سماحة الإسلام وحقوق الأقليّات الدينيّة

- السيد سعيد كاظم العذاري المزيد...
114 /
5

مقدمة المركز

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة على نبيّنا محمّد وآله الطاهرين ، وبعد ..

إنّ من أبرز سمات الفكر المتحضّر شموليته ، بحيث لا يضيق ذرعاً بجانب ما وإن أبدع في سائر الجوانب الحياتية الأخرى ، ومرونته بامكان الاستفادة منه في علاج ما يستجد من مشاكل الحياة المعاصرة ، وانسجامه مع طموحات الإنسان وتلبية حاجاته في كلّ عصر وجيل. وسلامة مبادئه من العصبية والتطرف على حساب جنس أو لون ، مع قوّته في ذاته بسلامة حجته ، ومتانة دليله ، ووضوح منطقه ، ومن الواضح ان فكراً عالمياً بهذه المواصفات لا يمكن أن يكون من نتاج عقلية بشرية ، وإن بلغت من السموّ والارتقاء إلى أقصى ما يمكن أن تبلغه العقول من درجات ، كما لا يمكن العثور عليه حتى في نطاق الأديان السماوية التي جاءت لقوم دون آخرين لتعالج مشاكل اُمة معينة في مرحلة من مراحل عتوّها وجبروتها ، ولا شكّ أنّ الدين الوحيد الذي لم يحصر خطابه باُمة معينة ، وإنما خاطب الناس كافة هو الإسلام الذي جاء متمّماً لدعوة الأنبياء جميعاً ، وبكماله وتمامه انقطع وحي السماء ، وهذا يعني تمامية فكره وانسجامه مع الحياة في كلّ زمان ومكان ، إذ لا يعقل أن يرتضيه الله ديناً لجميع العباد ويتركه ناقصاً ليتمّمه البشر ! وقد نبّه القرآن الكريم على هذه الحقيقة بآيات كثيرة ، كما طفحت بها السنّة النبوية ، وفاضت على جنبات مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).

ومن مؤشرات عظمة هذا الدين أنه لم ينتشر عن طريق القوّة كما يدّعيه خصومه ، كما لم تكن آيات القتال في دستوره وسيلة من وسائل الاكراه على العقيدة ، وإنما انتشر بقوة الفكر على خلاف ما كان في تاريخ انتشار الديانات الأخرى ، ورفض مبدأ الضغط والإكراه في الدين وأبطل كل ما يقوم على هذا المبدأ من عقائد ؛ وشرطه في العقيدة أن تُبنى على القناعة في الفكر والسلوك ، وأما القوّة في أدبياته فهي لدفع العدوان والقضاء على الظلم والفساد ، وإلاّ فهي أعجز من أن تنفذ إلى أعماق الإنسان لتكسبه عقيدة ، والأسلوب الحضاري الذي سلكه الإسلام في جذب الناس إليه يتمثّل في دعوته إليهم بالتي هي أحسن من خلال الكلمة الطيبة التي تفوح بالحكمة ، والموعظة الحسنة ، وفتح أبواب الحوار الهادئ الموضوعي ، ونبذ اللجاج والعصبية ، وترك الاحتجاج بغير الدليل المقنع. وقد اضطرد هذا الأسلوب في القرآن والسنة كما نلحظه بوفرة في احتجاجات أهل البيت (عليهم السلام) مع المشركين ، والثنوية ، والدهرية ، والزنادقة ، وأهل الكتاب ، والصابئة ، وغيرهم من أصحاب الديانات والملل الأخرى.

ومن منهج الإسلام إنه هيّأ مستلزمات الدخول إلى الإيمان، وبسطها بوضوح، وجعلها في متناول الجميع ثمّ ترك الناس وشأنهم في حرية الاختيار ( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ) ، وهذه هي سنّة الله تعالى في عباده ، إذ لم يشأ أن يخلق الإيمان فيهم خَلقاً كما خلق أجسادهم وركّب صورهم.

ومن مبادئه أيضاً أنه رفض الانطلاق مع الحياة على أساس وحشي باستخدام أساليب التعسّف والارهاب التي لا تعترف بحرية الإنسان وأمان الشعوب ، لأنّ الإنسان من حيث المبدأ الإسلامي العامّ حرٌّ ومسؤول ، وأن أي تقييد له خارج إطار نظامه العامّ ، يُعد انتقاصاً لكرامته وقد رفع الله سبحانه من مقامه ، وأعزّه وسخر له ما في الأرض جميعاً. وأما الشعوب فإنّ الله خلق الناس شعوباً ليتعارفوا ، لا ليستذلَّ بعضهم رقاب بعض ، ولا ليسود جنس على آخر ،

6

وبذلك فهو يرفض الحرب التي تثيرها عصبية الدين أو الجنس أو اللون أو اللغة ، ويرفضها بقصد الاكراه على الدخول في الإسلام ، أو بقصد جرّ المغانم والاستلاب وامتصاص ثروات الشعوب ، أو لأجل اكتساب الأمجاد الشخصية للملوك والقوّاد. وليس في الإسلام ما يُبيح المذابح الوحشية كما حصل في محاكم التفتيش في الأندلس ، والأحباش في الصومال وأرتيريا ، وفرنسا في الجزائر ، وبريطانيا في الهند وسائر مستعمراتها ، وروسيا في الشيشان ودول البلقان ، ويوغسلافيا في أقاليمها ، والصرب في البوسنة والهرسك وسراييفو ، والهند في كشمير ، وأمريكا في هيروشيما وناكازاكي وأفغانستان ، والصهيونية في كفر قاسم ، ودير ياسين ، وصبرا وشاتيلا ، وجنين ، وأغلب المدن الفلسطينية حالياً.

إنّ دراسة وجهة نظر الإسلام في شيء ما ، لابدّ وأن ترتكز على الجوانب النظرية والتطبيقية فيه ، مع الفصل بين الفكر المنحرف والتصرّف المرفوض إسلامياً وإن انطلق من دائرته ، وبين الفكر الإسلامي الأصيل المتجسّد على ضوء مفاهيم القرآن الكريم ومدرسة أهل البيت (عليهم السلام) وفقهها الممتدّ إلى الوقت الراهن. ومن دون هذا الفصل ستُبنى نتائج الدراسة ـ سيما في عالم اليوم ـ على تلك التصرّفات الشاذّة من أمثال غزو الكويت ، وظهور الطالبان ، وجيش الصحابة ، وقاعدة ابن لادن ، وغيرها من تطرفات السلفية في تاريخها ، وتَوَهُّم أنها المعبّر الحقيقي عن الرؤية الإسلامية تجاه تلك المسائل ، فيساء ـ حينئذٍ ـ إلى سماحة الإسلام ، وطريقة انتشاره ، وأسباب حروبه ، وحقوق الأقليات الدينية فيه ونحوها. وبالتالي تحميله تبعة جهل تلك الحكومات وأعوانها عبر ما أفرزته سياساتها من انحراف ، وما تركته ممارساتها العملية من أخطاء متراكمة على الواقع المحسوس ، والإسلام بريء من كلّ هذا.

وهكذا شأن كلّ دراسة في هذا الحقل لا تأخذ بعين الاعتبار الفصل المذكور ، ولا تدرك فرقاً بين الماس والخزف ، ولا تعرف من هو المعبّر الأمين عن المضمون الواقعي لرسالة التوحيد ، كما نلحظه في معظم الدراسات الغربية التي اتهمت الإسلام بغمطه حقوق الأقليات الدينية وبالقسوة والتعسف والارهاب ، وأرجعت عوامل انتشاره إلى القوّة والبطش والاكراه !! في حين إن السلم والأمان يحظيان بقسط وافر في أدبيات الإسلام ، وما كانت حروب العهد النبوي إلاّ وسيلة للحماية من الاعتداء ، والوقاية من التحديات المضادة التي قام بها أعداء الإسلام والمتربّصون به الدوائر عند بدء انطلاقته من الجزيرة.

لقد رفض الإسلام اضطهاد أصحاب المعتقدات الدينية التي ارتضت العيش بسلام في داره ، فنظّم مبادئ العلاقات بينه وبين تلك الأقليات في المجتمع الإسلامي على أساس التوحيد ، وبذل لها من سماحته ، ورعايته ، وعدالته ما لم يوفّره نظام من الأنظمة التي عرفتها البشرية لمَن خالفهم في العقيدة والمذهب والاتجاه ، ومنحهم حرية البقاء على أديانهم ، وضمن لهم حقوقهم كاملة ، كحقّ التقاضي ، وإبداء الرأي ، مع الحماية القانونية لجميع الحقوق الاقتصادية والمالية ، وصيانة أموالهم وممتلكاتهم ، ومنحهم حقّ الضمان الاجتماعي ، وسائر الحقوق المدنية في الزواج ، والإرث ، والوصية ، والصدقة ، والوقوف ، مع حقن دمائهم ، وحماية أعراضهم ، ومعاملتهم بالحسنى ، مطبّقاً عليهم شريعته في العدالة والمساواة وعدّهم في هذا كالمسلمين سواءً بسواءٍ. وقد حفظت لنا مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)أمثلة رائعة من العدالة والسماحة والرعاية لتلك الأقليات الدينية الموجودة في دار الإسلام.

والكتاب الماثل بين يديك قد عالج هذا الموضوع الحسّاس على ضوء القرآن الكريم ، والسنّة المطهرة ، ومدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ، وما أفتى به عظماء فقهاء هذه المدرسة قديماً وحديثاً ، ولم يخرج عن هذا الاطار باعتباره المعبّر الجوهري عن واقع الدين الحنيف عقيدة وفكراً وشريعة. آملين أن يسدّ ثغرة لم تزل مفتوحة بوجه الإسلام إلى اليوم.

إنّه وليّ التوفيق مركز الرسالة

7

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الانبياء والمرسلين محمد وآله الطاهرين.

الاسلام دين الرحمة ودين السلام جاء من اجل هداية الانسانية وتحريرها من جميع الوان الانحراف الفكري والعاطفي والسلوكي بتهيئة العقول والقلوب والارادات للتلقي والاستجابة الذاتية للمفاهيم والقيم الالهية واستتباعها بالعمل الايجابي الذي يترجم التصورات والافكار إلى مشاعر وممارسات وعلاقات في الواقع دون اكراه أو اجبار ، وهو يسعى إلى تغيير المجتمع الانساني لتكون المفاهيم والقيم الصالحة هي الحاكمة على الافكار والمواقف ، إلاّ أنّ هناك معوقات تقف في طريق حركته ومسيرته وتمنع من امتداده ، وكان لاعدائه الدور الاكبر في خلقها لأنّ تقدم الاسلام والمسلمين له انعكاسات خطيرة على مصالحهم في حال اعتناقه من قبل الامم والشعوب التي يحكمونها.

فالأعداء يتربصون بالاسلام فكراً ووجوداً ويتآمرون عليه بلا توقف ، وهم يتصيدون كل ثغرة وكل حجة وكل شبهة لتشويه سمعته والتشكيك في مفاهيمه وغاياته واهدافه ، ويقودون حرب الشبهات وصراع التشكيك للحيلولة دون انتشاره وقيادته للناس أجمعين ، فقد اثاروا عليه شبهة الانتشار بالسيف واراقة الدماء واكراه الاقليات الدينية على اعتناقه ، واضطهاد غير المسلمين والتعامل العنصري معهم ، وعدم اعتبارهم من المواطنين ، وقرنوا

8

عنوان الاسلام والمسلمين بالقتل والعدوان والتخريب وعدم مراعاة حقوق الانسان ، ونجحوا بعض النجاح واستطاعوا خداع شعوبهم إلاّ أنّه ظهر بعض المنصفين ليدافعوا عن المنهج الاسلامي وتعامله الانساني مع غير المسلمين ومع الاقليات الدينية ، على مر العصور.

ولما كانت حقيقة الإسلام قد تجسّدت على لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأهل بيته الأطيبين كما هو صريح قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث الثقلين الذي لم يختلف في صحته اثنان ، لذا وجب معرفة قيمة تلك الشبهات المطروحة في هذا المجال من خلال ما في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ، تلك المدرسة التي عكست إنسانية الإسلام وسماحته مع الأقليات الدينية بأحسن صورة ، وبنت نوعاً منصفاً من العلاقات القائمة على أساس التوحيد بين أهل الأديان كافّة كما سنرى ذلك في خمسة فصول.

أوّلها : « مبدأ المساواة بين الأقليات الدينية ».

وثانيها : « أصالة السلم واستثنائية القتال في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ».

وثالثها : « فكرة عن الحروب الدفاعية والوقائية في العهد النبوي ».

ورابعها : « مبادئ العلاقات بين مكاتيب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وشرائط الذمّة ».

وخامسها : « حقوق الأقليات الدينية في نظر أهل البيت (عليهم السلام) ».

وقد اتّسم منهجنا في هذا الكتاب باعتماد القرآن الكريم باعتباره دستور الإسلام ، وأحاديث العترة الطاهرة باعتبارهم قرين القرآن ، مع الكشف عن آراء وفتاوى فقهاء أهل البيت (عليهم السلام) من المتقدّمين وأساطين المعاصرين ، رحم الله الماضين وحفظ الباقين.

وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكّلت وهو حسبي.

9

الفصل الأول

مبدأ المساواة بين الأقليات الدينية

أولاً ـ المساواة في نزعة التديّن والتوجّه نحو الخالق :

إن المنهج الإسلامي لم ينشأ في فراغ ، أو في قوالب ومظاهر مثالية ، وانما نشأ في الواقع الموضوعي للحياة ، وانطلق في النفس الإنسانية من أعماقها وأغوارها ومشاعرها الباطنية ، فهو منهج واقعي ناظر إلى واقع الانسان من حيث هو إنسان بما يحمل من غرائز روحية ومادية ؛ كغريزة التديّن والشخوص نحو المطلق ، فهم متساوون في ذلك ، ومتساوون في التأثّر الوجداني بعالم الغيب ، قال المسيو بوشيت :

إن اعتقاد الأفراد والنوع الإنساني بأسره في الخالق اعتقاداً اضطراراً قد نشأ قبل حدوث البراهين الدالّة على وجوده ، ومهما صعد الإنسان بذاكرته في تاريخه ، فلا يستطيع أن يجد الساعة التي حدثت فيها عقيدته بالخالق ؛ لأنها عقيدة فطرية نشأت معه ، وصار لها أكبر الآثار في حياته.

والإيمان بالله تعالى مودع في أعماق الضمير الإنساني.

ونزعة التديّن مشتركة بين الناس جميعاً واهتمامهم بالمعنى الإلهي وبما فوق

10

الطبيعة هو إحدى النزعات العالمية الخالدة في تاريخ الإنسان ، وقد أكّد القرآن الكريم على هذه الحقيقة بقوله :

( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأََرْضَ لَيَقُولُنَّ الله قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) (1).

والناس جميعاً مجبولون بفطرتهم على الإيمان بالخالق تعالى ، حيث تبدأ تساؤلات الإنسان منذ صغره عن سرّ وجوده ونشأة الكون ومصير هذه الحياة ، ولا فرق بين إنسان وآخر في الإيمان بهذه الحقيقة ، فالجميع متساوون منذ الخلقة الاولى وإلى يومنا هذا.

والناس متساوون في التوجّه إلى الله تعالى ، فهو خالقهم وخالق جميع ما في الكون ، وهم متساوون في الشعور بانّه خالق مطلق ، له احاطة تامة بالعالم كلّه ، وبالأرض كلها ، وبالناس كلهم ، يعلم ما يحيط بالانسان ، وهو المهيمن على سكنات النفوس وحركاتها ، وما تخفي الصدور ، وإليه تعالى المصير ، فهو المبدأ وهو المنتهى ، قال تعالى : ( وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ) (2).

والناس متساوون في موجبات الهداية ، وموحيات الايمان ، فهي ممتزجة بكيانهم الذي زودته بهم الفطرة والعقل السليم ، فكل مافي الكون يدل على وجوده تعالى ، وقد بيّن لهم تعالى ما يدل عليه من خلال التفكر في الكون والحياة وفي أنفسهم.

وهم متساوون في شمولهم بالرأفة والرحمة الإلهية ؛ قال تعالى : ( وَالله

____________

(1) سورة لقمان : 31 / 25.

(2) سورة البقرة : 2 / 163.

11

رَوَُوفٌ بِالْعِبَادِ ) (1) ، وقال تعالى : ( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ) (2) ، وقال أيضاً : ( الله لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ ) (3).

وهم متساوون في وصول العطاء الالهي بمقدار مافي الموجود الانساني من درجة وقابلية لتقبل ذلك العطاء.

ثانياً ـ المساواة في الخصائص الانسانية :

الناس متساوون في خصائصهم الانسانية ، فقد خلقهم الله تعالى من مصدر واحد ، لا فرق بينهم ولاتمييز من حيث النشأة والابتداء ، قال تعالى : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِْنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ) (4) ، وقال تعالى : ( خَلَقَ الإِْنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ) (5).

والناس جميعاً خُلقوا من ذكر وانثى ، فلا فرق بين عنصر وعنصر ، وسلالة واخرى ، ولا تمييز بين لون ولون ، قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ... ) (6) ، وقال تعالى : ( وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ... ) (7).

فلا موجب للتمييز ، فالخالق واحد ، والاب واحد ، والمصدر واحد ، قال

____________

(1) سورة البقرة : 2 / 207.

(2) سورة الأعراف : 7 / 156.

(3) سورة الشورى : 42 / 19.

(4) سورة المؤمنون : 23 / 12.

(5) سورة العلق : 96 / 2.

(6) سورة الحجرات : 49 / 13.

(7) سورة الأنعام : 6 / 98.

12

رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « أيها الناس إن ربّكم واحد ، وإنّ أباكم واحد ، كلكم لآدم وآدم من تراب ... » (1).

وهم متساوون في الخلق كما قال الامام علي (عليه السلام) : « ... فانهم صنفان : أما أخ لك في الدين ، وأمّا نظير لك في الخلق » (2).

فهم متساوون في طبيعة الخلقة ، مركّبون من جسد وعقل ونفس وروح ، ومن غرائز وشهوات واحدة ، وهم متساوون في الضعف والمحدودية ، قال تعالى : ( يُرِيدُ الله أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِْنْسَانُ ضَعِيفًا ) (3).

وهم متساوون في الصفات المرافقة لضعف الانسان ومحدوديته ، قال تعالى : ( وَكَانَ الإِْنْسَانُ عَجُولاً ) (4) ، ( ... وَكَانَ الإِْنْسَانُ قَتُورًا ) (5) ، ( وَكَانَ الإِْنْسَانُ أَكْثَرَ شَئ جَدَلاً ) (6) ، ( وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِْنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ ) (7) ، ( إِنَّ الإِْنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ... ) (8).

____________

(1) تحف العقول / الحسن بن علي بن شعبة الحراني : 24 ، المطبعة الحيدرية ، النجف ، 1380 ه.

(2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد المعتزلي 17 : 32 ، دار إحياء الكتب العربية ، القاهرة ، 1378 ه.

(3) سورة النساء : 4 / 28.

(4) سورة الإسراء : 17 / 11.

(5) سورة الإسراء : 17 / 100.

(6) سورة الكهف : 18 / 54.

(7) سورة هود : 11 / 9.

(8) سورة المعارج : 70 / 19.

13

فالناس جميعاً يمتازون بالضعف والمحدودية ، والافتقار إلى الخالق تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَالله هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) (1).

والله تعالى هو الذي جعل للانسان جوارحه : ( قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأََبْصَارَ وَالأََفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ ) (2).

وجعلهم متساوين في العقول والمشاعر والاحاسيس ، بلا فرق بين انسان وانسان ، ولا ميزة لسلالة على سلالة ، ولا لعنصر على عنصر ، فالجميع متساوون من حيث خصائصهم الذاتية ، أمّا انعكاس هذه الصفات على الواقع العمليّ فمتوقّف على درجات التفاعل مع المؤثرات الخارجة.

وهم متساوون في حبّ الشهوات : ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأََنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ... ) (3).

والناس متساوون في الموت والحياة والبعث والنشور.

وهم لا يملكون لأنفسهم ضرّاً ولا نفعاً ، ولا يعلمون ما يجري في المستقبل عليهم من حيث الحياة والرزق والموت ، فهم متساوون في جميع ما يتعلق بالانسان من خصائص ذاتية وطبعية ، جسدية وروحية ، نفسية وعقلية ، ومتساوون في الضعف والكينونة المحدودة ، بلا فـرق بينهم في أصل خلقتهم.

____________

(1) سورة فاطر : 35 / 15.

(2) سورة الملك : 67 / 23.

(3) سورة آل عمران : 3 / 14.

14

ثالثاً ـ المساواة في الحرية :

الناس ـ في حدود ما شرعه الله تعالى ـ متساوون في الحرية ، فالإنسان خُلق حرّاً ، فلا عبودية إلا ّلله ولا استعباد من أحد لأحد ، قال تعالى :( مَا كَان َلِبَشَرٍأَن ْيُوَْتِيَهُ الله الْكِتَاب َوَالْحُكْم َوَالنُّبُوَّة َثُمَّ يَقُول َلِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ ) (1).

فلا يحقّ للإنسان ـ وإن كان في قمة التمتع بالخصائص المعنوية والروحية ـ أن يستعبد غيره ، فالانسان مولود ترافقه الحرية في جميع مراحل حياته ، وقد خلقه الله تعالى على هذه الشاكلة ، قال الإمام عليّ (عليه السلام) : « ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرّاً » (2).

وقال (عليه السلام) : « ان آدم لم يلد عبداً ولا أمة ، وإنّ الناس كلهم أحرار » (3).

فالناس أحرار في علاقات بعضهم ببعض ، وهم عبيد إلى الله وحده ، ومتساوون في هذه العبودية التي تستلزم نفي جميع الوان العبودية لغيره تعالى ، وان كان مقرباً إليه تعالى طبقاً لموازين ومعايير القرب منه سبحانه ، كأن يكون رسولاً منه إلى البشرية ، قال تعالى : ( وَإِذْ قَالَ الله يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ... مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ... ) (4).

____________

(1) سورة آل عمران : 3 / 79.

(2) تحف العقول : 52.

(3) روضة الكافي / ثقة الإسلام الكليني 8 : 69 / 26 ، دار صادر ، بيروت ، 1401 ه.

(4) سورة المائدة : 5 / 116 و 117.

15

وقد أمر الله تعالى الناس أن يعبدوه وحده ، كما هو ظاهر الآيات الشريفة التالية : ( وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ ) (1) ، ( وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ... ) (2) ، ( اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ) (3).

فهم متساوون في العبودية لله تعالى التي تستلزم نفي عبادة غيره من عبادة للهوى أو الأنا أو عبادة الاصنام البشرية ، أو عبادة اصحاب المؤهلات الكبيرة كالانبياء واوصيائهم والرهبان والقساوسة أو عبادة الابطال الذين لهم دور في حركة التاريخ الانساني (4).

وعبّر القرآن الكريم عن جميع الشخصيات النموذجية بالعبيد مساواة لغيرهم من بني الانسان في العبودية لله ، ونفى العبودية لغيره تعالى ، وفي القرآن الكريم آيات كثيرة بهذا المعنى ، كقوله تعالى : ( لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ) (5) ، ( ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ) (6) ، ( وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوب ... ) (7) ، ( ... وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا

____________

(1) سورة التوبة : 9 / 31.

(2) سورة البينة : 98 / 5.

(3) سورة الأعراف : 7 / 59.

(4) ومع وضوح هذا الأمر في العقيدة الإسلامية ، إلاّ أنّ أبا بكر خطب بالمسلمين بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قائلاً : « أيها الناس من كان يعبد محمّداً فإنّ محمّداً قد مات » ؟ وهذا القول مرفوض في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) لأنه من الغلو المفرط ، ولم يسبقه إليه سابق ولم يقل به أحد بعده ، سوى الغلاة.

(5) سورة النساء : 4 / 172.

(6) سورة الإسراء : 17 / 3.

(7) سورة ص : 38 / 41.

16

الأََيْد ... ) (1) ، ( وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَاْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ ... ) (2).

والمساواة في الحرية تستلزم تحرير الانسان من جميع الاغلال والقيود التي ما أنزل الله بها من سلطان ، وبهذه المساواة يتخلّص من اغلال التحجر العقلي والتقليد الجامد ، والتبعية اللاواعية للغير ، ويتربّى على حرية التفكير واستقلال الارادة.

رابعاً ـ المساواة في التكريم :

الإنسان مخلوق مكرّم من قبل الله تعالى ، وقد أكّد القرآن الكريم هذا التكريم في جهات عديدة ، فهو مكرّم في خلقه ، قال تعالى : ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإِْنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ) (3).

مكرّم بالتمتع بما سخّره الله له ، لا فرق بين إنسان وآخر ، قال تعالى :

( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأََرْضِ جَمِيعًا ) (4) ، ( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأََرْضِ جَمِيعًا ) (5).

فللناس جميعاً لا فرق بين أسودهم وأبيضهم حقّ الاستثمار والتعمير والاستفادة من الامكانيات المسخرة لهم لادامة الحياة وادامة الحركة التاريخية ، فالتكريم في هذا المجال شامل للجميع لا فرق بينهم ، فالناس مكرمون جميعاً من

____________

(1) سورة ص : 38 / 17.

(2) سورة البقرة : 2 / 23.

(3) سورة التين : 95 / 4.

(4) سورة البقرة : 2 / 29.

(5) سورة الجاثية : 45 / 13.

17

الله تعالى ، فليس هنالك قيمة تعلو على قيمة الانسان أو تهدر من أجلها قيمته.

وأما التكريم الموضوع على أسس وقواعد صالحة ، كالايمان ، كما في قوله تعالى : ( وَلَعَبْدٌ مُوَْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ ) (1) ، والتقوى ، كما في قوله تعالى : ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) (2) ، والعلم ، كما في قوله تعالى : ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) (3) ، فإنّ هذا التكريم لا ينافي المساواة في التكريم العام للناس جميعاً وبأمور شتى بها تميّز إنسانيتهم وتقوّم حياتهم ، وإن كان في هذا التكريم الخاص تفاضل واضح ، فهو إنما لتحفيز الإنسان على ما به كماله واحترام إنسانيته.

خامساً ـ المساواة في التكليف والجزاء :

الناس جميعاً متساوون في التكليف الإلهي في الحياة الدنيا ، ومتساوون في الجزاء من ثواب وعقاب في الدار الآخرة ، دون تمييز وتفريق أو ترجيح ، فالجميع مكلفون بالايمان بالله والايمان باليوم الآخر ، بعدما تبرز لهم البينات ، وتتضح لهم البراهين ، بانهم حادثون ومخلوقون للمطلق العليم ، وقد جعلهم الله تعالى متساوين في الاطلاع على البينات والبراهين والادلة ، فهو يخاطب فطرتهم وعقولهم ليحرك دفائنها ، ويثير كوامن النفس للاستسلام للحقائق التي توصل إلى معرفته تعالى ، قال تعالى : ( أَمَّـنْ يَبْدَؤاْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأََرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) ، وقال تعالى : ( وَتِلْكَ الأََمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ

____________

(1) سورة البقرة : 2 / 221.

(2) سورة الحجرات : 49 / 13.

(3) سورة الزمر : 39 / 9.

(4) سورة النمل : 27 / 64.

18

يَتَفَكَّرُونَ ) (1).

ولم يكلّف الله تعالى الناس حتى بعث النبيين والمرسلين ، قال تعالى : ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) (2) ـ والتعذيب فرع التكليف ـ وكان آخرهم نبينا محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي بعث إلى الناس جميعاً لارشادهم وإلقاء الحجّة عليهم في الهداية ، فهو لم يبعث لقوم دون قوم ، ولا للون دون لون ، وإنما للناس على مختلف ألوانهم وأجناسهم ، كما ورد في الآيات الكريمة : ( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ) (3) ، ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ) (4) ، ( قُلْ يَا أيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ) (5) ، وبدأ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بتبليغ الرسالة الإلهية إلى الناس جميعاً ؛ إلى العرب والعجم وإلى الوثنيين وأهل الكتاب بلا فرق ولا تمييز.

والناس متساوون في التكليف حسب الطاقة الانسانية المحدودة ، قال تعالى : ( لا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلا وُسْعَها ) (6) ، وقال تعالى : ( مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) (7) ، وقال تعالى : ( يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) (8)

____________

(1) سورة الحشر : 59 / 21.

(2) سورة الإسراء : 17 / 15.

(3) سورة الاعراف : 7 / 158.

(4) سورة سبأ : 34 / 28.

(5) سورة الحج : 22 / 49.

(6) سورة البقرة : 2 / 286.

(7) سورة الحج : 22 / 78.

(8) سورة البقرة : 2 / 185.

19

فالناس متساوون في التكليف في الاصول والفروع ، فهم مكلفون بالعقيدة والشريعة على حدٍّ سواء ، وقد جعل الله تعالى هذه الحياة قنطرة للحياة الاُخرى التي يتساوى الناس فيها في محكمة العدل الإلهي فلا يظلم أحد قط ، وكلّ منهم يجد ما عمله أمامه ، وقد خاطب القرآن الكريم الناس جميعاً بذلك : ( يَا أَيُّهَا الإِْنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ ) (1) ، والله تعالى جامع الناس بلا تمييز لليوم الآخر : ( رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ) (2) ، ( وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) (3) ، ( لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ) (4).

فهم متساوون في ذلك اليوم بلا تمييز لعنصر على عنصر أو جماعة على جماعة ، فالجنة مثوى المؤمنين الصالحين ، والنار مثوى الكافرين والطالحين وان انتسبوا إلى الانبياء بأن كانوا أبناءهم أو بناتهم أو نساءهم ، أو ينتمون إلى لغتهم أو قوميتهم أو عنصرهم.

سادساً ـ المساواة في الارادة والاختيار :

خلق الله تعالى الناس وهم أحرار في ارادتهم واختيارهم ؛ في الاعتقاد به والالتزام برسالته ، وجعلهم متساويين في حرية الارادة والاختيار ، فالله تعالى منحهم العقول والغرائز ليتوصلوا من خلال الآيات والبينات إلى اتخاذ المنهج

____________

(1) سورة الانشقاق : 84 / 6.

(2) سورة آل عمران : 3 / 9.

(3) سورة الجاثية : 45 / 22.

(4) سورة النجم : 53 / 31.

20

الإلهي في الحياة ، في عقولهم ونفوسهم ومواقفهم ، وبعد إلقاء الحجّة عليهم ، ترك سبحانه لهم حرية اختيار ما يرونه بلا اكراه ، قال تعالى : ( إِنَّا خَلَقْنَا الإِْنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ) (1).

والناس متساوون في هدايتهم لنجد الخير ونجد الشر ، قال تعالى : ( وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ) (2).

وهم أحرار في اختيار الهدى أو الضلال ، قال تعالى : ( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ) (3).

والناس متساوون في اصلاح نفوسهم وعدم اصلاحها ، فقد ألهَمَ الله تعالى كل نفس عناصر الفجور والتقوى ، ثم رسم لها طريق الصلاح والطلاح ، والأمر عائد للإنسان نفسه : ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ) (4).

سابعاً ـ المساواة أمام السنن الالهية :

في هذه الحياة سننٌ إلهية ثابتة لا تتبدّل ولا تتغيّر ولا تختلف ، والناس متساوون أمامها دون فرق أو تمييز ، فالله تعالى لا يغيّر ما بهم حتى يغيّروا ما بأنفسهم : ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا

____________

(1) سورة الانسان : 76 / 2 و 3.

(2) سورة البلد : 90 / 10.

(3) سورة يونس : 10 / 108.

(4) سورة الشمس : 91 / 7 ـ 10.

21

بِأَنْفُسِهِمْ ) (1).

ومن السنن الثابتة التي يتساوي أمامها الناس جميعاً ، هي التمتع ببركات الله في حالتي الإيمان والتقوى ، والحرمان منها في صورة التكذيب بآيات الله سبحانه ، قال تعالى : ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأََرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (2).

وانّ الله تعالى يبتلي دون تمييز اُمة عن اُمة وقوم عن قوم ولون عن لون ، لكي يعودوا إلى الإيمان به والاستقامة على منهجه ، قال الإمام عليّ (عليه السلام) : « إنّ الله يبتلي عباده عند الاعمال السيئة بنقص الثمرات وحبس البركات واغلاق خزائن الخيرات ليتوب تائب ويقلع مقلع ويتذكّر متذكّر ويزدجر مزدجر » (3).

والناس متساوون في العقوبة الإلهية إن غيّروا حركة التاريخ المتوجهة نحو الكمال والسمو ، قال تعالى : ( إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ) (4).

* * *

____________

(1) سورة الرعد : 13 / 11.

(2) سورة الاعراف : 7 / 96.

(3) شرح نهج البلاغة 9 : 76 /الخطبة (143).

(4) سورة العنكبوت : 29 / 34.

22

الفصل الثاني

السلم والقتال بين الأصالة والاستثناء

الإسلام دين الرحمة والمسامحة والعفو ، دين التآلف والوئام والتعاون ، دين السلام والأمان ، وهي الاسس الثابتة التي يتعامل بها مع جميع الناس ، وأما كون أحد الأمرين ( القتال ، أو السلم ) أصلاً والآخر فرعاً ، فمختلَف فيه ، فمَن نظر إلى الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة والسيرة العملية للمعصومين (عليهم السلام) التي تتحدّث عن الحرب ، ربّما حكم بأن الأصل هو القتال ، ومَن نظر إلى ما ورد في القرآن والسنة بشأن السلم والأمان وحقن الدماء حكم بأصالة السلم وطروء القتال نتيجةً لظروف خارجية وداخلية وتحديات خطيرة تمسّ الدين في كيانه ووجوده.

والصحيح انّه لا أصالة لأي منهما ، فلا أصالة للسلم على حساب الحرب ، ولا للحرب على أساس السلم ؛ لأنّ كلاًّ من السلم والحرب أصل في موضوعه وظروفه ، وأصل على طبق المصلحة الإسلامية العاجلة والآجلة المترتّبة عليه ، ففي الظروف التي يمكن للسلم أن يحقّق النتائج الايجابية للإسلام وللمسلمين يكون أصلاً في التعامل ، فإذا انقلب السلم إلى موقف ضعف أو حالة خطر على الإسلام والمسلمين كانت الحرب هي السبيل المشروع لتحقيق الأهداف.

23

والإسلام لم يرغب في القتال ولم يشجع عليه لذاته ، كما لم يشرع القتال رغبة فيه ، ولم يشرعه للسيطرة على الأراضي والسكان ، ولا طلباً للغنيمة كما هو الحال في سائر الحروب الصليبية والحربين العالميتين الأولى والثانية التي لم يكن فيها للمسلمين ناقة ولا جمل ، كما لم يكن قتال المسلمين من أجل مجد شخصي أو قومي أو طبقي ، كما نلحظه في سياسة القطب الواحد ، وصنيعته اللقيطة إسرائيل. وإنما هدف الإسلام من القتال هو إعلاء كلمة الله تعالى ، والدفاع عن المفاهيم والقيم النبيلة التي يحاول أعداؤه تعطيلها وإلغائها ، وردع العدوان الواقعي أو المحتمل الوقوع.

ولو نظرنا إلى الواقع التاريخي بعمق وواقعية وجدنا ان جميع معارك الإسلام كانت معارك دفاعية لرد عدوان واقعي أو محتمل الوقوع وخصوصاً في صدر الإسلام ، وفيما يلي نستعرض دوافع القتال واهدافه القريبة والبعيدة ، كما جاء في القرآن الكريم والسنة الشريفة.

دوافع القتال وأهدافه :

أولاً ـ دفع العدوان

( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (1).

وفي تفسير ذلك قال العلاّمة الطباطبائي : « القتال محاولة الرجل قتل من

____________

(1) سورة البقرة : 2 / 190 ـ 192.

24

يحاول قتله ، وكونه في سبيل الله إنما هو لكون الغرض منه اقامة الدين واعلاء كلمة التوحيد ، فهو عبادة يقصد بها وجه الله تعالى دون الاستيلاء على أموال الناس وأعراضهم ، فإنما هو في الإسلام دفاع يحفظ به حق الانسانية المشروعة عند الفطرة السليمة ، فان الدفاع محدود بالذات ، والتعدي خروج عن الحد ... والنهي عن الاعتداء مطلق ، يراد به كل ما يصدق عليه أنه اعتداء ، كالقتال قبل أن يدعى إلى الحق ، والابتداء بالقتال ، وقتل النساء والصبيان ، وعدم الانتهاء إلى العدو ... » (1).

وفي آية اُخرى قال تعالى : ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا الله ... ) (2).

وهذه الآية صريحة ببيان سبب القتال ، وهو الظلم الشديد الذي نزل بساحة المسلمين من لدن المشركين وأعوانهم حتى أخرجوهم من ديارهم ظلماً وعدواناً.

ثانياً ـ الدفاع عن المستضعفين ونصرة المظلومين :

قال تعالى : ( وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا ) (3).

وقال تعالى : ( ... وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى

____________

(1) الميزان في تفسير القرآن / العلاّمة الطباطبائي 2 : 61.

(2) سورة الحج : 22 / 39 و 40.

(3) سورة النساء : 4 / 75.

25

قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) (1).

فقد نفيت بهذه الآية الشريفة الولاية بين المؤمنين المهاجرين والأنصار وبين المؤمنين غير المهاجرين إلاّ ولاية النصرة إذا استنصروهم بشرط أن يكون الاستنصار على قوم ليس بينهم وبين المؤمنين ميثاق (2).

والدفاع عن المستضعفين ونصرة المظلومين أمر مشروع تبيحه جميع الديانات إلهية كانت أم وضعية ، بل يرفع كشعار من قبل الجميع لمحبوبيته ومرغوبيته لدى العقلاء في كلّ زمان ومكان.

ثالثاً ـ قتال ناكثي العهد :

قال تعالى : ( أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ... ) (3).

في الآية تحريض للمؤمنين وتهييج لهم على قتال المشركين ببيان ما أجرموا به في جنب الله وخانوا به الحق والحقيقة ، وعدّ خطاياهم وطغيانهم من نكث الايمان والهمّ باخراج الرسول والبدء بالقتال أوّل مرّة (4).

واختُلف في هؤلاء على أقوال :

فقيل : هم اليهود الذين نقضوا العهد وخرجوا مع الأحزاب ، وهموا باخراج الرسول من المدينة وكما أخرجه المشركون من مكة.

وقيل : هم مشركو قريش وأهل مكة ، وهم بدءوكم أول مرة ، أي بدءوكم

____________

(1) سورة الانفال : 8 / 72.

(2) الميزان في تفسير القرآن 9 : 142.

(3) سورة التوبة : 9 / 13.

(4) الميزان في تفسير القرآن 9 : 159.

26

بنقض العهد.

وقيل : بدءُوكم بقتال حلفاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من خزاعة.

وقيل : بدءُوكم بالقتال يوم بدر (1).

رابعاً ـ حماية العقيدة ورد العدوان المحتمل الوقوع :

قال تعالى : ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ ) (2).

والآية نازلة في المشركين، فالمراد بكون الدين لله سبحانه وتعالى، هو أن لا تعبد الأصنام ، وأن يحصل الإقرار بالتوحيد ، وأهل الكتاب مقرّون به (3).

كما دعا القرآن الكريم إلى رد العدوان المحتمل الوقوع ، لكي لا يعتدى على المسلمين بغتة ، ومن ثم تهديد كيانهم بالفناء ؛ قال الله تعالى : ( وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ) (4).

وتفسير الآية : انه يجب إبلاغهم بالغاء العهد ، ولا يجوز قتالهم قبل الابلاغ ؛ لانّ ذلك خيانة ، أمّا إذا لم يحتمل الخيانة فلا يجوز نقض العهد معهم (5).

وعلى ضوء ذلك يمكن القول : انّ ما اصطلح عليه الفقهاء بالجهاد الابتدائي قد يكون في الواقع يحمل روح الجهاد الدفاعي لرد عدوان محتمل الوقوع ؛ لأنّ خصوم المسلمين يتربّصون بهم الدوائر دائماً ، وأعداء الإسلام عموماً لا يروق

____________

(1) مجمع البيان في تفسير القرآن / الفضل بن الحسن الطبرسي 5 : 22 ، رابطة الثقافة ، طهران ، 1417 ه.

(2) سورة البقرة : 2 / 193.

(3) الميزان في تفسير القرآن 2 : 62.

(4) سورة الانفال : 8 / 58.

(5) الميزان في تفسير القرآن 10 : 114.

27

لهم تقرير مفاهيمه وقيمه في واقع الحياة ، ولهذا فانهم يسعون للقضاء عليه وتحجيم دوره ومنع الشعوب من تبنيه عقيدة وفكراً.

وفي جميع الظروف والأحوال فإنّ القتال موقف استثنائي لم يشرّع إلاّ لحماية الإسلام فكرة وعقيدة ووجوداً ، ولذا فهو يدعو إلى التعامل بالبر والعدل مع الذين لم يقاتلوا المسلمين وإن كانوا على غير دينهم ، وهذه ـ في الواقع ـ هي قمة التسامح وذروة الأمان بين أهل الأديان ، قال تعالى : ( لا يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) (1).

والإسلام يدعو إلى العودة في التعامل والعلاقات إلى السلام وإنهاء القتال في أقرب فرصة ( ... فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ) (2).

خامساً ـ اخلاقية القتال وانسانية التعامل :

الإسلام دين الرحمة والرأفة والسماحة ؛ يهدف إلى هداية الناس أجمعين وإنقاذهم من جميع ألوان الاضطهاد والعبودية ومن الانحراف والانحطاط ، ويهدف إلى إقامة الحق والعدل ، ولهذا فلا يقاتل حقداً أو عدواناً حتى على المعتدين ، وهذا واضح من خلال التأكيد على إشاعة قيم العفو والرحمة في ميادين القتال ، وتتجسد أخلاقية القتال في المظاهر التالية :

1 ـ حرمة القتال قبل القاء الحجة :

مهما كانت دوافع وأسباب القتال فهو محرّم قبل إلقاء الحجة على أعداء

____________

(1) سورة الممتحنة : 60 / 8.

(2) سورة النساء : 4 / 90.

28

الإسلام ، فقد أوصى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك قائلاً : « يا عليّ ، لا تقاتل أحداً حتّى تدعوه إلى الإسلام ، وأيم الله لان يهدي الله عزّوجلّ على يديك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت ولك ولاؤه » (1).

وحرمة القتال قبل الدعوة إلى الإسلام قد أفتى بها المتقدّمون من فقهاء الإمامية ، نكتفي بذكر اثنين منهم :

قال الشيخ الطوسي ( ت / 460 ه ) : « ولا يجوز قتال أحد من الكفار إلاّ بعد دعائهم إلى الإسلام » (2).

وأفتى أبو الصلاح الحلبي ( ت / 477 ه ) بعدم البدء بالقتال حتّى بعد إلقاء الحجة حتّى يكون الأعداء هم الذين يبدؤون (3).

2 ـ النهي عن قتل النساء والأطفال والشيوخ

نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن قتل النساء والأطفال والشيوخ ، ومن تعاليمه في القتال ما رُوي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) قال : « كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أراد أن يبعث سرية دعاهم فأجلسهم بين يديه ثمّ يقول : سيروا باسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملّة رسول الله ، لا تغلّوا ولا تمثّلوا ولا تغدروا ، ولا تقتلوا شيخاً فانياً ولا صبياً ولا امرأة ، ولا تقطعوا شجراً إلاّ أن تضطرّوا إليها ... » (4). وهذا الحكم محل اتفاق الفقهاء.

____________

(1) الكافي 5 : 36 / 2 ، باب الدعاء إلى الإسلام ، كتاب الجهاد.

(2) النهاية / الشيخ الطوسي : 292 ، انتشارات قدس محمدي ، بدون تاريخ.

(3) الكافي في الفقه / أبو الصلاح الحلبي : 256 ، مكتبة أمير المؤمنين (عليه السلام) ، أصفهان ، 1403 ه.

(4) وسائل الشيعة / الحر العاملي 15 : 58 ، باب : 15 ، كتاب الجهاد.

29

قال الشهيد الاول محمد بن مكي العاملي ( ت / 786 ه ) : « ولا يجوز قتل المجانين والصبيان والنساء وإن عاون إلاّ مع الضرورة » (1).

وقال الشيخ محمد حسن النجفي ( ت / 1266 ه ) : « ولا يجوز قتل المجانين ولا الصبيان ولا النساء منهم ولو عاونتهم إلاّ مع الاضطرار ، بلا خلاف أجده في شيء من ذلك » (2).

فالاسلام لا يرغب في القتال إلاّ اضطراراً ، ولا يستهدف إلاّ الهداية والاصلاح ، ولذا حرّم قتل من ذُكر ، وإن كانوا من الأعداء.

3 ـ حرمة إلقاء السمّ في بلاد المشركين

لم يكن هدف الإسلام من تشريع القتال الانتقام ، وإنّما الهداية أولاً ، وردّ العدوان ثانياً ، لذا حرّم استخدام أسلحة الدمار الشامل ومنها إلقاء السمّ.

عن الإمام عليّ (عليه السلام) أنّه قال : « نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يلقى السمّ في بلاد المشركين » (3).

ويمكن القول بأن الرواية وإن كانت دالّة على خصوص السمّ ، إلاّ انها شاملة لكل المبيدات العامة ، بحيث يذهب البرئ بذنب المجرم والأعزل بذنب المسلَّح ، كما هو الحال في السلاح الذرّي والنووي والجرثومي وأمثالها من أسلحة الدمار الشامل الشائعة في عالم اليوم.

____________

(1) غاية المراد / الشهيد الأول 1 : 482 ، مركز الأبحاث والدراسات ، قم ، 1414 ه.

(2) جواهر الكلام / الشيخ محمّد حسن النجفي 21 : 73 ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، 1981 م.

(3) الكافي 5 : 28 / 2 ، باب وصية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) في السرايا ، كتاب الجهاد.

30

4 ـ حرمة الغدر والغلول والمثلة والتخريب الاقتصادي

حرّم الإسلام استخدام الوسائل الوضيعة حتى في قتال المعتدين ؛ لأنّه جاء رحمة للعالمين وليس انتقاماً ، فمن وصايا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأمراء جيشه : « سيروا بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، لا تغدروا ولا تغلّوا ولا تمثّلوا ولا تقطعوا شجرة إلاّ أن تضطروا إليها ... » (1).

وقال أبو الصلاح الحلبي : « ... ولا يجوز حرق الزرع ، ولا قطع شجرة الثمر ، ولا قتل البهائم ، ولا خراب المنازل ، ولا التهتّك بالقتل » (2).

وقال الشهيد الأول : « ولا يجوز التمثيل ولا الغدر ولا الغلول » (3).

ومن رحمة الإسلام ورأفته حتى بمن قاتلهم لردّ كيدهم ، ما نجده في حديث الامام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) قال : « إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا بعث أميراً له على سرية أمره بتقوى الله عزّوجلّ في خاصة نفسه ثمّ في أصحابه عامة ، ثمّ يقول : اغزُ باسم الله وفي سبيل الله ، قاتلوا من كفر بالله ، لا تغدروا ولاتغلّوا ولا تمثّلوا ولا تقتلوا وليداً ولا متبتّلاً في شاهق ، ولا تحرقوا النخل ، ولا تغرقوه بالماء ، ولا تقطعوا شجرة مثمرة ، ولا تحرقوا زرعاً ، لأنكم لا تدرون لعلّكم تحتاجون إليه ، ولا تعقروا من البهائم ما يؤكل لحمه ، إلاّ ما لا بّد لكم من أكله ... » (4).

وفي هذا النصّ المعتبر مايوضّح النهي الصريح عن الغدر ، والغلول ،

____________

(1) الكافي 5 : 30 / 9 من الباب السابق.

(2) الكافي في الفقه : 256.

(3) غاية المراد 1 : 482.

(4) الكافي 5 : 29 / 8 ، من الباب السابق.

31

والتمثيل ، وقتل الأطفال ، والمنعزل عن القتال ، مع مراعاة حرمة النبات والحيوان أيضاً.

5 ـ وجوب الاستجابة للاستجارة وطلب الأمان

من أهم مقاصد الشريعة الإسلامية حقن الدماء ، ولهذا فقد أوجب الإسلام جميع الوسائل والمقدمات المؤدية إلى حقن الدماء ، ومنها الاستجابة للاستجارة ان استجار المعتدي بالمسلم وطلب الأمان منه ، كما في قوله تعالى : ( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ) (1).

وفي حديث الإمام الصادق (عليه السلام) قال : « كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا بعث سرية دعا بأميرها .. إلى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : وايما رجل من أدنى المسلمين وأفضلهم نظر إلى أحد من المشركين فهو جار حتّى يسمع كلام الله ، فإذا سمع كلام الله عزّوجلّ فإن تبعكم فأخوكم في دينكم ، وإن أبى فاستعينوا بالله عليه وأبلغوه مأمنه » (2).

ولا فرق بين المجير حراً كان ام عبداً ، فحكمه نافذ على الجميع في حال اجارته لأحد من المشركين أو الاعداء.

عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) قال : « إنّ عليّاً (صلى الله عليه وآله وسلم) أجاز أمان عبد مملوك لأهل حصن من الحصون ، وقال : هو من المؤمنين » (3).

وقال الإمام الباقر (عليه السلام) : « ما من رجل آمن رجلاً على ذِمَّةٍ ثمّ قتله ، إلاّ

____________

(1) سورة التوبة : 9 / 6.

(2) الكافي 5 : 30 / 9 ، من الباب السابق.

(3) وسائل الشيعة 15 : 67 ، باب : 20 ، كتاب الجهاد.

32

جاء يوم القيامة يحمل لواء الغدر » (1).

والأمان هو الغاية في التعامل ، وان رفض المسلمون طلب الأمان لضرورة معينة وظنّ الأعداء انهم استجابوا لهم ، كان ذلك الظن أماناً لهم ؛ لانّ هدف الإسلام هو حقن الدماء في جميع الأحوال.

قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) : « لو انّ قوماً حاصروا مدينة فسألوهم الأمان ، فقالوا : لا ، فظنّوا انّهم قالوا : نعم ، فنزلوا إليهم ، كانوا آمنين » (2).

6 ـ الوفاء بالعهد

أوجب الإسلام الوفاء بالعهد ، فلا يجوز نقضه مادام العدو ملتزماً به ، وقد جسد الإسلام بهذا الوجوب السماحة والسلام وحقن الدماء ، وأثبت للجميع انّه لا يقاتل إلاّ دفاعاً عن المقدسات وعن النفس ردعاً للعدوان.

قال أمير المؤمنين الإمام عليّ (عليه السلام) : « ان وقعت بينك وبين عدوّك قصة عقدت بها صلحاً وألبسته بها ذِمَّة فحُط عهدك بالوفاء ، وارع ذِمّتك بالأمانة ، واجعل نفسك جنّة بينك وبين ما اعطيت من عهدك » (3).

وقال (عليه السلام) : « ما أيقن بالله من لم يرع عهوده وذِمَّته » (4).

وقال (عليه السلام) : « فلا تغدرن بذِمّتك ، ولا تغفر بعهدك ، ولا تغتلن عدوّك ، فإنه لا يجترئ على الله إلاّ جاهل ، وقد جعل الله عهده وذِمّته أمناً أفضاه

____________

(1) الكافي 5 : 31 / 2 ، باب إعطاء الأمان ، كتاب الجهاد.

(2) وسائل الشيعة 15 : 68 / 4 ، باب جواز إعطاء الأمان ووجوب الوفاء ، كتاب الجهاد.

(3) تصنيف غرر الحكم / عبدالواحد الآمدي : 252 ، مكتب الاعلام الإسلامي ، قم ، 1987 م.

(4) تصنيف غرر الحكم : 253.

33

بين العباد برحمته ، وحريماً يسكنون إلى منعته ، ويستفيضون إلى جواره ، فلا خداع ، ولا مدالسة ، ولا إدغال فيه » (1).

وكانت سيرة المسلمين قائمة على الوفاء بالعهد ، فلم ينكثوا العهد بعد اتمامه ، ولم يحدثنا التاريخ انهم نقضوا العهد مع المعاهدين.

ويجب الوفاء بالعهد وان تضرر منه آحاد المسلمين ، فحينما عاهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المشركين بتسليم من جاءه من قريش مسلماً ، وفى بذلك وسلم اثنين من المسلمين اليهم وفاءً منه بالعهد (2).

والوفاء بالعهد محل اجماع الفقهاء كما صرّح به الشيخ محمد حسن النجفي في كتاب الجواهر (3).

7 ـ حسن المعاملة مع الأسرى

أمر الإسلام بحسن المعاملة مع الأسرى وإن كانوا معتدين قبل الأسر انسجاماً مع غاياته وأهدافه في هداية الناس واعادتهم إلى الرشد.

وحسن المعاملة ثابت في جميع الظروف والأحوال ، فلا يباح قتل الأسير من قبل أي مسلم ، وهذا الأمر مرجعه إلى امام المسلمين وليس لآحادهم واجتهاداتهم الشخصية التي قد لا تصيب الواقع في أغلب الظروف.

قال الإمام عليّ بن الحسين (عليه السلام) : « إذا أخذت أسيراً فعجز عن المشي

____________

(1) تحف العقول : 97.

(2) إعلام الورى بأعلام الهدى / الفضل بن الحسن الطبرسي : 106 ، دار المعرفة ، بيروت ، 1399 ه.

(3) جواهر الكلام 21 : 97.

34

وليس معك محمل فأرسله ولاتقتله ، فإنك لاتدري ما حكم الإمام فيه » (1).

ويجب اشباع حاجات الأسير من طعام وشراب وان كان حكمه القتل لضرورة خاصة.

قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) : « اطعام الأسير حق على من أسره ، وإن كان يراد من الغد قتله ، فانّه ينبغي أن يطعم ويسقى ويرفق به كافراً كان أو غيره » (2).

وقال الإمامان الباقر والصادق (عليهما السلام) : « إذا وضعت الحرب اوزارها واثخن أهلها ، فكل أسير أخذ على تلك الحال فكان في أيديهم ، فالامام فيه بالخيار إن شاء منّ عليهم فأرسلهم ، وإن شاء فاداهم أنفسهم ، وإن شاء استعبدهم فصاروا عبيداً » (3) ، وهناك جملة من الروايات في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) بهذا المعنى.

والمشهور بين فقهاء الإمامية ـ استناداً إلى تلك الروايات أن الامام ـ وهو المسؤول الاعلى في المجتمع ـ أو من يوكله يكون مخيراً بين إطلاق الأسير بدون فداء وهو المنّ ، أو إطلاقه مقابل جزء من المال وهو الفداء ، وأما القتل فلا ، وقد صرّح القرآن الكريم بهذا في قوله تعالى : ( حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ) (4) ثمّ

____________

(1) الكافي 5 : 35 / 1 ، باب الرفق بالأسير وإطعامه ، كتاب الجهاد.

(2) الكافي 5 : 35 / 2 ، من الباب السابق.

(3) الكافي 5 : 32 / 1 ، باب إعطاء الأمان ، كتاب الجهاد.

(4) سورة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) : 47 / 4.

35

جاءت السنّة الشريفة لتؤكد الأمر الثالث وهو الاسترقاق.

والواجب في مدّة بقاء الأسير ليس هو إطعامه فقط ، بل الرفق به والاحسان.

وما قد يقال من أن مسألة استرقاق الأسير تتنافى وسماحة الإسلام ومثله وقيمه الإنسانية النبيلة ، فالجواب من وجهين :

الوجه الأول : ان العرف السائد بين جميع الأمم في ذلك الحين هو استرقاق أسرى الحرب أو قتلهم أو اطلاقهم بفداء ، وقد حصل هذا فعلاً لعشرات المسلمين الذين وقعوا أسرى بيد العدو في سائر المعارك الدفاعية التي خاضها المسلمون. فضلاً عما كان يجري يومئذ من انتهاك أعراض النساء وقتل الأطفال وحرق البيوت وما شابه ذلك من أفعال همجية وتخريبية قد رفضها الإسلام بشدة في سلوكه وآدابه الحربية.

ولما لم يكن من أدب الإسلام معاملة العدو بالمثل في مثل هذه الأفعال ، فإنه ليس من المعقول أن يشجع عدوّه عليه في موضوع الأسرى فيطلقهم وهو يرى كيف يسترق العدو أسرى المسلمين ويسيء معاملتهم جداً ، فضلاً عن اخضاعهم للتعذيب الجسدي ، وقد حفظ لنا التاريخ أسماء بعض الصحابة الذين اُسروا وماتوا تحت التعذيب.

فمسألة الاسترقاق ضرورة لازمة ما دام العدو مصرّاً عليها ، علماً بأن انحسار الاسترقاق تدريجياً في الإسلام ، ثمّ محوه بشكل كامل ناتج عن تشجيع الدين الإسلامي لمعتنقيه ، كما هو واضح في كثير من تشريعاته الفقهية على إنهاء الاسترقاق ، وأما اتفاق الدول والأمم في العصور المتأخرة على محو هذه الظاهرة فقد جاء متأخراً بالقياس إلى محوها في الإسلام.

36

الوجه الثاني : إن الغاية من الاسترقاق ليست اهانة المسترق في نظر الإسلام ، ومن يبتغي إهانة شخص فكيف يكرمه ؟ بل كيف تجتمع اهانته مع معاملته في غاية الاحسان ؟ الأمر الذي يكشف عن هدف أسمى ، ذلك لأن بقاء الأسرى في المحيط الإسلامي مدّة سيكون باعثاً قوياً على اهتدائهم للدين الإسلامي وترك عقائدهم الفاسدة ، وبهذا يكون الاسترقاق وسيلة لهدايتهم بخلاف ما لو تم اطلاقهم منّاً أو فداء ؛ إذ سوف لن يقفوا عن كثب على تعاليم هذا الدين المنسجمة مع فطرتهم ، ولن يلمسوا سماحته ولطفه ورقّته.

وبهذا يكون المقصد الأعلى من الاسترقاق عائداً لمصلحة المُسترَق في الواقع ، وقد سجل لنا التاريخ الإسلامي صفحات مشرقة في هذا الجانب باهتداء جلّ المُسترَقّين حتى كان لبعضهم أو لأبنائهم شأن عظيم ، وهناك عشرات الشخصيات الإسلامية المعروفة التي هي محل اعتزاز سائر المسلمين قد جاءت إلى الإسلام من هذا الطريق.

37

الفصل الثالث

فكرة عن الحروب الدفاعية

والوقائية في العهد النبوي

المتتبع للسيرة النبوية الشريفة ولمعارك الصدر الأول للاسلام ، يرى أن الإسلام لم يكن راغباً في الدخول فيها ، وانّما فرضت عليه من قبل إعدائه ، ولم يدخلها ابتداءً إلاّ بعد سلسلة من الممارسات القمعية والارهابية قادها اعداؤه تجاه القيادة المتمثلة برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وتجاه المسلمين.

وعلى أساس هذه المفاهيم والقيم كانت حروب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دفاعية ، ولم تكن منها حروب هجوم إلاّ على سبيل المبادرة بالدفاع عن النفس بعد التيقن من نكث العدو للعهود ، وإصراره على الغدر والعدوان.

كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يدعو إلى الإيمان بالله تعالى والتخلي عن عبادة الأصنام ، ويدعو إلى ارساء القيم الصالحة في العلاقات والمعاملات ، وإلى تطبيق العدالة والغاء الفوارق والاضطهاد والاستغلال ، ويدعو إلى مكارم الاخلاق ، فكانت دعوته سلمية ليس فيها عداء ولا ظلم ولا صدام ، إلاّ أنها جوبهت بعنف وعدوانية من قبل المشركين ، فلم يكتفوا بالتكذيب وبث الاشاعات والاستهزاء تجاه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، بل مارسوا الاضطهاد والأذى الجسدي

38

وبأساليب لا تتناسب حتى مع القيم الجاهلية التي تعيب ممارسة الوسائل الوضيعة مع الخصوم والاعداء.

وعلى سبيل المثال : بينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ساجد وحوله ناس من قريش ، فقالوا : من يأخذ سلى هذا الجزور أو البعير فيقذفه على ظهره ؟ فجاء عقبة بن أبي معيط فقذفه على ظهر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (1).

واستمر مشركو قريش في مواجهة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن آمن به ، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين ، فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش ، وبرمضاء مكة إذا اشتد الحرّ.

وكان ممن عُذِّبوا بلال الحبشي ، وكان اميّة بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة ، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة ، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ، ثم يقول له : لا تزال هكذا حتى تموت ، أو تكفر بمحمّد ، وتعبد اللات والعزّى ، فيقول وهو في ذلك البلاء : أحد أحد.

وكان بنو مخزوم يخرجون بعمّار بن ياسر وبأبيه وأمه إذا حميت الظهيرة ، ويعذّبونهم برمضاء مكّة ، فيمرّ بهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيقول : « صبراً آل ياسر موعدكم الجنة » ، وقد قتل المشركون سميّة أم عمّار لانها أبت موافقتهم على كفرهم ، وبهذا استحقت وسام أوّل امرأة شهيدة في الإسلام (2).

وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يأمر المسلمين بالصبر ، ولم يتخذ أي موقف مسلح لردّ العدوان ، بل بقي يدعو إلى الصبر والاكتفاء بالحذر والاستتار عن أعين المشركين ، إلى أن يأذن الله تعالى بأمره.

____________

(1) إعلام الورى بأعلام الهدى : 57.

(2) بحار الأنوار / العلاّمة المجلسي 18 : 241 ـ 411.

39

الدعوة إلى الهجرة

لما رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما يصيب أصحابه من البلاء ، وماهو فيه من العافية ، بمكانه من الله ومن عمه أبي طالب (عليه السلام) ، وأنّه لا يقدر على أن يمنعهم ممّاهم فيه من البلاء ـ إلاّ بالقتال ـ أمرهم بالخروج إلى أرض الحبشة ، وقال : إنّ بها ملكاً صالحاً لا يظلم ولا يظلم عنده أحد ، فاخرجوا إليه حتى يجعل الله عزّوجلّ للمسلمين فرجاً (1).

وهكذا اختاروا الهجرة على أي موقف آخر ، لانّ الإسلام لايرغب في القتال ابتداءً ، ولا يرغب في المواجهة المسلحة في بداية الطريق لتجنب الدماء وللحفاظ على أرواح الناس من مسلمين ومشركين مادام هنالك أمل في انضوائهم تحت راية الإسلام عاجلاً أم آجلاً ، فكانت الهجرة تجنباً لحدوث صراع دموي يخلّف الاحقاد في القلوب والمشاعر ، ويحول دون تحقيق أهداف الدين الجديد في دعوته إلى هداية الناس جميعاً.

المقاطعة الشاملة

لما رأت قريش أنّ أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد نزلوا بلداً أصابوا منه أمناً وقراراً ، وأنّ النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم ، وجعل الإسلام يفشو في القبائل ، اجتمعوا وتآمروا أن يكتبوا كتاباً يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني عبدالمطّلب ؛ على أن لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم ، ولا يبيعوهم شيئاً ، ولا يبتاعوا منهم ، فلما كتبوا الصحيفة وعلقوها في جوف الكعبة ، انحازت بنو هاشم وبنو عبدالمطلب إلى أبي طالب (عليه السلام) فدخلوا معه شعبه ، فأقاموا على ذلك أربع

____________

(1) بحار الأنوار 18 : 412.

40

سنين لا يأمنون إلاّ من موسم إلى موسم ، ولا يشترون ولا يبايعون إلاّ في الموسم ، وأصابهم الجهد ، وبعثت قريش إلى أبي طالب : ادفع إلينا محمّداً حتى نقتله ، ونملّكك علينا ، فقال أبو طالب (عليه السلام) قصيدته اللاّمية والتي جاء فيها :

كذبتم وبيت الله يبزى محمّد --ولما نطاعن دونه ونقاتل (1)

وتوفي مؤمن قريش أبو طالب (رضوان الله تعالى عليه) بعد انتهاء المقاطعة بوقت قصير ، فاشتدّ البلاء على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ونالت قريش منه من الاذى مالم تكن تطمع به في حياة أبي طالب (عليه السلام) ، حتى اعترضه أحدهم فنثر على رأسه تراباً ، وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : « ما نالت منّي قريش شيئاً أكرهه حتى مات أبوطالب » (2).

وقابل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الأذى بالصبر والتحمّل ، ولم يتخذ أيّ موقف يؤدي إلى إراقة الدماء طمعاً في إيمان الكثير من المشركين ولو بعد حين.

الإذن بالقتال :

استمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على الدعوة السلمية في داخل مكة وخارجها ، وكان يعرض الإسلام على القبائل القادمة من خارج مكة في موسم الحج ، ففي أحد المواسم التقى مع جماعة من أهل يثرب فدعاهم إلى الله عزّوجلّ ، وعرض عليهم الإسلام ، وتلا عليهم القرآن ، فأجابوه فيما دعاهم اليه ثم انصرفوا إلى بلادهم ، حتى إذا كان العام المقبل لقوه عند العقبة وبايعوه.

وبعد عام من هذه البيعة خرج جماعة من مسلمي يثرب إلى الموسم حتى

____________

(1) بحار الأنوار 19 : 1 ، 2.

(2) مناقب آل أبي طالب / العلاّمة ابن شهرآشوب المازندراني 1 : 67 ، باب ذكر سيّدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فصل فيما لقيه (صلى الله عليه وآله وسلم) من قومه بعد موت عمّه.

41

قدموا مكة ، فواعدوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عند العقبة ، وبايعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سرّاً على الحماية والنصرة ، وحينما علمت قريش بالخبر اقبلوا بالسلاح ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) للمبايعين : « تفرّقوا » ، فقالوا : يارسول الله أن أمرتنا أن نميل عليهم بأسيافنا فعلنا ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « لم أؤمر بذلك ، ولم يأذن الله لي في محاربتهم » (1).

وفي كتب المغازي والسير والحديث وغيرها في مسألة الإذن بالقتال ماحاصله : إنه كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل بيعة العقبة لم يؤذن له في الحرب ولم تحلل له الدماء ، إنما يأمر بالدعاء إلى الله والصبر على الأذى ، والصفح عن الجاهل ، وكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من المهاجرين حتى فتنوهم عن دينهم ، ونفوهم من بلادهم ، فهم من بين مفتون في دينه ، ومن بين معذّب في ايديهم ، وبين هارب في البلاد فراراً منهم ، منهم من بأرض الحبشة ، ومنهم من بالمدينة ، وفي كل وجه ؛ فلما عتت قريش على الله عزّوجلّ ، وردّوا عليه ما أرادهم به من الكرامة ، وكذّبوا نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وعذّبوا ونفوا من عبده ووحّده وصدّق نبيّه واعتصم بدينه ، أذن الله عزّوجلّ لرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في القتال والانتصار ممن ظلمهم وبغى عليهم ، فكانت أول آية نزلت في الإذن في الحرب ، وإحلال الدماء والقتال ، لمن بغى عليهم ، قول الله تبارك وتعالى : ( اُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَـقَدِيرٌ الَّذِينَ اُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إلأَ أنْ يَـقُولُوا رَبُّـنَا اللهُ ... ) (2).

فلما أذن الله تعالى له (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحرب ، وبايعه هذا الحيّ من الأنصار على

____________

(1) بحار الانوار 19 : 13.

(2) سورة الحج : 22 / 39 و 40.

42

الإسلام ، والنٌّصرة له ولمن اتبعه ، وأوَى اليهم من المسلمين ، أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أصحابه من المهاجرين من قومه ، ومن معه بمكة من المسلمين بالخروج إلى المدينة والهجرة اليها واللحوق باخوانهم من الانصار.

ولما رأت قريش أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد صارت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم ، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين اليهم ، عرفوا أنهم قد نزلوا داراً ، وأصابوا منهم منعة ، فكرهوا خروج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) اليهم ، فاجتمعوا في دار الندوة يتشاورون فيها ما يصنعون في أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

واتّفقوا على اختيار رجل واحد من كلّ بطن من بطون قريش ، فاجتمع نحو عشرة رجال ، وأخذ كل واحد منهم سيفاً قاطعاً ، وأمرهم أبو سفيان وزبانيته أن يدخلوا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيضربونه كلّهم ضربة واحدة حتّى يتفرّق دمه في قريش كلّها ، فلا يستطيع بنو هاشم أن يطلبوا بدمه. (1)

ولما وصل خبرهم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قرّر الهجرة إلى المدينة تاركاً وطنه وبلاده وعشيرته ، وترك مكانه وعلى فراشه أمير المؤمنين عليّاً (عليه السلام) لكي يؤدّي ودائع الناس وأماناتهم التي كانت عند الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، في قصة طويلة لا يجهلها أحد من المسلمين.

وهكذا أُرغم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على مغادرة بلده مكّة ، ولم يدخل في صراع مسلح مع أعدائه.

وفيما يأتي استعراض سريع لأسباب حروب النبي وغزواته (صلى الله عليه وآله وسلم) مقتبسين من كتاب ( الرحلة المدرسية ) للشيخ المجاهد العلاّمة البلاغي ; بعض ما قاله في

____________

(1) راجع القصة في تفسير القمّي 1 : 275 ، وسائر كتب المغازي والسير والتاريخ.

43

تلك الحروب ؛ لنرى كيف كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مدفوعاً إليها نتيجة اتفاق كلمة الكفر مع جلّ أهل الكتاب على مقاومة الدين الفتيّ بكل ما استطاعوا إليه سبيلاً ، فنقول كما قال الشيخ البلاغي ;.

إنّ بلاد العرب كانت على أقبح جانب من العبادة الوثنية الأهوائية والطبائع القاسية الوحشية وخشونة الظلم والجور وإدمان الحروب والغارات ، قد إمتازت كلّ قبيلة بجبروت رياستها واستقلت بعصبية قوميتها حتى ان كلّ قبيلة اختصّت بصنم معبود لئلاّ تخضع إلى قبيلة اُخرى.

واستمرّوا على ذلك أجيالاً متعدّدة تتراكم عليهم فيها ظلمات الوحشية وضلالات الوثنية وعوائد الظلم وقساوة العداوة والحروب المبيدة الفظيعة ، بل كانت الدنيا بأسرها مرتبكة بين العبادة الأوثانية الصريحة. وبين التثليث وتجسيد الإله والسجود للأيقونات « الصور والتماثيل ». وإن جرى لفظ التوحيد على بعض الألسن لفظاً بلا معنى.

وعند تراكم هذه الظلمات والضلالات وهيجان براكينها الهائلة جاء صاحب دعوة الإسلام والتوحيد الحقيقي النبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأعلن بين العرب بادئ بدء بدعوة الإسلام التي هي أثقل عليهم من الجبال. فدعاهم جهاراً إلى رفض معبوداتهم من الأوثان وترك عاداتهم الوحشية وإلى الخضوع لعدل المدنية ، والتجمّل بالأخلاق الفاضلة والآداب الراقية.

واستمرّ على هذه الدعوة في مكّة نحو ثلاثة عشر سنة ، وفي السنة الثالثة أعلن بدعوته لعامة الناس إعلاماً تامّاً ، وصار ينادي بها في جميع أيامه في المحافل والمواسم بجميل الموعظة وقاطع الحجة والإنذار بالعقاب والبشرى بالثواب وحسن الترغيب والترهيب وتلاوة القرآن والأعذار بالنصيحة.

44

لم يهب في دعوته طاغوتاً ، ولم يستحقر فيها صعلوكاً ، يدعو الشريف والحقير ، والمرأة والعبد ، وقد آمن في خلال هذه الدعوة بدعوته الثقيلة على الأهواء من كلّ وجهة خلق كثير من أهل مكّة وضواحيها من قريش وغيرهم ، واحتملوا في سبيل ذلك أشدّ الاضطهاد والهوان والجلاء عن الأوطان إلى الحبشة وغيرها ، فكم من شريف في قبيلته عزيز في أهله وقومه صار بإسلامه مهاناً مضطهداً ، وكلّ هذا لم يصدّ الناس عن الإسلام ، لا يصدّ الضعيف ما يقاسيه من العذاب ، ولا يصدّ الشريف العزيز ما يلاقيه من الهوان ، يرون الإسلام هو العزّ والشرف والحياة والسعادة.

وفي السنة الخامسة هاجر إلى الحبشة من جملة المؤمنين اثنان وثمانون رجلاً من أشراف قريش وأتباعهم وذوي العزّة ومعهم مثلهم أو أكثر منهم من النساء المسلمات الشريفات ، وبقي كثير من المؤمنين في مكّة وغيرها يقاسي أكثرهم سوء العذاب. وكلّ هذا لا يصدّ الناس عن إظهار الإسلام.

وقد أقبل على الإيمان بدعوة الرسول محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو بمكّة قبائل الأوس ، والخزرج وغفار ، ومزينة ، وجهينة ، وأسلم ، وخزاعة.

ولا يخفى أنّ النبيَّ محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) كان عزيز قريش من بيت سيادتها وعزّها ، تسمّيه قريش الصادق الأمين ، يودع عنده مشركو قريش والعرب ذخائرهم إلى حين هجرته ، ومع ذلك كان يقاسي الأذى الشديد من المشركين والاستهزاء والتكذيب لدعوته ، والحبس مع بني هاشم في الشعب. وهو مع ذلك متمسّك بالتحمّل والصبر الجميل ، وشعار السلم لا يفتر عن دعوته ونشرها وبثّ تعاليمه الفاضلة وحماية التوحيد وإبطال الوثنية. حتى إذا اشتدّ عليه الاضطهاد وتعاقد المشركون على قتله ، عزم على أن يقطع مادة الفساد ويحافظ على دعوة

45

التوحيد والاصلاح ، فهاجر إلى المدينة لنشر دعوته ، وجمع المسلمين في مكان بعيد عن مشركي مكّة ، وأوّل عمل قام به في دار الهجرة أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) آخى بين المسلمين من المهاجرين والأنصار ليكونوا في حماية جمعية واحدة ، وقد اختار (صلى الله عليه وآله وسلم) من بين الجميع عليّاً (عليه السلام) أخاً. فانتظم له في هجرته زيادةً على من ذكرنا إسلامه إسلام كثير من العرب بالطوع والرغبة ، ومن جملتهم قبائل اليمن ، وحضرموت ، والبحرين. بل ما من قبيلة من القبائل التي حاربته إلاّ ويذكر التاريخ المعلوم أن اُناساً منها أسلموا بالطوع والرغبة. فمنهم من تجاهر بإسلامه ، ومنهم من تستّر به إلى حين. (1)

وأما حروبه فان أساس التاريخ الذي يذكرها يقرنها بذكر أسبابها التي يعلم منها انه لم تكن حرب من حروبه إبتدائياً لمحض الدعوة إلى الإسلام ، وإن جاز ذلك للإصلاح الديني والمدني ، وتثبيت نظام العدل والمدنية ، ورفع الظلم والطبائع الوحشية الجائرة القاسية. لكن دعوته الصالحة الفاضلة تجنّبت هذا المسلك ، وسلكت فيما هو أرقى منه ، وهو الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن. كما جاء هذا التعليم الأساسي في الآية السادسة والعشرين من سورة النحل المكيّة ( قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُم مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ). وقد استمرّت سيرته الصالحة على ذلك. فكانت حروبه بأجمعها دفاعاً لعدوان المشركين الظالمين عن التوحيد وشريعة الإصلاح والمسلمين.

____________

(1) الرحلة المدرسية / الشيخ البلاغي : 194 ـ 196 ، ط 4 ، دار المرتضى ـ بيروت.

46

ومع ذلك فهو يسلك في دفاعه أحسن طريقة يسلكها المدافعون وأقربها إلى السلام والصلاح. يقدّم الموعظة ، ويدعو إلى الصلاح والسلام ، ويجنح إلى السلم ، ويجيب إلى الهدنة ، ويقبل عهد الصلح ، مع عرفانه بأنه المظفر المنصور.

وهاك ما ينادي به التاريخ من أسباب حروبه وغزواته (صلى الله عليه وآله وسلم). (1)

حرب بدر

فأوّل حروبه (صلى الله عليه وآله وسلم) المعروفة بعد هجرته هي حرب بدر ، وهي في السنة الثانية من الهجرة ، وسببها ان المشركين من قريش إشتدّ اضطهادهم للمسلمين ومن يريد الإسلام بمكّة ، ومنعوهم عن الهجرة والفرار بدينهم حتّى ضيّقوا عليهم بقساوة الاضطهاد والحبس ، لكي يردوهم إلى شرك الوثنية وطبائع الضلال. فانهم عرفوا من سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) انه لا يحب إثارة الحرب ، فزاد طغيانهم لما أمنوا جانبه ، فأراد أن يرهبهم بالقوة والمنعة ، ويهدّدهم بالتعرّض لسبيل تجارتهم إلى الشام ؛ لكي تلجئهم الضرورة الاقتصادية وحاجتهم لتجارة الشام إلى الكفّ عن ضلالهم في اضطهاد المؤمنين بمكّة ، ومنعهم عن الهجرة والفرار بدينهم.

فندب إلى ذلك بعض أصحابه ، فنهض منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً على أضعف عدّة ، إذ لم يكن معهم إلاّ سبعون بعيراً يتعاقبون عليها وأسياف قليلة ، فقصدوا قافلة قريش المقبلة من الشام ، فسمع بذلك رئيس القافلة أبو سفيان ، وأرسل إلى مكّة يستصرخ قريشاً لتخليصها ، فخرجوا بعدّة كاملة من الخيل والسيوف والدروع وكانوا نحو ألف رجل. واتفق ان قافلة قريش نجت

____________

(1) الرحلة المدرسية : 196 ـ 197.

47

من أصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولكن قريشاً لم يكتفوا بنجاة قافلتهم ، بل اجتمعت كلمتهم على حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) للقائهم. (1)

وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يتجنّب قتالهم ، ويأمل أن يعودوا إلى مكّة دون قتال ، وحينما علم بأنّ عتبة بن ربيعة متردّد في القتال قال : « إن يكن عند أحد خير ، فعند صاحب الجمل الأحمر ـ يعني عتبة ـ إن يطيعوه يرشدوا » (2).

وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) حريصاً على حقن الدماء ، فقد اوصى أصحابه قائلاً : « انّي قد عرفت أنّ رجالاً من بني هاشم وغيرهم قد أُخرجوا كرهاً ، لا حاجة لهم بقتالنا ، فمن لقي منكم أحداً من بني هاشم فلا يقتله ، ومن لقي أبا البختري بن هشام فلا يقتله ... » (3).

والذي يريد تحليل الواقعة بانصاف يجد أنها واقعة للدفاع عن النفس ، فمن حق المسلمين مصادرة أموال المشركين ، لانها مصدر قوة يتقوون بها على ابادة المسلمين والقضاء عليهم ، ومن جهة ثانية انهم صادروا أموال المهاجرين التي تركوها في مكّة ، وضيّقوا على عوائلهم وذويهم وهم بحاجة إلى تحرير وانقاذ ، ومع ذلك فإنّ القافلة قد عادت سالمة إلاّ انّ المشركين أصرّوا على القتال ، وهم المبادرون له وحينما وجد (صلى الله عليه وآله وسلم) أن القتال لا مفرّ منه ، أوصى بما يؤدي إلى التقليل من سفك الدماء والحيلولة دون إراقة المزيد منها ، وكان حريصاً على هدايتهم أو تراجعهم عن القتال ، إلاّ أنّهم أصروا عليه ، فكانت واقعة بدر التي انتصر بها المسلمون انتصاراً باهراً ، وقتلوا من صناديد قريش سبعين وأسروا سبعين

____________

(1) الرحلة المدرسية : 197.

(2) بحار الأنوار 19 : 224.

(3) بحار الأنوار 19 : 301.

48

ورجعت قريش إلى مكّة بالانكسار.

وعند انتهاء المعركة بانتكاسة المشركين وهزيمتهم ، لم يأمر (صلى الله عليه وآله وسلم) بملاحقتهم ، لأنّه جاء (صلى الله عليه وآله وسلم) رحمة للناس أجمعين ؛ كما حرّم التمثيل بجثث القتلى على الرغم من وجود حقد عند بعض المسلمين عليهم حينما كانوا يعذبون في مكة من قبلهم.

غزوة بني القينقاع

ولما قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في هجرته إلى المدينة ، رأى ان موقع الإسلام والمسلمين بين اليهود في خطر شديد. فانهم كانوا محدقين بالمدينة وهم بنو النضير وبنو قريظة وبنو قينقاع. فكان أول أعمال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في هجرته أنه عاهد هؤلاء اليهود على السلم وأمانة الجوار ، وأن لا يكيدوا المسلمين ولا يخونوهم ، ولا يساعدوا عليهم عدواً. ولكن بني قينقاع غدروا بعد وقعة بدر ، وصاروا يكاتبون المشركين ، وانشبوا حرباً بينهم وبين المسلمين ، فغزاهم (صلى الله عليه وآله وسلم) وانتصر عليهم ، فطلبوا النجاة بالجلاء عن بلادهم فسمح لهم بذلك (1). ولم يقتل منهم أحداً ، مع أن الحقّ معه فيما لو أراد قتلهم جزاءً لخيانتهم وغدرهم.

حرب أُحد

بعد هزيمة المشركين في بدر توجه جماعة ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم واخوانهم في المعركة ، فكلّموا أبا سفيان ومن معه من اصحاب الاموال فقالوا : إن محمداً قد وتركم ، وقتل خياركم ، فاعينونا بهذا المال على حربه ، فلعلنا ندرك منه ثأرنا بمن أصاب منّا. فوافقوهم واجتمعوا لحرب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وخرجوا ومعهم النساء لكي لا يفرّوا وتهيأ المسلمون بقيادة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)

____________

(1) الرحلة المدرسية : 198.

49

للدفاع عن أنفسهم وديارهم. وحينما وصلوا إلى أحد ـ وهو مكان يبعد عن المدينة بأميال يسيرة ـ باشروا المسلمين بالقتال.

وفي هذه المعركة استشهد الخيرة من الأصحاب ، وجرح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والدم يسيل على وجهه وفيها هرب أبو بكر وعمر ولم يبقَ مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ عليّاً (عليه السلام) وسماك بن خرشة أبا دجانة ; وكاد أن يُقتل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). (1) وقامت هند بنت عتبة والنسوة اللاتي معها يمثّلنّ بالقتلى من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، حتى اتخذت هند من آذان الرجال وأنوفهم قلائد ، وشقّت من حقدها بطن حمزة عمّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأخرجت كبده الشريف فلاكته لعنها الله.

وهكذا كانت حربه (صلى الله عليه وآله وسلم) دفاعاً عن النفس ، لانّ المشركين هم الذين بدأوا بالقتال والاعتداء ، من حيث الاستعداد والتجهيز ومن حيث انطلاقة البداية واصدار أوامر القتال ، وغزو مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

إجلاء بني النّضير

خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى بني النّضير يستعينهم في دية قتيلين من بني عامر للجوار الذي كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عقد لهما ، وان بين بني النضير وبين بني عامر عقد وحلف ، فلمّا أتاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قالوا : نعم نعينك على ما أحببت ، ثم خلا بعضهم ببعض وتآمروا على قتله ، وهو جالس إلى جنب جدار ، فقالوا : من يعلو هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيقتله ويريحنا منه ؟ فاتى الخبر من السماء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بما عزموا عليه ، فقام وخرج راجعاً إلى المدينة ، واخبر المسلمين بغدرهم وأمرهم بالسير معه اليهم ، فلما وصل حاصرهم حتّى بلغ منهم كلّ

____________

(1) روضة الكافي 8 : 264 ـ 266 / 502.

50

مبلغ ، فأعطوه ما أراد منهم ، فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم وأن يخرجهم من أرضهم وأوطانهم ، وجعل لكلّ ثلاثة منهم بعيراً وسقاءً فخرجوا إلى أذرعات وأريحا (1).

ولم يتعرّض لهم ، وهذا الموقف ينسجم مع جميع الاعراف الاجتماعية والسياسية ، وهو رد اعتداء ودفع تآمر فعلي وواقعي على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى الرسالة وهي في مهدها. ومع هذا فلم يتأدّب اليهود ، وإنما نزل أكثرهم بعد الجلاء في خيبر لكي يكيدوا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عن قرب. (2)

حرب الأحزاب

كان سببها أنّ نفراً من يهود بني النّضير خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة ، فدعوهم إلى حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقالوا إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله ، فقالت لهم قريش : يامعشر يهود إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه ومحمد ، أفديننا خير أم دينه ؟ فخانوا الله وكذبوا بموسى (عليه السلام) الذي بشّرهم بمحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقالوا : بل دينكم خير من دينه ، وأنتم أولى بالحق منه !! ثمّ أتوا إلى غطفان فدعوهم إلى حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأخبروهم أنّ قريشاً معهم على ذلك فأجابوهم ، فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان ، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن.

وفي مقابل قوة المشركين واليهود أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بحفر الخندق باشارة من سلمان الفارسي.

ولم تحدث مواجهة إلاّ الرمي بالنبل بعد أن طوّقت قريش والأحزاب

____________

(1) بحار الأنوار 20 : 159.

(2) الرحلة المدرسية : 198.

51

واليهود مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) تطويقاً كاملاً ، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يستمد العون من الله تعالى ويقول : « يا صريخ المكروبين يامجيب دعوة المضطرّين اكشف همّي وكربي فقد ترى حالي وحال من معي » (1).

وأقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمون وعدوهم محاصرهم ، ولم يكن بينهم قتال إلاّ أن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ودّ اقتحموا الخندق من أحد الأماكن الضيقة ، وطلب عمرو البراز من المسلمين ، فلم يبرز له أحد من الصحابة ، وكرّر الطلب مستهزئاً ، فخرج له عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فقتله ، وانهزم الباقون (2).

والمعركة واضحة المعالم ، فهي معركة دفاع بكل معنى الكلمة ـ وحفر الخندق أكبر شاهد على هذه المعركة الدفاعية ـ فقد اجتمعت قوى الشرك والعدوان من أجل استئصال الإسلام والمسلمين ، فمن الطبيعي أن يدافع المسلمون عن انفسهم وعن كيانهم.

غزوة بني قريظة

بعد انتهاء معركة الخندق بانكسار قريش وهروب الغزاة من جيوش اليهود والأحزاب ، عاد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمون إلى المدينة ليؤدّبوا يهود بني قريظة على نقضهم العهد وغدرهم ، إذ كاتبهم بنو النضير في حرب الأحزاب على الغدر بمحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) والنهوض إلى حربه ، فخفّ بنو قريظة إلى الغدر ونقض العهود وأخذوا يعتدون على المسلمين ويُغيرون على بيوت المدينة ومجامع العيالات ، ولهذا حاصرهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فجعل بنو قريظة حكمهم إلى سعد بن معاذ

____________

(1) إعلام الورى : 101.

(2) الارشاد / الشيخ المفيد : 54 ، مكتبة بصيرتي ، قم ، بدون تاريخ.

52

رئيس الخزرج لاَنهم كانوا حلفاءه قبل الإسلام ، وظنوا أنّ سعداً يتساهل معهم ، فوافقهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على ذلك ، ولم يصمّم على حربهم. فحكم سعد بقتلهم ، فنفذ حكمه في الغادرين. ولو أنهم اختاروا الجلاء إلى حيث يؤمن غدرهم لسمح لهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما سمح لبني قينقاع وبني النضير ، ولو شفع فيهم سعد لتركهم له. فان المعلوم من حال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انه كان يحبّ السلم وصلاح البشر والعفو إذا أمن من فساده ولم ينصبغ العفو بصبغة الضعف والوهن. (1)

حرب بني المصطلق

بلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ بني المصطلق تجمّعوا له بقيادة الحارث بن أبي ضرار ، وانهم استعدوا لحرب المسلمين ، فخرج إليهم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فلقيهم بماء لهم يقال له المريسيع ، فاقتتلوا فانهزم العدو ، وقتل من قتل منهم ، ولما انتهت المعركة جاء الحارث بفداء ابنته ، وحينما رأى بعض المشاهد الكريمة أسلم ومعه ابنان له وجمع من قومه (2).

وهذه المعركة معركة دفاع أيضاً انتهت بهزيمة الأعداء بعد قتل عدد قليل منهم ، وقد ايقن زعيمهم ان هذه الرسالة هي رسالة الخير والعدل جاءت لهداية الإنسان وانقاذه من جميع الوان الانحراف الفكري والسلوكي فأسلم طائعاً.

صلح الحديبية

وفي ذي القعدة من سنة ستّ قصد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مكّة للحج والطواف بالبيت ومعه من أصحابه نحو سبعمائة رجل ، وقدّموا ذبائح العبادة سبعين بعيراً جعلوا عليها علائم الهدي لكعبتهم ورسوم العبادة ، ولكي يطمئن أهل مكّة

____________

(1) الرحلة المدرسية : 199.

(2) بحار الأنوار 20 : 289 ـ 290.

53

بالسلم. فصدّه أهل مكّة واستعدّوا لحربه وطلبوا رجوعه ، فسمح لهم بما طلبوا وتساهل معهم بالصلح حسبما يقتضيه حب السلم ، ونحر في مكانه هدية للكعبة ورجع (1). مع أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قادراً على دخول مكّة بالقوّة ، ولكنّه آثر السلم ورجع إلى المدينة.

حرب خيبر

إن بني النضير الذين نزلوا بعد جلائهم في خيبر وخضع لهم أهلها ، لم يزالوا يسعون في حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقطع أثره ، وهم الذين سعوا في حرب الأحزاب ، ولم يزالوا على إثارة الفتن ، فغزاهم في أواخر السنة السادسة ، ففتح حصوناً لبني النضير. منها : حصن ناعم ، ومنها القموص حصن بني أبي الحقيق ، ومنها حصن الصعب بن معاذ ، وباقي حصون خيبر إلاّ حصنين « الوطيح والسلالم » فان أهلها طلبوا من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يسيّرهم ويحقن دماءهم ، فسمح لهم بذلك. (2)

فتح مكّة

وقد كان في صلح الحديبية ان خزاعة دخلت في حلف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وبنو بكر دخلت في حلف قريش ، فعدا بنو بكر وقريش على خزاعة بالحرب العدوانية ، فجاء مستصرخ خزاعة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فتوجّه في سنة ثمان بجيشه إلى مكّة في عشرة آلاف بعدة كاملة. ولما خافت منه قريش وأحلافها وضعفوا عن مقاومته لم تحمله سوء أفعالهم معه على الانتقام منهم ، بل دخل مكّة بأرأف

____________

(1) الرحلة المدرسية : 200 ، وانظر : مجمع البيان في تفسير القرآن / الطبرسي 5 : 117 ـ 118 ، مطبعة صيدا سوريا 1356 ه.

(2) الرحلة المدرسية : 200 ، وانظر : بحار الأنوار 21 : 3.

54

دخول وأكرم معاملة ، فكأنّه ساق إلى قريش العفو وامتنان الرحمة وكرم الأخلاق (1).

حرب هوازن

ولمّا سمعت هوازن بفتح مكّة جمعت جموعها لحرب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). فقصدهم وحاربهم وغنم أموالهم وذراريهم ، فوفد رجالهم عليه ـ بعد هزيمتهم ـ فأسلموا طوعاً ، فاسترحموه فخيّرهم بين ردّ السبي وردّ الأموال ، فاختاروا ردّ السبي ، فاسترضى المسلمين في ذلك فأجابوه ، فردّ السبي ، وكان نحو ستّة آلاف ما بين امرأة وطفل. وقد كانت ثقيف من جملة المنهزمين من جيش هوازن ، فرجعوا إلى الطائف وتحصّنوا بحصونهم لحرب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فوجّه إليهم بعض جيشه. (2)

حرب مؤتة وحرب تبوك

وأما بعثة الجيش إلى الشام حيث حاربوا جيش الروم والعرب والرومانيين في « البلقاء » شرقي بحيرة لوط ومسيره بجيشه إلى تبوك ، فكان الداعي لذلك ان هؤلاء تظاهروا بالعداوة للإسلام ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، واستخفوا بحرمته ، وقتلوا رسله الذين أرسل معهم كتبه لدعوة التوحيد ، مع ان العادة المستمرة ان الرسول حامل الكتاب محترم لا يُقتل ، ولا يقتله إلاّ من تجاهر بالطغيان والعداوة لمن أرسله ، فان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كاتب ملك الروم في الدعوة إلى صلاح الإسلام وتوحيده الحقيقي حينما كان قيصر راجعاً مع جيشه بعد انتصاره على الفرس ، فتجرّأ شرحبيل الغساني على قتل الرسول حامل الكتاب ،

____________

(1) الرحلة المدرسية : 200 ، وانظر : بحار الأنوار 21 : 104 ، واعلام الورى باعلام الهدى : 116.

(2) الرحلة المدرسية : 201.