النّظام الصحّي والسّياسة الطبّيّة في الإسلام

- د. زهير الأعرجي المزيد...
175 /
7

المقدمة

ان تطور صحة الافراد في عالمنا المعاصر خلال العقود القليلة الماضية لم يكن نتيجة الاكتشافات الطبية الحديثة ، بل كان نتيجة التغير الذي حصل في البيئة الانسانية بفضل جهود الانسان. فتزويد المدن الحديثة بالماء الصافي الخالي من الجراثيم ، وتصميم نظام ازالة الفضلات والمجاري العامة ، وجمع القمامة وطرحها خارج المدن بشكل منتظم ، والسيطره على الحشرات الناقلة لمختلف الامراض ، واتباع سياسة صحيحة في المطاعم والتجمعات العامة ، كلها ادت الى تطوير صحة الافراد وتقليل عدد الوفيات. وهذا الشكل الصحي يعكس جانبا من جوانب النظام الوقائي ، يضاف الى ذالك ان تحسن نوعية المواد الغذائية التي يتناولها الافراد ساهم هو الآخر في تطوير صحتهم وتقويه مناعتهم ضد الامراض. وهذا الجانب الثاني يعكس جوهر النظام الغذائي لا يمحو مشكلة المرض او يلغي قضية الموت ؛ بل ان قضية الموت ، بل ان قضية المرض والموت تبقي على الارض. ولا شك ان الطبيعه ، والوضع الاجتماعي ، وعمل الفرد كلها تساهم هي الاخرى في تصميم طبيعة المرض الذي

8

يتعرض له الانسان.

فالشمس والمطر والهواء النقي مثلا لها تأثير على صحة الافراد. فالتعرض المستمر للشمس يصيب الجلدة البيضاء بمرض سرطان الجلد. ولذلك فان الاوروبيين البيض الذين هاجروا من بريطانيا وهولندا الى استراليا وجنوب افريقيا تعرضوا لذلك المرض الذي لم يألفوه في بلادهم. والتعرض للبرودة الشديدة يعرّض الفرد لمرض ( هايپوثرميا ) الذي يؤدي الى الموت عند الشيوخ. والتعرض للبرد والرطوبة معا يسبب امراضا صدرية مختلفة. والمطر الشديد المتواصل خلال فصول السنة قد يؤدي الى الجلطة الدموية التاجية. والهواء الجاف النقي يفضي بالفرد الى الشفاء من مرض السل ، وهكذا كان يفعل سكان اوروبا في القرن التاسع عشر الميلادي حينما كانوا يتسلقون جبال سويسرا حيث الهواء الجبلي الجاف النقي للتشافي من مرض السل وامراض الربو التي تصيب الاطفال. الا ان الافراد الذين يعيشون على سطح اليابسة وبمستوى سطح البحر لا يستطيعون العيش في المناطق الجبلية التي ترتفع اكثر من خمسة آلاف متر عن مستوى سطح البحر ، لان ذلك يسبب اثقال الرئتين بالماء.

ولا شك ان الامراض التي تصيب الفرد تختلف بحسب طبيعة الاجواء التي يعيش فيها. فالملاريا تنشر في الاجواء التي يكثر فيها بعوض الانوفيلس. والبلهارزيا تنتشر في الاماكن المائية التي يتواجد فيها نوع معين من الحلزونيات. ومرض النوم ينتقل فقط عن طريق اتصال ذباب مرض النوم ( الشذّاة ) الافريقي بجسد الانسان. والدزنتري ، والتيفوئيد ، والكوليرا تنتشر عن طريق عدوى بكتريا تصيب الجهاز الهضمي في

9

المناطق الحارة الرطبة.

وبطبيعة الحال ، فان للامراض ابعاداً اجتماعية ايضا. فالطبقة الاجتماعية احيانا تشخّص مرض الفرد. فافراد الطبقة العليا في النظام الطبقي غالبا ما يتمتعون بصحة جيدة ، مع حمل وولادة طبيعية فيما يتعلق بنسائهم. والمسكن الذي تسكن فيه العائلة يشخّص بعض الامراض ، فالبيوت القديمة الرطبة تكون مرتعا لمرض السل والامراض الصدرية الاخرى ، والبيوت القريبة من مناطق التلوث الصناعي تكون سببا لمرض التهاب القصبات. وطبيعة عمل الفرد تشخّص بعض الامراض ايضا. فعمال المناجم يعانون من الامراض الرئوية الناشئة من فرط استنشاق الدقائق المعدنية ، وعمال الصناعات الكيميائية قد يتعرضون لسرطان الكبد والمثانة.

الا ان اخطر الامراض التي يعاني منها انسان اليوم هي الامراض التي جلبتها الحضارة الغربية الحديثة بما فيها من صناعات وتطور تقني. ويقع على صدر قائمة هذه الامراض مرض تصلب الشرايين الذي يسبب الجلطة الدموية التاجية ، وامراض السكتة القلبية او الدماغية ، وامراض السرطان. وقد دلّت كل البحوث الطبية على ان نوع الغذاء والعادات الانسانية المضرة كالتدخين والكحول ، وعدم ممارسة التمارين الرياضية ، والكآبة النفسية ، والمنافسة على اصعدة الحياة الاقتصادية والاجتماعية ، كلها لها دور مهم في انشاء هذه الامراض. ولعل اهم تغيير صحي مضر حصل مع تطور الحضارة الغربية خلال المائة سنة الماضية هو تصنيع المواد الغذائية ، ومحاولة الانسان الغربي ـ بجهل غير متعمد ـ حذف الالياف النباتية من المواد الغذائية. فاصبحت الحنطة والشعير التي هي من اغنى المصادر الغذائية

10

بالسعرات الحرارية التي ينبغي ان نتناولها كما تناولها اجدادنا من قبل بشكل طبيعي بعيد عن تدخل الانسان ، تصفّى وتنظّف تدريجيا من الالياف النباتية ، بحيث اصبح غذاؤنا الرئيسي خبزاً ابيض لا يبني اجسامنا بالشكل الطبيعي الذي بناه الخبز الاسمر الحاوي على كل الالياف النباتية. وجلَب السكر المطحون الذي اصبح جزءا رئيسيا من حياتنا الغذائية ظاهرة تسوس الاسنان ، بحيث قيل ان اجدادنا لم يكونوا يعرفوا شيئا اسمه تنخر الانسان ، بل كانت اسنانهم تواصل عملها بسلامة ولحد الموت بسبب تناولهم طعاما طبيعيا لا يحوي سكراً مطحوناً اولاً ، وبسبب استعمالهم المسواك ثانياً. ولا شك ان هذا الطعام المصنّع الذي عرضته الحضارة الغربية الحاوي على كمية كبيرة من السكريات ، كمية قليلة من الالياف ، وكمية اكبر من الدهنيات الحيوانية هو احد اسباب امراض القلب تصلب الشرايين الحديثة العهد بالانسان.

ان هذا العرض المختصر حول الامراض التي يواجهها الانسان المعاصر تجعلنا ارسخ ايمانا بان النظرية الصحية التي جاء بها الاسلام فيما يتعلق بالنظامين الوقائي والغذائي هي اسلم الطرق لحفظ صحة الافراد في النظام الاجتماعي ؛ ولذلك فاننا لا نملك خياراً آخر غير الخيار الاسلامي اذا حاولنا صياغة سياسه طبية للدولة الاسلامية.

وقد بحثنا في هذا الكتاب مقدمات السياسة الطبية الاسلامية. فقد تطرقنا في القسم الاول من الكتاب الى عرض ونقد آراء النظرية الرأسمالية فيما يتعلق بالصحة والمرض السياسة الطبية بمدارسها الفكرية الموسومة بالمدرسة التوفيقية ، ومدرسة الصراع الاجتماعي ، والمدرسة الامريكية التي

11

سميت ايضا بمدرسة ( جامعة شيكاغو ) وروادها علماء اجتماع امريكان امثال ( جورج ميد ) ، و ( روبرت پارك ) و ( ارنست بيرجيس ) الذين كانوا جميعا اما ابناء قساوسة بروتستانت او انفسهم قساوسة بروتستانت ، فتكون النظرة الاجتماعية الامريكية اقرب الى النظرة النصرانية البروتستانتية. وتطرقنا في القسم الثاني من الكتاب الى عرض مجمل للآراء الفقهية الاسلامية الخاصة بالصحة والمرض والموت. وخرجنا بنتيجة مهمة وهي ان النظام الصحي والسياسة الطبية الاسلامية ينبغي ان تطرح كنموذج عملي يستحق ـ على اقل تقدير ـ انزاله الى الساحة الاجتماعية الاسلامية ، وضرورة تبنيه بكل قوة حتى يتحقق تكامل نظام الدولة والحكم في الاسلام.

ان التفصيلات المذكورة في طيات الكتاب ، والخاصة بتطبيق افكار المدرسة التوفيقية والافكار الرأسمالية في النظام الصحي الغربي عموما والامريكي بالخصوص ، تنتهي الى نتيجة على درجة كبيرة من الخطورة وهي ان المؤسسة الصيحة الغربية اصبحت السياسة الطبية الغربية دون ادنى شك مرتبطة بالسياسة الاستعمارية لدول الاستكبار.

ان اطباء العالم الاسلامي اليوم يتحملون اكبر المسؤوليات الاجتماعية فيما يتعلق بتطوير النظام الطبي في المجتمع الاسلامي. ويتحمل فقهاء الامة ايضا مسؤولية رسم السياسة الطبية الاسلامية واكتشاف كل ما من شأنه الوقاية من الامراض والعناية بصحة الفرد من خلال الكتاب المجيد الروايات الواردة عن رسول الله (ص) وائمة اهل البيت (ع). وينبغي ان يكون حمل همّ هذه القضية من اولويات السياسة الاسلامية. لان

12

الاستعمار الطبي يخدم السياسة الاستكبارية على مستويين ؛ الاول : الاستنزاف طاقات وموارد العالم الاسلامي والدولة الاسلامية بالخصوص من خلال تصدير الادوية والمعاجين الكيميائية او موادها الاساسية. الثاني : حرمان الاسلام من فرص عرض نظامه الصحي المتميز والمستند على الانظمة الوقائية والغذائية والعلاجية ، التي هي ارخص الطرق واسلمها الى السعادة الصحية ، وبالتالي الابقاء على حالة التخلف الحضاري التي يشهدها المسلمون اليوم. ولا شك ان صياغة سياسة طبية مستندة تماما على اطار الافكار الاسلامية يتطلب فهما استثنائيا لدور الطب في الحياة الاجتماعية ودور الفقه الاجتماعي في معالجة المشاكل الاجتماعية التي تواجهها الدولة الاسلامية. وقد حاولنا بكل جهد ان نضع قدمنا على الخطوة الاولى لهذا الطريق الطويل.

وهو المستعمان ، وله الحمد في الاولى والاخرة ، وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه انيب.

زهير الاعرجي

مدينة قم المشرفة / ذوالحجة 1413 ه.

13

( اطروحة الكتاب )

تربط النظريات الاجتماعية الغربية الصحة والمرض بصميم فعاليات النظام الاجتماعي. ففي الوقت الذي تعتقد فيه النظرية التوفيقية على لسان ( تالكوت بارسن ) و ( جورج ميد ) بضرورة ربط المرض بالدور الاجتماعي الذي يشغله الفرد ترتب على ذلك استنتاجا مهمّا يصرّح بان للنظام الاجتماعي مصلحة حقيقية في انشاء المؤسسة الطبية للحفاظ على سلامة الافراد وصيانة انتاجهم الاجتماعي ، فانها لا تمانع من ربط النظام الصحي بالفلسفة الرأسمالية التي تؤمن بتقييم العمل من زاوية الربح والخسارة لا الخدمات الانسانية. بينما تقوم نظرية الصراع الاجتماعي على لسان ( كارل ماركس ) والمتأخرين من انصارها باتهام النظام الرأسمالي بضلوعه في انشاء المؤسسة الطبية التي لا تعدو كونها مجرد صنيعة من صنائع الطبقة الرأسمالية ، لان صياغة شكل سياسة تلك المؤسسة الطبية يمثل الطرف المنتصر في عملية الصراع الاجتماعي.

ويتلخص نقدنا لكلا المدرستين ، بان للطب وظيفة خطيرة في المحافظة على صحة الافراد وزيادة انتاجهم الاجتماعي وليس بالضرورة ان يكون النظام الصحي وليد الطبقة الرأسمالية ، لان المجتمع الانساني يحتاج الى تلك المؤسسة بل لا يشك عاقل انها من اولويات مسؤولية الدولة الحديثة. الا ان الخبرة الطبية والتقدم التقني وحدهما لا يستطيعان تطوير انسانية النظام الصحي ما لم تستند فلسفة ذلك النظام على رسالة الدين الاخلاقية في التعامل مع الصحة والمرض والموت.

فرسالة الدين تولي اهتماما خاصا بالفرد ومصلحتة الشخصية والاجتماعية.

14

فتَبني اولا في شخصيات الافراد حب التعفف عن المال ، وهو ما يساهم في تربية الطبيب على الخدمة الانسانية في عمله المهني ويجنبه حب تكديس المال على حساب دخل المريض ومعاناته الانسانية. وتحاول الرسالة الدينية ايضا تثقيف المريض من خلال حثه على معرفة اساليب الوقاية وتناول الغذاء الصحيح. وتقوم تلك الرسالة ايضا في تحميل النظام الاجتماعي الاسلامي المسؤوليته الشرعية في علاج المريض وتعويضه ماليا بشكل يحفظ كرامته ويسد حاجته وحاجة عائلته الاساسية.

ويتخلص جوهر النظرية الاسلامية في الطب والصحة العامة في نظامين هما : النظام الوقائي ، والنظام الغذائي. فالنظام الوقائي يعالج الحالة المرضية قبل وقوعها. وقد تعاملت الشرعية مع هذا النظام باسلوب التحريم ، فمنعت العديد من المأكولات التي اثبت العلم التجريبي الحديث ضررها القطعي على الجسد الانساني كالميتة والدم ولحم الخنزير الخمر نحوها استنادا على قاعدة ( لا ضرر ولا ضرار في الاسلام ) ، بينما أحلّت الكثير من اللحوم والثمار. وقد جاء الاسلام بنظام وقائي فريد فيه الكثير من التفصيلات فيما يتعلق بطهارة الجسد الانساني ، خصوصا تنظيف الاسنان عن طريق السواك ، وتنظيف الجسد بالطهارة المائية ، وطهارة الشمس الخاصة بالارض وهي بيئة الفرد ، الطهارة الطبية الباطنية عن طريق الصيام. والنظام الغذائي هو الآخر يمثل قسما واسعا من الدائرة الفقهية الخاصة بصحة الفرد. واعمدته وجوب التذكية الشرعية ، وآداب المائدة ، الاعتدال في تناول اللحوم ، والنظام الشفائي في العسل ونحوها.

وفي الحالات الاستثنائية يتعين الطب العلاجي الذي يؤيده الاسلام ويضع له الضوابط الاخلاقية ومنها ضمان الطبيب بشروطه الشرعية ، الارتكاز العقلائي ، ومسؤولية الدولة في تطبيب الافراد ومعالجتهم وقت الطوارئ.

ومن هذا البحث نستنتج ان للنظام الطبي الاسلامي اخلاقية دينية وادبية عظيمة تميزه عن بقية الانظمة الصحية في العالم وخصوصا النظام الطبي الرأسمالي الغربي. وهذا الكتاب مقدمة على طريق اكتشاف النظام الصحي للدولة الاسلامية من مصادره ومنابعه الاصيلة.

15

-

16

-

17

الطب في النظرية التوفيقية

يقول ( تالكوت بارسن ) ، احد رواد النظرية التوفيقية في الطب بان « المرض ليس ظاهرة بيولوجية فحسب ، بل انه ظاهرة اجتماعية ايضا » (1) ، لان المجتمع الانساني يتطور تطوراً طبيعياً ما لم يقم الافراد جميعاً باداء ادوارهم الاجتماعية في كل الاوقات. فاذا تعرض فرد ما لمرض من الامراض اصبح دوره الاجتماعي شاغراً لانه لا يستطيع القيام بتأدية ذلك الدور المناط به اجتماعيا. وكنتيجة لهذا الخلل ، اصبح ذلك الدور معرضاً الى احتمالين ، الاول : ان يحال الى فرد آخر سليم من الناحية الصحية ، والثاني : ان يبقى ذلك الدور معطلاً دون شاغل يشغله. وهذا التبدل في الادوار الاجتماعية يسلط ضغطاً ويولد ارباكا ضد الحركة الطبيعية للنظام الاجتماعي.

ولا شك ان للنظام الاجتماعي ـ مهما كان لونه وشكله ـ مصلحة حقيقية في انشاء نظام صحي متكامل لعلاج الامراض وللحفاظ على نظافة المجتمع من الاوبئة والامراض المعدية حتى يتم استثمار طاقات العمال الاصحاء بطريقة يكون مردودها الانتاجي متناسباً مع حجم ذلك النظام وقابلياته. وعلى هذا الاساس فان من مصلحة النظام الاجتماعي مثلاً ، تحديد ( من هو المريض ؟ ) ، ومن مصلحة النظام الاجتماعي ايضاً معرفة من

____________

(1) ( تالكوت بارسن ) : بحوث في النظرية الاجتماعية. نيويورك : المطبعة الحرة ، 1954 م.

18

يصطنع المرض كي يجد مخرجاً يتهرب فيه من اداء الواجبات الاجتماعية المناطة به. فلو نظرنا الى قائمة الامراض التي تصيب الافراد في اي مجتمع انساني ، وابتدأنا من الصداع وانتهينا بامراض القلب مروراً بامراض الكبد والجهاز الهضمي والدماغ والاعصاب ، لتبين لنا ان المؤسسات الصحية التي اسسها النظام الاجتماعي هي التي تحدد طبيعة المرض خطورته. فالمجتمع مثلاً لا يعتبر الصداع مرضاً لان المؤسسة الصحية لم تعتبره حالة مرضية تستوجب دخول المستشفى او عيادة الطبيب الا في حالات استثنائية نادرة ، ولكنه يعتبر قرحة الامعاء ، مرضاً يتوجب معالجته عن طريق الطبيب او المستشفى ، مع ان الصداع والقرحة معا قد يعطلان الفرد عن الانتاج. وعلى هذه القاعدة يمكن تطبيق كل الحالات المرضية التي يتم تحديدها عن طريق مؤسسات النظام الصحية.

ولا يتوقف النظام الاجتماعي عند تحديد المرض وتشخيصه ، بل يتوقع من الفرد سلوكاً معينا يتناسب مع ذلك المرض. فسلوك المريض مثلاً ، يعتبر من الناحية الاجتماعية مناقضاً للسلوك الطبيعي للافراد الاصحاء. فما ان يعلن المريض اعراضه المرضية حتى يخلد الى الفراش ، باحثاً عن المساعدة الطبية ، باذلاً ماله لتحصيل الدواء الموصوف. وبما ان المرض عامل اجتماعي سلبي على الانسان ، فان نزوله بعضو من اعضاء النظام الاجتماعي يضع ذلك المجتمع وجهاً لوجه امام مسؤولياته في التعامل مع ذلك المريض. ولذلك فان الجهة التي تحدد المرض يجب ان تتمتع بشرعية قانونية يقرها النظام الاجتماعي ، حتى تستطيع تعويض الخسارة الاجتماعية التي يجلبها المرض على الفرد والعائلة والنظام الاقتصادي والاجتماعي

19

بشكل عام.

وتعْتَبِر هذه النظرية ، المرض لونا من الوان الانحراف الاجتماعي ؛ لان المريض يسلك خلال مرضه سلوكاً مناقضاً للسلوك الطبيعي الذي يقره الاصحاء. فالخلود الى الفراش ، وتناول الدواء ، وتسخير الآخرين لخدمة المريض ، كلها تصرفات لا يقوم بها الاصحاء غالباً. ولكن هذا الانحراف الصحي يعتبر انحرافاً استثنائيا ، لاسباب عدة منها ، اولا : ان هذا السلوك يستغرق فترة قصيرة محدودة ، وثانياً : انه يعبّر عن قوة لا ارادية داخل جسم الانسان. فالمريض مجبر على قبول حالته الاستثنائية ، وملزم بالاستسلام لواقعه الانحرافي الجديد. ولذلك فهو غير مُلام على تركه العمل الانتاجي ، وغير مسؤول عن التقصير في اداء دوره الاجتماعي الذي اصبح شاغراً بسبب مرضه. وما على المجتمع ونظامه الاجتماعي الا الاذعان والتسليم لحق المريض ومعاملته معاملة خاصة ، عن طريق منحه اجازة التخلي عن دوره ومسؤولياته الاجتماعية الى موعد الشفاء التام. فالعامل المريض مثلا يستطيع ترك العمل والتوقف عن الانتاج والخلود للراحة فور ظهور اعراضه المرضية. والطالب المريض يستطيع تأجيل موعد امتحانه النهائي لاسباب مرضية. والتاجر المريض يعطل تجارته بسبب عجزه عن ممارسة العمل الطبيعي الذي تعارف افراد المجتمع عليه.

ولا شك ان المريض الصادق ينبغي ان يطلب علاجاً سريعاً لحالته المرضية الاستثنائية. لان تباطؤه في العلاج يعني ان ذلك الفرد يهوى البقاء عالة على الآخرين ، ويود التخلي عن عمله الانتاجي في الحقل الاجتماعي ؛ وهو بذلك لا يعطل دوره الاجتماعي فحسب ، بل يستهلك

20

موارد الآخرين الاقتصادية ايضاً. وهذا التمارض يعطل الطاقات الانتاجية للافراد ويسبب خللا في الميزان الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للمجتمع.

وعلى الاغلب ، فان النظام الاجتماعي يتوقع من المريض قبول المساعدة الطبية الممنوحة له من قبل المؤسسة الصحية المعترف بها اجتماعياً. فالفرد المصاب بمرض حقيقي لا يستطيع رفض استشارة الطبيب ، او تعليماته الخاصة بالفحص الشعاعي او الكيميائي ، او اخذ الدواء ؛ لان ذلك كله يعرضه الى الشكوك والشبهات التي تتهمه بالتمارض تهربا من المسؤوليات الاجتماعية المناطة به.

21

نقد النظرية التوفيقية

ومع ان اهتمام النظرية التوفيقية منصبّ على ربط الادوار الاجتماعية التي يقوم بها الافراد بالسلوك الطبيعي للاصحاء ، وان النظام الاجتماعي ملزم بمعالجة الامراض ، لان اهمال معالجتها يؤدي الى تقليل الانتاج الاجتماعي ؛ الا ان هذه النظرية لا تخلو من مفارقات واخطاء نستعرض بعضاً منها.

اولا : ان النظرية تصب جلّ اهتمامها على الامراض غير المزمنة كامراض الجهاز الهضمي والبولي والتنفسي. وهذه الامراض يتم علاجها في فترة قصيرة نسبياً. ولكن النظرية تهمل امراضاً مزمنة يصعب علاجها بفترة قصيرة كامراض تضخم الانسجة المعروفة ب ( السرطان ) ، وامراض نقص المناعة الحاد ، والامراض المؤدية الى فشل القلب في تأدية نشاطه الطبيعي ؛ حيث لا يستطيع المريض في هذه الحالات المزمنة ايجاد شفاء عاجل لمرضه ، بل ان الشفاء في هذه الحالات يستهلك وقتاً طويلاً يعطل فيه الانسان طاقته الانتاجية ومسؤوليته الاجتماعية. وعلى ضوء ذلك ، فان المريض يحاول في هذه الحالات اعادة تنظيم وترتيب مسؤولياته الاجتماعية والاسرية بشكل لم تتناوله النظرية التوفيقية في تحليلها.

ثانياً : ان النظرية التوفيقية تركز على الطب العلاجي تهمل فرضية الوقاية بكل الوانها وتوجهاتها. ويعدُّ هذا الاهمال من اكبر اخطاء هذه النظرية. فلو انصبّ جهد المؤسسات الصحية على فكرة الوقاية لجنّب تلك المؤسسات الكثير من الاموال والجهود. فاشباع الطفل اشباعاً يتناسب مع

22

سنه من الحليب ، والبيض ، والخبز ، وعصير الفواكه يخلق منه رجلا منتجا سليماً من الامراض. وكل درهم يصرف في هذا المنحى على طفل ما ، سيدر على المجتمع لاحقاً خمسة اضعاف هذا المبلغ ، حيث ينمو الطفل سليماً من الامراض فيوفر عندئذ ، مصاريف الطب والعلاج ، ويصبح عند البلوغ عضواً نافعاً منتجاً في النظام الاجتماعي. ويبقى يؤدي دوره الاجتماعي فترة اطول من ذلك الطفل المريض الذي يشبّ وهو يفتقر الى ما يسند عظامه ويقوي لحمته من املاح ، وفيتامينات ، وادهان ، وكاربوهيدرات.

ثالثاً : ان الطب النفسي والروحي قد اهملته النظرية التوفيقية اهمالاً تاماً. ولا شك ان بعض الامراض العقلية تستدعي علاجا نفسيا. وبعض الجروح العضلية والغضروفية تستدعي علاجاً طبيعياً. وفي حالات معينة يعتقد المريض بضرورة العلاج الغيبي ، فلا يشفى الا بذلك. وفي كل هذه الحالات المرضية لم تتطرق النظرية الى تفسير العلاج والمعالج والمعالج ، لم تحدد موقف النظام الاجتماعي من تعطيل دور ذلك المريض اجتماعياً.

رابعاً : ان بعض الامراض والاضطرابات العقلية تعكس انحرافاً حقيقياً عن السلوك الطبيعي. فلا يتهاون النظام الاجتماعي في تصنيف ذلك الانحراف ضمن التصانيف الاجرامية والجنائية ، حتى لو اعلن المريض اعراضه المرضية واخلد الى الفراش ، وبحث عن المساعدة الطبية ، وبذل ماله في تحصيل الدواء. ولم تميز النظرية التوفيقية بين الامراض العقلية التي تؤدي الى جنون مطبق ، وبين الاضطرابات الاخرى التي يستطيع فيها الفرد ان يجد علاجاً شافياً ، يدفعه مرة اخرى الى عجلة النشاط الاجتماعي الانتاجي.

واهمال هذه الحالات المرضية في تفسير النظرية التوفيقية للطب ، يعكس ضعف هذه النظرية في تحليل الامراض وعلاجها في المجتمع الانساني تحليلاً جامعاً لكل اركانها وشاملاً لجميع حقولها ومراتبها.

وهذه المؤاخذات على النظرية التوفيقية تقلل من اهميتها في تفسير المرض باعتباره ظاهرة اجتماعية ، علاوة على كونه ظاهرة طبية ، لانها لم تتناول جميع الامراض التي يتعرض لها الافراد ، بل اخذت بعضاً منها بما يساند آراءها ، وتركت البقية دون تحليل.

23

وظيفة الطب

ولا نشك في ان مساندة النظام الاجتماعي للمؤسسة الصحية يعكس خطورة وظيفة الطب في الحياة الانسانية ؛ فتنبع اهمية الطب في المجتمع الرأسمالي مثلاً من علاقة المؤسسة الصحية بانتاجية الفرد ، حيث يقاس النجاح الاقتصادي للنظام الرأسمالي من خلال النسب الانتاجية الاجمالية لمجموع الافراد.

ولا ريب ان الوظيفة الاساسية للطب تدور حول المحافظة على صحة الافراد ، حتى يبقي النظام الاجتماعي نظاماً انتاجياً يدر على اعضائه اقصى ما يمكن اعتصاره من الخيرات. ومع ان الصحة الشخصية مسؤولية فردية ، الا ان المؤسسة الصحية مسؤولة عنها مسؤولية مباشرة. فهي التي تقوم بتقديم حقن المناعة وقت انتشار الاوبئة والامراض المعدية ، وبالفحص الطبي السنوي للعاملين في المصانع وحقول الانتاج المختلفة ، وبتقديم المعلومات والثقافة الطبية لجميع الافراد ، وبتنقية المياه من الشوائب الجراثيم ، وبالسيطرة على انظمة المجاري العامة ، حتى يتمّ تفادي انتشار الامراض وتقليل كل ما من شأنه خفض المستوى الانتاجي للعاملين.

وفي سبيل المحافظة على صحة الافراد ، فان النظام الصحي يقوم بمعالجة الامراض. فمن واجبات المؤسسة الصحية التعامل مع الامراض المختلفة وتقديم العلاج الشافي للافراد المصابين بتلك الامراض. وهذا يتطلب تدريب عدد كبير من العاملين والخبراء وانشاء مؤسسات ضخمة من المصانع والمعاهد التعليمية. فالاطباء والممرضون والصيادلة

24

والاداريون يتولون امور المستشفيات ؛ والشركات الكيميائية تتولى انتاج الادوية والمراهم الطبية ، والمؤسسات الهندسية والكهربائية تتولى تصنيع الاجهزة الطبية وتصميم المستشفيات ، والكليات الطبية والصيدلية تتولى تخريج الاطباء والصيادلة. وهذا كله يحمّل النظام الاجتماعي اعباءً كبيرة ، واموالاً طائلة.

وحتى تتفادى المؤسسة الطبية الخسارة الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن تكرار حدوث المرض ، فانها تبحث عن اسبابه وطرق انتشاره ، وتحاول الكشف عن افضل الوسائل التقنية للعلاج ، ومن ذلك الطب الوقائي والعمليات الجراحية وطرق التخدير ، وتصنيع الادوية. وهذا يتطلب جهدا بشرياً فائقاً لان البحوث الطبية تبدأ بالتحري لاكتشاف اصغر الكائنات الحية في المختبرات الطبية ، وهي الفيروسات ، وتنتهي في البحث على النطاق الحقلي بدراسة الامراض دراسة ميدانية واسعة ، قد تستوعب شعوباً وبلدانا باكملها. وتتم اغلب الاكتشافات عادة ، عن طريق مؤسسات البحوث الطبية المتصلة بالجامعات ، او المستشفيات التعليمية ، او الوكالات الحكومية او المختبرات الاهلية. وهذه المؤسسات الصحية تهتم اهتماماً خاصاً بمعالجة الامراض التي يبتلى بها الافراد في ذلك الاقليم.

ومن وظائف النظام الطبي ايضاً ، السيطرة الاجتماعية على سلوك الافراد لخدمة النظام الاجتماعي. فعن طريق الطب ومؤسساته يتم تحديد حقيقة المريض عن المتمارض ، حيث يترتب على ذلك اعفاء المريض من واجباته المهنية وحرمان المتمارض من تعطيل دوره الاجتماعي. وعن طريق المؤسسة الطبية يتم تسجيل شهادات الميلاد وشهادات الوفاة ، ويترتب

25

على ذلك منح الوافدين الى الحياة جنسيات الدولة ، واعفاء المغادرين من مهامهم الاجتماعية. ويتم عن طريقها امضاء شهادات التلقيح ، واثبات احقّية العاطلين عن العمل لاسباب صحية ، وتعويضات شركات التأمين للافراد في حالات الحوادث والاعتداءات ، والصاق تهمة الاضطراب العقلي على بعض المنحرفين. وبالجملة فان المؤسسة الطبية تسلك مسلك الشرطي المراقب لحركة الدخول والخروج من العالم الدنيوي الى العالم الاخروي ، والقاضي الذي يبتّ باحقية هذا ومظلومية ذاك ، وصمام امان النظام الاجتماعي في ضبط انتاجية العمل ونشاط العمال.

26

الطب في نظرية الصراع الاجتماعي

وترى نظرية الصراع ان المعافاة الصحية تعتبر مصدراً من المصادر التي يحسب لها حساب عند الرأسماليين (1). فكما حازت الطبقة الرأسمالية على قصب السبق في الثروة ، والقوة السياسية ، والمنزلة الاجتماعية ، فقد اعتبرت المعافاة الشخصية مصدراً من مصادر القوة التي ينبغي ان يسيطر عليها الاغنياء في المجتمع الرأسمالي. ولما كان المجتمع الرأسمالي مبنيّاً على المنافسة الاقتصادية ، فان المنافسة للسيطرة على النظام الصحي تحمل معها كل معاني المنافسة الاقتصادية ؛ لان النظام الصحي يدرّ على الطبقة الرأسمالية مقداراً هائلاً من الثروة ، ناهيك عن اندماج قادة النظام الصحي في العملية الرأسمالية ، وخصوصاً الاستثمار وما يصحبها من قدرة على تحويل القوة الاقتصادية الى قوة سياسية. واذا كان توزيع الثروة في المجتمع الرأسمالي محصوراً في الطبقة الرأسمالية القوية ، فان النظام الصحي ـ بكل ما يجلبه من خيرات ـ سيكون حتما في قبضة اليد الرأسمالية.

بطبيعة الحال ، فان من حقّ الفرد في المجتمع الرأسمالي التمتع بصحة جيدة ؛ ولكن لتحقيق ذلك يجب الالتفات الى مسألتين ، الاولى : حالته المعيشية والسكنية. والثانية : المستشفى الذى يعالج فيه وقت المرض. فاذا كان ذلك الفرد عضواً في الطبقة الرأسمالية ، فان السكن الذي يسكنه ونوعية

____________

(1) ( هاورد ويتكن ) : المرض الثاني : تناقضات العناية الصحية الرأسمالية. شيكاغو : مطبعة جامعة شيكاغو ، 1986 م.

27

الطعام الذي يتناوله يساهمان مساهمة كبيرة في المحافظة على صحته وعافيته. وحين المرض ، فان الاموال التي يمتلكها تستطيع ان تفتح له ابواب افضل المستشفيات وتضع في خدمته امهر الاطباء. اما الفقراء فان ظروف معيشتهم وسكناهم ، ونوعية غذائهم تعرضهم لشتى انواع الجراثيم والفيروسات ، وفي النهاية تنهار مناعتهم الجسدية ضد الامراض ، وتضعف مقاومتهم. ولا شك ان وضعهم المادي الذي لا يساعدهم على دفع اجور المستشفى والطبيب والدواء يؤدي الى حرمانهم من الخدمات الطبية. وكما كان متوقعاً فان التوزيع غير العادل للخدمات الصحية ، هو النتيجة الاساسية لانعدام العدالة في توزيع الثروة الاجتماعية وما يترتب عليها من انشاء نظام طبقي ينا في مفاهيم المساواة الانسانية.

ونتيجة لهذا التفاوت الصحي بين الطبقتين الغنية والفقيرة ، الرأسمالية والمعدمة ، يعمّر الاغنياء في النظام الرأسمالي ، في حياتهم الدنيوية ، اكثر من الفقراء ، لان هؤلاء الاغنياء تتوفر لهم مصادر الثقافة الطبية العامة ، وطرق التغذية الصحيحة ، وتوفر لهم اموالهم سبل العلم عن الامراض ، مما يؤدي الى اهتمامهم بالاعراض المرضية ، وسرعة التحرك طلباً لمعاينة الطبيب ، على عكس الفقراء الذين لا يعيرون اهتماماً للاعراض المرضية ، ويتمنون الشفاء دون معاينة طبيب مختص.

وتزعم نظرية الصراع ان دورات المياه في المساكن الفقيرة تعتبر مصدراً من مصادر انتشار الاوبئة والامراض المعدية عن طريق الطفيليات والجراثيم ، وتعتبر اماكن عمل الفقراء اكثر خطراً من الاماكن التي يعمل فيها الاغنياء ؛ وبسبب هموم المعيشة والاضطرابات النفسية التي تصاحب

28

الفقر والحاجة عادة ، تزداد نسبة الامراض العقلية بين افراد الطبقة الفقيرة. وهذه الاضطرابات النفسية والعقلية تسبب نقصانا في اعمار الفقراء على الاغلب. ولا شك ان هذا الوضع الصحي للفقراء يخدم الطبقة الرأسمالية الغنية خدمة عظمى ، لان المرض والتخلف العقلي ونقصان عمر الفرد يساعد على سحق الطبقة الدنيا من الافراد ، بحيث يؤدي الى غلق ابواب التغيير الاجتماعي المأمول. والنتيجة النهائية ، بقاء سيطرة الطبقة الرأسمالية على مقدرات النظام الاجتماعي بكل ابعادها السياسية والاقتصادية.

وطالما كان القوي افضل من الضعيف ، وكان المعافى افضل من المريض ، كان النظام الصحي الرأسمالي حتماً صنيعة الطبقة الرأسمالية ، كما تعتقد نظرية الصراع ، لان هذا النظام الصحي يمثل الطرف المنتصر في عملية الصراع الاجتماعي.

29

الطب في النظام الرأسمالي البريطاني

ويتمتع افراد المجتمع البريطاني بنظام صحي يجمع بين الفكرة الاشتراكية والنظرة الرأسمالية ، على خلاف نظيره في المجتمع الامريكي (1). فالنظام الصحي البريطاني يسمح للاطباء بممارسة مهنتهم في العيادات الخاصة ، ويسمح للمستشفيات الاهلية بفرض اجور معينة يدفعها المرضى لقاء الخدمات المقدمة لهم. ولكن الاطباء والمستشفيات عموماً تشارك في النظام الصحي الحكومي العام الذي يقدم الخدمات الصحية المجانية لكل الافراد ، بغض النظر عن دخلهم السنوي. ويعين هذا النظام للطبيب راتباً محدداً من قبل الادارة المحلية مع نسبة سنوية ثابتة من ضرائب الافراد الذين يعالجهم ذلك الطبيب. ولذلك فان الاطباء الماهرين يجذبون عدداً اكبر من المرضى. وكلما ازداد عدد المرضى الذين يعالجهم الطبيب ازداد دخله السنوي. وهذا النظام يخفف العبء المالي عن المريض ، وذلك بالتزام الحكومة بدفع تكاليف الفحوص والتجارب المختبرية والعمليات الجراحية التي تجري في المستشفيات ، وما يعقبها من مكوث فترة زمنية للتشافي ، وتحديد الدواء من قبل النظام بسعر رمزي ثابت يدفعه الفرد ، حتى لو كان الثمن الواقعي لذلك الدواء باهضاً.

ولكنّ مناصري النظرية الرأسمالية يعترضون على النظام الصحي

____________

(1) ( ميلتون رومير ) : دراسة مقارنة بين السياسات القومية للعناية الصحية. نيويورك : مارسيل ديكر ، 1977 م.

30

البريطاني ، ويتهمونه بالقصور عن مواكبة النظرية الرأسمالية ، ويزعمون ان الطلب المتزايد على خدمات النظام الصحي ، ومحدودية الاموال المقدمة له من قبل الضريبة تجرده عن المنفعة المادية المتوخاة في كل عمل رأسمالي ؛ ويدعون بان النظام الصحي البريطاني لا يفتقر الى المال فحسب ، بل يفتقر ايضاً الى الدقة والاتقان في تقديم الخدمات الطبية.

ومع ان هذه الادعاءات صحيحة ظاهرا ، الا ان هذا النظام الصحي اعدل نسبياً من نظيره في الولايات المتحدة. فهو اولاً : يمثل عدالة نسبية في توزيع الخدمات الصحية. وثانياً : تمثل تكاليف النظام الصحي البريطاني نصف تكاليف نظيره في الولايات المتحدة. وثالثاً : مع ان النظام البريطاني متهم بالتقصير في تقديم الخدمات الطبية ، الا ان نسبة وفيات المواليد في المجتمع البريطاني اقل من نظيرها في المجتمع الامريكي. والنظام الصحي البريطاني يمثل استثناءً في الفكرة الرأسمالية ، لانه يؤمن ـ خلافاً للعقيدة الرأسمالية في ضرورة جني الارباح من كل عمل تجاري ـ ان العلاج الصحي يجب ان يقدم للمرضى الذين يحتاجون العلاج بغض النظر عن قدرتهم على دفع الاجور.

31

الطب في النظام الرأسمالي الامريكي

ولا شك ان دراسة النظام الصحي الرأسمالي الامريكي تجعلنا نصدق ـ دون تحفظ ـ الفكرة القائلة بأن اغنى دولة رأسمالية في العالم اليوم ـ وهي الولايات المتحدة ـ ليس لديها تأمين صحي عام يشمل جميع الافراد ؛ حيث نلاحظ ، في نهاية القرن العشرين ، ان فرداً واحدا من كل ستة افراد في الولايات المتحدة لا يستطيع دفع اجور معالجته الطبية وقت المرض. واذا استمر مرضه لفترة طويلة نسبياً فانه قد يضطر لبيع سكناه وممتلكاته طلباً للشفاء. واذا ما تم الشفاء بعد تلك الفترة ، ولكنه لا يزال عاطلاً عن العمل ، فان مصيره التشرد مع اسرته (1). وهذه الحالات المأساوية المنتشرة في طول البلاد وعرضها تدحض الفكرة القائلة بأحقية النظام الرأسمالي في قيادة البشرية نحو شاطئ السعادة والامان. فأية سعادة هذه التي يبشر بها النظام الرأسمالي افراده ؟ أليس التطبيب والعلاج حقاً من حقوق الفرد مهما كان لونه وجنسه ؟ اوليس للفرد الفقير حق على المجتمع في تطبيبه اذا مرض ، وتعويضه اذا فقد القدرة على العمل والانتاج ؟ ولماذا يعتبر النظام الرأسمالي الطب بضاعة يتاجر بها كما يتاجر بالمواد التجارية الاخرى ؟ الا ينبغي للخدمات الصحية العلاجية التي يقدمها الطبيب والمرض والصيدلي وصاحب المستشفى للمريض ، ان تكون في مدار الخدمة الانسانية البعيدة عن الطمع والجشع الرأسمالي ؟

____________

(1) ( بول ستار ) : التغير الاجتماعي للطب الامريكي. نيويورك : الكتب الاساسية ، 1982 م.

32

ولكن النظام الرأسمالي لا يقدم اذنا صاغية لصرخات المستضعفين ، بل يزعم ان المدار في النظام الصحي هو جني الارباح التي يدرها على المستثمرين ، دون الاخذ بالنظرة الانسانية في معالجة المريض باعتباره انسانا يستحق كل مستلزمات العلاج والرعاية وقت المرض. فالمريض الذي يستحق العلاج الحقيقي هو القادر على دفع القائمة المالية اكثر من غيره. اما المريض الفقير فهو لا يستحق علاجاً لانه لا يساهم في تحقيق المفهوم الرأسمالي في الانتاج وجني الارباح.

ويأخذ ناقدو الرأسمالية على النظام الامريكي انه لم يشرّع لحد اليوم قانوناً واحدا يحدد فيه اسعار العلاج الطبي ، بل انه ترك الامر الى المنافسة الاقتصادية ؛ فالاطباء هم الذين يحددون اسعار علاجهم ، وعلى ضوء ذلك فانهم يقبضون اجورهم العالية ، عن طريق المرضى الاثرياء مباشرة ، او عن طريق شركات التأمين الصحية ، او عن طريق البرامج الحكومية ؛ ومن كل ذلك تتراكم مبالغ هائلة من الاموال لدى هؤلاء المحترفين الذين يفترض فيهم التعفف عن جمع المال لقربهم من آلام الانسان وموته وحياته.

والنتيجة من تطبيق هذا النظام الصحي ان ارقى المستشفيات وافضلها من ناحية التقنية العلمية والخدمات تعالج افراد الطبقة الرأسمالية العليا فقط لانهم وحدهم القادرون على دفع اجور خدمات تلك المستشفيات. اما الطبقات الاخرى فانها تستخدم مؤسسات صحية متوسطة المستوى للعلاج ، ما عدا الطبقة الفقيرة التي تعاني من الحرمان لأبسط قواعد العلاج الصحي. ولا شك ان هذا النظام الصحي الطبقي ساعد على انتاج افضل انظمة الصحة والعلاج التقني في العالم ، خصيصاً للاغنياء.

33

ولا ريب ان هذا النظام ساعد ايضا على تكوين اغنى الاطباء في العالم.

ويرجع سبب نمو هذا النظام الصحي غير العادل وثباته ، الى ان مؤسسة الطب الامريكية وهي التي تضم في عضويتها اكثر من نصف اطباء امريكا ، تغدق على اعضاء الكونغرس ورجال الحكومة اموالاً كي تصرفهم عن المصادقة على قوانين اصلاح النظام الطبي في الولايات المتحدة.

ولتبرير هذا الواقع الصحي الظالم الذي انشأته الفكرة الطبقية الامريكية ، ينتقد مناصر والنظام الامريكي فكرة سيطرة الدولة على النظام الصحي ، واشراك الفقراء في العلاج ، ويزعمون ان ذلك يؤدي الى ( اشتراكية الطب ) التي تناقض النظرية الرأسمالية من الصميم. ولكن هؤلاء يتناسون ان بعض المؤسسات الرأسمالية نفسها اشتراكية الطبع. فجهاز الشرطة تديره الحكومة وهو بطبيعته اشتراكي المنشأ. فالمعتدى عليه لا يذهب الى شركة اهلية خاصة لاستئجار الشرطي الذي يحميه ، بل ان جهاز الشرطة جهاز فيدرالي تسيطر عليه الدولة لحماية الافراد ضد الاعتداءات المختلفة ، فكيف يتقبل المجتمع الرأسمالي « اشتراكية البوليس » ويرفض « اشتراكية الطب » ؟ وكيف يقبل المجتمع الرأسمالي « اشتراكية القضاء » الحكومي ويرفض « اشتراكية الطب » ؟ وكيف يقبل المجتمع الرأسمالي « اشتراكية المطافئ » ويرفض « اشتراكية الطب » ؟

ومع ان النظام الصحي الرأسمالي الامريكي اليوم ، يفتخر بتقدم علومه الطبية الحديثة ، ويرجعها الى اصل الفكرة التجارية القائمة على اساس الربح والخسارة ، الا انه يستنكر في الوقت نفسه ان يكون الجانب الانساني المدار في تقديم الخدمات العلاجية ، لان المؤسسة الطبية ـ كما

34

يعتقد ـ يجب ان تكون مؤسسة للتجارة لا للخدمات !

واذا كانت المؤسسة الطبية في المجتمع الرأسمالي الامريكي تنتج عشرة بالمائة من ارباح الانتاج الكلي للنظام الاجتماعي ، فان حرمان خمسة عشر بالمائة من افراده من العلاج الطبي الاساسي يعتبر ظلماً بحق المعذبين والمعدمين ، الذين يعيشون دون علاج ، تحت نظام يدعي لنفسه كمال العدالة الاجتماعية والمساواة التامة بين الافراد.

35

اسباب انعدام عدالة النظام الصحي الامريكي

وترجع اسباب فشل النظام الطبي الامريكي في توزيع العلاج بشكل عادل بين الافراد الى قضايا عديدة ؛ منها : عوامل الربح ، وفشل البرامج الحكومية ، وتكاليف المؤسسة الطبية ، والطب الدفاعي ، وزيادة عدد الاطباء (1).

فعلى صعيد الارباح ، فان الروح الرأسمالية للنظام الطبي تدفع افراده الى تحقيق اقصى ما يمكن تحقيقه من الارباح على حساب المريض. فالطبيب يعين سعراً للعلاج ، فيتعين على الشركة التي يعمل فيها « المريض » دفعه كليا ؛ ولما كانت اجور علاج عمالها مرتفعة ، فان الشركة تضطر لاضافة اجور العلاج على الاجور النهائية للبضاعة التي شارك العامل في صناعتها ، وبالتالي فان المستهلك يدفع جزءاً من الاجور الطبية التي تذهب في النهاية الى جيب النظام الصحي الرأسمالي. والمحصل ، ان جزءاً كبيراً من الثروة الاجتماعية سوف يتحرك بشكل تراكمي باتجاه الطبقة الرأسمالية الطبية. ولما كانت الثروة محدودة بحدود النظام الاجتماعي فان انتقالها الى تلك الطبقة سيحرم افراداً آخرين من تحصيلها والاستفادة منها في سد حاجاتهم الاساسية.

وعلى صعيد البرامج الحكومية ، فان الدولة تصرف على علاج الفقراء

____________

(1) ( وليم كوكرهام ) : علم الاجتماع الطبي. نيوجرسي : برنتس ـ هول ، 1986.

36

قدراً معيناً من المال ؛ فاذا نفد ذلك القدر من المال ، حرم بقية الفقراء من العلاج ، واغلقت المستشفيات ابوابها بوجوههم. ولما كانت الحكومة المحلية تدفع مبلغاً اقل للسعر الذي يحدده الطبيب ، فان العديد من الاطباء لا يقبلون علاج مرضى الفقراء المعتمدين على المساعدة الحكومية ، وليس هناك قانون يلزم هؤلاء الاطباء بعلاج الفقراء بالخصوص. ولما كانت الرقابة الحكومية على الاطباء ضعيفة ـ لان هذه الرقابة ذاتها تكلف اموالاً اضافية غير متوفرة ـ يختلق البعض من الاطباء اسماءً وهمية يعالجها ويبعث بقوائم علاجها الى الحكومة ليقبض على اساسها اموالاً اضافية اخرى. وهذا الفساد والغش له ما يبرره في النظام الرأسمالي ، لان هذا النظام لا يربي في الطبيب انسانيته ولا ينشئ في ضميره الوازع الاخلاقي ، بل يترك لغرائزه الجشعة العبث بمقدرات الآخرين.

وعلى صعيد تكاليف المؤسسة الطبية ، فان ثلاثة ارباع تكاليف النظام الصحي الاجمالي تذهب الى دخل المستشفيات وموظفيها من اداريين وفنيين واطباء وصيادلة وممرضين. ولا شك ان الثروة المتراكمة لدى المستشفيات ـ باعتبارها مؤسسات تجارية ـ تشجعها على الحصول على اغلى وارقى الاجهزة الطبية في جراحة القلب ونقل الاعضاء ، والاجهزة التشخيصية التي تعمل بالاشعة السينية والصوتية ونحوها. وكل هذه الاجهزة تكلف النظام الصحي اموالاً طائلة ، ولكن انحصارها بالمستشفيات الخاصة بالطبقات الرأسمالية والمتوسطة ، وحرمان الطبقة الفقيرة منها دليل واضح يثبت بان استخدام التقنية الحديثة ينفع افراد الطبقات الغنية دون الفقيرة.

37

وعلى صعيد الطب الدفاعي ، فان القانون الرأسمالي يستطيع ، نظريا ، ان يضع الطبيب المخطئ في معالجته المريض ، امام المحكمة ليدفع تعويضاً مالياً للضحية. وهذا القانون يطبّق اذا كان الخطأ الذي ارتكبه الطبيب معتبراً في انزال الاذى بالمريض. فلو قطع الطبيب بطريق الخطأ مجموعة من الاعصاب لمريض مصاب بمرضٍ في الكلية مثلاً ، فان على الطبيب دفع تعويض مالي معين لذلك المريض. وقد شجع هذا الاصرار القضائي على تغريم الطبيب ، على انشاء شركات تأمين خاصة بالاطباء ، حيث تتولى دفع التعويضات للمريض المَجنِيِّ عليه ـ خطأً ـ من قبل الطبيب ؛ وهذا التأمين الطبي يتم لقاء اجر سنوي محدد يدفعه الاطباء. ولكن دفعاً لمشكلة الخطأ الطبي وما يترتب عليها من تعويض ، فان الاطباء لا يتركون تجربة او تحليلاً مختبريا يخص المريض بطريق مباشر او غير مباشر الا واستخدموه للتشخيص. وفي هذه الحالة فان اجور التشخص بكافة الوانها وانواعها تقع كلياً على كاهل المريض دون ان يخسر الطبيب شيئاً من جيبه الخاص.

وعلى صعيد زيادة عدد الاطباء ، فان زيادة الاجور وارتباط مهنة الطب بالقوة السياسية والاقتصادية والاجتماعية يدفع الكثير من الطلبة الى الدخول في كليات الطب. وفي نهاية القرن العشرين يمثل الحقل الطبي الامريكي اكثر من نصف مليون طبيب يتزاحمون على جني اقصى الارباح من زبائنهم. وامام هذا العدد الهائل من الاطباء ، اي طبيب واحد لكل خمسمائة فرد امريكي ، اخذت المشكلة الاجتماعية ابعادا جديدة. فاصبح الطب يتدخل في حياة الفرد تدخلا سافرا ، واصبحت الاعراض البسيطة التي لا تحتاج الى علاج طبي امراضا يتحتم على الافراد علاجها طبيا.

38

فالارق ، والصداع ، وتخفيف الوزن ، والسمنة ، والشره ، اصبحت امراضاً ينبغي علاجها بمختلف انواع الادوية الكيميائية. اما قبح الوجه وكبر السن فاصبحتا قضيتين طبيتين لمن اراد علاجهما بعمليات جراحية. وازدادت عمليات الولادة القيصرية بنسبة الربع ، بمعنى ان لكل اربعة ولادات تحصل في الولايات المتحدة ثلاث منها طبيعية والرابعة قيصرية. وفي هذا دليل على ان كثرة عدد الاطباء وشره النظام الصحي المستند على اساس التجارة الحرة يدفع الخبراء في مجال الطب ، في النظام الرأسمالي الامريكي ، الى التفتيش عن امراض جديدة تلصق بزبائن يستطيعون دفع اعلى الاجور.

وهذا الفشل في تطوير انسانية النظام الصحي الامريكي يدفعنا الى الاعتقاد بان الخبرة الطبية وحدها ليست المدار في تقدم النظام الصحي في المجتمع ، بل ان المدار ـ اضافة الى الخبرة ـ الثقة والصدق والايمان. فاذا كان الخبير جشعا يبذل جهده في جمع المال ، فكيف نستطيع الاطمئنان الى صحة عمله ؟ واذا كان الخبير مجردا من انسانيته فكيف نستطيع ان نضع ارواح الفقراء ـ الذين لا يملكون ما يشبع غريزته من الاموال ـ بين يديه يقلبها كيفما شاء ؟ اليس الاولى للنظام الصحي الامريكي ، الذي يدعي تطور تقنية الفنية ، جعل المؤسسة الصحية مؤسسة انسانية تهتم بكل الافراد بدل جعلها مؤسسة تجارية تبحث عن جني الارباح ؟ او ليست خسارة الاموال افضل واولى من خسارة ارواح الفقراء ؟

39

المرض والنظام الحياتي للفرد

ولا ريب ان التقدم العلمي في مختلف المجالات الطبية كان قد اثمر في تقليل نسب الامراض بشكل كبير ؛ وذلك من خلال تلقيح الافراد باللقاحات الطبية قبل انتشار الاوبئة ، واستخدام المضادات الحيوية في السيطرة على مختلف الامراض. ولكن هذا التقدم العلمي الجبار ليس له تأثير يذكر على نسب الوفيات في المجتمعات الانسانية المعاصرة ، بل ان نسب الوفيات في المجتمع الصناعي قد انخفضت قبل اكتشاف الامصال والمضادات الحيوية. ويعود انخفاض نسب الوفيات في المجتمعات المعاصرة الى سببين ، الاول : التحسن الظاهر في نوعية المواد الغذائية التي بدأ الناس بتناولها منذ القرن الماضي. والثاني : تنظيم قوانين الصحة العامة ، كتعقيم الحليب ضد الجراثيم ، وتنقية مياه الشرب ، وفحص الطعام المطبوخ في المطاعم العامة من قبل المؤسسة الصحية ، والسيطرة على الحشرات الناقلة للامراض كالبعوض والذباب والقمّل. ولم يقلل التقدم العلمي في الطب عدد الامراض التي يعاني منها المجتمع الرأسمالي المعاصر ، حتى ان « النظرية الجرثومية » التي ابهرت العالم في القرن التاسع عشر لم يعد لها رصيد امام امراض الحضارة الرأسمالية الحديثة مثل السرطان وامراض القلب ، وانتفاخ الرئة ، والشلل ، وامراض نقص المناعة المكتسبة ، بل اصبح النظام الصحي الرأسمالي بكل تقدمه العلمي الجبار عاجزاً عن علاج هذه الامراض الحديثة.

ومجمل القول ، ان اغلب الامراض التى تصيب الافراد ، تعزى الى

40

البيئة الاجتماعية والطبيعية التي يعيش فيها الانسان. فالغذاء ونوعيته وطريقة تحضيره تلعب دوراً مهماً في صحة او سقم الانسان ، وكذلك العامل الوراثي ، والجو وما يترتب عليه من برودة ، او حرارة ، والكآبة ، والضغط النفسي ، ونشاط الفرد او خموله ، وتناوله الخمر والمسكرات ، واستعماله السجائر والمخدرات ، وتلوث البيئة الطبيعية بالاشعاع والكيميائيات. وبالتأكيد فان البيئة الحضارية الحديثة تساعد على انتشار امراض مثل الصداع النصفي ، وقرحة المعدة والامعاء ، والكآبة النفسية ، والشلل ، والسرطان بكافة انواعه ، والامراض العقلية التي تنتهي بالجنون او الانتحار. وهذه النهاية المحزنة في رحلة الحياة الانسانية المختومة بالانتحار تعكس الصفحة الاخيرة من مصير الحضارة الرأسمالية ؛ فهذه الحضارة جلبت للانسانية امراضاً واوجاعاً لم تأت بها اية حضارة انسانية اخرى على مر التاريخ.

وهذه الامراض الخطيره التي يعاني منها الفرد الرأسمالي تقاوم وتتحدى الطب الحديث بكل قواه ومؤسساته وامكانياته الجبارة. وعلاج امراض السرطان والقلب والقرحة تكلف مالاً اوفر ، وتتطلب وقتاً اطول. ومن المؤكد ان امراض الحضارة الحديثة تبقى ما بقيت الحضارة الرأسمالية تستثمر الارض بشكل جنوني لاعتصار اقصى قدر ممكن من الخيرات. فمصانع الحديد والصلب والكيميائيات ومصانع الذرة تلوث البيئة الانسانية ، مسببة امراضاً بشرية لم يعرف لها الانسان القديم اسماً ولا شكلاً.

وهذه المشاكل الصحية في النظام الغربي يرجع ظهورها وبروزها بهذا الحجم الى قضيتين مهمتين اهملهما ذلك النظام والتفت اليهما الاسلام

41

وأكد عليهما منذ خمسة عشر قرناً ، ونحن نكتشفهما اليوم من جديد ، وهما اولاً : النظام الوقائي ، وثانياً : النظام الغذائي. فعلى صعيد الوقاية ، فقد ورد في المأثور : ( الوقاية خير من العلاج ). فلو امتثل المجتمع الرأسمالي لهذه المقولة العظيمة لأنقذ حياة الملايين من الافراد الذين يموتون بسبب مخالفتهم هذه القاعة الصحية. ففي العقد الاخير من القرن العشرين يموت في الولايات المتحدة فقط بسبب عادة سيئة واحدة يمكن الوقاية منها ، وهي التدخين وما يترتب عليها من امراض ، كسرطان الرئة والفم والبلعوم ، اكثرمن 350 الف فرد سنويا. ويكلف هؤلاء النظام الصحي الامريكي ، من ادوية وعناية طبية قبل موتهم ، مبلغاً يقدر باكثر من عشرين بليون دولار. ولو طُبِّقَ نظام الوقاية لوفر على المجتمع الرأسمالي هذا المبلغ الكبير من المال ، وارجع قسماً من هؤلاء الى اعمالهم وانتاجهم. واذا اضفنا نتائج عادات سيئة اخرى الى عادة التدخين ، كشرب الخمور ، واستعمال المخدرات ، واكل اللحوم والدهنيات بشراهة ، والادمان على شرب السوائل الغازية الحاوية على شتى المواد الكيميائية ، لتبين لنا حجم المشكلة الصحية التي يعاني منها النظام الطبي الرأسمالي.

وعلى صعيد النظام الغذائي ، فان امراض القلب مثلاً تعتبر من امراض الحضارة الحديثة ، وسببها كثرة تناول اللحوم الحمراء ، وهي لحوم الغنم والبقر والخنزير الحاوية على نسبة عالية من الشحوم الحيوانية. وشره الافراد في المجتمع الرأسمالي لتناول هذه اللحوم لا يحدها حد طبي اوقانوني ، لان اختيار الطعام مسألة متعلقة بالحرية الشخصية ، التي هي بزعمهم اساس المبدأ الرأسمالي. فلا يحق للجهة الطبية التدخل قانونيا لتنظيم حرية

42

الافراد الشخصية. ولذلك فان امراض القلب التي تؤدي الى الوفاة ، تعتبر من اكثر الامراض انتشارا في اوروبا الغربية وامريكا في القرن العشرين.

والخلاصة ، ان المؤسسة الطبية الرأسمالية تساعد على تخفيف آلام العديد من الامراض ، ولكنها لا تستطيع محو نتائجها المتوقعة التي تؤدي في النهاية الى الوفاة. ولا نشك ان الطبقة الرأسمالية المتحكمة تعلم ان الوقاية وتحسين نوعية الغذاء اسلم وارخص الطرق لتكامل المجتمع الانساني صحيا ، الا انها لا ترى تغيير نظامها الصحي ، لان الوقاية وتحسين نوعية الغذاء لا تدرّ عليها ارباحاً هائلة كما يدرها النظام الصحي القائم اليوم. اضف الى ذلك ان انصار الفكرة الرأسمالية متمسكون بالمبدأ الرأسمالي الذي يترك للفرد حرية تقرير المصير ، فيما يتعلق باشباع الشهوات الفردية ، حتى لو كانت اضرار ممارسة تلك الشهوات طبياً واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار.

43

العلاقة بين الطبيب والمريض

ويختلف تفسير المرض من مريض الى آخر ، ويتنوع ـ على اثر ذلك ـ اندفاع المريض نحو العلاج. فبعض الافراد في المجتمعات الصناعية يفضل العلاج الروحي مثلاً عن طريق رجال الكنيسة ، والبعض الآخر يفضل العلاج الطبيعي الصيني لبعض المراض. والثالث يفضل علاج الهنود الحمر ، القائم على اساس ربط الاسباب الطبيعية بالغيب. والرابع يفضّل العلاج الطبي الذي تقدمه المؤسسة الطبية ، وهو القائم على اساس العلوم والاجهزة الطبية الحديثة.

وطريقة الطبيب في وضع العلاج هو ربط الاعراض المرضية باسم طبي لاتيني غالباً ، مترجما آلام المريض ومعاناته الى مرض معروف ؛ فيتم على ضوئه تشخيص المرض والعلاج ، لأن المرض المجهول يصعب علاجه. ولا شك ان دور الطبيب حاسم في تشخيص الحالة المرضية حتى يتم التعامل معها اجتماعيا. فقد يشعر الفرد باضطراب ولكن لا يعرف هل انه مريض ام لا ، فدور الطبيب هنا هو تحديد وجود الحالة المرضية ، كمن يشعر بعدم ارتياح نتيجة تضخم في الانسجة الداخلية ، ولكن ظاهره الخارجي لا يوحي بانه مريض. وكمن يدعي التمارض ولكن باطنه سليم. فدور الطبيب في هذه الحالات جميعاً هو فحص الحالة المرضية التي يدعيها ذلك الفرد. ولذلك فقد شبّه دور الطبيب بدور الحاكم الشرعي في الفصل بين المتخاصمين ، وهما المريض والنظام الاجتماعي. وعلى ضوء حكم الطبيب يتعامل المجتمع ونظامه مع المريض. فاذا حكم الطبيب بوجود المرض ،

44

اقتنع النظام الاجتماعي بمرض ذلك الفرد ورتب على ذلك حكماً معيناً ، كاعفائه من دوره ومسوؤلياته الاجتماعية. واذا حكم الطبيب بعدم وجود المرض تصرف النظام الاجتماعي تصرفاً مغايراً للتصرف الاول ، وانكر على المتمارض اسلوبه في التهرب من المسؤوليات الاجتماعية.

وللطبيب دور مهم في التمييز بين علامات المرض واعراضه. فالطبيب يشخص علامات المرض من خلال فحص دقات القلب ، ومستوى الدهون في الدم ، ومستوى السكر في البول. اما الاعراض فيفحصها الطبيب من خلال شكوى المريض ، امثال التقيؤ ، واوجاع البطن ، وضعف الجسد ونحوله. وهذا التمييز بين الاعراض والعلامات مهم في تشخيص المرض ، لان المريض قد يأخذ الاعراض مأخذاً مغايراً لمأخذ الطبيب ويرتب عليها اموراً تخالف الواقع.

ولا شك ان الفجوة بين الطبيب والمريض تتسع ، اذا كان المريض جاهلاً بالعلوم الانسانية والطبيعية. فالمريض الذي لا يستطيع القراءة والكتابة ، ولا يفهم طبيعة عمل اعضائه الحيوية لا يفهم مجمل كلام الطبيب ، مهما اوتي ذلك الطبيب من قدرة على التبسيط والتعبير والتفاهم. وهذه الفجوة تخلق مشكلة اجتماعية في فصل الطبيب عن المريض فصلاً اجتماعيا طبقياً ، وهو ما يؤدي الى حرمان المريض من الحصول على مراده في العلاج الكامل.

وقد يلعب الطبيب في المجتمعات الصناعية دوراً في اخفاء المعلومات الاساسية عن زبونه ، مما يجعل الطبيب شخصا بعيد الوصول ، عميق العلم ، صاحب السلطة ، في عين المريض. وهذا الدور النفسي الذي

45

يلعبه الطبيب ليس وليد صدفة ، بل سببه ان مشاركة المريض لمعلومات الطبيب بقدر متساوٍ قد يهدد المنزلة الاجتماعية والسلطة النفسية التي يصنعها الطبيب لنفسه امام المريض المعالج. وهذا يترجَم في النظام الرأسمالي الى خسارة مالية لا يريدها ذلك الخبير لنفسه. وعلى صعيد ثان ، فقد يعجز الطبيب عن تشخيص الحالة المرضية ، فيصف لزبونه علاجاً كاذباً حتى لا يُتهم بالقصور العلمي ، وعندها يخسر زبوناً مستعداً لبذل المال (1).

وبالاجمال فان العلاقة بين الطبيب والمريض في المجتمع الامريكي تعكس علاقة التاجر بالمستهلك ، او البائع بالمشتري ؛ فالاستشارة الطبية حالها حال البضاعة التجارية التي تنتظر من يشتريها من السوق الطبي.

____________

(1) ( صموئيل ايبشتاين ) : سياسة السرطان. سان فرانسسكو : كتب نادي سيرا ، 1978 م.

46

الخبرة الطبية وروادها في النظام الرأسمالي

ومع تطور الطب وتقدم العلوم الصحية في نهايات القرن التاسع عشر الميلادي اخذت المهنة الطبية ـ تاريخياً ـ تتجه نحو الاندماج بالنظام الطبقي الرأسمالي. فاصبح الاطباء المتخصصون يتمعتون بالمنزلة الاجتماعية التي تضعهم على قدم المساواة مع افراد الطبقة الرأسمالية. وللحفاظ على هذه المنزلة الرفيعة ، فقد سعى النظام الصحي الى تطويع القانون لصالحه (1) ، فاصبح الطب محصوراً من الناحية القانونية بالاطباء المجازين لممارسة المهنة فقط دون غيرهم. وبعد ذلك ، اصبح الاطباء لا يخضعون لمجالس ادارات المستشفيات ، بل امسى لهم استقلال ذاتي ضمن النظام الصحي. وهكذا اتخذ الطب اولى الخطوات للوصول الى الطبقة العليا حيث الثروة والقوة السياسية والمنزلة الاجتماعية ، على عكس المهن الاخرى ، كالتعليم مثلاً ، حيث يخضع المعلم لسيطرة اعضاء مجلس ادارة المدرسة من وجهاء المحلة ، في تعيين راتبه ، ووضع منهاج عمله في التدريس ، وطرق معاملته الطلبة في الصف المدرسي ، وبقية شروط العمل.

ومهما بلغت قدرتهم العلاجية الواقعية ، حقيقية كانت ام وهمية ، فان الاطباء وضعوا انفسهم في موضع اجتماعي وعلمي خاص ؛ فهم ـ في اعتقاد الناس ـ وحدهم القادرون على انقاذ المرضى من السقم والمرض والموت. وخبراء بهذه الدرجة العليا من العلوم الطبية النافعة قادرون على الدخول

____________

(1) ( اليوت فريدسون ) : المهنة الطبية. نيويورك : دود وميد ، 1970.

47

للطبقة الاجتماعية العليا من اوسع الابواب ، وقادرون على التحكم بقدر معين من القوة السياسية للنظام الاجتماعي. ولما كان النظام الطبقي يعكس لب الفكرة الرأسمالية ، فان انتظام الاطباء ضمن صفوف الطبقة العليا لم ينتهك حرمة النظام الرأسمالي بالمرة ، لان النظام الصحي الرأسمالي قائم على اساس المنافسة الاقتصادية. وهذه المنزلة العليا لا يجدها اطباء النظام الشيوعي المندثر في روسيا والجمهوريات الاشتراكية المحيطة بها ؛ لان الطبيب في النظام الاشتراكي اجير للدولة ، حيث تحدد الدولة اجرته ـ تماما ـ كما تحدد اجور بقية الموظفين والعمال. وترجع القوة السياسية للاطباء في النظام الرأسمالي الامريكي الى دور الجمعية الطبية الامريكية في تنظيم الاطباء ضمن اتحاد فيدرالي قوي يمتلك ثروة تؤثر على قرارات السياسيين بمختلف الوانهم وتوجهاتهم. ولكي تستجمع هذه المنظمة قوتها ، قامت في البداية باستحصال تشريع دستوري يعتبر الطبيب من اهل الخبرة ، وبذلك سدت الباب بوجه المشعوذين ، واولئك الذين يدعون قدرتهم على العلاج الروحي والغيبي ، وحصرت تعليم الطب بكليات وجامعات ذات مستوى تعليمي معين. ثم منعت بعد ذلك اي طبيب ، من امتهان الطب مالم يحصل على اجازة رسمية موثقة تسمح له امتهان العلاج. وعن هذا الطريق رفع الاطباء اجور علاجهم تدريجيا ، واصبح لهم استقلال ذاتي مهني ضمن المؤسسة الرأسمالية.

وبطبيعة الحال ، فان وجود هذه الجمعية الطبية يناقض اصل الفكرة الرأسمالية القائلة بوجوب تعدد المؤسسات في حقل واحد من الاعمال ؛ بمعنى انه من اجل تحقيق عملية التنافس الاقتصادي لابد ان يكون هناك

48

متنافسان على الاقل في ساحة واحدة ، حيث تتنافس في كل حقل مؤسستان تجاريتان او اكثر حتى يصح مفهوم التنافس ويصبح حقيقة واقعة. فلا تستطيع شركة طيران واحدة مثلاً ، احتكار سوق النقل الجوي التجاري ، بل يجب تواجد شركتي طيران على الاقل. ولكن الامر يختلف مع منظمة الاطباء الامريكية ، حيث ان الاموال التي تغدقها هذه المنظمة على السياسيين تجعلها تفلت من كل قانون مضاد يصدر لتنظيم واصلاح مهنة الطب في تلك الدولة الرأسمالية ، منذ منتصف القرن التاسع عشر ولحد اليوم.

واستقلال الاطباء ذاتياً يترجم من الناحية العملية الى ان اعمالهم لا تقيّم الا عن طريق زملائهم الاطباء. فالمريض ومدير المستشفى الاداري والقاضي لا يستطيعون تقييم اعمال الطبيب ونقدها ما لم ينقدها طبيب آخر. ومع ان هذا المنطق سليم بطبيعته باعتبار ان الطبيب اقدر الافراد من حيث الخبرة على نقد زميله اذا اخطأ لانهما يشتركان معاً في فهم طرفي علم واحد ؛ الا ان نتيجة هذا التوجه قيام المؤسسة الصحية ببناء نظام طبي تجاري قائم على اساس تحديد العلاج ، وتعيين الاجور ، وتصنيع الدواء بشكل لا يتدخل فيه الا الكادر الطبي. فمدير المستشفى الاداري والقاضي مثلاً لا يستطيعان الاعتراض على عمل الطبيب او انتقاده باستخدام ادوية او اجهزة طبية لها دور ثانوي في العلاج. وبذلك ، يصبح المدار والهدف من التقييم الطبي نفع النظام الصحي بالدرجة الاولى ، دون النظر الى مصلحة المريض. ولو جمعنا الخصوصيات التي تتمتع بها المهنة الطبية وهي المنزلة الاجتماعية والاستقلال الذاتي والمورد المالي لتبين لنا ان الطب ، كخبرة ،

49

اصبح من اقوى العوامل الاجتماعية في الدخول الى الطبقة العليا في المجتمع الرأسمالي. ولكن هذا التغير في طبيعة المهنة الطبية يواجه اليوم تحدياً من قبل العديد من التيارات الاجتماعية. فالمعركة لا زالت قائمة بين السياسيين الذين تدعمهم الجمعية الطبية الامريكية وبين معارضي النظام الصحي القائم ، من اجل تحديد دور المؤسسة الطبية في المجتمع الرأسمالي. ولئن كانت المعركة بين اطراف الطبقة الرأسمالية والاطباء ونظامهم الصحي الرأسمالي والطبقة المتوسطة والفقيرة في اوجها اليوم ، فان معارك اخرى قد تفتح في المستقبل بين افراد النظام وبين قادة النظام السياسي والاجتماعي لاسترجاع حقوق الطبقات المستضعفة التي نهبها النظام بعنوان التقنية الصحية والتقدم العلمي. وهذا كله يعكس فشل النظام الرأسمالي في تأسيس نظام طبي مبني على اساس انساني ، لا على اساس المنفعة التجارية البحتة.

ومع ان المهنة الطبية مفتوحة نظريا لكل من يرغب الدخول فيها ، الا ان الدراسات تبين ان النسبة العظمى من الاطباء في النظام الامريكي هم من الافراد البيض البروتستانت من ذوي الخلفية الطبقية العليا. فالمال والواضع العائلي ولون البشرة لها دخل اساسي في تشكيل مستقبل الفرد منذ نعومة اظفاره. اما الفقير من ذوي البشرة السوداء او غير السوداء فليس له نصيب في الدخول الى كليات الطب. ولا شك ان هناك حالات استثنائية قد تسمح لبعض الافراد من الزنوج بالتسجيل في المعاهد الطبية ، الا اننا نتحدث عن السياسة العامة والاسلوب المتبع في تسيير النظام الصحي الرأسمالي الامريكي.

ولا شك ان لارتفاع اجور العلاج الطبي الرأسمالي تبريراً عاماً ، وهو

50

ان الاطباء يتعاملون يومياً مع المرض والالم والموت ، ومهنة كهذه يستحق عاملها اجورا عالية. بل ان الخطأ والاهمال والتقصير في المعالجة يرجع سببه الى انهماك الطبيب في التعامل مع الجسم الانساني ، بما فيه من تغيرات لا يمكن التنبؤ بها. وهذا التبرير مناقض للواقع. فكما ان الاطباء يتعاملون مع المرض والموت ، فكذلك الممرضين والممرضات المجازين ، فلماذا لا يتعمعتون بنسبة معقولة من الاموال التي يقبضها الاطباء ؟ واذا كان انهماك الطبيب يستدعي ارتكاب الخطأ ، فلماذا لا يدفع الطبيب ثمن خطئه من ماله الخاص ؟ اليس من الظلم تحميل المريض ثمن التجارب المختبرية العديدة التي يأمر بها الطبيب ؟ علماً بان هذه التجارب الزائدة تنفع الطبيب اصلا لا المريض ، لان الخبير ينبغي ان يكون ملمّا بعلمه ، فاين العدالة في ذلك ؟

وهكذا اصبحت المعركة الطبية الرأسمالية معركة ضد النظام المالي بدل ان تكون معركة ضد الامراض والاوبئة. فقد افرزت هذه المعركة نتائج عديدة منها ان النظام الصحي بات يحاول تطبيب المجتمع الانساني ، بمعنى انه يحاول اقحام الطب في مجالات جديدة كان لا يحق له الدخول فيها سابقاً. ولتوضيح ذلك نقول ان المؤسسة الطبية قد اصبحت ثاني اكبر صناعة في الولايات المتحدة ، حيث تستهلك اكثر من عشرة بالمائة من انتاج البلاد وتوظف حوالي عشرة بالمائة من القوى الانتاجية العاملة في صفوفها. واصبحت صناعة الادوية والاجهزة الطبية من اكبر المصالح في النظام الرأسمالي ، واصبحت شركات التأمين الصحية من اكبر الشركات التي تدر على اصحابها اكبر قدر من الاموال. وهذا الاتساع والتضخم له تأثيره السياسي والاقتصادي على النظام الاجتماعي العالمي ، حيث اخذت

51

المؤسسة الطبية تبحث عن اسواق جديدة وتطلب مستهلكين جدد لزيادة ارباحها وبسط نفوذها.

فالولادة مثلاً ، طبيعية بذاتها تحصل في كل ارجاء العالم منذ خلق الله البشرية على وجه الارض ، وهي لا تحتاج الى تلك العناية الفائقة التي تحاول المؤسسة الصحية الرأسمالية فرضها على الام ، خصوصا اذا كان غذاء الام غنياً بالمواد الطبيعية ؛ الا اللهم في الحالات الاضطرارية فيتحتم عندئذ العلاج الطبي. ولكن المؤسسة الطبية الامريكية جعلت الحمل والولادة قضية طبية تكلف الابوين اجوراً عالية من بداية التخصيب وحتى لحظة الولادة. واصبحت العمليات المختبرية والشعاعية ، بفضل جهود المؤسسة الامريكية ، تتجاوز حدود العناية الصحية للوالدة والمولود ، بل اضحت قضية التخصيب ، والحمل ، وحركة الجنين ، والاجهاض قضايا طبية تصرف من اجلها كميات كبيرة من الاموال. واصبحت السمنة داءً يحتاج الى علاج ، وكذلك الارق وعدم النوم مثلاً. وهذه حالات لو استخدمت فيها وسائل الوقاية والغذاء الطبيعي والنشاط الجسدي لما استدعى تدخل الطب العلاجي في ذلك. الا ان المؤسسة الطبية الرأسمالية ألزمت الرأي العام بتطبيب القضايا الاجتماعية ، حتى ان الموت الذي كان يعدّ قضية اجتماعية اصبح اليوم قضية طبية ، بحيث ان الطبيب الرأسمالي يقوم مقام الحاكم الشرعي المطلق في الموت والحياة ، فيقرر تعجيل وفاة بعض المرضى ، او يحكم بابقائهم على قيد الحياة اعتماداً على الاجهزة الطبية. وحاولت المؤسسة الطبية اقحام نفسها في بحوث استرجاع سن الشباب ، واكتشاف طرق لوقف الموت. ومع ان هذه المحاولات لم ولن يكتب لها النجاح ، الا ان

52

اعلانها يوحي للاخرين بان العلم قادر على خلق المعجز وفعل المستحيل. وهذا الاعلان يدر ارباحاً اضافية على هذه المؤسسة الطبية التجارية لانه يساهم في سرعة تطبيب النظام الاجتماعي.

ولم يتوقف نشاط المؤسسة الطبية الرأسمالية عند هذا الحد ، بل انها اقتحمت النظام القضائي الرأسمالي ايضا عن طريق تحديد سلوك الافراد وتشخيص الاضطراب العقلي ، لان الجريمة والانحراف اصبحت ، بنظر المؤسسة الصحية ، قضية طبية تستدعي علاجاً طبياً. بل ان الجميعة الطبية الامريكية اليوم تنادي بالعلاج الطبي بدل العقاب القانوني للمجرمين في جرائم القتل والسلب والاعتداء على اعراض الناس. واصبحت الجرائم الناتجة عن الادمان على الكحول والمخدرات ، والاعتداء على الاطفال ، والاعتداء على اعراض النساء ، والسرقة ، امراضاً نفسية تحتاج الى تدخل طبي. وهذا التدخل الطبي في المجال القضائي وضع الطب ومؤسسته في اعلى سلم المؤسسات الاجتماعية.

ولا شك ان نجاح المؤسسة الطبية في تطبيب المجتمع ساهم في تغيير النظام الحياتي للافراد ، فبدلاً من الاعتماد على الطبيعة في رفد الانسان بما يحتاج اليه في نشاطه اليومي ، اصبح الطب عاملاً اساسياً في الحياة اليومية للفرد. فعرضت المؤسسة الطبية ادوية لكل نشاطات الحياة ، فوفرت حبوباً للنوم وحبوباً للايقاظ ، وحبوباً لوقف شهية الطعام وحبوباً لانشاء الجوع ، وحبوباً لتهدئة الجسم وحبوباً لتنشيطه ، واجهزة لفحص الكلام الصادق واجهزة لفحص الكلام الكاذب. وامام هذا النشاط المحموم الذي تقوم به المؤسسة التجارية الطبية تبرز اسئلة عديدة دون جواب وهي : هل يحق

53

للدولة التحقيق في جدوى هذه الادوية ومدى حاجة الناس الحقيقية لها ؟ وهل يحق للدولة التدخل في المؤسسة الصحية لضمان تقديم انزه الخدمات للافراد دون النظر الى الارباح التي تدرها المهنة الطبية ؟ وهل يحق للمريض الحصول على كل المعلومات المتعلقة بحالته الصحية ؟

ولعل الجواب على كل هذه التساؤلات يرتبط اساسا بمفهوم العدالة الاجتماعية وعدالة توزيع الثروة بين الافراد. ولما كان النظام الرأسمالي يؤمن باحقية تسلط الطبقة العليا على شؤون النظام الاجتماعي ، لامتلاكها رأس المال ووسائل الانتاج ، بقى النظام الصحي عندئذ متخلفاً في جوهره عن العدالة والمساواة الانسانية. وبذلك فان التقنية الحديثة والتقدم العلمي لا يستطيعان تغطية فساد جوهر الفكرة الرأسمالية في التعامل مع الافراد وانكار حق الفقراء والمستضعفين في العلاج الطبي وتوفير سبل المعافاة لهم.

54

-

55

-

56

اهمية النظام الصحي

لما كان المرض مشكلة انسانية تصيب الفرد وتؤثر على طبيعة المجتمع الانتاجية ، فان النظام الاجتماعي ملزم بايجاد نظام صحي متكامل يحافظ فيه على صحة الافراد ، ويعالجهم معالجة تؤدي بهم الى الشفاء الكامل ، ثم ارجاعهم مرة اخرى الى عجلة الانتاج والخدمات الاجتماعية. واذا لم يؤدي العلاج الموصوف من قبل المؤسسة الرسمية الى شفاء الفرد شفاءً كاملاً ، فان النظام الصحي ملزم باعلان عجز الفرد عن احتلال دوره الطبيعي في المجتمع ، مشيراً الى ضرورة تحمل النظام الاجتماعي مسؤوليته في دفع تعويض مالي يحفظ كرامة الفرد العاجز ويسد حاجة عائلته الاساسية.

ولا نقصد حينما نتحدث عن النظام الصحي هنا مجرد وجود المعُالج ، طبيباً كان او نحوه ؛ بل نقصد به المؤسسة التي تضم ادواراً مهنية واجتماعية للعديد من المتخصصين والخبراء ، كالاطباء المتخصصين بالجراحة والباطنية والتخدير ، والصيادلة ، ومدراء المستشفيات وعمالها ، وشركات التأمين الصحية ، ومصانع الادوية والعقاقير ، وكليات الطب ، ومعاهد التمريض.

ومع ان المرض قضية شخصية تهم الفرد فحسب ؛ فهو وحده الذي يتألم لمرضه ويعاني من اوجاعه ، فيعجز الآخرون عن تخفيف تلك الآلام الا اللّهم ان يظهروا تعاطفهم مع المريض ويقدموا له المساعدة المادية والمعنوية ويظهروا له مشاعر الحزن ، الاّ ان الواقع يفصح بان المرض مسألة اجتماعية ،