشبعين قِرىً طيرَ السما ولهم * * * بمنعة الجار فيهم يشهدُ الحرم

والهاشمينَ وكلّ الناس قد علموا * * * بأن للضيف أو للسيف ما هشموا

كماة حربٍ ترى في كل باديةٍ * * * قتلى بأسيافهم لم تحوها الرجم

كأن كل فلا دار لهم وبها * * * عيالها الوحش أو أضيافها الرخم

قف منهم موقفاً تغلي القلوب به * * * من فورة العتب واسأل ما الذي بهم

جفّت عزائم فهرٍ أم ترى بردت * * * منها الحمية ام قد ماتت الشيم

ام لم تجد لذع عتبي في حُشاشتها * * * فقد تَساقط جمراً من فمي الكلم

أين الشهامة أم أين الحفاظ أما * * * يأبى لها شرفُ الأحساب والكرم

تسبى حرائرها بالطف حاسرةً * * * ولم تكن بغُبار الموت تلتئم

لمن أُعدت عتاق الخيل إن قعدت * * * عن موقف هُتكت منها به الحرم

فما اعتذراك يا فهرٌ ولم تثبي * * * بالبيض تثلم أو بالسمر تنحطم

28

أجل نساؤك قد هزتك عاتبةً * * * وأنت من رقدة تحت الثرى رهم

فلتلفت الجيد عنك اليوم خائبة * * * فما غناؤك حالت دونك الرجم

وقال في اخرى مطلعها :

تركتُ حَشاك وسلوانها * * * فخلّ حشايَ وأحزانها

ومنها :

كفاني ضناً أن تُرى في الحسين * * * شفت آلُ مروان أضغانها

فأغضبت الله في قتله * * * وأرضت بذلك شيطانها

عشيّة أنهضها بغيُها * * * فجاءته تركبُ طغيانها

بجمع من الأرض سدّ العروج * * * وغطّى النجود وغيطانها

وطا الوحشَ إذ لم يجد مهرباً * * * ولازمت الطير أوكانها

وحفت بمن حيث يلقى الجموع * * * يثني بماضيه وحدانها

وسامته يركبُ إحدى اثنتين * * * وقد صرّت الحرب أسنانها

فإمّا يُرى مذعناً أو تموت * * * نفسٌ أبى العزّ إذعانها

فقال لها اعتصمي بالإباءِ * * * فنفسُ الأبيّ وما زانها

إذا لم تجد غير لبس الهوان * * * فبالموت تنزعُ جُثمانها

رأى القتل صبراً شعار الكرام * * * وفخراً يُزينُ لها شانها

فشمّر للحرب في معركٍ * * * به عرك الموتُ فرسانها

وأضرمها لعنان السماء * * * حمراء تلفح أعنانها

ركينٌ وللأرض تحت الكماة * * * رجيفٌ يزلزل ثهلانها

أقرّ على الأرض من ظهرها * * * إذا مَلمل الرعب أقرانها

تزيد الطلاقة في وجهه * * * إذا غيّر الخوفُ ألوانها

ولما قضى للعُلى حقّها * * * وشيّد بالسيف بُنيانها

ترجّل للموت عن سابقٍ * * * له أخلت الخيل ميدانها

29

ثوى زائد البشر في صرعة * * * له حبّب العزّ لقيانها

كأنّ المنية كانت لديه * * * فتاة تواصل خلصانها

جلتها له البيض في موقف * * * به أثكلَ السمرَ خرسانها

فبات بها تحت ليل الكفاح * * * طروب النقيبة جذلانها

وأصبح مشتجراً للرماح * * * تحلّي الدما منه مُرّانها

عفيراً متى عاينته الكماة * * * يختطف الرعب ألوانها

فما أجلت الحرب عن مثله * * * صريعاً يجبّن شجعانها

تريبَ المحيا تظنّ السماء * * * بأنّ على الأرض كيوانها

غريباً أرى يا غريب الطفوف * * * توسدَ خدك كثبانها

وقتلك صبراً بأيد أبوك * * * ثناها وكسّر أوثانها

أتقضي فداك حشا العالمين * * * خميصَ الحشاشة ضمآنها

ألستَ زعيمَ بني غالبٍ * * * ومطعامَ فهرٍ ومطعانها

فلِم أغفلت بك أوتارها * * * وليست تعاجل امكانها

وهذي الأسنّة والبارقات * * * أطالت يد المطل هجرانها

وتلك المطهّمة المقرباتُ * * * تجر على الأرض أرسانها

أجُبناً عن الحرب يا من غدوا * * * على أول الدهر أخدانها

أترضى اراقمكم أن تُعدّ * * * بنو الوزغ اليوم أقرانها

وتنصِب أعناقها مثلها * * * بحيث تطاول ثعبانها

يميناً لئن سوّفت قطعَها * * * فلا وصل السيف أيمانها

وإن هي نامت على وترها * * * فلا خالط النوم أجفانها

تنام وبالطف علياؤها * * * أمية تنقضُ أركانها

وتلك على الأرض من أُخدمت * * * ورب السماوات سكانها

ثلاثاً قد انتبذت بالعراء * * * لها تنسج الريح أكفانها

30

مصابٌ أطاش عقول الأنام * * * جميعاً وحير أذهانها

عليكم بني الوحي صلى الإله * * * ما هزّت الريح أفنانها

وقال يرثي الامام الحسين (عليه السلام) ويهجو قاتليه :

أميّة غوري في الخمول وانجدي * * * فما لك في العلياء فوزة مَشهدِ

هبوطاً إلى أحسابكم وانخفاظها * * * فلا نسبٌ زاك ولا طيب مولدِ

تطاولتموا لا عن عُلاً فتراجعوا * * * إلى حيث أنتم واقعدوا شرّ مقعدِ

قديمكم ما قد علمتم ومثله * * * حديثكم في خزيه المتجددِ

فماذا الذي أحسابكم شَرفت به * * * فأصعدكم في الملك أشرف مصعد

صلابة أعلاكِ الذي بللُ الحيا * * * به جفّ ، أم في لين أسفلك الندي

بني عبد شمسٍ لا سقى الله حفرةً * * * تضمّك والفحشاء في شر مَلحدِ

ألمّا تكوني من فجورك دائماً * * * بمشغلةٍ عن غصب أبناء أحمدٍ

وراءكَ عنها لا أباً لك إنما * * * تقدّمتِها لا عن تقدم سؤدد

عجبت لمن في ذِلّة النعل رأسُه * * * به يَترآى عاقداً تاج سيدِ

دعوا هاشماً والفخر يعقد تاجه * * * على الجبهات المستينرات في الندي

ودونكموا والعار ضُمّوا غشاءَه * * * إليكم إلى وجه من العار أسود

يرشّحُ لكن لا لشيء سوى الخنا * * * وليد كم فيما يروحُ ويغتدي

وتترف لكن للبغاء نساؤكم * * * فيدنس منها في الدجى كل مرقدِ

ويسقى بماءٍ حرثكم غيرُ واحدٍ * * * فكيف لكم تُرجى طهارةُ مولدِ

ذهبتم بها شنعاءَ تبقى وصومها * * * لأحسابكم خزياً لدى كل مشهد

فسل عبد شمس هل يرى جرم هاشم * * * اليه سوى ما كان أسداه من يدِ

وقل لأبي سفيان ما أنت ناقم * * * أأمنكَ يوم الفتح ذنبُ محمدِ

فكيف جزيتم أحمداً عن صنيعه * * * بسفكِ دم الأطهار من آل أحمد

31

غداة ثنايا الغدر منها اليهم * * * تطالعتموا من أشئم إثر أنكدِ

بعثتم عليهم كلّ سوداء تحتها * * * دفعتم اليهم كلّ فقماء مؤيد (1)

ولا مثل يوم الطف لوعةُ واجدٍ * * * وحرقة حران وحسرة مُكمدِ

تباريحُ أعطينَ القلوب وجيبَها * * * وقلن لها قومي من الوجد واقعدي

غداة ابنُ بنتِ الوحي خرّ لوجهه * * * صريعاً على حرالثرى المتوقّد

درت آل حرب أنها يوم قتله * * * أراقت دم الإسلام في سيف مُلحد

لعمري لئن لم يَقضِ فوق وساده * * * فموتُ أخي الهيجاء غيرموسّدِ

وإن أكلت هندية البيض شلوَه * * * فلحم كريم القوم طعم المهنّدِ

وإن لم يشاهد قتله غير سيفه * * * فذاك أخوه الصدق في كلّ مشهد

لقد مات لكن ميتةً هاشميةً * * * لهم عُرفت تحت القنا المتقصّد

كريم أبى شمّ الدنيّة أنفه * * * فأشمَمه شوك الوشيج المسدّد

وقال قفي يا نفسُ وقفةَ واردٍ * * * حياض الردى لا وقفة المتردّدِ

أرى أن ظهر الذلّ أخشنُ مركباً * * * من الموت حيث الموت منه بمرصد

فآثر أن يسعى على جمرة الوغى * * * برجلٍ ولا يُعطي المقادة عن (2) يدٍ

قضى ابنُ عليّ والحفاظ كلاهما * * * فلست ترى ما عشتَ نهضة سيدِ

ولا هاشميّاً هاشماً أنف واترِ * * * لدى يوم روع بالحسام المهنّدِ

لقد وضعت أوزارها حربُ هاشم * * * وقالت قيامَ القائم الطهر موعدي

إمام الهدى سمعاً وأنت بمسمع * * * عتابَ مثير لا عتاب مُفندِ

فداؤك نفسي ليس للصبر موضعٌ * * * فتُغضي ولامن مسكةٍ للتجلّدِ

أتنسى وهل ينسى فعال أميّةٍ * * * أخو ناظر من فعلها جدّ أرمدِ

____________

1 ـ المؤيد : الامر العظيم.

2 ـ وفي نسخة : من.

32

وتقعد عن حرب وأيّ حشاً لكم * * * عليهم بنار الغيظ لم تتوقدِ

فقم وعليهم جرّد السيف وانتصف * * * لنفسك بالعضب الجراز المجرّد

وقم أرهم شهبَ الأسنّة طلّعاً * * * بغاشيةٍ من ليل هيجاء أربدِ

فكم ولجوا منكم مَغارة أرقِم * * * وكم لكم داسوا عرينة مُلبدِ

وكم هتكوا منكم خباءً لحرةٍ * * * عناداً ودقوا منكم عنقَ أصيدِ

فلا نصف حتى تنضحوا من (1) سيوفكم * * * على كل مرعىً من دماهم وموردِ

ولا نصفَ حتى توطؤا الخيل هامهم * * * كما أوطؤها منكم خير سيّدِ

ولا نصف إلا أن تقيموا نساءهم * * * سبايا لكم في محشدٍ بعد محشدِ

وأخرى إذا لم تفعلوها فلم تزل * * * حزازات قلب الموجع المتوجد

تبيدونهم عطشى كما قتلوكم * * * ضماءَ قلوب حرّها لم يُبرّد

اما باقي حسينياته فاليك مطالعها :

1 ـ كم ذا تطارح في منى ورقاءها * * * خفض عليك فليس داؤك داءها

2 ـ أهاشم تيمٌ جلّ منك ارتكابها * * * حرام بغير المرهفات عتابها

3 ـ يا آل فهر أين ذاك الشبا * * * ليست ضباك اليوم تلك الضبا

4 ـ كم توعد الخيل في الهيجاء أن تلجا * * * ما آن في جريها أن تلبس الرهجا

5 ـ يا دار جائلة الوشاح * * * حيتك نافحة الرياح

6 ـ نعى الروح جبريل بأن ذوي الغدر * * * أراقوا دم الموفين لله بالنذر

7 ـ لا تحذرنّ فما يقيك حذار * * * ان كان حتفك ساقه المقدار

8 ـ الله يا حامي الشريعه * * * أتقر وهي كذا مروعه

9 ـ على كل واد دمع عينيك ينطف * * * وما كل واد جزت فيه المعرّف

____________

1 ـ وفي نسخة : في.

33

10 ـ لتلوي لوي الجيد ناكسة الطرف * * * فهاشمها بالطف مهشومة الأنف

11 ـ تروم مقام العزّ والذل نازل * * * ولم يك في الغبراء منك زلازل

12 ـ عثر الدهر ويرجو أن يقالا * * * تربت كفك من راجٍ محالا

13 ـ حلولك في محل الضيم داما * * * وحدّ السيف يأبى أن يضاما

14 ـ إن ضاع وترك يابن حامي الدين * * * لا قال سيفك للمنايا كوني

15 ـ أقائم بيت الهدى الطاهر * * * كم الصبر فتّ حشا الصابر

16 ـ أنى يخالط نفسك الانس * * * سفها ودهرك سعده نحس

* * *

34

السيد ميرزا صالح القزويني

المتوفى 1304

أيقعدني عن خطة المجد لائم * * * قصير الخطى مَن أقعدته اللوائم

سأركبها مرهوبة سطواتها * * * تطير خوافيها بها والقوادم

عليّ لربع المجد وقفة ماجد * * * تناشده مني السيوف الصوارم

وأمطر من سحب البوارق هاطلا * * * من الدم لا ما أمطرته الغمائم

وأبسم مهما أبرقت باكامه * * * ولا برق حزوى إن سرى وهو باسم

وارتاح ان هبّت به ريح زعزع * * * من الموت لا ماروّحته النسائم

فيا خاطب العلياء والموت دونها * * * رويدك قد قاومت ما لا يقاوم

بخلت عليها بالحياة وإنها * * * لأكرم مَن تُهدى اليها الكرائم

إذا علقت نفس امرء بوصالها * * * ورام مراما دونه حام حائم

فخاطبها الهنديّ والموت عاقدٌ * * * وعمرك مهرٌ والنثار الجماجم

لذاك سمت نحو المعالي نفوسنا * * * وهانت عليها القارعات العظائم

فأي قبيل ما أُقيمت بربعه * * * فأما عليه أو علينا المآتم

سل الطف عن أهلي وإن كنت عالماً * * * فكم سائل عن أمره وهو عالم

غداة ابن حرب سامها الضيم فارتقت * * * بها للمعالي الغرّ أيد عواصم

وقاد لها الجيش اللهام ضلالة * * * متى روعت اسد العرين البهائم

35

فشمّر للحرب العوان شمردلٌ * * * نديماه يوم الروع رمح وصارم

رماها بأساد الكريهة فتية * * * نماها إلى المجد المؤثل هاشم

مساعير حرب فوق كل مضمر * * * مديد عنان لم تخنه الشكائم

مناجيد لا مستدفع الضيم خائب * * * لديهم ولا مسترفد الرفد نادم

فما العيش إلا ما تنيل أكفهم * * * وما الموت إلا ما تنال الصوارم

سرت كالنجوم الزهر حفّت بمشرق * * * هو البدر لا ما حجبته الغمائم

وزارت عراص الغاضرية ضحوة * * * ( وموج المنايا حولها متلاطم )

بيوم كظل الرمح ما فيه للفتى * * * سوى السيف والرمح الرديني عاصم

تراكم داجي النقع فيه فأشرقت * * * وجوه وأحساب لهم وصوارم

أبا حسن يهنيك ما أصبحوا به * * * وان كان للقتلى تقام المآتم

لأورثتهم مجداً وان كان حبوةً * * * ولكن نصفاً في بنيك المكارم

مشوا في ظلال السمر مشيتك التي * * * لها خضعت أُسد العرين الضراغم

فلاشك من نالته أطراف سمرهم * * * بأنك قد أرديته وهو آثم

وما برحوا حتى تفانوا ، ومن يقف * * * كموقفهم لا تتبعنه اللوائم

وراحوا وما حلّت حُبا عزّهم يد * * * وما وهنت في الروع منها العزائم

عطاشى على البوغا تمجّ دماءها * * * فتنهل منها الماضيات الصوارم

رعوا ذمة المجد الرفيع عماده * * * وما رعيت للمجد فيهم ذمائم

تُشال بأطراف الرماح رؤسها * * * كزهر الدراري أبرزتها الغمائم

وتبقى ثلاثاً بالصعيد جسومها * * * فتعدوا عليها العاديات الصلادم

تجرّ عليها العاصفات ذيولها * * * وتنتابها وحش الفلا والقشاعم

وتستاق أهلوها سبايا أذلّة * * * فتسري وأنف العز إذ ذاك راغم

أسارى على عجف النياق نوائحا * * * كما ناح من فقد الأليف الحمائم

تداولها أيدي العلوج فشامتٌ * * * بما نالها منهم وآخر شاتم

36

وتُهدى لمذموم العشيات أهوج * * * دعيّ طليق لم تلده الكرائم

على حين لا من هاشم ذو حفيظة * * * وهل بقيت بعد ابن أحمد هاشم

وقصيدته التي يرويها خطباء المنابر الحسينية والتي اولها :

طريق المعالي في شدوق الأراقم * * * ونيل الأماني في بروق الصوارم

أمط عنك أبراد الكرى وامتط السرى * * * فما في اغتنام المجد حظ لنائم

من الضيم أن يغضي على الضيم سيد * * * نمته أباة الضيم من آل هاشم

هم شرعوا نظم الفوارس بالقنا * * * كما شرعوا بالبيض نثر الجماجم

إذا نازلوا احمرّ الثرى من نزالهم * * * وإن نزلوا اخضرّ الثرى بالمكارم

فلهفي عليهم ما قضى حتف أنفه * * * كريم لهم إلا بسمّ وصارم

وهي 48 بيتاً.

السيد ميرزا صالح القزويني مثال العلم والأدب وقرة عين العجم والعرب ثاني أنجال العلامة معز الدين السيد المهدي وأحد أركان النهضة العلمية والحركة الادبية في الشطر الأخير من القرن الثالث عشر في الحلة وفي النجف ، ترجم له كثير من الباحثين والمترجمين وذكروا روائع من فضائله وفواضله وكرم أخلاقه وخلائقه ، قال العلامة البحاثة الشيخ علي آل كاشف الغطاء في موسوعة ( الحصون المنيعة ) إنه كان مجازاً من والده ومن غيره من علماء عصره ، واستقل بالزعامة بعد أبيه وأخيه ، وكان عالي الهمة كريم الطبع والأخلاق ، وسكن قضاء ( طويريج ) برهة من الزمن في حياتهما. كانت دراسته في الفقه واصوله على شيخ الطائفة الشيخ مرتضى الانصاري ثم استفاد كثيراً من دروس خاله العلامة الشيخ مهدي آل كاشف الغطاء كما وقد أجازه بالاجتهاد العالم الرباني ملا علي الخليلي المتوفى 1297 ه‍ ولما وردت اليه الاجازة من شيخه المذكور أنشأ الاديب الشيخ علي عوض الحلي أبياتاً يهني بها السيد المترجم له ويمدحه ، ومنها :

37

وافت اليك من الغري إجازة * * * أفضت اليك بأصدق الأنباء

والاجتهاد اليك ألقى أمره * * * يا منتهى الأحكام والافتاء

مذ آنست منك الشريعة رشدها * * * جاءتك خاطبة على استحياء

أنعم بها عيشاً برغم معاطس * * * وجدتهم ليسوا من الأكفاء

تصدى للبحث والتدريس بعد والده المهدي فكان يحضر درسه الأفاضل من طلاب العلم ويزداد العدد يوماً بعد يوم ، وقد بذل عنايته لاتمام ما كان ناقصاً من مؤلفات والده ولكن القضاء لم يمهله وكتب رسالة عملية كبيرة في العبادات بطلب جماعة رجعوا اليه بالتقليد بعد وفاة والده لا تزال مخطوطة عند أحفاده ، وله كتاب ( مقتل أمير المؤمنين ) ألّفه ليقرأ خاصة بالمأتم الذي يعقد في دارهم ليلة 21 من رمضان بمناسبة وفاة الإمام (عليه السلام) وقد تصدى أخيراً الشاب المثقف السيد جودت السيد كاظم القزويني لتحقيقه ونشره جزاه الله خير الجزاء ووفقه لإحياء مأثر السلف. والسيد المترجم له كان خصب القريحة طول النفس رصين اللغة والاسلوب ولولا اشتغاله بالعلوم الدينية لكان أشعر الاسرة القزوينية ، وله في أخيه السيد ميرزا جعفر عدة مراث كلها نفثات وحسرات وشجون وعبرات وله مطارحات شعرية ونثرية ذكر الشيخ اليعقوبي في ( البابليات ) بعضها. وله في الإمام الحسين (عليهم السلام) ما تقرأه خطباء المنابر الحسينية ، منها قصيدته التي أولها :

وقائلة ماذا القعود وفي الحشا * * * تلهب ناراً جمرها قد تسعرا

فقم أنت واضرب بالحسام وبالقنا * * * وقدها اسوداً واملأ الأرضين عثيرا

38 بيتاً.

كان مولده في الحلة أوائل سنة 1257 ه‍ وتوفي في النجف سنة 1304 ه‍ وعمره 48 سنة كما ضبطه معاصره المؤرخ الشهير السيد البراقي في كتابه ( اليتيمة الغروية ) أو ( تاريخ النجف ) في جملة ما ضبطه من تاريخ وفيات علماء عصره

38

حيث قال : ومنهم السيد الأروع الحبر الضرغام مصباح الظلام السيد ميرزا صالح القزويني فانه توفي ليلة الثلاثاء في العشرين من المحرم من سنة اربع وثلثمائة والف في النجف ودفن مع أبيه. وقد رثاه شعراء عصره وفي طليعتهم السيد حيدر فقد بكاه بقصيدتين عامرتين هما في طليعة الشعر العربي. مطلع الاولى :

ومجدك ما خلت الردى منك يقرب * * * لأنك في صدر الردى منه أهيب

ومطلع الثانية :

أفعى الأسى طرقت وغاب الراقي * * * فأنا اللديغ وأدمعي درياقي

ورثاه العلامة الحبوبي بقصيدتين رائعتين ، مطلع الاولى :

نحى اليوم غاضت بالندى نجعة النادي * * * لفقد الهدى لا بل لفقد أبي الهادي

ومطلع الثانية :

تضعضع جانب الحرم انصداعا * * * أحقاً ركن كعبته تداعى

ورثاه الشاعر الشهير السيد جعفر الحلي بقوله :

فلّ الزمان لهاشم صمصاما * * * بل جبّ منها غارباً وسناما

ورثاه السيد ابراهيم الطباطبائي بقصيدة مثبتة في ديوانه ، كما رثاه الشيخ حسين الدجيلي.

* * *

39

الشيخ عباس زغَيب

المتوفى 1304

نسيم الصبا خلّ الفؤاد المعذّبا * * * ودع مهجتي ترتاح من لوعة الصبا

فلا أم لي ان لم أثرها عجاجة * * * تحجب وجه النيرين ولا أبا

وأوردها دون المحامد علقما * * * رأته بعقباها من الشهد أطيبا

وابني بها بيتاً من المجد لا يرى * * * لدى غيره الداعون اهلاً ومرحبا

رفيعاً عليه العز أرخى سدوله * * * وخيّم في الأكناف منه وطنبا

ولا مجد حتى تأنف النفس ذلّها * * * وتختار دون الضيم للحتف مشربا

كما شنّها يوم الطفوف ابن حيدر * * * فأروى صدور السمر والبيض خضبا

وحين رحى الحرب استدارت بقطبها * * * مشى للمنايا مشية الليث مغضبا

كريم أبت أن تحمل الضيم نفسه * * * وأن يسلك النهج الذليل المؤنبا

أتنبو به عما يروم امية * * * وفي كفه ماضي الغرارين ما نبا

وناضل عنه كل أروع لو سطا * * * على الدهر يوم الروع للدهر أرعبا

تقول وقد عام الهياج رماحهم * * * لاسيافهم لا كان برقك خلّبا

فلله كم سنوا من الحق واضحاً * * * وشقوا بها من ظلمة الغي غيهبا

الشيخ عباس زغيب ابن الشيخ محمد بن عباس ، ولد في يونين من أعمال بعلبك وتوفي فيها سنة 1304 ه‍ وله من العمر حوالي الثلاثين عاماً ، وكان في أول عمره سافر إلى النجف للدراسة ولضعفه ومرضه عاد راجعاً إلى لبنان. وله شعر رائع ومعاني بديعة.

40

الشيخ موسى شرارة

المتوفى 1304

دهى هاشماً ناع نعى في محرم * * * بيوم على الإسلام اسود مظلم

بيوم جليل رزوه جلل السما * * * وشمس الضحى فيه بأغبر أقتم

بيوم أحال الدهر ليلاً مصابه * * * وأجج أحشاء العباد بمضرم

مصاب على آل النبي محمد * * * عظيم مدى الأيام لم يتصرم

وخطب كسا الدنيا ثياباً من الأسى * * * وطبق آفاق البلاد بمأتم

عشية جادت عصبة هاشمية * * * بأنفسهم عن خير مولى مقدم

إلى أن قضوا والماء طام ضواميا * * * يرون المنايا دونه خير مطعم

وأضحى فريداً سبط أحمد لا يرى * * * نصيراً سوى عضب ولدن مقوّم

وصال بوجه مشرق وبعزمة * * * تفلل ملتف الخميس العرمرم

إلى أن دعاه الله جلّ جلاله * * * فألوى عنان العزم غير مذمم

قضوا دون حجب الطاهرات فأصبحت * * * حواسر تسبى بين طاغ ومجرم

وكانت بخدر سجفه البيض والقنا * * * محاط بجرد فوقها كل ضيغم

وكم ليث غاب دونها خاض غمرة * * * إلى الموت حتى غادروها بلا حمي

فتلك رزايا تصدع الصم والصفا * * * ويهمى لها رجع العيون من الدم

الشيخ موسى ابن الشيخ أمين العاملي الشهير بشرارة عالم كبير وشاعر

41

شهير ، ولد عام 1267 في جبل عامل ونشأ هناك وقرأ القرآن وهو ابن خمس سنين بخمسة أشهر ثم درس النحو والصرف فكان موضع اعجاب وتفوق حيث كان حاد الذهن وقاد الفكر وهاجر إلى النجف وهو ابن اثنتي عشرة سنة فدرس على أساطين عصره وحضر درس الشيخ الأخوند والسيد كاظم اليزدي وتلمذ عليه جملة من الفضلاء ذلك مما دعى السيد محمد سعيد الحبوبي أن يخصه بموشحة من موشحاته التي يقول فيها :

قل لمن جاراه يبغى القصبا * * * حازها موسى فلا تستبق

فإذا ما البزل وافت خببا * * * قصّرت عن شأوهنّ الحقق

وإذا البرذون جارى سلهبا * * * ردّ مجراه حضيض زلق

وكان جبل عامل يتطلع اليه وينتظر قدومه اليه فتوجه واستقبله الوجوه والأعيان فكان قرة عين الجميع ذكره البحاثة الطهراني في ( نقباء البشر ) فقال :

العلامة الفقيه الجامع للفنون الإسلامية ، أصله من ( بنت جبيل ) ، أطرى في الثناء عليه سيدنا الصدر في التكملة فقال : انه كتب رسالة في اصول الدين من دون مراجعة كتاب ، وكان لا ينسى ما حفظه ، كثير الاستحضار للتواريخ وأيام العرب ، قرأ على الملا كاظم الخراساني ونظم مطالب الشيخ نظماً جيداً لطيفاً ، وكان يحضر بحث الشيخ محمد حسين الكاظمي والشيخ محمد طه نجف حتى فاق أقرانه وعند رجوعه الى لبنان اشتغل بترويج الدين وتعليم المسلمين ، وله منظومة في المواريث بديعة في فنها تقع في 248 بيتاً ، ورسالة في تهذيب النفس ، كتب عنه وعن حياته العلمية الكاتب كامل شعيب في مجلة العرفان م 11 صفحة 45. كانت وفاته في بنت جبيل ليلة الخميس 11 شعبان عام 1304 ه‍ عن عمر 37 سنة ودفن هناك ورثاه جمع من الشعراء منهم السيد نجيب فضل الله بقصيدة أولها :

هل يعلم الدهر مَن أودت فوادحه * * * أو يعلم الرمس من وارت صفائحه

42

ترجم له البحاثة المعاصر علي الخاقاني في ( شعراء الغري ) فأورد جملة من مساجلاته ومراسلاته ومراثيه لاخوانه فمن شعره يعاتب بعض أصدقائه :

كم ذا يقاطعني من لا اقاطعه * * * وتشرب اللوم جهلاً بي مسامعه

ان مال عني لأوهام ووادعني * * * فانني وذمامي لا اوادعه

ليس التلوّن من خيمي ومن شيمي * * * إذا تلون من ساءت صنايعه

ولا اصانع اخوانا صحبتهم * * * فما خليلك يوماً من تصانعه

ومن مرثية يرثي بها أخاه الشيخ محمد عندما وصل اليه نبأ وفاته في النصف من شعبان سنة 1303 :

ما لنفسي ذابت وطارت شعاعا * * * ولقلبي أثر الضعائن ضاعا

ذهب الصبر والأسى يوم بانوا * * * وتنادوا فيه الوداع الوداعا

وجاء في ترجمته ان السيد محمد سعيد الحبوبي كتب رسالة للمترجم له وكان من جملة عبارات الاطراء : قطب دائرة الفضل المستديرة الأفلاك ، وسر الحقيقة المتعالية عن حضيض الادراك ، قدوة الفضلاء الذي على أمثلته يحتذون ، والاستاذ الذي ترجع اليه المهرة في سائر الفنون ... وكان في آخر الرسالة قطعة شعرية :

كم يحتذيني الغيث غيث الأدمع * * * وتشبّ نار البين بين الأضلع

كيف المنام ودون من أنا صبّه * * * خرط القتاد وشوقه في مضجعي

وأروح يوحشني الأنيس كأنني * * * وحدي وإن مارست حاشد مجمعي

يا نازحاً عني ومنزله الحشى * * * القلب معك ونار لاعجه معي

والصبر بعدك شرعة منسوخة * * * والوجد بعدك شرعة المتشرع

إلى قوله :

لو كنت بعد البين شاهد موقفي * * * ( موسى ) لما شاهدت إلا مصرعي

43

وتأتي ترجمة الشيخ علي شرارة المتوفى 1335 وهو من الاسرة نفسها ، ولا يفوتنا أن نذكر مؤلفات المترجم له وتراثه العلمي :

1 ـ منظومة في الاصول واسمها ( الدرة المنظمة ) الحاوية لقوانين الاصول المحكمة وقد شرحها ولده الشيخ عبد الكريم.

2 ـ منظومة في المواريث تقع في 248 بيتاً.

3 ـ رسالة في تهذيب النفس.

4 ـ ديوانه المخطوط يضم العشرات من القصائد الحكيمة والفلسفية.

وهناك رسائل فقهية وعقائدية لم تتم.

* * *

44

الشيخ حسّون العبد الله

المتوفى 1305

في رثاء الحسين :

علمتم بمسراكم أرعتم فؤاديا * * * وأجريتم دمعي فضاهى الغواديا

ألا يا أحبائي أخذتم حشاشتي * * * وخلّفتم جسمي من الشوق باليا

فيا ليتني قدمت قبل فراقكم * * * وذاك لأني خفت أن لا تلاقيا

إذا ما الهوى العذري من نحو ارضكم * * * سرى فغدا للقلب ريّاً وشافيا

ظللت أبثّ الوجدَ حتى كأنني * * * لشجوي علّمتُ الحمام بكائيا

تناسيتم عصر الشباب بذي الغضا * * * وكم قد سررنا بالوصال لياليا

فدع عنك يا سعد الديار وخلّني * * * أُكابد وجداً في الأضالع ثاويا

لخطب عرا يوم الطفوف وفادح * * * أمادَ السما شجواً ودك الرواسيا

غداة قضى سبط النبي بكربلا * * * خميص الحشا دامى الوريدين صاديا

وقته لدى الحرب الزبون عصابة * * * تخالهم في الحرب اسداً ضواريا

كماة إذا ما الشوس في الحرب شمّرت * * * أباحوا القنا أحشائهم والتراقيا

اسود إذا ما جرّدوا البيض في الوغى * * * غدت من دم الأبطال حمراً قوانيا

وقد قارعوا دون ابن بنت نبيهم * * * إلى أن ثووا في الترب صرعى ظواميا

وعاد ابن خير الخلق بالطف مفرداً * * * يكابد أهوالاً تشيب النواصيا

يرى آله حرّى القلوب من الظما * * * وأسرته فوق الرغام دواميا

45

فيدعو ألا ، هل من نصير فلم يجد * * * له ناصراً إلا حساماً يمانيا

هناك انثنى نحو الكفاح بمرهف * * * أقام على الأعداء فيه النواعيا

وأُقسمُ لولا ما الذي خطّه القضا * * * لغادر ربع الشرك إذ ذاك عافيا

إلى أن رمي في القلب سهم منيّةٍ * * * فهدّم أركان الهدى والمعاليا

بنفسي بدراً منه قدغاب نوره * * * وفرعا ًمن التوحيد أصبح ذاويا

أأنسى حسيناً بالطفوف مجدلاً * * * على ظمأ والماء يلمع طاميا

ووالله لا أنسى بنات محمد * * * بقين حيارى قد فقدن المحاميا

إذا نظرت فوق الصعيد حماتها * * * وأرؤسها فوق الرماح دواميا

هناك انثنت تدعو ومن حرق الجوى * * * ضرام غدا بين الجوانح واريا

انادى ولا منكم أرى من مجاوب * * * فما بالكم لا ترحمون صراخيا

ولم أنسَ حول السبط زينب إذ غدت * * * تنادي بصوت صدع الكون عاليا

أخي لم تذق من بارد الماء شربة * * * وأشرب ماء المزن بعدك صافيا

أخي لو ترى السجاد أضحى مقيداً * * * أسيراً يقاسي موجع الضرب عانيا

أخي صرت مرمىً للحوادث والأسى * * * فليتك حياً تنظر اليوم حاليا

عليّ عزيز أن أراك معفراً * * * عليك عزيز أن ترى اليوم مابيا

أحاشيك أن ترضى نروح حواسراً * * * سباياً بنا الأعداء تطوي الفيافيا

بلا كافل بين الأنام نوادباً * * * خواضع ما بين الطغام بواكيا

عليّ عزيز أن أروح وتغتدي * * * لقىً فوق رمضاء البسيطة عاريا

أيسترُ قلبي أم تجفّ مدامعي * * * وانظر ربع المجد بعدك خاليا

فهيهات عيني بعدكم تطعم الكرى * * * وأن يألف الأفراح يوماً فؤاديا

هو الشيخ حسون ( حسين ) بن عبد الله بن الحاج مهدي الحلي من مشاهير الخطباء في عصره. أديب شاعر معروف.

ولد في الحلة عام 1250 ه‍ ونشأ بها وعرف بالخطابة فكان من أشهر

46

مشاهيرها وذاع صيته في الشعر فكان من أعلام الشعراء فيها وكان مرموق الشخصية نابه الذكر حميد الخصال يحترمه الكبير والصغير ويعظمه العالم والجاهل ويهواه الأعيان والوجوه مستقيم السيرة طيب السريرة كريم الطبع طاهر القلب مرح الروح من اعلام النساك وبارزي الثقاة ولقد اعرب عن منزلته الشاعر الخالد السيد حيدر الحلي عند تقدمته لتقرضيه كتابه ( العقد المفصل ) فقال : هو الذي تقتبس أشعة الفضل من نار قريحته وترتوي حائمة؟ والعقل من ري رويته.

وذكره أيضاً في كتابه ( الاشجان ) عند تقديمه مرثيته للسيد ميرزا جعفر فقال : حسنة العصر وانسان الدهر الكامل الألمعي الشيخ حسين بن عبدالله الحلي.

وذكره الشيخ النقدي في الروض النضير صفحة 246 فقال : كان (ره) أديباً شاعراً فاضلاً خطيباً له شهرة واسعة بين الذاكرين وسيرة محمودة بين العلماء والمتعلمين لم يتكسب بشعره ولم يتاجر ببنات فكره ، أكثر نظمه في آل البيت وقد رأيت له قصائد طوالاً في رثاء الامام الحسين وأولاده المعصومين (ع) اتصل بالسادة الكرام آل المعز فكان في مقدمة أحبائهم وأودائهم.

وذكره الحجة الأميني في الجزء 13 من كتابه " الغدير " المخطوط فقال : كان خطيب الفيحاء الفذ على كثرة ما بها من الخطباء جهوري الصوت حلو النبرات وكان يسحر بمنطقة وعذوبة كلمه ، ولد عام 1250 ه‍ وتوفي عام 1305 ه‍ في الحلة ونقل الى النجف فدفن فيها ورثته عامة الشعراء. والشيخ حسون إذا ما قرأناه من شعره فإنه يبدو انساناً حرّ الضمير قوي القلب ذو مبدء واضح وشخصية قوية يعرب لك من خلاله أنه معتمد على نفسه غني عما في أيدي الناس ولعل ما ستقرؤه من شعره كاف لأن يوصلك إلى هذا الرأي فهو ان تحمس أفهمك أنه العربي الذي امتد نجاره الى أبعد حدود العروبة وأن تغزل فهو من اولئك العرب الذين كانت تستعبدهم العيون السود وأن لرقة طبعه أثر بارز في رقة ألفاظه وانسجام اسلوبه.

47

توفي ; بالحلة في العشر الأواخر من شهر رمضان عام 1305 ه‍ ونقل جثمانه الى النجف ودفن بها وخلف ولداً اسمه الشيخ علي توفي بعده بثلاثين عاماً. ورثاه فريق من شعراء عصره بقصائد مؤثرة دلّت على سمو مكانته في نفوسهم ، منهم الشيخ حسن مصبح والسيد عبد المطلب الحلي والشيخ علي عوض والحاج حسن القيم. وربما رثاه بعضهم بقصيدتين أو ثلاث ، ولقد وقفت على مجموع عند أحد أحفاد أخيه اقتطفت منه ما سيجي من شعره وقد عرفني به صديقنا الشاعر عبود بن الحاج مهدي الفلوجي انتهى. أقول وممن تخرّج على يده الخطيب الكبير الشيخ جاسم الملا ابن الشيخ محمد الملا وكلاهما شاعران ناثران ، والمترجم له أروي له عدة قصائد في الامام الحسين (عليه السلام) منها قصيدته العامرة المشتملة على الوعظ والتحذير وأولها :

أشاقك من آرام يبرين ربرب * * * فأصبحت صبّاً في هواه تعذبُ

والمرثية الثانية التي مطلعها :

نشدتك ان جئت خبت النقا * * * فعرّج به واحبس الاينقا

مضافاً إلى انه طرق جميع أبواب الشعر ، واليكم نموذجاً من شعره في الإمام الحسين.

إلى مَ فؤادي كل يوم مروعُ * * * وفي كل آن لي حبيبٌ مودع

وحتام طرفي يرقب النجم ساهراً * * * حليف بكاء والخليون هجّع

أزيد التياعا كلما هبّت الصبا * * * أو البرق من سفح الحمى لاح يلمع

وأطوي ظلوعي فوق نار من الجوى * * * إذا ما سحيراً راحت الورق تسجع

أكاد لما بي أن أذوب صبابة * * * متى هي باتت للحنين ترجّع

تنوح ولم تفقد أليفاً وبين مَن * * * أودّ وبيني مهمه حال هجرع (1)

____________

1 ـ هو الطويل.

48

فلهفي وهل يجدي الشجي تلهف * * * لعيش تقضّى بالحمى وهو مسرع

فيا قلب دع عهد الشباب وشرخه * * * فليس لأيام نأت عنك مرجع

ومن يك مثلي لم تشقه كواعب * * * ولم يصبه طرف كحيل وأربع

لئن راح غيري بالعذارى مولعاً * * * فها انا في كسب العلاء مولع

وان يك غيري فخره جمع وفره * * * فإني لما يبقى لي الفخر أجمع

سموت بفضلي هامة النسر راقياً * * * سرادق عزّهنّ أعلى وأمنع

ولم أرض بالجوزاء داراً وان سمت * * * لأن مقامي في الحقيقة أرفع

وكم لائمٍ جهلاً أطال ملامتي * * * غداة رآني مدنفاً أتفجع

يظن حنيني للعذيب ولعلع * * * وهيهات يشجيني العذيب ولعلع

فقلت له والوجد يلهب في الحشا * * * وللهم أفعى في الجوانح تلسع

كأنك ما تدري لدى الطف ما جرى * * * ومن بثراها ـ لا أباً لكَ صرعوا

غداة بنو حرب لحرب ابن أحمد * * * أتت من أقاصي الأرض تترى وتهرع

بكثرتها ضاق الفضاء فلا يرى * * * سوى صارم ينضى وأسمر يشرع

هنالك ثارت للكفاح ضراغم * * * لها منذ كانت لم تزل تتسرع

تزيد ابتهاجاً كلما الحرب قطّبت * * * وذلك طبع فيهم لا تطبّع

تعد الفنا في العزّ خير من البقا * * * وما ضرّها في حومة الحرب ينفع

سطت لا تهاب الموت دون عميدها * * * ولا من قراع في الكريهة تجزع

تعرّض للسمر اللدان صدورها * * * وهاماتها شوقاً الى البيض تتلع

إذا ما بنو الهيجاء فيها تسربلت * * * حديداً تقي الأبدان فيه وتدفع

تراهم اليها حاسرين تواثبوا * * * عزائمها الأسياف والصبر أدرع

فكم روعوا في حومة الحرب أروعا * * * وكم فرقاً للأرض يهوى سميدع

وراح الفتى المقدام يطلب مهربا * * * ولا مهرب يغني هناك ويدفع

مناجيد في الجلّى عجالا الى الندى * * * ثقالا لدى النادي خفافا إذا دعوا

49

إذا هتف المظلوم يا آل غالب * * * ولا منجد يلفى لديه ومفزع

أجابوه من بعدٍ بلبّيك وارتقوا * * * جياداً تجاري الريح بل هي أسرع

ولم يسألوه إذ دعاهم تكرما * * * إلى أين بل قالوا أمنت وأسرعوا

فما بالهم قرّوا وتلك نساؤهم * * * لصرختها صمّ الصفا يتصدع

عطاشى قضت بالعلقمي ولم تكن * * * لغلتها في بارد الماء تنقع

وأبقت لها الذكر الجميل متى جرى * * * بشرقٍ فمنه غربها يتضوع

يحامون عن خدر لهيبة مَن به * * * ـ ولا عجب غرّ الملائك تخضع

فأصبح شمر فيه يسلب زينباً * * * ولم ترَ من عنها يذبّ ويدفع

تدير بعينيها فلم ترَ كافلا * * * سوى خفرات بالسياط تقنع

فكم ذات صون مارأت ظلّ شخصها * * * ولا صوتها كانت من الغض تسمع

محجبة بين الصوارم والقنا * * * عليها من النور الإلهي برقع

فأضحت وعنها قد أماطوا خمارها * * * وبالقسر عنها بردها راح ينزع

واعظم خطب لو على الشم بعضه * * * يحط لراحت كالهبا تتصدع

غداة تنادوا للرحيل وأحضرت * * * نياق لهاتيك العقائل ضلّع

ومرت على مثوى الحماة إذا بهم * * * ضحايا فمرضوض قرىً ومبضع

فكم من جبين بالرغام مرمل * * * ومن نوره بدر السما كان يسطع

وكم من أكفٍّ قطعت بشبا الضبا * * * وكانت على الوفاد بالتبر تهمع

وكم من رؤوس رامت القوم حفظها * * * فراحت على السمر العواسل ترفع

فحنّت وألقت نفسها فوق صدره * * * وأحنت عليه والنواظر همّع

تناديه من قلب خفوق ومهجة * * * لعظم شجاها أوشكت تتقطع

أخي كيف أمشي في السباء مضامة * * * وأنت بأسياف الأعادي موزع

وكيف اصطباري ان عدانا ترحلت * * * وجسمك في قفر من الأرض مودع

وحولك صرعى من ذويك أكارمٌ * * * شباب تسامت للمعالي ورضّع

50

لها نسجت أيدي الرياح مطارفا * * * من الترب فانصاعت بها تتلفع

لمن منكم أنعى وكل أعزةً * * * عليَّ ومن عند الرحيل اودّع

أجيل بطرفي لم أجد مَن يجيرني * * * تحيّرت ما أدري أخي كيف أصنع

أترضى بأني اليوم أهدى ذليلة * * * ووجهي بادٍ لا يواريه برقع

وحولي صفايا لم تكن تعرف السبا * * * ولا عرفت يوماً تذل وتضرع

وقال يرثي العباس بن أمير المؤمنين (ع) :

لو كنت تعلم ما في القلب من شجن * * * ما ذاق طرفك يوماً طيّب الوسنِ

ولو رأيت غداة البين وقفتنا * * * أذلتَ قلبكَ دمعاً كالحيا الهتن

ناديت مذ طوّح الحادي بظعنهم * * * وراح يطوي فيافي الأرض بالبدن

يا راحلين بصبري والفؤاد معاً * * * رفقاً بقلب محبٍّ ناحل البدن

كم ليلة بتّ مسروراً بكم طرباً * * * طرفي قرير وعيشي بالوصال هني

أخفي محبتكم كيلا ينمّ بنا * * * واشٍ ولكنّ دمع العين يفضحني

ظللت في ربعكم أبكي لبعدكم * * * كما بكين حماماتٌ على فنن

طوراً أشمّ الثرى شوقاً وآونة * * * أدعو ولا أحد بالردّ يسعفني

دع عنك يا سعد ذكر الغانيات ودع * * * عنك البكاء على الاطلال والدمن

واسمع بخطب جرى في كربلاء على * * * آل النبي ونح في السر والعلن

لم أنسَ سبط رسول الله منفرداً * * * وفيه أحدق أهل الحقد والاحن

يرنو إلى الصحب فوق الترب تحسبها * * * بدور تمّ بدت في الحالك الدجن

لهفي له إذ رأى العباس منجدلا * * * فوق الصعيد سليبا عافر البدن

نادى بصوت يذيب الصخر يا عضدي * * * ويا معيني ويا كهفي ومؤتمني

عباس قد كنتَ لي عضباً أصول به * * * وكنتَ لي جنّة من أعظم الجنن

عباس هذي جيوش الكفر قد زحفت * * * نحوي بثارات يوم الدار تطلبني

51

ومخمد النار إن شبّت لواهبها * * * ومن بصارمه جيش الضلال فني

بقيت بعدك بين القوم منفرداً * * * أُقلّب الطرف لا حام فيسعدني

نصبت نفسك دوني للقنا غرضا * * * حتى مضيتَ نقيّ الثوب من درن

كسرتَ ظهري وقلّت حيلتي وبما * * * قاسيتُ سرت ذوو الأحقاد والظغن

تموت ظامي الحشا لم ترو غلّتها * * * في الحرب ريّاً فليت الكون لم يكن

* * *

52

الميرزا اسماعيل الشيرازي

المتوفى 1305

قال في جده الحسين (ع) :

نبا نزار من ضباك الشبا * * * أم سمرك اليوم غدت أكعبا

أم عقرت خيلك أم جززت * * * منها نواصيها فلن تركبا

ما كان عهدي بك أن تحملي * * * الضيم وفي يمناك سيف الإبا

فهذه حرب وقد أنشبت * * * فيك على رغم العلى المخلبا

فأين عنكم يا ليوث الوغى * * * مخالب السمر وبيض الظبا

وفي الوغى لم تنشري راية * * * ولم تجيلي خيلك الشزّبا

فحربك اليوم خبت نارها * * * ونار حرب لهبت في الخبا

أتدخل الخيل خباء الأولى * * * خباؤها فوق السما طنبا

نساؤها تسبى جهاراً ولا * * * من سيفها البتار يدمى شبا

لهفي لآل الله إذ أبرزت * * * من الخبا ولم تجد مهربا

تؤم هذي ولّها مشرق الشمس * * * وهذي تقصد المغربا

وزينب تهتف بالمصطفى * * * والمرتضى والحسن المجتبى

يا غائباً لا يرتجى عوده * * * ولن تراه أبداً آئبا

ترضى بأن أسلب بين العدى * * * حاشاك أن ترضى بأن أسلبا

فأيها الموت أرحني فما * * * أهنأك اليوم وما أطيبا

* * *

53

السيد الميرزا أبو الحسين اسماعيل بن السيد رضا الحسيني الشيرازي : نزيل سامراء ابن عم الميرزا المجدد السيد محمد حسن الشيرازي المشهور وخال أولاده. توفي في 11 شعبان سنة 1305 في الكاظمية وكان قد جاء اليها من سامراء قبل شهرين وحمل الى النجف الأشرف فدفن هناك. كان عالماً فاضلاً جليلاً شاعراً ، قرأ على ابن عمه الميرزا الشيرازي في سامراء وكان من أفضل تلامذته وله اشعار في مدح أمير المؤمنين ورثاء الحسين (عليهما السلام).

أقول وهذه القصيدة مقتبسة من بائية السيد حيدر الحلي :

يا آل فهر اين ذاك الشبا * * * ليست ضباك اليوم تلك الظبا

وجاء في ترجمته أن الشيخ حمادي نوح الحلي رثاه بقصيدة أثبتها السيد الأمين في الاعيان ، ولا بأس بالاشارة الى قصيدته في مولد الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، فمنها.

هذه فاطمة بنت اسد * * * أقبلت تحمل لاهوت الأبد

فاسجدوا طراً له فيمن سجد * * * فله الأملاك خرّت سجدا

مذ تجلّى نوره في آدم

إن تكن تجعل لله البنون * * * ـ تعالى الله عما يصفون ـ

فوليد البيت أحرى أن يكون * * * لوليّ البيت طراً ولدا

لا عزير ، لا ولا ابن مريم

حبذا آناء أنس أقبلت * * * أدركت نفسي بها ما أملّت

ولدت أمّ العلى ما حملت * * * طاب أصلاً وتعالى محتدا

حاملاً ثقل ولاء الامم

54

الشيخ محسن أبو الحب

المتوفى 1305

قال في الحسين :

فار تنور مقلتيَّ فسالا * * * فغطى السهل موجه والجبالا

وطفت فوقه سفينة وجدي * * * تحمل الهمّ والأسى أشكالا

عصفت في شراعها وهو نار * * * عاصفات الضنا صباً وشمالا

فهي تجري بمزبد غير ساج * * * ترسل الحزن والأسى ارسالاً

فسمعت الضوضاء في كل فج * * * كل لحن يهيج الاعوالا

قلت ماذا عرى ـ اميم ـ فقالت * * * جاء عاشور واستهل الهلالا

قلت ماذا عليَّ فيه فقالت * * * ويك جدد لحزنه سربالا

لا أرى كربلا يسكنها اليوم * * * سوى من يرى السرور محالا

سميت كربلاء كي لا يروم * * * الكرب منها إلى سواها ارتحالا

فاتخذها للحزن داراً وإلا * * * فارتحل لا كفيت داء عضالا

من عذيري من معشر تخذوا * * * اللهو شعاراً ولقبوه كمالا

سمعوا ناعي الحسين فقاموا * * * مثل من للصلوة قاموا كسالا

أيها الحزن لا عدمتك زدني * * * حرقة في مصابه واشتعالا

لست ممن تراه يوماً جزوعاً * * * تشتكي عينه البكاء ملالا

أنا والله لو طحنتُ عظامي * * * واتخذت العمى لعيني اكتحالا