اليتيم في القرآن والسنّة

- السيد عزالدين بحر العلوم المزيد...
116 /
5

بسم الله الرحمن الرحيم

مع الكتاب في طبعته الثانية

قارئي الكريم :

عذراً إذا لم يوف حق اليتيم في الطبعة الأولى من كتابنا هذا « اليتيم في القرآن والسنّة » فقد فوجئت في حينها من قبل إدارة « دار الزهراء للطباعة والنشر » الموقرة بطلب طبع مالي من نتاج كتابي ، وكنت يومها في سفرة إلى ربوع لبنان ، ولم أكن قد صحبت معي في تلك السفرة إلا هذا الموضوع ، وهو محاضرة من سلسلة محاضرات كنت ألقيها على بعض الأخوان من طلاب العلوم الدينية ممن تضمهم الحوزة العلمية في النجف الأشرف.

والقارئ العزيز يدرك أن طبيعة المحاضرات في مثل هذه الجلسات لا تسمح للمحاضر بالكتابة الشاملة لاستيعاب الموضوع من جميع جوانبه التي تحيط به ، لذلك كانت على جانب من الإختصار وأخيراً طلبت مني الدار ـ مشكورة ـ الإذن في إعادة طبع الكتاب بعد أن نفذت النسخ التي طبعت منه.

6

لذا رأيت لزاماً عليّ ـ وأنا ألبّي الطلب ـ أن أعيد النظر في بعض فصوله وإضافة مواضيع جديدة له تعميماً للفائدة. ولعلني ـ في الوقت نفسه ـ أكون قد أديت بعض ما لليتيم من حق في التنويه عن حقوقه المادية ، والاجتماعية بشكل أوسع مما سبق في الطبعة الأولى.

والله الموفق ، وهو المسدد للصواب.

النجف الأشرف : عز الدين السيد علي بحر العلوم

7

بسم الله الرحمن الرحيم

الطفل :

للطفل في الشرائع السماوية مكانة محفوفة باللطف ، والرعاية ، فهي تستثنيه من التكاليف التي لا تمس حقوق المكلفين كما توجه أبنائها إلى الإهتمام بتوجيهه ، وتربيته وله حقوقه الثابتة فيها ، ويستطيع معرفتها كل من يراجع الكتب السماوية ، ولا سيما القرآن الكريم ، والسنة النبوية. ولا تحتاج معرفة سبب هذا الإهتمام إلى دراسة ، وتفكير. فأهمية الطفل في المجتمع الإنساني العام واضحة تماماً ، فهو اللبنة المقومة لبناء المجتمع. والعناية به عناية بالبناء نفسه.

وبما أن الطفل في عالمه الطفولي لا يتمكن من تربية نفسه وتوجيهها إلى صالحه ، وصالح مجتمعه لذلك نرى العناية الإلهية تولي هذه الناحية الإهتمام الوافر ، فتوجد في نفس الأبوين عاطفة جياشة تشدهما شداً وثيقاً إلى الطفل من اللحظات الأولى التي تبدأ فيها مسيرته التكوينية ، فعواطف الأبوين هي المادة الحيوية في توجيه حياة الطفل ، وتقويمها.

وفي سبيل تنمية هذه العواطف ، وتصعيدها نرى الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) يخاطب زوجته أم سلمه قائلاً :

« إذا حملت المرأة كانت بمنزلة الصائم. القائم. المجاهد بنفسه وماله في سبيل الله ، فإذا وضعت كان لها من الأجر ما لا يدري أحد ما هو لعِظَمه ، فإذا أرضعت كان لها بكل مصةٍ كعدل عتق محررٍ من ولد إسماعيل ، فاذا فرغت من رضاعه ضرب ملك كريم على جنبها وقال :

8

إستأنفي العمل فقد غفر لك » (1).

لقد تناول الحديث الشريف مرحلتين من أهم المراحل التي يمر بها الوليد ، وهما :

مرحلة الحمل ، ومرحلة التغذية في دورها الرضاعي. وعلى هاتين القاعدتين تبتني الحياة.

ويأتي التشويق للمحافظة على الجنين في المرحلة الاولى في أروع صورة عندما يقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا حملت المرأه كانت بمنزلة الصائم القائم المجاهد ».

لقد منح الحديث المرأة الحامل ثواب :

1 ـ الصائم.

2 ـ القائم : وهو الذي يقضي وقته بالعبادة لله سبحانه.

3 ـ المجاهد : ولم يحدد الحديث الجهاد ، بل كان مطلقاً يشمل الجهاد على الصعيدين : بالنفس ، وبالمال في سبيل الله.

وثواب هؤلاء : طفحت ببيانه كتب الحديث من جميع المذاهب فأسهبت في تقديره.

كل ذلك تناله المرأة الحامل ، ولكن لماذا كانت موضع عناية الله في الحصول على كل هذا الثواب ؟

فهل قضت تلك المرأة أيامها صائمة ؟.

أو هل اتعبت بدنها بالعبادة المتواصلة ؟.

أو هل ضربت بسيف في معركة جهادية مع الكفار ؟.

____________

(1) وسائل الشيعة : حديث (1) من الباب (67) من أبواب أحكام الأولاد.

9

أو هل أنفقت من مالها إلى الفقراء ، والمعوزين لتنال بواحدٍ من هذه الأمور ، أو بأكثر كل هذا الثواب ؟.

ويأتي الجواب عقب هذه التساؤلات بكلمة ( لا ) ..

وإذا فلماذا نالت المرأة كل ذلك ؟.

ونتلمس الجواب واضحاً من خلال الحديث نفسه في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « إذا حملت المرأة » الخ ...

فالحمل : هو السبب في نيلها هذه الدرجات الرفيعة. وأي إمرأة لا تحافظ على حملها إذا كان الأجر بهذا النوع من العطاء الجزل من الله سبحانه ؟.

أما في المرحلة الثانية : وهي المرحلة المتعقبة للولادة فنرى الحديث يشوق الأم لتغذية الطفل وضمه إلى صدرها بأن يمنحها بكل مصةٍ من ثديها ثواب عتق رقبة مؤمنة. وأخيراً يختتم الحديث بأن يزف إلى تلك الام المرعضة البشرى الكبرى بأنه بانتهاء عملية الرضاع لكل وجبة غذاء يقول لها ملك كريم : « إستأنفي العمل فقد غفر لك ».

بهذا الأسلوب الرقيق جاءت الشريعة لتحث الوالدة لتتولى بنفسها تغذية الولد في أدواره الاولى من هذه الحياة ولا تتركه عرضة تتلاقفه المرضعات بين أحضانهن لان لبنها مكيف تكييفاً مناسباً لحال الطفل ، وبنيته فالام تعذي الطفل بلبن دافئ معقم طبيعي حي غير متغير بالتسخين ، أو فاسد بالجراثيم أو مختلف عليه لو كان من مرضعة أخرى.

والطفل حين تضمه الأم إلى صدرها تلاعبه وتلاطفه وتغذيه من لبنها تشعره بدفء الحنان الأنثوي ، وبعاطفة الأمومة فيأنس الطفل بهذه العاطفة ، ويطمئن إلى مصدر هذا اللطف.

ولهذا نرى الأطباء ينصحون الامهات اللاتي يرضعن أولادهن

10

بالزجاجة أن لا يحرمن الطفل من هذه المداعبة والملاطفة لئلا يفقد الصغير الغذاء الروحي كما فقد اللبن منها.

وبنفس التقام الطفل لحلمة الثدي فائدة عظيمة حيث تتهيج الام بدغدغة هذا الموضع منها فتهيج عواطفها مما يبعثها على تقريب الطفل ، وضمه إليها وهي تشعر بالعطف المتزايد عليه وبهذا تشتد أواصر المحبة بينهما.

ويستمر التوجيه من الشارع المقدس للأبوين ليكملا ما بعد هذا الدور من أدوار الطفولة لينال الطفل تربية صالحة فالتربية الصالحة كفيلة بخلق جيل يحقق للأمة سعادتها وهنائها.

أما الأهمال ، وعدم الرعاية فنتيجته الحتمية هو ايجاد جيل ينخر في كيان الامة مما يؤدي إلى تدهورها ، وسقوطها.

ومن خلال هذه العناية بالطفل نرى اللطف الإلهي يتجلى في أظهر صوره حيث يتبنى مشكلة يعاني المجتمع منها في جميع الادوار والمراحل تلك هي مشكلة ( اليتامى ) الذين يفقدون اليد التي تحنو عليهم ، ويبقون عرضة لاعاصير هذه الحياة العاتية ومورداً خصباً لتجمع الرذائل ، والموبقات وبذلك تفقد الامة من أعضائها ما بهم تشد أزرها ، ويخسر المجتمع أفراداً كانت الاستفادة منهم حتمية لو حصل لهم من يبادلهم العطف ، واللطف ، والرعاية الطيبة.

ولذلك نرى الدين الاسلامي الحنيف يفرض على مجتمعه ويكلف كل فردٍ من أبنائه برعاية اليتيم ، والعناية به في سائر شؤون الحياة لئلا ينشأ فاقد التوجيه ، ويصبح عاهة في المجتمع العام ، فإهمال اليتيم يساوي إهمال المجتمع ، وهدم كيانه الحافظ للحياة الإنسانية العامة.

وإذاً فلكي نحافظ على مجتمعنا ، وندافع عن مصالحه يلزمنا القيام

11

برعاية اليتيم ، وسد الفراغ العاطفي منه ، وذلك باشغال شعور الطفل بما ينسى به فقد أبيه.

من هو اليتيم ؟

اليتيم : كما تطالعنا به كتب اللغة هو :

الفرد من كل شيء. يقال : بيت يتيم ، وبلد يتيم. ومن الناس من فقد أباه.

ومن البهائم من فقد أمه.

وحيث كانت الكفالة في الإنسان منوطة بالاب كان فاقد الاب يتيماً دون من فقد أمه.

وعلى العكس في البهائم ، فإن الكفالة حيث كانت منوطة بالام كذلك كان من فقد أمه يتمياً.

وقد حدد اللغويون نهاية هذا العنوان فقال الليث : اليتيم ، الذي مات أبوه ، فهو يتيم حتى يبلغ الحلم فإذا بلغ زال عنه إسم اليتم.

وهكذا قال غيره من علماء اللغة.

تحديد عنوان اليتيم :

ويتفق الفقهاء مع اللغويين بتحديد اليتيم إلى هذا الحد ، فهم يرون أن هذا العنوان يتمشى مع الطفل إلى حد البلوغ الشرعي ، والذي تقرره الشريعة المقدسة بظهور واحدٍ من علامات ثلاث :

1 ـ إنهاء الطفل خمسة عشر عام من عمره إذا كان ذكراً ، وتسعة إذا كان إنثى.

12

2 ـ إنبات الشعر على عانته.

3 ـ الإحتلام بخروج المني منه ، أو الحيض من الانثى.

حيث تنبئ هذه العلامات بوصوله إلى مدارك الرجال. وحينئذٍ ، فينتقل من مرحلة الطفولة ، وهي مرحلة عدم المسؤولية إلى مرحلة العبء الإجتماعي ، والمسؤولية الشرعية التي تفرض على الرجال البالغين.

ولم يقتصر إطلاق عنوان اليتيم على الطفل قبل بلوغه بل أطلق على البالغين أيضاً ، ولكنه إطلاق مجازي ، وليس باطلاق حقيقي كما كانوا يسمون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو كبير : « يتيم أبي طالب (عليه السلام) » لانه رباه بعد موت أبيه وفي الحديث : « تستأمر اليتيمة في نفسها فإن سكتت فهو أدنها ».

اراد باليتيمة : البكر البالغة التي مات أبوها قبل بلوغها ، فلزمها إسم يتيم ، فدعيت به ، وهي بالغة مجازاً.

سبب التسمية باليتيم

الذي يظهر مما يقوله أهل اللغة في هذا الصدد هو : أن التسمية بهذا الاسم منشأها ... عدم الاعتناء الذي يلاقيه من فقد كفيله وهو بهذا السن من العمر حيث صرح بمثل ذلك من تضلع بتتبع هذا النوع من المصطلحات.

يقول المفضل : أصل اليتم الغفلة ، وبه سمي اليتيم يتيماً لانه يتغافل عن بره.

أما أبو عمر فقال اليتم : الإبطال ، ومنه أخذ اليتيم لأن البر يبطئ عنه (1).

____________

(1) لاحظ للموضوع من ناحيته اللغوية : لسان العرب / مادة يتم. ومن الناحية الفقهية كافة المصادر الفقهية لجميع المذاهب.

13

اليتيم في القرآن والسٌنة :

ليس من السهل ضبط حصة اليتيم من السنة الكريمة على النحو الدقيق.

أما حصته في القرآن الكريم فقد تعرضت الآيات له في اثنين وعشرين آية (1) مقسمة إلى أقسام ثلاثة :

تعرض القسم الأول منها إلى بيان شمول اللطف الإلهي له في الشرائع السابقة ، والايصاء به.

أما القسم الثاني : فقد تعرض إلى بيان حقوقه الإجتماعية. وقد تركز القسم الثالث على بيان حقوقه المالية.

كما وقد تناولت الآيات الكريمة بشكل خاص يتامى آل النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) تمييزاً لهم في بعض الحقوق المالية عن بقية اليتامى لاداء بعض ما للنبي الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) من حق على الناس.

اليتيم في الشرائع السابقة :

لو لاحظنا اليتيم لرأيناه : طفلاً من الاطفال فقد كفيله ، وحرم من تلك العواطف الابوية ، ولكنه لم يفقد الرحمة الإلهية حيث إحاطته فكانت

____________

(1) وهي كما يلي :

سورة البقرة : آية (83 ، 177 ، 215 ، 230).

وسورة النساء : آية (2 ، 3 ، 6 ، 8 ، 10 ، 36 ، 137).

وسورة الأنعام : (153) ، وسورة الانفال آية (41) وسورة الاسراء آية : (17) وسورة الكهف : آية (82) ، وسورة الحشر : آية (7) وسورة الإنسان : آية (8) وسورة الفجر : آية (17) وسورة البلد : آية (15) وسورة الضحى آية (6 ، 9) وسورة الماعون آية (2).

14

له الحصة الوافرة في التشريع من الحث على ضرورة التزامه ، والامن بعدم التجاوز على حقوقه ، والترغيب في جلب مودته ، والتلطف به لئلا يشعر بالوحدة والانعزال ، ولئلا يكون فريسة لشهوات أولئك الذين لم تجد الرحمة إلى قلوبهم سبيلاً.

ولم يكن هذا المعنى من مختصات شريعتنا الاسلامية المقدسة بل كانت هذه الرعاية سنة الله في خلقه قبل أن يقوم للاسلام كيان ، فرعاية اليتيم ، والمحافظة عليه كانت من جملة بنود الميثاق الذي أخذه الله على بني إسرائيل من قبل. فالقرآن الكريم يحدث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن هذا الميثاق المقدس ويوضح له ذلك في الآية الكريمة التالية :

( وإذا أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) (1).

ولسنا الآن بصدد بيان أين ، ومتى أخذ هذا الميثاق ، بل المهم هو أن القرآن الكريم يعرض بنود هذا الميثاق الذي أخذه الله على بني إسرائيل ، والذي هو ميثاق إلى جميع البشر من غير الاسرائيليين لعدم إختصاصهم به لانه الركائز الحقيقية لدين الله الحنيف في جميع شرائعه المقدسة ، وهي الاصول الثابتة لبناء مجمتمع متماسك الاطراف.

ومع الميثاق في بنوده :

1 ـ لا تعبدون إلا الله :

الاقرار بالله ، والتوحيد لذاته المقدسة هو البند الاول في هذا الميثاق الانساني ، وهو كل شيء ، وقبل كل شيء في هذه الحياة. فلا عبادة لغير

____________

(1) سورة البقرة آية (83).

15

الله ، ولا خضوع لغير ذاته المقدسة ، فاليه لابد من الاتجاه في كل صغيرة وكبيرة. وفي السراء والضراء لابد من التوكل عليه ، والاتجاه لغيره هو الشرك الذي يفسد على الكون نظامه.

( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) (1).

فلا يستقيم نظام الكون لو فسحنا المجال لشريك يعبده الفرد. وكيف نتصور كوناً تحكمه إرادتان ، ولنفرض ان إحدى الارادتين توجهت لسلب شيء ، بينما كانت الاخرى تريد الايجاب. وهكذا في بقية المجالات التي يحصل فيها الاختلاف فأي الارادتين تتقدم ؟.

إذاً فلا بد من السير على النهج الذي يضمن للحياة استقامتها وللمجتمع سعادته ، وهذا ما لا يحصل إلا بتوحيد الله سبحانه والعبودية له.

( قل هو الله أحد. الله الصمد. لم يلد. ولم يولد. ولم يكن له كفواً أحد ) (2).

والشرك بعد كل هذا يسد طريق المغفرة على الانسان ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) (3).

وإذا انسدّ باب المغفرة في وجه الفرد ، فمصيره جهنم. وإذاً فالتوحيد هو اللبنة الاولى في سعادة الفرد ومن وراء ذلك سعادة المجتمع الموحد المتماسك الاطرف وإذا ما انتقلت الآية الكريمة تطالع الرسول الاعظم ببيان البند الثاني من ذلك الميثاق فاذا بها تصرح :

____________

(1) سورة الانبياء : آية (23).

(2) سورة الاخلاص : الآيات ( 1 ـ 4 ).

(3) سورة النساء : آية (48).

16

2 ـ وبالوالدين إحسانا :

لقد تكفلت الفقرة الاولى من هذا الميثاق ببيان عرى الوحدة الإلهية وأن الفرد لابد أن يتخذ إلهاً واحداً لا شريك له ، لذلك جاء البند الثاني يبين للاجيال عرى الوحدة الاجتماعية ، وفي مقدمتها الاحسان إلى المجموعة البشرية.

فبالاحسان إلى الآخرين تتماسك أواصر المجتمع ، وبالعطف على الضعيف تموت العوامل التي تهدم بناء الامم ، فتحل بمكانها المحبة ، والسلام ، والعطف ، والرعاية من البعض إلى الاخرين حيث يتحسس القوي أحوال الضعيف ، فيبادله الآخر عطفه ومحبته ، وبذلك يجد الخير طريقه إلى قلوب الوادعة الآمنة دون أن تكون موطناً للحسد ، والنفاق ، والحقد ، وبقية الموبقات التي تجر على المجتمع آلاماً ومصائب.

ولكن للاحسان درجات يتقدم البعض منها على البعض الآخر طبقاً لقانون : تقديم الاهم ، ورعاية لما يقتضيه تأخير المهم. فالاحسان حسن ، ولكن في الدرجة الاولى لابد وان يكون إلى الابوين لانهم الاصل الطيب لهذا الفرع ، وعلى هذا الأصل يتكئ الفرع وما تليه من ثمرات.

فالابوان : مصدر العاطفة ، ومنبع الحنان ، ومهد اللطف والرعاية ، ولا بد من مقابلة جهودهما المبذولة بالبر ، والاحسان وهما ـ في الوقت نفسه ـ أقرب حلقة إلى الانسان لذلك نرى الاهتمام بهما من قبل الشارع المقدس ملحوظاً في أكثر من مورد.

ونستعرض إلى عرض الكثير من هذه الموارد في فصل قادم.

3 ـ وذي القربى :

فقرابة الانسان هم الاوراق المتدلية من أغصان شجرة الاسرة. وهم

17

ـ في الوقت نفسه ـ الحواشي ، والاطراف والايصاء بهم من جملة ما يحقق البر والاحسان ، ويحقق الرحمة ، والتآلف بين الافراد.

يقول أحد الرواة قلت لأبي عبدالله الصادق (عليه السلام) « إن آل فلان يبر بعضهم بعضاً » (1) ويتواصلون فقال : إذاً تنمى أموالهم ، وينمون ، فلا يزالون في ذلك حتى يتقاطعوا ، فاذا فعلوا ذلك انقشع عنهم.

والمجتمع ليس إلا هؤلاء الافراد المجتمعون ، وسعادته تتوقف على ما يربط بينهم من التودد ، والتحابب ، وهذا ما يتمثل في صورة الاحسان ، والخير. وحواشي المحسن بعد أصوله مقدمون على غيرهم.

4 ـ واليتامى :

وحيث تم الايصاء بالاحسان بوشائج النسب ، ولحمته من الأصل ، والحواشي كانت الآية الكريمة تنحو بفقراتها الميثاقية إلى الايصاء بما يتعدى الأصل ، والاسرة النسبية فتشمل موارد الاحسان افراداً آخرين من أسرته الكبرى في هذه الحياة ، وهم : أبناء نوعه من البشر دون أن تقتصر بالاحسان على سبب قريب من أب ، أو رحم.

بل هناك في الناس من يحتاج إلى الاحسان وتتوقف حياته على الرعاية به خصوصا إذا كان ( يتمياً ).

واليتامى هؤلاء الناس الابرياء الذين شاءت الحكمة الإلهية أن يختطف الموت اليد الكفيلة فتعوضهم بأيدٍ أخرى محسنة تحوطهم بكل معنى الرعاية ، والمحبة فجعلت الرحمة ، والعناية من جملة القواعد التي يتركز عليها دين الله القويم ، فكانت رعاية اليتيم من جملة بنود الميثاق المأخوذ على بني اسرائيل والذي هو صورة مرسلة إلى جميع البشر لئلا

____________

(1) اصول الكافي : حديث (20) من باب صلة الرحم.

18

يفقد اليتيم من يرعاه ، فيبقى نتيجة الإهمال عضواً عاطلاً ، عالة على الآخرين.

ومن خلال بعض المشاهد نرى الرحمة الإلهية تشمل اليتيم بنحو من الرعاية حيث لم تكتف بالايصاء به ، وأخذ ذلك في الميثاق على بني إسرائيل ، بل ينتقل من الايصاء ، والترغيب إلى التطبيق ، والاظهار للاثار المترتبة على معاملة اليتيم بالحسنى ، ورعاية حقوقه لتظهر إلى الناس مدى التأثير الذي يخلفه هذا العمل الانساني.

فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن عيسى بن مريم (عليه السلام) مر بقبر يعذب صاحبه ، ثم مر به من قابل ، فإذا هو ليس يعذب فقال : يا رب مررت بهذا القبر عام أول فكان صاحبه يعذب ، ثم مررت به العام ، فاذا هو ليس يعذب فأوحى الله عز وجل إليه : يا روح الله ... أنه أدرك له ولد صالح ، فأصلح طريقاً ، وأوى يتيماً ، فغفرت له بما عمل إبنه (1).

من الايصاء ، والصعيد الكلامي تنتقل الشريعة ـ كما قلنا ـ الى الصعيد العملي لترغب الافراد في التسابق على أعمال الخير ، فقد غفر الله لعبده المعذب لانه أدرك له ولد صالح ، فأصلح طريقاً يمر به الناس ، وأوى يتمياً صغيراً لا كافل له ، فمنحه من عطفه ما أنساه مرارة اليتم ، فكان جزأوه من الله النجاة من العذاب لينال بذلك ثمار تربيته لذلك الولد. أما جزاء ذلك الولد على تلك الرعاية فذاك موكول إلى لطف الله سبحانه ، وهو الكريم.

وفي مشهد آخر من المشاهد التي نرى فيها رعاية اليتيم واضحة عبر الشرائع السابقة نرى القرآن الكريم يتعرض لقصة النبي موسى (عليه السلام) مع العبد الصالح ( الخضر (عليه السلام) ) حيث وجدا في سفرهما « جداراً يريد أن

____________

(1) سفينة البحار : مادة ( يتم ).

19

ينقضي فأقامه » وأصلحه الخضر بدون أجر يأخذه على ذلك العمل. لذلك كان هذا المنظر غريباً على موسى.

( قال لو شئت لاتخذت عليه أجراً ) (1).

وتمر لحظات ينتظر فيها موسى الجواب الشافي من الخضر فاذا به يكشف الحقيقة قائلاً :

( وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحاً فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ) (2).

لقد حفظ الله بعنايته لهذين اليتيمين كنزهما المذخور جزاء لصلاح ابيهما وقد ذكرت كتب التفسير أنه كان ذلك جزاء صلاح أب لهما بينهما ، وبينه سبعة آباء.

وهكذا كان صلاح الآباء مثمراً في حفظ حقوق الذرية ورعاية ما اودع لهما من كنز مالي ، أو علمي على اختلاف ما جاء في التفسير من هذه الجهة ، وبيان نوعية الكنز.

كما كان صلاح الولد مثمراً في رفع العذاب عن الاب المقبور فيما سبق من قصة عيسى (عليه السلام) ومروره على أحد القبور.

أن هذه الآثار الدنيوية هي النتائج المترتبة على حسن نية المرء في حياته اتجاه الآخرين فكما تدين تدان.

وجلت عظمته حيث يقول :

____________

(1) سورة الكهف : آية (77).

(2) سورة الكهف : آية (82).

20

( فمن يعمل مثال ذرة خيراً يره ، ومن يعمل مثال ذرة شراً يره ) (1).

وفي موضع آخر من كتابه الكريم قال

( ان تك مثال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ) (2).

ولا بد للمرء أن يحب لغيره نفس ما يرغب به لنفسه ، ويدفع عن الباقين نفس ما لا يرغب به لنفسه لينتظم بذلك الاجتماع ، ويأمن الباقون من الشرور التي تصدر من الأفراد ، وبذلك تسير الحياة هادئة مطمئنة ، فيؤدي كل فردٍ الدور الذي يناط به ، ويتحمل أعباء مسؤوليته.

اليتيم في الاسلام :

لقد أولت الشريعة الاسلامية اليتيم عناية فائقة ، وحثت على رعايته والمحافظة على أمواله ، وحذرت من التجاوز على حقوقه.

ومن جهة أخرى فقد أهابت بالمحسنين أن يقوموا بتهذيبه وتأديبه كما يراعي الوالد أبنائه.

ولكن الملاحظ من المشرع أنه أكد بشكل ملحوظ على رعاية حقوقه المالية ، ولربما كان هذا بشكل يفوق بقية الجهات المطلوبة في رعاية اليتيم وقد ظهر ذلك من الآيات الكريمة والاخبار الشريفة والتي تشكل بدورها مجموعة كبيرة تلفت نظر الباحثين.

ولا غرابة في هذا التأكيد المتواصل من الشريعة على هذه الجهة لو

____________

(1) سورة الزلزلة : آية ( 7 ـ 8 ).

(2) سورة لقمان : آية (16).

21

لاحظنا طبيعة القوم في أول الدعوة ، والظروف المحيطة بالمنطقة العربية مما كان يستدعي هذا الحث ، وهذا التأكيد.

لقد أطل الاسلام بنوره على الجزيرة العربية والقوم غارقون في ظلمات تقاليدهم الموحشة من الغزو ، والنهب ، وتقديم القوي على الضعيف ليكون هذا طعمة سائغة له فيرزح تحت الضغط الذي يواجهه من الطبقة المتجاوزة.

المنطقة المتكالبة لا عمل لها سوى الغزو ، والنهب والحروب المستعرة تجرها النعرات القبلية لتعيش على أسمال الغنيمة المغتصبة ولذلك كان الضعيف طعمة للقوي فكيف باليتيم ، والذي يأتي في الرعيل الاول من مسيرة الضعفاء والبائسين.

مجتمع قاس لا يرى كرامة الانسان مهما كانت شخصيته ما دام لا يتمكن من حفظ نفسه أمام تيارات القوة والتعدي.

مجتمع يضفي على نفسه شكل مرير من التقوقع القبلي فتتخذ كل قبيلة لها شاعراً يمجد بها ، ويصوغ من غزوها ، ونهبها درراً يشب الصغير على ترتيلها ليكبر ، وتكبر معه روح التجاوز والانتقام.

في هذا الجو المليء بالشجون ، والمآسي يقبع اليتيم يندب حظه العاثر ليخضع لتجاوز الاولياء ، والاقوياء فلم يجد له من يمد له العون ليحفظ له حقوقه ، ويراعي شؤونه ، وقد بقي وحيداً في معركة الحياة ولكن الاسلام :

دين العدل ، والمساواة ، ومبدأ الرحمة ، والعطف جاء ليأخذ بيد الضعفاء فيرفع بهم إلى المستوى الذي يجدون فيه حقوقهم كاملة غير منقوصة مهما كلف الثمن فالقوي عنده ضعيف حتى يأخذ منه الحق ، والضعيف في نظره قوي حتى يأخذ له حقه.

22

بهذا المنطق القويم جاء الاسلام ليحل بين ظهراني تلك القبائل المتمردة على العرف الانساني لذلك لا نجد غرابة لو كانت حصة اليتيم وافرة في مقام التشريع فيلقى الاهمية البالغة من جانبه سواءاً في الكتاب المجيد ، أو في السنة على لسان أمناء الوحي النبي الاكرم ، وأهل بيته ومن تبعه على حق.

اليتيم والتقييم التشريعي :

تناولت الموسوعة التشريعية تقييم اليتيم من الجهتين : الاجتماعية والمالية.

فشرعت له في هذين المجالين ما يحقق رعايته كفرد فقد كفيله ، فأصبح إلى من يبادله العطف ، والحنان ، والتربية الصالحة ليكون فرداً صالحاً لا تؤثر على نفسيته حياة اليتيم ولا تترك الوحدة في سلوكه انحرافاً يسقطه عن المستوى الذي يتحلى به بقية الافراد ممن يتنعم بحنان الابوة ، وعطفها.

ومن جهة أخرى أحكمت له حقوقه المالية حيث يكون ـ والحالة هذه ـ عرضة للاستيلاء من جانب الاقوياء.

1 ـ اليتيم وحقوقه الاجتماعية :

لقد تنوع الاسلوب التشريعي في بيان حقوق اليتيم الاجتماعية : ولكنه شرع معه من حين الطفولة المبكرة لما لهذه المرحلة من الاهمية البالغة في احتضان اليتيم ، وإيوائه ليعيش في جو من الحنان الدافئ لينسيه مرارة اليتم ، وليعوض عليه ما فاته من عواطف الابوة.

ولذلك نرى الكتاب الكريم يسلك طريقاً جديداً للوصول إلى بيان

23

حقوق اليتيم الاجتماعية ذلك هو توجيه الخطاب إلى النبي الاكرم متخذاً من الواقع المرير الذي مر به وهو طفل خير درس يوجهه إلى الأفراد لرعاية هذه الزهور الذابلة.

من هذه النقطة سيكون المنطلق لمسيرة الاسلام مع الحملة التوجيهية لليتيم.

لقد مرت هذه الادوار بالرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم فقد أباه وهو طفل فقيض الله له جده عبد المطلب ( شيخ الابطح ) ليقوم برعايته ، وتربيته فقد شاءت الحكمة الإلهية أن يذوق المنقذ الاول للانسانية مرارة اليتم ، فيفقد الحنان الابوي لولا أن يعوضه الله بمن سد له هذه الخله ليطبق الدرس تطبيقاً عملياً فتسير الامة على هداه ، وتنحو هذا النحو من السلوك الذي تتمخض نتائجه بالتوجيه الصالح للافراد.

1 ـ ( ألم يجدك يتيماً فآوى ).

2 ـ ( ووجدك ضالاً فهدى ).

3 ـ ( ووجدك عائلاً فأغنى ).

4 ـ ( فأما اليتيم فلا تقهر ) (1).

هذه الآيات الكريمة جمعت بين طياتها درساً كاملاً لكل ما يحتاجه اليتيم في الحياة الاجتماعية.

فهي الدستور الذي لابد من تطبيقه للوصول إلى الغاية السامية من رعاية حقوق الضعفاء.

وهي بمجموعها تشكل بيان المراحل التي لابد للكبار من اجتيازها للوصول بهذا الانسان إلى الهدف المنشود.

____________

(1) سورة الضحى : الآيات ( 6 ، 7 ، 8 ، 9 ).

24

فالمشاكل التي يواجهها اليتيم في بداية الشوط ثلاث :

ـ المسكن الذي يلجأ إليه.

ـ والتربية الصالحة بما تشتمل عليه من تأديب وتعليم.

ـ والمال الذي ينفق عليه منه.

1 ـ إيواء اليتيم :

( ألم يجدك يتيماً فأوى ).

أول ما يحتاجه اليتيم في هذه الحياة هو :

الحضن الذي يضمه.

والصدر الذي يغمره بدفئه.

والبيت الذي يمرح فيه.

فإذا تهيأت هذه الثلاث كان بالامكان أن يحفظ هذا الطفل المهمل ليقوم بالانفاق عليه مادياً ، ومعنوياً.

ومن هنا جاءت فكرة الملاجئ للأيتام ومدى ما تسديه من خدمة للمجتمع في محافظتها على هذه الفئة من الاطفال.

لذلك يبدأ الكتاب المجيد بتذكير المشرع الاعظم بأولى مراحل احتياجاته وهو طفل يتيم فيخاطبه بهذا الاسلوب الهادئ لينقله إلى ذلك الدور الذي مر عليه.

أنت أيها المشرٌع أحسست بهذا الشعور يوم ودع أبوك هذه الدنيا وهو في ريعان شبابه فكنت مشتبكاً لهذه الحوادث القاسية فأواك الله ، وعطف عليك قلوب الحواضن ، وإذا بجدك عبد المطلب يحتضنك فيوليك من حنانه ما يعوضك عن حنان الابوة ، ويوصي بك لعمك أبي طالب فيكفلك ويفضلك على أولاده وليكن بعد ذلك خير ساعد لك على دعوتك المقدسة ووسط هذا العطف تنعمت بما أنساك مرارة الوحدة الابوية وذل اليتم.

25

هذا العم الحنون الذي جاهد ، وكافح في سبيل رعاية ابن أخيه في الوقت الذي كانت العرب تنظر اليه كسير الجناح مهيض الجانب يتيماً لا أب له.

ان أبناء الجزيرة ـ كما أسلفنا ـ كانوا قد فقدوا القيم الرفيعة بتكالبهم الوحشي على اغتصاب الآخرين.

لذلك كانت الشريعة المقدسة قد غيرت المفاهيم الخاطئة وأصلحت ما كان منها فاسداً ، فاختارت من بين هذه المجموعة الضعيفة يتيماً كان محطاً للرحمة الإلهية في تبليغ رسالة السماء إلى أبناء الارض ليعطي صورة واضحة عن القيم ، والاخلاق وليزيل عن الاذهان الصور الخاطئة ، والتي كانت تعبر عن الانحراف الذهني لابناء الجزيرة العربية في عصورها المظلمة.

إذاً فلا بد من المأوى لليتيم ، ولا بد من تهيئة الملجأ لليتيم فبلا مأوى سيصبح هذا الطفل متسولاً تتلاقفه ارصفة الشوارع ، ومنعطفات الأزقة ، فيكون عالة على بلده ، ويكون هذا التسيب مبدأ مسيرته الاجرامية ، فلا مخدع يؤيه ، ولا رقيب ينتظره يقطع ساعات الليل متسكعاً ليلحقها في نهارة منبوذاً تحتضنه تكايا الرذيلة فاذا به عضو فاسد تخسره الامة ، ويكون وبالاً عليها وعلى أبنائها.

وقد جاء في الخبر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله « خير بيت من المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه ، وشر بيت من المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه » (1).

فلماذا هذه الاساءة لطفل لا ذنب له ، ولا دخل له في تحقق اليتم ،

____________

(1) أخرجه ابن ماجة تحت رقم (3679).

26

وإنطباقه عليه. إنه كبقية الاطفال ، وقد شاءت الاقدار أن تخطف منه من يحنو عليه ، فهل يكون ذلك سبباً في تسويغ الاساءة إليه.

إن العطف الانساني ، واللطف ، والرعاية ليدعو كل ذلك إلى تقديم هذا المحروم على بقية الاولاد ممن يضمهم البيت لئلا يشعر اليتيم بذل الوحدة ، ومرارة الوحشة. وإلا فإن البيت الذي لا يجد هذا الصغير فيه المعاملة الحسنة هو شر البيوت كما يحدث عنه الخبر ، وبالعكس إن وجد اليتيم اليد الحانية في ذلك البيت ، والعطف الذي يدغدغ قلبه الكسير كان ذلك البيت خير بيت تحوطه البركة ، وتشمله الرعاية الإلهية.

2 ـ الانفاق على اليتيم :

( ووجدك عائلاً فأغنى ).

وسواء كان الغنى المقصود هو الانفاق من أبي طالب ، أو الاموال التي صرفتها خديجة على النبي الاكرم فان المال هو العصب الذي يقوم بحفظ حياة الانسان ليحقق له احتياجاته كإنسان يأكل ، ويشرب ، ويلبس.

ان الغنى هو ما يقابل الفقر على كل حال ، ولذلك أخذت الآية الكريمة تذكر نبي الرحمة بهذه النقطة الحساسة لتدفع في نفسه الهمة على مساعدة الضعفاء ممن مروا بهذه المرحلة العسيرة.

فاليتيم وهو فقير بحاجة إلى من يمد له يد العون فيشبع له بطنه ، ويستر له عريه ولذلك تنوعت دعوة القرآن إلى مساعدة الضعفاء ، والاخذ بأيديهم لتأمين احتياجاتهم المعاشية.

ولنستعرض معاً هذه الطرق التي سلكها الكتاب الكريم لحث الناس على الانفاق والعطاء.

27

التجارة مع الله

ومن بين تلك الاساليب التي تجلب الانتباه هو ما يسلكه القرآن في سبيل تشويق الافراد الى الانفاق بجعل عملية العطاء عملية مقايضة بين الانفاق ، والجزاء منه على هذا العمل الانساني.

وبذلك يكون المنفق قد سد خلة اجتماعية بمساعدته لهؤلاء المحتاجين والله لا يحرمه على هذه الاريحية بل يعوضه في الدارين :

في هذه الدنيا بزيادة الربح ، والبركة في ماله. وفي الآخرة بالثواب الجزيل.

وتتوالى الآيات الكريمة لتعطينا صورة واضحة عن هذه الاتفاقية بين العبد ، وربه.

( وانفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ) (1).

( فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير ) (2).

( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم ) (3).

( ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتاً من أنفسهم كمثل حبة بربوة أصابها وابل فأتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير ) (4).

____________

(1) سورة فاطر : آية (29).

(2) سورة الحديد : آية (7).

(3) سورة البقرة : آية (261).

(4) سورة البقرة : آية (265).

28

ولم تكن هذه الآيات الكريمة هي كل ما تعرض له القرآن الكريم في التشويق على الانفاق ، بل هناك أمثالها تحتوي عليها السور القرآنية ، وهي بمجموعها تصور اسلوباً دقيقاً في الحث على المساعدة ، ودفع الافراد إلى سبيل الخير.

وبهذا الاسلوب كانت الآيات تستنهض همم الاغنياء إلى مساعدة البائسين من الايتام وغيرهم.

ولكن الروعة النفسية تظهر في اختيار هذا النوع من الحث على المساعدة بهذا الاطار الترغيبي المحبب.

فالآيات الكريمة تحرك من الافراد جوانبهم العاطفية فتبدأ معهم بلهجة يلاحظ القارئ فيها آثار الشدة ، وأن الله ليس بمحتاج إلى العبد في ترغيبه إلى هذه المشاريع الخيرية ، بل على العكس من ذلك فان الله يمن على العبد بإرشاده إلى ما فيه خيره ، وصلاحه.

( ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وأن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) (1).

وإذا ما التفت الفرد ، وعرف أنه الفقير إلى تقديم الخير لينتفع بهذا الاحسان ، فيخفف به عما يلحقه من الذنوب رأينا هناك حقيقة أخرى تتكشف له لتدفعه بشكل عنيف إلى اعتناق مبدأ الانفاق ، والاحسان ، وتتجسد في قوله تعالى :

( وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن تبور ).

أنها ليست مسألة خسارة من جانب المنفقين ، كما وأنها ليست

____________

(1) سورة محمد : آية (38).

29

عملية كاسدة حينما يجد العبد جزاء ما يقدمه موجوداً عند الله فهو بهذه العملية يتاجر مع الله عز وجل وهي تجارة ـ حتماً ـ رابحة ، ومضمونة تجر لصاحبها الربح الوفير.

ان العمليات التجارية المتضمنة لمبدأ الربح هي الطريقة التي يسير عليها في حياتهم المعاشية لتأمين الكسب ، والنفع ولذلك اختار الاسلوب القرآني هذه الطريقة ليصل إلى النتائج المطلوبة من النافذة التي يطل منها الفرد في حياته اليومية.

وأنها صورة حية مستوحاة من الحياة العملية الدارجة ليلتفت اليها الفرد فيقارن بينها ، وبين ما هو مألوف له فيما يسير عليه كل يوم لئلا تحتاج العملية إلى تصور دقيق وبحث عميق.

( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم ) (1).

وهذه صورة أخرى من صور الحياة التي يمارسها الفرد.

أنها حياة الزراعة ، والنمو.

وحياة الربح ، والاستفادة.

ومن منّا لم يشاهد الزرع ، وكيفية نموه ، والربح المتوخى من وراء الزرع أنها حبة واحدة إذا بارك الله فيها تقدم لزارعها سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة. والنسبة الحسابية لهذه العملية هي.

واحد في قبال سبعمائة ، وهو ربح وفير مغرٍ يناله الزارع من الارض الميتة ، والانفاق في سبيل الله مثله كمثل الحبة تزرع في الارض.

____________

(1) سورة البقرة : آية (261).

30

وليقارن الفرد بين العمليتين الحبة يزرعها في الارض فيجني من وراء هذه النبتة سبعمائة حبة.

والدرهم ينفقه الانسان في سبيل الله يجني من ورائه سبعمائة درهم ، أو بمقدار هذه النسبة من الأجر عند الله.

فما ينفقه الملي لانتشال الضعيف من برائن المرض ، والجهل والفقر يساعده على السير إلى الامام ، ومن ثم تحويله إلى المجتمع عضواً صالحاً تستفيد الامة من مواهبه ينتج له بالاضافة إلى هذه الخدمة التي ترضي ضميره ربحاً من الثواب ينتفع به يوم لا ينفع مال ، ولا بنون ، ومن ثم فلطف الله لم يقف عند حد ورحمته أوسع من أن تقدر بقدر ، وبعد كل هذا الربح المعاوضي.

( والله يضاعف لمن يشاء ).

وليقدر العبد هذه المضاعفة حيث لم تحدها الآية الكريمة إلى مرة ، أو مرتين بل الله يضاعف ، ولتقر عين العبد إذا كان ربه أحد طرفي هذه العملية ، وليس كأحد التجار يحسب معه الحساب الدقيق ، بل هو كريم بلطفه ، ورحيم بعطفه.

ولربما يستكثر البعض أن يكون هذا العمل الانساني مثمراً بهذه الكثرة كمثل الحبة تنبت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ، وبعد كل ذلك فالله يضاعف لمن يشاء.

ويجاب عن ذلك : وهل يحد فضل الله ، وإحسانه ، أو تقف رحمته عند حد أنها العناية الإلهية هي التي تؤلف بين هذه القلوب الانسانية فتهب الخير ، والثواب ازاء عمل يخدم به مصلحة الآخرين ليكون أداة لتشجيع الباقين.

وتتوالى الصور الحية يعرضها القرآن الكريم ليهيج مشاعر الانسان

31

لتوجيهه نحو عمل الخير ، ومن جملة هذه الصور المعروضة.

( ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتاً من أنفسهم كمثل حبة بربوة أصابها وابل فأتت أكلها ضعفين ).

ويحاول القرآن الكريم أن يعيش مع الافراد ليدخل إلى قلوبهم ، ويعرض عليهم صوراً من الدروس الحية فيمثل لهم أمثلة نابعة من صميم حياتهم اليومية ليكون ذلك أبلغ في الوصول إلى المقصود.

فمرة يمثل الانفاق بالتجارة.

وأخرى يمثله بالزراعة.

وثالثة يعرض أمام القارئ صوراً لحبة على ربوة وإذا بالمطر يغمرها فتقدم نتاجها المضاعف.

كل ذلك ليصل ممن وراء هذه الصور الى القلوب ليغرس فيها حُب الخير بالانفاق الى الضعفاء ، والمعوزين لئلا يبقى فقير جائع بين المجموعة.

وإذا ما أذكى نغم القرآن العذب لهب العزم على الخير في تلك القلوب التي استجابت لنداء الحق ، وقرب إلى أذهانهم نتائج أعمالهم الطيبة كحبة أثمرت سبعمائة حبة ، أو كحبة أتت أكلها ضعفين.

وأنهم بذلك يربحون صفقة تجارية رابحة أحد طرفيها ـ الله عز وجل ـ هرع الناس إلى النبي الاكرم يسألونه عن بنود هذه العملية الرابحة ، ويتكشفون منه حقيقة هذا الانفاق الذي يريده الله.

ماذا ولمن ؟.

فنوعية الانفاق ، وكيفيته ، وجنس ما ينفق ، ولمن يكون الانفاق ، وعلى من يلزمهم الصرف ، والعطاء.

32

( يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والاقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فان الله به عليم ) (1).

والسؤال في ظاهر الآية عما ينفق بينما جاء الجواب عمن ينفق عليه ولرفع هذا الالتباس يقول علماء التفسير.

فان قلت : كيف طابق الجواب السؤال في قوله ( ما انفقتم ) وهم سألوا عن بيان ما ينفقون واجيبوا ببيان المصرف.

قلت : قد تضمن قوله ( ما انفقتم من خير ) بيان ما ينفقونه وهو كل خير ، وبين الكلام على ما حداهم وهو بيان المصرف لأن النفقة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها » (2).

وقال الطبرسي : « السؤال عن الانفاق يتضمن السؤال عن المنفق عمله فانهم قد علموا أن الأمر وقع بإنفاق المال فجاء الجواب ببيان كيفية النفقة وعلى من ينفق » (3).

لقد كان التحضير من الآيات الكريمة السابقة في الترغيب والتشويق الى الانفاق هو الذي دعاهم للسؤال عن كيفية الإنفاق.

لذلك بدأ القرآن يبين لهم مراحل الإنفاق بجهتيه :

نوعيته ، ومصرفه.

فعن النوعية لم يحدد لهم شيئاً يفرض فيه الانفاق ، بل ترك ذلك إلى تقديرهم.

فالاطعام خير ، والكساء خير ، والمال خير.

____________

(1) سورة البقرة : آية (215).

(2) الكشاف للزمخشري : في تفسيره لهذه الآية.

(3) مجمع البيان في تفسيره لهذه الآية.

33

وهكذا نرى الشارع المقدس يترك الباب مفتوحا ، فلم يحدد نوعية الانفاق ، بل يصفه بالخير جاء ذلك في آيات عديدة قال تعالى فيها :

( وما تنفقوا من خير فلانفسكم ) (1).

( وما تنفقوا من خير يوف إليكم ) (2).

( وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم ) (3).

وعن المصرف ، وهو المنفق عليه : بدأ الكتاب الكريم بأسرتي الإنسان الخاصة ، والعامة ليحيط بره جميع الاطراف التي تضم الانسان.

فالاسرة الخاصة : وتتألف من الابوين العمودين ومن ثم الحواشي ، وهم الاطراف النسبية قال تعالى :

( قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والاقربين ).

واذا ما تجاوزنا أسرة الانسان الخاصة رأينا القرآن الكريم يلحق بهذه الاسرة المكونة من الوشائج النسبية الاسرة العامة ، وتتألف من :

اليتامى ، والمساكين ، وأبناء السبيل.

وهذا التدرج هو الذي تقتضيه طبيعة الاجتماع في هذه الحياة ، وقوانينه.

فالوالدان عمودا الانسان ، ومن ثم حواشيه وهم أطرافه وكلالته على حد تعبير الفقهاء لهم حصة في الميراث حسب التدرج في الطبقات لأنهم يحيطون بالرجل كالاكليل الذي يحيط بالرأس.

ومن ثم يتعدى في المراحل إلى الجماعة العامة من أصناف المعوزين.

____________

(1 ، 2 ، 3) سورة البقرة : الآيات ( 272 ـ 273 ).

34

ولا بد للمنفق من السير على هذا الخط الذي رسمته الآية الكريمة فانه من الايحاءات في البيئة المتقاربة ، والتي هي كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً كما يقوله الحديث الشريف.

واذا ما عرضنا فقرات الآية الكريمة على هذا النحو من الاجمال فلا بد لنا من الاحاطة بكل فقرة على نحو من التفصيل لنصل من وراء ذلك إلى ما يعطيه هذا التموج التدريجي في التركيب الفني الجميل.

الأسرة الخاصة :

وقد قلنا بانها تتكون من الوالدين ، والاقربين حسبما جاء في الآية الكريمة من قوله تعالى :

( يسألونك ماذا ينفقون قل ما انفقتم من خير فاللوادين والأقربين ) (1).

الوالدان :

الابوة : لفظة بنفسها تعطي ما تحمله هذه الكلمة بين طياتها من الحنان ، والعطف نحو زهرة الحياة ، وبراعم العمر.

والامومة : أنها الشمعة الزاهية باضوائها الحلوة تذيب نفسها لتنير الطريق إلى الآخرين.

ولا يمكن لاي وليد أن يؤدي بعض الحق المفروض عليه تجاه أبويه ، فلطالما سهر الليالي لينعم الوليد بلذة النوم ، ولكم ضمه صدر أم

____________

(1) سورة البقرة : آية (215).

35

حنون ليشعر بدفء لذيذ حتى قال الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) يخاطب ولده الامام الحسن (عليه السلام).

« وجدتك بعضي بل وجدتك كلي ، حتى لو أن شيئاً أصابك أصابني » (1).

هذا الانصهار في الكيان بين الوليد ، ووالده ، وهذه الوحدة في الذات هما اللذان أوجبا أن يصور لنا الامام (عليه السلام) هذا الانشداد ليبين أن ما يصيب الولد يصيب الوالد لانهما شيء واحد بفارق يميز أحدهما أنه فرع ، والآخر أنه الأصل ، والنبتة التي كانت منشأ ، لذلك الفرع الجميل.

وإنما أولادنا في الورى * * * أكبادنا تمشي على الارض

وإذا ما أردنا أن نتبع هذه العواطف الجياشة الكامنة في قلب الاب تجاه وليده لوجدنا مشهداً من هذه المشاهد حيث تنعكس على صفحاته آيات الحب ، والعطف الابوي بين وليد يتمتع بنظارة الشباب ، وشيخ أحنت عليه السنون.

ففي خضم من القلق ، والاضطراب يتجه الشيخ الكبير يحمل فوق كتفيه متاعب القرون الماضية ليستعطف ربه بلهجة كلها الرقة ، والكلمات تتكسر بين شفتيه :

( ربي إن ابني من أهلي وان وعدك الحق ).

إنه نوح ( نبي الله ) أبو البشر الثاني كما تعتبر عنه كتب التأريخ والعبد الصالح المجاهد في سبيل الله. دعى قومه إلى عبادة الله والتوحيد به ليلاً ونهاراً فلم يزدهم دعاؤه إلا فراراً.

____________

(1) مقطع من وصية أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) أوصى بها ولده الامام الحسن (عليه السلام) قالها عند رجوعه من صفين.

36

وكان يضربه قومه حتى يغشى عليه فلما يفيق يتجه إلى ربه وبفمٍ تتصاعد منه الحسرات يناجي ربه قائلاً :

( اللهم إهد قومي فانهم لا يعلمون ).

وتشاء القدرة الإلهية أن ينزل العذاب على هؤلاء المعاندين ويكتب لهم الغرق.

( وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون ).

وانتهى كل شيء وأصبحت السفينة ، وهي سفينة الامان ، جاهزة ووقت اليوم المعلوم لينفذ العذاب في هؤلاء.

( حتى إذا جا أمرنا وفار التنور ).

وكانت هذه العلامة ساعة الصفر. ولندع المفسرين ، وخلافاتهم في هذا التنور أين كان ، وفي أي بقعة من الأرض كان قابعا. المهم أنه كان مصدر نبع الماء ، وإندفعت المياه من السماء ضبابا بلا قطرات ، وتفجرت الأرض عيوناً منهمرة ، وفاضت البحار. وطفحت الانهار وكان نوح قد أمر أن يحمل في سفينته :

( من كل زوجين إثنين ).

من كل جنس من الحيوان زوجين أي ذكراً ، وأنثى.

( وأهلك إلا من سبق عليه القول ).

أي من سبق الوعد بإهلاكه ، والمقصود بذلك أمرئته الخائنة وأضف إلى أسرة السفينة من الراكبين فيها.

( ومن آمن وما آمن معه إلا قليل ).

37

واقصر ما قيل في عدد من آمن به ثمانين نفر.

وتكامل العدد ، وسارت السفينة وسط دنياً من المياه المنهمرة من كل حدب ، وصوب.

( وهي تجري بهم في موج كالجبال ).

والرياح العاتية تهبط بالسفينة ، وترفعها ، وكسفت الشمس.

تمر تلك اللحظات ، ويتفقد ربان السفينة ، نبي الله نوح فلم يجد إبنه كنعان من ضمن الراكبين ، وحانت منه التفاتة وإذا بالولد يهرب صوب الجبال التي بعد لم يصل إليها الماء والهلع يأخذ منه مأخذه.

( ونادى نوح أبنه وكان في معزل يا بني إركب معنا ولا تكن من الكافرين ).

يا بني : إنه نداء الابوة الحنون ينبثق من القلب العطوف يرتل هذا النغم الهادئ ليصل إلى مسامع الولد المذهول من هذا المنظر المخيف يطلب إليه أن يلحتق بسفينته لينجو من عذاب الله المحتم.

ولكن الولد المذعور يهرب من هذا النداء الابوي ليطلقها صيحة مدوية تضيع بين زمجرة الامواج العالية.

( قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء ).

فهو يحاول عبثاً أن يأوي إلى جبل يعصمه من الماء ، ويبعد عنه شبح الموت الذي يتراءى له من بين هذه المياه المتدفقة من جميع الجهات.

وعلى العكس فلم ييأس الشيخ الوقور ، وأعاد الكرة ، وظن أنه سيفلح في إقناع ولده ، فعاد إليه ، والحسرة تأكل قلبه متوسلاً وهو يقول :

( لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ).

38

وضاعت التوسلات وسط الامواج ، وبعد الشج ، وذهب الولد هارباً ، وأسدل الستار على الحوار العاطفي.

( وحال بينهما الموج فكان من المغرقين ).

وابتلعت المياه كل شيء ، ولم يبق من مخلوقات الله إلا :

( من آمن وما آمن معه إلا قليل ).

وهم ركاب السفينة.

وصدرت الأوامر الإلهية :

( وقيل يا أرض إبلعي مائك ويا سماء أقلعي وغيض الماء واستوت على الجودي وقيل بعداً للقوم الظالمين ).

وتنفس الشيخ الهرم الصعداء ، فلقد أخذت المياه كل أولئك الذين كفروا برسالته ، واذاقوه ألوان العذاب.

ولم تشغل هذه المناظر المرعبة ، والنتائج التي حصل عليها في التغلب على الاعداء من التفكير في ولده بعد أن ضاعت توسلاته بابنه المغرور لذلك اتجه إلى ربه يذكره بوعده بأن أهله من ضمن الناجين من العذاب إلا إمرأته التي خانته في الإيمان به ، وولده من أهله.

( ونادى نوح ربه فقال ان ابني من أهلي وأن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين ).

أنه بهذا التضرع يعترف من طرف خفي بحقيقة العاطفة الطاغية على مركز النبوة ، والعصمة.

وماتت البسمة ، وانطفأ الأمل ، ومات شبح الابن حينما جاءه النداء :

( قال يا نوح أنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسئلن ما

39

ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين ).

لقد أرخى الشيخ الكبير لعاطفته العنان فتجاوز الحد المرسوم ، وطالب بما ليس له أن يطالب فيه ، وها هو يتلقى التهديد بالترك عما يطلب ، وإذا به يعود إلى لطفه وعطفه فيتضرع من أجل هذا الالحاح قائلاً :

( رب إني أعوذ بك أن اسئلك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين ) (1).

بماذا تجازى هذه العواطف الجياشة من الآباء.

وما هو الاسلوب الذي يلزمنا تجاه هذا البركان المتفجر من العطف أنه القرآن الكريم حدد لنا ، وتكفل ببيان هذه الكيفية التي لابد من تطبيقها نحو هذين الملاكين في المجالين التربوي ، والمالي.

( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً أما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً ، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمها كما ربياني صغيراً ) (2).

درس بليغ في الادب نستوضحه من خلال هذه الآية الكريمة حيث تدرج الشارع المقدس ببيان المراحل السلوكية مع الابوين على النحو التالي :

الاولى : بيان مكانة الابوين ، وقيمتهما المعنوية ، ويبدو هذا واضحاً في اعتبار الاحسان اليهما بالدرجة التالية مباشرة لعبادة

____________

(1) الآيات المتقدمة من سورة هود : ( 36 ، 47 ).

(2) سورة الاسراء آية ( 33 ـ 34 ).

40

الله ، وبذلك نعرف مدى الواجب على الابناء في تقدير الابوين ، وقد جاء مثل هذا الايصاء في آيات أخرى فقد قال تعالى :

( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ) (1).

( ان اشكر لي ولوالديك إلي المصير ) (2).

لقد أتى رجل الى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال : ( يا رسول الله : أوصني فقال : لا تشرك بالله شيئاً ، وإن حرقت بالنار ، وعذبت إلا وقلبك مطمئن بالايمان. ووالديك ، فأطعمهما ، وبرهما حيين كانا ، أو ميتين ، وإن أمراك أن تخرج من أهلك ، ومالك فافعل ، فان ذلك من الايمان » (3).

إن هذه الوصية من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تعطينا مدى اهتمام المشرع بالوالدين ، فقد قرن الايصاء بالاحسان إليهما بعبادة الله وعدم الشرك به ، وجعل ذلك من الايمان ، لم يكتف بالايصاء بالبر بهما في حياتهما بل أمر بذلك بن أمر بذلك بعد موتهما. ولما يتسائل عن كيفية البر بالوالدين بعد الموت ذلك لأن الاحسان إنما يكون لمن هو حي يتقبل ما يجود به الانسان عليه. اما إذا مات الانسان فقد انقطعت عنه الحياة ومات فيه الشعور فكيف يكون الاحسان إليه ؟

لقد أوضح الاب ابي عبدالله الصادق (عليه السلام) هذه الجهة عندما قال :

« من يمنع الرجل منكم أن يبر بوالديه حيين ، وميتين يصلي عنهما ، ويتصد عنهما ، ويحج عنهما ، ويصوم عنهما ، فيكون الذي صنع

____________

(1) سورة : آية (36).

(2) سورة لقمان آية (14).

(3) اصول الكافي : حديث (2) باب البر بالوالدين.

41

لهما ، وله مثل ذلك ، فيزيده الله عز وجل ببره وصلته خيراً كثيراً » (1).

وصحيح أن الانسان إذا مات انقطع شعوره ، وتوقفت الحركة الحياتية عنده إلا أن الله سبحانه لا يصفي حسابه معه رحمة منه ، ومنّة عليه ، فلعل من يقدم إليه خيراً من ولدٍ بارٍ به ، أو صديق يشفق عليه ، فيكتب ذلك له ليخفف به عن سيئاته ، أو ليزيد في حسناته.

الثانية : وبعدما تعرضت الآية لمنزلة الابوين إنتقلت بنا لتعطينا درساً في كيفية المعاشرة معهما.

( فلا تقل لهما أف ).

أنه غاية في الحشمة ، والادب أن يقف الابن حيال أبويه فلا يفتح شفتيه بأدنى ما يعبر عن الضجر ، والسأم ، ولو بحرفين من الكلام فلا يجوز للابن أن ينهر أبويه ، ففي ذلك سخط الرب لانه تجاوز ، وتعد على حقوقهما.

يقول الامام الكاظم (عليه السلام)

« لو علم الله شيئاً هو أدنى من أفٍ لنهى عنه وهو من أدنى العقوق » (2).

وإذا فلا بد من تجنب كل ما يزعجهما ، ولو بأدنى كلام وإبدال ذلك بمخاطبتهما بلطف ، وإحترام ، وبرفق وخضوع.

( وقل لهما قولاً كريماً ).

ليبادل الولد أباه العطف ، فيجد الاب ثمرة عطفه وحنانه فيقطف من هذه الثمرة ، وهو على قيد الحياة وليجني ما زرعته ابوته فيحصد حباً كان

____________

(1) اصول الكافي باب بالوالدين ( حديث 7 ).

(2) جامع السعادات : 2 / 263 مطبعة النجف الاشرف.

42

قد غرس بذوره قبلاً حيث كان يطبع على جبين الصبي القبل في الليالي الحالكة.

الثالثة : وفي مقام الاطاعة والانتقال من حيز القول والعمل الخارجي لابد أن يكون كما تريده الآية.

( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ).

وليتصور الانسان ما بين هذين المعنيين ، وكيفية الجمع بين جناحي الذل ، والرحمة من عطاء شامخ ، ومرمى بعيد يتجسد في مثول البنوة المؤدبة أمام الابوة الرحيمة إنه تعبير على إيجازه مفصل الأسلوب دقيق المضمون.

الرابعة : وفي غيابهما لابد أن يحفظ لهما غيبتهما فيتضرع إلى الله بقلب ملؤه العطف ، والانكسار فيدعو لهما.

( وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً ).

فيبادلهما حبهما وعطفهنما بالدعاء لهما ، وطلب الرحمة من الله فقد ربياه صغيراً يوم كان طفلاً لا يقدر على شيء ، وحيث شب ونمى لابد أن يقوم بعمل يجازيهما به ، وهو الدعاء بطلب الخير لهما.

وفي مقام الانفاق ، والاحسان لابد أن يقدمهما على كل أحد جزاء رعايتهما له لذلك كانت الآية في بيان مراحل الانفاق وجعل الوالدين في مقدمة من ينفق عليهم من أسرته الخاصة.

ومن جهة أخرى نرى الشارع المقدس يحذر الفرد من مغبة عقوق الوالدين ، والاعراض عنهما حتى جاء في بعض الاخبار عن الله سبحانه في الحديث القدسي أنه قال :

« بعزتي وجلالي ، وارتفاع مكاني لو أن العاق لولديه يعمل بأعمال

43

الأنبياء جميعاً لم أقبلها منه » (1).

بعزتي ، وجلالي ، وإرتفاع مكاني. إنه قسم مغلظ يخبر الحديث عنه ـ جلّت قدرته ـ عن أنه سيرفض أعمال من يعق والديه حتى لو كانت تلك الاعمال موازية لاعمال جميع الأنبياء ، أو الاعمال التي يعملها الانبياء.

على أن للبر بالوالدين ، أو عقوقهما الاثار الوضعية في هذه الدنيا قبل الاخرى ، وقد وردت بذلك الاخبار العديدة حيث أوضحت لنا أن من يبر بوالديه يتفضل الله عليه ليمنحه من لطفه ، وعطفه كاحسان معجل ، وله أضعاف ذلك في الحياة الأخرى ، كما أن لمن بعق والديه من المشاق ، والعذاب ما هو معجل له أيضاً في حياته قبل مماته.

وإذا ما تعدينا هذه الحلقة وهي التي تحيط بالانسان وتلتصق به في تكوينه الأولى ، فإن أقرب حلقة تأتي بعد الأبوين يرتبط بها الفرد هي ما ذكرته الآية في قوله تعالى : ( والاقربين ) فمن هم :

الاقربون ؟ :

إنهم رحم المنفق ، ولحمته ، وقد جاءت الآيات الكريمة مكررة في الكتاب الكريم لتنوه بالاقرباء ، وانهم عصب الانسان وبهم يشد أزره فلا بد من أن ينالوا من عطفه ، وإحسانه.

فعن الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) بعدما سئل :

« أي الناس أفضل ؟ فقال : أتقاهم لله ، وأوصلهم للرحم وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر » (2).

____________

(1) جامع السعادات : 2 / 263 ـ مطبعة النجف / سنة 1383.

(2) أخرجه أحمد في مسنده : 6 ـ 432 من حديث درة بنت أبي لهب بأسناد حسن.

44

صلة الرحم تجعل المنفق من أفضل الناس ، وفي عداد المتقين ولم يأت في الحديث الشريف تحديد لمقدار. وكيفية صلة الرحم بل ذلك يترك للشخص نفسه كما هي عادة الكتاب الكريم يترك هذه الجهة تابعة لما يصدق عليه في النظر العرفي أنه من مصاديق الصلة.

وعن الامام الباقر (عليه السلام) :

« إن صلة الرحم ، وحسن الجوار يعمران الديار ، ويزيدان في الأعمار » (1).

أما أنها تزيد في العمر فقد جاء هذا في أكثر من حديث وخبر فعن علي بن الحسين عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال : « من سره أن يمد الله في عمره وأن يبسط له في رزقه فليصل رحمه » (2).

وليس في هذا أي تأمل فالاعمار بيد الله ، ومن جاء بهذه الحسنة فله عند الله أن يزيد عمره ، والله يضاعف لمن يشاء.

ولكن للانسان أن يقف عند الفقرة الاولى من الحديث المتقدم فيتأمل كيف أن صلة الرحم تعمر الديار.

وبطبيعة الحال أن المفهوم لهذه الجملة هو أن القطيعة مما تساعد في تهديم الديار.

شيء ملفت في النظرات الاولى أن يكون الاتفاق على الهوامش مما يحقق للانسان هذا المعنى.

ولكن هذه الغرابة سوف تتبدد لو علمنا أن الخبر يرمز إلى معنى كنائي سامي ، فبقاء الدور على ما هي عليه ببقاء أصحابها ، وبقاء اصحابها منوط بما يحافظ عليهم من التعدي والتجاوزات من الآخرين.

____________

(1 ، 2) الكافي باب صلة الرحم.

45

ومن أقرب من الرحم يحافظ على الانسان ، ويحفظ له حقوقه وهم لحمته المقربة فبهم يرتفع الرأس عالياً ، ويقف الانسان مزهواً يحيطون به كما يحيط الاكليل بالرأس يذبون عنه ويفدونه بنفوسهم ، وأموالهم.

وعلى العكس لو قطعهم ، وحصلت الجفوة بين الطرفين ، فانه سيقف بمفرده في معترك هذه الحياة ان لم يكونوا يعينوا عليه أعدائه ( فأهل الدار أدرى بمن فيها ) وهم أقدر من غيرهم على تسليمه إلى الغير عند الوثبة ، فعمران الديار بصفاء ساكنيها وتخريبها به ينشأ من تعكر الود بين هؤلاء الاحبة.

ويأتي هذا المعنى موضحاً على لسان الامام جعفر الصادق (عليه السلام) حيث يقول : « قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لن يرغب المرء عن عشيرته ، وإن كان ذا مال ، وولد ، وعن مودتهم ، وكرامتهم ، ودفاعهم بأيديهم ، وألسنتهم. هم أشد الناس حيطة من ورائه ، وأعطفهم عليه ، وألّمهم لشعثه ، ان أصابته مصيبة ، أو نزل به عبض مكاره الأمور ، ومن يقتص يده عن عشريته ، فإنما يفيض عنهم يدا واحدة ، و عنه منهم أيدي كثيرة ، ومن يكن حاشيته يعرف صديقه منه المودة » الخ (1).

هذا التحليل من الامام (عليه السلام) ليعطينا صورة واضحة عن التشابك الذي يحصل بين الارحام في صورة تواصلهم ، وتقاربهم ، والفوائد التي يجنيها الفرد من وراء تجمهر هذه المجموعة ، ودفاعهم بايديهم ، وألسنتهم ، فالفرد يقبض عنهم يداً واحدة وهي كناية عن بعده عنهم بينما يحرم هو عن كل مجموعتهم.

فهم أعطف الناس عليه ، وأنفعهم إليه ، واضرهم في الوقت نفسه عليه.

____________

(1) الكافي : ج 2 ـ 154 تحت رقم 19.

46

كل ذلك لقربهم ، وإتصالهم النسبي به ، ولأجل ذلك نرى القرآن الكريم يجعل اكرامهم ، والاحسان إليهم يأتي في المرحلة التالية لاكرام الابوين فالفرع يتقوم بأصله والكل يتقوم بالحواشي المحيطة بهما.

الاسرة العامة :

واذا ما إنتهى التدرج من بيان أسرة الانسان الخاصة جاء الدور لبيان من ينفق عليه من أسرة الانسان العامة. فقد رتبت الآية الكريمة على الوالدين ، والاقربين ، قوله تعالى :

( واليتامى والمساكين وابن السبيل ).

اليتامى أولاً ، ثم المساكين ، وبعدهم ابن السبيل ، وهو المنقطع في بلاد الغربة حيث يفقد ما يوصله إلى أهله من مال ، أو راحلة.

« اليتامى » فيهم ما في المساكين من العوز ، والفقر ، وزيادة وهي مشكلة اليتم ، والانفراد ، وفقدان الكفيل ، والمربي لذلك كانوا في التدرج مقدمين على من كانت به مسكنة ، وعوز سواء كان المسكين أسوأ حالاً من الفقير ، أو العكس.

فاليتيم : في الحقيقة مسكين زائداً ذل اليتم ، والانفراد ، وهما معاً مقدمان على ابن السبيل ، ولكن ليس في هذا التقدم ما يمنع من اعطاء ابن السبيل ، وإيصاله إلى بلده ما دام في البلد يتيم ، أو مسكين ، بل التدرج لبيان حالة السوء في الوضع الاجتماعي.

وابن السبيل بطبيعة الحال ليس في الغالب بيتيم ، ولا مسكين وان كان قد تجتمع هذه الخصال في واحد.

هذه هي جهات الانفاق يحددها الكتاب الكريم ليحصل المنفق من وراء كل حبة سبعمائة حبة ، وليشاهد عطائه ينمو فيحصل هذا الربح الوفير لقرابته ، والبعيدة ولاسرتيه الخاصة والعامة.

47

2 ـ الانفاق لوجه الله :

لم يواجه القرآن الافراد بادئ الامر ببيان درجات الانفاق وتنوعه بل كان الحث على أصل الانفاق هو المطلوب الأولي في سبيل تحويل النفوس ، وإلفاتها إلى هذه الحقيقة الانسانية.

وإذا ما اكتملت هذه الجهة ، وتطامنت إليها النفوس رأينا الكتاب الكريم يفتح أمام المحسنين آفاقاً أخرى ليطل منها على معاني جديدة ليمهد بذلك لتهذيب النفوس بشكل يجمع بين عنواني الرحمة ، والقيام بوظائف العبودية لله عز وجل ليكون الأجر مضاعفاً ، وليكون المكسب أوفر ما دام الله يريد لبعاده الخير ، وهو بعد ذلك يضاعف لمن يشاء.

( ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً ، إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً ) (1).

وصحيح أن اطعام الطعام هو أحد مصاديق الاحسان لان أول ما يحتاجه الضعيف هو القوت لسد جوعه والمحافظة على حياته.

ولكن عباد الله المكرمون لا يطعمون الطعام طمعاً في شيء كما يصنع ذلك الكثير من أبناء الجزيرة العربية طلباً للفخر ومباهاة بالسمعة لينالوا بذلك الرفعة في نظر القبائل ـ وعلى سبيل المثال ـ فقد ذكرت مصادر التأريخ أن أحد الرؤوساء خاطب عبده عندما رآه يضرم النار ، يأججّها ليهتدي الضعيف على ضوئها ، فيأتي ، ويحل ضيفاً عندهم قال وقد أخذه العجب :

« إن جلبت ضيفاً فأنت حر ».

____________

(1) سورة الانسان : آية ( 8 ـ 9 ).

48

لا بل عباد الله المكرمون يطعمون الطعام ، ويمدوا يد المساعدة لا لشيء بل لوجه الله تعالى ، وابتغاء لمرضاته.

فهم يقومون بذلك بنفس طيبة لحب الله ، وفي ذات الله.

( إنما نطعمكم لوجه الله ).

ان الغاية من الانفاق عند هؤلاء هي التقرب الى الله جلّت عظمته ، والعبودية لذاته المقدسة ، وان ما يقدمه الفرد منهم إنما هو شوقا إلى الخير ، وتشوقاً لله عز وجل ، فلا يشركون معه أحداً في أعمالهم التي من ورائها النفع.

فلا سمعة ولا مفاخرة ، ولا جزاء ، ولا شكوراً.

هذه الامور هي التي تبعد الانسان من الواقع الخالص بما هو واقع ، وتفقده نشوة الانصهار ، والفناء في حب الخالق.

( لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً ).

الجزاء ، والمعاوضة هي عملية تجارية يتوخى المعطي بازاء ما يقدم شيئاً يريد وصوله إليه ليكون ذلك عوضاً عن هذا.

وآل بيت محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) هم أرفع من أن تجلبهم البهارج الدنيوية ، أو تنعشهم الألقاب الفارغة ، أو الاحاديث المعسولة بالمديح ليكيل المادح أمامهم من البيان أعذبه بل يريدون من وراء كل ذلك وجه الله ، والقرب منه لأنه أهل للعبادة ، والخشوع.

يقول الرازي عند تفسيره لهذه الآية الكريمة :

والواحدي من أصحابنا ذكر أنها نزلت في حق علي (عليه السلام).

وصاحب الكشاف ذكر : « أنه روي عن ابن عباس ان الحسن والحسين (عليهما السلام) مرضا فعادهما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في أناس معه

49

فقالوا : يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك فنذر علي ، وفاطمة ، وفضة جارية لهما ان عافاهما الله تعالى ان يصوموا ثلاثة أيام فشفيا ، وما معهم شيء فاستقرض علي من الخيبري اليهودي ثلاثة أصوع من شعير فطحنت فاطمة (عليها السلام) صاعاً وخبزته خمسة أقراص على عددهم ، ووضعوها بين أيديهم ليفطروا ، فوقف عليهم سائل فقال : السلام عليكم أهل بيت محمد مسكين من مساكين المسلمين أطعموني ( اطعمكم الله ) من موائد الجنة ، فآثروه ، وباتوا ولم يذوقوا إلا الماء فاصبحوا صائمين فلما أمسوا ، ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم ، فآثروه وجاءهم أسير في الثالثة ففعلوا مثل ذلك ، فلما أصبحوا أخذ علي (عليه السلام) بيد الحسن ، والحسين عليهم السلام ، ودخلوا على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما أبصرهم ، وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع قال : ما أشد ما أرى بكم ، وقام فانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها ، وقد التصق بطنها بظهرها ، وغارت عيناها فساءه ذلك فنزل جبرائيل بالسورة وقال :

« خذها يا محمد هنأك الله في أهل بيتك فأقرها السورة » (1).

هؤلاء هم آل البيت المحمدي ، وهؤلاء هم لبنات الاسلام الاولى يعيشون مشاكل الاسرة الاسلامية الكبرى ، ويشاركون مر العيش كل ضعيف سواء كان مسكيناً ، أو يتيماً ، أو أسيراً.

( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) (2).

فالمتمسك بالدين لا يبيت مبطاناً وهناك من يتلظى بآلام الجوع وهناك كبد حرى ليس لها ما تسد به الثورة العارمة من الجوع الممض وفي هذا الصدد يقول الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) :

____________

(1) تفسير الكشاف في تفسيره هذه السورة.

(2) سورة الحشر : آية (9).

50

« ولكن هيهات أن يغلبني هواي ، ويقودني جشعي إلى تخير الاطعمة ، ولعل بالحجاز ، أو اليمامة من لا طمع له بالقرص ولا عهد له بالشبع ، أو أبيت مبطاناً ، وحولي بطون غرثي وأكباد حرى ، أو اكون كما قال القائل :

وحسبك عاراً أن تبيت ببطنة * * * وحولك أكباد تحــن إلى القد

أأقنع من نفسي أن يقال لي : هذا أمير المؤمنين ، ولا أشاركهم مكاره الدهر ، أو أكون أسوة لهم في خشونة العيش » (1).

وهكذا فلتكن القادة ، ولمثل ابن أبي طالب (عليه السلام) فلتكن إمرة المؤمنين أنه القلب العطوف كيف يتخير الأطعمة ؟ وهي في متناول يده ، ولعل في طرف الدنيا بأس لا طمع له بالقرص.

وكيف يستسيغ لنفسه أن يبيت مبطاناً ، والمآكل تملأ جوفه وحوله بطون خاوية تتلهف إلى لقمة من الخبز تسد بها المعدة الخالية ، وتخفف بها آلام الجوع.

أنه (عليه السلام) لا يقنع من نفسه أن يقال له : بأمرة المؤمنين ولا يشارك الطبقات الفقيرة البائسة جوعها ، وبؤسها.

وكيف يقنع لنفسه بهذا المنصب ، وهو بعيد عن واقع الظروف الأليمة التي تحيط بهؤلاء الناس ، وهو العديد الاكبر من المجتمع الذي يشكل القاعدة ، والصعيديه للقيادة ، أو الامرة.

لا ... انه (عليه السلام) يعتبر نفسه ـ وذلك هو المفروض في كل

____________

(1) نهج البلاغة.

51

قائد ـ فرداً منهم يتحسس بما يؤلمهم ، ويفرح بما يسرهم وبالتالي يعيش أجواءهم المحيطة بهم : إن خيراً ، فخير ، وإن شراً فشر.

هذه النفسية الجبارة المتطامنة ، وهذا الحس المرهف الرقيق ، وهذه الهمة العالية ، وتلك الرحمة التي ينبع منها ، ويصب فيها ذلك القلب العطوف كل ذلك ، وأمثاله من الصفات الانسانية الطموح التي كانت تنحدر من علياء نفسية أمير المؤمنين (عليه السلام) هي التي أهلته لأن يكون موضعاً للعناية الإلهية يوم نزلت في حقه.

( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ) (1).

وهكذا تتوالى الصور الحية لتعرض الآيات الكريمة هذا النوع من الانفاق المزدوج من حب الخير وتقديمه لوجه الله.

( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر وأتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل وفي الرقاب ) (2).

الانفاق المشرب بحب الله ، والانفاق المطعم بالتقرب إليه هو الداعي لهؤلاء للقيام بأعمالهم الخيرة لا اتيان المال ، وإنفاقه لاغراض دنيوية لا يراد بها وجه الله ، والدار الآخرة.

دروس بليغة يلقيها القرآن الكريم ليهذب النفوس ليؤطرها باطار الايمان ، والعبودية لله عز وجل لتكون بعيدة عن الصور المزيفة والتي لا يكون الخير فيها لانه خير ، وإحسان ، بل لانه مدعاة للعزة ، والرفعة وفي

____________

(1) سورة المائدة : آية (67).

(2) سورة البقرة : آية (177).

52

هذا الصدد يعرض القرآن صورة أخرى من هذه الصور التي يكون الاحسان فيها مشوباً بالمنة.

لقد سأل الحرث بن نوفل بن عبد مناف النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذنب أذنبه فيأمره رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يكفر فقال :

« لقد ذهب مالي في الكفارات ، والنفقات منذ دخلت دين محمد ».

ويحدث القرآن عن هذا بقوله تعالى :

( يقول أهلكت مالاً لبداً ).

وفي اطار هذا الجواب تتمثل نفسية هذا المخلوق الشحيح الذي يهرب من طرق الخير الموصلة الى النتائج الحسنة.

ولكن هل يترك ، وشأنه يكيل الدعاوي جزافاً ، وبغير حساب انه يقول ذهب مالي ، وأنفقت كثيراً منذ دخلت في دين محمد.

ومن وراء هذا الجواب يريد الاعتراض على الشريعة المقدسة المتمثلة في نظره بأنها تبتز أموال الناس ، وتلقي بها من هنا وهناك.

ولكن القرآن الكريم يقف له بالمرصاد ليحاسبه فيما ادعاه.

( ألم نجعل له عينين ).

لماذا أهلك ماله ؟.

ألم تكن له حاسة البصر يتمتع بها في مشاهدة صور الحياة ويتوصل بها إلى عظمة الله ، وقدرته في هذا الكون ، فيتدبر هذه القدرة الجبارة ، ويتعظ من وراء ذلك كله بما أودعه الله في عينيه من نعمة النظر ، ويفكر بعد ذلك فيما يوصله الى ما فيه خيره ، وسعادته ؟.

( ولساناً وشفتين ).

53

وبهذه الاعضاء يتمكن من التعبير عما يجيش في النفس من متطلبات. فاللسان عضو وظيفته نقل ما ينطبع في النفس ليبرزه إلى الخارج وحينئذ ان خيراً فخير ، وإن شراً فشر.

فهو المرأة الحقيقية لما ينطبع على شاشة النفس.

وبالشفتين تتم مقاطع الكلام فيمكنه بذلك أن يظهر بهما الكلام الطيب الذي ينفع المجموعة ، ويأمر بمعروف ، وينهى عن منكر ، ويصلح بين اثنين.

( وهديناه النجدين ).

وبعد أن أكمل عليه حواسه أوضح له طرق الخير من الشر وأبان كل ذلك له ، وخيره بما أودع فيه من طاقة عقلية ، وفكرية أن يختار أحد الطريقين الخير ، والشر.

فلماذا يقف إذاً مكتوف اليد بين هذين النجدين لا يبصر طريق الخير ، فيمتلكه ، أو لماذا يقدم طريق الشر ، فيسلكه فتستحق عليه الكفارات المرتبة على الذنوب ، وله العذر في اختيار هذا الطريق الوعر والذي جعلت الكفارة حاجزاً من سلوكه مرة أخرى ـ وحينئذ ـ :

( إما شاكراً وإما كفوراً ).

وهذه نتيجة حتمية تتعقب سلوكه ، واختياره لاحد النجدين : نجد الخير ، ونجد الشر.

فان اختار الاول فهو شاكر على نعمه تعالى ، وان سلك الطريق الثاني فهو كافر بنعم الله تعالى بعد أن منحه كل وسائل الادراك ، والتمييز من عين ، ولسان ، وعقل ، وتفكير فلماذا بعد كل ذلك يختار نجد الشر ليسلكه ، فيقف جزعاً من الجزاء الذي يرتبه الله على ذنبه الذي اقترفه ؟

( فلا اقتحم العقبة ، وما أدراك ما العقبة ).

54

لماذا بعد كل هذه النعم لم يقتحم العقبة التي لابد لمن يريد الخلود في الآخرة من اجتيازها ليصل منها إلى حيث الراحة والسعادة بدلاً من الجحيم الدائم ، وانها العقبة في طريق الانسان يقتحمها ليخلص من جهنم بتعبيد طريقه بسلوك هذه المراحل التي رتبها القرآن على النحو التالي :

( فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة ) (1).

هذه الفقرات الثلاث والتي يرتكز عليها حقيقة الاحسان والتحسس بشعور الآخرين والعطف نحو الطبقات الضعيفة.

( فك رقبة ).

أولى مراحل اقتحام العقبة ، وأول خطوة يرفعها الانسان نحو آخرة سعيدة يكون جزاؤه فيها لنعيم الدائم هي : عتق العبيد في سبيل الله.

إنها نسائم الحرية يشمها هذا العبد الضعيف ليكون حراً طليقاً ، فيذوق طعم الانطلاق ، والتحرر ، والخلاص من كابوس الملكية. فعن الامام الصادق (عليه السلام) « قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من أعتق مسلماً أعتق الله العزيز الجبار بكل عضوا منه عضواً من النار» (2).

وإذا ما أكمل الانسان هذه الخطوة الخيرة كان القرآن الكريم يقرر الخطوة الثانية في سبيل تذليل المصاعب لاقتحام العقبة ليصل العبد بذلك إلى مرضاة الله ، ورضوانه.

( او إطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً ذا مقربة ).

____________

(1) سورة البلد : آية (13 ـ 16).

(2) الوسائل : باب (1) من كتاب العتق ، حديث 2.