الرافد في علم الأصول

- السيد منير الخباز المزيد...
350 /
7

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين واللعنة الدائمة على اعدائهم اجمعين.

إن هذه البحوث الأصولية المستفادة من نمير سيدنا الأستاذ السيد علي السيستاني ـ دام عطاؤه ـ تمثل الملامح العامة للفكر الأصولي ، من خلال عرض مسيرته التاريخية ومراحله التكاملية ، وتحليل علاقته بالعلوم الأخرى ، وبيان محور أبحاثه ونظرياته ، وطرح بعض المسائل الشاهدة على مستواه عند المدرسة الإمامية في العمق والدقة وصفاء الذوق ، مع استعراض المناهج المقترحة في طريقة تنظيمه وتبويبه في اطار التناسب مع العلوم الأخرى وعلاقته بها.

وتتلخص هذه البحوث في عشرة هي :

الأول :

أهمية علم الأصول في المدرسة الإمامية.

الثاني :

الأدوار التطورية التي قطعها أثناء مسيرته الصاعدة.

الثالث :

علاقته بعلم الفقه والأدب والفلسفة.

الرابع :

المنهج المختار في طريقة تنظيمه وترتيبه.

8

الخامس :

ألوان الاسناد الحقيقي والمجازي.

السادس :

موضوع علم الأصول.

السابع :

ميزان المسألة الأصولية.

الثامن :

حقيقة الوضع.

التاسع :

مسألة استعمال اللفظ في عدة معاني.

العاشر :

المشتق.

وقد قمت بصياغتها وتحريرها بالأسلوب المنسجم ـ في اعتقادي ـ مع الاتجاه الأصولي المتجدد عند السيد الأستاذ دام فضله.

فما فيها من محاسن فهو غيض من فيض المعرفة لدى سماحته ، وما فيها من قصور ـ والكمال لله وحده ـ فهو من سوء الصياغة والغفلة وزلل القلم.

أسال الله تعالى أن ينفع بها طلاب المعرفة وان يؤتينا ثواب الانتفاع بها انه جواد كريم.

السيد منير السيد عدنان القطيفي

17 / 3 / 1414 ه‍

القطيف المحروسة

9

المبحث الأول

علم الأصول عند المدرسة الإمامية

اختلفت المدرستان ـ مدرسة المحدثين ومدرسة الاصوليين ـ في قيمة علم الأصول عند علماء الإمامية ومدى اهتمامهم به على مدى التاريخ الفقهي ، ونحن لا نريد الخوض في هذا البحث بتمام فصوله ، لعدم ارتباطه بهدفنا وهو تقديم أطروحتنا العامة في علم الأصول ، ولكن من باب التمهيد للدخول في صميم البحوث الأصولية نستعرض بعض الجوانب المفيدة في تجلية واقع علم الأصول وأهميته التاريخية والفعلية بالنسبة للفقيه ، ونبدأ ذلك بعرض عبارات من كتاب هداية الأبرار للكركي نقلاً عن القطيفي (1) ـ أحد مشائخ صاحب الوسائل ـ قال : « فاعلم أن علم الأصول ملفق من علوم عدة ومسائل متفرقة بعضها حق وبعضها باطل ، وضعه العامة لقلة السنن عندهم الدالة على الأحكام » ، وقال : « ولم يكن للشيعة في أصول الفقه تأليف لعدم احتياجهم إليه ، لوجود كل ما لا بد منه من ضروريات الدين ونظرياته في الأصول المنقولة عن أئمة الهدى ، إلى أن جاء ابن الجنيد فنظر في أصول العامة وأخذ عنهم وألف الكتب على ذلك المنوال حتى أنه عمل بالقياس ». وهذا الكلام ينحل لثلاث دعاوى :

1 ـ إنكار استقلالية علم الأصول ، بل هو بنظره مجموعة من المسائل الملفقة.

2 ـ إن الواضع الأول لعلم الأصول هم العامة ، وأول من ألف فيه من

____________

(1) هداية الابرار 233 و 234.

10

الشيعة ابن الجنيد حتى أنه عمل بالقياس.

3 ـ الإستغناء عن علم الأصول ، لوجود ضروريات الدين ونظرياته في أحاديث الأئمة (عليهم السلام).

الدعوى الأولى ونقاشها :

من الواضح ان كثيراً من المسائل المطروحة في علم الأصول لا مناسبة بينها وبين علم آخر ، فبحث تعارض الأدلة الشرعية وطرق علاجه ، وبحوث حجية الطرق والأمارات كخبر الواحد والشهرة والإجماع ، وبحث الظن الإنسدادي ، وموارد الأصول اللفظية كبحث تعارض العام والخاص والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ ، كل هذه البحوث لا علاقة لها بعلم اللغة ولا بعلم الفقه ولا بعلم الرجال ولا غيرها من العلوم ، لأنها تتعلق بحجية الدليل الفقهي الذي هو مناط أصولية المسألة ، فالمناسب لها هو علم الأصول. ومجرد وجود بعض المسائل اللغوية في علم الأصول كبحث الوضع والاستعمال وعلامات الحقيقة والمجاز مما ذكر تمهيداً لبعض البحوث الأصولية ، وكذلك بعض البحوث الكلامية والفلسفية كبحث اتحاد الطلب والإرادة وبحث اعتبارات الماهية في المطلق والمقيد مما ذكر تمهيداً لبعض البحوث الأصولية أو استطراداً ، فهذه لا تخرج تلك المسائل السابقة عن كونها مسائل أصولية وكون العلم المشتمل عليها علماً مستقلاً برأسه ، ما دام مناط المسألة الأصولية موجوداً فيها كما سيأتي تحقيقه.

الدعوى الثانية وجوابها :

ونذكر هنا أمرين :

1 ـ إن أول مؤلَّف لمدرسة أهل السنة في علم الأصول هو رسالة الشافعي ، وفي تلك الفترة كتب الشيعة رسائل مختلفة في علم الأصول أيضاً ، فقد كتب ابن أبي عمير ـ المتوفى عام 217 ه‍ ـ ويونس بن عبدالرحمن ـ المتوفى عام 208 ه‍ ـ في علاج الحديثين المختلفين ، وكتبا أيضاً في العام والخاص

11

والناسخ والمنسوخ كما يلاحظ عند مراجعة تراجمهم في كتب الرجال ، وليس الشافعي أقدم منهما زماناً ، فقد ولد عام 150 ه‍ بعد وفاة الصادق (عليه السلام) بينما يونس بن عبدالرحمن ادرك الصادق (عليه السلام) وتوفي الشافعي عام 204 ه‍ مقارباً لوقت وفاة يونس بن عبدالرحمن ، فلم يثبت أن الواضع الأول لعلم الأصول هو مدرسة أهل السنة ، بل الشيعة كتبت في علم الأصول في نفس الفترة الزمنية لولادته عند أهل السنة ، ثم جاء أبو سهل النوبختي وكتب رسالتين : احداهما في بطلان القياس والعمل بخبر الواحد ، والأخرى في مناقشة رسالة الشافعي ، ثم توسع علم الأصول على يد ابن الجنيد والمفيد والمرتضى في الذريعة والطوسي في العدة ، وبذلك يتبين لنا أيضاً عدم كون ابن الجنيد هو أول مؤلف شيعي في علم الأصول.

2 ـ إن نسبة العمل بالقياس لابن الجنيد وردت في عدة كتب ولكننا نحتمل أن تكون النسبة في غير محلها بمقتضى تتبعنا لاستعمال كلمة القياس ، فلعل المراد بهذه الكلمة هو ما نعبر عنه بالموافقة الروحية للكتاب والسنة.

بيان ذلك : إن معظم الأصوليين المتأخرين فسروا الأحاديث الآمرة بعرض الخبرعلى الكتاب والسنة نحو: « ما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف فذروه » (1) بالموافقة والمخالفة النصية ، بمعنى أن يعرض الخبر على آية قرانية معينة فإن كانت النسبة بينهما هي التباين أو العموم من وجه طرح الخبر ، وإن كانت النسبة هي التساوي أو العموم المطلق أخذ ، ولكننا نفهم أن المراد بالموافقة الموافقة الروحية أي توافق مضمون الحديث مع الأصول الإسلامية العامة المستفادة من الكتاب والسنة ، فإذا كان الخبر مثلاً ظاهره الجبر فهو مرفوض لمخالفته قاعدة الأمر بين الأمرين المستفادة من الكتاب والسنة بدون

____________

(1) البحار 2 : 235 / 20 ، الوسائل 27 : 118 / 33362.

12

مقارنته مع آية معينة ، وهذا المفهوم الذي نطرحه هو الذي يعبر عنه علماء الحديث المتأخرون بالنقد الداخلي للخبر ، أي مقارنة مضمونه مع الأصول العامة والأهداف الإسلامية ، وهو المعبر عنه في النصوص بالقياس ، نحو: « فقسه على كتاب الله » (1) ، إذن فمن المحتمل كون المراد من عمل ابن الجنيد بالقياس هو كونه من المدرسة المتشددة في قبول الحديث التي تلتزم بنظرية النقد الداخلي للحديث والموافقة الروحية فيه للكتاب والسنة ، في مقابل مدرسة المحدثين التي تعتقد بقطعية صدور أكثر الأحاديث دون مقارنتها مع الأصول الإسلامية ، ومما يؤيد ما ذكرناه نسبة العمل بالقياس لأعاظم الإمامية كما في رجال السيد بحر العلوم (2) ، قال : « فقد ذكر السيد المرتضى في رسالة له في أخبار الأحاد أنه قد كان في رواتنا ونقلة أحاديثنا من يقول بالقياس ، كالفضل بن شاذان ويونس بن عبدالرحمن وجماعة معروفين ». وقال في كشف القناع (3) : « وحكى ـ الصدوق ـ في مواضع متفرقة عن جماعة من اساطينهم العمل بالقياس ، وفيهم من الأوائل مثل زرارة بن اعين وجميل بن دراج وعبدالله بن بكير». ولا يتصورفي حق هؤلاء الأعاظم العمل بالقياس الفقهي مما يشير إلى أن المقصود بالقياس هو التشدد في قبول الحديث بالعمل بنظرية النقد الداخلي ، ويؤيده ما حكاه المحقق (4) في المعارج ، قال : « المسألة السادسة : قال شيخنا المفيد : خبر الواحد القاطع للعذر هو الذي يقرن بدليل يفضي بالنظر فيه إلى العلم ، وربما يكون ذلك إجماعاً أوشاهداً من عقل أو حاكماً من قياس ».

____________

(1) الوسائل 27 : 123 / 33381 ، البحار 2 : 244 / 52.

(2) رجال السيد بحر العلوم 3 : 215.

(3) كشف القناع : 83.

(4) معارج الأصول : 187.

13

الدعوى الثالثة وجوابها :

ونقدم هنا ملاحظتين :

أ ـ إن وجود القواعد الشرعية في روايات أهل بيت العصمة (عليهم السلام) لا يلغي علم الأصول ، فإن استفادة القاعدة والحكم من الحديث يتوقف على عدة عناصر أصولية ، منها تحقيق الظهور من خلال مباحث الألفاظ المطروحة في علم الأصول كالبحث في الأوامر والنواهي والمفاهيم والعام والخاص والمطلق والمقيد ، ومنها الإعتراف بكبرى حجية الظهور ، ومنها الاعتراف بحجية خبر الثقة ، ومنها إجراء قواعد التعارض لو كان للنص معارض ، وهذه العناصر كلها مدونة في علم واحد هو علم الأصول ، فمجرد وجود القواعد والأحكام في النصوص المعصومية لا يلغي الحاجة لعلم الأصول.

ب ـ إن وجود القواعد الأصولية نفسها في النصوص والروايات ، كالروايات الدالة على حجية خبر الثقة ، وعدم حجية القياس ، وحجية أصالة البراءة والإستصحاب ، وقواعد التعارض ، لا يلغي قيمة علم الأصول بل يؤكد لنا انبثاق هذا العلم من منبعه الصافي وهم أهل البيت (عليهم السلام) لا من المدارس الأخرى كما ذكر بعض المحدثين. فوجود هذه المسائل الأصولية في النصوص كوجود بعض البحوث الأصولية في ضمن البحوث الفقهية ، نحو ما ذكره الكليني في الكافي في كتاب الطلاق عن الفضل بن شاذان انه استدل على بطلان بعض صور الطلاق بأن النهي يقتضي الفساد (1) ، وهي قاعدة أصولية ، كذلك ما صنعه صاحب الحدائق عندما بحث حجية الإجماع ضمن حديثه عن صلاة الجمعة (2) ، كل ذلك لا يلغي أهمية علم الأصول واستقلاليته عن لغيره من

____________

(1) الكافي 6 : 93 / 945.

(2) الحدائق الناضرة 9 : 361.

14

العلوم ، فإن ميزان المسألة الأصولية كونها باحثة عن حجية الدليل الفقهي ، سواءاً ذكرت بصورة مستقلة ، أم في ضمن كتب الحديث ، أو ضمن كتب الفقه ، ومن طبيعة كل علم تكامله على نحو التدريج لا الدفعة الواحدة ، كما في علم المنطق حيث ذكر الشيخ الرئيس في الشفاء بأن أرسطو ما وضع علم المنطق وإنّما اكمل ما وصل إليه من هذا العلم (1) فكون بعض مسائل علم الأصول كانت متفرقة في علوم أخرى ثم اجتمعت بصورة تدريجية لاشتراكها في هدف واحد تحت علم واحد يسمى بعلم الأصول لا يضر بأهمية العلم واستقلاليته.

____________

(1) الشفاء 1 : المقولات : 6.

15

المبحث الثاني

أدوار الفكر الأصولي

مقدمة :

إن معيار الدور بحسب تصورنا لا يرتبط بالمرحلة الزمنية للعلم ، إذ ربما تمر المرحلة الزمنية من دون حصول أي تطور وتجديد في مسيرة العلم وتكامله ، وإنّما معيار الدور المتميز عن غيره من الأدوار هو ببروز النظريات المتطورة التي تدفع بمسيرة الفكر للإمام ، وهذا إنما يحدث عادة نتيجة التنافس العلمي والمبارزات الثقافية ، فكما أن المجتمعات تترقى في سلم الحضارة نتيجة التنافس الاقتصادي والثقافي فيما بينها ، فكذلك تطور أي فكر كان يحتاج لنوع من الصراع الحاد بين أقطاب هذا الفكر ليساهم ذلك الصراع في بلورة النظريات وتجددها ، وعلى هذا الأساس ـ أي أساس صراع الأفكار ـ سنحدد أدوار الفكر الأصولي عند الشيعة الإمامية.

الدور الأول :

وهو عبارة عن موقف علماء الشيعة من المدارس الفكرية الأخرى ومن العلماء الشيعة المتاثرين بهذه المدارس.

بيان ذلك :

إن هناك مدرستين متصارعتين في مجال تحديد الحكم الشرعي ، وهما : مدرسة الرأي ومدرسة الحديث ، فمدرسة الرأي بدأت شرارتها من بعض الصحابة والخلفاء الذين منعوا من تدوين السنة لأهداف سياسية معينة وأخذوا بآرائهم وتصوراتهم الشخصية فيما يناسب المصلحة العامة ، وامتدت هذه المدرسة للقرن الثاني حيث كانت هي الطابع العام للعراقيين أتباع أبي حنيفة الذين قالوا بحجية القياس والاستحسان والتزموا بالنقد الداخلي للأحاديث بمقارنتها مع الأصول العامة في الإسلام ، وأما مدرسة

16

الحديث التي نشأت كرد فعل لامتداد مدرسة الرأي وتجسدت في المذهب الحنبلي والمالكي أكثر من بقية المذاهب فقد أفرطت في الاعتماد على الحديث بمجرد كونه خبر ثقة من دون ملاحظة القواعد العامة ، وقد تأثر بكل واحدة من المدرستين بعض علماء الشيعة كما حُكي عن ابن الجنيد في قوله بالقياس إن صح ذلك وحُكي عن بعض آخر ما يناسب أقوال الحشوية. لذلك ومن هذا المنطلق خاض علماء الشيعة الفكر الأصولي وبدأ الدور الأول من مسيرته في مواجهة مدرسة الرأي ومدرسة الحديث ومن تأثر بهما من علماء الإمامية ، فكتبت رسائل في عدم حجية القياس وفي الحديثين المختلفين من بعض بني نوبخت وغيرهم كما يلاحظ في كتب الرجال ، وذكر الشيخ الطوسي في الفهرست والسيد المرتضى في الانتصار معارضات حادة لمنهج ابن الجنيد (1) ، كما كتب (2) الشيخ المفيد رسالة في بطلان القياس وكتاب مقابيس الأنوار في الرد على أهل الأخبار ، وهذه الرسائل اعطت الفكر الأصولي نضجاً وتطوراً ملحوظاً كما في عدة الشيخ الطوسي ، ثم استمر الفكر الأصولي بعد رحيل الطوسي بين تطور وتوقف ، ففي عصر الديالمة تقدم بعض الخطوات لوجود التنافس الفكري ولكنه توقف عن حركة التطور في عصر السلاجقة لوجود الضغط والتضييق ، ورجع للتفوق بعد غزو التتار لانفتاح آفاق الحرية الفكرية آنذاك فقد أبرز المحقق والعلامة في التذكرة والمعتبر مدى عمق الفكر الأصولي في الفقه المقارن ، وهذه الفترة الزمنية وإن كانت قصيرة إلا أنها وضعت بصماتها حتى على فكر بعض علماء المذاهب الأخرى ، فقد ذكر أبو زهرة في كتابه ( ابن تيمية ) أن ابن تيمية تأثّر بالفقه الشيعي المعاصر له ، كما يظهر من بعض مسائل الطلاق في فقهه ، وبعد

____________

(1) الفهرست : 134 / 601 ، الانتصار : 8.

(2) الفهرست : 157 / 706 ، رجال النجاشي : 399 / 1067.

17

انتهاء هذه الفترة رجع الفكر الأصولي والفقه الخلافي للركود فلا يلاحظ في كتب الشهيد الأول إشارة للفقه المقارن ومواطن إبداع الإمامية في الفكر الأصولي ، بل ذكر الشهيد الثاني في كتاب القضاء أنه يكفي للطالب دراسة مختصر ابن الحاجب في المنطق والأصول (1) ، مع أن هذا الكتاب لا يمثل الإبداع الإمامي.

الدور الثاني :

وهو عبارة عن الصراع الفكري بين المدرسة الأصولية والأخبارية.

بيان ذلك :

أن الشيعة بعد استقرارهم السياسي في عهد الصفوية في أوائل القرن العاشر برزت فيهم المدرسة الأخبارية المتمثلة في الملا أحمد أمين الاسترابادي ومن تأثر به كالمجلسيين والفيض الكاشاني والحر العاملي والشيخ يوسف البحراني ، وكان من عوامل بروز هذه المدرسة تصور بعض علماء الشيعة أن القواعد الأصولية المساهمة في استنباط الحكم الشرعي تعتمد على الفكر الكلامي والفلسفي مما أدى لابتعاد الحكم الشرعي عن مصادره الصافية وهي روايات أهل البيت (عليهم السلام) ، ومن هنا بدأ الصراع الفكري الحاد بين المدرستين واستفاد الفكر الأصولي تطوراً كبيراً من هذا الصراع وتقدم تقدماً عجيباً على يد الوحيد البهبهاني والمحقق القمي وصاحب الفصول والعلامة الأنصاري.

الدور الثالث :

وهو عبارة عن المرحلة الفعلية التي نعيشها.

بيان ذلك :

أن الفترة التي نعيشها الآن بمقتضى العوامل الاقتصادية والسياسية تمثل الصراع الحاد بين الثقافة الإسلامية والثقافات الأخرى على مختلف الأصعدة ، فلا بد من تطوير علم الأصول وصياغته بالمستوى المناسب للوضع الحضاري المعاش. وقد ركزنا في بحوثنا على بعض الشذرات الفكرية

____________

(1) شرح اللمعة 3 : 65.

18

التي تلتقي مع حركة التطوير لعلم الأصول من خلال الاستفادة من العلوم المختلفة قديمها وحديثها كالفلسفة وعلم القانون وعلم النفس وعلم الاجتماع ومن خلال محاولة التجديد على مستوى المنهجية وعلى مستوى النظريات الكبروية استمداداً من كلمات الأعلام ( قدهم ) في عدة حقول.

الحقل الفلسفي :

هناك عدة نظريات فلسفية ذكرناها في علم الأصول ورتبنا عليها بعض الأفكار الأصولية ، منها نظرية التكثر الإدراكي والتي تعني أن الذهن البشري ليس صندوقاً أميناً في استقبال المعلومات الخارجية كما كان يذكر قدماء الفلاسفة بأن الذهن البشري كصفحة المرآة يرتسم فيها صور المحسوسات بلا تغيير ولا تبديل ، بل الذهن قد يتلقى بعض الصور بعدة وجوه وأشكال لحكومة العوامل الخارجية والنفسية على الذهن أثناء تصوره كما تتحرك القوة المتخيلة لإدراك الشيء على عدة أنحاء ، فقد نتصور الإنسان بصورة إجمالية بسيطة ونعبرعنها بالإنسان أو البشر وقد نتصوره بصورة تفصيلية مركبة ونعبر عنه بالحيوان الناطق مع أنه حقيقة واحدة ، وهذا دليل على الفعالية الذهنية في كثرة مدركاتها. ومما رتبناه على هذه النظرية الفلسفية تحليل مفهوم الوجود الرابط الذي يعتقد أغلب الفلاسفة أنه وجود واقعي حقيقته عين الربط والتعلق بطرفيه وهما الجوهر والعرض وأنه يتحقق في الذهن كذلك ، فكما يوجد في الخارج مثلاً زيد وقيام وربط واقعي بينهما فكذلك في الذهن ، لكننا نعتقد أن الوجود الرابط مجرد عمل إبداعي ذهني يرتبط بهذه النظرية وهي نظرية التكثر الإدراكي فالخارج لا يحوي غير وجودين جوهري وعرضي كزيد والقيام بلا حاجة للربط بينهما ، فإن عرضية العرض متقومة بكون وجوده في نفسه عين وجوده لغيره من دون حاجة لوجود رابط وراء ذلك ، والذهن عندما يتلقى صورة القيام وزيد مثلاً يتلقاها على نحوين بمقتضى نظرية التكثر الادراكي :

1 ـ الهوهوية والاتحاد بين الوجودين وكأنهما وجود واحد ، وهذا لون من

19

ألوان الوجود الرابط.

2 ـ ثبوت شيء لشيء آخر فيحتاج الذهن حينئذٍ لعمل إبداعي وهو الدمج والربط بينهما ، وهذا لون آخر من ألوان الوجود الرابط الذي طرحه الأصوليون في بحث المعنى الحرفي ، وبحث بساطة المشتق وتركيبه ، وفي بحث اجتماع الأمر والنهي ، وفي بحث استصحاب العدم الأزلي ، ومما رتبناه على نظرية التكثر الادراكي أيضاً نظرية تحليل المعنى الحرفي الذي وقع النزاع عند علماء الأصول في الفارق بينه وبين المعنى الاسمي على قولين :

1 ـ أن الفارق بينهما فارق ذاتي ، وهو الذي ذهب له معظم الأصوليين حيث قالوا بأن الفرق بين مفهوم لفظة ـ في ـ ومفهوم لفظة ـ الظرفية ـ أن الثاني يعبر عن الوجود النفسي للحلول والظرفية ، بينما الأول يعبر عن الوجود الاندكاكي في الطرفين الذي لا مفهوم له أصلاً حتى مفهوم التعلق بالطرفين فإنه مفهوم اسمي لا حرفي.

2 ـ أن الفارق لحاظي ، وذهب له صاحب الكفاية ، وقال : بأن حقيقة المعنى واحدة ومشتركة وهي حقيقة الظرفية ـ مثلاً ـ إلا أن الذهن تارة يتصور هذا المعنى على نحو الاستقلالية ويعبر عنه بالمعنى الاسمي وتارة يتصوره بنحو الآلية أو المرآتية ـ على اختلاف في تحليل مطلب الكفاية ـ ويعبرعنه بالمعنى الحرفي (1) ، وهذا التفنن في التصور هو ما نعبر عنه بنظرية التكثر الإدراكي الذهني ، ونحن قد اخترنا القول الثاني أيضاً ، لكننا ذهبنا لكون الفارق اللحاظي بين المعنيين ليس هو الاستقلالية والآلية بل هو الخفاء والوضوح ، بمعنى أن هناك معنى واحداً وهو حقيقة الحلول ـ مثلاً ـ ولكننا تارة نتصور هذا المعنى بصورة تفصيلية واضحة ونعبرعنه بالظرفية فهذه الكلمة تعكس مفهوم

____________

(1) الكفاية : 12.

20

الحلول بنحو تفصيلي واضح السمات ، وتارة نتصوره بصورة مجملة داكنة ونعبر عنه بلفظ ـ في ـ الذي يعكس المعنى نفسه بنحو من الإجمال والخفاء لعوامل متعددة يأتي عرضها في بحث المعنى الحرفي.

ومن النظريات الفلسفية التي نهتم بها كثيراً في بحوثنا الأصولية نظرية وحدة الموجود.

بيان ذلك :

أن النظرية المشهورة في الفلسفة التقليدية هي تعدد الموجود لجوهر وعرض ، وأن الوجود الجوهري ما كان موجوداً لا في موضوع والوجود العرضي ما كان وجوده في الموضوع ، واختلف أصحاب هذه النظرية في كون التركيب بينهما إذا اجتمعا هل هو تركيب اتحادي أم تركيب انضمامي كانضمام الحجر للحديد في بناء الدار مثلاً ، ولكننا نختار ما طرحه بعض فلاسفة الغرب كالفيلسوف الفرنسي ـ روسوا ـ وبعض فلاسفة الشرق وهو آقا علي مدرسي من اتحاد هذين المفهومين وهما الجوهر والعرض وجوداً ، وذلك لأن الموجود لشيء واحد في الخارج إلا أنه يعيش حركة تطورية تكاملية والأعراض ما هي إلا أنحاء وجوده التطوري وألوان حركته التكاملية المتجددة لا أنها وجودات محمولية أخرى ترتبط بوجوده وتنضم إليه ، وقد رتبنا على هذه النظرية كثيراً من البحوث الفلسفية ، منها عدم الحاجة لدعوى واقعية الوجود الرابط خارجاً كما هو المشهور في الفلسفة ، باعتبار أننا إنما نحتاج للقول بالوجود الرابط نتيجة تعدد الموجود ولكن مع وحدته لا نرى حاجة لوجود رابط متعلق بطرفين إذ لا يوجد طرفان في الخارج أصلاً ، كذلك بعض البحوث الأصولية التي ترتبط بهذه النظرية ، فمثلاً بحث اجتماع الأمر والنهي قد ربطه المحقق النائيني بنظرية تعدد الموجود حيث قال في مثال اجتماع الصلاة والغصب في صورة واحدة في الأرض المغصوبة : بأننا إن قلنا في مثال اجتماع الصلاة والغصب أن حيثية الغصب والصلاة حيثيتان تقييديتان ، بمعنى أن الصلاة عمل يرتبط بمقولة الوضع والغصب

21

حركة ترتبط بمقولة الأين والأعراض اجناس عالية متباينة بتمام الذات ، فالحركتان اجتمعتا على نحو التركيب الانضمامي لا الاتحادي ، وبالتالي لا مانع من اجتماع الأمر والنهي لتعدد المتعلق ، وإن قلنا بأن الحيثيتين تعليليتان ومجتمعتان في هوية واحدة فالتركيب بينهما اتحادي ـ بحسب نظره ـ وبالتالي نقول بامتناع الاجتماع ، ودخول بحث اجتماع الأمر والنهي في بحث التعارض لا بحث التزاحم ، لأن التنافي بينهما ثبوتي في نفس مرحلة الجعل لاستحالة اجتماعهما في هوية واحدة ووجود فارد (1).

أما نحن فنقول في هذا البحث بأن الأعراض ما هي إلا ألوان الوجود التطوري للجوهر ، فلا نقول بوجود أجناس عالية متباينة بتمام الذات وأنه لا يلتقي الأين والوضع في وجود واحد؛ إذ كل ذلك لا وجه له بناءً على نظرية وحدة الموجود الامكاني فليس هناك الا موجود واحد ينتزع منه مفهومان : مفهوم الصلاة ومفهوم الغصب ، فلا اساس للبحث المطروح وهو أن الحيثيتين تقييديتان أو تعليليتان وأن التركيب بينهما اتحادي أو انضمامي ، لأن كل ذلك فرع تعدد الموجود ولا تعدد له ، ومع ذلك فنحن من القائلين بجواز الاجتماع ، لأن المبنى الصحيح عندنا تعلق الأحكام بالعناوين الاعتبارية الموجودة في وعاء الجعل الاعتباري نفسه لا بالمعنونات الخارجية أصلاً سواءاً اتحد المعنون أم تعدد ، وبما أن العناوين متعددة في نفسها فذلك كاف في القول بجواز الاجتماع ، غاية الأمر أن وحدة العمل خارجاً تدخل بحث الاجتماع في باب التزاحم لا باب التعارض.

الحقل الاجتماعي :

لقد طرحنا عند بحثنا حول بناء العقلاء وسيرة المتشرعة عدة نظريات مهمة في هذا المجال كالتفريق بين العادات والأعراف

____________

(1) أجود التقريرات 1 : 354.

22

والتقاليد ، وبيان أقسام العرف ، والمناشىء النفسية والإجتماعية لبناء العقلاء وارتكازاتهم ، وبيان الفرق بين رجوع الأصولي لبناء العقلاء للاستدلال به وبين رجوع الفقيه للعرف من أجل تشخيص الموضوع.

الحقل المنطقي :

أننا اعتمدنا على الدليل الرياضي المعروف وهو دليل حساب الاحتمالات الذي هو عبارة عن تراكم الاحتمالات حول محور معين في عدة نظريات أصولية ، منها تحليل مفهوم الشبهة المحصورة وغير المحصورة حيث إن درجة الاحتمال إذا تضاءلت في أطراف العلم الإجمالي إلى مستوى عدم الباعثية والمحركية فالشبهة غير محصورة وأما إذا كانت درجة الاحتمال محتفظة بقوتها وباعثيتها فالشبهة محصورة ، ومنها شرح معنى التواتر وأقسامه المعنوي واللفظي والإجمالي الذي يعتمد قوامه على تراكم الاحتمالات ، ومنها ما ذكرناه في بحث القطع من الفرق بين اليقين الذاتي واليقين الموضوعي فإن اليقين الذاتي هو الناشىء عن العوامل النفسية والمزاجية والمحيطية وهذا لا قيمة له في المنجزية والمعذرية بحسب نظرنا وإن ذهب الأعلام إلى كون حجية القطع ذاتية مطلقاً ، واليقين الموضوعي هو النابع عن مقدمات علمية وقرائن موثوقة بالاعتماد على دليل حساب الاحتمالات وتمركزها حول محور معين.

الحقل اللغوي :

لقد طرحنا في بعض البحوث بعض النظريات الأدبية المساهمة في تحليل المفاهيم الأصولية ، ومن جملتها نظرية التورية وانقسامها للتورية البديعية والتورية العرفية ، فالتورية البديعية تعني إطلاق لفظ له معنيان : قريب وبعيد مع إرادتهما جداً ، وقد استفدنا من هذه النظرية في بحث استعمال اللفظ في أكثر من معنى حيث ذهب كثير من علماء الأصول لعدم جواز الاستعمال في المعاني المتعددة ، وذهبنا لجواز ذلك استناداً لوقوعه في شعر العرب وخطبهم والوقوع خير دليل على الإمكان ومن شواهد الوقوع هو التورية البديعية كقول الشاعر :

23

أي المكان تروم ثم من الذي * * * تمضي إليه أجبته المعشوقا

والتورية العرفية هي الستر على المراد الجدي الواقعي بعدة أساليب ، وقد ذكرنا في بحث علل اختلاف الأحاديث في باب تعارض الأدلة الشرعية أن من أسباب اختلاف الحديث الصادر عنهم (عليهم السلام) هو استخدامهم (عليهم السلام) للتورية العرفية كما ورد عنهم (عليهم السلام) : « إن كلامنا لينصرف إلى سبعين وجهاً لنا منها المخرج » (1).

ومما يرتبط بالنظريات الأدبية بيان الفارق بين الاعتبار القانوني والاعتبار الأدبي ، وقد شرحنا ذلك مفصلاً في هذا الكتاب في بحث علاقة علم الأصول بالعلوم الأدبية ، لكننا نذكر في المقام مثالاً أصولياً مترتباً على ذلك هو مثال الحكومة التي هي عبارة عن تصرف دليل في دليل آخر تصرفاً موضوعياً كما إذا قال المولى أكرم العلماء ثم قال زيد ليس بعالم مع أنه عالم حقيقة ، وقد وقع النزاع في ملاك تقديم الدليل الحكم على المحكوم فقال بعض المعاصرين (2) : بأن الملاك هو القرينية فالحاكم يعد قرينة شخصية على المحكوم كما أن المخصص قرينة نوعية على العام ، « والمقصود بالقرينية الشخصية » هو النظر أي أن الحاكم ناظر للدليل المحكوم ومتصرف في موضوعه سعة وضيقاً (3) ، ونحن نقول بأن الحكومة لون من الوان الاعتبار الأدبي لأنها تحتوي على التنزيل سواءاً في صورة التوسعة أم في صورة التضييق ، والاعتبار الأدبي يحتاج لمصحح والمصحح عدم الاصطدام المباشر مع مرتكزات العرف ، فمثلاً في الحكومة التضييقية إذا قال أكرم العلماء ثم قال زيد ليس بعالم فهنا المراد الجدي هو إخراج زيد من الأمر إخراجاً حكمياً ، وهذا المراد الجدي مشترك بين الحكومة والتخصيص ثبوتاً وإنّما الفارق

____________

(1) معاني الاخبار : 2 ، نوادر الاخبار : 50.

(2) لعل المقصود به السيد الصدر في ـ تعارض الادلة الشرعية ـ : 166.

(3) تعرضنا لهذا البحث في صفحة : 142.

24

بينهما إثباتي في مقام الصياغة الأدبية فقط ، فالتخصيص هو تعبير صريح عن المراد الجدي بينما الحكومة وهي قولنا زيد ليس بعالم تعبير غير مباشر عن المراد الجدي ، والمصحح له أن المرتكز الإجتماعي قائم على شمول الحكم الوارد على الطبيعة للأفراد فإذا قال ولا تكرم زيداً العالم فهذا بيان يصطدم مع الارتكاز الاجتماعي المذكور للتصريح فيه بعدم الشمول لذلك الفرد ، فيتجنب المقنن هذا الأسلوب محافظة على عدم إثارة الارتكاز العام ضد القانون ويقول زيد ليس بعالم فيخرجه عن الحكم بلسان إخراجه عن الموضوع حتى لا يقع الاصطدام ، فالمصحح لتقديم الدليل الحاكم على الدليل المحكوم هو رفع الترابط بين حكم الطبيعة والفرد بما لا يصطدم مع مشاعر الجمهور ومرتكزاته لا النظر والقرينية الشخصية فهذا مثال من أمثلة الاعتبار الأدبي في الأصول.

ومما يرتبط بالأدب أننا عندما تحدثنا عن حجية قول اللغوي في مبحثه المخصص له تناولنا بالبحث تاريخ تدوين اللغة ، وتاريخ علماء اللغة ومعرفة طريقة التدوين ، ووصلنا إلى نتيجة مهمة وهي أن من عوامل عدم الاعتماد على قول اللغوي هو أن اللغويين يتأثرون بمذاهبهم الفكرية في تفسيراتهم اللغوية ، فبعض اللغويين من المتكلمين وبعضهم من الفقهاء مثلاً فينعكس أتجاهه المذهبي في تفسيره وشرحه للمفردات اللغوية فلا يكون كلامه تعبيراً عن الفهم العربي الصافي.

الحقل الروائي :

قد بحثنا في باب حجية خبر الواحد عن المسلك العقلائي في الأمارات واخترنا أن المعتمد عليه عند العقلاء هو الوثوق الناشىء عن مقدمات عقلائية ، ومن هذه المقدمات كون الخبر صادراً من ثقة أو كون المضمون مشهوراً أو مجمعاً عليه ، فهذه العناوين وهي خبر الثقة والشهرة والإجماع لا موضوعية لها عند العقلاء وإنّما هي مقدمات للوثوق الذي هو الحجة الواقعية. ومن مقدمات الوثوق أيضاً الموافقة الروحية بمعنى أن مضمون

25

الخبر موافق للأصول الإسلامية والقواعد العقلية والشرعية ، وهذا معنى قولهم (عليهم السلام) : « إن على كل حق حقيقة وعلى كل صواب نوراً فما وافق كتاب الله فخذوه » (1) ، هذا مسلكنا في مقابل المسلك التجزيئي وهو اعتبار خبر الثقة حجة مستقلة وكذلك الشهرة والإجماع المنقول حجتان مستقلتان لو قيل بحجيتهما لا أن هذه الأمور مقدمات تكوينية للحجة الواقعية كما يراه المسلك الأول ، وبناءاً على مسلك الوثوق فقد طرحنا بحثاً في تاريخ تدوين الحديث وكيفيته لنتعرف من خلاله على الكتب الحديثية عند الشيعة والسنة ومدى كفاءة مؤلفيها في الاعتماد على نقلهم وطريقة التأليف والجمع عندهم ، وهذا يفيدنا معرفة قيمة أحاديث الشيعة وقيمة كتب الحديث بالمقارنة من حيث الضبط والدقة بين الكتب الأربعة ويفيدنا أوثقية أحاديثنا بالنسبة لأحاديث الصحاح الستة ، لأنه قد يدعى عكس ذلك بحجة أن أحاديثهم أقرب لعصر الرسالة لكن الاطلاع على تاريخ تدوين الحديث عند أهل السنة وطريقة تأليفهم يفيد الإنسان بصيرة بضعف أكثر الأسناد وعدم الضبط في نقلها وتدوينها.

ومما يبتني على مسلك الوثوق أيضاً بحث أسباب اختلاف الحديث فإنه بحث لم يطرح في كتب علم الأصول عند السابقين وطرحه بعض المتأخرين طرحاً مختزلاً بدون شواهد حديثية وروائية على البحث ، ونحن نرى أن أهم بحوث تعارض الأدلة هو بحث أسباب اختلاف الحديث فإن الفقيه إذا احاط بهذه الأسباب استطاع الجمع بين الأحاديث المختلفة جمعاً عرفياً من خلال خبرته باسباب الخلاف من دون حاجة للرجوع إلى روايات العلاج ، فإنّها بين ما هو غير تام دلالة وما هو غير تام سنداً حتى حملها صاحب الكفاية على الاستحباب ، ونحن قد فصلنا هذا البحث وملأناه بالشواهد التاريخية والحديثية

____________

(1) الوسائل 27 : 109 / 33343.

26

بحيث يرى الطالب العلاقة العملية الوثيقة بين كبريات علم الأصول وموارد التطبيق في الفقه.

وقد طرحنا عدة نقاط في هذا البحث :

أ ـ تاريخ مشكلة اختلاف الحديث منذ بدايتها وحتى المرحلة التي توسعت فيها وظهرت في الكتب الحديثية.

ب ـ الآثار العقائدية والفقهية للمشكلة.

ج ـ تصدي العلماء لعلاج هذه المشكلة على صعيد مدرسة المتكلمين وصعيد مدرسة المحدثين وصعيد علم الأصول.

د ـ أسباب الاختلاف وهي قسمان : أسباب داخلية وأسباب خارجية والمقصود بالأسباب الداخلية هي الأسباب التي صدرت من قبل أهل البيت أنفسهم والمقصود بالأسباب الخارجية هي الأسباب التي صدرت من الرواة والمدونين ، فالأسباب الداخلية عدة منها :

1 ـ النسخ : وتحدثنا فيه عن امكان صدور النسخ من قبل أهل البيت (عليهم السلام) للآية القرآنية والحديث النبوي والحديث المعصومي السابق ، وأقسام النسخ من النسخ التبليغي الذي يعني كون الناسخ مودعاً عندهم (عليهم السلام) من قبل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لكنهم يقومون بتبليغه في وقته ، والنسخ التشريعي وهو عبارة عن صدور النسخ منهم ابتداءاً وهذا يبتني على ثبوت حق التشريع لهم (عليهم السلام) كما كان ثابتاً للرسول ، (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد طرحنا هذا الموضوع أيضاً ضمن بحث النسخ.

2 ـ انقسام الحكم الصادر إلى قسمين :

أ ـ حكم قانوني.

ب ـ حكم ولايتي ، وهذا من اسباب اختلاف الاحاديث لاختلاف نوع الحكم الصادر ، وهناك نبحث عن الفارق بين الحكمين وعن وجودهما في

27

أحاديثنا وعن حدود الحكم الولايتي مع بيان حدود ولاية ألفقيه وانقسامها للولاية العامة والولاية في الامور العامة.

3 ـ الكتمان : أي كتمان بعض الامور الواقعية في حديث وذكرها في حديث آخر فيحصل الاختلاف المذكور ، وتحدثنا في بحث الكتمان عن أربعة أمور ، أولاً : في إثبات حق الكتمان لهم (عليهم السلام) ، وثانياً : في أسباب الكتمان وهي متعددة :

منها: اختلاف اسلوب التبليغ على نوعين :

أ ـ التعليم :وهو طرح الكبريات الشرعية على الفقهاء من أصحابهم كزرارة ومحمد بن مسلم.

ب ـ الافتاء : وهو طرح نتيجة تطبيق الكبرى على الصغرى من دون إشارة لعملية التطبيق المذكور ، وهذا الاسلوب يتم مع عوام الناس الذين يستفتون أهل البيت شفاهاً أو مكاتبة. واختلاف اسلوب التبليغ سبب في اختلاف الحديث ، ومنشأ أيضاً لكتمان بعض الأحكام كالحكم الكلي حين استخدام اسلوب الافتاء مثلاً ، حيث إن الافتاء يتعلق بالحكم الجزئي لا الكلي.

ومنها فقر اللغة العربية من المصطلحات القانونية مما يضطر الامام لاستخدام اسلوب واحد كالامر والنهي لبيان نوعين من القوانين ، فيحدث الاختلاف بين الاحاديث نتيجة اختلاف المضمون مع وحدة الاسلوب ، كما لو قام الامام بتبليغ الوجوب الشرطي والوجوب المولوي كليهما باسلوب الامر مع اختلافهما مضموناً ، وهذا النوع من التبليغ فيه نوع من الكتمان لبعض القوانين التي لا يمكن اظهارها بالاسلوب الصريح لعدم وجود مفرداتها في اللغة العربية.

ومن اسباب الكتمان المداراة أي مداراة ظروف السائل في كونه ملحداً أو حديث عهد بالاسلام أو حديث عهد بالتشيع فلا يلقى له الحكم الصريح

28

حفاظاً على شعوره وهدايته ، أو كونه من الغلاة أو المقصرين أو اصحاب المذاهب الاقتصادية أو السياسية أو الفكرية فيحذر الامام ان يلقي له الحكم الواقعي فيكون مؤيداً لخطه المنحرف الذي يدعو له ، أو كونه يعيش في بيئة منحرفة لا تتحمل هذا الحكم فيراعي الامام (عليه السلام) بيئته ومحيطه.

ومن اسباب الكتمان التقية بانواعها ، وهي التقية من السلطة الحاكمة أو من المذهب المشهور عند الجمهور أو من التيارات الفكرية المناوئة ، واستعمال الامام للتقية تارة بالقاء الاختلاف بين الشيعة حتى لا يطمع فيهم اعداؤهم نتيجة لاختلافهم كما ورد في الروايات ، وتارة باخفاء الحكم الواقعي.

ومن اسباب الكتمان السوق للكمال فقد يبدي الامام (عليه السلام) الحكم المستحب بدون قرينة على الترخيص في تركه رغبة منه في سوق المكلفين لدرجات الكمال المعنوي.

ثالثاً : البحث في طرق الكتمان وهي السكوت والتورية بقسميها البديعية والعرفية ، والتورية العرفية على أنواع أيضاً ، منها : العدول عن سؤال السائل إلى بيان مطلب آخر ، ومنها : القاء الجواب المجمل أو المختلف.

رابعاً : في تحديد نوع الاحكام التي يصح فيها طريق السكوت ، ونوع الاحكام التي يصح فيها طريق التورية ، ونوع الاحكام التي يصح فيها طريق القاء الاختلاف بين الشيعة. وهذا بيان اجمالي للاسباب الداخلية لاختلاف الحديث.

وأما الأسباب الخارجية : فهي ما قام بها الرواة والمؤلفون وهي متعددة :

1 ـ الوضع : وتحدثنا فيه عن أهدافه وأنواعه من تأليف كتاب أو الدس بين النصوص أو الزيادة والنقيصة في الرواية.

2 ـ النقل بالمعنى وأخطاره.

3 ـ الحديث المدرج ويعني قيام بعض المؤلفين بإدراج تعليقه على الحديث

29

في ضمن الحديث بدون فرز بينهما.

4 ـ التقطيع للروايات.

5 ـ تشابه الخطوط.

6 ـ التصحيح القياسي.

7 ـ الخلط بين كلام الامام وكلام غيره من الفقهاء في سياق واحد من قبل الراوي.

فهذا مجمل بحث علل اختلاف الحديث الذي هو من اهم البحوث الاصولية وامسها بعملية الاستنباط ، وقد طرحنا فيه الشواهد الكثيرة من أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) وكتب المحدثين.

الحقل القانوني :

من المفاهيم القانونية التي طرحناها مفهوم متمم الجعل التطبيقي ، ومعناه قيام الشارع المقدس بتطبيق الماهية الاعتبارية على مصاديق معينة بلحاظ أن الأمر الاعتباري لا ينطبق على مصاديقه قهراً كالامر التكويني وإنّما يحتاج انطباقه عليها لتدخل الجعل والاعتبار ، سواء كان أصل المفهوم الذي يراد تطبيقه مجعولاً شرعياً كالصلاة التي هي عبارة عن اللين الخضوعي في جميع الشرائع وقامت كل شريعة بتطبيقها على مصاديق معينة ، أم كان مجعولاً عقلائياً كمفهوم الدينار التي تختلف المؤسسات المالية في مقام تطبيقه على المصداق الورقي. ونظرية متمم الجعل التطبيقي لها علاقة ببحث الحقيقة الشرعية وبحث الصحيح والاعم كما هو واضح وبحث التزاحم ، فمثلاً إذا نظرنا لقاعدة الاضطرار ، وهي « ما من شيء حرمه الله إلا وقد أحله لمن أضطر اليه » (1) ودار عنوان المضطر إليه بين محرمين على نحو التزاحم فما هو المقدم منهما ليكون مصداقاً لعنوان المضطر إليه ، فهنا يأتي دور متمم الجعل التطبيقي ليقدم

____________

(1) الوسائل 5 : 482 / ذيل الحديث 7118.

30

أحدهما لاهميته عند الشرع أو العقلاء ، أو يعتبر ما ينتخبه الإنسان بطبعه هو المضطر إليه في صورة تساويهما وعدم أهمية أحدهما على الآخر.

ومن المفاهيم القانونية التي طرحناها بحث القدرة وأنواعها ، فإن علماء الأصول عندما يدخلون بحث التزاحم يذكرون نقطتين ، أ : الفرق بين التزاحم والتعارض حيث إن التعارض هو تنافي الدليلين ثبوتاً وجعلاً والتزاحم هو تنافيهما في مرحلة الامتثال لقصور القدرة عن الجمع بين الامتثالين. ب : مرجحات باب التزاحم ، بينما طريقتنا في بحث التزاحم هي أننا أولاً : تحدثنا عن أنواع القدرة ، وهي القدرة على أصل الفعل المعبر عنها ب‍ : إن شاء فعل وإن يشاء لم يفعل. والقدرة على الموافقة القطعية والمخالفة القطعية والقدرة على الجمع بين الامتثالين ، وثانياً : تحدثنا عن دخالة القدرة بانواعها ، فهل هي دخيلة في مرحلة الجعل أم هي دخيلة في مرحلة الفعلية أم هي دخيلة في مرحلة التنجز ، وعلى بعض الصور يدخل المتنافيان في عنوان التعارض وعلى بعضها يدخلان في عنوان التزاحم وعلى بعضها تصح نظرية الترتب ولا تصح على البعض الآخر.

هذا تمام الحديث حول بعض المحاولات المساهمة في تطوير علم الأصول من خلال الاستفادة من العلوم المختلفة والاستمداد من أطروحات علمائنا الأعلام.

31

المبحث الثالث

منهج علم الأصول

هناك منهجان في تصنيف علم الأصول وطريقة تبويبة وترتيبة :

1 ـ المنهج التقليدي.

2 ـ المنهج المقترح عندنا.

المنهج الأول :

كان القدماء يقسمون علم الأصول لأربعة أقسام :

1 ـ المقدمة في الوضع والاستعمال والصحيح والأعم والحقيقة الشرعية والمشتق ونحوها.

2 ـ مباحث الألفاظ كباب الأوامر والنواهي والعام والخاص والمطلق والمقيد والمفهوم والمنطوق.

3 ـ مباحث الدليل ، وهو إما سمعي كالكتاب الذي يبحث عن حجية ظواهره والسنة التي يبحث عن كيفية ثبوتها وما يتعلق به من تعارض الجرح والتعديل في الرواة وتحقيق واقعية بعض كتب الحديث كفقه الرضا مثلاً والاجماع وأنواعه من المحصل والمنقول ، وإما عقلي ويبحث فيه عن الحسن والقبح العقليين وقاعدة الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع واصالة العدم وعدم الدليل دليل العدم ومبحث الاستصحاب والقياس.

4 ـ الخاتمة في التعادل والتراجيح.

ولعل السر في هذا المنهج ان موضوع علم الأصول كما ذكر السيد المرتضى في الذريعة هو: الدليل في الفقه ، فلما كان محور علم الأصول هو

32

الدليل الفقهي كان مدار أبحاثه حول الدليل نفسه وأقسامه من السمعي والعقلي ، وعوارضه الثبوتية كالاطلاق والتقييد والتعادل والتراجيح والتضاد والتلازم والاثباتية كمباحث الأوامر والنواهي والعام والخاص والمنطوق والمفهوم.

وهناك اعتراضان مهمان على طريقة المنهج القدمائي ، الأول : هو الاعتراض على القسم المدون في أصول القدماء للبحث عن الدليل وأقسامه ، حيث أبدله الشيخ الأنصاري بتصنيف علم الأصول على طبق الحالات الوجدانية للمكلف عند التفاته للحكم الشرعي وهي القطع والظن والشك ، فهنا أقسام :

1 ـ بحث القطع التفصيلي والإجمالي.

2 ـ بحث الظن المعتبر وغيره بما يشمل سائر الظنون ، ومنها الظواهر المبحوث عنها من حيث الكبرى وهي حجية الظهور ومن حيث الصغرى وهي تنقيح المصاديق كمباحث الألفاظ السابق ذكرها ، ويدخل في ذلك بحث التعادل والتراجيح أيضاً فإنه راجع للبحث عن الظنون أيضاً وإن ذكر في الخاتمة ، فإن الدليلين إذا تقابلا فأما أن يحصل الظن بأحدهما من حيث الجهة أو الصدور أو المضمون وهذا هو الترجيح ، وإما أن لا يحصل الظن بشيء من ذلك وهو التعادل المرتبط بحثه بباب الظن سواءً قلنا بالتخييرعند التكافؤ ، أو قلنا بالتساقط.

3 ـ بحث الشك الذي يشتمل على الأصول العملية الأربعة لكونها وظيفة الشاك. ولعل النكته التي دفعت بالشيخ الأعظم لاختيار هذا التبويب تتلخص في أمور:

أ ـ إن علم الأصول مقدمة لعلم الفقه ومن الطبيعي عدم امكان تحديد ملامح المقدمة الا بمعرفة ملامح ذي المقدمة فإن ذلك مقتضى مقدميتها.

33

ب ـ لما كان علم الفقه يبحث عن تحديد الحكم الشرعي فالمناسب لعلم الأصول البحث عن الطرق الموصلة لتحديد الحكم الشرعي ، ولما كانت الطرق تختلف باختلاف الواقع النفسي للمكلف حين توجهه للحكم ، باعتبار أن قطع المكلف بشيء يمنع من عمله بالامارة أو الأصل ، كما أن الظن بالخلاف يمنع من الأخذ بالامارة والأصل على بعض المباني ، وكذلك على القول بالظن الانسدادي لا مجال للعمل بغير الظن ، فحينئذٍ يكون تصنيف علم الأصول مطابقاً للحالة الوجدانية للمكلف.

ج ـ حيث أن الاتجاه النفسي للمكلف حين التفاته للحكم الشرعي إما القطع بالحكم أو الظن به أو الشك فيه كان المنهج في تبويب علم الأصول منظماً على طبق ذلك.

وقد اعترض على المنهج المذكور باعتراضين :

الأول :

إن التصنيف الناظر للحالات النفسية قد أغفل كثيراً من المباحث الحيوية ذات الربط المباشر بالجانب العملي لدى الفقيه ، إذ لا مناسبة واضحة بينها وبين هذا التصنيف كبحث الحسن والقبح العقليين ، وبحث الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع ، وبحث طرق ثبوت السنة بالتواتر والأحاد وبحث أقسام التواتر ، وبحث شرائط حجية خبر الواحد من صحة المضمون عقلاً وشرعاً ووثاقة الرواة ، وبحث مناشئ الوثاقة كقول الرجالي الذي يبحث عن حجيته وأنها هل هي من باب كونه من أهل الخبرة أو من باب شهادة العدلين أو من باب حجية خبر الثقة ، وبحث تمييز المراسيل المعتمدة من غيرها ، فهذه البحوث رغم كونها مهمة وعملية إلا أنها لا تنسجم مع التصنيف المذكور المرتب على حالات القطع والظن والشك ، بينما نجدها منسجمة تماماً مع منهج القدماء المبني على النظر للدليل الفقهي العقلي والسمعي وطرق إثبات هذا الدليل.

34

الثاني :

إن هذه الحالات النفسية الثلاث لا علاقة لها بالحكم الشرعي ولا بالطرق المؤدية له فلا وجه لجعل التصنيف الأصولي دائراً مدارها ، أما بالنسبة للقطع فما هو المبرر للبحث عنه وجعله محوراً لعدة من البحوث ؟ فإن كان المبرر للبحث عنه كونه واسطة في جعل الحكم الشرعي فذلك مستحيل لأن ثبوت الحكم الشرعي بسبب القطع به دور باطل كما ذكر في علم الأصول ، وان كان المبرر للبحث كونه واسطة في فعلية الحكم كموضوعية الزوال لوجوب الصلاة فهذه ليست ميزة خاصة بالقطع توجب البحث عنه بعنوانه بل هي متوفرة في كل موضوع بالنسبة لأي حكم من الأحكام ، وإن كان المبرر لذلك كون القطع منشأ للحكم العقلي بالمنجزية والمعذرية كما اشتهر في كتب الأصول بأن حجية القطع ذاتية له ، فيلاحظ عليه بأن منشأ المنجزية والمعذرية ليس القطع بما هو قطع حتى يكون ذلك مصححاً ومبرراً للبحث عن القطع بعنوانه بل منشأ المعذرية وعدمها هو روح المسؤولية وروح التقصير في مقدمات الحكم ، فإن سار المكلف مع المقدمات بروح المحاسبة والمسؤولية فهو معذور عند مخالفة الواقع وإلا فهو مدان سواءاً في ذلك وجود القطع وعلمه ، فإننا ذكرنا في بحث القطع الفرق بين اليقين الذاتي واليقين الموضوعي فاليقين الموضوعي هو اليقين الناشئ عن تراكم الاحتمالات والقرائن في محور واحد ، وهذا العمل بذاته عمل معذر لأنه مستبطن للمسؤولية والمحاسبة الداخلية سواءاً كان هناك قطع أم لا ، واليقين الذاتي هو الناشئ عن العوامل المزاجية والنفسية كالحلم والاستخارة ، وهذا ليس معذراً بنظر العقلاء فإن قائد الجيش لو اعتمد على معلومات ناشئة عن مصادر واهية أوجبت له القطع بأمر معين فرتب عليه آثار الحرب والسلم لا يكون معذوراً أمام القانون والشعب ، وليس السر في ذلك الا أن القطع بما هو قطع ليس هو مدار المعذرية والمنجزية بل المدار على روح المسؤولية وروح التقصير في مقدمات الحكم سواءاً كان هناك قطع أم لا ، ولذلك نرى القرآن

35

يعبر عن عقائد الجاهلية مع أنها عقائد قطعية عندهم بأنها ظنون وجهالات لا يعذرون فيها ، وبناءاً على ذلك فلا موضوعية مهمة للقطع بما هو قطع حتى يكون محوراً للبحوث العلمية.

وأما البحث في الامارات كخبر الواحد والاجماع بقسميه والشهرة وقول اللغوي فهو لا يدور مدار الظن الشخصي كما هو ظاهر تقسيم الشيخ ، بل هو دائر مدار الكشف النوعي وتتميمه من قبل المجتمع العقلائي أو الشرع المقدس.

كما أن البحث في حجية الظاهر يدور مدار الميثاق العقلائي على الالتزام والالزام بهذا الظاهر وترتيب الآثار عليه سواءاً كان هناك ظن شخصي أم لا.

وأما البحث في الأصول العملية فهو لا يرتبط بحالة الشك وتساوي الطرفين ، فإن موضوع أصالة البراءة عقلاً وشرعاً هو عدم العلم وعدم تنجز العلم الاجمالي لا الشك ، وموضوع الاستصحاب هو عدم العلم بانتقاض الحالة السابقة لا الشك أيضاً.

فتبين لنا من خلال هذا العرض عدم مدخلية هذه الحالات النفسية في البحث الأصولي المنصب على تحديد الطريق الموصل للحكم الشرعي.

ولكننا مع ذلك اعتذرنا عن تقسيم الشيخ الأنصاري لبحوث علم الأصول على طبق حالات نفس المكلف في بحث القطع كما سيأتي ، وقلنا بأن هناك عاملين يساعدان على هذا التقسيم :

أولاً :

إن المحيط الثقافي الذي كان يعيش فيه الشيخ فرض عليه هذا التصنيف ، لوجود مدرستين متطرفتين آنذاك : مدرسة المحدثين المفرطة في الجمود على الحديث دون النظر للأدلة العقلية القطعية ومدرسة بعض الأصوليين المفرطة في الاعتماد على بعض الظنون الشخصية بحجة انسداد باب

36

العلم والعلمي ، فأثار الشيخ حركة تنهج الاعتدال والتوسط بين هاتين المدرستين ، وهي المدرسة التي تعتمد على الأدلة القطعية العقلية من جهة وهي المندرجة تحت عنوان القطع والأدلة الظنية السمعية من جهة أخرى وهي المندرجة تحت عنوان الظن ، والرجوع عند فقدهما للأصل العملي المجعول وظيفة عند الشك.

وثانياً :

إن المكلف يشعر في أعماق وجدانه بالحاجة للتأمين من عقوبة ترك التكاليف الواقعية فهدفه المنشود هو حصول الأمن المذكور ، وطرق التأمين بحسب التقسيم الوجداني ثلاثة :

1 ـ ما هو علة تامة لحصول الأمن وهو القطع.

2 ـ ما هو مقتضى لحصول الأمن النفسي وهو الظن.

3 ـ ما هو فاقد للعلية التامة والاقتضاء وهو الشك فتحتاج طريقيته للتأمين للرجوع إلى القطع وهو الطريق الأول.

والخلاصة أن أمثال هذه المبررات ساعدت الشيخ على اختيار التصنيف الثلاثي.

الاعتراض الثاني

على منهج القدماء : ما طرحه المحقق الاصفهاني (قده) حول التوسع الأصولي في مباحث الألفاظ (1) ، ونحن نعرضه بنحو أعمق وأشمل ، فنقول : إن ما يرتبط من البحوث بعالم الألفاظ نزر ضئيل جداً ، كقولنا هل أن صيغة الأمر ظاهرة في الوجوب ، وهل أن صيغة النهي ظاهرة في الحرمة ، وبعض بحوث المفاهيم والعام والخاص والمطلق والمقيد ، ولكن معظم الأبحاث التي وضعها القدماء في مباحث الألفاظ لا ربط لها بذلك ، فمثلاً بحث انقسام الحكم للتكليفي والوضعي وانقسام الواجب للواجب التوصلي

____________

(1) أصول الفقه للمظفر 1 : 7 ـ 8 ، بحوث في الأصول للمحقق الاصفهاني : 22.

37

والتعبدي والتعييني والتخييري والعيني والكفائي والنفسي والغيري والموسع والمضيق والمطلق والمشروط كلها مرتبطة بالواجب بما هو سواءاً كان مدلولاً لفظياً أم لا ، وكذلك بحث عوارض الأحكام كالانحلال الاستقلالي والضمني والاطلاق والتقييد الثبوتيين والتضاد والتلازم ، كما في بحث مقدمة الواجب ومسألة الضد الباحثين عن تلازم الوجوب النفسي والغيري وتلازم الأمر بالشيء مع النهي عن ضده ، وبحث ارتباط الحكم بالقدرة ودرجاتها المختلفة الذي هو بحث التزاحم ، فهذه البحوث لا ربط لها بعالم اللفظ حتى تندرج في مباحث الألفاظ ، ولكننا نستطيع وضع بعض المبررات والتوجيهات لتوسعة مباحث الألفاظ بحيث تشمل هذه البحوث :

1) لا ريب في دلالة الألفاظ على هذه المعاني الأصولية المذكورة في الاعتراض سواءاً بالدلالة المطابقية أو بالدلالة التضمنية أو بالالتزامية ، ومع وجود دلالة الالفاظ عليها فالمصحح لإدراجها في مباحث الألفاظ واضح وهو دلالة اللفظ عليها.

2) إن الاعتبارات الأدبية والقانونية لها نوع من الخلاقية والفعالية في النفوس والمشاعر ، ولا ريب أن مجرد الاعتبار بما هو لا يحقق هذه الخلاقية المطلوبة وإنّما يحققها إذا كان في ضمن لفظ مناسب ، فاللفظ المناسب للاعتبار الأدبي والقانوني يبرز خلاقية الاعتبار وتاثيره السحري في النفوس والمشاعر الذي هو المطلوب.

3) إن هناك مسلكين في علاقة اللفظ بالمعنى الانشائي ، فمسلك السيد الاستاذ الخوئي (قده) مسلك الحكاية والابراز أي أن اللفظ حاك عن المعنى الانشائي ومبرز له ، ومسلك المشهور أن علاقة اللفظ بالمعنى الانشائي علاقة الايجاد فاللفظ موجد للمعنى لا حاك عنه ، وبما أن هذه العلاقة الوثيقة موجودة بين الانشاء واللفظ لذلك كان التعرف على هذه الاعتبارات من خلال ألفاظها

38

الموجدة لها تعرفاً دقيقاً ، لأنه يعكس المعنى من ثنايا اللفظ الذي وجد به بخلاف ما لو بحث عنه مجرداً عن كل خطاب ولفظ.

4) لقد قال علماء الاجتماع والتاريخ بأن اللغة دليل حضارة المجتمع ، فاللغة المتكاملة تعكس تكامل المجتمع فسعة آفاقها واشتمالها على المفردات القانونية والصناعية والفنية كاشف عن حضارة المجتمع وتطوره ، كما أن اللغة لسان معبر عن نوع التفكير الاجتماعي ، فمثلاً الجملة الاسنادية في اللغة العربية نحو زيد قائم لا تشتمل الا على طرفين موضوع ومحمول مما يدل على كون النسبة الاسنادية بالمفهوم العربي تعني اتحاد الطرفين وجوداً والهوهوية المصداقية بينهما ، بينما هذه الجملة في اللغة الفارسية واليونانية تحتاج لرابط وهي كلمة ـ است ـ أو ـ استين ـ مضافاً لوجود الموضوع والمحمول مما يدل على كون مفهومها في الفكر الفارسي عبارة عن ثبوت شيء لشيء ـ أي ثبوت القيام لزيد ـ وهذا المفهوم يحتفظ بالغيرية والاثنينية بين طرفي القضية بخلاف المفهوم العربي الذي يعكس الوحدة والاندماج ، فاللغة إذن دليل على نوع التفكير الاجتماعي ، ومثال آخر على ذلك أيضاً اختلاف الأصوليين في مفهوم صيغة افعل نحو اضرب ، فهل مفهومها النسبة الاغرائية كما يرى المحقق الاصفهاني ، أو النسبة الايقاعية كما يرى النائيني ، أو النسبة التسخيرية أي اعتبار المخاطب أداه لتحقيق هذا الحدث في الخارج كما يراه صاحب الميزان (قده) ، فهذه المفاهيم في الواقع تعكس الفكر الاجتماعي الذي ينتسب له كل واحد من هؤلاء الأعاظم ، فكل مجتمع يختلف تحليله لبعض الاعتبارات القانونية نتيجة اختلاف حضارته وثقافته عن المجتمع الآخر ، وبناءاً على هذه العلاقة الوثيقة بين اللغة وبين المفهوم الذى تحمله بين ثناياها بحيث لو تغيرت اللغة لزالت بعض خصوصيات أو مقومات المفهوم كما لاحظنا في اختلافي مفهوم الجملة الاسنادية عند العرب وغيرهم ، يصعب التفكيك حينئذٍ بين الاعتبار القانوني

39

واللفظ المعبر عنه بحيث نبحث عن الاعتبار مجرداً عن ثوبه اللفظي مع أن هذه الصياغة اللفظية تحافظ على بعض خصوصيات المفهوم وسماته.

5) إن الاعتبار القانوني متولد عن الاعتبار الأدبي ، وبما أن الاعتبار الأدبي متقوم باللفظ فكذلك الاعتبار القانوني المتفرع عنه شديد العلاقة باللفظ بحيث لا يفيد البحث فيه مستقلاً عن لفظه.

بيان ذلك :

أننا عندما نلاحظ مثلاً كلمة حاتماً نراها في الأصل تعبرعن شخص معين متصف بالكرم ثم اطلقت على كل شخص يشابه حاتماً في صفة الكرم ، وبمرور الوقت وكثرة الاستعمال والتطبيق أي تطبيقها على كل كريم اكتسبت الكلمة مفهوماً خلقياً وهو نفس مفهوم الكرم بحيث إذا سمعت لا يتبادر للأذهان سوى معنى الكرم من دون التفات لشخص حاتم الطائي أصلاً ، فالاعتبار الأدبي قد يتحول بمرور الوقت لمفهوم معين فكذلك بالنسبة لعلاقته بالاعتبار القانوني ، فكلمة الميتة أساساً تعني ما مات حتف أنفه ثم أطلقت على نحو الاعتبار الأدبي القائم على علاقة التشابه على الحيوان المذبوح على غير الطريقة القانونية ، وبمرور الوقت وكثرة الاستعمال والتطبيق اكتسبت هذه الكلمة اعتباراً قانونياً وهو أن الميتة تعني المذبوح على غير الطريق القانوني من دون نظر لمعناها اللغوي.

ومثلها لفظ الدينار مثلاً فهو في الأصل يعني مثقالاً من الذهب تقاس به قيمة الأشياء كقولنا هذه الأرض تساوي مائة دينار ، ثم صار يطلق على نحو الاعتبار الأدبي على الأوراق النقدية من أجل أن يتعامل معها المجتمع معاملة الدينار الأصلي في كونه وسيطاً في تبادل السلع ومقياساً لتحديد قيمة الأشياء ، وبمرور الوقت وكثرة الاستعمال تحول هذا الاعتبار الأدبي للاعتبار القانوني فاصبح الدينار يعني نفس الورقة النقدية التي هي مقياس القيم وواسطة التبادل. وإذا اتضح لنا أن الاعتبار القانوني وليد الاعتبار الأدبي ، والمفروض

40

أن الاعتبار الأدبي متقوم باللفظ لأن الاعتبار الأدبي هو اعطاء حد شيء لشيء آخر بهدف التأثير في مشاعر المخاطب فلا ينفصل الاعتبار الأدبي عن اللفظ ، وبما أن الاعتبار القانوني متولد منه فلا محالة لا يمكن التفكيك في البحث بين نفس الاعتبار واللفظ المساهم في تحققه وفعاليته.

فهذه بعض المبررات التي نتصورها في توسعة مباحث الألفاظ عند القدماء وإن كان بعضها موضع المناقشة ، ومع ذلك فقد أصر المحقق الاصفهاني (قده) على فصل بحث مقدمة الواجب ومسالة الضد عن مباحث الألفاظ ، باعتبار أن البحث فيهما يرتبط بالملازمة العقلية المدركة بالعقل النظري بين وجوب شيء ووجوب مقدمته ووجوب شيء وحرمة ضده ، ولا ربط لهذه الملازمات بعالم الألفاظ حتى يكون البحثان من مباحث الألفاظ.

ولكننا نختلف عن المحقق الاصفهاني (قده) في بعض النظرات بالنسبة لمقدمة الواجب ومسألة الضد ، والحديث أولاً في مقدمة الواجب :

فإن الملازمة المبحوث عنها هناك تتصور على أربعة معاني :

1 ـ التلازم بين الاعتبارين تكويناً ، بمعنى أن الجاعل إذا حكم بوجوب شيء يرى نفسه مجبوراً على جعل وجوب آخر لمقدمة ذلك الشيء بمقتضى المقدمية ، فهناك جعلان الا أن أحدهما اختياري والآخر قهري ، لكننا لو سلمنا هذا المعنى الفاسد في نفسه حيث أن الجعل الاعتباري اختياري لا قهري فالملازمة حينئذٍ بين الاعتبارين والجعلين لا بين المعتبرين المجعولين ، والمدعى دخول بحث مقدمة الواجب في الملازمات العقلية بين الأحكام ، بينما على هذا المعنى يدخل بحث مقدمة الواجب في الملازمات العقلية بين الاعتبارات نفسها لا بين المعتبرات.

2 ـ الملازمة بين الوجوب النفسي والغيري على نحو الترشح المعلولي أي أن الوجوب الغيري للمقدمة يترشح من الوجرب النفسي لذي المقدمة على نحو

41

ترشح المعلول من علته ، وهذا المعنى لوضوح بطلانه حيث انه لا يعقل الترشح المعلولي في الاعتباريات بل الاعتباري خاضع للجعل والابداع فلا وجه لربط تصنيف علم الأصول به.

3 ـ الملازمة العرفية : بمعنى أن الجاعل إذا أنشأ الوجوب لشيء فمن المستهجن عند العرف والعقلاء عدم إنشاء الوجوب لمقدمته ، فإن علاقة المقدمية التكوينية بينهما تولد تلازماً في الاعتبار كالمتضايفين ، فإن اعتبار شخص أباً عند العقلاء ملازم لاعتبار الطرف الآخر ابناً له ويستهجن العقلاء التفكيك بينهما في الاعتبار لعلاقة التضايف فكذلك في بحث مقدمة الواجب ، وهذا المعنى على فرض صحته في نفسه لا يدرج بحث مقدمة الواجب في الملازمات العقلية بين الأحكام.

فإن التلازم بحسب هذا المعنى تلازم عرفي لا عقلي ، مضافاً لكونه تلازماً بين الاعتبارين لا بين المعتبرين الا ثانياً وبالعرض.

4 ـ الاندماج الاثباتي : ومعناه أن العرف يرى أن وجوب المقدمة مستبطن ومندمج في وجوب ذيها ، فالمولى وإن احتاج ثبوتاً للقيام بجعلين ولكنه إذا رأى أن الوجوب النفسي إثباتا مستبطن للوجوب الغيري فيكتفي بالصياغة الواحدة التي تعبر عن هذين الوجوبين على نحو الاندماج والاستبطان ، وسنشير لأسباب الاندماج في بحث مقدمة الواجب ولكن نقول هنا : لعل من أسباب الاندماج تقارن الجعلين في الحمل بمعنى أنه حمل الوجوب الغيري على مورد الوجوب النفسي فترة طويلة ولَّدت الاندماج بينهما واستبطان أحدهما في الآخر بحيث لا يمكن للجاعل التفكيك بينهما إلا بخلق أسباب أقوى لعدم الاندماج ، ونظير ذلك فكرة الاندماج يين الحكم الوضعي والحكم التكليفي ، فالنجاسة مستبطنة لوجوب الاجتناب باعتبار أنّ تقارن الجعلين في الحمل فترة طويلة ولَّدت اندماجهما ، وكذلك فكرة الاندماج في عقد البيع وخيار الغبن مثلاً ،

42

حيث ذكر المحقق النائيني (قده) أن منشأ خيار الغبن في عقد البيع هو الشرط الضمني الارتكازي وهو عدم زيادة مالية المنتقل عنه عن المنتقل إليه (1).

ونحن نقول : لعل من أسباب ارتكازية الشرط المذكور واندماجه في نفس العقد تقارن الاعتبار لهما فترة كافية في ذلك ، ومثله الاندماج بين مفهوم الالزام ومفهوم الوعيد فمعنى الوجوب بنظرنا هو البعث المستبطن للوعيد على الترك ، وذلك لكثرة تقارن الوعيد مع إصدار البعث فحصل الاندماج بينهما ، وبناءاً على هذا التصور لوجوب المقدمة لا يوجد أي تلازم عقلي بين الوجولين حتى يدخل بحث المقدمة في بحث الملازمات العقلية بل هو اندماج إثباتي ، إذن على جميع المعاني للملازمة لا نرى وجهاً في ادخال بحث مقدمة الواجب تحت عنوان الملازمات العقلية فإنّها بين معنى باطل في نفسه ومعنى لا ينسجم مع الملازمات العقلية.

هذا هو تعليقنا على ادخال بحث مقدمة الواجب في بحث الملازمات العقلية.

وأما بحث مسالة الضد ، وهي أن الأمر بالشيء هل يقتضي النهي عن ضده العام والخاص أم لا ففيها ثلاثة مسالك :

أ ـ وجود الملازمة بين الأمر بالشيء والنهي الشرعي عن ضده ، وعلى هذا المسلك يصح إدخال مسألة الضد في بحث الملازمات العقلية ، بمعنى أن العقل النظري يدرك وجود ملازمة بين الأمر بشيء والنهي شرعاً عن ضده.

ب ـ وجود الملازمة بين الأمر بالشيء شرعاً والنهي عن ضده عقلاً لا شرعاً وكفاية هذا الردع العقلي عن الردع الشرعي ، وعلى هذا المعنى فلا يدخل بحث الضد في الملازمات العقلية بين الأحكام الشرعية إذ لا يوجد حكمان شرعيان.

____________

(1) حاشية النائيني على المكاسب : ص 20.

43

ج ـ العينية الاعتبارية بين الوجوب والحرمة هنا ، والمقصود بذلك ليس العينية المفهومية فإنه من الواضح الفرق مفهوماً بين قول المولى « صلّ » وقوله « لا تترك الصلاة » ، بل المقصود أن المجعول الاعتباري واحد والفارق في الصياغة الاثباتية المبرزه فالمجعول هو الالزام مع الوعيد ، الا أن هناك عبارتين مبرزتين لهذا الاعتبار إما على نحو الأصالة أو أن إحداهما هي التعبير الأصيل والأخرى اعتبار أدبي حاك عنه.

ونفس التحليل قد يذكر في بحث التلازم بين النهي عن شيء والأمر بضده.

وعلى هذا المعنى فلا يوجد حكمان حتى نبحث عن وجود الملازمة بينهما وعدمها.

والخلاصة : أن صحة ادخال مسألة الضد في بحث الملازمات بناءاً على مبنى صحيح بنظر القائل بذلك ، لا يعني اندراج المسألة في بحث الملازمات حتى على المباني الأخرى.

والخلاصة : أن المناقشات العديدة التي عرضناها أوضحت لنا النكتة في توسعة مباحث الألفاظ عند القدماء بلا حاجة لتغيير هذا المنهج الا لمنهج أفضل كما سيأتي بيانه.

المنهج المقترح :

وهو عندنا طريقتان :

أ ـ البحث حول محور الحجية.

ب ـ البحث حول محور الاعتبار.

الطريقة الأولى :

بما أن علم الأصول وضع كمقدمة لعلم الفقه فلابد أن يكون تصنيفه ومنهجه منسجماً مع مقدميته ، وحيث أن علم الفقه هو العلم الباحث عن تحديد الحكم الشرعي فالمناسب لتصنيف علم الأصول أن يدور مدار الحجة المثبتة للحكم الشرعي فإن ذلك هو النافع في مقدميته لعلم الفقه ،

44

ولذلك اخترنا أن موضوع علم الأصول كما سيأتي بيانه هو الحجة في الفقه فابحاثه تدور حول محور الحجية وعدمها ، وبناءاً على هذا يصح تصنيف علم الأصول على ثلاثة أقسام :

أ ـ قسم الاحتمال.

ب ـ قسم الكشف.

ج ـ قسم الميثاق العقلائي.

الأول : الاحتمال :

وهو على خمسة أصناف :

1 ـ الاحتمال الواصل لدرجة القطع والبحث في حجيته بحث في حجية القطع.

2 ـ الاحتمال الواصل لدرجة الاطمئنان والبحث عنه هو المتعلق بحجية الاطمئنان.

3 ـ الاحتمال المعتمد على قوة المحتمل وإن كانت درجة الاحتمال ضعيفة وهو المتحقق في موارد الأعراض والأموال والدماء ، والبحث عن حجيته هو البحث المتعلق بأصالة الاشتغال.

4 ـ الاحتمال المعتمد على العلم الاجمالي وهو يكتسب قوة من خلال استمداده من العلم الاجمالي ، الا إذا بلغت الأطراف كثرة تؤدي إلى موهومية الاحتمال في أطراف العلم الاجمالي ، وهذا البحث هو المعبر عنه بمباحث العلم الاجمالي والشبهتين المحصورة وغير المحصورة.

5 ـ الاحتمال الذي لا يستند لقوة في درجته ولا أهمية في المحتمل وهو على نوعين.

أ ـ الاحتمال المصطدم باحتمال معاكس له لوجود علم اجمالي بالجامع وهذا مورد أصالة التخيير.

ب ـ الاحتمال الغير مصطدم باحتمال معاكس وهو مورد أصالة البراءة ،

45

وهو على قسمين لأنه إذا ورد من الشارع بيان لعدم أهميته فهذا هو البراءة الشرعية وإن لم يرد بيان فهذا هو البراءة العقلية.

إذا فعنوان حجية الاحتمال هو العنوان الجامع بين هذه البحوث.

الثاني : حجية الكشف :

والكشف على نوعين إدراكي وإحساسي ، فالكشف الادراكي هو المتوفر في الامارات العقلائية والشرعية التي قام الشرع أو المجتمع العقلائي بتتميم الكشف فيها ، وهذا هو بحث حجية الامارات والطرق.

والكشف الاحساسي هو المتوفر في بحث الاستصحاب ، فإن الإنسان إذا أحس بشيء ما ثم غاب الشيء عن وعيه فإنه قد يبقى ذلك الكشف الاحسامي عنده وهو شعوره بأن الشيء ما زال موجوداً كما كان ، فهل هذا الكشف الاحساسي حجة أم لا ، وهذا بحث الاستصحاب.

الثالث : حجية الميثاق العقلائي :

والمقصود به كل طريق تبانى عليه المجتمع العقلائي كميثاق يؤخذ بلوازمه وآثاره ، سواءاً كان ذلك التباني بسبب الكاشفية النوعية لهذا الطريق عن الواقع كما يدعى ذلك في خبر الثقة ، أو للمصلحة الاجتماعية العامة ، ولعل الظواهر من هذا الباب فيبحث عنها من حيث الكبرى وهو حجية الظهور ومن حيث الصغرى كالبحث في صيغة الأمر والنهي والعام والخاص والمطلق والمقيد ونحوها من مباحث الألفاظ ، كما أن بحث تعارض الأدلة داخل في صورة الترجيح لأحد الخبرين في قسم حجية الكشف أو قسم حجية الميثاق العقلائي ، وكذلك في صورة التكافؤ مع القول بالتخيير ، وأما على القول بالتساقط والرجوع للأصل العملي فيدخل البحث فيه في قسم حجية الاحتمال.

فهذه هي الطريقة الأولى من المنهج المقترح لتصنيف علم الأصول المبنية على محور الحجية للدليل المستخدم عند الفقيه للوصول إلى الحكم الشرعي.

46

ولكن لبعد هذه الطريقة عن المألوف في التصنيف الحوزوي لعلم الأصول ، ومن شرائط فن التصنيف أن لا يعد طفرة مستنكرة ما دامت خطوات التدريج كافية في تحقيق الهدف ، لذلك نرى أن الطريقة الثانية أقرب للتصنيف المألوف.

الطريقة الثانية :

حيث إن المبادئ التصديقية لكل علم إما أن تكون بديهية فلا تحتاج للبحث وإما أن تكون نظرية فتبحث في علم آخر يكون مقدمة لهذا العلم ، وعلم الفقه لما كان محور بحثه هو الحكم الشرعي والحكم نوع من الاعتبار ، احتجنا لعلم آخر يبحث عن المبادئ التصديقية للحكم الشرعي ، وذلك بالحديث عن الاعتبار بصفة عامة والاعتبار الشرعي بصفة خاصة وعوارض هذا الاعتبار وأقسامه ولواحقه ، وذلك العلم هو علم الأصول ، فنقول : بأن التصنيف المقترح يدور حول الاعتبار وشؤونه وتفصيلاته في خمسة عشر بحثاً وهي :

1 ـ تعريف الاعتبار.

2 ـ تقسيمه للاعتبار الأدبي والقانوني.

3 ـ العلاقة بين الاعتبارين.

4 ـ اسلوب الجعل للاعتبار القانوني.

5 ـ مراحل الاعتبار القانوني.

6 ـ أقسام الاعتبار القانوني.

7 ـ العلاقة بين هذه الاقسام.

8 ـ أقسام القانون التكليفي والقانون الوضعي.

9 ـ عوارض الأحكام القانونية.

10ـ وسائل ابراز الحكم القانوني.

11 ـ وسائل استكشافه.

47

12 ـ وثاقة هذه الوسائل.

13 ـ التعارض الاثباتي والثبوتي بين وسائل الاستكشاف.

14 ـ التنافي بين الاعتبارات القانونية حين التطبيق.

15 ـ تعيين القانون عند فقد الوسيلة الاعلامية.

الأول : تعريف الاعتبار :

إن الفارق بين الأمر الاعتباري والتكويني يتلخص في كون التكويني حقيقة واقعية لا تختلف باختلاف الانظار والتوجهات وتكون نسبة الذهن البشري لها نسبة العلم الانفعالي لمعلومه ، بينما الأمر الاعتباري عمل ذهني إبداعي يقوم به الفرد أو المجتمع وتكون نسبة العقل البشري له نسبة العلم الفعلي لمعلومه ، فلذلك يختلف باختلاف النظرات والتوجهات والمجتمعات.

الثاني : اقسامه :

ينقسم الأمر الاعتباري للاعتبار الأدبي والاعتبار القانوني ، والفارق بينهما أن الاعتبار الأدبي هو اعطاء حد شيء لشيء آخر بهدف التأثير في إحساس المجتمع ومشاعره كإعطاء حد الأسدية للرجل الشجاع بهدف زرع الهيبة والاكبار له في نفوس الآخرين ، وهو اعتبار غير متأصل لعدم كونه ظاهرة اجتماعية بل هو عمل فردي ، مضافاً لعدم تطابق المراد الاستعمالي فيه مع المراد الجدي ، فإن المراد الاستعمالي من ذكر الأسد مثلاً هو معناه المعروف بين الناس ولكن المقصود الجدي هو العناية في تطبيق ذلك المعنى على فرد ادعائي وهو الرجل الشجاع.

أما الاعتبار القانوني فهو صنع القرار المناسب للمصلحة الفردية أو الاجتماعية ، وهو اعتبار متأصل لكونه ظاهرة اجتماعية عامة ، مضافاً لتطابق المراد الاستعمالي فيه مع المراد الجدي ، إذن فالاعتبار الأدبي يختلف عن الاعتبار القانوني حقيقة وهدفاً وصفة ، أما اختلافهما في الحقيقة مع أنهما من مقولة الاعتبار والعمل الابداعي فهو أن الاعتبار القانوني قرار مرتبط بالجانب العملي

48

للفرد والمجتمع باسلوب مباشر كما في القوانين التكليفية ، أو باسلوب غير مباشر كما في الأحكام الوضعية ، فالقانون هو المحرك العملي والزاجر الفعلي بشكل مباشر أو غير مباشر ، بينما الاعتبار الأدبي لا يرتبط بالجانب العملي للانسان وإنّما يرتبط بالجوانب الذوقية والنفسية للإنسان. وأما اختلافهما في الهدف فإن الهدف من الاعتبار القانوني قيادة إرادة الإنسان لتحقيق المصلحة والبعد عن المفسدة ، بينما الهدف من الاعتبار الأدبي هو التأثير على أحاسيس الجمهور ومشاعرهم وميولهم.

وأما اختلافهما في الصفة فصفة الاعتبار الأدبي عدم تأصله خارجاً وعدم تطابق المراد الاستعمالي فيه مع المراد الجدي ، وصفة الاعتبار القانوني هو التأصل خارجاً مع تطابق المرادين فيه.

الثالث : العلاقة بين الاعتبارين :

إن علاقة الاعتبار الأدبي بالاعتبار القانوني تبرز في تولد الاعتبار القانوني من الاعتبار الأدبي ، فإن الاعتبار القانوني في بداية وجوده يكون اعتباراً أدبياً صرفاً ، فمثلاً اعتبار المال مملوكاً لزيد حقيقته اعطاء حد شيء لشيء آخر ، وهو اعطاء لوازم الأمور الشخصية كافعال الإنسان الجوارحية والجوانحية للأمور الأجنبية عنه ، فكما أن فعل الإنسان تحت ارادته قبضاً وبسطاً واعطاءاً ومنعاً فكذلك المال الاجنبي عنه يكون تحت تصرفه وارادته ، وهذه هي حقيقة الملكية ، فهي اعتبار أدبي في مبدأ وجوده لكنه يتحول بمرور الوقت وبعد اقرار المجتمع العقلائي له وكثرة استعماله إلى اعتبار قانوني يرتبط بعمل الفرد والمجتمع ، ويكون أمراً متأصلاً متصفاً بمطابقة المراد الاستعمالي فيه للمراد الجدي.

الرابع : عناصر القانون وأسلوب جعله :

عناصر القانون أربعة :

1 ـ الملاك وهو المصلحة أو المفسدة الموجودة في المتعلق.

2 ـ المصحح : حيث ان الحكم نوع من الاعتبار ، والاعتبار لا يكون ذا

49

فاعلية وتأثير في المجتمع العقلائي حتى يكون له مصحح ، والمصحح للاعتبار القانوني هو صدق عنوان الداعي للخير والزاجر عن الشر عليه ، وهذا المصحح هو ملاك الحكم نفسه التابع للملاك الموجود في متعلقه وهو المصلحة والمفسدة.

3 ـ الارادة وهي التصميم والعزم على تأسيس القانون.

4 ـ الصياغة وهي صب القانون باسلوب مؤثر في قيادة إرادة الفرد أو المجتمع نحو فعل متعلق الأمر ، وهل يراعى في هذه الصياغة نوع الملاك ، فإذا كان الملاك مثلاً مفسدة فالمناسب كون الصياغة زجرية وإذا كان الملاك مصلحة فالمناسب كون الصياغة بعثية ، أم يراعى فيها المستوى النفسي للمكلفين فيختار الصياغة المؤثرة سواءاً تناسبت مع نوع الملاك أم لا ؟ والجواب عن ذلك يأتي في بحث الضد.

وأما أسلوب جعله فإن الاساليب المستخدمة في صياغة الاعتبار الأدبي كالمجاز المرسل والاستعارة والكناية ونحوها مذكورة بالتفصيل في كتب علم البيان ، وأما أساليب صياغة الاعتبار القانوني فهي على نوعين :

أ ـ اسلوب القضايا الحقيقة الراجعة لقضية شرطية مقدمها وجود الموضوع خارجاً وتاليها ثبوت المحمول له ، كقولنا كل مستطيع يجب عليه الحج الشامل للفرد الموجود بالفعل الواجد للشرائط وغير الواجد لها وللفرد المقدر الوجود.

ب ـ اسلوب القضايا الخارجية الراجعة لتوجيه خطاب تكليفي أو وضعي للأفراد الموجودين بالفعل الواجدين لشرائط الخطاب فقط ، فالاسلوبان يفترقان من حيث المفهوم والمصحح والأثر ، أما افتراقهما مفهوماً فإن مفهوم الجعل الحقيقي متقوم بالموضوع الفرضي ومفهوم الجعل الخارجي متقوم بالموضوع الفعلي ، وأما افتراقهما في المصحح فالمصحح للجعل القانوني الكلي هو الداعوية والزاجرية بالامكان بينما المصحح للخطاب الخارجي هو الداعوية

50

والزاجرية بالفعل ، وأما افتراقهما في الأثر فإن أثر الخطابات الحقيقية هو الشمول للأفراد المقدرة الوجود باعتبار مرور الحكم بمراحل كمرحلة الانشاء والفعلية والتنجز ، بينما أثر الخطاب الخارجي هو انطواء مرحلة الجعل في مرحلة الفعلية ومرحلة الفعلية في مرحلة التنجز وعدم الشمول الا للأفراد الفعلية.

الخامس : في بيان مراحل القانون :

إن الاعتبار القانوني له أربع مراحل في نظر المتأخرين من الأصوليين :

أ ـ مرحلة الاقتضاء : وهي مرحلة وجود ملاك الحكم ومناطه ويعتبر وجود الملاك خارجاً وجوداً للحكم بالعرض والمجاز باعتبار أن روح الحكم في ملاكه وغاية جعله في مناطه ، ولذلك يقال بأن للحكم وجود اقتضائياً في وجود ملاكه.

ب ـ مرحلة الجعل والانشاء: وهي حقيقة الحكم فإن فيها تتم صياغة الحكم وتحديد معالمه وشؤونه ، فالحكم بالحمل الأولي هو هذه المرحلة الجعلية إذا صدرت ممن له أهلية الجعل والانشاء.

ج ـ مرحلة الفعلية. وهي في نظر المحقق النائيني عبارة عن تحقق الموضوع وفعليته خارجاً وفعلية الموضوع منشأ لفعلية الحكم فإن نسبة الحكم لموضوعه نسبة المعلول لعلته التامة ، وهذه المرحلة انعكاس لجميع القيود والحدود المأخوذة في مرحلة الانشاء من دون أن تخضع هذه المرحلة لأي تصرف قانوني من قبل المولى. هذا بنظر النائيني (قده) وأما في نظر الآخوند فهي عبارة عن مرحلة الفاعلية أي خروج القانون من مؤسسة الجعل إلى اللوائح الاعلامية التي بها يكون القانون ذا فاعلية وتأثير بحيث لو علم به المكلف لتنجز عليه ، فلا ربط لهذه المرحلة في نظره بتحقق الموضوع خارجاً وإنّما هي مرتبطة بوصول الحكم للوسائل المبرزة له.

د ـ مرحلة التنجز : وهي مرحلة وصول الحكم للمكلف بحيث تصح ادانته به وتتم مسؤوليته عنه.

51

السادس : أقسام الاعتبار القانوني :

قسم الأصوليون الاعتبار القانوني لثلاثة أقسام :

1ـ حكم تكليفي.

2 ـ حكم وضعي.

3 ـ الماهية المخترعة ، فالحكم التكليفي متقوم بعنصرين :

1 ـ استبطانه للحكم الجزائي فإن الوجوب والحرمة مستبطنان للوعيد على الترك أو الفعل والاستحباب والكراهة مستبطنان للوعد على الفعل أو الترك ، فحيثية التضمن للحكم الجزائي مقومة للحكم التكليفي.

2 ـ ارتباطه المباشر بعمل الفرد فهو متوجه ومتعلق بالفعل الخارجي ، لذلك ورد تعريفه في كلماتهم بأنه الانشاء بداعي جعل الداعي أو جعل الزاجر في نفس المكلف نحو الفعل.

والحكم الوضعي متعلق بالعمل الخارجي لا على نحو المباشرة كالحكم التكليفي ولا على نحو الاستبطان للحكم الجزائي سواءاً كان وعيداً أم وعداً.

والماهية المخترعة قد تكون عبادة كالصلاة والحج وقد تكون موضوعاً كالميتة والمذكى وقد تكون معاملة كالبيع والصلح وسيأتي بحث ذلك في الصحيح والأعم.

السابع : العلاقة بين الحكم التكليفي والوضعي وبين أقسام الحكم التكليفي :

أما العلاقة بين الحكم التكليفي والوضعي فهو بحث طرح في باب الاستصحاب ، فاختار الشيخ الأنصاري (قده) تفرع الأحكام الوضعية على الأحكام التكليفية وأنها مجعولة بتبع جعلها لا بجعل مستقل ، وذهب بعضهم إلى عكس ذلك وهو انتزاع الحكم التكليفي من الحكم الوضعي كالسيد الشاهرودي (قده) ، وذهب آخرون للعينية واستبطان الحكم الوضعي للحكم

52

التكليفي ، وذهب بعض الأعاظم (1) للتفصيل في الأحكام الوضعية فبعضها منتزع من الحكم التكليفي كالجزئية المنتزعة من الأمر بالمركب وبعضها مجعول بالاستقلال كالملكية والزوجية وشبه ذلك ، وسيأتي اشباع البحث في محله. وأما العلاقة بين الأحكام التكليفية نفسها فهي إما علاقة التنافر وإما علاقة التلازم ، فعلاقة التنافر والتضاد هي التي سنشير إليها في بحث عوارض الأحكام ، وأما علاقة التلازم فهي المبحوث عنها في مقدمة الواجب ومسألة الضد حيث يذكر هناك أنه هل يوجد تلازم بين وجوب ذي المقدمة ووجوب المقدمة شرعاً أم لا ، وهل يوجد تلازم بين وجوب الشيء وحرمة ضده أو حرمة شيء ووجوب ضده أم لا.

الثامن : أقسام القانون التكليفي والوضعي :

ينقسم القانون التكليفي للأحكام الخمسة وهي التي وقع البحث في كونها أموراً اختراعية أم أموراً نسبية واقعية ، فعلى مسلك المحقق الطهراني من كون الحكم عبارة عن نسبة بين الموك وبين فعل المكلف وهي إما نسبة القبول أو الرفض يتم الرأي الثاني ، وعلى المسلك المشهور من كون الحكم عبارة عن الاعتبار المولوي المستبطن للوعد أو الوعيد يتم الرأي الأول وبناءاً عليه فهل الفارق بين الوجوب والندب وبين الحرمة والكراهة فرق تشكيكي بالشدة والضعف كما يراه المحقق العراقي أم تغاير ذاتي يجعلهما وجودين مختلفين ، وسيأتي البحث عن ذلك في محله.

وينقسم الوجوب منها للوجوب التخييري والتعييني ، والعيني والكفائي ، والتعبدي والتوصلي ، وسيأتي شرح ذلك كله. وينقسم المباح للمباح الاقتضائي والمباح اللااقتضائي. وينقسم الالزام بصفة عامة للإلزام النفسي والغيري ، والطريقي والإرشادي ، وسيأتي البحث حول الفرق الجذري بين هذه الأقسام ،

____________

(1) تهذيب الأصول للإمام الخميني 2 : 73.

53

كما ينقسم الالزام ـ أيضاً ـ للمولوي والإرشادي ، ويبحث في الأصول حول المائز بين المولوي والإرشادي ، فهل هما مختلفان بالذات حيث ذهب بعض الأصوليين إلى كون المولوي من سنخ الانشاء والارشادي من سنخ الاخبار ، أم هما مختلفان بلحاظ الملاك حيث أن المولوي نابع من ملاك في نفسه والارشادي نابع عن ملاك فيما يرشد إليه ، أم هما مختلفان من حيث الحكم الجزائي بلحاظ أن المولوي لإطاعته ثواب ولعصيانه عقاب وليس كذلك الأمر الارشادي فالثواب على فعل ما يرشد اليه والعقاب على ترك ما يرشد إليه ، كما وقع البحث أيضاً في أن الأصل في الأمر هل هو المولوية أم الارشادية حيث ذهبنا لكون الأصل هو المولوية بمقتضى القرينة المقامية وهي صدور الأمر من المولى ، وأن ضابط الأمر الارشادي هو إدراك العقل النظري أن وراء الأمر غرضاً وهدفاً معيناً لا يمكن الوصول له إلا بفعل متعلق الأمر فإذا أدرك العقل ذلك الهدف بعينه فالأمر إرشادي لا مولوي تعبدي وإلا فهو مولوي.

وينقسم القانون الوضعي عدة تقسيمات ، منها انقسامه للحق والحكم فما هو الفارق بين الحق والحكم فهل هما متغايران كما هو الصحيح أم متحدان كما ذهب إليه الاستاذ السيد الخوئي (قده) ، فهذا البحث ليس من البحوث الفقهية بل هو من المبادئ التصورية لعلم الفقه ، ونحن نطرحه في أبحاث علم الأصول لأنه من أقسام الاعتبار القانوني.

مضافاً إلى أن الفرق بين البحث الأصولي والبحث الفقهي أن البحث الأصولي بحث عن النظرية والبحث الفقهي بحث في عملية التطبيق ، فكما صح البحث في الأصول عن حقيقة الوجوب العيني الكفائي يصح البحث فيه عن حقيقة الحق والفارق بينه وبين الحكم.

التاسع : عوارض الحكم القانوني :

يقع البحث في علم الأصول عن صفات الحكم القانوني وعوارضه ، فمن عوارضه أربع صفات :

54

أ ـ الاطلاق والتقييد في مرحلة الثبوت بالنظر للموضوع أو المتعلق : وتقابل الاطلاق والتقييد هل هو تقابل التضاد أم الملكة والعدم أم السلب والإيجاب ، فكل هذا بحث عن عوارض القانون وسياتي تفصيله.

ب ـ التضاد بين الأحكام الخمسة : وهل هو تضاد حقيقي أم تضاد اعتباري أم تضاد عرضي باعتبار مرحلة المبدأ أو مرحلة المنتهى ، ومما يتفرع على البحث حول تضاد الأحكام البحث حول امكان اجتماع الأمر والنهي مع أنهما ضدان أو امتناعه والبحث حول كيفية الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي مع تضادهما.

ج ـ البساطة والتركيب : يبحث في علم الأصول حول حقيقة بعض الاعتبارات القانونية فهل هي بسيطة أم مركبة ، فالوجوب ـ مثلاً ـ هل هو طلب الفعل مع المنع من الترك كما يقول القدماء فهو أمر مركب ، أم هو الالزام بالفعل كما يراه بعض المتأخرين ، أم هو اعتبار الفعل على ذمة المكلف كما تراه مدرسة المحقق النائيني (قده) ، أم هو بمعناه اللغوي وهو الثبوت كما في كلمات المحقق العراقي فهو أمر بسيط ، أم هو الاعتبار المستبطن للحكم الجزائي ، أي أن الوجوب هو البعث المستبطن للوعيد على الترك والحرمة هي الزجر المستبطن للوعيد على الفعل والاستحباب هو البعث المستبطن للوعد على الفعل والكراهة هي الزجر المستبطن للوعد على الترك كما هو مسلكنا.

د ـ الحركة الاشتدادية : بحث بعض الأصوليين في امكان الحركة في الاعتبارات ، بمعنى أن الحركة الاشتدادية في مراتب الوجود الخارجي ممكنة وواقعة فهل تتصور هذه الحركة في الاعتبارات أم لا ، فيكون الوجوب ضعيفاً ثم يصبح مؤكداً أم أن ذلك تابع لمقدار الاعتبار فإذا أعتبره المولى مؤكداً فهو كذلك وإلا فلا تعقل فيه الحركة الاشتدادية.

العاشر : وسائل إبراز الحكم القانوني :

وهي ما يسمى في الأصول

55

بصغريات أصالة الظهور كالبحث حول ظهور المشتق في الأعم أو خصوص المتلبس بالمبدأ ، والبحث حول ظهور صيغة الأمر ومادته في الوجوب النفسي العيني التعييني ، والبحث حول ظهور صيغة النهي ومادته وصيغة الفعل المضارع والماضي والجملة الاسمية ، والفارق الحقيقي بين الجملة الخبرية والإنشائية وبين الاطلاق الحقيقي والمجازي ، ومباحث العام والخاص والمطلق والمقيد والمنطوق والمفهوم وأمثال ذلك من الوسائل الكلامية والخطابية التي يتخذها المقنن والجاعل لإبراز الحكم القانوني من خلالها.

الحادي عشر : وسائل استكشاف القانون :

وسائل استشكاف القانون وتحديد نوعه ودرجته ومقدار شموليته هي وسائل ابرازه السابقة لا غيرها.

الثاني عشر : توثيق الوسائل :

إنه لا يمكن للانسان أن يستند لقانون في مقام العمل حتى يثق بظهوره وصدوره ، فهناك عنصران لابد من التأكد من حصولهما وهما : عنصر الظهور للخطاب في القانون الكذائي وعنصر السند والثبوت والا فلا يكون العمل بذلك حجة عند العقلاء لإنه عمل بغير علم. فأما عنصر الظهور فبعد احرازه بالوجدان تجري قاعدة حجية الظهور التي بحث الأصوليون في أصل ثبوتها وحدودها ، وأنها هل تشمل المقصودين بالافهام وغيرهم أم تختص بالمقصودين فقط ، وهل تشمل حالة الظن بخلافها أم لا ، وهل هي مشروطة بالظن بالوفاق أم لا. وأما عنصر الثبوت والصدور فقد بحث عنه الأصوليون ، وقسموا الحجة لحجة ذاتية وعرضية فالأولى هي العلم والثانية الظن المعتبر بدليل شرعي إمضائي أو تأسيسي كخبر الثقة أو الخبر الموثوق به ، والشهرة والاجماع المنقول والظن الانسدادي بناءاً على الكشف ، وأصالة الظهور ونحو ذلك.

الثالث عشر : التعارض الاثباتي والثبوتي بين الأحكام القانونية :

أما التعارض الاثباتي فالمقصود به التعارض الغير المستقر المتحقق في مرحلة الاثبات

56

بدون سرايته لمرحلة الثبوت ، كالتعارض بين العام والخاص والمطلق والمقيد والعامين من وجه مع أقوائية أحدهما ظهوراً على الآخر والناسخ والمنسوخ والحاكم والمحكوم والمنطوق والمفهوم. والمقصود بالتعارض الثبوتي استقرار التعارض بين الدليلين بحيث يعد تنافياً بين المدلولين بالذات وبين الدالين بالعرض ، فيبحث في علم الأصول عن المرجحات لأحد المتعارضين من حيث السند أو المضمون أو الجهة ، وعلى فرض تكافؤهما فهل النتيجة هي التساقط والرجوع للأصل العملي أم التخيير بينهما وسيأتي بحث ذلك.

الرابع عشر : التنافي بين القوانين في مقام العمل والتطبيق :

إن التنافي بين القوانين إما في مرحلة الجعل وقد سبق بحثه في أقسام التعارض ، وإما في مرحلة التطبيق والعمل وهو المسمى ببحث التزاحم الذي يبحث فيه عن ترجيح الأهم من المتنافيين على المهم وعلى فرض التساوي فالوظيفة هي التخيير ، وقد صغنا هذا البحث بصياغة أخرى وهي البحث حول دخالة القدرة ، فهل هي دخيلة في مرحلة الجعل أم في مرحلة الفعلية أم في مرحلة التنجز أم أنها غير دخيلة أصلاً وإنّما العجز مانع من التنجز كما يراه بعض الأعاظم (قده) (1).

وعلى بعض هذه الفروض يدخل تنافي القوانين في التعارض وعلى بعضها يدخل في بحث التزاحم كما شرحناه في محله.

الخامس عشر : تعيين القانون عند قصور الوسيلة :

إذا لم تتحقق الوسيلة الاعلامية الكاشفة عن القانون إما لفقدها أو إجمالها أو تعارضها مع وسيلة أخرى فما هو القانون المطبق حينئذٍ ، فتارة لا يكون هناك علم إجمالي وتارة يكون ، فإذا لم يكن هناك علم إجمالي فهل احتمال التكليف منجز أم يختص

____________

(1) تهذيب الأصول 1 : 308.