الإمام الحسن العسكري عليه السلام سيرة وتاريخ

- علي موسى الكعبي المزيد...
207 /
5

مقدمة المركز

إن دراسة سيرة الأئمة المعصومين (عليهم السلام) تعتبر من الاسس القويمة للبناء الفكري والمنهج السلوكي لديننا الحنيف ، لأنهم الامتداد الحقيقي لنهج النبوة وسيرتها المعطاء ، والحُماة الاُمناء لمفاهيم الرسالة وعقائدها من حالة التردي والتحريف والضلال.

إننا في رحاب سيرتهم نتواصل مع القدوة الحسنة بكلّ تجلياتها الروحيه والفكرية والعلمية ، وامتداداتها التي تستغرق كلّ مفردات الحياة وتسير نحو سُلّم الكمال المطلوب على صعيد الفرد والمجتمع.

من هنا فاننا بحاجة إلى دراسة متأملة وقراءة متأنية تلمّ بأطراف تلك السيرة المشرقة بالعطاء ، لنجعلها نصب أعيننا فنستجلي مواطن العبرة فيها ، ونستلهم دروس العظمة منها ، ونتعاطى مع دلالتها المتناغمة مع مسيرة الحياة بما تحمله من متطلبات ومستجدات على كافة مستويات الفكر والمنهج والسلوك.

ولعل في تنوع ادوار تلك السيرة بحسب طبيعة المرحلة والظروف السياسية المحيطة بقادتنا المعصومين (عليه السلام) ما يزيل الرتابة منها ويجعلها تتواصل مع مختلف المواقف والظروف نحو هدفٍ اسمى وهمّ مشترك ، وذلك هو حفظ الكتاب الكريم وسنة النبي المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وطلب الاصلاح والهداية ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وهذا كتاب قراءة في سيرة أحد عظماء أهل البيت (عليهم السلام) ، ذلك هو إمامنا الحادي عشر أبو محمد الحسن العسكري (عليه السلام) الذي قال فيه أبوه الهادي (عليه السلام) : « أبو

6

محمد ابني أنصح آل محمد غريزة وأوثقهم حجة ».

ويبدو أن أهم ما يستوقف الباحث في حياة الإمام العسكري (عليه السلام) هو كونه آخر إمامٍ ختمت به الإمامة الظاهرة ، ليبدأ بعده عصر الغيبة الذي بدأت تباشيره وأوشك زمانه ، لذلك وقع على الإمام العسكري (عليه السلام) العبء الأكبر في ترسيخ مبدأ الغيبة وتأصيله في نفوس شيعته للحفاظ على خطهم الرسالي من الضياع والانهيار. وقد استطاع إمامنا العسكري (عليه السلام) أن ينجز هذه المهمة الخطيرة بكلّ جدارة وقوة ، وأن يحافظ على حياة ولده المهدي (عليه السلام) من ملاحقة السلطة وأدوات قمعها ، في وقت عصيب عُزل فيه الإمام عن أصحابه وشدّدت الرقابة عليه.

وفي هذا الاتجاه استطاع أن يهيء ذهنية شيعته لتقبل عصر الغيبة باتباع عين الأسلوب الذي سيتّخذه ولده المهدي (عليه السلام) في عصرالغيبة ، وهو الاحتجاب عن الناس واتخاذ الوكلاء الذين يختارهم من خاصته ، والاتصال بأصحابه عن طريق المكاتبات والتواقيع التي صارت سمة بارزة في حياة الإمامين العسكريين (عليهما السلام).

وهناك صفحات اُخرى مشرقة تستوقف الباحث في سيرة هذا الإمام العظيم الملأى بالعطاء ، نتركها للقارئ الكريم وهو يتحرّاها في فصول هذا الكتاب الذي استطاع مؤلفه أن يوقفنا عند المحطات الرئيسية في سيرة هذا الإمام العظيم ، ضمن دراسة جادة موثقة بالمصادر المعتبرة.

-ومنه تعالى نستمد العون والتوفيق

مركز الرسالة

7

المُقدَّمةُ

الحمدلله رب العالمين ، وسلامه على عباده المصطفين محمد وآله الميامين.

وبعد : إن البحث في سيرة الأئمة المعصومين (عليهم السلام) باعتبارهم قادةً رساليين وقدوة حسنة تتمثل بهم خصائص العظمة والاستقامة ، يعكس دورهم الايجابي في تحريك طاقات الأمة باتجاه الوعي الرسالي للشريعة ، وتعميق حركة الإسلام الأصيل في وجدانها ، وحماية الرسالة من حالة التردي بالوقوف في وجه التيارات الفكرية المنحرفة.

ويقابل ذلك البحث في سيرة الزماعات المعاصرة لهم (عليهم السلام) التي نقرأ فيها الوجه المشوّه للرسالة على المستوى النظري والتطبيقي ، على الرغم من تماهي أصحاب السلطة والصولجان في كتابه تاريخهم وإغداقهم أسخي الهبات على كتّابهم وشعرائهم.

من هنا كان نصيب السيرة الأولى الخلود والسمو والمجد رغم إقصاء رموزها المعصومين (عليهم السلام) عن مركزهم في زعامة الأمة ، ورغم كونهم ملاحقين ومعزولين عن قواعدهم وشهداء في نهاية المطاف ، وكان نصيبهم أيضاً أن تمسكت بهم غالبية الأمة ومنحتهم كلّ مظاهر التبجيل والثناء والود والثقة ، لا لأنهم من أبناء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لأن المنتسبين إليه كثيرون ، بل لما تستشعره الأمة من سيرتهم الغنية بالعطاء ودورهم المشرق في كلّ اتجاه ذلك لأن الأمة لا تمنح ثقتها وحبها اعتباطاً ، يقول الإمام الكاظم (عليه السلام) لهارون

8

الرشيد :

« أنا إمام القلوب وأنت إمام الجسوم »

(1).

ونحن مع إمامنا الحادي عشر (عليه السلام) نستشعر تمسك الأمة بالإمام وعظم محبته في قلوبهم وهيبته في نفوسهم في عدة مواقف لعلّ أبرزها حينما اُشخص العسكري مع أبيه (عليهما السلام) من مدينة (صلى الله عليه وآله وسلم) جدهم إلى عاصمة الملك سامراء بأمر المتوكل ، فقد روى المؤرخون والمحدثون عن يحيى بن هرثمة وهو المكلف بإشخاص الإمام (عليه السلام) أنه قال : « فذهبت إلى المدينة ، فلما دخلتها ضجّ أهلها ضجيجاً عظيماً ما سمع الناس بمثله ... وقامت الدنيا على ساق ... » (2) وحينما نعاه الناعي إبّان شهادته « صارت سامراء ضجّة واحدة : مات ابن الرضا ... وعطّلت الأسواق ، وركب سائر الناس إلى جنازته ، فكانت سامراء يومئذٍ شبيها بالقيامة » (3) ولم يكن ذلك إلا لشعور الأمة بعطاء الإمام (عليه السلام) ودوره الفعال في حماية الرسالة ، الأمر الذي جعل حتى أعداءَه من رجال البلاط يذعنون بفضله وهديه ، ومنهم وزير المعتمد عبيد الله بن خاقان الذي قال لابنه أحمد عامل الخراج والضياع في قم في إشارة إلى الإمام العسكري (عليه السلام) : « يا بني لو زالت الإمامة عن خلفائنا بني العباس ما استحقها أحد من بني هاشم غيره لفضله وعفافه وهديه وصيانته وزهده وعبادته وجميل أخلاقه وصلاحه » (4).

ولا ريب أن عطاءات الإمام العسكري (عليه السلام) والأدوار التي قام بها على

____________

(1) ينابيع المودة / القندوزي 3 : 120.

(2) تذكرة الخواص / سبط ابن الجوزي : 322 ـ مؤسسة أهل البيت (عليهم السلام) ـ بيروت.

(3) إكمال الدين / الشيخ الصدوق : 43 ـ المقدمه ـ جماعة المدرسين ـ قم.

(4) إكمال الدين : 41 ـ المقدمه.

9

مستوى الرسالة ، تمتاز بالخصوصية والاستثناء نظراً للمقطع الزماني الخطير الذي عاشه (عليه السلام) والذي يمتثل في شدة السلطان وإمعانه في عزل الإمام ومراقبة حركاته وسكناته ، بل ولجوئه إلى شتى وسائل القمع لانهائه والاجهاز عليه والحاقه بمن سبقه من سلالة هذا البيت الكرام (عليهم السلام) ، وذلك لكونه والد الإمام الحجة (عليهما السلام) الذي عرفوا بما أثر عندهم من الأحاديث والآثار انه يقيم دولة الحق ويقوّض اُسس الباطل ، ويملأ الأرض عدلاً وقسطاً بعدما ملئت جوراً وظلماً.

قال الإمام العسكري (عليه السلام) :

« زعموا انهم يريدون قتلي ليقطعوا هذا النسل ، وقد كذّب اللهُ قولَهم ، والحمد لله »

(1) لقد ظنوا أنهم يستطيعون النيل من حجة الله المودع بعين الله وحفظه ، فخيب الله ظنّهم.

ورغم الظروف السياسية الحالكة استطاع إمامنا العسكري (عليه السلام) أن يقدّم للامة عطاءً واسعاً ، ويمثل دوراً فاعلاً في إيصال سنن جدّه المصطفي (صلى الله عليه وآله وسلم) وآبائه المعصومين (عليهم السلام) أن يعدّ جيشاً عقائدياً وطليعة واعية تؤمن بالغيبة كمبدأ عقائدي أصيل يعيش في وجدانها ، وتمكن بالاشراف على شيعته عن طريق التواقيع والمراسلات الوكلاء أن يخطط لسلوكها ويحمي وجودها وينمي وعيها ويمدها بكلّ الأساليب التي تساعد على صمودها وارتقائها إلى مستوى الحاجة الاسلامية.

وتمكن الإمام العسكري (عليه السلام) من إنقاذ الأمة من حالة التعثّر في مهاوي الضلال والتيه ، عن طريق مقاومة التيارات الفكرية المنحرفة عن الجادة وجسّ مواقع تأثيرها وتشخيصها وهي في بدايتها تقديراً لشدّة مضاعفاتها وتخطيطاً

____________

(1) إكمال الدين : 407 ـ باب 38.

10

للقضاء عليها ، ولعلّ خير مصاديق ذلك هو اهتمام الإمام العسكري (عليه السلام) بمشروع كتاب يصنفه الكندي حول متناقضات ادّعاها في القرآن الكريم ، إذا إتصل به عن طريق بعض المنتسبين إلى مدرسته ، فاحبط المحاولة وأقنع مدرسة الكندي بأنها على خطأ. (1)

وسنعيش مع فصول هذا الكتاب السبعة أدواراً اُخرى وعطاءات كثيرة امتدت منذ نشأة الإمام (عليه السلام) حتى وفاته في سامراء شهيداً وشاهداً على الأمة بعد سنين من المحنة وفصولٍ من الجهاد.

ولسنا ندّعي هنا بأنّنا قد أحطنا بكلّ جوانب حياة هذا الإمام الهمام وسيرته المعطاء ، ولكنّا قدّمنا جهداً متواضعاً نرجو أن يفي بعض الحق الذي في أعناقنا لأئمتنا الهداة الميامين ، سائلين المولى العزيز أن يسدد خطانا ، ويلهمنا الصواب في القول والعمل ، ومنه تعالى نستمد العون والتوفيق ، وهو من وراء القصد.

____________

(1) راجع : المناقب / ابن شهر آشوب 4 : 457 ـ دار الأضواء ـ بيروت ـ 1421 ه‍.

11

الفصل الأوّل

الحياة السياسية

في عصر الإمام العسكري (عليه السلام) ( 232 ـ 260 ه‍ )

لا ريب أنّ الحالة السياسية السائدة في عصرٍ ما تشكّل المفصل الأساسي الذي تتحرك عليه مجمل الأوضاع الفكرية والاجتماعية والاقتصادية لذلك العصر ، وتنعكس عليه سلباً وإيجاباً ، ذلك لأن الحاكم يمتلك ـ بسلطته وسطوته وسيطرته على منابع الثروة ـ مفاتيح التغيير الاجتماعي والفكري ببسط اسباب الحرية أو الاستبداد ، ويمتلك عوامل الرخاء أو الفساد الاقتصادي بعدله أو جوره ، وكلّ ذلك منوط بنوع الجهاز الحاكم وسلوك أجهزتة التنفيذية ، وفيما يتعلق بتاريخ الإمام أبي محمد الحسن العسكري (عليه السلام) الذي عاش في العصر العباسي الثاني سنقدم قراءة تاريخية للحكام الذين عاصروا الإمام (عليه السلام) منذ الولادة حتى الشهادة ، ثمّ نذكر أهمّ السمات التي طبعت ذلك العصر.

الحكام المعاصرون للإمام (عليه السلام) :

ولد الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في الثامن من الربيع الآخر سنة 232 ه‍ على القول المشهور في ولادته (عليه السلام) وذلك في آخر ملك الواثق بالله بن المعتصم ( 227 ـ 132 ه‍ ) وبويع بعده لأخيه جعفربن المعتصم المعروف

12

بالمتوكل لست بقين من ذي الحجة سنة 232 ه‍ ، وكان عمر الإمام العسكري (عليه السلام) نحو ثمانية أشهر ونصف ، وقتل المتوكل سنة 247 ه‍ ، وتولى بعده ابنه المنتصر بالله زمام السلطة العباسية لستة أشهر ويومين فقط ، ومات سنة 248 ه‍ ، فتولى بعده المستعين بالله أحمد بن محمد المعتصم سنة 248 ه‍ ، وخلع نفسه بعد فتنة طويلة وحروب كثيرة سنة 251 ه‍ ، وتولى بعده المعتز بالله بن المتوكل واسمه محمد وقيل : الزبير ( 252 ـ 255 ه‍ ) واستشهد حجة الله الإمام أبو الحسن علي الهادي (عليه السلام) بعد مضي نحو سنتين ونصف من أيام حكم المعتز بالله ، وذلك في الثالث من رجب سنة 254 ه‍ ، وتولى الإمام العسكري مهام الإمامة الإلهية.

ثم جاء إلى السلطة المهتدي بالله محمد بن الواثق بعد خلع المعتز وقتله سنة 255 ه‍ ، وحكم نحو سنة واحدة ، ثمّ قتله الأتراك سنة 256 ه‍ ، وتولى بعده أحمد ابن جعفر المتوكل المعروف بالمعتمد نحو ثلاث وعشرين سنة حيث قتل سنة 279 ه‍ ، وهكذا استغرقت حياة إمامنا العسكري (عليه السلام) الأيام الأخيرة من حكم الواثق ، ثم تمام حكم المتوكل والمنتصر والمستعين والمعتز والمهتدي مع أربع سنين من حكم المعتمد ، حيث استشهد إمامنا (عليه السلام) يوم الجمعة الثامن من ربيع الأول سنة 260 ه‍ ، على القول المشهور في وفاته (عليه السلام) (1).

____________

(1) راجع : تاريخ الخلفاء / السيوطي : 267 ـ 282 ـ دار الكتاب العربي ـ 1422 ه‍ ، تاريخ اليعقوبي 2 : 484 ـ 507 ـ دار صادر ـ 1415 ه‍ ، إعلام الورى / الطبرسي 2 : 111 ـ 131 ـ مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث ـ 1417 ه‍ ، الجوهر الثمين / ابن دقماق 1 : 146 ـ 157 ـ عالم الكتب ـ 1405 ه‍ ، دلائل الإمامة ، الطبري : 409 و 324 ـ مؤسسة البعثة ـ 1413 ه‍ ، التتمة في

13

أهم سمات هذا العصر

يعتبر هذا العصر بداية لضعف سلطة الدولة العباسية وسقوط هيبتها وانحلالها ، بسبب استيلاء الأتراك على عاصمة الملك ، وانتقاض أطراف الدولة واستيلاء العمال والولاة عليها ، واعتزال الخلفاء عن شؤون الحكم وانصراف غالبيتهم إلى أسباب اللهو والترف والمجون ، وقد انعكست آثار ذلك على مجمل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بشكل مباشر ، وفيما يلي أهم خصائص هذا العصر :

السمة الأولى ـ نفوذ الأتراك وضعف العباسيين

تميز هذا العصر بغلبة الأتراك والفراغنه والمغاربة وغيرهم من الموالي وتدخّلهم في مقاليد الحكم ، وكان أول ذلك في عصر المعصتم الذي اعتنى منذ توليه الحكم سنة 218 ه‍ ، باقتناء الترك ، فبعث إلى سمرقند وفرغانة والنواحي في شرائهم ، وبذل فيهم الأموال ، وألبسهم أنواع الديباج ومناطق الذهب ، فكانوا يطردون خيلهم في بغداد ويؤذون الناس ، وضاقت بهم البلد ، فاجتمع إليه أهل بغداد وقالوا : إن لم تخرج عنا بجندك حاربناك ، فكان سبب بنائه سرّ من رأى وتحوّله إليها سنة : 220 وقيل : 221 ه‍ (1).

وبعد ذلك ازداد نفوذ الأتراك في عاصمة العسكر سامراء وتسنّموا

____________

تواريخ الأئمة (عليه السلام) / تاج الدين العاملي : 137 و 142 ـ مؤسسة البعثة ـ 1412 ه‍.

(1) تاريخ الخلفاء / السيوطي : 259 ، معجم البلدان / ياقوت الحموي ـ المجلد الثالث : 10 ـ 13 ـ ( مدينة سامراء ) دار احياء التراث العربي ـ بيروت ـ 1417 ه‍.

14

مناصب هامة كولاة وعمال وقادة جيش ، ومنهم بغا الكبير ، وابناه موسى ومحمد ، وبابكيال ، وياركوج ، واذكوتكين ، وبغا الصغير الشرابي ، ووصيف بن باغر وغيرهم. وبعد عصر المتوكل ازدادت سيطرتهم على مقاليد الحكم فأهانوا الخلفاء العباسيين وسلبوا إرادتهم ، وتدخلوا في شؤون الملك ، وتلاعبوا ببيوت الأموال ، وانتكهوا مصالح الاُمة ومقدراتها ؛ فقد قتلوا المتوكل والمهتدي ، وخلعوا المعتز والمؤيد ابني المتوكل من ولاية العهد ، واستخلفوا للمستعين ، واستولوا على الأموال في عهده ، وقاتلوه حين غضب عليهم ، فاعتصم ببغداد وبايعوا للمعتز من بعده.

قال ابن طقطقا : كان الأتراك قد استولوا منذ قتل المتوكل على المملكة ، واستضعفوا الخلفاء ، فكان الخليفة في يدهم كالأسير إن شاءوا أبقوه ، وإن شاءوا خلعوه ، وإن شاءوا قتلوه (1).

وقد وصف بعض الشعراء الحالة التي انتهت إليها الخلافة العباسية في زمن المستعين الذي ليس له حول ولا قوة مع اُمراء الجند الأتراك ومنهم وصيف وبغا بقوله :

خليفة في قفصٍ * * * بين وصيفٍ وبغا

يقول ما قال لهُ * * * كما تقول الببغـا (2)

ومن مظاهر سيطرة اُمراء الأتراك على جميع أفراد الدولة بما فيهم الخليفة في زمان المعتزّ بالله ، ما ذكره اليعقوبي في تاريخه حوادث سنة 255 ه‍ ، قال : وثب

____________

(1) الفخري في الآداب السلطانية / ابن الطقطا : 243 ، نشر الشريف الرضي ، قم.

(2) تاريخ الخلفاء / السيوطي : 278.

15

صالح بن وصيف التركي على أحمد بن اسرائيل الكاتب وزير المعتز ، وعلى الحسن بن مخلد صاحب ديوان الضياع ، وعلى عيسىٰ بن إبراهيم بن نوح وعلى ابن نوح ، فحبسهم وأخذ أموالهم وضياعهم وعذّبهم بأنواع العذاب ، وغلب على الأمر ، فهمّ المعتزّ بجمع الأتراك ، ثمّ دخل إليه فأزاله من مجلسه ، وصُيّر في بيت ، وأخذ رقعته بخلع نفسه ، وتوفي بعد يومين ، وصلّى عليه المهتدي (1).

السمة الثانية ـ استئثار رجال السلطة بالأموال العامة

السمة الغالبة في حياة سلاطين هذا العصر ومن سار في ركابهم من القادة والولاة والامراء والقضاء هي الاستئثار ببيت المال وتسخيره لخدمة مصالحهم الخاصه وحرمان الأغلبية الساحقة منه ، ومن مظاهر ذلك الاستئثار ان اُمّ شجاع والدة المتوكل حينما ماتت قبله بسنة خلفت أموالاً لا تُحصر ؛ من ذلك خمسة آلاف ألف دينار من العين وحده (2). ونقل المؤرخون في أحداث سنة 249 أن المستعين أطلق يد والدته ويد أتامش وشاهك الخادم في بيوت الأموال ، وأباحهم فعل ما أرادوا ، فكانت الأموال التي ترد من الآفاق يصير معظمها إلى هؤلاء الثلاثة ... وما يفضل من هؤلاء الثلاثة يأخذه أتامش للعباس بن المستعين فيصرفه في نفقاته (3).

وذكروا أنه حينما خرج المستعين من سامراء وبويع للمعتز سنة 252 ه‍

____________

(1) تاريخ اليعقوبي : 2 : 504 ، سير أعلام النبلاء / الذهبي 12 : 535 ـ مؤسسة الرسالة ـ بيروت ـ 1419 ه‍.

(2) سير أعلام النبلاء 12 : 41.

(3) الكامل في التاريخ / ابن الأثير 6 : 154 ـ دار الكتاب العلمية ـ 1415 ه‍ ، البداية والنهاية / ابن كثير 11 : 3 ـ مكتبة المعارف ـ 1414 ه‍.

16

خلّف في بيت المال بسامراء نحو خمسائة ألف دينار ، وفي بيت مال أم المستعين ألف ألف دينار ، وفي بيت المال العباس ابنه ستمائة ألف دينار (1).

وفي أحداث سنة 255 ه‍ ذكروا أنه ظُفِر لقبيحة اُمّ المعتز وزوجة المتوكل بعد خلع المعتز وقتله ، بخزائن تحت الأرض فيها أموال كثيرة ، ومن جملتها دار تحت الأرض وجدوا فيها ألف ألف دينار وثلاثمائة ألف دينار ، ووجدوا في سفط قدر مكوك زمرد لم ير الناس مثله ، وفي سفط آخر مقدار مكوك من اللؤلؤ الكبار ، وفي سفط آخر مقداركليجة من الياقوت الأحمر الذي لم يوجد مثله ، فقوّمت الأسفاط بالفي ألف دينار (2).

أما استعراض تفاصيل أموال وضياع الامراء والولاة والقضاء وكتاب الدواوين والجواري والمغنين والشعراء وغيرهم من المقربين إلى البلاط ، فمما يخرج بنا عن الغرض ، ويكفي مثالاً على ذلك أن بغا الكبير حينما مات سنة 248 ه‍ ترك من المتاع والضياع ما قيمته عشرة آلاف ألف دينار ، وترك عشر حبّات جوهر قيمتها ثلاثة آلاف ألف دينار (3).

وكانت مؤونة أحمد بن طولون ألف دينار في اليوم ... وحينما مات خلّف من العين عشرة ألف دينار ، وأربعة وعشرين ألف مملوك (4).

____________

(1) الكامل في التاريخ 6 : 166 ، البلادية والنهاية 11 : 7.

(2) تاريخ الطبري 9 : 395 بتحقيق محمد أبوالفضل إبراهيم ـ بيروت ، الكامل في التاريخ 6 : 202 ، البداية والنهاية 11 : 17 ، تاريخ الخلفاء / السيوطي : 280.

(3) البداية والنهاية 11 : 2.

(4) سير أعلام النبلاء 12 : 94 ـ 95.

17

وكانت غُريب جارية المعتمد ذات أموال جزيلة (1).

السمة الثالثة ـ ميل العباسيين إلى البذخ والترف واللهو

كان رجال الدولة وعلى رأسهم السلطان ينفقون الأموال الطائلة لشؤونهم الخاصة كاقتناء الجواري والسراري والقيان والمغنين وجميع وسائل اللهو والمجون المتاحة في ذلك العصر ، وكانوا يسرفون في الانفاق على الشعراء وبناء القصور ، بينما تعيش الأكثرية الساحقة من الناس على الكفاف وينهكها الجوع والفقر وتفتك بها الأمراض والأوبئة.

فقد كان المتوكل كثير الانفاق على الشعراء حتى قيل : ما أعطى خليفة شاعراً ما أعطى المتوكل (2) ، فأجاز مروان بن أبي الجنوب علي قصيدة في مدحه بمائة وعشرين ألف درهم ، وأعطاه حتى أثرى كثيراً فقال :

فأمسك ندى كفيك عني ولا تزد * * * فقد خفت أن أطغى وأن اتجبرا

فقال : لا أمسك حتى يغرقك جودي (3).

وقرّب المتوكل أبا شبل عاصم بن وهب البرجمي ، وكان شاعراً ماجناً ، وأنفق عليه حتى أثرى ، قال أبو الفرج : نَفَق عند المتوكل بايثاره العبث وخدمه وخُصّ به فأثرى ، وأمر له بثلاثين ألف درهم على قصيدة من ثلاثين بيتاً (4).

وأجاز عبيد الله بن يحيى بن خاقان أبا شبل البرجمي أيضاً على قصيدة في

____________

(1) سير أعلام النبلاء 12 : 552.

(2) تاريخ الخلفاء / السيوطي : 270.

(3) تاريخ الخلفاء / السيوطي : 270.

(4) الأغاني / ابو الفرج الاصفهاني 14 : 193 ـ دار إحياء التراث العربي.

18

مدحه خمسة آلاف درهم ودابة وخلع عليه (1).

وعن أحمد بن المكي ، قال : غنيت المتوكل صوتاً شعره لأبي شبل البرجمي ، فأمر لي بعشرين ألف درهم ، فقلت : يا سيدي أسأل الله أن يبلّغك الهُنيدة. فسأل عنها الفتح ، فقال : يعني مائة سنة ، فأمر لي بعشرة آلاف اُخرى (2).

وأجاز المتوكل الحسين بن الضحاك الخليع على أربعة أبيات أربعة آلاف دينار (3).

وكان المتوكل مغرماً بالجواري اللاتي يجلبن من أنحاء البلاد بأموال طائلة ، فقد روي عن المسعودي أنه قال : كان المتوكل منهمكاً في اللذات والشراب ، وكان له أربعة آلاف سُرّية ووطئ الجميع (4).

كما كان ميالاً إلى التأنّق في تشييد القصورالضخمة التي تعجّ بألوانٍ من مظاهر الترف والبذخ والعبث اللهو والمجون ، قال اليعقوبي : بني المتوكل قصوراً أنفق عليها أموالاً عظاماً منها : الشاه ، والعروس ، والشِّبندار ، والبديع ، والغريب ، والبرج ، وأنفق على البرج ألف ألف وسبعمائة ألف دينار (5).

وقيل : أنفق على الجوسق والجعفري والهاروني أكثر من مئتي ألف ألف

____________

(1) الأغاني 14 : 199.

(2) الأغاني 14 : 193 ـ 194.

(3) مروج الذهب / المسعودي 4 : 388 ـ دار إحياء التراث العربي ـ 1422 ه‍ ، سير أعلام النبلاء 12 : 40.

(4) تاريخ الخلفاء / السيوطي : 271 ، سير أعلام النبلاء 12 : 40.

(5) تاريخ اليعقوبي 2 : 491.

19

درهم (1).

أما الإسراف في مراسم البلاط الخاصه باولاد الخلفاء وغيرهم فمما يطول به الحديث ، ومن شواهد ذلك ما نقله ابن كثير عن مراسم تسليم المعتز على أبيه بالخلافة ، قال : لما جلس [ المعتزّ ] وهو صبي على المنبر وسلم على أبيه بالخلافة ، وخطب الناس ، نثرت الجواهر والذهب والدراهم على الخواص والعوام بدار الخلافة ، وكان قيمة ما نثر من الجواهر يساوي مائة ألف دينار ، ومثلها ذهباً ، وألف وألف درهم غير ما كان من خلع وأسمطة وأقمشة مما يفوت الحصر ... (2).

أمّا المستعين فقد قالوا عنه : إنه كان متلافاً للمال مبذراً ، فرّق الجواهر وفاخر الثياب ، واختلّت الخلافه بولايته واضطربت الاُمور (3).

وذكروا أنّ اُم المهتدي محمد بن الواثق ، التي ماتت قبل استخلافه ، أنّها كانت تحت المستعين ، فلمّا قُتل المستعين صيّرها المعتزّ في قصر الرصافة الذي فيه الحرم ، فلمّا ولي المهتدي الخلافة قال يوماً لجماعة من الموالي : أمّا أنا فليس لي اُمّ أحتاج لها إلى غلّة عشرة آلاف ألف في كلّ سنة لجواريها وخدمها والمتّصلين بها ... (4).

وأمثلة ذلك كثيرة في التاريخ ، وهي تحكي عن حجم التبذير في بيوت

____________

(1) سير أعلام النبلاء 12 : 40 ، وراجع : معجم البلدان / ياقوت 2 : 60 ـ دار إحياء التراث العربي ـ عند ترجمة الجعفري ، وتاريخ اليعقوبي 2 : 492 ، والبداية والنهاية 10 : 346 ، والكامل في التاريخ 6 : 130.

(2) البداية والنهاية 11 : 17.

(3) سير أعلام النبلاء 12 : 46.

(4) تاريخ الطبري 9 : 396 ، الكامل في التاريخ 6 : 203 ، البداية والنهاية 11 : 18.

20

الأموال والإسراف في النفقات الخاصه على حساب الأغلبية المحرومة ، وكان من نتائج ذلك أن ابتعد الخليفة عن الرعية وأهمل شؤونهم فكرهه غالبية الناس.

قال ابن كثير في حوادث سنة 249 ـ خلافة المستعين ـ : قد ضعف جانب الخلافة ، واشتغلوا بالقيان والملاهي ، فعند ذلك غضبت العوام من ذلك (1).

اما المعتمد الذي مات بالقصر الحسني مع الندماء والمطربين ... وكان يكسر ويعربد على الندماء (2) ، فقد قال السيوطي وغيره : انهمك باللهو واللذات ، واشتغل عن الرعية فكرهه الناس (3).

ولعلّ ذلك هو أحد الاسباب في تعاطف عامة الناس سيما أهل بغداد مع بعض الطالبيين الثائرين بوجه الظلم والاستئثار ، ومنهم يحيى بن عمر الشهيد سنة 250 ه‍ فضلاً عن حسن سيرته ، قال أبو الفرج : كان هوى أهل بغداد مع يحيى ، ولم يُروَ قطّ أنّهم مالوا إلى طالبي خرج غيره (4).

وقال ابن الأثير : تولاه العامة من أهل بغداد ، ولا يعلم أنّهم تولوا أحداً من [ أهل ] بيته سواه (5).

كما أنكر أهل بغداد على المتوكل وكتبوا شتمه على الحيطان والمساجد وهجاه الشعراء ، وحينما أمر بهدم قبر الإمام الحسين (عليه السلام) وهدم ما حوله من الدور

____________

(1) البداية والنهاية 11 : 3.

(2) سير أعلام النبلاء 12 : 552.

(3) تاريخ الخلفاء / السيوطي : 282 ، سير أعلام النبلاء 12 : 540.

(4) مقاتل الطالبيين / أبو الفرج الاصفهاني : 421 ـ المكتبة الحيدرية ـ النجف.

(5) الكامل في التاريخ 6 : 157.

21

ومنع الناس من زيارته (1).

السمة الرابعة ـ تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية

كان نتيجة اضطراب السلطة وضعفها وسوء إدارتها أن تركزت الثروات بيد قلّة من أبناء الاُسرة الحاكمه والمتنفّذين في السلطة ، فتفشّى التفاوت الطبقي بين أبناء الأمة تبعاً للولاء والقرب والبعد من البلاط وحاشيته ، فهناك قلّة متخمة تستأثر برأس المال والثراء الفاحش وتبدّده في حياة البذخ والترف لاشباع شهواتهم وملاذّهم ، وغالبية مسحوقة تعيش حياة البؤس والفقر والحرمان ، وتنهكها النزاعات والحروب ، وتئن تحت وطأة الغلاء وفتك الأوبئة ومختلف الامراض والكوارث الطبيعية التي ازدادت في هذا العصر ، مما ترك آثاراً وخيمة على بنية المجتمع وسلوك أفراده.

فمن تداعيات الحروب الداخلية وعلى رأسها ثورة الزنج ( 255 ـ 270 ه‍ ) التي أثارت الخوف والجوع واستهلكت الأموال والأنفس والثمرات ، أن ارتفعت الأسعار واشتدت المجاعة في سائر ديار الاسلام ، وقلّت البضاعة ، وهجر بعض الناس بلدانهم طلباً للقمة العيش.

فذكروا في حوادث سنة 251 ه‍ أنه بلغ سعر الخبز في مكة ثلاثة أواقٍ بدرهم. واللحم رطل بأربعة دراهم ، وشربة الماء بثلاثة دراهم (2).

وفي حوادث سنة 251 و 252 ه‍ نتيجة الحرب التي دارت رحاها بين المعتز والمستعين على الكرسي الخلافة شمل أهل بغداد الحصار والغلاء بالأسعار واجتمع

____________

(1) تاريخ الخلفاء / السيوطي : 268.

(2) الكامل في التاريخ 6 : 181 ، البداية والنهاية 11 : 10.

22

على الناس الخوف والجوع (1).

وقال اليعقوبي في حوادث سنة 252 ه‍ : وغلت الأسعار ببغداد وسرّ من رأى حتى كان القفيز بمائة درهم ، ودامت الحروب ، وانقطعت الميرة وقلّت الأموال (2).

وذكر الطبري وغيره حوادث سنة 260 ه‍ أنه في هذه السنة اشتدّ الغلاء في عامة بلاد الاسلام ، فانجلى عن مكة من شدّة الغلاء من كان بها مجاوراً إلى المدينة وغيرها من البلدان ، ورحل عنها عاملها الذي كان بها مقيماً وهو بُريه ، وارتفع السعر ببغداد ، فبلغ الكرّ الشعير عشرين ومائة دينار ، والحنطة خمسين ومائة ، ودام ذلك شهوراً (3).

أما الأمراض والأوبئة التي غالباً ما تكون من إفرازات الحروب وتردي الأوضاع الاقتصادية ، فقد تحدث عنها المؤرخون كثيراً في هذا العصر. قال السيوطي مشيراً إلى أيام المعتمد ( 256 ـ 279 ) : وفي أيامه دخلت الزنج البصرة وأعمالها وأخربوها وبذلوا السيف وأحرقوا وخربوا وسبوا ، وجرى بينهم وبين عسكره عدة وقعات ... وأعقب ذلك الوباء الذي لا يكاد يتخلف عن الملاحم بالعراق ، فمات خلق لا يُحصون (4).

ويبدو أنه قد بلغ التدهور أوجه في أيام المعتمد ، ففي حوادث سنة 258 ه‍

____________

(1) البداية والنهاية 11 : 9.

(2) تاريخ اليعقوبي 2 : 499.

(3) تاريخ الطبري 9 : 510 ، الكامل في التاريخ 6 : 248 ، سير أعلام النبلاء 12 : 543 ، البداية والنهاية 11 : 31.

(4) تاريخ الخلفاء / السيوطي : 282.

23

يقول ابن كثير وغيره : وفيها وقع الناس وباء شديد وموت عريض ببغداد وسامراء وواسط وغيرها من البلاد ، وحصل للناس ببغداد داء يقال له القفاع (1).

ويقول اليعقوبي : وقع فيها وباء بالعراق ، فمات خلق من الخلق ، وكان الرجل يخرج من منزلة فيموت قبل أن ينصرف ، فيقال أنّه مات ببغداد في يوم واحد اثنا عشر ألف انسان (2).

السمة الخامسة ـ التدهور وعدم الاستقرار

سادت الكثير من مظاهر الفوضى والشغب والاضطراب في هذا المقطع التاريخي من عمر الدولة العباسية ، تتمثل في انتقاض أطرافها ، واستقلال بعض ولاياتها ، والعدوان الأجنبي على بعض أعمالها ، وكثرة الثورات الداخلية وعلى رأسها ثورة الزنج والخوارج إلى غير ذلك من مظاهر عدم الاستقرار السياسي الأمني الناجمة عن ضعف القدرة المركزية للسلطة وتلاشي هيبتها وتعدد الارادات السياسية فيها لتدخل قادة الجند الأتراك والمغاربة والفراغنة في شؤونها وإشاعتهم الظلم والقهر والاستبداد. وفيما يلي نعرض لأهم تلك المظاهر ، ونذكر بعض الأمثلة من المصادر التي أرّخت لهذا العصر :

أولاً : انتقاض أطراف الدولة

صار أغلب العمال والولاة في هذا العصر غير مقيدين بالارتباط الوثيق بعاصمة الملك أو الموالاة للدولة ، فكان بإمكانهم الانفصال ومناجزة الآخرين

____________

(1) البداية والنهاية 11 : 30 ، الكامل في التاريخ 6 : 238.

(2) تاريخ اليعقوبي 2 : 510.

24

القتال ، فكانت الحروب سجالاً بين اُمراء الجند والولاة والعمال في أطراف الدولة ، فكثر المتغلّبون فيها ، وأصبحت المدن الاسلامية تستقبل كلّ فترة عاملاً جديداً يحكمها ويدير شؤونها ويجبي خراجها.

فمثلاً كانت الأندلس تحت سيطرة الأمويين (1) ، والشمال الأفريقي تحت إمرة آل الأغلب (2) ، ومصر تحت سيطرة أحمد بن طولون التركي (3) ، كما تغلب يعقوب بن الليث الصفار على خراسان ونيسابور حتى بلغت شوكته أن حارب جيش المعتمد في دير العاقول بعد أن استولى على واسط (4) ، وسيطر الحسن بن زيد العلوي على طبرستان وأسس الدولة العلوية هناك (5) ، وتغلب على آذربيجان محمد بن البعيث في زمان المتوكل (6) ، وعلى تفليس إسحاق بن إسماعيل مولى بني أميه (7) ، كما تغلب البطارقة على أرمينية (8) ، واستحوذ محمد

____________

(1) سير أعلام النبلاء 8 : 260 ـ 263.

(2) الكامل في التاريخ 6 : 66 و 89 و 102 و 126 و 132 و 155.

(3) الكامل في التاريخ 6 : 195 و 213 و 227 و 238 ، سير أعلام النبلاء 13 : 94 / 53.

(4) تاريخ اليعقوبي 2 : 504 ، الكامل في التاريخ 6 : 114 و 151 و 193 و 197 و 232 و 242 و 246 ، سير أعلام النبلاء 12 : 513 / 191.

(5) تاريخ الطبري 9 : 271 ، ومروج الذهب 4 : 410 ، 426 ، 431 و 542 ، والكامل في التاريخ 6 : 158 و 204 و 227 و 233 و 238 و 246 و 336 ، البداية والنهاية 11 : 6 و 15 و 24 و 30.

(6) االكامل في التاريخ 6 : 100 و 104 ، البداية والنهاية 10 : 312.

(7) تاريخ اليعقوبي 2 : 489 ، الكامل في التاريخ 6 : 116.

(8) تاريخ اليعقوبي 2 : 489.

25

ابن واصل التميمي على الأهواز ثم على بلاد فارس (1) ، كما خضعت مرو لشركب الحمّار وقيل : الجمّال (2) ، وقد حصل كلّ هذا في الفترة من سنة 238 إلى سنة 259 ه‍ الأمر الذي يشير إلى تدهور السلطة في هذا العصر إلى حد بعيد.

ثانياً : ضعف الثغور الاسلامية

ومن مظاهر التدهور السياسي الكبير في هذا العصر إهمال المتصدين لقيادة الدولة للثغور الاسلامية إهمالاً أدى بالنتيجة إلى تعرض أطراف الدولة إلى غزوات راح ضحيتها آلاف المسلمين ونهبت أموالهم وانتكهت أعراضهم وسبيت نساؤهم ، كما في غزو مصر من قبل الافرنج والسودان والروم مرات عديدة بما لا حاجة إلى تفصيلها (3).

ثالثا : أعمال الشغب والعصيان

وتمثل تلك الأعمال مظهراً آخر من مظاهر عدم الاستقرار الأمني والسياسي للدولة ، وهي أعمال كثيرة في هذا العصر أدت إلى تفاقم الأوضاع وتدهورها.

فاليمامة مثلاً عات بها بنو نمير (4) وأهل أرمينية قتلوا عاملهم وأعلنوا

____________

(1) البداية والنهاية 11 : 24 و 29.

(2) تاريخ الطبري 9 : 502 ، الكامل في التاريخ 6 : 244 ، البداية والنهاية 11 : 31.

(3) راجع في ذلك : تاريخ الطبري 9 : 509 و 511 ، وتاريخ اليعقوبي 2 : 488 ، والكامل في التاريخ 6 : 117 و 131 و 245 ، والبداية والنهاية 10 : 317 و 324 و 342 و 11 : 31 ، وتاريخ الخلفاء / السيوطي : 269 و 283.

(4) الكامل في التاريخ 6 : 90 ، البداية والنهاية 10 : 308.

26

عصيانهم (1) ، كما تعرض عامل حمص لقتال الحمصيين ، وصارت حمص مسرحاً للقتل والصلب والتحريق (2) ، كما شغب الأتراك والجند في زمان المستعين وقتل خلق كثير ، وانتهبت أماكن كثيرة في عاصمة الدولة سامراء (3)كما تعرضت بغداد إلى شغب كثير في هذا العصر (4) ، ولم تنج الموصل من ذلك أيضاً (5).

رابعاً : الثورات الشعبية والحركات المتطرفة

تعددت الثورات الشعبية التي قادها الطالبيون ضد الدولة العباسية من جهة ، وتنامت الحركات المتطرفة التي عصفت بالاُمّة من جهة اُخرى ، مما نجم عنه إزهاق نفوس كثيرة ، وتبديد ثروات طائلة ، مع هدر الطاقات وفقدان الأمن ، وشيوع حالة الفوضى والاضطراب.

أما عن الثورات والانتفاضات الشعبية التي انطلقت في هذا العصر لتقف بصلابه في وجه الحكم العباسي ، فقد تزعمها الطالبيون ، وكانت من إفرازات تردّي الأحوال العامة والقهر والاستبداد والطغيان والجور التي عمّت آثارها على الأمة بشكل عام وعلى الطالبيين بشكل خاص ؛ لأنهم يعانون من شدة الوضع العام ، ومن السياسة العباسية القاضية باضطهادهم ومطاردتهم واتباع

____________

(1) الكامل في التاريخ 6 : 111 ، البداية والنهاية 10 : 315.

(2) الكامل في التاريخ 6 : 120 و 122 و 151 و 161 ، البداية والنهاية 10 : 319 و 323 و 11 : 2 و 6 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 490 و 495.

(3) الكامل في التاريخ 6 : 150 و 154 ، البداية والنهاية 11 : 2.

(4) الكامل في التاريخ 6 : 153 و 201 و 203 ، البداية والنهاية 11 : 3 و 17 و 18.

(5) الكامل في التاريخ 6 : 191 و 247.

27

شتى وسائل الضغط عليهم ، فكانت واعزاً يحفّز الثوار منهم علي الخروج المسلّح بين آونة واُخرى.

وقد تعرضوا في زمان المتوكل لمحنة عظيمة ، إذ فرض عليهم حصاراً جائراً ، واستعمل لهذا الغرض عمر بن الفرج الرخجي ، فمنعهم من التعرض لمسألة الناس ومنع الناس من البرّ بهم ، فكان لا يبلغه أن أحداً أبرّ أحداً منهم بشيء إلا أنهكه عقوبة وأثقله غرماً ، حتى كان القميص يدور بين جماعة من العلويات يصلين فيه واحدة بعد اُخرى (1).

وتعرض الكثير من آل أبي طالب في هذه الفترة لشتى أنواع الاضطهاد والتنكيل ، واُنزلت فيهم أقصى العقوبات ، فتفرّق كثير منهم في النواحي كي يتواروا عن الأنظار أو يعلنوا الثورة المسلحة ضد الدولة ، وشُرّد بعضهم من المدينة إلى سامراء ، وأودع بعضهم السجون حتى ماتوا فيها أو سُمّوا ، هذا فضلاً عمن قُتِلوا على أيدي قادة العباسين ورجال دولتهم كموسى بن بغا على بن أوتامش وصالح بن وصيف وسعيد الحاجب وغيرهم ، ممّا سنشير إليه في الفصل الثاني.

وقد تضمّنت كتب التاريخ أسماء ثمانية عشر ثائراً من الطالبيين في أقلّ من ثلاثين سنة ( 232 ـ 260 ه‍ ) وهو عدد يشير إلى حجم معاناة الطالبيين ومدى الحيف والظلم الذي لحقهم على أيدي السلطات ، وإلا لما تطلّب جميع هذه

____________

(1) مقاتل الطابيين : 396.

28

التضيحات الجسام (1).

وأما عن الحركات المتطرفة التي ظهرت في هذا العصر ، فتتمثل بحركة الزنج ( 255 ـ 270 ه‍ ) التي كانت من أشد الحركات المتطرفة التي عصفت بالحكم العباسي ، فضلاً عن عدم مراعاة تلك الحركة لمثل الاسلام وقيمه العليا ، نظراً لما قامت به تلك الحركة من انتها كانت خطيرة بحيث حرقت فيها حتى دور العبادة كالمساجد والجوامع فضلاً عن القتل الذريع وسبي النساء وفعل كلّ قبيح.

وكان صاحب الزنج من الأدعياء الذين زعموا الانتساب إلى الذرية الطاهرة في حين اجمع العلماء على كذبه ودجله وأنه دعيّ لا غير (2).

ويؤيد ذلك ما كتبه الإمام العسكري (عليه السلام) إلى محمد بن صالح الخثعمي في خصوص فرية صاحب الزنج ، حيث بين (عليه السلام) في كتابه كذب هذا المفترى ، إذ

____________

(1) راجع أسماء الثائرين ( الثمانية عشر ) على بني العباس في تلك الفترة في تاريخ الطبري 6 : 158 و 204 و 227 و 238 و 246 و 336 ، وتاريخ اليعقوبي 2 : 497 و 506 ، ومروج الذهب 4 : 406 ـ 410 ـ 424 ـ 428 ـ 429 ، ومقاتل الطالبيين : 397 و 406 و 419 ـ 424 و 429 ـ 432 و 435 ، والفخري في الآداب السلطانية : 240 ، والكامل في التاريخ 6 : 107 و 156 ـ 158 و 161 و 179 ـ 181 و 192 و 213 و 226 ـ 227 و 242 ، والبداية والنهاية 10 : 314 و 11 : 5 ـ 6 و 9 و 12 و 15 ـ 16 و 24 و 30.

(2) راجع أخبار ثورة الزنج في : مروج الذهب / المسعودي 4 : 438 ، تاريخ الخلفاء / السيوطي : 282 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 507 ، الفخري في الآداب السلطانية : 250 ، البداية والنهاية 11 : 18 وما بعدها ، وأحداث سنة 255 ـ 270 في تاريخ الطبري والكامل وسائر التواريخ.

29

جاء في الكتاب : « صاحب الزنج ليس من أهل البيت » (1). وفي هذا دليل قاطع على كذب وافتراء صاحب الزنج لعنه الله في انتسابه إلى الذرية الطاهرة.

ومن تلك الحركات المتطرفه التي عبثت كثيراً ، هي حركة الخوارج الشراة الذين زعموا أنهم شروا الآخرة بالدنيا ! فشنّوا حرباً شعواء على كلّ من خالفهم الرأي لا يفرقون في هذا بين العباسيين وغيرهم ، وكانوا صورة لاسلافهم الذين مرقوا من الدين كما يمرق السهم من الرمية.

وقد ظهروا في هذا العصر في الموصل سنة 248 ه‍ وقويت شوكتهم حتى وصلوا قرب العاصمة سامراء واشتبكوا مع العباسيين في معارك طاحنة ، واستولوا على مناطق كثيرة من السواد ، مما ترك هذا أثره البالغ في تدهور الأمن وضياع الهدوء والاستقرار (2).

* * *

____________

(1) المناقب / ابن شهر آشوب 4 : 462 ـ دار الأضواء ـ بيروت ـ ط 1 ـ 1421 ه‍.

(2) راجع حركة الخوارج تلك في : تاريخ اليعقوبي 2 : 497 و 502 ، والكامل في التاريخ 6 : 186 و 190 و 195 و 205 و 212 و 219 و 234 و 272 و 345 و 346 والبداية والنهاية 11 : 22 و 30.

30

-

31

الفصل الثّاني

الإمام (عليه السلام) والسلطة

على الرغم من الضعف الذي انتاب هيكل الخلافة في هذا العصر ، والانحلال الذي بدأ يستشري في أوصال الدولة العباسية ، فقد بقي العباسيون على نفس المنوال الذي سار عليه أسلافهم إبان عصر القوة والازدهار في التصدّي لمدرسة الأئمة (عليه السلام) وشيعتهم والنكاية بهم ؛ ذلك لأن علاقة الحاكم بالإمام تقوم على أساس ثابت ، وهو الخوف من نشاط الإمام ودوره الايجابي في الحياة الاسلامية ، والشعور بخطورة هذا الدور حتى وصل لدى الزعامات العباسية في هذا الفترة إلى درجة الرعب ، فطوقوا الإمام بحصار شديد ورقابة صارمة عليه ، وتربصوا به وبأصحابه ، وأخيراً تآمروا على حياته فسقط شهيداً في محراب الجهاد ولمّا يبلغ الثلاثين.

كان العباسيون يعيشون أوضاعاً سلبية على مستوى الالتزام الديني ، وقدّم غالبيتهم نموذجاً سيئاً في هذا الإتجاه ، فكانوا يضيقون ذرعاً بأي إمام من معاصريهم ، لما يتمتع به من سمو المكارم ومن شخصية علمية وروحية فذّة تجتذب مختلف أوساط الاُمّة ، التي ترى في الإمام الممثل الحقيقي لسيرة السلف الصالح والمصداق الأصيل لرسالة السماء ، وعندما ترى تلك الأوساط تذمّر

32

الامام في مواقفه تجاه السلطة وعدم رضاه عنها تزداد تمسكاً به ، ومن هنا يبرز تخوف السلطة من الانقلاب على نظامها لمصلحة خط الإمامة ، الأمر الذي تحرص معه على ربط الإمام بالجهاز الحاكم وتقريبه بشتى الوسائل ؛ كالسجن كما فعل الرشيد مع الإمام الكاظم (عليه السلام) ، أو ولاية العهد كما فعل المأمون مع الإمام الرضا (عليه السلام) ، أو الحجز والحصار كما فعل العباسيون من المعتصم إلى المعتمد مع الإمام الجواد والهادي والعسكري (عليه السلام) وذلك لدوام مراقبة الإمام وتحديد حركته وفصله عن أتباعه ومواليه ومحبّيه المؤمنين بمرجعيته الفكرية والروحية.

لقد رافق الإمام العسكري (عليه السلام) أباه في رحلته المضيقة من المدينة المنورة إلى سامراء ولمّا يزل صبياً ، وذلك حينما استُدعي الإمام الهادي (عليه السلام) من قبل المتوكل إلى عاصمة البلاط العباسي انذاك ، ليكون محجوزاً ومراقباً ومعزولاً عن قاعدته العريضة ، وبعد أن وافاه الأجل في سنة ( 254 ه‍ ) استمرّ العباسيون بسياستهم تلك تجاه الإمام العسكري (عليه السلام) وكما يلي :

أولاً : مراقبة الإمام (عليه السلام) وفرض الإقامة الجبرية عليه

فرض العباسيون المعاصرون للإمام العسكري (عليه السلام) الإقامة الجبرية عليه كما فرضوها على أبيه (عليه السلام) ، وعملوا على الحد من حرية حركته ، سوى أنّهم أوجبوا عليه أن يركب إلى دار الخلافة في كلّ اثنين وخميس (1) ، لكفكفة نشاطاته وليكون تحت مرآى ومسمع الخليفة وجهازه الحاكم.

ولم يكن الركوب إلى دار السلطان برضا الإمام (عليه السلام) كما لم يكن طريقه إليه مأموناً ، فقد جاء في الرواية عن أبي الحسن الموسوي الخيبري قال : « حدثني

____________

(1) المناقب لابن شهر آشوب 4 : 466 ، الغيبة / الشيخ الطوسي : 215 / 179.

33

أبي ، أنه كان يغشي أبا محمد (عليه السلام) بسرّ من رأى كثيراً ، وأنه أتاه يوماً فوجده وقد قدّمت إليه دابته ليركب إلى دار السلطان ، وهو متغير اللون من الغضب ، وكان يجيئه رجل من العامة ، فإذا ركب دعا له وجاء بأشياء يشنّع بها عليه ، فكان (عليه السلام) يكره ذلك ... » (1).

أمّا موقف الإمام العسكري (عليه السلام) إزاء الملاحقة والمحاصرة والمراقبة التي فرضتها السلطة لتقييد تحركاته وشلّ عمله العلمي والحيلولة دون أداء دوره القيادي تجاه قواعده المؤمنة به ، هو إحاطة أعماله بالسرية والكتمان والحيطة إلا بالمقدار الذي تسمح به الظروف ، كما سار على نهج أبيه الإمام أبي الحسن الهادي (عليه السلام) الذي عانى من الحصار والرقابة أيضاً في اتخاذ الوكلاء والقوّام الثقات الذين يمثّلون خط الإمامة الأصيل في أطراف البلاد الشاسعة ، ليكون الإمام (عليه السلام) قادراً على ممارسة دوره في نشر الوعي الديني والعقائدي ، والحفاظ على مفاهيم الرسالة والقيم الاسلامية المقدسة ، والاتصال مع قواعده الشعبية في ظل تلك الظروف العصيبة.

ومن هنا كانت له (عليه السلام) امتدادات واسعة في المواقع الاسلامية ، ويدل على ذلك عملية تنظيم الوكلاء والقوّام ، إذ كان له وكيل في كلّ منطقة له فيها أتباع وشيعة يأتمرون بأمره وينضوون تحت ولايته ، وكانوا يتصلون به (عليه السلام) عن طريق المراسلة أو المكاتبة ، ويجيبهم عن طريق التواقيع الصادرة عنه ، ومن خلالها يمارس أيضاً عملية عزل شخص أو تعيين آخر مكانه ، ويعطي سائر إرشاداته

____________

(1) الغيبة للشيخ الطوسي : 206 / 174 ـ مؤسسة المعارف الاسلامية ـ قم ـ 1417 ه‍ ، بحار الأنوار 50 : 276 / 50.

34

لهذا وذلك من أصحابه.

وكان (عليه السلام) يتبع أقصى إجراءات الحذر والاحتراز في إيصال تلك التواقيع إلى أصحابه ومن بين تلك الاجراءات أنه كان يضع بعض كتبه في خشبة مدورة طويلة ملء الكف كأنّها ( رِجل باب ) ليرسلها إلى العمري (1).

وكان أصحابه أيضاً يدققون في خطّه ويأخذون منه نسخةً لكي لا يقعوا في محذور التزوير ، قال أحمد بن إسحاق : « دخلت إلى أبي محمد (عليه السلام) فسألته أن يكتب لأنظر إلى خطّه فأعرفه إذا ورد ، فقال :

نعم. ثمّ قال : يا أحمد ، إن الخط سيختلف عليك ما بين القلم الغليظ والقلم الدقيق فلا تشكّن

، ثم دعا بالدواة » (2).

وكان الوكلاء والقيّمون يحتاطون كثيراً في أيصال المال إلى الإمام (عليه السلام) وفي حمل مكاتباته وتواقيعه ، فتجد أوثق وكلائه وأعظمهم شأناً عثمان بن سعيد العمري السمان ، يتجر بالسمن تغطيةً على هذا الأمر يعني على نشاطه في مصلحة الأئمة (عليه السلام) ـ وكان الشيعة إذا حملوا إلى أبي محمد (عليه السلام) ما يجب عليهم حمله من الأموال أنفذوا إلى أبي عمرو ، فيجعله في جراب السمن وزقاقه ، ويحمله إلى أبي محمد (عليه السلام) تقيةً وخوفاً (3).

إن المتتبع لدراسة حياة الإمامين العسكريين (عليهما السلام) يرىٰ أن المكاتيب

____________

(1) راجع الرواية في مناقب ابن شهر آشوب 4 : 460.

(2) المناقب لابن شهر آشوب 4 : 466 ، بحار الأنوار 50 : 286.

(3) الغيبة الطوسي : 354 / 314.

35

والتواقيع قد اتخذت حيزاً واسعاً من مساحة تراثهما (1) ، كما يتبين له دورها في تعميق الوعي الاسلامي الأصيل ، وتعزيز مبادي مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ، والتمهيد لغيبة ولده الحجة (عليه السلام) من بعده ، فضلاً عن المزيد من المكاتبات المتعلقة بالأبواب الفقهية والمسائل الشرعية المبثوثة في كتب الفقه والمجاميع الحديثية ، وكان للوكلاء دور رئيسي في إيصالها من وإلى الإمام (عليه السلام).

ومن بين وكلاء الإمام العسكري (عليه السلام) : إبراهيم بن عبدة النيسابوري (2) ، وأيوب بن نوح بن دراج النخعي (3) ، وجعفر بن سهيل الصيقل (4) ، وحفص بن عمرو العمري المعروف بالجمال (5) ، وعلي بن جعفر الهمّاني البركمي (6) ، والقاسم

____________

(1) راجع مجلد الثاني من كتاب ( معادن الحكمة في مكاتيب الأئمة (عليهم السلام) ) للمولى محمد علم الهدي ابن الفيض الكاشاني ، المتوفى سنة 1115 ه‍ ، مكتبة الصدوق ـ طهران ـ وبالنظر لكثرة التواقيع والمكاتبات فقد اتخذت مادة للتأليف ، فألف عبد الله بن جعفر الحميري كتاب ( مسائل الرجال ومكاتباتهم أبا الحسن الثالث (عليه السلام) ) وكتاب ( مسائل لأبي الحسن على يد محمد بن عثمان العمري ) و ( مسائل أبي محمد وتوقيعات ). وألف علي بن جعفر الهمّاني مسائل لأبي الحسن (عليه السلام). راجع : رجال النجاشي : 220 / 573 ترجمة محمد بن جعفر الحميري ، نشر جماعة المدرسين ـ قم ـ 1416 ه‍ ومعجم رجال الحديث للسيد الخوئي 11 : 293 / 7968 ـ ترجمة علي بن جعفر الهماني ـ دار الزهراء ـ بيروت ـ 1403 ه‍.

(2) معجم رجال الحديث 1 : 250 / 205.

(3) رجال النجاشي : 102 / 254.

(4) معجم رجال الحديث 4 : 73 / 2169.

(5) معجم رجال الحديث 6 : 144 / 3800.

(6) معجم رجال الحديث 11 : 293 / 7968.

36

ابن العلاء الهمداني (1) ، وأبو عمرو عثمان بن سعيد العمري ابنه محمد ، اللذان قال فيهما الإمام العسكري (عليه السلام) على ما رواه أحمد بن إسحاق عنه (عليه السلام) :

« العمري وابنه ثقتان فما أديّا فعنّي يؤدّيان ، وما قالا فعنّي يقولان ، فاسمع لهما وأطعهما ، فإنّهما الثقتان المأمونان »

(2). ومنهم أيضاً محمد بن أحمد بن جعفر القمي (3) ، ومحمد بن صالح بن محمد الهمداني (4) ، وغيرهم.

من هنا يتضح أن المراقبة والحصار والإقامة الجبرية وغيرها من الممارسات لم تقطع الإمام (عليه السلام) بشكل كلّي عن المناطق التي يتملك فيها أتباعاً وجماهير تدين بإمامته وتؤمن بمرجعيته ، بل استطاع أن يكسر بعض حاجز الحصار والاحتجاب القسري بالمكاتبة والوكلاء ، وأتاح له هذا الأسلوب أن يمهّد ذهنية شيعته كي تتقبل أمر الغيبة دون مضاعفات وتداعيات قد تكون غير محمودة لولا هذا التمهيد.

ثانياً : إيداعه (عليه السلام) السجن

تعرّض الإمام العسكري (عليه السلام) خلال خلافة المعتز والمهتدي والمعتمد إلى السجن أكثر من مرة ، وكانوا يوكلون به أشخاصاً من ذوي الغلظة على آل أبي طالب والعداء لأهل البيت (عليه السلام) من أمثال : علي بن اوتامش (5) ، وأقتامش (6) ،

____________

(1) راجع : مصباح المجتهد للشيخ الطوسي : 826 ـ أعمال شعبان ـ بيروت ـ مؤسسة فقه الشيعة ـ 1411 ه‍.

(2) الغيبة للشيخ الطوسي : 360 / 322.

(3) معجم رجال الحديث 14 : 318 / 10080.

(4) معجم رجال الحديث 16 : 184 / 10967.

(5) في بعض المصادر : بارمش أو نارمش.

(6) راجع : أصول الكافي / للشيخ الكليني 1 : 508 / 8 باب مولد أبي محمد الحسن

37

ونحرير (1) ، وعلي بن جرين ، وكان المعتمد يسأل علي بن جرين عن أخباره (عليه السلام) في كلّ مكان ووقت ، فيخبره أنه يصوم النهار ويصلي الليل (2) ، كما كان العباسيون يدخلون على بعض مسؤولي السجن ومنهم صالح بن وصيف ، فيوصونه بأن يضيق عليه ويؤذيه (3).

وكانوا لا يفارقونه حتى في الاعتقال حيث كانت الرقابة السرية تطارده وأصحابه بدسّ الجواسيس بين أصحابه في السجن ، وكان أحدهم يدّعي أنه علوي وهو جُمحي ، وقد هيّأ كتاباً جعله في طيات ثيابه كتبه إلى السلطان يخبره بما يقولون ويفعلون (4).

ويصف أبو يعقوب إسحاق بن أبان طريقة حراسة السجن الذي يودع فيه الإمام (عليه السلام) ومراقبته الصارمة بقوله : « إن الموكلين به لا يفارقون باب الموضع الذي حبس فيه (عليه السلام) بالليل والنهار ، وكان يُعزَل الموكلون ويولّى آخرون بعد أن

____________

بن علي من كتاب الحجة ـ دار الأضواء ـ بيروت ـ 1405 ه‍ ، الإرشاد للشيخ المفيد 2 : 329 ـ مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) ـ قم ـ 1413 ه‍ ، المناقب لابن شهر آشوب 4 : 462.

(1) راجع : أصول الكافي 1 : 513 / 26 من الباب السابق ، الإرشاد 2 : 334.

(2) إثبات الوصية / المسعودي : 253 ـ انصاريان ـ قم ـ 1417 ه‍ ، مهج الدعوات / السيد ابن طاووس : 343 ، بحار الأنوار 50 : 314.

(3) أصول الكافي 1 : 512 / 23 من الباب السابق ، الإرشاد 2 : 334 ، المناقب لابن شهر آشوب 4 : 462.

(4) المناقب لابن شهر آشوب 4 : 470 ، إعلام الورى 2 : 141 ، الخرائج والجرائح لقطب الدين الراوندي 2 : 682 / 1 و 2 ـ مدرسة الإمام المهدي (عليه السلام) ـ قم ، بحار الأنوار 50 : 54 / 10 و 312 / 10.

38

تجدّد عليهم الوصية بحفظه والتوفّر على ملازمة بابه » (1).

أما موقف الإمام (عليه السلام) من السجن والسجانين ، فهو إقامة الحجة الواضحة عليهم عن طريق أفعاله وزهده وعبادته وصلاحه ، وقد استطاع من خلال هذا الأسلوب أن يفرض هيبته على غالبيتهم ، حتى أن بعضهم يرتعد خوفاً وفزعاً بمجرد أن ينظر إليه ، قال بعض الأتراك الموكلون به حينما كان في سجن صالح بن وصيف : « ما نقول في رجل يصوم النهار ويقوم الليل كلّه ، ولا يتكلم ولا يتشاغل بغير العبادة ، فإذا نظر إلينا ارتعدت فرائصنا وداخلنا ما لا نملكه من أنفسنا » (2).

وحينما حلّ في سجن علي بن أوتامش ، وكان شديد العداوة لآل البيت (عليهم السلام) غليظاً على آل أبي طالب ، فضلاً عن أنه اُوصي من قبل السلطة بأن يفعل به ويفعل على ما جاء في الرواية ، لكنه تأثر بهدي الإمام (عليه السلام) ومكارم أخلاقه ، فوضع خده على الأرض تواضعاً له ، وكان لا يرفع بصره إليه اجلالاً وإعظاماً ، وخرج من عنده وهو أحسن الناس بصيرة واحسنهم فيه قولاً (3).

وحينما أوصى العباسيون صالح بن وصيف عندما حبس أبو محمد الحسن العسكري (عليه السلام) عنده بأن يضيق عليه ، قال لهم صالح وهو يعلن اعتذاره وعجزه عن هذا الأمر : « ما أصنع به وقد وكلت به رجلين من شرّ من قدرت عليه ، فقد

____________

(1) بحار الأنوار 50 : 304 / 80 عن عيون المعجزات.

(2) الكافي 1 : 512 / 23 من الباب السابق ، الإرشاد 2 : 334.

(3) الكافي 1 : 508 / 8 من الباب المتقدم ، الإرشاد 2 : 329.

39

صاروا من العبادة والصلاة والصيام إلى أمر عظيم » (1).

ثالثاً : ملاحقة شيعته ومواليه

طاردت السلطة شيعة الإمام باعتبارهم قاعدته ، ولاحقت أصحابه ورواد مدرسته باعتبارهم عمقة القادر على التأثير والاستقطاب ، وتعرضوا للسجن والتشريد والقتل ، وكانوا يعرضون على السيف لمجرد اعتقادهم بإمامته بشهادة أبرز وزراء البلاط آنذاك ، وهو عبيد الله بن يحيىٰ بن خاقان ، فقد روى عنه ابنه وهو أحمد بن عبيد الله الذي كان يتولى الضياع والخراج في قم أنه قال : « لما دفن ( الامام العسكري (عليه السلام) ) جاء جعفر بن علي أخوه إلى أبي ( عبيد الله بن خاقان ) فقال : اجعل لي مرتبة أخي وأنا أوصل إليك في كلّ سنة عشرين ألف دينار ، فزبره أبي وقال له : يا أحمق ، إن السلطان جرّد سيفه في الذين زعموا أن أباك وأخاك أئمة ليردهم عن ذلك فلم يتهيأ له ذلك » (2).

وفي ربيع الأول سنة 254 ه‍ قتلوا الكثير من أصحاب الأئمة وشيعتهم في قم التي تشكل قاعدة مهمة من قواعد الإمام (عليه السلام) ، فقد نقل المؤرخون أنّ مفلحاً وباجور أوقعا بأهل قم في هذه السنة فقتلا منهم مقتلة عظيمة (3).

وكان بعض الأصحاب يكتبون إلى الإمام (عليه السلام) مستغيثين من ضيق الحبس

____________

(1) الكافي 1 : 512 / 23 من الباب المتقدم ، الإرشاد 2 : 334.

(2) أصول الكافي 1 : 505 / 1 من الباب المتقدم ، الإرشاد 2 : 324.

(3) تاريخ الطبري 9 : 381 ، الكامل في التاريخ 6 : 196. حوادث سنة 254 ه‍.

40

وثقل الحديد (1) ، وقسوة العمال وظلمهم (2) ، والفقر وقلّة ذات اليد (3) ، فيهرع (عليه السلام) إلى سلاح الأنبياء ليعينهم بالدعاء على نوائب الدهر.

وبلغت قسوة العمال أشدّها معهم ، فكان موسى بن بغا يعاقب بألف سوط أو القتل (4) ، وللإمام (عليه السلام) دعاء طويل قنت فيه عليه لما شكاه أهل قم لظلمه وجوره ، وطلب منهم أن يقنتوا عليه كذلك (5).

وتعرّض كثير منهم للمطاردة والسجن ، وقد أشار ابن الصباغ المالكي إلى ذلك في معرض حديثه عن الخلف الحجة (عليه السلام) حيث قال : « خلّف أبو محمد الحسن من الولد ابنه الحجة القائم المنتظر لدولة الحقّ ، وكان قد أخفى مولده وستر أمره لصعوبة الوقت وشدّة طلب السلطان وتطلّبه للشيعة وحبسهم والقبض عليهم » (6).

وسجن بعضهم مع الإمام العسكري (عليه السلام) ، وكان منهم أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري ، والقاسم بن محمد العباسي ، ومحمد بن عبيد الله ، ومحمد بن

____________

(1) راجع : أصول الكافي 1 : 508 / 10 ـ باب مولد أبي محمد الحسن بن علي (عليه السلام) ـ من كتاب الحجة.

(2) المناقب لابن شهر آشوب 4 : 466.

(3) المناقب لابن شهر آشوب 4 : 468 ، كشف الغمة / الاربلي 3 : 314 ـ دار الأضواء ـ بيروت ، الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي 2 : 1083 ـ دار الحديث ـ قم ـ 1422 ه‍ ، بحار الأنوار 50 : 292 / 66.

(4) المناقب لابن شهر آشوب 4 : 460 ، بحار الأنوار 50 : 282 / 59.

(5) مهج الدعوات : 67 ، بحار الأنوار 85 : 230.

(6) الفصول المهمة 2 : 1091.

41

إبراهيم العمري ، والحسين بن محمد العقيقي (1) وغيرهم.

ولم تنته هذه المحاولات حتى بعد شهادة الإمام العسكري (عليه السلام) مسموماً سنة 260 ه‍ ، إذ تحدثت المصادر عن إلقاء حلائله وأصحابه في السجن ، وأنه جرى عليهم كلّ عظيم من اعتقال وتهديد وتصغير واستخفاف وذلّ (2).

أما موقفه (عليه السلام) مما يجري على أصحابه ، فيمكن تلخيصه في ثلاثة إتجاهات :

الاتجاه الأوّل : الدعاء على أعدائهم

وقد ذكرنا آنفاً أنه (عليه السلام) كان يرفدهم بالدعاء في أحرج الظروف وأحوجها ، ومن ذلك الدعاء الذي رواه عبد الله بن جعفر الحميري ، قال : كنت عند مولاي أبي محمد الحسن بن علي العسكري (صلوات الله عليه) ، إذ وردت إليه رقعة من الحبس من بعض مواليه ، يذكر فيها ثقل الحديد وسوء الحال وتحامل السلطان ، فكتب إليه :

« يا عبد الله ، إنّ الله (عليه السلام) يمتحن عباده ليختبر صبرهم ، فيثيبهم على ذلك ثواب الصالحين ، فعليك بالصبر ، واكتب إلى الله عزوجل رقعة وانفذها إلى مشهد الحسين بن علي (صلوات الله عليه) ، وارفعها عنده إلى الله عزوجل ، وادفعها حيث لا يراك أحد ، واكتب في الرقعة »ثم أورد دعاءً طويلاً كان منه قوله (عليه السلام) : « اللهم إني قصدت بابك ، ونزلت بفنائك ، واعتصمت بحبلك ، واستغثت بك ، واستجرت بك ، يا غياث المستغيثين أغثني ، يا جارالمستجيرين أجرني ، يا إله العاملين خذ بيدي ، إنّه قد علا الجبابرة في

____________

(1) راجع : الغيبة للشيخ الطوسي : 227 / 194 ، الفصول المهمة 2 : 1084 ، بحار الأنوار 50 : 306 / 2 و 312 / 10.

(2) راجع : الإرشاد 2 : 336.

42

أرضك ، وظهروا في بلادك ، واتخذوا أهل دينك خولاً ، واستأثروا بفيء المسلمين ، ومنعوا ذوي الحقوق حقوقهم التي جعلتها لهم ، وصرفوها في الملاهي والمعازف ، واستصغروا آلاءك ، وكذّبوا أولياءك ، وتسلطوا بجبريّتهم ليعزّوا من أذللت ، ويذلّوا من أعززت ، واحتجبوا عمّن يسألهم حاجة ، أو من ينتجع منهم فائدة

... » (1).

وفي هذا الدعاء يشير الإمام العسكري (عليه السلام) إلى مظاهر الفوضى والفساد والظلم التي طبعت الحياة السياسية آنذاك ، فذكر استئثار رجالات السلطة بفيء المسلمين ، ومنعهم ذوي الحقوق حقوقهم التي جعلها الله لهم ، وتبديدها في أسباب اللهو على حساب فقر الفقراء والمصالح التي تفوت بذلك.

ومن دعاء طويل له (عليه السلام) على موسى بن بغا الذي شكاه أهل قم لجوره وظلمه ، قال (عليه السلام) :

« اللّهم وقد شملنا زيغ الفتن ، واستولت علينا غشوة الحيرة ، وقارعنا الذل والصغار ، وحكم علينا غير المأمونين في دينك ، وابتزّ اُمورنا معادن الاُبنَ

(2) ممّن عطّل حكمك ، وسعى في اتلاف عبادك ، وإفساد بلادك.

اللّهم وقد عاد فيئنا دولة بعد القسمة ، وإمارتنا غلبة بعد المشورة ، وعدنا ميراثاً بعد الاختيار للاُمّة ، فاشتريت الملاهي والمعازف بسمهم اليتيم

____________

(1) بحار الأنوار / المجلسي 102 : 238 / 5 عن الكتاب العتيق للغروي ـ المكتبة الاسلامية.

(2) الاُبَن : جمع ابنة ، الحقد والعداوة والعيب.

43

والأرملة ، وحكم في أبشار المؤمنين أهل الذمة (1) ، وولي القيام باُمورهم فاسق كلّ قبيلة ، فلا ذائد يذودهم عن هلكة ، ولا راعٍ ينظر إليهم بعين الرحمة ، ولا ذو شفقة يشبع الكبد الحرّى من مسغبة ، فهم أولو ضرع بدار مضيعة ، واُسراء مسكنة وحلفاء كآبة وذلّة

.

اللّهم وقد استحصد زرع الباطل ، وبلغ نهايته ، واستحكم عموده ، واستجمع طريده ، وخذرف وليده ، وبسق فرعه ، وضرب بجرانه ، اللّهم فأتح له من الحق يداً حاصدة تصرع قائمه ، وتهشم سوقه ، وتجبّ سنامه ، وتجدع مراغمه ، ليستخفي الباطل بقبح صورته ، ويظهر الحق بحسن حليته

... » (2).

الاتجاه الثاني : احسانه (عليه السلام) إليهم

وقد كان يأمر قوامه ووكلاءه بالتخفيف من وطأة الفقر عن كواهلهم ، ويعطي المعوزين منهم ما يرفع عنهم أسباب العوز والحاجة ، وممن شملهم بره وإحسانه أبو هاشم الجعفري ، وعلي بن إبراهيم بن موسى بن جعفر ، وأبو يوسف

____________

(1) قد يقال : إن الخلفاء في هذا العصر خصوصاً المتوكل قد فرضوا قيوداً صارمة على أهل الذمة ، لكن المتصفح لكتب التاريخ يري أنّهم يشكلون جزءاً مهماً من جيوش الخلافة ، وبعضهم كانوا ذوي مناصب عالية في الجيش ، منهم أبو العباس الوارثي النصراني ، الذي وجهه بغا إلى أرمينية. راجع : الكامل في التاريخ 6 : 116 ، ومنهم صاعد بن مخلد النصراني كاتب الموفق ووزير المعتمد. راجع : سير أعلام النبلاء 13 : 326 / 149.

(2) مهج الدعوات لابن طاوُس : 67 ـ طهران ـ 1323 ه‍ ، بحار الأنوار 85 : 229 / 1.

44

الشاعر (1) ، وغيرهم.

الاتجاه الثالث : تحذيرهم من الفتن

حيث كان (عليه السلام) يمارس دوره كقائد لمواليه وأصحابه وراعٍ لمصالحهم ومدافع عن قضاياهم في حدود فسحة ضيقة محكومة بالرقابة والضغط ، وعلى هذا الصعيد كان (عليه السلام) يحذرهم الأخطار والفتن المحدقة بهم ، ومن الوقوع في أحابيل السلطة ، ويساعدهم في إخفاء نشاطهم بحسب الإمكان ، ويهيء الجماعة الصالحة لغيبة ولده الحجة (عليه السلام) الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً.

وفي هذا الاتجاه أوصى أصحابه ان يكونوا على اُهبة من فتنةٍ تظلهم عند موت المعتز (2).

وحذرهم من الإذاعة وطلب الرئاسة مشدّداً على التقوى وأداء الأمانة ، فقد جاء في الرسالة له (عليه السلام) إلى بعض بني أسباط :

« إياك والاذاعة وطلب الرئاسة ، فإنّهما يدعوان إلى الهلكة ... واقرأ من تثق به من مواليّ السلام ، ومُرهم بتقوى الله العظيم وأداء الأمانة وأعلمهم أن المذيع علينا حرب لنا »

(3).

وأكد على الكتمان والحيطة حتى أنه (عليه السلام) قال لأحد أصحابه :

« إذا سمعت

____________

(1) راجع : أصول الكافي 1 : 506 / 3 و 507 / 10 ـ باب مولد أبي محمد الحسن بن علي (عليه السلام) ـ من كتاب الحجة ، بحار الأنوار 50 : 294 / 69.

(2) كشف الغمة 3 : 295 ، بحار الأنوار 50 : 298 / 72.

(3) كشف الغمة 3 : 293 ، بحار الأنوار 50 : 296 ـ 297.

45

لنا شاتماً فامض لسبيلك التي اُمرت بها ، وإياك أن تجاوب من يشتمنا ، أو تعرّفه من أنت ، فاننا ببلد سوء ومصر سوء »

(1).

وقال لأحد أصحابه حينما أراد أن يصرّح بإمامته (عليه السلام) :

« إنّما هو الكتمان أو القتل ، فاتق الله على نفسك » ، وفي رواية : « فابقوا على أنفسكم »

(2).

وبلغت درجة الحيطة لديه (عليه السلام) أنه أوصى بعض أصحابه أن لا يسلّم عليه أو يدنو منه ، فقد ترصّده أصحابه يوماً عند ركوبه إلى دار الخلافة ليسلموا عليه ، فخرج التوقيع منه (عليه السلام) إليهم :

« ألا لا يسلمنّ عليّ أحد ، ولا يشير إليّ بيده ، ولا يومئ ، فانكم لا تأمنون على أنفسكم »

(3).

ونادى (عليه السلام) يوماً حمزة بن محمد بن أحمد بن علي بن الحسين بن علي ، وقد أراد الاقتراب منه حينما خرج مع السلطان وأحسّ منه خلوة :

« لا تدن مني ، فإنّ عليّ عيوناً ، وأنت أيضاً خائف »

(4).

مواقف العباسيين :

لغرض استجلاء موقف السلطة من الإمام لابدّ من استعراض موقف الحاكمين من بني العباس على انفراد حسب التسلسل التاريخي ، وقد ذكرنا أن الإمام العسكري (عليه السلام) عاصر في سني إمامته ( 254 ـ 260 ه‍ ) شطراً من خلافة المعتز والمهتدي وبعض سني خلافة المعتمد ، لكنا سوف نذكر بعضاً من مواقف

____________

(1) المناقب لابن شهر آشوب 4 : 461.

(2) إثبات الوصية : 251 ، كشف الغمة 3 : 302 ، بحار الأنوار 50 : 290 / 63.

(3) الخرائج والجرائح 1 : 439 / 20 ، بحار الأنوار 50 : 269 / 24.

(4) الثاقب في المناقب / لأبي جعفر محمد بن علي الطوسي : 573 / 520 ـ دار الزهراء ـ 1411.

46

المتقدمين الذين عاصروا الإمام العسكري (عليه السلام) منذ ولادته إلى أن تسنّم الإمامة ( 232 ـ 254 ه‍ ) ومع كون هذه المدة تقع ضمن فترة إمامة أبيه (عليه السلام) لكن الإمام العسكري (عليه السلام) واكب أحداثها وعانى من آثارها وعاش شتى الصعوبات والظروف القاسية التي واجهت أباه من قبل ؛ منذ استدعائه من المدينة إلى سامراء حتى وفاته مروراً بالحصار والاقامة والاعتقال محاولات الاغتيال.

على أنه لم ينقل لنا التاريخ تفاصيل العلاقة بين الإمام (عليه السلام) وبين كلّ واحد من خلفاء عصره ، عدا أخبار اعتقاله وتنبؤاته بموت بعضهم أو قتله ، وموقف الخلفاء من الشيعة بشكل عام والطالبيين بشكل خاص الذين طالهم السجن والتشريد والقتل صبراً على يد أجهزة السلطة.

اولاً ـ المتوكل ( 232 ـ 247 ه‍ )

وهو جعفر بن المعتصم بن الرشيد ، بويع بعده وفاة أخيه الواثق في ذي الحجة سنة 232 ه‍ ، وكان عمر الإمام العسكري (عليه السلام) نحو ثمانية أشهر ونصف ، إذ ولد (عليه السلام) في الثامن من ربيع الآخر سنة 232.

إن السمة الغالبة على المتوكل هي النصب والتجاهر بالعداء لآل البيت (عليهم السلام) والحقد السافر عليهم وعلى من يمتّ لهم بصلة نسب أو ولاء ، وقد أجمع على هذا الأمر غالبية المؤرخين حتى : أولئك اعتبروه ناصراً للسنّة وشبّهوه بالصديق وعمر بن عبد العزيز.

قال السيوطي : « كان المتوكل معروفاً بالتعصب » (1).

____________

(1) تاريخ الخلفاء : 268. والظاهر أن أصل عبارة السيوطي ( بالنصب ).

47

وقال الذهبي : « كان المتوكل فيه نصب وانحراف » (1).

وقال ابن الأثير : « كان المتوكل شديد البغض لعلي بن أبي طالب ولأهل بيته ، وكان يقصد من يبلغه عنه أنه يتولى علياً وأهله بأخذ المال والدم ، وكان من جملة ندمائه عبادة المخنّث ، وكان يشدّ على بطنه تحت ثيابه مخدّة ويكشف رأسه وهو أصلع ويرقص بين يدي المتوكل ، والمغنون يغنّون ؛ قد أقبل الأصلع البطين خليفة المسلمين ، يحكي بذلك علياً (عليه السلام) والمتوكل يشرب ويضحك ...

وإنّما كان ينادمه ويجالسه جماعة قد اشتهروا بالنصب والبغض لعلي ، منهم : علي بن الجهم الشاعر الشامي من بني شامة بن لؤي ، وعمرو بن الفرج الرخجي ، وأبو السمط من ولد مروان بن أبي حفصة من موالي بني أميه ، وعبدالله بن داود الهاشمي المعروف بابن اُترجه ، وكانوا يخوّفونه من العلويين ، ويشيرون عليه بإبعادهم والإعراض عنهم والإساءة إليهم ، ثم حسّنوا له الوقيعة في أسلافهم الذين يعتقد الناس علوّ منزلتهم في الدين ، ولم يبرحوا به حتى ظهر منه ما كان ... » (2).

ولا يمكن أن يجرأ أحد من هؤلاء الذين ذكرهم ابن الأثير على النيل من أمير المؤمنين (عليه السلام) وعموم أهل البيت أمام أحد سلاطين بني العباس ، لولا علمهم المسبق بعداء ذلك ( الخليفة ) السافر لأهل البيت (عليهم السلام) وحقده المقيت عليهم ، وحرصه على تشجيع ثقافة النصب والبغض وافشائها في أوساط الناس عن طريق بعض المرتزقة من الشعراء وغيرهم.

____________

(1) سير أعلام النبلاء 12 : 35.

(2) الكامل في التاريخ 6 : 108 ـ 109.

48

روي أنّ أبا السمط مروان بن أبي الجنوب ، قال : « أنشدت المتوكل شعراً ذكرت فيه الرافضة ، فعقد لي على البحرين واليمامة ، وخلع عليّ أربع خلع ، وخلع عليّ المنتصر ، وأمر لي المتوكل بثلاثة آلاف دينار ، فنثرت عليّ ، وأمر ابنه المنتصر وسعد الايتاخي أن يلتقطاها لي ففعلا ، والشعر الذي قلته :

يرجوا التراث بنو البنا * * * ت وما لهم فيها قُلامه

والصهر ليس بـوارثٍ * * * والبنت لا ترث الامامه

ما للذين تنحلّوا * * * ميراثكـم إلا النـدامه

ليـس التراث لغيركـم * * * لا والالـه ولا كرامه

قال : ثمّ نثر عليّ بعد ذلك لشعرٍ قلته في هذا المعنى عشرة آلاف درهم » (1).

ومن هنا كان زمان المتوكل إيذاناً ببدء عهد الظلم والتعسّف على أهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم ؛ لأن المتوكل أمعن في التنكيل بهم وأسرف في القتل والحبس والحصار والتشريد وصنوف الأذي والعنت ، وفيما يلي نذكر بعض اجراءاته في هذا الإتجاه :

1 ـ استدعاء الإمام الهادي (عليه السلام) إلى سامراء وايذاؤه

كان المتوكل حريصاً على محاصرة الإمام الهادي (عليه السلام) ووضعه تحت الرقابة وعزله عن الجمهور المسلم الذي كان ينتفع به ويعظّمه وعن شيعته ومواليه في المدينة ، لهذا كتب باشخاصه مع أهل بيته ومواليه ، من مدينة جده (صلى الله عليه وآله وسلم) يثرب إلى عاصمة الملك العباسي آنذاك سامراء.

____________

(1) تاريخ الطبري 9 : 230 ، الكامل في التاريخ 6 : 140.

49

أسباب الاستدعاء

إنّما ينطلق المتوكل في كلّ مواقفه مع الإمام الهادي (عليه السلام) وشيعته من البغض الذي يكنّه لأهل بيت النبوة ، وفضلاً عن ذلك فقد ذكر المؤرخون سببين مرتبطين دفعا المتوكل إلى إشخاص الإمام (عليه السلام) إلى سامراء وهما :

السبب الأول :

هاجس الخوف الذي يراود المتوكل من انصراف الناس إلى الإمام (عليه السلام) لما علمه من إلتفاف الناس حوله في المدينة ، نقل سبط ابن الجوزي عن علماء السير قولهم : « إنّما أشخصه المتوكل إلى بغداد ، لأن المتوكل كان يبغض علياً (عليه السلام) وذريته ، فبلغه مقام علي (عليه السلام) بالمدينة ، وميل الناس إليه فخاف منه » (1).

وعبّر عن هذا المعنى أيضاً يزداد النصراني تلميذ بختيشوع طبيب البلاط ، قال : « بلغني أن الخليفة استقدمه من الحجاز فَرَقاً منه ، لئلا تنصرف إليه وجوه الناس ، فيخرج هذا الأمر عنهم ، يعني بني العباس » (2).

والإمام (عليه السلام) لم يكن في موقع الدعوة إلى الثورة ضد الخلافة العباسية ، لأن الظروف الموجودة آنذاك لم تكن تسمح بمثل هذا العمل ، وقد عرف الإمام (عليه السلام) بعد استدعائه هواجس نفس المتوكل ، فبين له أنه ليس همّه استلام السلطة ولا تنزع نفسه الكريمة إلى شيء من هذا الحطام ، وذلك حينما استعرض المتوكل جيشه بحضور الإمام (عليه السلام) وقد بلغ تسعين ألفاً من الترك ، فقال (عليه السلام) :

« نحن

____________

(1) تذكرة الخواص : 322.

(2) دلائل الإمامة / الطبري : 419 / 382 ـ مؤسسة البعثة ـ قم ـ 1413 ه‍ ، نوادر المعجزات / الطبري : 188 / 7 ـ مؤسسة الإمام المهدي (عليه السلام) ـ قم 1410 ه‍.

50

لا ننافسكم في الدنيا ، نحن مشتغلون بأمرالآخرة ، ولا عليك ممّا تظنّ »

(1).

السبب الثاني :

الدور الذي مارسه بعض الحاقدين من عمال بني العباس في الوشاية بالإمام إلى المتوكل ، ومنهم عبد الله بن محمد بن داود الهاشمي ، المعروف بابن اترجة أو بريحة (2) ، وكان يتولى ادارة الحرب والصلاة في الحرمين.

قال المسعودي : كتب بريحة ... إلى المتوكل : إن كان لك في الحرمين حاجة فاخرج علي بن محمد منها ، فإنّه قد دعا الناس إلى نفسه واتبعه خلق كثير ؛ وتابع كتبه إلى المتوكل بهذا المعنى (3).

وقال الشيخ المفيد : سعى بأبي الحسن (عليه السلام) إلى المتوكل ، وكان يقصده بالاذى(4).

وقال اليعقوبي : كتب إلى المتوكل يذكر أن قوماً يقولون إنه الإمام (5).

ومهما يكن فان أفعال الوشاة توقظ شكوك المتوكل وأحقاده وتثير توجّسه الكامن في نفسه تجاه الإمام (عليه السلام).

كتاب الاستدعاء

ذكر الشيخ المفيد أنه لما بلغ أبا الحسن (عليه السلام) سعاية عبد الله بن محمد به ، كتب إلى المتوكل يذكر تحامل عبد الله بن محمد عليه ويكذبه في ما وشى به إليه ، فتقدم

____________

(1) الخرائج والجرائح 1 : 414 / 19 ، الثاقب في المناقب : 557 ، كشف الغمة 3 : 185 ، بحار الأنوار 50 : 155 / 44.

(2) أو بريهة ، راجع : الكامل في التاريخ 6 : 245.

(3) إثبات الوصية : 233.

(4) الإرشاد 2 : 309.

(5) تاريخ اليعقوبي 2 : 484.

51

المتوكل باجابة الإمام (عليه السلام) بكتاب دعاه فيه إلى حضور العسكر على جميل الفعل والقول (1). ثم أورد نسخة الكتاب.

وكان جواب المتوكل الذي استدعى بموجبه الإمام (عليه السلام) إلى سامراء هادئاً ليناً ، تظاهر فيه بتعظيم الإمام (عليه السلام) وإكرامه ، ووعده فيه باللطف والبرّ ، وذكر فيه براءته مما نسب إليه واتهم به من التحرك ضد الدولة ، وانه أمر بعزل الوالي الذي سعى به ـ وهو عبد الله بن محمد ـ عن منصبه وولّى محلّه محمد بن الفضل ، وادّعى في آخر الكتاب أنّه مشتاق إلى الإمام (عليه السلام) ، ثم أفضى إلى بيت القصيد وهو أن يشخص الإمام (عليه السلام) إلى سامراء مع من اختار من أهل بيته ومواليه ، وأن يرافقه يحيى بن هرثمة الذي أرسله لأداء هذه المهمة على رأس الجند.

ولا يعدو كتاب المتوكل كونه مناورة حاول الالتفاف من خلالها على الإمام (عليه السلام) واحتواء نشاطه ، أو قل هو صيغة دبلوماسية من قبيل ذرّ الرماد في العيون ، إذ لم يكن المتوكل صادقاً فيما وعد ، فحينما دخل يحيى بن هرثمة المدينة فتّش دار الإمام (عليه السلام) حتى ضجّ أهل المدينة ، ولما وصل ركب الإمام (عليه السلام) إلى سامراء احتجب عنه المتوكل في اليوم الأول ، ونزل الإمام (عليه السلام) الإمام في خان الصعاليك ، وأمر بتفتيش داره في سامراء مرات عديدة ، ولم يمض مزيد من الوقت حتى عزل محمد بن الفضل وولى مكانه محمد بن الفرج الرخّجي المعروف بعدائه السافر لآل البيت (عليهم السلام) (2).

____________

(1) الإرشاد 2 : 309 ، وراجع نسخة كتاب المتوكل أيضاً في أصول الكافي 1 : 501 / 7 ، والفصول المهمة 2 : 1069.

(2) قال ابن كثير : كان المتوكل لا يولي أحداً إلا بعد مشورة الإمام أحمد ، البداية

52

ويبدوا أن المتوكل قد صاغ كتابه بصيغة الرجاء ، وكأنه ترك للإمام (عليه السلام) الخيار في الشخوص أو البقاء ، غير أنه الاكراه بعينه ، إذ أنه بعث الكتاب مع الجند وقادتهم الذي أرسلهم لأداء مهمة إشخاص الإمام ، ثمّ ( إن الإمام إن لم يذهب حيث أمره يكون قد أثبت تلك التهمة على نفسه ، وأعلن العصيان على الخلافة ، وكلاهما مما لا تقتضية سياسة الإمام ) (عليه السلام) (1).

ولعل أوضح دليل على إلزام الإمام (عليه السلام) بهذا الأمر هو تصريحه (عليه السلام) بذلك في حديث رواه المنصوري عن عم أبيه أبي موسى ، ثم قال : « قال لي يوماً الإمام علي بن محمد (عليهما السلام) :

يا أبا موسى ، اُخرجت إلى سرّ من رأى كرها

ً ... » (2).

الامام العسكري يرافق أباه (عليهما السلام)h(رضي الله عنه)}~h(رضي الله عنه)}

رافق الإمام العسكري أباه الإمام الهادي (عليهما السلام) في رحلته من المدينة إلى سامراء مع أهل بيته وبعض مواليه ، وقد اختلف في عمره (عليه السلام) حينذاك نظراً للاختلاف في تاريخ رحلة الإمام (عليه السلام).

____________

والنهاية 10 : 316 ، فان كان ذلك حقاً ، فلا أدري كيف يوافق الإمام أحمد على تولية أمثال : محمد بن الفرج الرخجي ، والد يزج الذي هدم قبر الحسين (عليه السلام) ، وأبي السمط مروان بن أبي الجنوب الذي ولاه على اليمامة والبحرين ، وابن اُترجة الذي ولاه الحرب والصلاة في الحرمين وغيرهم من النواصب ؟! فإنّ أراد المبالغة في مدح المتوكل الناصبي فقد عرّض بالإمام أحمد وأساء إليه ، وإن كان قوله حقاً فعلى أمثال الإمام أحمد العفا.

(1) تاريخ الغيبة الصغرى للسيد محمد الصدر : 107 ـ دار التعارف ـ بيروت ـ 1412 ه‍.

(2) المناقب لابن شهر آشوب 4 : 449 ، بحار الأنوار 50 : 129 / 8.

53

ذكر المسعودي أنه شخص الإمام الحسن العسكري بشخوص والده (عليهما السلام) إلى العراق في سنة 236 ه‍ وله أربع سنين وشهور (1).

وذكر الطبري أنه قدم يحيى بن هرثمة بعلي بن محمد بن علي الرضا بن موسى ابن جعفر سنة 233 ه‍ (2) ، وعليه يكون عمر الإمام العسكري (عليه السلام) نحو سنة واحدة ، وعلى ضوئه ذكر ابن كثير أن مدة إقامة الإمام الهادي (عليه السلام) في سامراء أكثر من عشرين سنة. قال في أحداث سنة 254 ه‍ ، وهي السنة التي توفي فيها الإمام الهادي (عليه السلام) : نقله المتوكل إلى سامراء ، فأقام بها أزيد من عشرين سنة بأشهر ، ومات في هذه السنة (3) ، وكذلك ذكر ابن طولون أنه (عليه السلام) أقام في سامراء عشرين سنة وتسعة أشهر (4).

أما الشيخ المفيد فقد ذكر نسخة كتاب الاستدعاء الذي كتبه المتوكل. وورد في ذيله أن كاتبه إبراهيم بن العباس كتبه في سنة 243 ه‍ (5). وأكّد هذا التاريخ باعتبار أن مقام الإمام الهادي (عليه السلام) في سامراء إلى أن قُبض عشر سنين وأشهراً (6). وعليه يكون عمر الإمام العسكري (عليه السلام) عندما غادر المدينة أحد عشرسنة وبضعة شهور.

ويبدو أن الشيخ المفيد استفاد من رواية الكافي لنسخة كتاب المتوكل ،

____________

(1) إثبات الوصية / المسعودي : 244.

(2) تاريخ الطبري 9 : 163 ـ حوادث سنة 233 ه‍.

(3) البداية والنهاية 11 : 15 ـ حوادث سنة 254 ه‍.

(4) الأئمة الاثنا عشر (عليهم السلام) / لابن طولون : 109 و 113 ـ بيروت ـ دار صادر.

(5) الإرشاد 2 : 310.

(6) الإرشاد 2 : 312.

54

والتي ورد فيها اسم كاتب المتوكل ( إبراهيم بن العباس ) في ذيل الكتاب إلا أنه يخلو من التاريخ ، لكن جاء في أول رواية الكافي ما يلي : عن محمد بن يحيى ، عن بعض أصحابنا ، قال : أخذت نسخة كتاب المتوكل إلى أبي الحسن الثالث من يحيى بن هرثمة في سنة 243 ه‍ (1) ، وواضح أن هذا هو تاريخ أخذ نسخة الكتاب لا تاريخ كتابته ، ويؤيده أن ابن هرثمة هو الذي أخذ الكتاب إلى المدينة لاستدعاء الإمام (عليه السلام) إلى سامراء ، فكيف تؤخذ نسخة الكتاب منه قبل إنهاء مهمته ؟!

ورجّح السيد محمد الصدر أن تاريخ الرحلة كان سنة 234 ه‍ ، وإذا صحّ ذلك فسيكون عمر الإمام العسكري (عليه السلام) حينما غادر المدينة نحو سنتين ، وترجيحه مبنياً على اعتبارين ؛ الأول : ما ذكره ابن شهر آشوب من أن مدة مقام الإمام الهادي (عليه السلام) في سامراء من حين دخوله إلى وفاته عشرون سنة (2) ، فإذا كانت وفاته 254 ه‍ ، تكون سفرته سنة 234 ه‍ ، الثاني : كون هذا التاريخ أنسب بالاعتبار السياسي ، لأنه بعد مجيء المتوكل إلى الخلافة بعامين ، فيكون المتوكل قد طبّق منهجه في الرقابة على الإمام (عليه السلام) في الأعوام الاولى من خلافته ، بخلاف رواية المفيد التي تبعد بالتاريخ عن استخلاف المتوكل أحد عشر عاماً (3).

____________

(1) أصول الكافي 1 : 501 / 7 ـ باب مولد أبي الحسن علي بن محمد (عليهما السلام) من كتاب الحجة.

(2) المناقب لابن شهر آشوب 4 : 433.

(3) تاريخ الغيبة الصغري 2 : 107 ـ 108.