مستمسك العروة الوثقى - ج13

- السيد محسن الطباطبائي الحكيم المزيد...
433 /
3

فصل في أحكام الشركة

وهي عبارة عن كون شي‌ء واحد لاثنين أو أزيد ملكاً أو حقاً [1]. وهي ( إما واقعية قهرية ) كما في المال أو الحق الموروث ( وإما واقعية اختيارية ) من غير استناد الى عقد كما إذا أحيا شخصان أرضاً مواتاً بالاشتراك. أو حفرا بئراً.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمد وآله الغر الميامين الطيبين الطاهرين المعصومين.

________________________________________________

فصل في أحكام الشركة‌

[1] قال في الشرائع : « الشركة اجتماع حقوق الملاك في الشي‌ء الواحد على سبيل الشياع » ونحوه في القواعد وغيرها ، بل هو المشهور. وفي جامع المقاصد : « في التعريف نظر ، لانتقاضه بالشركة في القصاص ، وحد القذف ، والخيار ، والرهن ، والشفعة ، ونحو ذلك ، فإنه ليس هناك ملك حقيقي ، فلا مالك حقيقة. وقد صرحوا بأن هذا أحد أقسام الشركة الثلاثة ». وفيه : أن المراد من الملاك ما يشمل ذوي الحقوق التي منها ما ذكره ، إذ الحقوق نوع من الأملاك ، والحق نوع من الملك والاختلاف بينهما بحسب المورد لا غير ، كما أوضحناه في بعض مباحث هذا الكتاب.

4

أو اغترفا ماءً ، أو اقتلعا شجراً ( وإما ظاهرية قهرية ) [1] كما إذا امتزج مالهما من دون اختيارهما ـ ولو بفعل أجنبي ـ بحيث لا يتميز أحدهما من الآخر ، سواء كانا من جنس واحد ،

________________________________________________

ولأجل ذلك صح التعبير بقوله : « اجتماع حقوق الملاك » إذ الحقوق لو كانت غير الاملاك لكانت الإضافة مجازية ، إذ الملاك على هذا لا حقوق لهم ، ولا تكون الحقوق إلا لأهل الحقوق ، لا للملاك ، كما هو ظاهر. ومن ذلك يظهر الاشكال فيما ذكره المصنف عدولا عن تعريف المشهور ، إذ زاد قوله (ره) : « ملكاً أو حقاً » فراراً عن الاشكال المذكور. لما عرفت من عدم ورود الإشكال في نفسه. ونقص تقييد على سبيل الإشاعة مع الحاجة إليه ، إذ لولاه لصدقت الشركة فيما إذا كان خشب البيت لشخص وسائر آلاته لآخر وأرضه لثالث ، لصدق كون الشي‌ء الواحد لأكثر من واحد ، مع أنه لا شركة هنا » كما صرحوا بذلك. وحمل الواحد على البسيط الذي لا يتجزأ كما ترى. وكأن عذره أن الشركة التي يقصد تعريفها غير الشركة بالمعنى الشرعي ، كما سيأتي في كلامه قريباً.

[1] قال في الشرائع : « وكل مالين مزج أحدهما بالآخر بحيث لا يتميزان تحققت فيهما الشركة ، اختياراً كان المزج أو اتفاقاً » وألحقه في الجواهر بقوله : « مقصوداً به الشركة أولا ، بلا خلاف أجده فيه ، بل الإجماع بقسميه عليه » وفي القواعد : « وتحصل الشركة بالمزج ، سواء كان اختياراً أو اتفاقاً » ونحوهما عبارات غيرهما. والظاهر منها كون الشركة واقعية تتبدل ملكية كل منهما للجزء المعين في نفس الأمر بالجزء المشاع.

لكن في الجواهر خص ذلك بما إذا كان المزج بقصد الشركة ، أما إذا كان قهراً ، ـ كما في مفروض كلام المصنف ـ أو اختياراً لا بقصدها فالمراد من الشركة الحكمية ، يعني تجري أحكام الشركة حينئذ ويعامل‌

5

________________________________________________

معاملتها في الاحكام ، مع بقاء الملكية بمالها من تعلقها بالجزء المعين الخارجي في نفس الأمر ، بحيث لو فرض العلم ببعضه لأحدهما لم يكن للآخر شركة فيه ، بل لو فرض بقاء ما ليس هو إلا لأحدهما أمكن حينئذ الرجوع إلى القرعة عند القائل بها في مثله .. إلى آخر ما ذكر مما يرجع إلى نفي ملكية الجزء المشاع. وكأن هذا هو المراد من الظاهرية في عبارة المتن ، بل في بعض عبارات الجواهر أيضاً ، فالمراد الشركة الحكمية الواقعية ، لا الشركة على وجه الإشاعة لكنها ظاهرية ، لأن جعل هذه الملكية إما مع بقاء الملكية للجزء المعين أو مع انتفائها ، فعلى الأول يلزم اجتماع ملكيتين في موضوع واحد لمالكين ، وعلى الثاني لا ملكية واقعية سوى ملكية المشاع ، فكيف تكون ملكية المشاع ظاهرية؟! اللهم إلا أن يكون مجرد اصطلاح.

وكيف كان فما في الجواهر هو الذي تقتضيه القواعد العامة ، ولا دليل على تبدل الملكية حقيقة ، والأصل عدمه. والإجماع على التبدل غير ثابت. ولا سيما بملاحظة أن سببية المزج للشركة لم يذكره الشيخ ولا غيره من القدماء ، وإنما ذكره المتأخرون ، على ما قيل. وعلى هذا لا يعتبر في حصول الشركة بالمعنى المذكور ـ أعني الحكمية ـ اتحاد الجنس ، ولا اتحاد الوصف ، بل تكون حتى مع تعدد الجنس وفقد التمييز ـ كما في مزج الدبس بالخل ، ودقيق الحنطة بدقيق الشعير ، ودهن الحيوان بدهن النبات ودهن اللوز بدهن الجوز ـ ومع وحدة الجنس واختلاف الوصف ـ كمزج الحنطة الحمراء بالصفراء ـ ومع اختلاف الجنس واختلاف الوصف ـ مثل خلط الماش بالرز ، والحنطة بالشعير إذا فرض تعذر عزله بعضها عن بعض ـ فان الحكم في الجميع هو الشركة الحكمية ، ولا وجه لذكر القيود المذكورة في كلامهم. وبالجملة : الشركة الحكمية ـ بمعنى ترتيب آثار الشركة وأحكامها ـ لا تتوقف على أكثر من الامتزاج ، فيكفي ذلك فيه وإن‌

6

________________________________________________

كان تميز بين الاجزاء مثل الأمثلة التي ذكرناها. ومن ذلك يظهر إشكال ما في الجواهر ، فإنه اعترف بأن الشركة في مزج المالين حكمية واعتبر فيها عدم التميز بين الاجزاء. فلاحظ كلامه.

هذا ولكن التحقيق : أن الامتزاج بين المالين الموجب لارتفاع التميز بينهما موجب للشركة الحقيقية ـ كما هو ظاهر الأصحاب وإن كانت أجزاء المالين متميزة في نفس الأمر ـ فإن ذلك من الأحكام العرفية الممضاة لدى الشارع المقدس. بل إن ذلك ـ في الجملة ـ من الضروريات الفقهية والعرفية ، وقد حكي عن التذكرة الإجماع عليه ، وفي المسالك : أنه لا خلاف فيه.

نعم قد يقع الإشكال في عموم الحكم وخصوصه ، والمحكي عن المقداد أنه قال : « الفائدة الثانية : الشركة أمر حادث. وكل حادث لا بد له من سبب ، والسبب هنا قد يكون إرثاً وقد يكون حيازة ـ كما لو اقتلعا شجرة ، أو اغترفا ماء بآنية ـ وقد يكون مزجاً ، كما إذا مزجت الاجزاء المتساوية المصغرة بحيث لا يتميز جزؤ عن جزؤ كالادقة والادهان ، لا كالحنطة والذرة والدخن والسمسم والدراهم الجدد والعتق ». والظاهر عدم الشركة في امتزاج الحنطة بمثلها والذرة بمثلها وكذا الدخن والسمسم. وحمله في الجواهر على إرادة عدم الشركة في امتزاج الأمور المذكورة بغيرها ، لا بمثلها. لكنه خلاف الظاهر جداً. وفي الشرائع : « أما ما لا مثل له ـ كالثوب والخشب والعبد ـ فلا يتحقق فيه المزج ». وحمل على أن المراد عدم الشركة في مزج القيميات مثل الثوب والعبد والخشب ، فيكون ذلك تفصيلا فيه بين المثلي والقيمي. لكن الظاهر من عبارته اعتبار المزج في حصول الشركة ، ولا يتحقق ذلك في مثل الأمثلة المذكورة ، بل يكون من اشتباه أحد المالين بالآخر ، والمرجع فيه القرعة.

والمتحصل مما ذكرنا أمور ( الأول ) : أن التعبير عن الشركة في‌

7

________________________________________________

المقام بالظاهرية لم يكن مذكوراً في كلام الأصحاب ، وإنما هو مذكور في كلام المصنف ، وفي الجواهر في بعض مباحث الشركة غير هذا المقام. ( الثاني ) : أن الشركة مع اتحاد الجنس والوصف شركة حقيقية واقعية. ( الثالث ) : أن الشركة مع الامتزاج بين الجنسين ـ سواء انتفى التميز مثل خلط الادهان ومثل خلط الدبس بالخل ، أم كان تمييز ، مثل خلط الحنطة بالشعير ـ أو بين أفراد جنس واحد مع اختلاف الوصف ـ مثل الحنطة الحمراء بالصفراء ـ شركة حكمية ، بمعنى : أنه لا يجوز لأحد المالكين التصرف بدون إذن الأخر ، ويجوز المطالبة بالقسمة ، وأن العوض يكون مشتركاً بين المالكين ( الرابع ) : أن وجه الحكم في المقامين بناء الفقهاء الموافق لبناء العرف ( الخامس ) : أن ما ذكره في الجواهر من حمل الشركة على الشركة الحكمية إن كان ذلك خلافاً منه للفقهاء كان المناسب له التعرض للوجه المسوغ له مع ظهور الإجماع عليه أو دعواه صريحاً ونفي الخلاف فيه. وإن كان ذلك شرحاً لمراد الفقهاء كان المناسب له أيضاً التعرض لوجهه ، فإنه خلاف الظاهر. ولا سيما بملاحظة الشروط المذكورة في كلامهم من اتحاد الجنس وعدم التميز ، فان هذه الشروط لا تكون شرطاً في الحكمية كما عرفت.

هذا وفي الرياض : « واعلم أن المستفاد من كلمة الأصحاب في المقام سيما كلام الفاضل في التذكرة ـ في دعوى الإجماع على حصول الشركة بمزج العروض والأثمان مزجاً لا يتميز معه المالان ـ عدم اشتراط عدم التمييز في نفس الأمر ، بل يكتفى بعدمه في الظاهر وإن حصل في نفس الأمر. وهو مناف لما ذكروه في التعريف من أنها اجتماع الحقوق على الإشاعة ، فإن الظاهر حينئذ منها حيث تطلق أن لا يفرض جزؤ إلا وفيه حق لهما. وبه صرح الفاضل المقداد في شرح الكتاب ـ يعني النافع .. ( الى أن‌

8

كمزج حنطة بحنطة ، أو جنسين كمزج دقيق الحنطة بدقيق الشعير [1] ، أو دهن اللوز بدهن الجوز ، أو الخل بالدبس ( وإما ظاهرية اختيارية ) كما إذا مزجا باختيارهما لا بقصد الشركة فإن مال كل منهما في الواقع ممتاز عن الأخر ، ولذا لو فرض تمييزهما اختص كل منهما بماله [2]. وأما الاختلاط‌

________________________________________________

قال ) : بقي الكلام في التوفيق بين التعريف وما هنا ، والخطب سهل بعد الإجماع على ما هنا ، لعدم الدليل على ما في التعريف من اعتبار الإشاعة بالمعنى المتقدم .. » والظاهر منه أن الشركة في المالين الممتزجين على نحو لا يتميز أجزاؤها في الظاهر ليست على الإشاعة ، بل على شكل آخر وان لم يتعرض له.

وهو كما ترى ، فإن الإجماع الذي ادعاه كما كان على الشركة كان على كون الشركة على نحو الإشاعة. وهذا هو مراد الجواهر من قوله في الاشكال على الرياض : « إن التعريف للشركة الشرعية الموجبة للملك على الإشاعة التي قد ذكروا أسبابها بعد تعريفها ». وكأنه يخالف ما ذكره سابقاً من كون الشركة حكمية لا حقيقية. على أن الشركة لا بمعنى الملك على الإشاعة ليست من الأحكام الشرعية ، بل الأحكام الواقعية التابعة لأسبابها الواقعية ، نظير الشركة في النسب والبلد والمهنة ، وليس من وظيفة الفقهاء التعرض لها.

[1] قال في الشرائع بعد العبارة المحكية سابقا : « ويثبت ذلك في المالين المتماثلين في الجنس والصفة ». وظاهره اختصاص الشركة بذلك فيكون امتزاج الجنسين أو الفردين من جنس واحد مع اختلاف الصفة خارجاً عن مورد الشركة الحقيقية وإن كان داخلا في مورد الشركة الحكمية.

[2] هذا لا يدل على انتفاء الشركة قبل التميز الحادث من باب‌

9

مع التميز فلا يوجب الشركة ولو ظاهراً [1] ، إذ مع الاشتباه [2]

________________________________________________

الاتفاق ، لإمكان انفساخ الشركة بهذا التميز. نظير ما إذا وقع مقدار من البول في كرّ من ماء ، فإنه لما صار مستهلكاً بالامتزاج صار طاهراً ، فإذا أخذ كف منه فذلك المقدار طاهر يجوز شربه والوضوء به ، فاذا اتفق عروض بعض الطوارئ الموجب لتميز البول صار البول نجساً بعد أن خرج عن حال الاستهلاك الى حال الوجود العرفي.

[1] إذا كان الاختلاط بالمزج مثل اختلاط الحنطة البيضاء بالصفراء فقد عرفت أنه مع تعذر التخليص والعزل فهو أيضاً يوجب الشركة الحكمية ولو فرض إمكان العزل والتخليص بقي كل مال لمالكه من دون تبدل الاحكام. وإذا كان الاختلاط بدون مزج ـ كما إذا وضع ثوباً في ثياب زيد ، أو قوساً في أقواس عمرو ونحو ذلك ما لا مزج فيه ـ فان كان تميز فلا إشكال في أن كلاً من العينين لمالكه كما قبل الاختلاط ، وإذا لم يكن تميز فهذا من اشتباه المال بالمال ، فكل من المالين مردد بين المالكين ، فيرجع الى القرعة في تعيين مالكه.

نعم لو فرض تعذر العمل بالقرعة لكثرة الثياب ـ كما إذا خلط مائة ألف ثوب لزيد في مائة ألف ثوب لعمرو ولم يكن تميز بين الثياب ـ يرجع الى الشركة الحكمية ، ومن ذلك تعرف أن باب اشتباه أحد المالين بالآخر أجنبي عن باب المزج بلا تميز.

[2] كأنه يريد أنه مع عدم الاشتباه يبقى كل مال لمالكه من دون تبدل في الاحكام ، ولوضوح ذلك لم يتعرض لحكمه ، وقد عرفت أنه مع عدم الاشتباه تكون الشركة حكمية إذا كان من قبيل مزج الحنطة الصفراء بالبيضاء.

10

مرجعه الصلح القهري [1] أو القرعة ( وإما واقعية ) مستندة إلى عقد غير عقد الشركة ، كما إذا ملكا شيئاً واحداً بالشراء أو الصلح أو الهبة أو نحوها [2] ( واما واقعية ) منشأة بتشريك أحدهما الأخر في ماله كما إذا اشترى شيئاً فطلب منه شخص أن يشركه فيه. ويسمى عندهم بالتشريك. وهو صحيح لجملة من الأخبار [3] ( وإما واقعية ) منشأة بتشريك كل منهما الآخر في ماله. ويسمى هذا بالشركة العقدية ومعدود‌

________________________________________________

[1] الظاهر أن المراد من الصلح القهري الشركة الحكمية ، فالصلح يكون في مقام تمييز الحقوق والقسمة ، لا قبل ذلك ، وإلا كان هو الشركة الحقيقية.

[2] هذا من الواضحات ومصرح به في كلامهم.

[3] منها صحيح هشام بن سالم عن أبي عبد الله (ع) قال : « سألته عن الرجل يشارك في السلعة. قال : إن ربح فله ، وإن وضع فعليه » (1) ‌، وصحيح الحلبي عن أبي جعفر (ع) قال : « سألته عن الرجل يشتري الدابة وليس عنده نقدها ، فاتى رجل من أصحابه فقال يا فلان انقد عني ثمن هذه الدابة والربح بيني وبينك ، فنقد عنه ، فنفقت الدابة قال : ثمنها عليهما ، لأنه لو كان ربح فيها لكان بينهما » (2) ‌، ونحوهما غيرهما. وأما مثل صحيح إسحاق بن عمار قال : « قلت للعبد الصالح (ع) : الرجل يدل الرجل على السلعة فيقول : اشترها ولي نصفها ، فيشتريها الرجل وينقد من ماله. قال : له نصف الربح. قلت : فان وضع يلحقه‌

____________

(1) الوسائل باب : 1 من أبواب كتاب الشركة حديث : 1.

(2) الوسائل باب : 1 من أبواب كتاب الشركة حديث : 2.

11

من العقود [1]. ثمَّ إن الشركة قد تكون في عين وقد تكون في منفعة وقد تكون في حق ، وبحسب الكيفية إما بنحو الإشاعة وإما‌

________________________________________________

من الوضيعة شي‌ء؟ قال : عليه من الوضيعة كما أخذ الربح » (1) ‌، ونحوه غيره. فالظاهر منها التشريك في نفس الشراء ، بأن يشتري لهما معاً ، كما سبق في كلام المصنف.

[1] قال في المسالك : « وهي يعني : الشركة تطلق على معنيين أحدهما : ما ذكره المصنف في تعريفه من اجتماع الحقوق على الوجه المذكور وهذا هو المتبادر من معنى الشركة لغة وعرفاً .. ( إلى أن قال ) : وثانيهما : عقد ثمرته جواز تصرف الملاك للشي‌ء الواحد على سبيل الشياع. وهذا هو المعنى الذي به تندرج الشركة في جملة العقود ، ويلحقها الحكم بالصحة والبطلان. واليه يشير المصنف (ره) فيما بعد بقوله : قيل : تبطل الشركة أعني : الشرط والتصرف. وقيل : تصح. ولقد كان على المصنف أن يقدم تعريفها على ما ذكره ، لأنها المقصود بالذات هنا ، أو ينبه عليهما معاً على وجه يزيل الالتباس عن حقيقتها وأحكامها ولكنه اقتصر على تعريفها بالمعنى الأول ».

لكن في القواعد ذكر تعريفها بما سبق ، ثمَّ قال : « وأقسامها أربعة شركة العنان .. ( إلى أن قال ) : وأركانها ( يعني شركة العنان ) ثلاثة المتعاقدان .. » وظاهر ذلك ان التعريف إنما هو للشركة العقدية. ولذلك أشكل عليه في جامع المقاصد : بأنه إن كان غرضه البحث عن الشركة التي يجوز معها التصرف فحقه أن يعرف هذا القسم ، وإن كان غرضه البحث عن أحكام مطلق الشركة فعليه أن يقيد قوله : « وأركانها ». ثمَّ ذكر أن الشركة لها معنيان ( الأول ) : مطلق اجتماع حقوق الملاك في واحد‌

____________

(1) الوسائل باب : 1 من أبواب كتاب الشركة حديث : 4.

12

________________________________________________

على سبيل الشياع و ( الثاني ) هو الذي ينتظم في قسم العقود ويجري عليه أحكام الفساد والصحة. والأحسن ما يقال في تعريفها : أنها عقد ثمرته جواز تصرف الملاك للشي‌ء الواحد على سبيل الشياع. انتهى.

وفي الحدائق بعد ما ذكر ما حكيناه عن المسالك قال : « لا يخفى على من تأمل الأخبار الجارية في هذا المضمار أنه لا يفهم منها معنى للشركة غير ما ذكره الفاضلان ونحوهما كالشهيد في اللمعة وغيره. وهو المتبادر لغة وعرفاً من لفظ الشركة. وهذا المعنى الذي ذكره لا يكاد يشم له رائحة منها بالمرة » ثمَّ حكى كلام الروضة الذي هو مثل ما في المسالك ، ثمَّ أشكل عليه بما أشكل به على المسالك.

هذا ولا يخفى أن المراد من الشركة العقدية في كلام الجماعة إن كان إنشاء مفهوم الشركة بالعقد فلا ينبغي التأمل في صحة ذلك عرفاً ، فكما يصح إنشاء الشركة من قبل الشارع في الميراث مع تعدد الوارث ، وفي الحيازة مع تعدد الحائز ، يجوز إنشاؤها بعقد المتعاقدين ، سواء كان المال من أحد الشخصين فيشرك الآخر فيه ـ كما سبق ـ أم من كل من الشخصين فيشرك كل منهما صاحبه ، فيقول أحدهما مثلا : اشتركنا ، ويقول الآخر : قبلت. وقد دلت الاخبار على ذلك كله ، كصحيحي هشام بن سالم والحلبي المتقدمين. ومثل صحيح علي بن رئاب : « قال أبو عبد الله (ع) : لا ينبغي للرجل المسلم أن يشارك الذمي ولا يبضعه ولا يودعه وديعة » (1) ونحوه غيره.

وإن كان المراد من الشركة العقدية إنشاء الاذن في التصرف ـ كما قد يظهر من عبارتي جامع المقاصد والمسالك المتقدمتين ، ونحوهما عبارات غيرهما ، قال في القواعد : « وأركانها ثلاثة : المتعاقدان .. ( الى أن قال ) والصيغة ، وهو ما يدل على الاذن في التصرف. ويكفي قولهما :

____________

(1) الوسائل باب : 2 من أبواب الشركة حديث. 1.

13

بنحو الكلي في المعين [1] ، وقد تكون على وجه يكون كل من‌

________________________________________________

اشتركنا » ونحوها غيرها ـ فإنشاء الإذن ليس من العقود ، بل من الإيقاع ، ولا يرتبط بمفهوم الشركة ، وليس هو من لوازمه ، ولا مما تشير اليه النصوص كما ذكر في الحدائق.

وإن أريد من الشركة العقدية الاشتراك المنشأ بالعقد بشرط الاذن في التصرف بهما ، فهو أيضاً مقتضى عمومات الصحة في العقد وفي الشرط. ولا يظن من صاحب الحدائق أو غيره إنكاره إذ هو شركة بشرط كما لو اشتركا بشرط أن يكون التصرف لثالث أو لأحدهما بعينه وغير ذلك من الشرائط ، فإنه لا بد من القول بصحته ، عملا بعموم الأدلة.

ثمَّ إنه قد يستشكل في صحة إنشاء الشركة بين مالكين في ماليهما : بأنه لا بد من مزج المالين في صحة الشركة العقدية مع أنّ المزج نفسه يقتضي الشركة. ويندفع : بأن المزج إنما يقتضي الشركة إذا لم تكن منشأة ، أما إذا فرض إنشاؤها فلا يقتضي شيئاً. مع أن المزج قد لا يقتضي الشركة الحقيقية ، كما عرفت. مضافاً الى الإشكال في اعتبار المزج الذي هو من أسباب الشركة في صحة الشركة العقدية ، كما سيأتي الكلام في ذلك.

[1] في الجواهر : « لا إشكال في صدق الشركة معه ولا إشاعة. اللهم الا أن يراد منها عدم التعيين ، لا خصوص الثلث والربع ونحوهما » وما ذكره غير ظاهر ، فان معنى الشركة في المملوك كون الملك على نحو الجزء المشاع ، كما ذكره الأصحاب ، وحمل الإشاعة على معنى عدم التعيين خلاف المقطوع به من كلامهم ، فحملها على ذلك لا مقتضي له. وعليه فلا شركة في المقام ، ولا وجه لنفي الإشكال في صدقها. الا أن يراد بها الاشتراك في عنوان من العناوين والمماثلة فيه ، كما في البيت الواحد الذي يملك حجارته شخص وخشبه آخر وطينه ثالث ، فإن هؤلاء اشتركوا في‌

14

الشريكين أو الشركاء مستقلا في التصرف ، كما في شركة الفقراء في الزكاة [1] والسادة في الخمس [2] والموقوف عليهم‌

________________________________________________

وصف من الأوصاف ، وهو تملك شي‌ء من هذا البيت ، والشركة في ملك الصاع من الصبرة من هذا القبيل ، لاشتراك المالكين في صفة المالكية في الصبرة وإن اختلف المملوك ، وهذا خلاف معنى الشركة في المملوك التي هي محل الكلام.

[1] عن الشهيد في بعض حواشيه : أن ملك الفقراء للزكاة على البدل لا الجميع في عرض واحد ، فلا اشتراك. وفي الجواهر : أن المالك للزكاة الجنس لا الفرد ، وذكر أنه لا ريب في ملك الفقراء للزكاة في الجملة. وفيه : أن الملكية إن كانت مستفادة من اللام في قوله تعالى : ( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ ... ) (1) فاللام فيه ليست للملك ، وإنما هي للمصرف بقرينة بقية الأصناف ، مثل في الرقاب وفي سبيل الله تعالى الذي لا يظن من أحد الالتزام بالملك فيه ، والتفكيك بين الأصناف بعيد جداً. وان كانت مستفادة من غيره فغير ظاهر. وأما ما ذكره المصنف من كون كل من الفقراء مستقلا بالتصرف بالزكاة فغريب ، فإنه لا يجوز للفقير التصرف في الزكاة بدون إذن الولي ، وهو المالك أو الحاكم الشرعي فضلا عن أن يكون مستقلا بالتصرف.

[2] ظاهر الآية الشريفة ( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ ... ) (2) هو الملكية ، ولا مانع من ثبوت هذه الملكية بالنسبة إليه تعالى ، كثبوتها في النذر مثل : لله علي أن أتصدق ، فإن الصدقة تكون مملوكة له تعالى ، على نحو ملكية زيد للدينار في قول المقر لزيد‌

____________

(1) التوبة : 60.

(2) الأنفال : 41.

15

في الأوقاف العامة [1] ونحوها.

( مسألة 1 ) : لا تصح الشركة العقدية إلا في الأموال [2] بل الأعيان ، فلا تصح في الديون [3] ، فلو كان لكل منهما دين على شخص فأوقعا العقد على كون كل منهما بينهما لم يصح. وكذا لا تصح في المنافع ، بأن كان لكل منهما دار مثلا وأوقعا العقد على أن يكون منفعة كل منهما بينهما بالنصف‌

________________________________________________

علي دينار. نعم لا يمكن حملها على ملكية الافراد ، والا لزم البسط ، ولا يقول المشهور به ، وللزم انتقال المال إلى وارثه ولو لم يكن هاشميا. فالمتعين أن يكون المالك الجنس العاري عن الخصوصيات الفردية ، وبتعيين المالك يصير الفرد مالكاً ، وحينئذ لا معنى للاشتراك بين الافراد على نحو الاستقلال في التصرف.

[1] الأوقاف العامة إنما كان الوقف فيها على نحو البذل من دون ملك للموقوف عليهم ولا رائحة الملك ، فان كتب العلم موقوفة على أن تبذل للطلبة ، والمدارس موقوفة على أن تبذل للطلبة ، ومنازل المسافرين موقوفة على أن تبذل للمسافرين من دون ملك ولا مالك. ولذلك إذا غصبت فسرق الكتاب غير الطلبة لا يضمن منافعه بالاستيفاء ، وكذلك المدرسة إذا اغتصبها غير الطلبة فسكنوها لا يكون ضماناً لمنافعها عليهم ، بل ليس الا الغصب وفعل الحرام. ولو فرض ان كان للساكن من غير الطلبة عذر شرعي من غفلة أو ضرورة أو نحو ذلك فلا أثم ولا ضمان عليه.

[2] في مقابل الشركة في الأبدان وأختيها.

[3] لما يأتي من شرطية الامتزاج بين المالين في الشركة العقدية ، وهذا متعذر في الديون ، وكذا في المنافع. ولأجل ذلك كان المناسب تأخير هذه المسألة عن المسألة الرابعة المتضمنة لشرطية الامتزاج.

16

مثلا. ولو أراد ذلك [1] صالح أحدهما الآخر نصف منفعة داره بنصف منفعة دار الآخر ، أو صالح نصف منفعة داره بدينار مثلا وصالحه الآخر نصف منفعة داره بذلك الدينار. وكذا لا تصح شركة الأعمال [2] وتسمى شركة الأبدان أيضاً وهي أن يوقعا العقد على أن يكون أجرة عمل كل منهما مشتركاً بينهما ، سواء اتفق عملهما كالخياطة مثلاً ، أو كان عمل أحدهما الخياطة والآخر النساجة ، وسواء كان ذلك في عمل معين أو في كل ما يعمل كل منهما. ولو أراد الاشتراك في ذلك صالح أحدهما الآخر نصف منفعته المعينة أو منافعه إلى مدة كذا‌

________________________________________________

[1] يعني : لو أرادا نفس المشاركة في المنافع صالح أحدهما الآخر ... على نحو المعاوضة بين الحصتين ، أو على نحو تكون المعاوضة بين التمليكين فيقول : صالحتك على أن تملك حصة من مالي في مقابل أن أملك حصة من مالك ، أو على نحو آخر من دون معاوضة بين العينين ولا بين التمليكين فيقول. صالحتك على أن تكون حصة من مالي لك وحصة من مالك لي ففي جميع ذلك تحصل الشراكة بينهما في ماليهما ، وكذلك إذا كان بطريق الهبة المشروطة ، فيهب أحدهما حصته من ماله لصاحبه بشرط أن يهبه الآخر حصته من ماله. أو بطريق بيع الحصة على صاحبه بثمن ثمَّ شراء حصة صاحبه بذلك الثمن. كل ذلك لعدم اعتبار المزج في هذه العقود بخلاف الشركة ، فإن إنشاءها لا يصح الا بالمزج ، على ما سيأتي بيانه ، ولا يمكن ذلك في المنفعة.

[2] بلا خلاف معتد به أجده فيه بيننا ، بل الإجماع بقسميه عليه. بل المحكي منه مستفيض أو متواتر. كذا في الجواهر ، وفي مفتاح الكرامة :

17

________________________________________________

« أجمعوا على نقل الإجماع ، إذ هو محكي في تسعة عشر كتاباً أو أكثر ، كما سمعت ، وهو معلوم محصل قطعاً ». وعن المختلف (1) : أنه استدل على البطلان بإجماع الفرقة. وبأن الأصل عدم الشركة ، ولأنه غرر عظيم ، ولأن الشركة عقد شرعي فيقف على الاذن فيه وفي الجواهر : استدل عليه بالأصل السالم عن معارضة ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) بعد ما عرفت. والتراضي بما لم تثبت شرعيته غير مجد ، والمراد بالتجارة عنه ما ثبت التكسب به شرعاً. انتهى. والاشكال عليه ظاهر فان عموم ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) لا مخصص له إلا دعوى الإجماع على البطلان. وعليه لا مجال للرجوع إلى الأصل معه. ولا وجه لدعوى كون المراد من التجارة عن تراض ما ثبت التكسب به ، أو ما ثبت شرعيته. فان ذلك خلاف الإطلاق المقامي ، الموجب للتنزيل على المعنى العرفي. ولا يظهر الفرق بين عموم. ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) ، وعموم ( تِجارَةً عَنْ تَراضٍ ) حيث جعل الإجماع مقيداً للأول ، ولم يتعرض لذلك في الثاني. والذي نحصل من كلماتهم في المقام أن العمدة دعوى الإجماع. وفي كلام الأردبيلي (قدس سره) : « لا يظهر دليل على عدم الجواز إلا الإجماع ، فإن كان فهو ، وإلاّ فلا مانع ».

ويمكن أن يقال : إن العامل إذا آجر نفسه لعمل كانت الأجرة عوض العمل فتكون في ملك العامل ، فجعلها لغيره بعقد الشركة خلاف مقتضى دليل صحة الإجارة ، فإذا كانت الإجارة صحيحة كانت الشركة باطلة ، وإذا كانت الإجارة باطلة فالشركة أيضاً باطلة ، لأنها مبنية عليها‌

____________

(1) حكى في المختلف عن ابن الجنيد جواز شركة الوجوه. ورده بما ذكره في المتن ، فهو لم يستدل بما في المتن على بطلان شركة الاعمال بل على بطلان شركة الوجوه. وأما شركة الأعمال فقد حكى في المختلف عن ابن الجنيد كلاما ظاهراً في بطلانها وفاقاً المشهور ، ومن ثمَّ لم يستدل على بطلانها. راجع المختلف الجزء : 2 الصفحة : 21.

18

بنصف منفعة أو منافع الأخر ، أو صالحه نصف منفعته بعوض معين [1] وصالحه الأخر أيضاً [2] نصف منفعته بذلك العوض ولا تصح أيضاً شركة الوجوه [3] ، وهي أن يشترك اثنان وجيهان لا مال لهما [4] بعقد الشركة على أن يبتاع كل منهما في ذمته إلى أجل [5] ويكون ما يبتاعه بينهما فيبيعانه ويؤديان الثمن ويكون ما حصل من الربح بينهما. وإذا أرادا ذلك على‌

________________________________________________

فيعلم ببطلان الشركة على كل من تقديري صحة الإجارة وبطلانها.

نعم لو كان مفاد شركة الأعمال الاشتراك في الأجر بعد ما يدخل في ملك العامل منهما ، بحيث يخرج من ملك العامل الى ملك الشريك لم يجر الاشكال المذكور ، وكانت صحتها على طبق القواعد العامة. وكذا لو كان مفادها تشريك كل منهما الآخر في منفعته التي تقابل بالأجر والعوض لم يتوجه الاشكال المذكور ، كما سيأتي نظيره في كلام المصنف.

[1] فيكون التشريك في المنفعة بعنوان المصالحة لا بعنوان التشريك. كما سبق منا في الحاشية السابقة.

[2] فتكون هناك معاملتان لا معاملة واحدة كما في الوجوه السابقة.

[3] وجه البطلان فيها عندهم هو الوجه فيه في شركة الأعمال وفي مفتاح الكرامة : « والحجة على بطلانها ـ بعد الإجماع ـ الأصل ، والغرر والضرر ، وأنه عقد يتوقف على الاذن ». والعمدة دعوى الإجماع.

[4] هذا المعنى أحد الوجوه المذكورة في تفسيرها ، وفي المسالك : أنه الأشهر ، وفي التذكرة : أنه أشهرها. انتهى.

[5] ظاهر العبارة أن الثمن جميعه في ذمة المتاع وان كان قد ابتاع المثمن لهما معاً ، وفي الجواهر لم يتعرض لكون الثمن في ذمة المبتاع أو ذمتهما ، واقتصر على كون الابتياع لهما معاً ، وفي التذكرة قال في تفسيرها :

19

الوجه الصحيح وكل كل منهما الآخر في الشراء [1] فاشترى‌

________________________________________________

« ليبتاعا في الذمة إلى أجل على أن ما يبتاعه كل واحد منهما يكون بينهما. » ونحوه عبارة المسالك. وظاهره أن الابتياع لهما والثمن في ذمتهما معاً.

وكيف كان فان كان المراد ما ذكره المصنف ; من كون الابتياع لهما والثمن في ذمة المبتاع المباشر فالمعاملة في نفسها باطلة ، بناء على المشهور من وجوب دخول كل من العوضين في ملك من خرج منه الآخر ، فان الابتياع إذا كان لهما فقد دخل في ملك كل منهما نصف المبيع ، فيجب أن يخرج من كل منهما نصف الثمن ، ولازمه كون نصف الثمن في ذمة أحدهما والنصف الآخر في ذمة الآخر ، لا أن يكون تمام الثمن في ذمة أحدهما المباشر. نعم بناء على أن اللازم في المعاملات المعاوضية أن يدخل العوض في ملك مالك المعوض ، ولا يلزم العكس كما هو الظاهر ، تصح المعاملة المذكورة. وحينئذ لا موجب لبطلان الشركة إلا الإجماع ، وسيأتي.

[1] الفرق بين هذا وما قبله بناء على ما ذكره المصنف أمران : ( الأول ) : أن الشراء فيما قبله لهما كان بالاذن وهنا بالوكالة. ( الثاني ) : أن الشراء فيما قبله كان بذمة أحدهما وهنا بذمتهما معاً وعلى ما هو ظاهر التذكرة وغيرها بكون الفرق بين هذا وما قبله بالاذن فيما قبله وبالوكالة فيه. لكن هذا الفرق لا يصح أن يكون فارقاً قطعاً والمظنون ـ كما هو ظاهر المبسوط ـ أن المراد من شركة الوجوه أن يبتاع كل من الشريكين لنفسه بثمن في ذمته على أن يكون الربح بينهما. وحينئذ يتوجه الاشكال المتقدم في شركة الأبدان من أن الربح يتبع الأصل بمقتضى المعاملة ، فلا يمكن أن يجعل بعضه لغير مالك الأصل ، إلا بدليل خاص ، وهو مفقود ، ولا بد حينئذ من القول بالبطلان.

ولو لا ذلك أشكل القول بالبطلان ، كما أشكل الاعتماد على الإجماع‌

20

________________________________________________

في البطلان ، لعدم تحصل معقد الإجماع ، إذ قد عرفت أن شركة الوجوه قد فسرت بمعان أربعة أظهرها أو أشهرها ما ذكره المصنف ;. وفي القواعد فسرها بأن يبيع الوجيه مال الخامل بزيادة ربح ليكون له بعضه وخصه بالبطلان ، وهذا المعنى ذكره في التذكرة آخر المعاني الأربعة. وذكر قبله أن يشترك وجيه لا مال له وخامل ذو مال ، ليكون العمل من الوجيه والمال من الخامل ، والمال في يده لا يسلمه الى الوجيه ، والربح بينهما. وذكر قبلهما أن يبتاع وجيه في الذمة ويفوض بيعه إلى خامل ، ويكون الربح بينهما ، عكس المعنى المذكور في القواعد. ويظهر منهم أن معقد الإجماع مردد بين هذه المعاني ، فهو واحد منها مردد بينها. كما يظهر أيضاً من الاقتصار على واحد منها في كلام بعضهم أن الإجماع لم يكن على البطلان في الجميع.

وحينئذ كيف يعتمد على مثل هذا الإجماع المردد معقده؟! ولا سيما بملاحظة أن المعنى الثالث نوع من المضاربة الصحيحة لا يختلف عنها إلا في خصوصية الوجاهة والخمول ، ومن المعلوم أن هذين القيدين لا يوجبان اختصاصه بالبطلان ، ولم يذكر الأصحاب في شروط صحة المضاربة انتفاء القيدين المذكورين. نعم المعنى الذي ذكره في القواعد وعكسه من قبيل الجعالة. لكنها لا تصح فيهما ، لما تقدم من الإشكال في شركة الأبدان من أن عقد الشركة لا يصلح لتشريع غير المشروع.

والذي يتحصل مما ذكرناه أمور ( الأول ) : أن الإجماع في مسألة شركة الوجوه لا مجال للاعتماد عليه بعد جهالة معقده ( الثاني ) : أن المعنى المشهور من شركة الوجوه لا مجال للبناء على البطلان فيه ، والعموم يقتضي الصحة. نعم على ما نظن يتعين البناء على البطلان ، للوجه المتقدم في شركة الأبدان. ( الثالث ) : أن المعنى الثالث من شركة الوجوه لا مجال للقول‌

21

لهما وفي ذمتهما. وشركة المفاوضة أيضاً باطلة [1] ، وهي أن يشترك اثنان أو أزيد على أن يكون كل ما يحصل لأحدهما‌

________________________________________________

بالبطلان فيه ، لأنه نوع من المضاربة. ( الرابع ) أن المعنيين الآخرين لتعين البناء على البطلان فيهما للوجه المتقدم في شركة الأبدان كونهما نوعاً من الجعالة لا يكفي في البناء على الصحة ، إذ لا عموم يقتضي صحة الجعالة وإن كانت موجبة لمخالفة الأدلة.

نعم يصح إذا كان المراد أن تكون الحصة من الربح للعامل بعد أن تدخل في ملك مالك الأصل ، كما لعله المفهوم من عنوان الجعالة ، إذ لا مانع من ذلك ، بل هو صحيح حتى في شركة الأبدان ، لعدم وجود المانع المتقدم حينئذ. وهذا هو المصحح للمضاربة في مواردها وفي المعنى الثالث الذي صححناه ، لأنه من المضاربة.

[1] وفي الجواهر : « الإجماع بقسميه على فسادها » ، وفي مفتاح الكرامة : « إجماعاً كما في السرائر ، والإيضاح ، وشرح الإرشاد لولد المصنف ، والمهذب البارع ، والتنقيح وجامع المقاصد .. » إلى آخر ما حكاه عن الكتب المتضمنة لنقل الإجماع ظاهراً. والذي يظهر منهم أن الإجماع هو مستند البطلان لا غير. وفيه نظر ظاهر. لورود الاشكال المتقدم في شركة الأبدان هنا بعينه. إذ الربح يكون لصاحبه بدليله فانتقال بعضه الى غير صاحبه خلاف ذلك الدليل. وكذلك الغرامة تكون على صاحبها بدليل ثبوتها لغيره خلاف ذلك الدليل. ومن ذلك يظهر الاشكال فيما في بعض الحواشي من أنه يمكن تصحيح ذلك بالاشتراط في ضمن عقد لازم آخر. إذ بناء على ما ذكرنا يكون مخالفاً لمقتضى الكتاب ، فلا يصح.

إلا أن يقال إذا كان الشرط في ضمن عقد المعاوضة أو نحوها فالظاهر من اشتراط شي‌ء من الربح فيه أن يدخل الربح في ملك المشروط له بعد‌

22

من ربح تجارة أو زراعة أو كسب آخر أو إرث أو وصية أو نحو ذلك مشتركاً بينهما ، وكذا كل غرامة ترد على أحدهما تكون عليهما. فانحصرت الشركة العقدية الصحيحة بالشركة في الأعيان المملوكة فعلا ، وتسمى بشركة العنان [1].

( مسألة 2 ) : لو استأجر اثنين لعمل واحد بأجرة معلومة صح وكانت الأجرة مقسمة عليهما بنسبة عملهما. ولا يضر الجهل بمقدار حصة كل منهما حين العقد ، لكفاية معلومية المجموع [2] ولا يكون من شركة الأعمال [3] التي تكون باطلة ، بل من شركة الأموال [4] ، فهو كما لو استأجر كل منهما لعمل [5] وأعطاهما شيئاً واحداً بإزاء أجرتهما. ولو اشتبه مقدار عمل كل منهما فان احتمل التساوي حمل عليه ، لأصالة عدم زيادة عمل أحدهما على الآخر [6] ، وإن علم‌

________________________________________________

أن يدخل في ملك المشروط عليه ، لا قبل أن يدخل. نظير اشتراط شي‌ء من الربح للعامل في المضاربة ، فإن المراد به اشتراط أن يدخل الربح في ملك العامل بعد أن يدخل في ملك المالك ، لا قبله ليكون خلاف الأدلة الأولية.

[1] سيأتي في المسألة الرابعة أن هناك قسم خامس للشركة فانتظر.

[2] كما في بيع الصفقة إذ لا دليل على اعتبار العلم بأكثر من ذلك‌

[3] لاختصاص تلك بعقد الشركة بين العاملين وهو مفقود هنا.

[4] هذا يكون بعد قبض المال المشترك ، أما لو دفع المستأجر حصة كل واحد بمقدار عمله فلا شركة.

[5] يعني : بأجرة معينة ، مثل نصف دينار ، وبعد عملهما أعطاهما ديناراً واحداً ورضيا بذلك.

[6] قال في القواعد : « وإذا تميز عمل الصانع من صاحبه اختص‌

23

زيادة أحدهما على الآخر [1] فيحتمل القرعة في المقدار الزائد [2] ويحتمل الصلح القهري.

( مسألة 3 ) : لو اقتلعا شجرة أو اغترفا ماءً بآنية واحدة أو نصبا معاً شبكة للصيد أو أحييا أرضاً معاً ، فان ملك كل منهما نصف منفعته بنصف منفعة الآخر اشتركا فيه بالتساوي ، وإلا فلكل منهما بنسبة عمله ولو بحسب القوة والضعف [3]. ولو اشتبه الحال فكالمسألة السابقة [4].

________________________________________________

بأجرته ، ومع الاشتباه يحتمل التساوي والصلح » ، ونحوه عن التذكرة ، وفي المسالك : « ولو اشتبه مقدار كل واحد فطريق التخلص بالصلح ». وكأن وجه التساوي الأصل المذكور ، كما صرح بذلك في الجواهر في المسألة الآتية ، لكن يعارضه أصالة عدم التساوي. أو يقال : لا مجال للأصول المذكورة ، لعدم كون مجراها موضوعاً لحكم شرعي ، إذ ليس المدار في الاستحقاق على مقدار نسبة أحد العملين إلى الآخر ، بل على مقدار نسبة العمل الى ما يقابله من الأجرة ، والنسبة مجهولة ، والأصول لا تصلح لإثباتها لتعارضها في العملين ، وحينئذ فالمقدار المردد يرجع فيه الى القرعة ، فإذا تعذرت لكثرة المحتملات لزم البناء على الصلح بينهما ، ومع تعاسرهما يفصل بينهما الحاكم الشرعي بما يراه من كيفية الصلح.

[1] يعني : ولم يعلم مقدار الزيادة.

[2] بناء على ما تقدم منه من جريان أصالة عدم الزيادة فمع الشك في مقدار الزيادة يبنى على القدر المتيقن ، لأصالة عدم الزيادة المحتملة. لكن عرفت إشكاله.

[3] إذا كانا دخيلين في زيادة العمل ونقصه ، وإلا فلا أثر لهما.

[4] لكن عرفت التحقيق فيها.

24

وربما يحتمل التساوي مطلقاً [1] ، لصدق اتحاد فعلهما في السببية واندراجهما في قوله : من حاز ملك. وهو كما ترى [2].

( مسألة 4 ) : يشترط على ما هو ظاهر كلماتهم [3] في الشركة العقدية ـ مضافاً إلى الإيجاب ، والقبول ، والبلوغ والعقل ، والاختيار ، وعدم الحجر لفلس أو سفه ـ امتزاج المالين [4]

________________________________________________

[1] هذا الاحتمال ذكره في الجواهر ، لصدق اتحاد فعلهما في السببية واندراجهما في قول : من حاز ملك ، ولعدم الدليل على اقتضاء ذلك التفاوت في المحاز ، وإن كان هو منافياً للاعتبار العقلي ، الذي لا يرجع الى دليل معتبر شرعاً.

[2] فان انطباقه على كل واحد ينافي انطباقه على الآخر ، فيجب أن يكون له انطباق واحد عليهما معاً ، وحينئذ لا إطلاق له يقتضي المساواة في الحصة ، بل الارتكاز العقلائي يقتضي صرفه إلى كون الملكية بمقدار العمل.

[3] بل هو صريح كلماتهم. نعم ظاهرهم الإجماع عليه ، ولعله مراد المصنف.

[4] قال في التذكرة : « لا تصح الشركة إلا بمزج المالين وعدم الامتياز بينهما عند علمائنا ». لكن في الخلاف : « لا تنعقد الشركة إلا في مالين مثلين في جميع صفاتهما ، ويخلطان ، ويأذن كل واحد من الشريكين لصاحبه في التصرف فيه. وبه قال الشافعي ». ثمَّ حكى عن أبي حنيفة عدم اعتبار الخلط ، ثمَّ قال : « دليلنا أن ما اعتبرناه مجمع على انعقاد الشركة به ، وليس على انعقادها بما قاله دليل ، فوجب بطلانه » ، وظاهره الإجماع على الصحة في المختلطين ، لا على اشتراط الاختلاط في الصحة والبطلان في غير المختلطين ، وان كان ظاهر كلمات الجماعة في هذا الباب التسالم على اعتبار المزج في صحة الشركة. قال في النافع : « ولا تصح الا مع امتزاج‌

25

________________________________________________

المالين على وجه لا يتميز أحدهما من الآخر » ونحوه كلام غيره.

وقد عرفت الإشكال في ذلك في الحاشية على قول المصنف (ره) : « وهو معدود من العقود » ، فان النصوص صريحة في حصول الشركة يقول مالك العين للآخر : شاركتك ، فاذا قال أحد المالكين للعينين : شاركتك » وقال الآخر : قبلت ، حصلت الشركة في عينه ، فاذا قال الآخر للأول : شاركتك ، وقال الأول : قبلت ، حصلت الشركة في عينه أيضا ، فتكون شركة في العينين ومثله أن يقول أحدهما : تشاركنا في مالينا ، فيقول الآخر : قبلت. ودعوى : أنه لا يحصل في هذا الشركة إلا بشرط الامتزاج بعيدة جداً ، وإن عرفت أنها ظاهرة من كلام الأصحاب.

إلا أن يكون مرادهم من الشركة معنى غير المعنى العرفي ، وهو الاشتراك على وجه الاذن في التصرف من كل من الشريكين ، كما عرفت أنه أيضاً ظاهر كلمات جماعة منهم ، ومنهم الشيخ في عبارته في الخلاف المتقدمة. ومن ذلك ظهر أن لا إجماع على اعتبار الامتزاج في حصول مجرد الاشتراك في المالين وإن كان ظاهر بعض العبارات ذلك ، والقدر المتيقن من الإجماع الشركة في التجارة المتضمنة للإذن في التصرف ، المسماة بشركة العنان. وكأن وجه تسميتها بذلك أن كلا من الشريكين كأنه فارس وبيده عنان الفرس يذهب حيث يشاء ، بخلاف من لا يكون بيده العنان ، فإنه يذهب حيث تشاء الفرس لا حيث يشاء هو. وان كان هذا الوجه لم يذكر في وجه التسمية بشركة العنان مع أنهم ذكروا الوجوه الكثيرة. وعلى هذا لم يظهر إجماع على اعتبار الامتزاج في أصل الاشتراك ، والمتيقن منه في خصوص شركة التجارة التي يقصد فيها الاسترباح ، المسماة بشركة العنان ، المتضمنة للاذن لهما في التصرف.

والمتحصل مما ذكرنا : أن الشركة العقدية على قسمين. ( الأول‌

26

سابقاً على العقد [1] أو لاحقاً ، بحيث لا يتميز أحدهما من الآخر ، من النقود كانا أو من العروض. بل اشترط جماعة [2] اتحادهما في الجنس والوصف. والأظهر عدم اعتباره [3] ، بل يكفي الامتزاج على وجه لا يتميز أحدهما من الآخر ، كما لو امتزج دقيق الحنطة بدقيق الشعير ونحوه ، أو امتزج نوع‌

________________________________________________

مجرد عقد شركة بين المالكين في المالين فقط. وهذه لم يقم دليل على اعتبار المزج فيها. ( والثاني ) : عقد شركة بين المالكين في ماليهما مع الاذن في التصرف منهما لهما. وهي التي يعتبر فيها المزج بين المالين على نحو لا يتميز أحدهما عن الآخر ، بناء على الإجماع المتقدم في كلامهم. بل هناك قسم ثالث يكون في المال الذي يشرك مالكه فيه ، كما تضمنته النصوص فإن الشركة فيه عقدية في مال واحد.

[1] إذا كان الامتزاج سابقاً على العقد فقد حصلت الشركة وحينئذ لا يكون العقد لإنشائها ، بل يكون لمحض الاذن في التصرف ، فيكون معنى اشتركنا : أنه اشتركنا في التصرف لا اشتركنا في الملك.

[2] حكى في مفتاح الكرامة : اشتراط الاتحاد في الجنس والصفة عن المبسوط والوسيلة والسرائر وجامع الشرائع والشرائع والتذكرة وجامع المقاصد والمسالك والكفاية ، وعن السرائر : الإجماع على ذلك. لكن الذي يظهر من عبارة المبسوط الآتية خلاف ذلك. فانتظر.

[3] قد يظهر ذلك من عبارة القواعد ، إذ قال في مقام بيان أركانها الثلاثة : المتعاقدان والصيغة والمال : « وهو كلما يرتفع الامتياز مع مزجه ، سواء كان أثماناً أو عروضا أو فلوساً » ، وفي المبسوط : « ومن شرط الشركة أن يكون مال الشركة مختلطاً لا يتميز مال أحدهما عن الآخر .. ( الى أن قال ) : ومتى أخرجا مالين متفقين في الصفة ـ مثل أن يخرج‌

27

من الحنطة بنوع آخر [1]. بل لا يبعد كفاية امتزاج الحنطة بالشعير [2]. وذلك للعمومات العامة ، كقوله تعالى ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (1) و‌قوله (ع) : « المؤمنون عند شروطهم » (2) ‌وغيرهما. بل لو لا ظهور الإجماع على اعتبار الامتزاج أمكن منعه مطلقاً ، عملا بالعمومات. ودعوى عدم كفايتها لإثبات ذلك [3].

________________________________________________

كل واحد منهما دراهم مثل دراهم صاحبه أو دنانير مثل دنانير صاحبه أو دهناً مثل دهن صاحبه أو حباً مثل حب صاحبه ـ وخلطاهما ، وأذن كل واحد منهما لصاحبه في التصرف في المال انعقد الشركة ». وكأنه لهذا ونحوه لم يتحقق الإجماع على اعتبار الجنس والوصف ، ولذا قال في مجمع البرهان : « إن في اشتراط التساوي في الجنس تأملا ، لأنه يجري في غير المتجانسين حيث يرتفع المائز ». وحينئذ لا بأس بالبناء على حصول الشركة العقدية بمجرد الخلط الرافع للامتياز وإن كان المالان مختلفي الجنس.

[1] يعني : مع عدم الامتياز.

[2] لا يخفى أن الإجماع على اعتبار الخلط الذي عول عليه المصنف في اعتبار المزج كان معقده المزج الذي يرتفع معه الامتياز بين المالين ، ولم يكن على محض اعتبار المزج مطلقاً ، كي يمكن التفكيك بين اعتبار المزج واعتبار عدم التميز ، كما لا يخفى ، وحينئذ لا مجال للرجوع إلى العمومات الدالة على الصحة.

[3] تظهر هذه الدعوى من كلام الشيخ في الخلاف المتقدم نقله في الحاشية السابقة ، فإنه ظاهر في أنه مع عدم الامتزاج لا دليل على‌

____________

(1) المائدة : 1.

(2) الوسائل باب : 20 من أبواب المهور حديث : 4.

28

كما ترى [1]. لكن الأحوط مع ذلك أن يبيع كل منهما حصة مما هو له بحصة مما للآخر ، أو يهبها كل منهما للآخر أو نحو ذلك ، في غير صورة الامتزاج الذي هو المتيقن. هذا ويكفي في الإيجاب والقبول كل ما دل على الشركة [2] من قول أو فعل.

( مسألة 5 ) : يتساوى الشريكان في الربح والخسران مع تساوي المالين [3] ، ومع زيادة فبنسبة الزيادة ربحاً وخسراناً سواء كان العمل من أحدهما أو منهما ، مع التساوي فيه أو الاختلاف أو من متبرع أو أجير. هذا مع الإطلاق ، ولو شرطا في العقد زيادة لأحدهما ، فإن كان للعامل منهما ، أو لمن عمله أزيد ، فلا اشكال ولا خلاف على الظاهر [4] عندهم في‌

________________________________________________

الصحة ، بل يمكن أن ينسب ذلك لي القواعد وجامع المقاصد والمسالك ، بناء على ما يظهر منها من أن العقد إنما ينشأ به الاذن في التصرف ، دون الاشتراك في الملكية ، وان ذلك إنما يستند إلى المزج ، فاذا شك في السببية للاشتراك في الملك يرجع الى أصالة عدم ترتب الأثر ، إذ لا عموم يقتضي ذلك.

[1] لأن الظاهر من الشركة العقدية إنشاء نفس الاشتراك بالعقد ، غاية الأمر أن ينضم إلى الاشتراك الاذن في التصرف ، وحملها على إنشاء نفس الاذن مقطوع بخلافه ، فلاحظ.

[2] بناء على ما سبق يتعين أن يكون المراد من الشركة الشركة في الملك والشركة في العمل والتجارة ، ليتضمن الاذن في التصرف.

[3] هذا مقتضى أصالة تبعية الربح لأصل المال ، وكذا في المسألة الثانية.

[4] قال في الجواهر : « بل لا خلاف فيه بينهم ، على ما اعترف‌

29

صحته. أما لو شرطا لغير العامل منهما أو لغير من عمله أزيد ففي صحة الشرط والعقد [1] وبطلانهما [2] وصحة العقد وبطلان الشرط [3] ـ فيكون كصورة الإطلاق ـ أقوال [4] أقواها الأول [5] وكذا لو شرطا كون الخسارة على أحدهما أزيد. وذلك لعموم : « المؤمنون عند شروطهم ». ودعوى : أنه به

________________________________________________

جماعة ، بل ولا في جوازه مع العمل منهما أيضاً وشرطت الزيادة لمن زاد عمله على الآخر ». وفي الشرائع : « أما لو كان أحدهما وشرطت الزيادة للعامل صح ، وكان بالقراض أشبه » واستشكل عليه في الجواهر بعدم قصد القراض أولا ، وبعدم اعتبار ما يعتبر في صحة القراض من كونه نقداً ثانياً ، وبأنه لا يتم في الفرض الثاني ثالثاً ، فيتعين أن يكون الملك بالشرط ، وحينئذ يطالب بوجه الفرق بين صورة العمل وغيرها بالصحة في الاولى والبطلان في غيرها ، لتحقق الشرط في المقامين ، فان صح صح فيهما معاً ، وإن بطل ففيهما معاً أيضاً. وفيه ما سيأتي فانتظر.

[1] حكي ذلك عن المرتضى في الانتصار ، وعن العلامة في جملة من كتبه كالتذكرة والتحرير والتبصرة والمختلف ، وعن مجمع البرهان والكفاية وغيرها ، وعن العلامة حكايته عن والده ، واختاره في الجواهر.

[2] حكاه في الشرائع قولا واختاره ، ونسب إلى الخلاف والمبسوط والسرائر وشرح الإرشاد للفخر واللمعة والمفاتيح وغيرها ، وفي جامع المقاصد : أنه الأصح.

[3] حكي عن ظاهر الكافي والغنية والنافع وجامع الشرائع ، حيث قالوا : لم يلزم الشرط ، بل في المسالك حكايته عن أبي الصلاح.

[4] سيأتي القول الرابع الذي اختاره في القواعد.

[5] لما سيأتي.

30

مخالف لمقتضى العقد [1] ، كما ترى [2]. نعم هو مخالف لمقتضى إطلاقه. والقول بأن جعل الزيادة لأحدهما من غير أن يكون له عمل يكون في مقابلتها ليس تجارة ، بل هو أكل بالباطل [3]

________________________________________________

[1] لا يحضرني من ادعى ذلك.

[2] من الواضح أن مقتضى الشركة الاشتراك في الربح على حسب الشركة في الأصل ، لكن هذا الاقتضاء ليس على نحو العلية بل على نحو الاقتضاء ، وهذا المقدار كاف في بطلان الشرط على خلافه لكونه حينئذ مخالفاً للكتاب ، المراد أنه مخالف للحكم الاقتضائي. هذا بالنسبة إلى النماء الخارجي ، وأما بالنسبة إلى النماء الاعتباري أعني الربح فالإشكال فيه أظهر ، كما أشرنا إليه في شركة الأبدان » وسيأتي أيضاً. ومن ذلك تعرف الإشكال في قوله ; : « هو مخالف لمقتضى .. ».

[3] هذا القول لجامع المقاصد وقد أطال في الاستدلال على البطلان فإنه بعد أن استدل للقول بالصحة بعموم قوله تعالى ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (1) وقوله تعالى ( إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ ) (2) ، وقوله (ع) : « المؤمنون عند شروطهم » (3) ‌قال : « ويضعف بأنه أكل مال بالباطل لأن الزيادة ليس في مقابلها عوض ، لأن الفرض أنها ليست في مقابله عمل » ولا وقع اشتراطها في عقد معاوضة ، لتضم إلى أحد العوضين ، ولا اقتضى تملكها عقد هبة ، والأسباب المثمرة للملك معدودة ، وليس هذا أحدها ، ولا هو إباحة للزيادة ، إذ المشروط تملكها بحيث يستحقها المشروط‌

____________

(1) المائدة : 1.

(2) النساء : 29.

(3) الوسائل باب : 20 من أبواب المهور حديث : 4.

31

كما ترى باطل [1]. ودعوى : أن العمل بالشرط غير لازم ،

________________________________________________

له ، فيكون اشتراطها اشتراطاً لتملك شخص مال غيره بغير سبب ناقل للملك ، كما لو دفع إليه دابة ليحمل عليها والحاصل لهما ، فيكون باطلا ، فيبطل العقد المتضمن له إذ لم يقع التراضي بالشركة والاذن في التصرف الا على ذلك التقدير ، ولا يندرج في قوله تعالى ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ). ولا في قوله (ع) : « المؤمنون عند شروطهم ». أما عدم اندراجه في قوله تعالى ( إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ ) فظاهر ، إذ الشركة ليست من التجارة في شي‌ء ، إذ هي مقابلة مال بمال. نعم لو شرط ذلك للعامل تحققت التجارة حينئذ. لأن العمل مال » فهو في معنى القراض ».

[1] فان قوله تعالى ( لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ ) (1) وإن كان مقدماً على قوله تعالى ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (2) وقوله تعالى : ( تِجارَةً عَنْ تَراضٍ ) (3) ونحوهما ، إما لأنه مخصص لها ، أو وارد عليها ، إلا أن كون الزيادة ليس في مقابلها عوض لا يستوجب أكل المال بالباطل ، فإن أكل مال الغير بإذنه أو بتمليكه ليس من الأكل بالباطل ضرورة. كما أنه لا تنحصر صحة التملك بالمعاوضة والهبة كما ذكر إذ لا دليل على ذلك ، بل هو خلاف عموم صحة الشروط المقتضية للملك المجاني. هذا مضافاً إلى أن بطلان الشرط لا يقتضي بطلان العقد ، وعدم التراضي بالعقد الا على تقدير الشرط ممنوع ، فان الرضا بالعقد والشرط كان على نحو تعدد المطلوب ، كما حقق في محله. ولذا بنى جماعة من المحققين على أن بطلان الشرط لا يقتضي بطلان العقد.

____________

(1) البقرة : 188 ، النساء : 29.

(2) المائدة : 1.

(3) النساء : 29.

32

لأنه في عقد جائز [1]. مدفوعة أولا : بأنه مشترك الورود.

________________________________________________

[1] هذا محكي عن الرياض ، وقد سبق أن عقد الشركة تارة : يراد به عقد التشريك في الملك ، وأخرى : عقد التشريك في العمل والاذن في التصرف لهما ، كما عرفت ظهور عبارات جماعة في أنه معنى عقد الشركة ، وأنه بهذا المعنى كان من العقود الجائزة. وحينئذ فالشرط المذكور إن كان شرطاً في الشركة بالمعنى الأول فهو شرط في عقد لازم ، ولا ينافي لزومه بطلان الشركة بالقسمة ، كما لا ينافي لزوم البيع بطلانه بالإقالة ، كما ذكر ذلك في الجواهر. وإن كان شرطاً في الشركة بالمعنى الثاني كان شرطاً في عقد جائز لا لازم. لكن عرفت سابقاً الإشكال في كون الشركة بهذا المعنى من العقود ، لأن الاذن في التصرف منهما كالاذن من أحدهما من قبيل الإيقاع ، الذي لا يصح فيه الشرط.

نعم يصح الشرط في الاذن على معنى كونه عوض الاذن ، فيكون الشرط مقوماً للعقد ، لا شرطاً في العقد ، بأن يقول الشريك لشريكه : أنت مأذون في العمل وحدك في المال المشترك على أن يكون لي ثلاثة أرباع الربح ، فيقبل الشريك ذلك ، لما يترتب على ذلك من الأغراض العقلائية ، لكن الشرط بهذا المعنى ليس بالمعنى المصطلح في معنى الشرط في العقد ، بأن يكون إنشاء في ضمن إنشاء ، بل يكون قيداً مقوماً للعقد. ولا مجال للتمسك فيه بقوله (ع) : « المسلمون عند شروطهم » (1) ‌بل يتمسك فيه بمثل ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ). ومن ذلك يظهر أن شرط التفاوت مع العمل ـ الذي تقدم الاتفاق على صحته ـ من هذا القبيل ، فإنه معاملة بين الشريكين موضوعها العمل والتفاوت ، لا أن ذلك شرط في العقد.

____________

(1) راجع الوسائل باب : 6 من أبواب الخيار من كتاب التجارة.

33

إذ لازمه عدم وجوب الوفاء به في صورة العمل أو زيادته [1] وثانياً : بأن غاية الأمر جواز فسخ العقد فيسقط وجوب الوفاء بالشرط والمفروض في صورة عدم الفسخ [2] ، فما لم يفسخ يجب الوفاء به. وليس معنى الفسخ حل العقد من الأول [3]

________________________________________________

[1] وقد عرفت أنه لا خلاف في صحة الشرط حينئذ ونفوذه.

[2] يعني : المفروض ومحل الكلام في صورة عدم الفسخ ، فيكون الشرط نافذاً.

[3] يعني : لو فرض أنه وقع الفسخ بعد ذلك لا يكون ذلك الفسخ موجباً لبطلان الشرط من أصله ، لأن الفسخ حل العقد من حينه يعني : من حين وقوع الفسخ لا من أول الأمر ، وحينئذ يترتب أثر الشرط وإن وقع الفسخ بعده. هذا ولكن عرفت في مسألة بطلان الشركة في الأبدان أن المعاوضة على مال الغير تقتضي دخول العوض في ملك مالك المعوض عنه ، فالربح يجب أن يدخل في ملك مالك المال ، فلا يصح اشتراط خلاف ذلك ، لأنه إن صح الشرط بطلت المعاوضة ، وإن صحت المعاوضة بطل الشرط. نعم إذا كان المراد أن تمليك مقدار التفاوت للشريك بعد أن يدخل في ملك شريكه صح. لكنه خلاف الظاهر من جعل التفاوت له في غير مقام المعاوضة. نعم إذا كان الجعل في مقام المعاوضة ـ كما إذا كان له عمل ـ فان ذلك قرينة على كون المقدار خارجاً عن ملك الشريك إلى ملكه ، لأنه عوض العمل الذي ترجع فائدته إلى من يخرج من ملكه ، كما في الصورتين الأوليين اللتين لا خلاف فيهما في صحة الشرط. ولأجل ذلك كانت المضاربة لا مخالفة فيها للقاعدة من أجل أن جزء الربح المجعول للعامل في مقابل عمله ، فيكون المراد صيرورته للعامل بعد أن يدخل في ملك المالك ، لا قبل أن يدخل في ملكه ، ليلزم مخالفة‌

34

________________________________________________

القاعدة. وكذلك الحكم في المثال الذي ذكره في جامع المقاصد ، وهو ما إذا دفع دابة إلى غيره ليحمل عليها ويكون الحاصل لهما ، فان جزء الحاصل الذي يكون للعامل يراد منه ذلك بعد أن يدخل في ملك مالك الدابة في مقابل عمله ، لا قبله ليلزم الاشكال ، والقرينة على ذلك ظهور قصد المعاوضة الموجبة لدخول كل من العوضين في ملك مالك من خرج عنه الأخر.

والذي يتحصل مما ذكرنا أمور : ( الأول ) : أن المراد من الشرط في المقام ليس ما يكون إنشاء في ضمن إنشاء ، بل القيد المأخوذ في المعاملة سواء كان في مقابل عمل ـ كما في الصورتين الأوليين ـ أم لا ، كما في مورد الكلام. ( الثاني ) : أن الوجه في البطلان في الصورة الأخيرة ليس من جهة أكل المال بالباطل ، ولا من جهة أنه شرط في عقد جائز ، بل من جهة أنها معاملة على خلاف مقتضى المعاملة الواقعة على أصل المال ، فلا يمكن تصحيحهما معاً ، فان صحت المعاملة على المال بطلت هذه المعاملة وإن صحت هذه المعاملة بطلت المعاملة على المال. ( الثالث ) : أن الوجه في الفرق بين الشرط مع العمل والشرط بدونه أنه مع العمل يكون المراد دخول جزء الربح في ملك العامل بعد خروجه من ملك الشريك ، عملا بظاهر المعاوضة ، ولا اشكال فيه ، وبدون العمل يكون المراد دخوله في ملك الشريك قبل أن يدخل في ملك شريكه ، فيلزم الاشكال. فلو فرض التصريح بأن الدخول في ملك من له التفاوت بعد دخوله في ملك الشريك تعين القول بالصحة. فالفارق بين المسألتين اختلافهما في المراد ، لا اختلافهما في الدخول في الأدلة ، ليطالب بالوجه الفارق في ذلك. ( الرابع ) : أن المعيار في الصحة والفساد كون اشتراط الزيادة لأحدهما بعد دخولها في ملك الشريك وقبله ، فعلى الأول تصح ، وعلى الثاني تبطل.

( تنبيه ) : قال العلامة في القواعد : « ولو اشترطا التفاوت مع تساوي‌

35

بل من حينه ، فيجب الوفاء بمقتضاه مع الشرط الى ذلك الحين. هذا ولو شرطا تمام الربح لأحدهما بطل العقد ، لأنه خلاف مقتضاه [1]. نعم لو شرطا كون تمام الخسارة على أحدهما فالظاهر صحته [2] لعدم كونه منافياً.

( مسألة 6 ) : إذا اشترطا في ضمن العقد [3] كون‌

________________________________________________

المالين أو التساوي مع تفاوته فالأقرب جوازه إن عملا أو أحدهما سواء اشترطت الزيادة له أو للآخر ». ووجهه غير ظاهر ، فإنه إذا جاز اشتراط الزيادة لغير العامل فلا وجه لاعتبار عمل غيره في ذلك ، فاشتراط ذلك فيه لا يخلو وجهه من غموض وخفاء.

[1] لم يتضح وجه الفرق بين تمام الربح وبعضه في كون شرط الأول مخالفاً لمقتضى العقد دون الثاني ، وقد عرفت أنه ليس هناك عقد وشرط ، بل ليس إلا عقد فقط ، غايته أنه مقيد بقيد ينافي صحة المعاملة الموجبة للربح.

[2] الكلام في الخسارة بعينه الكلام في الربح ، فان مقتضى المعاملات الواقعة على المال رجوع النقص على المالك ، عملا بالعوضية كرجوع الزيادة إليه عملا بالعوضية ، فرجوع الخسران إلى غير المالك خلاف مقتضى المعاوضة الذي لا يمكن أن يتخلف ، فكيف لا يكون منافياً؟!. نعم لو أريد من رجوع الخسارة إلى أحدهما لزوم تداركهما فلا بأس به ، ولا يكون منافياً لمقتضى المعاوضات ، نظير ما عرفته في الربح.

[3] الظاهر إرادة عقد التشريك في الملك لا عقد التشريك في العمل والتجارة ، ولذا قال في الشرائع : « وإذا اشترك المال لم يجز لأحد الشركاء التصرف فيه إلا مع إذن الباقين ، فان حصل الإذن لأحدهم تصرف هو دون الباقين ، ويقتصر من التصرف على ما أذن له ، فان‌

36

العمل من أحدهما أو منهما مع استقلال كل منهما أو مع انضمامهما فهو المتبع ولا يجوز التعدي ، وإن أطلقا لم يجز لواحد منهما التصرف إلا بإذن الآخر. ومع الاذن بعد العقد أو الاشتراط فيه فان كان مقيداً بنوع خاص من التجارة لم يجز التعدي عنه. وكذا مع تعيين كيفية خاصة. وإن كان مطلقاً فاللازم الاقتصار على المتعارف [1] من حيث النوع والكيفية. ويكون حال المأذون حال العامل في المضاربة ، فلا يجوز البيع بالنسيئة ، بل ولا الشراء بها ، ولا يجوز السفر بالمال ، وإن تعدى عما عين له أو عن المتعارف ضمن الخسارة والتلف ، ولكن يبقى الاذن بعد التعدي أيضاً [2] إذ لا ينافي الضمان بقاءه. والأحوط مع إطلاق الإذن ملاحظة المصلحة ، وإن كان لا يبعد كفاية عدم المفسدة [3].

( مسألة 7 ) : العامل أمين [4] ، فلا يضمن التلف‌

________________________________________________

أطلق له الاذن تصرف كيف شاء » ، ونحوه ما في القواعد وغيرها ، فالحكم المذكور من أحكام الشركة وان لم تكن بعقد.

[1] إذا كان التعارف قرينة على التقييد به أو صالحاً لذلك ، أما إذا لم يكن كذلك فلا مانع من الأخذ بخلافه ، خصوصاً إذا كان ذلك أقرب الى المصلحة وأبعد عن الضرر.

[2] لإطلاقه الشامل لذلك.

[3] وفي الجواهر : « إن ذلك لا يخلو من قوة ». لكن وجهه غير ظاهر ، إذ الإذن بالتجارة يقتضي الاختصاص بما فيه الفائدة ، فلا إطلاق له يشمل رفع المفسدة.

[4] عبر في الشرائع بقوله : « ولا يضمن الشريك ما تلف في يده » ‌

37

ما لم يفرط أو يتعدى.

( مسألة 8 ) : عقد الشركة من العقود الجائزة [1] ،

________________________________________________

وفي القواعد : « والشريك أمين لا يضمن ما يتلف في يده » ، والعبارات الثلاث واحدة المفاد ، وهو عدم ضمان من هو مأذون في وضع يده على المال ، لأنه أمين. والحكم عندهم من المسلمات الواضحات ، وهو كذلك ، لما دل من النصوص على عدم ضمان الأمين ، وهي كثيرة.

[1] قد اشتهر التعبير بذلك في كلام الجماعة ، كالمحقق والعلامة والمحقق الثاني والشهيد الثاني وغيرهم ، وعن الغنية والتذكرة : الإجماع عليه ، قال في الشرائع : « ولكل واحد من الشركاء الرجوع في الاذن والمطالبة بالقسمة لأنها غير لازمة » ، وقال في القواعد : « ويجوز الرجوع في الاذن والمطالبة بالقسمة ، إذ الشركة من العقود الجائزة من الطرفين » ونحوهما عبارات غيرهما ، وفي المسالك في شرح عبارة الشرائع المتقدمة قال : « الشركة بمعنييها غير لازمة ، وأشار إلى الأول بقوله : والمطالبة بالقسمة ، وإلى الثاني بقوله : الرجوع في الاذن ». ويشكل : بأن المطالبة بالقسمة لا تنافي اللزوم ، إذ القسمة ليست فسخاً ، وإنما هي تعيين الحصة المشاعة ، وذلك وإن كان يقتضي زوال الإشاعة والاشتراك لكنه ليس فسخاً لعقد التشريك في الملك ، إذ الفسخ يقتضي رجوع كل مال إلى ملك مالكه قبل الاشتراك ، وليست القسمة كذلك. ومجرد زوال الاشتراك به لا يوجب كونه فسخاً ، كما أن الطلاق لا يكون فسخاً للنكاح وإن زال النكاح به. هذا إذا كان التشريك قد أنشئ بالعقد ، أما إذا كان قد حصل بالامتزاج فهو من الاحكام لا من العقود ، فلا يقبل الجواز واللزوم حتى يكون طلب القسمة مقتضياً للجواز

وأما الرجوع بالاذن فليس فسخاً لعقد ، وإنما هو رفع للاذن ، والاذن ليس من العقود بل من الإيقاع ، كما أشرنا إلى ذلك في أول المبحث ،

38

فيجوز لكل من الشريكين فسخه [1] ، لا بمعنى أن يكون الفسخ موجباً للانفساخ [2] من الأول أو من حينه بحيث تبطل الشركة [3] ، إذ هي باقية ما لم تحصل القسمة ، بل بمعنى جواز رجوع كل منهما عن الاذن في التصرف الذي بمنزلة عزل الوكيل‌

________________________________________________

وذكره شيخنا في الجواهر. ثمَّ إنه في المسالك قرب أن يكون مراد الشرائع من قوله (ره) : « غير لازمة » هو المعنى الثاني ، لأنه الذي يكون من العقود. لكن على هذا لا يحسن جعله تعليلا لطلب القسمة الذي ذكر أنه يتعلق بالمعنى الأول. فلاحظ.

هذا والظاهر أن مراد الشرائع والقواعد وغيرهما من طلب القسمة طلب قسمة المال المشترك بعقد الشركة التجارية ، يعني : أن الشريكين في التجارة يجوز لكل منهما نقضها بالرجوع عن الاذن وبطلب القسمة ، في مقابل احتمال لزوم الاستمرار عليها ، فيكون طلب القسمة أيضاً منافياً للزوم الشركة التجارية ، ولا يرتبط بالشركة الملكية ، وحينئذ يتوجه الإشكال الأخير فقط ، وهو : أن الشركة التجارية إيقاع لا عقد ، فلا تقبل الجواز واللزوم. وإن شئت قلت : لا يمكن أن يكون المراد كل واحد من المعنيين للشركة ، لأنه من استعمال المشترك في أكثر من معنى ، وحينئذ إما أن يراد المعنى الأول أو الثاني ، والأول ممتنع لأنه لا يرتبط بالاذن ، فيتعين الثاني‌.

[1] ذكر المصنف ذلك ، لأنه من أحكام جواز العقد ومن فروعه.

[2] إذا لم يكن بهذا المعنى لم يكن من أحكام جواز العقد ، بل يكون حكماً خاصاً ، وحينئذ لا يكون جواز عقد الشركة بمعناه المصطلح بل يكون بمعنى آخر ، وحينئذ لا داعي إلى هذا التعبير وهذا الإيهام.

[3] إذا كان المراد من الشركة العقدية التمليكية فهي لازمة لا جائزة‌

39

عن الوكالة [1] أو بمعنى مطالبة القسمة [2]. وإذا رجع أحدهما عن إذنه دون الآخر ـ فيما لو كان كل منهما مأذوناً ـ لم يجز التصرف للآخر ، ويبقى الجواز بالنسبة إلى الأول [3] وإذا رجع كل منهما عن إذنه لم يجز لواحد منهما. وبمطالبة القسمة يجب القبول على الآخر ، وإذا أوقعا الشركة على وجه يكون لأحدهما زيادة في الربح أو نقصان في الخسارة يمكن‌

________________________________________________

ولا يجوز فسخها ، وإذا كان المراد الشركة التجارية فان كانت من العقود فلا مانع من أن تكون جائزة ويجوز فسخها وان بقيت الشركة في المال بحالها. نعم عرفت سابقاً الإشكال في كونها من العقود ، كي تقبل الجواز واللزوم ، وتقبل الفسخ.

[1] عزل الوكيل ليس فسخاً للوكالة » وإنما هو اعتبار آخر وإن كان رافعاً لها ، كما أن طلاق الزوجة ليس فسخاً لنكاحها ، وعتق العبد ليس فسخاً لشرائه أو استرقاقه ، فان هذه العناوين الاعتبارية مباينة لاعتبار الفسخ.

[2] الظاهر أنه لا إشكال في أنه يجوز للشريك مطالبة القسمة ، ويقتضيه عموم السلطنة. لكنه ليس فسخاً للسبب الموجب للتشريك ، ولذا تصح القسمة في الموارد الذي لا يكون التشريك إنشائياً كالإرث ونحوه.

[3] هذا مما يوضح أن الرجوع عن الاذن ليس فسخاً ، إذ لو كان فسخاً كان رفعاً للاذن من الطرفين. نعم إذا كان الاذن من الطرفين مضمون عقد الشركة ، فإن كان عقد الشركة يقتضي الإذن فرفع الاذن من أحد الطرفين يقتضي ارتفاع الاذن من الآخر ، لما بينهما من نوع المعاوضة ، فيكون انفساخاً قهرياً. ومن ذلك يشكل ما عن التذكرة من الفرق بين قوله : « فسخت العقد » وبين قوله : « عزلتك » ، حيث أن‌

40

الفسخ ، بمعنى إبطال هذا القرار ، بحيث لو حصل بعده ربح أو خسران كان بنسبة المالين [1] على ما هو مقتضى إطلاق الشركة.

( مسألة 9 ) : لو ذكرا في عقد الشركة أجلاً لا يلزم فيجوز لكل منهما الرجوع قبل انقضائه [2]. إلا أن يكون مشروطاً في ضمن عقد لازم ، فيكون لازماً.

________________________________________________

الأول يقتضي ارتفاع الاذن من الطرفين ، بخلاف الثاني. لكن عرفت أن التحقيق أنه لا عقد ولا جواز ولا لزوم ، وإنما هو إيقاع من الطرفين ، فاذا ارتفع أحدهما لم يرتفع الآخر.

[1] هذا إذا كان التفاوت قد أخذ شرطاً زائداً على إنشاء الشركة التجارية ، إذ حينئذ يجوز بطلان الشرط ، ويبقى الإنشاء المشروط فيه بحاله ، ولذا يجوز للمشروط إسقاط شرطه من دون ورود خلل في أصل العقد ، أما إذا كان قد أخذ مقوماً للإيقاع ـ كما عرفت ـ فاذا بطل احتيج إلى إيقاع جديد.

[2] قال في الشرائع : « ولو شرط التأجيل في الشركة لم يصح ، ولكل منهما أن يرجع متى شاء » ، وفي القواعد « ولا يصح التأجيل فيها » ونحوهما كلام غيرهما. وفي بعضها : أن المؤجلة باطلة. والظاهر أن المراد بطلان التأجيل ، لا بطلان أصل الشركة التجارية ، بحيث لا يصح التصرف في المال والاتجار به ، فضلا عن بطلان الشركة العقدية التمليكية. ثمَّ إن الظاهر أنه لا إشكال في الحكم المذكور عندهم ، وعللوه : بأن الشركة من العقود الجائزة ، فلا تلزم بالشرط. والاشكال فيه ظاهر إذ لم يثبت أن الشركة التجارية من العقود ، فضلا عن أن تكون جائزة. ولو سلم فلا مانع من صحة شرط اللزوم وعدم الفسخ إلى أجل في العقود الجائزة ، كما تقدم من المصنف (ره) في أوائل المضاربة. اللهم إلا أن يكون جوازها‌

41

( مسألة 10 ) : لو ادعى أحدهما على الآخر الخيانة أو التفريط في الحفظ فأنكر عليه الحلف مع عدم البينة [1].

( مسألة 11 ) : إذا ادعى العامل التلف قبل قوله مع اليمين لأنه أمين [2].

( مسألة 12 ) : تبطل الشركة بالموت [3] ، والجنون والاغماء ، والحجر بالفلس أو السفه ، بمعنى : أنه لا يجوز للآخر‌

________________________________________________

اقتضائياً ، فيكون الشرط مخالفاً للكتاب. لكن بناء على هذا لا يصح وان كان في عقد لازم. نعم لو كان المستند الإجماع على بطلان الشرط أمكن اختصاص الإجماع بصورة الشرط في ضمن العقد ، فلا يشمل غيره. لكن ثبوت الإجماع غير ظاهر. فالتحقيق أن الوجه فيه أن الشركة التجارية ليست إلا إيقاع الاذن من الشركاء ، والاذن لا يقبل اللزوم ضرورة ، فيجوز للآذن العدول عن إذنه ما لم يكن سبب ملزم.

[1] لأنه أمين ، وليس على الأمين إلا اليمين ، كما سبق أنه مفاد النصوص‌

[2] يعني : وليس على الأمين إلا اليمين. ولا فرق بين أن يكون التلف المدعى بسبب ظاهر أو خفي ـ كما نص على ذلك في الشرائع وغيرها ـ لإطلاق الأدلة ، خلافاً لبعض العامة.

[3] كما نص على ذلك في الشرائع والقواعد وغيرهما من كتب القدماء والمتأخرين. ويظهر منهم الإجماع عليه ، بل عن الغنية : الإجماع صريحاً ، وعن التذكرة : انفساخها بالإغماء والحجر والسفه ، وعن التحرير وجامع المقاصد والمسالك : انفساخها بالفلس. والوجه في الحكم في الموت ظاهر ، لانتقال المال إلى الوارث فلا يجوز التصرف بغير إذنه. وكذا في الفلس ، لكون الأموال تحت سلطان الحاكم الشرعي ، فلا يجوز التصرف بغير إذنه. أما في غيرهما فغير ظاهر ، لو لا ظهور الإجماع ، وكما أن الاذن‌

42

التصرف ، وأما أصل الشركة فهي باقية [1]. نعم يبطل أيضاً ما قرراه من زيادة أحدهما في النماء بالنسبة إلى ماله أو نقصان الخسارة كذلك [2]. إذا تبين بطلان الشركة فالمعاملات الواقعة قبله [3] محكومة بالصحة ، ويكون الربح على نسبة المالين ، لكفاية الإذن المفروض حصوله [4]. نعم لو كان مقيداً بالصحة تكون كلها فضوليا بالنسبة إلى من يكون إذنه‌

________________________________________________

لا تبطل بالنوم لا تبطل عرفاً بالإغماء والجنون والسفه ، وإذا شك فالاستصحاب كاف في ترتيب الأحكام.

[1] كما صرحوا بذلك على نحو يظهر منهم أنه من المسلمات ، بل ينبغي أن يكون من الضروريات ، وأن حدوث هذه الطوارئ لا يوجب إفراز الحقوق ، ولا تعيين الحصة المشاعة ، فالشركة التي حكم ببطلانها بالأمور المذكورة هي الشركة في الاتجار بالمال والعمل به ، بمعنى عدم جواز التصرف فيه.

[2] لأن بطلان العقد يستوجب بطلان الشرط في ضمنه ، لأنه حينئذ يكون من الشرط الابتدائي ، وهو لا يجب العمل به.

[3] يعني : قبل تبين البطلان.

[4] يعني : أن الشركة إذا بطلت فبطل الشرط في ضمنها تبقى الاذن فيصح بها التصرف ، وقد ذكر جماعة أنه إذا بطلت الوكالة يصح التصرف بالإذن التي في ضمنها ، مثلا إذا علق الوكالة على شرط استقبالي بطلت للتعليق ، لكن تبقى الاذن ، فيصح لأجلها التصرف الصادر من الوكيل ، لا لأنه وكيل ، بل لأنه مأذون. فيكون هناك أمور ثلاثة : شركة عقدية ، وشرط التفاوت ، وإذن في التصرف ، فاذا بطلت الشركة فبطل الشرط لم تنتف الاذن بالتصرف ، فتصح المعاملات الجارية على المال. لكن عرفت‌

43

مقيداً. ولكل منهما أجرة مثل عمله [1] بالنسبة إلى حصة الآخر إذا كان العمل منهما ، وان كان من أحدهما فله أجرة مثل عمله.

( مسألة 13 ) : إذا اشترى أحدهما متاعاً وادعى أنه‌

________________________________________________

أن الشركة العقدية نفس الاذن بالتصرف ، والشرط إن فرض فهو قيد للاذن ومقوم لها لأن الإذن بالتصرف أخذت مقيدة بالتفاوت ، نظير الإباحة ، فمع انتفاء القيد تنتفي الإذن. هذا مضافاً إلى أن المبطلات المذكورة إنما تبطل الشركة لأنها تبطل الاذن فلا تصح الاذن معها ، كما هو ظاهر ، وقد سبق منه أنه لا يجوز التصرف. نعم لو فرض بطلان الشركة بمبطل غير الأمور المذكورة أمكن القول ببقاء الاذن ، كما تقدم ذلك في المضاربة. لكن ظاهر كلام المصنف (ره) الحكم في المبطلات المذكورة. ويحتمل بعيداً أن يكون المراد أن المعاملات الواقعة قبل البطلان صحيحة. لكن صحتها حينئذ من جهة صحة الشركة ، لا لكفاية الاذن مع بطلان الشركة كما ذكر. وأيضاً بناء على ذلك لا تختص الصحة بالمعاملات الواقعة قبل البطلان ، بل يشمل حتى المعاملات الواقعة بعد البطلان ، لأن البطلان لا يوجب ارتفاع الإذن.

[1] الذي يظهر من العبارة أن ذلك من أحكام البطلان ، يعني إذا بطلت الشركة استحق العامل أجرة عمله بالنسبة إلى حصة شريكه ، لاستيفائه العمل فيضمن بالاستيفاء. لكن يختص ذلك بما إذا فرض للعامل أجرة ، أما إذا لم يفرض له أجرة فقاعدة : ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده ، تقتضي عدم الضمان.

هذا والمصنف لم يتعرض في الشركة الصحيحة لاستحقاق الأجرة وعدمه ، وكان المناسب ذلك ، بل الظاهر من قوله في المسألة الخامسة :

44

اشتراه لنفسه وادعى الآخر أنه اشتراه بالشركة ، فمع عدم البينة القول قوله مع اليمين ، لأنه أعرف بنيته [1]. كما أنه كذلك لو ادعى أنه اشتراه بالشركة وقال الآخر أنه اشتراه لنفسه ، فإنه يقدم قوله أيضاً ، لأنه أعرف ، ولأنه أمين [2].

تمَّ كتاب الشركة‌

________________________________________________

« يتساوى الشريكان .. » أن ذلك مبني على أن العمل مجاني ، وكذلك ظاهر كلمات الفقهاء. وعليه فلا وجه لاستحقاق الأجرة مع البطلان. هذا ويحتمل بعيداً أن يكون كلامه هذا لبيان حكم العمل في الشركة الصحيحة ، لكن كان المناسب أن يفصله عن هذه المسألة بمسألة أخرى.

[1] يشير هذا التعليل إلى القاعدة المشهورة في كلام الأصحاب من قبول قول من لا يعرف المقول إلا من قبله ، ويظهر أنها من القواعد المعول عليها عند العقلاء ، ولولاها يلزم تعطيل أحكام المقول ، إذ لا طريق إلى إثبات موضوعها ، ويقتضيها قاعدة : من ملك شيئاً ملك الإقرار به ، المدعى عليها الإجماع في كلام الأصحاب ، وقد مر ذلك في المسألة الثانية والخمسين من كتاب المضاربة. فراجع.

[2] لا يظهر دليل على كلية سماع قول الأمين إلا في حال الاخبار عن وقوع الفعل المؤتمن عليه ، كما إذا أخبرت الجارية بغسل الثوب الذي كلفت بغسله ، أو يكون الخبر مع التداعي مع من ائتمنه في جملة من الموارد لا على كليته ، فلو ادعى الرد لم يقبل قوله إلا في الودعي. فكان الأولى للمصنف (ره) أن يقول : لأنه أمين على أداء الفعل الذي أخبر عن وقوعه.

45

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

كتاب المزارعة

وهي المعاملة على الأرض بالزراعة بحصة من حاصلها [1] وتسمى مخابرة أيضاً ، ولعلها من الخبرة بمعنى النصيب.

________________________________________________

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

كتاب المزارعة

المزارعة من باب المفاعلة ، مصدر ( فاعل ) وهو للسعي نحو الفعل ، بخلاف فعل ، فإنه لوقوع الفعل ، فاذا قلت : قتل زيد عمرواً فقد أخبرت عن وقوع القتل على عمرو من زيد ، فاذا قلت : قاتل زيد عمرواً ، فقد أخبرت عن سعي زيد لقتل عمرو ، فاذا قلت : زارع زيد عمرواً ، كان المراد أنه سعى زيد لتحقيق الزرع ووقوعه من عمرو ، ففي المثالين يراد من فاعل السعي ويختلفان في كيفية وقوع الفعل ، ولا يقال : زارعت الحب بمعنى سعيت الى زرعه ، كما يقال : قاتلت زيداً ، فهذا الاختلاف ناشئ من اختلاف الموارد.

[1] تفترق المزارعة عن إجارة الأرض : بأن إجارة الأرض لا يملك مؤجرها على المستأجر لها شيئاً غير الأجرة ، وهنا يملك المؤجر لها مضافاً‌

46

كما يظهر من مجمع البحرين [1] ولا إشكال في مشروعيتها ، بل يمكن دعوى استحبابها. لما دل على استحباب الزراعة ، بدعوى كونها أعم من المباشرة والتسبيب [2]. ففي خبر الواسطي قال : « سألت جعفر بن محمد (ع) عن الفلاحين قال : هم الزراعون كنوز الله في أرضه ، وما في الأعمال شي‌ء أحب الى الله من الزراعة ، وما بعث الله نبياً إلا زارعا

________________________________________________

إلى الحصة ، أن يعمل العامل ، وليس له الامتناع عن العمل. كما أنها تفترق عن إجارة الأجير بأن في إجارة الأجير لا يملك الأجير على المستأجر شيئاً غير الأجرة ، وهنا يملك على مالك الأرض بذل الأرض مضافاً إلى الحصة ، فالمزارعة كأنها إجارة للأرض وإجارة للعامل ، فهي كأنها إجارتان لأن كلا من العامل والمالك يملك على الآخر شيئاً غير الحصة. ولأجل ذلك احتمل أن تكون المزارعة معاوضة بين عمل العامل ومنفعة الأرض ، أو بذلها ، وتكون الحصة من قبيل الشرط فيها ، لا أن الحصة هي العوض. لكن الارتكاز العرفي لا يساعد عليه ، بل يساعد على ما ذكره الأصحاب لا غير. وسيأتي في المسألة التاسعة عشرة من مبحث المساقاة بعض الكلام في ذلك.

[1] وفي القاموس : « الخُبرة : النصيب تأخذه من لحم أو سمك » ، وفي المسالك : « وقد يعبر عن المزارعة بالمخابرة ، إما من الخبير وهو الأكار أو من الخبارة وهي الأرض الرخوة ، أو مأخوذة من معاملة النبي (ص) لأهل خيبر ». وقد أشار في القاموس إلى المعنيين الأولين مضافاً الى المعنى السابق.

[2] أو كون الاستحباب من باب : تعاونوا على البر والتقوى.

47

________________________________________________

إلا إدريس (ع) فإنه كان خياطاً » (1). و‌في آخر عن أبي عبد الله (ع) : « الزارعون كنوز الأنام يزرعون طيباً أخرجه الله وهم يوم القيامة أحسن الناس مقاماً وأقربهم منزلة يدعون المباركين » (2). وفي خبر عنه (ع) قال : « سئل النبي (ص) أي الأعمال خير؟ قال : زرع يزرعه صاحبه وأصلحه وأدى حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ. قال : فأي الأعمال بعد الزرع؟ قال : رجل في غنم له قد تبع بها مواضع القطر يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة. قال : فأي المال بعد الغنم خير؟ قال : البقر يغدو بخير ويروح بخير. قال : فأي المال بعد البقر خير؟ قال : الراسيات في الوحل المطعمات في المحل : نعم المال النخل. من باعها فإنما ثمنه بمنزلة رماد على رأس شاهق اشتدت به الريح في يوم عاصف ، إلا أن يخلف مكانها. قيل يا رسول الله (ص) : فأي المال بعد النخل خير فسكت. فقام اليه رجل فقال له : فأين الإبل؟ قال : فيها الشقاء والجفاء والعناء وبعد الدار ، تغدو مدبرة وتروح مدبرة لا يأتي خيرها الا من جانبها الأشأم أما إنها لا تعدم الأشقياء الفجرة » (3). وعنه (ع) « الكيمياء الأكبر الزراعة » (4). وعنه (ع) : « إن الله جعل أرزاق أنبيائه في الزرع والضرع كيلا يكرهوا شيئاً من قطر السماء » (5)

____________

(1) الوسائل باب : 10 من أبواب مقدمات التجارة حديث : 3.

(2) الوسائل باب : 3 من كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 7.

(3) الوسائل باب : 48 من أبواب أحكام الدواب حديث : 1.

(4) الكافي الجزء : 5 الصفحة : 261 الطبعة الحديثة. الوافي الجزء : 3 الصفحة : 23 أواخر باب فضل المزارعة ، مجمع البحرين مادة : « كوم ».

(5) الوسائل باب : 3 من كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 2.

48

وعنه (ع) : « أنه سأله رجل فقال له : جعلت فداك أسمع قوماً يقولون : إن المزارعة مكروهة. فقال : ازرعوا فلا والله ما عمل الناس عملا أحل ولا أطيب منه » (1). يستفاد من هذا الخبر ما ذكرنا من أن الزراعة أعم من المباشرة والتسبيب. أما ما رواه الصدوق مرفوعا عن النبي (ص) : « أنه نهى عن المخابرة ، قال : وهي المزارعة بالنصف أو الثلث أو الربع » (2). لا بد من حمله على بعض المحامل ، لعدم مقاومته لما ذكر. وفي مجمع البحرين : « وما روي من أنه (ص) نهى عن المخابرة ، كان ذلك حين تنازعوا ، فنهاهم عنها ». ويشترط فيها أمور.

أحدها : الإيجاب والقبول [1]. ويكفي فيهما كل لفظ دال [2] ، سواء كان حقيقة أو مجازاً مع القرينة ، ك‍ « زارعتك أو سلمت إليك الأرض على أن تزرع على كذا » ولا يعتبر فيهما العربية [3] ، ولا الماضوية ، فيكفي الفارسي‌

________________________________________________

[1] لأنها من العقود ، بلا خلاف ، بل الإجماع بقسميه عليه. كذا في الجواهر.

[2] كما يقتضيه عمومات الصحة وإطلاقاتها من دون مخصص ولا مقيد ، كما حرر في أوائل مباحث البيع.

[3] لما عرفت من العمومات والإطلاقات ، لعدم اعتبار ذلك في مفهومها عرفاً.

____________

(1) الوسائل باب : 3 من أبواب المزارعة حديث : 1.

(2) معاني الأخبار الجزء : 2 باب : 133 الصفحة : 80. بحار الأنوار المجلد : 23 كتاب المزارعة الحديث : 2.

49

وغيره ، والأمر [1] كقوله : « ازرع هذه الأرض على كذا » أو المستقبل أو الجملة الاسمية مع قصد الإنشاء بها.

________________________________________________

[1] قال في الشرائع : « وعبارتها أن يقول : زارعتك ، أو ازرع هذه الأرض » قال في المسالك : « وأما قوله : ازرع هذه الأرض ـ بصيغة الأمر ـ فإن ذلك لا يجيزونه في نظائره من العقود ، ولكن المصنف وجماعة أجازوه ، استناداً إلى رواية أبي الربيع الشامي والنضر بن سويد عن أبي عبد الله (ع). وهما قاصرتان عن الدلالة على ذلك ، فالاقتصار على لفظ الماضي أقوى ».

ومراده من رواية أبي الربيع ما رواه الشيخ والصدوق عن أبي الربيع الشامي عن أبي عبد الله (ع) : « أنه سئل عن الرجل يزرع أرض رجل آخر ، فيشترط عليه ثلثا للبذر وثلثا للبقر. فقال : لا ينبغي أن يسمي بذراً ولا بقراً ، ولكن يقول لصاحب الأرض : ازرع في أرضك ولك منها كذا وكذا نصفاً وثلثاً وما كان من شرط ، ولا يسمي بذراً ولا بقراً ، فإنما يحرم الكلام » (1). ومراده من رواية النضر ما رواه الكليني والشيخ عن النضر بن سويد عن عبد الله بن سنان : « أنه قال : في الرجل يزارع فيزرع أرض غيره ، فيقول : ثلث للبقر وثلث للبذر وثلث للأرض ، قال : لا يسمي شيئاً من الحب والبقر ، ولكن يقول : ازرع فيها كذا وكذا إن شئت نصفاً وإن شئت ثلثا » (2). هذا والمذكور في الروايتين لفظ المضارع لا لفظ الأمر. كما أن رواية النضر عن عبد الله بن سنان لا عن أبي عبد الله (ع) كما ذكر ، وقد سبقه الى ذلك في جامع المقاصد. وأيضاً فإن الأمر لو فرض أنه كان في الروايتين فهو من العامل ، لا من صاحب الأرض‌.

____________

(1) الوسائل باب : 8 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 10.

(2) الوسائل باب : 8 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 5.

50

________________________________________________

ولعل مراد المستدل بالروايتين الاستدلال بهما بتوسط الأولوية ، فإنه إذا جاز الإيجاب بالمضارع جاز بالأمر بالأولوية ، كما حكي ذلك عن الإيضاح. لكن الاشكال فيه ظاهر.

وكان الاولى الاستدلال بصحيحة يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : « سألته عن رجل يعطي الرجل أرضه فيها ماء ( رمان خ ل ) أو نخل أو فاكهة ، ويقول : إسق هذا من الماء واعمره ولك نصف ما أخرجه الله ( عز وجل. خ ل ) قال : لا بأس » (1) ‌بضميمة عدم القول بالفصل ، أو فهم عدم الخصوصية وإن أمكن الإشكال فيه : بأنه لم يثبت كون الأمر إنشاء للمساقاة ، بل من المحتمل ـ بل الظاهر ـ أنه من قبيل مالة.

والاولى أن يقال : إن المائز بين العقد والإيقاع أن المفهوم المنشإ إن كان متعلقاً بطرفين على وجه يكون تعلقه بكل منهما خلاف السلطنة عليه يكون عقدياً ، أو لا يكون كذلك ، فيكون إيقاعاً. مثلا تمليك مال إنسان لآخر لما كان على خلاف سلطنة المالك والتملك ـ فان خروج مال إنسان عن ملكه إلى ملك غيره خلاف سلطنة المالك على ماله ، وخلاف سلطنة المتملك على نفسه ـ ، كان التمليك مفهوماً عقدياً. وإسقاط ما في الذمة لما لم يكن خلاف سلطنة من له الذمة كان إيقاعاً ، فيجوز وقوع الثاني بلا حاجة إلى إعمال سلطنة صاحب الذمة ، ولا يجوز وقوع الأول بلا سلطنة المتملك. ومن ذلك تعرف أن إنشاء المفهوم العقدي لا يكون إلا باعمال سلطنة كل من الطرفين ، فيكون إيجاباً من طرف وقبولا من طرف آخر.

وربما يحصل بإعمال السلطنة من دون صدق القبول ، كما إذا قال زيد لعمرو : بعني فرسك ، فإنه إذا قال عمرو : بعتك الفرس ، حصل البيع‌

____________

(1) الوسائل باب : 9 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 2.

51

________________________________________________

بلا حاجة إلى قبول ، لحصول الاعمال للسلطنة من جهة زيد بمجرد الأمر. وكذا إذا قال : أذنت لك في أن تبيعني فرسك ، فإنه إذا قال عمرو : بعتك فرسي ، صح من دون حاجة إلى القبول ، وكذلك الوكيل للمتعاقدين معاً ، فإنه إذا قال : بعت فرس أحدهما للآخر ، صح من دون حاجة إلى القبول ، ومالك العبد والأمة إذا أنشأ تزويج أمته من عبده صح من دون حاجة إلى قبوله ، كما أفتى بذلك جماعة.

وعلى هذا فالأمر بالزرع ليس إيجاباً ولا قبولا ، لعدم صدوره في مقام الإنشاء للمفهوم الإنشائي ، فإنه أمر بالزرع وطلب له من دون إنشاء للمزارعة ، فصحة المعاملة مع ذلك ليس لأنه إيجاب أو قبول ، بل لأنه إعمال للسلطنة. ومثله أن يقول : أذنت لك في أن تزرع الأرض بحصة كذا ، أو أذنت لك في أن تزارعني على الثلث ، فذلك بمنزلة الإيجاب ، لأنه إعمال لسلطنة صاحب الأرض الذي وظيفته الإيجاب ، إذ الاحتياج إلى الإيجاب في حصول المفهوم العقدي لأجل كونه إعمالا للسلطنة ، وهو حاصل بالأمر ، فإذا قال زيد لعمرو : تملك مالي ، فقال عمرو : تملكت مال زيد ، حصل الملك من دون حاجة الى قول زيد : قبلت.

ومن ذلك يظهر أن الاكتفاء بالأمر في الإيجاب ليس من باب استعمال الأمر في المعنى الإنشائي ، بأن يكون قوله : ازرع هذه الأرض ، مستعملا في إنشاء المزارعة مجازاً ، كي يكون من المجازات المستنكرة ، ولا من باب الكناية عن الإنشاء النفساني ، فيكون الأمر حاكياً عنه بالدلالة العقلية ، نظير حكاية تصرف من له الخيار في العين المبيعة الحاكي عن إنشاء الفسخ ، بل هو من باب إعمال السلطنة الكافي عن القبول.

وربما يكون الأمر بنفسه إنشاء على الحقيقة. بأن يكون أمراً تكوينياً لا تشريعياً ، كما إذا قال البائع للمشتري : اشتر هذا الفرس بدرهم منشئاً‌

52

وكذا لا يعتبر تقديم الإيجاب على القبول [1]. ويصح الإيجاب‌

________________________________________________

نفس الشراء ، كما في قوله تعالى ( كُنْ فَيَكُونُ ) (1) فيقول المشتري : قبلت ، ويتم العقد ، فيكون قوله : اشتر ، إيجاباً على الحقيقة ، وفي المقام يقول صاحب الأرض للفلاح : كن مزارعاً ، فيقول الفلاح : قبلت ، وفي باب النكاح يقول الرجل للمرأة : كوني زوجة ، فتقول المرأة : قبلت ، أو تقول هي : كن لي زوجاً ، فيقول : قبلت ، وهكذا ينشأ المفهوم الإنشائي بصيغة الأمر ، فيكون جعلا تكوينياً للمعنى الإنشائي ، ويكون إيجاباً ، فإذا لحقه القبول كان عقداً.

ويتحصل مما ذكرنا : أن الاكتفاء بالأمر في العقود يكون على أربعة أنحاء : ( الأول ) : أن يكون من باب إعمال السلطنة ، فيكون كافياً عن الإيجاب أو القبول. لا أنه إيجاب أو قبول. ( الثاني ) : أن يكون إيجاباً أو قبولا ، كما إذا كان أمراً تكوينياً. ( الثالث ) : أن يكون حاكياً عن الالتزام النفسي ودالا عليه بالدلالة العقلية ، نظير تصرف من له الخيار ، ويكون جزء العقد في الحقيقة هو ذلك الالتزام النفسي ويكون الأمر تشريعياً دالاً عليه دلالة المعلول على علته. ( الرابع ) : أن يكون مستعملاً مجازاً في معنى فعل الماضي أو المضارع ، على نحو الإنشاء لا الاخبار فيكون من المجازات المستنكرة التي لا يجوز إنشاء العقد بها.

[1] لا يخفى أن مفهوم القبول لغة وعرفاً مثل مفهوم الرضا يمكن أن يتعلق بالمستقبل كما يتعلق بالماضي ، بل قد يتعلق بالمفهوم اللحاضي من دون أن يكون له خارجية ومطابق عيني. أما القبول العقدي فلا يتعلق إلا بما هو واقع ، فاذا تعلق بما يقع في المستقبل لم يكن قبولا عقدياً ،

____________

(1) يس : 82.