طبّ الإمام الصادق عليه السلام

- محمد الخليلي المزيد...
95 /
3

الإهداء

إلى من كونته الإرادة الإلهية فأحسنت إبداعه فيما كونت ، فكان مثلاً أعلى للخلق الإسلامي الرفيع.

إلى من جعله المكون المبدع محلاّ لثقل الإمامة وناموساً من قدرته إلى ينبوع الحكمة الإلهية.

إلى من إستقى علمه من منبع الرسالة عن آبائه الراسخين في العلم إلى من أفاض على الإنسانية شتى العلوم والمعارف ليجعلها في أرفع درجات السعادة الدنيوية والأخروية.

إلى الإمام ( جعفر بن محمد الصادق ) عليه وعلى آبائه التحية والسلام أقدم ما يتفق ومقدوري راجياً أن ينال عنده الزلفى فيشملني بشفاعته عند الله يوم لا ينفع مال ولا بنون إلامن أتى الله بقلب سليم.

محمد الخليلي

4

مقدمة الطبعة الثالثة

الانسان مخلوق ركب من روح وبدن ولكل من جزئيه صحة ومرض وما يحدث لكل منهما يؤثر في الآخر أما الطبيب فهو المطيب للنفوس بكلامه وأخلاقه والمعالج للروح والبدن والحافظ لصحتهما بالعقاقير والارشادات الصحية معاً بمعنى أن الطبيب الحقيقي هو طبيب الروح والبدن ذلك لأنا نرى أن كثيرأ من العوارض النفسية الروحية كالغضب والحزن والحب والفراق وأمثالها تسبب إنحراف صحة البدن كما أن إنحراف صحة البدن تغير الأخلاق وتسيء الطباع وتكدر الحواس إلى غير ذلك فاذا لم يكن الطبيب روحياً عارفاً بالإنحرافات النفسية فلا بد له أن يعالج هذه العوارض البدنية الناشئة عن عوارض الروح بالمسهلات أو المشهيات أو ما أشبه ذلك وهذا بالطبع لا يوصله إلى الدواء الناجع المفيد لأن العلاج في الحقيقة هو إزالة السبب وكذلك إذا رأى في مريض أرقاً أو قلقاً ناشئاً عن الفكر المزعج أو الخيالات الفاسدة داواه بالحبوب المهدئة والمنومة وهذا أيضاً بالطبع لا يغني ولا يشفي إذا لم يدفع السبب وهو الخيال والفكر لكن الطبيب النطاسي الحكيم الجامع للطبين والعارف بالعلاجين الروحي والبدني فانه ينظر إلى المريض من الوجهتين فمن كان محتاجاً إلى العقاقير الطبية عالجه بها ومن كان محتاجاً إلى النصح أو التسلية أو إدخال الطمأنينة والاستقرار إلى قلبه وذلك بتهوين المرض أو الاوعاد أو أمثالهما مما يراه مناسباً للوقت والمرض داواه بها وأحيانا بهما معاً.

فمثل هذا هو الطبيب الكامل والمعول عليه في ملاحظة الجسم والروح ومعرفة طرق علاجهما وبديهي أن ذلك لا يتيسر إلا لكبار رجال الفن أو أعاظم أئمة الدين الذين اقتبسوا فنهم الروحي عن السماء وأخذوا علاجهم بالتلقين والتعليم النبوي والصحف السماوية الحكيمة. أما الاسلام فانه يرى الانسان موجوداً خلق ليعيش

5

في عوالم كثيرة وكلها تحتاج إلى صحة وسلامة واطمينان ليسعد في حياته ويرغد عيشه لذلك فقد ضمن له إصلاح كل تلك النواحي بتعاليمه وإرشاداته في فروضه ومستحباته ومكروهاته ومباحاته ، كما أنه يرى أن الروح والجسم وإن كانا وجودين مستقلين لكنهما ممتزجان ومتصلان إتصالاً يجعل أي تغير يحصل في إحداهما فهو فى الآخر صحة أو مرضاً لذلك فهو يطبهما مادياً ومعنوياً ويعالجهما دنيوياً واخروياً.

خذ مثلاً الغسل والوضوء والتيمم وانظر إلى شروطها وترتيبها لتعرف منظور الدين الاسلامي الحكيم في جعلها تطهيراً عرفياً وطبياًُ في جنب الطاعة الموجبة لاطمينان الخاطر والأمن في أداء الواجب الاخروي ومن البديهي المسلم أن أهم ما يلحظه الدين الاسلامي في العلاج والاصلاح في كل تكاليفه هو إدخال الطمأنينة والأمن إلى النفوس فانهما الحجر الأساسي في مداواة الروح والبدن.

فالأنبياء على هذا هم الأطباء الروحيون وهم المربون الاخلاقيون إذ لم تهبط رسالة سماوية ولم يبعث نبي أو رسول إلاّ بتهذيب الأرواح وصحة النفوس وتعليم الاخلاق الفاضلة ولكن لما كان الجسم قالبا للروح وكانت لسلامته وصحته دخل كبير في صحة الروح وسلامتها كان القسم الوافر من تعاليم الانبياء لعلاج البدن ومداواة أمراضه وأدوائه.

قال النبي (ص) : إن هذه القلوب تعمل كما تعمل الأبدان.

وقال أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب (ع) : إن للابدان حالات ست ؛ الصحة والمرض والنوم واليقضة والموت والحياة ، وكذلك الارواح فان صحتها اليقين ومرضها الترديد ونومها الغفلة ويقضتها التوجه وموتها الجهل وحياتها العلم.

ومن هنا نعرف أن سلامة الروح وصحتها تدل على صحة الجسم لذلك قيل : العقل السليم في الجسم السليم ، وإن من أعظم دلائل صحة الروح هي سلامة الأخلاق والانصاف بمكارمها لذلك قال النبي (ص) : بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.

6

إذن فالدين الاسلامي هو ذلك الدين السماوي الذي يكفل صحة الابدان والأرواح بالاخلاق ويعالج أمراضهما بالتعاليم والارشادات ، والنبي (ص) هو ذلك الطبيب العالمي العظيم ومنقذ الارواح والاجسام من الامراض والآلام بقرآنه وسننه. ولما ارتقى (ص) بروحه إلى الروح والريحان خلف من بعده قرآنه وعترته الذين هم مبلغوا سنته وموضحوا قانونه لذلك تجد الأئمة أوصياء النبي (ص) كلهم يعالجون الارواح والابدان ويداوون بالعقاقير وبالكلمات الحكيمة والتعاليم القيمة والارشادات النافعة.

وقد كان الامام الصادق (ع) أكثرهم علاجاً وأشدهم إبتلاء لكثرة ما كان في عصره من الانحرافات الروحية والأدواء النفسية فكان (ع) وحده المرجع والمآل والفرد والمسؤول عن إصلاح إي إنحراف ومن أي جهة كان وهو المجيب عن كل سؤال أيا كان سائله ، حرصاً على نشر الدين وحفظا لشريعة جده سيد المرسلين وإقامة لدعائم التوحيد ودحضا لمزاعم الملحدين ورداً لأقاويل المنافقين وإصلاحا للابدان ووقاية لها من الأسقام فكان من بعض ما ورد عنه في تلك المجالات الواسعة وقليل من كثير ما عثرنا عليه من علاجاته الكثيرة ، هذا الكتيب الصغير الذي هو كأنموذج لطبه وكاشارة إلى علمه وحكمته ، فالبحر المحيط لا يستطيع أن ينفذ إلى قعره سابح وإن إجتهد ، والامام لا يمكن أن يحصر علمه مأموم وأن بالغ في إتباعه واستقراء ما يرد عنه. ولما رأيت إقبال القراء على هذا الكتيب شديداً حتى طبع مرتين وسرعان ما نفذت هاتان الطبعتان ثم طلب إلي إعادة طبعه للمرة الثالثة لازدياد طلابه أحببت أن أعلق عليه بعض التعليق الموضح وأتوسع فيه بعض التوسع طلبا للاستفادة منه والانتفاع به.

وإلى الله العلي القدير أبتهل أن يوفقني لمرضاته ويوزعني أن أشكره فانه حميد مجيد والله من وراء القصد.

النجف الاشرف 15 / 11 / 1383 ه محمد الخليلي

7

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين

المقدمة

جدير بمن أراد الكتابة عن حياة الإمام أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) أو أن يبحث في ناحية من نواحيها الكثيرة سواء أكانت علمية أم دينية فلسفية أم تربوية ، اخلاقية أم أدبية ، أن يرى السبيل أمامه جلياً واضحاً والمجال فيها متسعاً قريب الغاية ، ذلك لما انطوت عليه تلك النفسيه السامية من العلوم الإلهية والمعارف الجليلة الاسلامية والفلسفة العالية والأدب الجم إلى غير ذلك مما تمثلت في شخصيته الفذة من مكارم الاخلاق ومثل الفضيلة والانسانية الكاملة التي لم تقف دون بيانها براعة الكاتب او المؤرخ ، ولم يحتج أي أديب او شاعر إلى تأمل كثير أو إجهاد فكر متزايد في نظمها أو الكتابة عنها مجملاً أو مفصلاً.

بهذه الفكرة المسلمة عندي ، وهذا الخيال الواسع لدي راقني البحث والتحدث عن شعاع من أشعة تلك الحياة الجبارة ، والكتابة عن ناحية من نواحي هذه الشخصية العظيمة ، وجذبتني تلك السهولة المتصورة إلى أن طمعت أن أكتب وأن أشبع الموضوع بحثاً فاعطيه حقه من البيان والتوضيح ، لا سيما وأن مثل هذا الموضوع هو من مهنتي ومهمتي ، أعني الكلام عن الطب وطب الامام (عليه السلام).

8

نعم لقد كنت أراه بحثاً واضحاً لا غموض فيه وموضوعا سهلاً يجري القلم فيه دون ما توقف كثير أو تأمل زائد ، بيد أني عندما اندفعت للكتابة وحاولت الشروع في الموضوع شعرت بخطورة الموقف. وأحسست بصعوبة البحث وأدركت عسر تناول الغاية التي كنت أتوخاها من تلك الكتابة ، لذلك فقد أصبحت بين إقدام وإحجام وترديد وتصميم ، ماسكاً باليراعة مفكراً في الطريق التي أسلكها لبلوغ المقصد ، متفحصا عن الباب الذي أفتحه للدخول في البحث وأخيرا وبعد لاي إرتأيت أن أذكر أولا نبذة قصيرة عن تاريخ الطب عند العرب في الجزيرة وإنه كيف تدرج من مهده حتى درج إلى الجزيرة العربية ثم أخذ يتربي هناك في أحضان العروبة ويترعرع في حجر الاسلام وينمو في هاتيك الربوع العامرة بالعقول السليمة والأفكار المستقيمة والفطرة المعتدلة الصافية. لأجعلها كمقدمة للبحث حتى يتسنى للقارئ أن يقف على مبلغ توسعه في عصر الإمام (ع) عن بصيرة وخبرة كامله ، ولتكون كتمهيد واف للاطلاع على كامل معرفة الإمام (ع) بهذا العلم الجليل وما أبداه من الحكم البالغة فيه دون أي تعليم أو دراسة إلا ما أخذه عن آبائه وأجداده عن النبي (ص) عن جبرائيل عن الله تعالى.

وسوف نثبت لك فيما يلي من مباحث هذه الرسالة ذلك ـ أي الذي ذكرناه ما أردنا تقديمه فنقول :

9

تاريخ الطب ومبدأ ظهوره :

لقد تضاربت أقوال المؤرخين واختلف الحكماء والأطباء في ذكر بدأ ظهور هذا العلم الجليل وكيفية حدوثه في العالم مما أوقف الباحث موقف الحيرة والشك فلا يدري كيف يبدي الحقيقة وكيف يظهر للقارئ بمظهر الكاتب الأمين والمؤلف المنصف.

فقد نسب البعض إكتشافه أو إختراعه أولاً إلى الكلدانيين وآخرون إلى سحرة اليمن وغيرهم إلى كهنة بابل وأكثرهم إلى قدماء اليونانيين ، قال ابن أبي أصيبعة الطبيب المؤرخ في كتابه عيون الأنباء :

إن إختراع هذا الفن لا يجوز نسبته إلى بلد خاص أو مملكة معينة أو قوم مخصوصين إذ من الممكن وجوده عند أمة قد إنقرضت ولم يبق من آثارها شيء ثم ظهر عند قوم آخرين ثم إنحط عندهم حتى نسى ثم ظهر على أساس هؤلاء لدى غيرهم فنسب إليهم إختراعه أو إكتشافه ( إنتهى ).

وقال غيره من المؤرخين إن الطب من جملة العلوم التي وضع أساسها الكلدان وكهنة بابل وأنهم هم أول من بحث في علاج الأمراض فكانوا يضعون مرضاهم في الازقة ومعابر الطرق حتى إذا مر بهم أحد قد أصيب بذلك الداء وشفي أعلمهم بسبب شفائة فيكتبون ذلك على ألواح يعلقونها في الهياكل ، فلذلك كان الطب عندهم من جملة أعمال الكهنة وخصائصهم ، ومن الكلدان أخذته ساير الامم القديمة ومن جملتها العرب ، ولذلك تراه متشابها عند أكثر الامم في مصر وفينيقية وآشور ثم تناولته الأمة اليونانية فأتقنوه أحكاما وإحكاما ورتبوا أبوابه وفصوله حتى جعلوه علما له إبتداء وله انتهاء ثم أخذته عنهم الفرس والروم.

10

الطب عند العرب

أما العرب الذين كانوا معاصرين لتلك الدول فقد إقتبسوا منهم بحكم المجاورة والمخالطة شيئاً من الطب أضافوه إلى ما حصلوه من الكلدان وإلى ما إستنبطوه هم أنفسهم بالفطرة والذكاء والتجارب.

وقد ذكر التاريخ : إن أول من تعاطى الطب من العرب بعد الكهنة ، هم جماعة ممن خالط الروم والفرس في القرن السادس الميلادي وقبل ظهور الاسلام بقليل وأخذوا العلم عنهم ، وكان أشهرهم يومذاك رجل من تيم الرباب يقال له ( ابن حذيم ) (1) وهو الذي ضرب به المثل في الحذاقة والطب ، فقيل فيه : ـ أطب من ابن حذيم ـ وقد قال فيه الشاعر أوس بن حجر :

فهل لكم فيها إليّ فانني * * *بصير بما أعيى النطاسي حذيما (2)

ثم جاء بعده الحارث بن كلدة (3) طبيب العرب الشهير المتوفى في عام 50 ه وهو خريج مدرسة جنديسابور (4) المعروفة في خوزستان الفرس والشهيرة عند

____________

(1) راجع ترجمته في كتابنا معجم أدباء الاطباء ج 1.

(2) حذف لفظ ابن إعتماداً على الشهرة ولاستقامة الوزن.

(3) راجع ترجمته في معجمنا ج 1.

(4) جنديسابور مدينة في خوزستان في الجنوب الغربي من إيران بناها كسرى الأول سابور بن أردشير الساماني سنة 250 م فنسبت إليه ، وكان قد أسكنها سبي الروم وطائفة من جنده ، وقد إفتتحها المسلمون سنة 19 ه. وكانت فيها مدرسة عظيمة يدرس فيها الطب وساير العلوم المختلفة وكان القائم بتدريسها نصارى النسطور ( النسطوريون ) الذين حملوا إليها مؤلفات اليونان الطبية والفلسفية وترجموا الكتب إلى السريانية التي كانت لغة التدريس في تلك المدرسة ، وقد إشتهرت هذه ـ

11

العرب ( بمعهد الطب الاسلامي ). فقد كانت العرب تعرف هذه المدرسة وتقدرها لاسيما بعد فتح الاسلام لبلاد الفرس على عهد الخليفة الثاني سنة 19 ه. وقد كان الحارث هذا يتعاطى الطب في الطائف بشهرة واسعة وقد أدرك الاسلام ولم يسلم وكان النبي (ص) يأمر من كانت به علة أن يأتيه ويستوصفه.

ثم كان بعده ابن رومية الجراح التميمي ، ثم النضر بن الحارث بن كلدة الذي يعد من أقدم من أشتغل من العرب في العلوم الدخيلة من طب وغيره ، وكان النضر هذا في عصر النبي (ص) أيضاً ولكنه لما كان يجاري أبا سفيان بعداوة النبي (ص) لأنه ثقفي وبنو ثقيف حلفاء بني أمية ، أمر النبي (ص) عندما أسره المسلمون في بدر بقتله فقتل وذهب بموته علمه وطبه ، ولم يكن له مؤلف أو نقل يعلمنا بمبلغ علمه وطبه ، ثم ذهب الطب من العرب ، وخفى عندهم ردحاً من الزمن ، وذلك منذ ظهور الدعوة الاسلامية حتى شطر من الدولة الاموية ، إذ المسلمون كانوا حينذاك يعتقدون أن الاسلام يهدم ما قبله ولا ينبغي أن يتلى غير القرآن ، أو أن يدرس غير العلوم القرآنية ، فذهلوا عن ساير العلوم بما فيها الطب ، لانشغالهم بانشاء الدولة الاسلامية ونشر الدعوة المحمدية وقمع الشرك وإعلاء كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة عليها.

ولكن لما اتسع نطاق الاسلام وعلا سلطانه وبلغ الدين الحنيف ذروته التي خضعت لها الامم وذلت لها الملوك لم يقنع المسلمون ببسط سلطانهم على شرق البسيطة وغربها دون أن يلجاؤا أبواب العلوم ، فيأخذوا من كل قطر محاسنه ويستلبوا كنوزه العلمية ، وقد كان للطب عندهم أوفر نصيب من تلك العناية وذلك الاهتمام حيث إقتبسوه أولاً ورغبوا إليه قبل ساير العلوم الدخيلة التي دخلت الجزيرة يومذاك.

____________

ـ المدرسة ونبغ فيها أطباء معروفون خدموا الصناعة والعلم هم الذين أدخلوا الطب إلى العراق زمن الخليفة العباسي المنصور كما ستعرفه مفصلاً في بعض فصول هذه الرسالة.

12

وقد ذكر لنا التاريخ وأخبرتنا التراجم أن أول من فطن إلى ذلك ، وأول من اشتغل في نقل الطب وساير العلوم الدخيلة الأخرى مثل الكيميا والنجوم إلى اللغة العربية بعد تلك الفترة الطويلة ، هو خالد بن يزيد بن معاوية الاموي المدعو عند العرب ( بحكيم آل مروان ) والمتوفى سنة 85 ه فانه بعد أن غلبه بنو مروان على الخلافة بعد أخيه معاوية وقد كان رجلاً طموحاً ذكياً ، إنصرف إلى إكتساب العالي عن طريق العلم ولأجل ذلك فقد إستقدم جماعة من علماء الروم منهم الراهب الرومي ( موريانوس ) وطلب إليه أن يعلمه الكيميا ، ولما تعلمها أمر بنقلها إلى العربية فنقلها له رجل يدعى ( إصطفن ) فكان هذا أول نقل في الاسلام من لغة إلى لغة.

ثم جاء من بعد إصطفن ( ماسرجويه ) فنقل كتباً كثيرة من الطب والفلسفة فكان لبني أمية بعض الآثار العلمية في الاسلام.

ثم أصاب الطب بعد خالد فترة دامت إلى أواخر الأمويين وإلى عصر السفاح من بني العباس حتى إذا ما أفضت الخلافة إلى أخيه أبي جعفر المنصور سنة 136 ه بانت طلائع وظهرت لقدومه بشائر.

فلقد كان المنصور كلفاً بأعمال التنجيم شغوفاً بالعمل بأقوال المنجمين في خلافته وقبلها حتى لم يكن يعمل عملاُ إلا بعد إستشارة منجمه الخاص ( نوبخت ) الفارسي وأبنه ( أبي سهل ) ولقد ترجموا له كثيراً من كتب التنجيم والفلك. ثم إزدادت رغبة المنصور لطلب العلوم الدخيلة وبحكم المثل المشهور القائل ( الناس على دين ملوكها ) رغب كثير من الناس إلى طلب تلك العلوم وتوسعوا في درسها والبحث عنها وفيها حتى طلب المنصور من ملك الروم أن يبعث إليه ببعض كتب التعاليم فبعث إليه بجملة كتب شتى ومن جملتها كتاب إقليدس في الهندسة وبعض كتب الطبيعيات والمجسمة وكثير من كتب الطب ، فاهتم العرب بنقلها إلى العربية وأخذوا يتهافتون عليها تهافت الفراش ، ويردون مناهلها ورود الضمآن إلى الماء الزلال.

13

وقد كان علم الطب من بين تلك العلوم أكثرها إهتماماً وعناية لديهم كما ساعدهم على هذا الأمر يومذاك أن المنصور أصيب بمرض في معدته إنقطعت من أجله شهوته للطعام ولم ينفعه العلاج بالرغم من عناية أطباء مصره وأهتمامهم في أمره فطلب إلى وزيره الربيع أن يفحص له عن طبيب حاذق يرجع إليه في علاج ما كان يجده من ألم ولما أخذ الربيع يفتش عما طلب أليه الخليفة أرشد ألى الطبيب ( جورجيس ) النصراني رئيس مارسيان أو مدرسة ( جنديسابور) وكان ماهرا حاذقا في الطب كثير التأليف والتصنيف فيه باللغة السريانية ، فبعث إليه المنصور من أحضره له بعد أن خلف ولده ( بختيشوع ) مكانه ، ولما ورد على الخليفة أكرمه ووقع عنده موقعاً حسناً لما رأى فيه من الوقار ورزانة العقل ، لا سيما وقد أبل من علته ومرضه أبلالاً سريعاً ، وشفى شفاءاً عاجلاً كاملاً بعلاجه.

ولما أراد الرجوع إلى بلده ووطنه منعه الخليفة واغدق عليه الاموال والعطايا الوافرة طمعاً في ابقائه ، فبقى في بغداد يطب المرضى مدة طويلة ، ثم ترجم إلى العربية كثيراً من كتبه الطبية ومن كتب غيره في الطب أيضاً.

وبهذه الحركة من ( جورجيس ) أخذ الكثير من الأطباء في بغداد ينقل أيضاً ويترجم من السريانية إلى العربية وذلك بعناية المنصور وبذله الأموال للمترجمين والناقلين لاسيما في الطب ، فاتسع نطاق الطب في بغداد وتكاثرت رواده وراجت التأليف ونبغ كثير من نطس الاطباء وشاعت عنهم المعاجز الطبية الكثيرة.

ولما اشتهرت مساعدة المنصور وساير الامراء والمثرين من أهل بغداد بلد العلم والمال لأصحاب العلوم رغب الكثير من أطباء ( جنديسابور ) في الانتقال إلى بغداد ، وأرسل الطبيب ( جرجيس ) على ولده ( بختيشوع ) بأمر الخليفة ثم جاء ( ماسويه ) أبو يوحنا ثم أعقبة يوحنا ، وهكذا أخذت الاطباء تتقاطر وتتوارد من سائر الأقطار إلى دار السلام ، حتى أصبحت دار الخلافة ( بغداد ) في عصر المنصورـ وهو العصر الذي عاش فيه الامام الصادق (ع) ـ كعبة العلم ومقصد رواد الفضل والأدب ومقر نقلة العلوم والفنون ، وعلى الأخص الطب الذي شاع تدريسه

14

وكثر المعالجون به حتى قصدهم المرضى من كل حدب وصوب للاستشفاء.

أما أبو عبدالله الصادق (عليه السلام) ، فقد كان ناديه في ذلك العصر مهوى قلوب رواد الفضل والفضيلة ، والمدرسة الكبرى لكل علم وفن وفلسفة وأدب إذ كان (ع) يلقي فيه على أصحابه وتلامذته والمنتهلين من بحر علومه من كل ما يشفي غليل القلوب الصادية ويروي النفوس المتعطشة المتشوقة إلى طلب المعارف السامية دروساً بليغة لم تكن تدركها عقول علماء ذلك الجيل لولاه ، ولم تقف على أسرارها فحول الحكماء في ذلك العصر لو لم يوضحها لهم.

ونظرة واحدة في كتاب توحيد المفضل (1) وتأمل بسيط في بعض مناظراته الطبية مع أطباء عصره يكفيانك دليلاً على وفور علمه الغزير وكامل معرفة بهذا العلم الجليل ثم ينبئانك أن أقواله القيمة وكلماته الحكيمة في الطب لم تكشف حقيقتها ولم يدرك مغزاها أطباء عصره كما إكتشفت بعد عدة قرون ، حيث تدرج الفكر البشري مرتقياً ـ حسب نظرية النشوء والارتقاء ـ وأخذت أفكار نطس الاطباء وعقول جهابذة العلماء والحكماء تنمو بالتجارب وتتقدم بالاكتشافات حتى بلغت عصرنا الحاضر عصر النور والعلم والاختراع فادركت أسرار كلامه ووقفت على مكنون أقواله في الطب.

وقليلاً من كثير مما ذكرته الكتب وأخبرتنا به الاحاديث الصحيحة المسندة من وصفاته الطبية ومناظراته الدالة على معرفته الكاملة في أصول الطب وفروعه.

وإليك فيما يلي من الفصول الآتية بعض ماوصلنا إليه من كلامه (ع) :

____________

(1) مجموعة محاظرات ألقاها الإمام (ع) على تلميذه المفضل في إثبات التوحيد وقد شرحناها في أربعة أجزاء.

15

طب الامام (عليه السلام) (رضي الله عنه) (رضي الله عنه)

تمهيد

هبط الكتاب ( القرآن الكريم ) على صاحب الرسالة العامة محمد بن عبدالله (صلى الله عليه وآله وسلم) بكل ما يصلح هذه البشرية في كافة نواحيها الحيوية فلم يغادر ضغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. ولم يفرط في شيء مما تحتاجه هذه الحياة إلا عالجه ولم يهمل جانباً من جوانب إصلاحها إلا أبانه ، ملائماً لكل ظرف من ظروفها. موافقاً لكل دور من أدوار حياة الانسان في أجياله المتعاقبة وعصوره المتتالية.

فهو إذن قانون عالمي عام وناموس إطلاحي شامل ومنهاج سماوي حكيم أرسله اللطيف الخبير بواسطة أصدق خلقه لاسعاد هذا الانسان الجاهل وتقويم ما اعوج من طباعه وانتشاله من هوة الهمجية إلى مرتفع ذروة الراحة والهناء فكان من الضروري ـ نظراً لهذه الغاية السامية ـ أن يجيء شاملاً بعنايته الاصلاحية لكل ناحية من مناحي الحياة الانسانية ، ليسير كل حي في طريقه إلى السعادة فيؤدي واجبه من الطاعة والعبادة.

وهكذا فقد جاء القرآن الحكيم وفيه تبيان كل شيء هدى ورحمة للعالمين حاوياً من الكنوز العلمية والارشادات السماوية مالا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم ممن مَنّ الله عليهم بمعرفتها وأختارهم للأطلاع عليها وخصهم دون خلقه بها فجعلهم أدلاء على الخير ومصابيح يهتدى بهم نحو سبيل الحياة السعيدة.

ولما كانت التكاليف السماوية لم تشرع إلا لسليم العقل ، ولم يكن العقل السليم إلا في الجسم السليم كان من الحكمة واللطف الإلهي أن يلحظ القرآن هذه الناحية المهمة من الانسان أعني صحة الجسم ملاحظة خاصة ، وأن يهتم بها إهتماما

16

لا يقل عن الاهتمام بالتكاليف الشرعية نفسها لتوقفها عليها.

ولأجله فقد ذكر الكتاب المجيد كل أسس الطب ودعائم الصحة في آيه واحدة ترجع إليها خلاصة أفكار الفلاسفة والحكماء طيلة قرون عدة ، وتقف عندها تجارب العلماء والأطباء حتى هذا العصر عصر العلم والإختراع وهي قوله عز وجل : ( يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إن الله لايحب المسرفين (1) ).

فان كافة الأطباء قد أجمعوا بعد التحقيق العلمي المستمر والتجارب المتعاقبة على أن مدار صحة الأجسام ودعامة سلامتها هو الاعتدال في الطعام ، وإن هذا الاعتدال إذا ما تعدى إلى الافراط أو الاسراف أصبح وبالأعلى البدن وفتح بابا واسعاً للفتك بالأجسام والنفوس ، وما هذا النتاج العلمي الذي يفخر به الطب في تقدمه إلا مؤدى هذه الكلمات الثلاث ـ كلوا ـ واشربوا ـ ولاتسرفوا حيث جمعت في طيها جميع أسس حفظ الصحة وخلاصة نواميسه.

أما النبي الكريم (ص) صاحب الرسالة (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد وردت عنه من التعاليم والارشادات الصحية ما تنوف حد الحصر ، وكلها أصول ترتكز عليها قواعد هذا العلم وتدعم بها أركانه مثل قوله (ص) مشيراً إلى أعظم نقطة يتطلبها علماء هذا الفن في أبحاثهم وهي ـ النظافة والرياضة العقلية والبدنية حيث يقول : بئس العبد القاذورة (2).

كل لهو باطل إلا ثلاث : تأديبه الفرس ، ورميه عن قوسه ، وملاعبته إمرأته فانه حق (3).

____________

(1) الأعرف ـ 29.

(2) دعائم الاسلام.

(3) الفصول المهمة للحر العاملي.

17

روحوا القلوب ساعة بعد ساعة (1).

كما كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول وهو حديث مشهور : المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء واعط كل بدن ماعود.

وكقوله (ص) : تداووا فما أنزل الله داء إلا أنزل معه الدواء إلا السام (2) فانه لا دواء له (3).

وكقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا تكرهوا مرضاكم على الطعام فان الله يطعمهم ويسقيهم (4).

وقوله (ص) في الحمى : اطفئوا حماكم بالماء (5).

وكان (ص) إذا وعك دعا بماء فأدخل فيه يده (6).

وعنه (ص) ان قوماً من الأنصار قالوا له : يا رسول الله ان لنا جاراً يشتكي بطنه ، أتأذن لنا أن نداويه ؟ قال (ص) : بماذا تداوونه ؟ قالوا : يهودي ههنا يعالج من هذه العلة ، قال (ص) : بماذا ؟ قالوا يشق بطنه فيستخرج منه شيئاً ، فكره ذلك رسول الله ولم يجبهم ، فعاودوه مرتين أو ثلاث فقال (ص) : إفعلوا ما شئتم فدعوا اليهودي فشق بطنه ونزع منه جراحاً كثيراً ثم غسل بطنه ، ثم خاطه وداواه فصح ، فاخبر النبي (ص) بذلك فقال : ان الذي خلق الأدواء جعل لها دواء ، وان خير الدواء الحجامة والفصاد والحبة السوداء (7).

أقول : أن هذا الحديث الشريف يعطينا درسا عن قدم فكرة العمل الجراحي

____________

(1) مجلة الدكتور المصرية.

(2) الموت.

(3) دعائم الإسلام.

(4 ، 5) دعائم الاسلام.

(6) متفق عليه بين الفريقين.

(7) دعائم الإسلام.

18

في العلاج وانه لا حداثة له ، وانه آخر الدواء ، الكي لا يحسن التسرع به وأن لا مانع عنه في الشرع.

وأما صنو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) فينم عن إعتنائه البالغ بهذا الشأن قوله المشهور : العلم علمان : علم الابدان وعلم الاديان (1).

وعنه (ع) بلفظ ابن شعبة في تحف العقول : العلم ثلاثة ، الفقه للاديان والطب للابدان والنحو للسان. وقوله (ع) بلفظ الكراجكي في جواهره : العلوم أربعة : الفقه للاديان والطب للابدان والنحو للسان والنجوم لمعرفة الأزمان. وله (عليه السلام) كلمات قيمة في جوامع علم الأبدان كقوله : اكسروا حرارة الحمى بالبنفسج والماء البارد (3) وقوله (ع) : لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب فان القلب يموت كالزرع إذا كثر عليه الماء (3).

وقوله لابنه الحسن (عليهما السلام) : يا بني ألا أعلمك أربع كلمات تستغني بها عن الطب ، فقال (ع) : بلى ، قال لا تجلس على الطعام إلا وأنت جائع ، ولا تقم عن الطعام إلا وأنت تشتهيه ، وجود المضغ ، وإذا نمت فاعرض نفسك على الخلاء ، فاذا استعملت هذه إستغنيت عن الطب (4).

وقوله : من أراد البقاء ولا بقاء فليباكر الغداء وليؤخر العشاء ويقل غشيان النساء وليخفف الرداء (5) أقول : المراد من الرداء هو الدين.

____________

(1) حديث مشهور لم نقف على مصدره.

(2) كشف الاخطار لشمس الدين بن محمد الحسيني.

(3) كشف الاخطار.

(4) خصال الصدوق.

(5) كشف الاخطار.

19

وأن ألطف ما رأيت له (عليه السلام) من المواقف الطيبة الكريمة ما أخرجه رجال الحديث من الفريقين وقد ذكره من إخواننا رجال أهل السنة ، أسعد بن إبراهيم الاربلي المالكي باسناده عن عمار بن ياسر وزيد بن أرقم ، قالا :

كنا بين يدي أمير المؤمنين (ع) وإذا بزعقة عظيمة ، وكان على دكة القضاء فقال (ع) : يا عمار أئت بمن على الباب ، قال فخرجت وإذا على الباب إمرأة في قبة على جمل وهي تشتكي وتصيح ياغياث المستغيثين اليك توجهت ، وبوليك توسلت فبيض وجهي وفرج عني كربتي. قال عمار وكان حولها ألف فارس بسيوف مسلولة وقوم لها وقوم عليها. فقلت أجيبوا أميرالمؤمنين (ع) فنزلت المرأة ودخل القوم معها المسجد ، واجتمع أهل الكوفة فقام أميرالمؤمنين (ع) وقال : سلوني ما بدا لكم يا أهل الشام ، فنهض من بينهم رجل شيخ وقال : يا مولاي هذه الجارية إبنتي وقد خطبها ملوك العرب ، وقد نكست رأسي بين عشيرتي لأنها عانق حامل فاكشف هذه الغمة.

فقال أميرالمؤنين (ع) ما تقولين يا جارية ؟ قالت يا مولاي : أما قوله أني عانق فقد صدق. وأما قوله أني حامل فوحقك يا مولاي ما علمت من نفسي خيانة قط فصعد المنبر وقال : عليّ بداية الكوفة. فجاءت أمرأة تسمى ( لبناء ) وهي قابلة أهل الكوفة ، فقال لها اضربي بينك وبين الناس حجاباً وانظري هذه الجارية أعانق حامل أم لا ؟ ففعلت ما أمرها (عليه السلام) ثم خرجت وقالت : نعم يا مولاي هي عانق حامل. فقال (ع) : من منكم يقدر على قطعة ثلج في هذه الساعة ؟ فقال أبو الجارية الثلج في بلادنا كثير ولكن لا نقدر عليه ههنا ، قال عمار : فمد يده من أعلا منبره وردها وإذا فيها قطعة من الثلج يقطر الماء منها ثم قال : يا داية خذي هذه القطعة مما يلي الفرج فسترين علقة وزنها سبعمائة وخمسون درهماً ففعلت ورجعت الجارية والعلقة اليه. وكانت كما قال (ع) ثم قال لأبي الجارية خذ إبنتك فوالله ما زنت ولكن دخلت الموضع الذي فيه الماء فدخلت هذه العلقة في جوفها وهي بنت عشر

20

سنين وكبرت إلى الآن في بطنها (1).

أقول : لا غرابة في مثل هذا أي في إحضار قطعة ثلج تقطر ماء بعد ما قص علينا القرآن الكريم من قصة آصف بن برخيا وقوله لسليمان (عليه السلام) لما استحضر عرش بلقيس عنده ، أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه إلى أخر الآية وشتان بين أبن برخيا ومولانا أميرالمؤمنين (ع) فان ذاك إن كان عنده علم من الكتاب فالامام (ع) كان عنده علم الكتاب كله.

ومن لطائف ما وجدناه لأمير المؤمنين (ع) أيضاً ما رواه اليافعي في كتاب روض الرياحين ص 42 قال : مر علي بن ابي طالب كرم الله وجهه في بعض شوارع البصرة ، فاذا هو بحلقة كبيرة والناس حولها يمدون اليها الأعناق ويشخصون إليها بالأحداق ، فمضى اليهم لينظر ما سبب إجتماعهم ، فاذا فيهم شاب من أحسن الشباب نقي الثياب عليه هيبة ووقار وسكينة الأخيار وهو جالس على كرسي ، والناس يأتونه بقوارير من الماء (2) وهو ينظر في دليل المرضى (3) ويصف لكل واحد منهم ما يوافقه من أنواع الدواء ، فتقدم (عليه السلام) إليه وقال : السلام عليك أيها الطبيب ورحمة الله وبركاته. هل عندك شيء من أدوية الذنوب ؟ فقد أعيى الناس دواؤها يرحمك الله ، فأطرق الطبيب برأسه إلى الأرض ولم يتكلم ، فناداه الامام (ع) ثانية فلم يتكلم ، فناداه ثالثة كذلك فرفع الطبيب رأسه بعد ما ردّ السلام وقال : او تعرف انت ادوية الذنوب بارك الله فيك ، فقال الإمام (عليه السلام) نعم ، قال صف وبالله التوفيق فقال (ع) تعمد إلى بستان الايمان فتأخذ منه عروق النية وحب الندامة وورق التدبر وبذر الورع وثمر الفقه وأغصان اليقين ولب الاخلاص وقشور الاجتهاد وعروق التوكل واكمام الاعتبار وسيقان الانابة وترياق التواضع. تأخذ هذه

____________

(1) بحار الانوار للعلامة المجلسي ج 14 ص 525.

(2) المراد من الماء هنا البول من المريض.

(3) دليل المرضى أي بولهم.

21

الادوية بقلب حاضر وفهم وافر بأنامل التصديق وكف التوفيق ثم تضعها في طبق التحقيق ثم تغسلها بماء الدموع ، ثم تضعها في قد الرجاء ثم توقد عليها بنار الشوق حتى ترغى زبد الحكمة ، ثم تفرغها في صحاف الرضا وتروّح عليها بمراوح الاستغفار ، ينعقد لك من ذلك شربة جديدة ، ثم تشربها في مكان لا يراك فيه احد الا الله تعالى فان ذلك يزيل عنك الذنوب حتى لا يبقى عليك ذنب. فأنشأ الطبيب يقول :

يا خاطب الحوراء في خدرها * * *مر فتقوى الله من مهرها

وكن مجداً لا تكن وانياً * * *جاهد النفس على برها

إلى غير ذلك مما يدلنا على ما للدين الحنيف من العناية بالصحة ، وما لدى النبي (ص) وأوصيائه من المعرفة الإلهية والكنوز القرآنية التي اختارهم الله لمعرفتها فلقد كان النبي (ص) في حياته الشريفة هو الواسطة الكبرى بين الخالق وخلقه ولما رفعه الله اليه أبى لطفه العام وكرمه الشامل أن يترك هذا الناس بعد النبي (ص) سدى ودون أن ينصب لهم ولياً مرشداً يكشف لهم عن تلك الكنوز ويبث فيهم تلك التعاليم الصالحة المصلحة والارشادات الحكيمة ، فكان أوصياؤه وأبناؤه هم حملة تلك العلوم وأمناء الله في أرضه على مكنون علمه وغامض سره ولا غرابة فقد أخذوا ذلك عن جدهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن جبرائيل (ع) عن الله تعالى.

ولقد ظهر في الناس من تعاليمهم وارشاداتهم ما دل على كامل معرفتهم وتمام اطلاعهم على مختلف العلوم لا سيما علم الطب ، حتى جمع غير واحد من العلماء جملة من أقوالهم فألفها كتباً قيمة باسم ـ طب النبي ، وطب الائمة ، وطب الرضا إلى غيرها مما ملئت الكتب وتواترت بها الاحاديث الصحيحة ، وفي مقدمتها الرسالة الذهبية ( المذهبة ) التي ألفها الامام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) بطلب من المأمون الخليفة العباسي (1) وفيها فوائد جمة من قواعد الطب وأصول الصحة

____________

(1) تذكر برمتها في بحار الأنوار ج 14.

22

وقد أمر المأمون ان تكتب بالذهب ، ولذلك سميت بالذهبية أو المذهبة ولم يكن للخليفة عنها غنى برجال الفن المتصلين به نظراء ـ حنا بن ماسويه وجبرائيل ابن بختشوع وصالح بن سلهمه الهندي وغيرهم من أطباء البلاط العباسي (1).

أما الإمام الصادق (ع) فقد كان عصره عصر ابتداء النهضة العلمية في الجزيرة حيث اتجهت الانظار نحو طلب العلوم وأقبل الناس على اكتساب المعارف وكان الوقت ملائماً والظروف مساعدة له على بث مالديه من تلكم الكنوز القرآنية الموروثة. لذلك فقد ظهر من أقواله الحكيمة وآرائه الطيبة الصائبة وأحاديثه العلمية والدينية الصحيحة ما طبق الارجاء وأنار القلوب المظلمة وهدى النفوس التائهة ، حتى قصده القاصي والداني بين مستشف بارشاداته القيمة وبين مغترف من منهله العلمي العذب النمير.

ولأجل ذلك فقد روت عنه الرواة ، وكتبت عنه الكتب والرسائل. وتخرج عليه طائفة من العلماء والحكماء وجمهرة من جهابذة الدين وكثير من أكابر الحفاظ والمحدثين ، حتى أصبح قوله (ع) فصل الخطاب. فاذا قيل قال الصادق وقفت العلماء دون قوله واجمين ، وبما ورد عنه معترفين وله خاضعين.

وها نحن الآن نقدم اليك ما يخص موضوعنا هذا مما ورد عنه (ع) في علم الطب خاصة ، بيد أن طلبنا للاختصار في هذه الرسالة جعلنا نكتفي بالنزر القليل من وافر علمه وجزيل فضله لعدم إمكان الإحاطة الكاملة في هذا المختصر كما أن من المستحسن أيضاً قبل الشروع في البحث أن نذكر للقارئ الكريم ما يلزم ذكره ههنا لكي لا يغفل طالب الحقيقة فيزل أو يغتر بأقوال بعض ذوي الأغراض الخسيسة فيظن ، أن الإمام أبا عبدالله الصادق (ع) أخذ هذه العلوم عمن ورد الجزيرة من علماء الأجانب فلاسفة وأطباء وغيرهم ، إذ من البديهي المسلم كما سنثبته لك أن معرفته (ع) لم تكن إلا قبساً من أشعة علم النبي صلى الله عليه

____________

(1) وقد شرح هذا الكتاب وعلق عليه وحققه الدكتور صاحب زيني النجفي باسم طب الرضا في سلسلة ( ملتقى العصرين ) الصادرة في الكاظمية.

23

وآله الذي أخذه عن الوحي إذ لاينطق عن الهوى ان هو إلا وحي يوحى ثم استودع ذلك لدى وصيه الذي قال (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه : أنا مدينة العلم وعلي بابها (1) وأن وصيه هذا هو الذي قال : سلوني قبل أن تفقدوني ولن تسألوا بعدي مثلي (2) ، ثم استودعه علي (ع) ولديه الحسن والحسين (عليهما السلام) الذين قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيهما (3) : هذان إمامان قاما أو قعدا ثم كان ذلك العلم الإلهي لدى الإمام السجاد ومنه لدى الباقر ثم ورثه الامام الباقر ولده الامام أبا عبدالله الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام).

إذن فهذه العظمة العلمية في شخصية الامام الصادق (ع) لم تكن إلا سراً من أسرار الكتاب ونوراً من أنوار النبوة وفيضاً من فيوضات الإمامة لا غير ولو كانت مكتسبة لظهر من أساتذته ومعلميه ـ كما زعم الجاهلون ـ بعض ما ظهر منه مما ملأ الكتب وفاضت به الأخبار والأحاديث.

ثم دع ما تقدم وتأمل منصفاً ثم أنظر في أقواله وتعاليمه بعين طالب الحقيقة فهل تجد لكل من ورد الجزيزة آنذاك من أطباء وفلاسفة إطلاعاً على آرائه وأقواله أو إدراكاً لما أبانه واظهره مما لم يدركه العلم في ذلك العصر ، ولم يقف العلماء على مغزاه ومرماه إلا بعد قرون متطاولة وأجيال متعاقبة ، وبعد أن مخضتهم التجارب العلمية وأرشدتهم الاكتشافات العملية إلى معرفة ذلك.

والآن اذكر لك بعض مناظراته الطبية لاثبت صحة دعوانا في طب الامام (ع) ولتحكم بنفسك على نفسك. وإليك بعضها :

____________

(1) الغدير للأميني ج 6 ص 54.

(2) الغدير ج 6 ص 178.

(3) حديث متفق عليه.

24

[[ مناظرة الإمام (ع) مع الطبيب الهندي (1) ]]

عن محمد بن إبراهيم الطالقاني عن الحسن بن علي العدوي عن عباد بن صهيب عن أبيه عن جده عن الربيع صاحب المنصور قال : حضر أبو عبدالله (ع) مجلس المنصور يوماً وعنده رجل من الهند يقرأ عليه كتب الطب ، فجعل أبو عبدالله (ع) ينصت لقراءته ، فلما فرغ الهندي قال له : يا أبا عبدالله ، أتريد مما معي شيئاً ؟ قال : لا فان معي خير مما معك ، قال وما هو ؟ قال (ع) أدواي الحار بالبارد والبارد بالحار والرطب باليابس واليابس بالرطب وأرد الأمر كله إلى الله عز وجل وأستعمل ما قاله رسول الله (ص) : وأعلم أن المعدة بيت الداء وأن الحمية رأس كل دواء واعط البدن ما اعتاده ، فقال الهندي : وهل الطب إلا هذا ؟ فقال الصادق (ع) أتراني من كتب الطب أخذت ؟ قال نعم ، قال (ع) : لا والله ما أخذت إلا عن الله سبحانه فاخبرني : أنا أعلم بالطب أم أنت ؟ قال الهندي بل أنا ، قال الصادق (ع) فأسألك شيئاً ، قال سل ، قال الصادق (عليه السلام) أخبرني يا هندي :

لم كان في الرأس شؤون ؟ قال لا أعلم.

فلم جعل الشعر عليه من فوق ؟ قال لا أعلم.

فلم خلت الجبهة من الشعر ؟ قال لا أعلم.

قال (عليه السلام) :

فلم كان لها تخطيط وأسارير ؟ قال لا أعلم.

فلم كان الحاجبان فوق العينين ؟ قال لا أعلم.

فلم جعلت العينان كاللوزتين ؟ قال لا أعلم.

فلم جعل الأنف فيما بينهما ؟ قال لا أعلم.

فلم ثقب الأنف من اسفله ؟ قال لا أعلم.

____________

(1) بحار الأنوار ج 14 ص 478 وفي كشف الأخطار ( مخطوط ).

25

فلم جعلت الشفة والشارب فوق الفم ؟ قال لا أعلم.

فلم أحد السن وعرض الضرس وطال الناب ؟ قال لا أعلم.

فلم جعلت اللحية للرجال ؟ قال لا أعلم.

فلم خلت الكفان من الشعر ؟ قال لا أعلم.

فلم خلا الظفر والشعر من الحياة ؟ قال لا أعلم.

فلم كان القلب كحب الصنوبر ؟ قال لا أعلم.

فلم كانت الرئه قطعتان وجعلت حركتهما في موضعهما ؟ قال لا أعلم.

فلم كانت الكبد حدباء ؟ قال لا أعلم.

فلم كانت الكلية كحب اللوبياء ؟ قال لا أعلم.

فلم جعل طي الركبة إلى الخلف ؟ قال لا أعلم.

فلم تخصرت القدم ؟ قال لا أعلم.

قال الصادق (ع) : لكني أعلم. قال الهندي : فأجب.

قال الصادق (ع) : كان في الرأس شؤون لأن المجوف إذا كان بلا فصل اسرع إليه الصداع فاذا جعل ذا فصول [ شؤون ] كان الصداع منه أبعد.

وجعل الشعر من فوقه ليوصل الأدهان إلى الدماغ ويخرج بأطرافه البخار منه ، ويرد الحر والبرد عنه.

وخلت الجبهة من الشعر لأنها مصب النور إلى العينين.

وجعل فيهما التخطيط والأسارير ليحتبس العرق الوارد من الرأس إلى العين قدر ما يحيطه الانسان عن نفسه كالأنهار في الأرض التي تحبس المياه.

وجعل الحاجبان من فوق العينين ليردا عليهما من النور قدر الكفاية ، ألا ترى يا هندي أن من غلبه النور جعل يده على عينيه ليرد عليهما قدر الكفاية منه.

وجعل الأنف بينهما ليقسم النور قسمين إلى كل عين سواء.

وكانت العين كاللوزة ليجري فيها الميل بالدواء ويخرج منها الداء ، ولو كانت

26

مربعة أو مدورة ما جرى فيها الميل ولا وصل اليها دواء ولا خرج منها داء.

وجعل ثقب الأنف في أسفله لتنزل منه الأدواء المنحدرة من الدماغ وتصعد فيه الروائح إلى المشام ، ولو كان في أعلاه لما نزل منه داء ولا وجد رائحة.

وجعل الشارب والشفة فوق الفم لحبس ما ينزل من الدماغ عن الفم لأن لا يتعفن على الانسان طعامه وشرابه فيميطه عن نفسه.

وجعلت اللحية للرجال ليستغني بها عن الكشف في المنظر ويعلم بها الذكر من الأنثى.

وجعل السن حاداً لأن به يقع العض.

وجعل السن عريضاً لأن به يقع الطحن والمضغ.

وكان الناب طويلاً ليسند الأضراس والأسنان كالاسطوانة في البناء.

وخلا الكفان من الشعر لان بهما يقع اللمس فلو كان فيهما شعر ما درى الانسان ما يقابله ويلمسه.

وخلا الشعر والظفر من الحياة لأن طولهما سمج يقبح وقصهما حسن فلو كان فيهما حياة لألم الانسان قصهما.

وكان القلب كحب الصنوبر لأنه منكس فجعل رأسه دقيقاً ليدخل في الرئة فيتروح عنه ببردها ولئلا يشيط الدماغ بحره.

وجعلت الرئة قطعتين ليدخل القلب بين مضاغطها فيتروح بحركتها.

وكانت الكبد حدباء لتثقل المعدة وتقع جميعها عليها فتعصرها ليخرج ما فيها من بخار.

وجعلت الكلية كحب اللوبياء لأن عليها مصب المنى نقطة بعد نقطة فلو كانت مربعة أو مدورة لأحتسبت النقطة الأولى إلى الثانية فلا يلتذ بخروجها إذا المني ينزل من فقار الظهر إلى الكلية وهي تنقبض وتنبسط وترميه أولاً فأولاً إلى المثانية كالبندقة من القوس.

27

وجعل طي الركبة إلى خلف لأن الانسان يمشي إلى ما بين يديه فتعتدل الحركات ولولا ذلك لسقط في المشي.

وجعلت القدم متخصرة لأن المشي إذا وقع على الأرض جميعه ثقل ثقل حجر الرحى.

فقال الهندي : من أين لك هذا العلم ؟ قال (عليه السلام) : أخذته عن آبائي (عليهم السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن جبرائيل (ع) عن رب العالمين جل جلاله الذي خلق الأجساد والأرواح.

فقال الهندي : صدقت وأنا أشهد أن لا إله ألا الله وأن محمداً رسول الله وعبده وأنك اعلم اهل زمانك ( إنتهى ).

[[ سؤال النصراني منه عن تعداد عظام الانسان (1) ]]

في المناقب لابن شهراشوب : عن سالم بن الضرير أن نصرانياً سأل الصادق (ع) عن أسرار الطب ، ثم سأله عن تفصيل الجسم فقال (ع) : ان الله خلق الانسان على إثنى عشر وصلاً ، وعلى مائتين وثمانية وأربعين عظماً وعلى ثلاثمائة وستين عرقاً فالعروق هي التي تسقي الجسد كله ، والعظام تمسكه واللحم يمسك العظام ، والعصب يمسك اللحم ، وجعل في يديه إثنين وثمانين عظماً في كل يد واحد وأربعين عظما منها في كفه خمسة وثلاثون عظماً وفي ساعده إثنان وفي عضده واحد وفي كتفه ثلاثة فذلك واحد وأربعون وكذلك في الأخرى ، وفي رجله ثلاثة وأربعون عظماً منها في قدمه خمسة وثلاثون عظماً وفي ساقه إثنان وفي ركبته ثلاثة وفي فخذه واحد وفي وركه إثنان وكذلك في الأخرى. وفي صلبه ثماني عشر فقارة وفي كل واحد من جنبيه تسعة أضلاع وفي وقصته (2) ثمانية ، وفي رأسه ستة وثلاثون عظماً ، وفي فمه

____________

(1) بحار الأنوار ج 14 ص 480.

(2) الوقصة العنق.

28

ثماني وعشرون أو إثنان وثلاثون عظماً [ سنا ].

أقول ، المراد بالوصل هو الأعضاء العظمية المتصلة ببعضها وهي إثنا عشر. الرأس والعنق والعضدان والساعدان والفخذان والساقان وأضلاع اليمين وأضلاع اليسار.

ولعمري أن هذا الحصر والتعداد لم يتعد عين ماذكره المشرحون والجراحون في هذا العصر لم يزيدوا ولم ينقصوا ، اللهم إلا في التسمية أو جعل الاثنين لشدة اتصالهما واحداً وبالعكس ، وهذا مما يدلنا على إطلاعه الكامل بالتشريح ونظره الثاقب في بيان تفصيل الهيكل العظمي في بدن الانسان.

وهاك أيضاً بعض أسراره الطبية العجيبة التي لم يكتشفها علم الطب إلا بعد أن كملت العقلية البشرية ، ولم يعرفها الأطباء ذووا الأفكار الجبارة إلا بعد التجارب والتحقيق والتنقيب العلمي الكثير. فمنها :

[[ الدورة الدموية ]]

جاء في كتاب توحيد المفضل وهو جملة محاضرات وأمالي ألقاها الامام (ع) على تلميذه المفضل بن عمر الجعفي في إثبات التوحيد (1) من المسائل الطبية الجليلة ما لم يحلم بها الأطباء في ذلك العصر ، ولم يدركوها إلا بعد إثنى عشر قرنا عندما ظهر الاستاذ الدكتور ( هارفي ) الطبيب الشهير المعروف لدى الاطباء ( مكتشف الدورة الدموية ) ثم اكتشف ذلك الاكتشاف الذي افتخر به الغرب حتى جعله من معجزات عصر الاختراعات والذي قلب الطب ظهراً على عقب وهو في الحقيقة ولدى المتأمل المنصف اكتشاف كان قد ذكره الامام الصادق (ع) فى طي كلامه مع المفضل فلو نظرت إليه وتأملته لعلمت علم اليقين ، ان هذا المكتشف العظيم لم يأت بشيء جديد ولم يكن إلا عيالاً على ما قاله أبو عبدالله الصادق (ع) قبل عدة قرون.

____________

(1) وقد شرحناه مفصلاً في أربعة أجزاء طبع منها جزأن والآخران تحت الطبع.

29

وتأمل قوله حيث يقول :

فكر يا مفضل في وصول الغذاء إلى البدن ومافيه من التدبير ، فان الطعام يصير إلى المعدة فتطبخه وتبعث بصفوه إلى الكبد في عروق رقاق واشجة بينهما قد جعلت كالمصفى للغذاء لكيلا يصل إلى الكبد منه شيء ـ فينكأها وذلك أن الكبد رقيقة لا تحتمل العنف ، ثم أن الكبد تقبله فيستحيل فيها بلطف التدبير دما فينفذ في البدن كله في مجار مهيأة لذلك بمنزلة المجاري التي تهيأ للماء حتى يطرد في الأرض كلها وينفذ ما يخرج منه من الخبث والفضول إلى مغايض أعدت لذلك فما كان منه من جنس المرة الصفراء جرى إلى المرارة ، وما كان من جنس السوداء جرى إلى الطحال ، وما كان من جنس البلة والرطوبة جرى إلى المثانة ، فتأمل حكمة التدبير في تركيب البدن ووضع هذه الأعظاء منه مواضعها واعداد هذه الأوعية فيه لتحمل تلك الفضول ، لئلا تنشر في البدن فتسقمه وتنهكه فتبارك من أحسن التقدير وأحكم التدبير ( إنتهى ) (1).

أقول : هكذا ورد عنه (عليه السلام) وهو صريح في بيان الدورة الدموية على حسب ما وصل اليه الطب الحديث بعد مدة تناهز الاثنى عشر قرنا وهذا مضافا إلى ما لوح فيه إلى وظائف الجهاز الهضمي ، والجهاز البولي ، وإلى وظيفة المرارة والطحال والكبد والمثانة. كما أنه (ع) أشار أيضا بقوله : لئلا ينتشر في البدن فيسقمه وينهكه ـ إلى ما أثبته طب القرن العشرين من التسمم البولي الحاصل من رجوع البول من المثانة إلى الدم عندما لم يخرج منها فينتشر بواسطة الدم في جميع أعضاء البدن فيسممه ويسقمه وإلى التسمم المعدي الحاصل من تعفن الفضلات المعدية والمعوية غير المندفعة منها والتي تحدث برجوعها إلى البدن وهي متعفنة فاسدة التهابات توجب تسممه وانتهاكه فتأمل.

____________

(1) توحيد المفضل.

30

[[ كيفية السماع والأبصار ]]

لقد ثبت في علم الطب الحديث وأصبح من البديهي لدى نطس الأطباء بعد التجارب والبحث العلمي في كيفية السماع : ان بين منبع الصوت والاذن السامعة توجد على الدوام مسافة ، ولأجل أن يدرك الصوت يحتاج إلى أن يكون بينهما وسط ذو مرونة وهذا الوسط المرن هو الهواء بوجه عام ، فاذا لم يكن هذا الوسط المرن بين السمع والمسموع لم يدرك الصوت ، ولذلك فلا يسمع صوت في الخلاء ( أي الموضع الخالي من الهواء ) البتة.

كما أجمعوا أيضا : على أن المرئيات مطلقا لا ترى مالم يشع عليها ضوء خارج عنها كضوء الشمس أو نور المصباح أو نور النجوم وأشباهها ، فان هذه الأشعة المنعكسة من أي مرئى كانت تدخل في العين من القرنية الشفافة وتمر بالحدقة بالبؤبؤ ثم تسقط على الشبكية وترسم عليها صورة المرئى.

إذن فلا سماع إلا بالهواء ولا رؤية إلا بالضياء حسب العلم الحديث ، وهذا القول الناتج بعد البحث والتنقيب من قبل علماء وفطاحل وباختبارات كثيرة طيلة أعوام وأجيال ، هو بلا ريب جاء مطابقا لقول الامام الصادق (ع) ، بل هو عين ماذكره قبل مدة غير قصيرة أي قبل ألف ومائتي سنة وذلك حيث يقول (1) :

أنظر الآن يا مفضل إلى هذه الحواس التي خص بها الإنسان في خلقه وشرف بها على غيره ( إلى أن يقول ) فجعل الحواس خمسأ تلقى خمساً لكي لا يفوتها شيء من المحسوسات. فخلق البصر ليدرك الألوان ، فلو كانت الألوان ولم يكن بصر يدركها لم يكن فيها منفعة ، وخلق السمع ليدرك الأصوات ، فلو كانت الأصوات ولم يكن سمع يدركها لم يكن فيها أرب ، وكذلك ساير الحواس ، ثم

____________

(1) توحيد المفضل.

31

هذا يرجع متكافئأ فلو كان بصر ولم تكن ألوان لما كان للبصر معنى ، ولو كان سمع ولم تكن أصوات لم يكن للسمع موضع ، فانظر كيف قدر بعضها يلقى بعضاً فجعل لكل حاسة محسوساً يعمل فيه ، ولكل محسوس حاسة تدركه ، ومع ذلك فقد جعلت أشياء متوسطة بين الحواس والمحسوسات لايتم الحس إلا بها ، كمثل الضياء والهواء فانه لو لم يكن ضياء يظهر اللون للبصر لم يكن البصر يدرك اللون ولو لم يكن هواء يؤدي الصوت إلى السمع لم يكن السمع يدرك الصوت الخ.

أقول : فتأمل وانصف وجدانك ، أهل جاء الطب الحديث بغير ما ذكره الامام (ع) للمفضل في ما أملاه عليه من محاضرته القيمة بصورة سهلة واضحة.

وإليك نظرية علمية ثالثة ( وما أكثر نظرياته العلمية التي لو جمعت ولوحظت لكانت أسساً علمية طبية لكل مخترع مفتخر به اليوم. ولكن ... ) ذكرها الامام الصادق (عليه السلام) قبل اكتشاف العلم الحديث لها في القرن التاسع عشر الميلادي وهي معرفة حصول العدوى من السقيم إلى المريض بواسطة الجراثيم المرضية كما سنذكره لك على وجه الاكمال.

[[ العدوى والجراثيم ]]

قال الامام جعفر بن محمد الصادق (ع) (1) : لا يكلم الرجل مجذوماً إلا أن يكون بينهما قدر ذراع وفي لفظ آخر قدر رمح.

وهذا من أوضح الدلالات على وجود العدوى في الاسلام ، وأنها تكون بواسطة الجراثيم وقد أثبت علم الطب الحديث باكتشاف علماء ( البكتريولوجيا ) إجماعاً أن ميكروب الجذام يندر وجوده في الهواء حول المصاب أكثر من بعد مسافة متر أو متر ونصف متر وربما كان كذلك في المسلولين ، وهو قول الامام (ع) ولا غرابة في معرفة الامام بهذا وأمثاله ، بعد أن كان من الراسخين في العلم ، ومن الذين اختارهم الله تعالى لسره وأطلعهم على غامض علمه. وبعد أن ورد عن

____________

(1) الوسائل ج 2 ص 208 طبع عين الدولة.

32

النبي (ص) قوله : فر من المجذوم فرارك من الأسد (1). وقوله (ص) : لا تدخلوا بلداً يكون فيه الوباء (2). وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا يوردن ممرض على مصح (3) إلى غيرها من الأحاديث الدالة على ذلك.

إذن فالاسلام مثبت على هذا وجود الجراثيم المرضية وعدواها وانها موجودة في جسم المصاب ، وذلك قبل أن يكتشفها الدكتور الافرنسي ( دافين ) في سنة 1850 وقبل أن يشاهدها بمجهر الدكتور ( باستور ) في أواخر القرن التاسع عشر.

هذا مضافاً إلى أن العقل يحكم بوجودها في الأمراض السارية المعدية وذلك لأن المرض لم يكن في الأجسام الا عرضاً وارداً عليها ، ومن المسلم أن العرض لا يمكن أن يقوم بذاته في الخارج دون أن يعرض على جسم آخر يقوم به ، فاذا قيل انتقل المرض فمعناه : أن الجسم الحامل له هو المنتقل به ، وليس المكروب إلا هذا الجسم الناقل ، ولم يرد النهي عن دخول البلد التي فيها الوباء أو الأمر بالفرار من المجذوم أو عدم ورود الممرض على المصح إلى غير ذلك إلا لغرض عدم إنتقال هذا الجسم الحامل للمرض ( الجراثيم ) من السقيم إلى السليم وليست العدوى إلا هذا.

بقي هنا أن تنظر إلى ما أخرجه رواة الحديث من الفريقين باسناد صحيحة عن رسول الله (ص) من قوله : لا عدوى ولا طيرة (4) إلى غيره بالفاظ أخر فهو يؤل بأحد معنيين :

الأول : إن دين الاسلام جاء بنواميس تمنع من المام أي من الأوباء الموجبة للعدوى ، فقد نهى عن أقسام الفجور المستتبعة للامراض السارية كما جاء باصول

____________

(1) البحار ج 16.

(2) مجمع البحرين في باب عدوى وفي صحيح مسلم ج 2.

(3) صحيح مسلم ج 2.

(4) صحيح مسلم ج 2 ص 259.

33

الصحة جمعاء ، فقد نهى مثلاً عن الأكل قبل الجوع والكف قبل الشبع مما يمنع السدود وفساد الاخلاط والتخمة التي هي من أمهات الأمراض إلى غير ذلك مما يضيق به هذا المختصر ، ثم حرم الأشياء الضارة كلها ، كما أثبت الطب أضرارها وأضرار إستعمالها بعد التجارب العلمية والعملية. إذاً فمتى إلتزم المسلم بها أي بتلك الآداب والارشادات والسنن والأحكام والتعاليم فانه لا يكاد يجد لأي مرض إلماماً به مما يستتبع العدوى عدا طفايف تتكيف بها النفس من حر أو برد وأمثالهما مما لا عدوى فيها.

وهذا المعنى يناسب نفي الذات الظاهر في الحديث.

الثاني : أن الاسلام بنسب كلية التأثير فى الأجزاء الكونية بالمبدأ الأقدس سبحانه وتعالى ، فلا يرى المسلم المعتنق لهذا الدين الحنيف أن تلكم الأمراض تستلزم العدوى بانفسها لا محالة ( كما هو مزعمة الجاهلية ) وإنما يعتقد أن ذلك التأثير محدود من المبدأ الحق سبحانه ، وهذا هو المقصود بالطيرة وإن ما يتطير به غير مستقل بالتأثير ، ولا يكون إلا ما شاء الله ، فاذا إعتقد الانسان ذلك اكتسح عنه الاضطراب بما يتطير به لانه أمر مردد بين مقدر وغير مقدر والأول ( المقدر ) لا ندحة له والثاني ( غير المقدر ) لا يصيبه البتة وربما ينفي عنه بهذا الاعتقاد أصل التطير ، فلا يتطير بعد. ومن هنا كان (ص) يقول : ان الذي أنزل الداء أنزل الدواء (1).

قال الطيبي (2) لا ، التي لنفي الجنس دخلت على المذكورات فنفت ذواتها وهي غير منفية ، فيوجه النفي إلى أوصافها وأحوالها التي هي مخالفة للشرع فان الصفر والعدوى والهامة موجودة ، والنفي مازعمت الجاهلية لا إثباتها فان نفي الذات لارادة الصفات أبلغ في باب الكناية ( إنتهى ).

____________

(1) كشف الأخطار المخطوطة.

(2) بكسر الطاء والياء الخفيفة ، هو الحسن بن محمد بن عبدالله المحدث المفسر المتوفى سنة 743 ه.

34

وهناك معان أخرى للحديث ، يتأتى بها الوفاق بينه وبين مامر ، إقتصرنا على ما ذكرها روما للاختصار.

والآن وبعد ذكرنا للجراثيم ناسب أن نذكر لك نبذة مختصره عن تاريخها وأثرها في الأجسام ، وكيفية ورود العدوى بواسطتها وحسب الطب الحديث إتماماً للفائدة وإيضاحاً للبحث.

[[ الجراثيم ومجمل تاريخها ]]

الجراثيم ( الميكروبات ) جمع جرثومة ( ميكروب ). ومعنى ميكروب ( الحي الدقيق ) وقد وضع هذا الاسم لهذا الحي الدقيق رجل يدعى ( سيدلوث ) سنة 1878 م. أما العلم الذي يبحث عنها وعن أنواعها وآثارها فيسمى : ( البكتريولوجيا ) وهو لفظ يوناني مأخوذ من تركيب لفظة ( بكتريا ) بمعنى العصي جمع عصا ، وذلك لأن شكل الكثير منها مستقيم كالعصا. ولفظة ( لوجيا ) بمعنى العلم ، أما المؤسس لهذا العلم فهو الاستاذ ( لويس باستور ) الأفرنسي المتولد 1822 م والمتوفى سنة 1895 م وان أشهر من نبغ فيه بعده هو الاستاذ الدكتور ( روبرت كوخ ) الألماني مكتشف ميكروب التدرن الرئوي في السل والمتولد سنة 1843 م والمتوفى سنة 1910 م.

وغير خفي أن الذي هدي الناس إلى معرفة هذه الأحياء الدقيقة ( غير المرئية بالعين المجردة ) هو المجهر ( الميكروسكوب ) الذي اخترع في سنة 1590 م قبل تأسيس هذا العلم بمدة طويلة.

وللجراثيم أشكال ثلاثة :

1 ـ الشكل الباسللي أي المستطيل.

2 ـ البروز وهي التي ترى كنقط صغار قد يلتقي بعضها ببعض فتتكون منها خيوط تسمى ( البروزالسلسلية ) وقد تجتمع مثنى وثلاث ورباع وقد تتكون

35

باجتماعها على شكل الكلية ، أو على شكل عنقود فتسمى الكلليه ( بتشديد الياء ) أو العنقودية إلى غير ذلك.

3 ـ الشكل الحلزوني وهو جراثيم مستطيلة ملتوية على نفسها كالثعبان أو كحركة الضمة ( و ) أو الشولة ( ، ) ولذلك تسمى أحياناً ( الباسيل الضمي ) وقد يكون لقسم منها أهداب في أطرافه.

وهذه الجراثيم تنمو وتتوالد باحدى طريقتين :

1 ـ أما بانقسامها عرضاً إلى قسمين وكل قسم منهما إلى قسمين أيضاً وهلم جرا.

2 ـ وأما بتولد حبيبة في داخل الجرثومة تنفلق عنها ، ثم تنمو هذه الحبيبة فتكون جرثومة وهكذا بكل سرعة.

ويحدث ضررها بنموها في السائل الذي يتربى فيه وبافرازها فيه مواد تفتك في البدن فتكا ذريعاً مهما كانت قليلة أو ضعيفة.

أما طريق العدوى بها وبعبارة أوضح طريق دخول الجراثيم إلى الجسم فلذلك أبواب كثيرة أهمها أربعة وهي :

1 ـ الرئتان. 2 ـ الجهازالهضمي. 3 ـ الجلد. 4 ـ الأغشية المخاطية كأعضاء التناسل والعين مثلاً ولا يلزم أن يكون سطح الجسم أو الأغشية المخاطية مجروحة لكي يدخل ذلك المكروب من الجرح ، بل قد يدخل من الأماكن ذات النسيج الرقيق من الجلد أو من مسامها ولكن الجرح يسهل الدخول.

أما مصادر خروج الميكروب أي ألأشياء التي تحمل الجراثيم وتتصل بالبدن ثم تنقلها اليه فهي :

1 ـ الهواء. 2 ـ الطعام. 3 ـ الشراب. 4 ـ التراب. 5 ـ ما يلامس جلد المصاب من الاجسام الخارجية كالملابس والأواني وأمثالها.

ولقائل أن يقول : كيف توجد العدوى ونرى بالحس والوجدان أن ليس كل إنسان اتصل به ميكروب مرض معدي أصيب به ، بل كم من متعرض له

36

ينجو وكم من متوق محتاط يصاب بأسرع من غيره. إذاً فما معنى العدوى ؟ وهل تلك الاصابة إلا صدفة كما إتفقت للمريض الأول ؟

فنقول : لا لوم عليك إذا ما تصورت ذلك فانكرت العدوى لأن الظاهر كما زعمت ، ولكن قد غاب عنك أن الأطباء والعلماء قد اتفقوا بلا خلاف على أن أثر العدوى بالجراثيم المرضية وسرايتها في السليم متوقفة على شروط إذا لم تحصل فان العدوى لم يكن لها أثر البتة وهي :

1 ـ القابلية ومعناها أن يوجد في الميكروبات ما يحصل به نماؤها مثل ضعف الكريات البيض في دم السليم التي هي بمنزلة الجنود المدافعة عن البدن والمكلفة باقتناص ما يرد إليه من الجراثيم المرضية الفتاكة وردعها عنه بكل قواها ، فاذا ضعفت هذه الكريات في الدم أصبح البدن مستعداً إلى قبول الجراثيل قابلاً لفتكها غير مدافع عن ضررها.

2 ـ الفاعلية ومعناها أن تحصل تلك الجرثومة في بيئة أو وسط ملائمين لنموها ومساعدين لها على مكثها وتفريخها.

3 ـ حصول الوقت الكافي لتأثيرها في البدن.

فاذا حصلت هذه الشروط الثلاثة وحصل الناقل لها كالهواء أو الطعام أو الشراب أو غيرها حصلت العدوى وإلا فلا عدوى.

ثم أن هناك أمراً آخر لابد من ملاحظته وذلك أن للأمراض المعدية أدواراً ثلاثة : 1 ـ دور الابتداء. 2 ـ دور التوقف. 3 ـ دور الانحطاط.

وهي أي الأمراض منها ما يعدي في كل أدواره ومنها ما يعدي في دور الابتداء فقط ومنها ما يعدي في دور الانحطاط. إذاً فلا تحصل العدوى دائماً.

ويتلخص من هذه المقدمة أن المرض المعدي لا تحصل منه العدوى إلا إذا كان في دوره المعدي مع حصول القابلية والفاعلية من المكروب نفسه مع حصول الوقت الكافي لنموه ومع مساعدة البيئة أو الوسط مع ضعف المناعة في بدن السليم

37

( أي ضعف الكريات البيض ) أما بغير ذلك فلا عدوى.

قال ابن سينا : ليس كل سبب يصل إلى البدن يفعل فيه ، بل قد يحتاج مع ذلك إلى أمور ثلاثة : 1 ـ إلى قوة من قوته الفاعلة. 2 ـ وقوة من قوة البدن الاستعدادية. 3 ـ وتمكن من ملاقات أحدهما للآخر بزمان في مثله يصدر ذلك الفعل منه ، وقد تخلتف أحوال الأسباب عند موجباتها ، ربما كان السبب واحداً واقتضى في أبدان شتى أمراض شتى ، أو في أوقات شتى ، وقد يختلف فعله في الضعيف والقوي وفي شديد الحس وضعيفه.

وهنا كان من المناسب أيضأ أن تعلم بأن للأمراض المعدية أسباباً مهيئة أخرى وهي قسمان ـ مادية ـ ومعنوية ـ وبعبارة أوضح ، ظاهرة وكامنة.

أما الظاهرة ( المادية ) فهي مثل فساد الهواء وفساد الماء والأبخرة الرديئة المتعفنة والأماكن الرطبة وكثيرة السكان وقليلة النور وشدة الحرارة والبرودة وفساد الطعام والمستنقعات والحروب وشرب الخمور وارتكاب المعاصي إلى غير ذلك من الأمور التي تجعل الجسم مستعداً لقبول العدوى.

وأما الكامنة ( المعنوية ) فمثل الوراثة ، والسن والجنس ، والمزاج الضعيف والجوع والتعب المفرطين ، وقد يكون منها الغضب والوهم والهم والغم والحزن والرعب والخوف والعشق وغيرها.

فان الاحداث والاسباب النفسية كثيراً ما تؤثر في حدوث الامراض أو تطورها وبالأخير إنهاك القوى التي يجعل الجسم عرضة لكل عدوى.

قال جالينوس : الغضب يلهب الأمزجة الصفراوية والحارة فيهيء الجسم للحميات الحادة كالحمى العفنية اللازمة ، والغم والحزن يفسدان الدم فيكونان علة للحمى التيفوئيدية ، والفزع والرعب يحدثان أحياناً رقة الدم وفقد الكريات الدموية فيكونان سبباً للتيفوس وأشباهها ( إنتهى مضمون كلامه ).

وهذه نبذة وجيزة عن الميكروبات ذكرناها ليتضح لك جيداً ويبدو لك جلياً

38

معنى قول الامام (ع) : لا يكلم الرجل مجذوماً إلا وأن يكون بينهما قدر ذراع وبلفظ آخر قدر رمح.

فتأمل جيداً فى قوله هذا كيف أشار بكلماته القصار إلى خلاصة ما إكتشفه علم القرن العشرين بعد التاسع عشر من الأسرار العجيبة التي إفتخر بها كأنه جاء بشيء جديد في حين أن الامام الصادق (ع) قد أبان عنه قبل 14 قرناً بكل وضوح.

[[ حديث الأهليلجة (1) ]]

إن هذا الحديث الجليل والكتاب الشريف الذي كتبه الامام الصادق (ع) إلى تلميذه المفضل بن عمر الجعفي في إثبات التوحيد ، لحديث طويل لا يسعه هذا المختصر ، ولكنا قد إقتطفنا منه جزءاً يسيراً مما هو محل شاهدنا للاستدلال على كامل معرفته (ع) بالعقاقير ومنافعها وأضرارها وأنواعها ومنابتها وطرق إستعمالها بما لم يعرفها أطباء عصره ولم يدركها ذوو الفن من المشتغلين بها على أنه (عليه السلام) كان قد ذكرها طي كلامه عن التوحيد ولم يقصد بيانها مفصلاً وهذا مما يوضح لكل منصف عارف ما لدى الإمام من العلم الكامل بهذا الفن علماً أخذه عن أجداده عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالوراثة لا عن تعليم معلم أو تدريس أستاذ وإليك ما إقتطفناه منه.

كتب المفضل بن عمر الجعفي إلى أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق (ع) يعلمه أن أقواماً ظهروا من أهل هذه الملة يجحدون بالربوبية ويجادلون على ذلك ويسأله أن يرد على قولهم ليحتج عليهم بما إدعوا به.

فكتب أبو عبدالله (ع) إليه :

بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد وفقنا الله وإياك لطاعته وأوجب لنا بذلك رضوانه ورحمته. وصل كتابك تذكر فيه ما ظهر في ملتنا وذلك من قوم أهل

____________

(1) البحار ج 2 ص 75 ط طهران.

39

الالحاد بالربوبية قد كثرت عدتهم واشتدت خصومتهم ، وتسأل أن أصنع الرد عليهم والنقض لما في أيديهم كتاباً على نحو ما رددت على غيرهم من أهل البدع والاختلاف ونحن نحمد الله على النعم السابغة والحجج البالغة والبلاء المحمود عند الخاصة والعامة ( إلى أن يقول (عليه السلام) ) ولعمري ما أتى الجهال من قبل ربهم وأنهم ليرون الدلالات الواضحات والعلامات البينات في خلقهم وما يعاينون في ملكوت السماوات والأرض والصنع العجيب المتقن الدال على الصانع ، ولكنهم قوم فتحوا على أنفسهم أبواب المعاصي وسهلوا لها سبيل الشهوات ، فغلبت الأهواء على قلوبهم واستحوذ الشيطان بظلمهم عليهم ، وكذلك يطبع الله على قلوب المفسدين.

وقد وافاني كتابك ورسمت لك كتاباً كنت نازعت فيه بعض أهل الأديان من أهل الأنكار وذلك أنه :

كان يحضرني طبيب من بلاد الهند وكان لا يزال ينازعني في رأيه ويجادلني عن ضلالته فبينما هو يوماً يدق اهليلجه ليخلطها بدواء إحتاج إليه من أدويته إذ عرض له شيء من كلامه الذي لم يزل ينازعني فيه من إدعائه أن الدنيا لم تزل ولا تزال شجرة تنبت وأخرى تسقط ونفس تولد وأخرى تتلف ، وزعم أن إنتحال المعرفة لله تعالى دعوى لا بينة لي عليها ولا حجة لي فيها ، وأن ذلك أمر أخذه الآخر عن الأول والأصغر عن الأكبر ، وأن الأشياء المختلفة والمؤتلفة والظاهرة والباطنة إنما تعرف بالحواس الخمس. فاخبرني بم تحتج في معرفة ربك الذي تصف قدرته وربوبيته وإنما يعرف القلب الأشياء كلها بالآلات الخمس.

إلى آخر ما يسوقه من إعتراض الطبيب وجواب الإمام (ع) من البراهين العقلية والدلائل الحسية التي أفحمته حتى جعلته يقر بالربوبية والوحدانية لله تعالى و قد أعرضنا عنها كلها عدا ما هو الشاهد لنا على إثبات ما للامام (ع) من معرفة خواص الأدوية ومنافع العقاقير ومضارها في عصر لم يدركها فيه غيره حتى الاخصائيين منهم بمعرفتها. وإليك محل الشاهد من الحديث :

40

قال الامام الصادق (ع) لذلك الطبيب :

فاعطني موثقاً إذا أنا أعطيتك من قبل هذه الاهليلجة التي بيدك وما تدعى من الطب الذي هو صناعتك وصناعة آبائك وأجدادك وما يشابهها من الأدوية لتذعنن للحق ولتنصفن من نفسك. قال : ذلك لك ، قلت : هل كان الناس على حال وهم لا يعرفون الطب ومنافعه من هذه الاهليلجة وأشباهها. قال : نعم ، قلت : فمن أين اهتدوا ؟ قال بالتجربة والمقايسة ، قلت : فكيف خطر على أوهامهم حتى هموا بتجربته ، وكيف ظنوا أنه مصلحة للاجسام وهم لا يرون فيه إلا المضرة ، وكيف عرفوا فعزموا على طلب مايعرفون مما لا تدلهم عليه الحواس ؟ قال : بالتجربة ، قلت : إخبرني عن واضع هذا الطب وواصف هذه العقاقير المتفرقة بين المشرق والمغرب هل كان بدمن أن يكون الذي وضع ذلك ودل على هذه العقاقير رجل حكيم من أهل هذه البلدان ؟ قال لابد أن يكون كذلك وأن يكون رجلاً حكيماً وضع ذلك وجمع عليه الحكماء فنظروا في ذلك وفكروا فيه بعقولهم. قلت : كأنك تريد الانصاف من نفسك والوفاء بما أعطيت من ميثاقك فاعلمني كيف عرف الحكيم ذلك ؟ وهبه عرف ما في بلاده من الدواء كالزعفران الذي بأرض فارس مثلاً. أتراه إتبع جميع نبات الأرض فذاقه شجرة شجرة حتى ظهر على جميع ذلك ، وهل يدلك عقلك على ان رجالاً حكماء قدروا على ان يتبعوا جميع بلاد فارس ونباتها شجرة شجرة حتى عرفوا ذلك بحواسهم وظهروا على تلك الشجرة التي يكون فيها خلط بعض هذه الأدوية التي لم تدرك حواسهم شيئاً منها ، وهبه أصاب تلك الشجرة بعد بحثه عنها وتتبعه جميع بلاد فارس ونباتها فكيف عرف أنه لا يكون دواء حتى يضم إليه الاهليلج من الهند والمصطكي من الروم والمسك من تبت والدارصين من الصين وخصى بيد ستر من التراك والافيون من مصر والصبر من اليمن والبورق من أرمينية وغير ذلك من أخلاط الأدوية وهي عقاقير مختلفة تكون المنفعة باجتماعها ولا تكون منفعتها في الحالات بغير إجتماع. أم كيف اهتدى لمنابت هذه

41

الادوية وهي ألوان مختلفة وعقاقير متباينة في بلدان متفرقة ، فمنها عروق ومنها لحاء ومنها ورق ومنها ثمر ومنها عصير ومنها مايع ومنها صمغ ومنها دهن ومنها ما يعصر ويطبخ ومنها ما يعصر ولا يطبخ مما سمى بلغات شتى لا يصلح بعضها إلا ببعض ، ولا يصير دواء إلا باجتماعها ومنها مرائر السباع والدواب البرية والبحرية ، وأهل هذه البلدان مع ذلك متعادون مختلفون متفرقون باللغات متغالبون بالمناصبة ومتحاربون بالقتل والسبي أفترى من ذلك الحكيم نتبع هذه البلدان حتى عرف كل لغة وطاف كل وجه وتتبع هذه العقاقير مشرقاً ومغرباً آمناً صحيحاً لا يخاف ولا يمرض سليماً لا يعطب حياً لا يموت هادياً لا يضل قاصداً لا يجور حافظا لا ينسى نشيطا لا يمل حتى عرف وقت أزمنتها ومواضع منابتها مع اختلاطها واختلاف صفاتها وتباين ألوانها وتفرق أسمائها ثم وضع مثالها على شبهها وصفتها ، ثم وصف كل شجرة بنباتها وورقها وثمرها وريحها وطعمها أم هل كان لهذا الحكيم بد من أن يتتبع جميع أشجار الدنيا وبقولها وعروقها شجرة شجرة وورقة ورقة شيئاً فشيئا ؟ وهبه وقع على الشجرة التي أراد ، فكيف دلته حواسه على أنها تصلح للدواء والشجر مختلف فمنه الحلو والحامض والمر والمالح فان قلت يستوصف في هذه البلدان ويعمل بالسؤال ، وأنى له أن يسأل عما لم يعاين ولم يدركه بحواسه أم كيف يهتدي إلى من يسأله عن تلك الشجرة وهو يكلمه بغير لسانه وبغير لغته والأشياء كثيرة.

وهبه فعل ، فكيف عرف منافعها ومضارها وتسكينها وتهييجها وباردها وحارها ومرارتها وحراقتها ولينها وشديدها. فلئن قلت بالظن فان ذلك لا يدرك ولا يعرف بالطبايع والحواس ، وإن قلت بالتجربة والشرب فلقد كان ينبغي له أن يموت في أول ما شرب وجرب تلك الأدوية بجهالته بها وقلة معرفته بمنافعها ومضارها وأكثرها السم القاتل. وان قلت بل طاف في كل بلد وأقام في كل أمة يتعلم لغاتهم ويجرب أدويتهم بقتل الأول فالاول منهم ما كان ليبلغ معرفته الدواء الواحد إلا بعد قتل قوم كثير ، فما كان أهل تلك البلدان الذين قتل منهم

42

ما قتل بتجربته بالذين يتفادون اليه بالقتل ولا يدعونه يجاورهم. وهبه تتبع هذا كله وأكثره سم قاتل أن زيد على قدره قتل وان نقص عن قدرة بطل ، وهبه تتبع هذا كله وطاف مشارق الارض ومغاربها وطال عمره فيها بتتبعه شجرة شجرة وبقعة بقعة كيف كان له تتبع مالم يدخل في ذلك من مرارة الطير والسباع ودواب البحر هل كان بد حيث زعمت أن ذلك الحكيم تتبع عقاقير الدنيا شجرة شجرة حتى جمعها كلها فمنها ما لا يصلح ولا يكون دواء إلا بالمرار هل كان بد من أن يتتبع جميع طير الدنيا وسباعها ودوابها دابة دابة وطائراً طائراً يقتلها ويجرب مرارها كما بحث في تلك العقاقير على ما زعمت بالتجارب ، ولو كان ذلك فكيف بقيت الدواب وتناسلت وليست بمنزلة الشجرة إذا قطعت شجرة نبتت أخرى وهبه أتى على طير الدنيا كيف يصنع بما في البحر من الدواب التي كان ينبغي أن يتتبعها بحراً بحراً ودابة دابة حتى أحاط به كما أحاط بجميع عقاقير الدنيا التي بحث عنها حتى عرفها ، فانك مهما جهلت شيئاً من هذا لا تجهل أن دواب البحر كلها تحت الماء فهل يدلك العقل والحواس على أن هذا يدرك بالبحث والتجارب قال : لقد ضيعت عليّ المذاهب فما أدري بماذا أجيبك.

فقلت سأبرهن لك بغير هذا مما هو أوضح وأبين مما اقتصصت عليك ألست تعلم أن هذه العقاقير التي منها الأدوية والمرار من الطير والسباع لا يكون دواء إلا بعد الاجتماع ؟ قال هو كذلك. قلت : فاخبرني كيف أدركت حواس هذا الحكيم الذي وضع هذه الأدوية مثاقيلها وقراريطها فانك أعلم الناس بذلك لأن صناعتك الطب ، وأنت قد تدخل في الدواء الواحد من اللون الواحد وزن أربعمائة مثقال ومن الآخر ثلاثة أو أربعة مثاقيل وقراريط فما فوق ذلك أو دونه حتى يجيء بقدر واحد معلوم إذا سقيت منه صاحب البطنة بمقدار عقد بطنه ، وإن سقيت صاحب القولنج أكثر من ذلك استطلق بطنه ، والآن فكيف أدركت حواسه على هذا ، أم كيف عرف بحواسه ان الذي يسقى لوجع الرأس لا ينحدر إلى الرجلين والانحدار أهون عليه من الصعود والذي يسقى لوجع

43

القدمين لا يصعد إلى الرأس وهو أقرب منه ، وكذلك كل دواء يسقى صاحبه لكل عضو لا يأخذ إلا طريقه في العروق التي تسمى له وكل ذلك يصير الى المعدة ومنها يتفرق ، أم كيف لا يسفل منه ما صعد ولا يصعد منه ما انحدر؟ أم كيف عرفت الحواس هذا حتى علم أن الذي ينبغي للاذن لا ينفع العين وما تنفع به العين لا يغني من وجع الاذن وكذلك جميع الأعظاء يصير كل دواء منها إلى ذلك العضو الذي ينبغي له بعينه ، فكيف أدركت العقول والحواس هذا ، وهو غائب في الجوف والعروق واللحم وفوق الجلد لا يدرك بسمع ولا ببصر ولا بشم ولا بلمس ولا بذوق ؟ قال : لقد جئت بما أعرف إلا أننا نقول ان الحكيم الذي وضع هذه الأدوية وأخلاطها كان إذا سقى أحداً شيئاً من هذه الأدوية فمات شق بطنه وتتبع عروقه ونظر مجاري تلك الادوية وأتى المواضع التي تلك الأدوية فيها. قلت : فاخبرني ألست تعلم أن الدواء كله إذا وقع في العروق اختلط بالدم فصار شيئاً واحداً قال : بلى. قلت : أما تعلم أن الانسان إذا خرجت نفسه برد دمه وجمد ؟ قال بلى ، قلت : فكيف عرف ذلك الحكيم دواؤه الذي سقاه المريض بعد أن صار عبيطاً ليس بأمشاج يستدل عليه بلون فيه غير لون الدم ؟ قال : لقد حملتني على مطية صعبة ما حملت على مثلها قط ولقد جئت باشياء لا أقدر على ردها. إلى آخر الحديث الطويل.

فيمضي الإمام (ع) في إستدلاله على إثبات الوحدانية والربوبية من طرق أخرى مفصلة يستدرجها من حديث الاهليلجة التي هي بين يدي الطبيب الهندي ونحن لا حاجة لنا بها في موضوعنا هذا والحديث كله منتشر في كتب الأخبار.

ولقد ظهر لنا ولكل ذي إدراك وإنصاف غير مكابر مما تقدم بعض ما لدى الامام (عليه السلام) من الاطلاع الواسع والمعرفة الكاملة بخواص الادوية ومنافعها ومضارها بل وكل خاصة فيها مفردة ومركبة مع معرفة منابتها وطباعها دون أن يسند ذلك إلى معلم أو طبيب أخذه منهما بل لم يعرفه كل طبيب أو عقاري في عصره

44

أوليس ذلك علماً إلهامياً أو وراثياً عن سلفه الطاهرين والذين خصهم الله تعالى به دون ساير الخلق وجعلهم معدنه ومنبعه لانهم هم الراسخون في العلم وهم حاملوا أعباء إرشاده وتعاليمه الحكيمة.

[[ وصفاته الطبية (1) ]]

ليس الامام (عليه السلام) سوى من اختاره الله بلطفه العام على العباد خلفاً عن النبي الكريم (ص) ليرجع الخلق اليه في جميع مهماتهم ، ويدع الناس نحوه في كل حادث لا يرون منه ملجأ الاّ لديه ، سواءا اكانت تلك المهمة روحية أم بدنية أم دنيوية أم أخروية ، لأنه هو الكفيل بارشادهم إلى صالح معادهم ومعاشهم لذلك فقد كانوا يردون على الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) من كل فج وقطر ليسألوه عن مشكلة في الدين أو ملمة في الدنيا فيجدون عنده الجواب الكافي والعلاج الشافي وكثيراً ما كان الوفاد تستشفي بوصفاته النافعة وتستوصفه في كل ما يعتريها من الأسقام والأمراض وهو يجيبهم بما يجدون به الشفاء العاجل والنفع الآجل ، أجل وكيف لا يكون كذلك وهو طبيب النفوس والأرواح وهادي الأمة إلى الصلاح والإصلاح ، وها أني أذكر لك بعض وصفاته الطبية في علاج ما يسأل عنه من الأمراض ، لتعلم أنه (عليه السلام) الطبيب العالم والإمام المرشد ، وإليك ذلك :

[[ 1 ـ الصداع ]]

عن سالم بن إبراهيم عن الديلمي عن داود الرقي قال : حضرت أبا عبدالله الصادق (عليه السلام) وقد جاء خراساني حاج ، فدخل عليه وسلم وسأله عن شيء من أمر الدين ، فجعل الصادق (ع) يفسره له ، ثم قال له : يا بن رسول الله ما زلت شاكياً منذ خرجت من منزلي من وجع الرأس. فقال له (ع) : قم من

____________

(1) أخذنا أغلب هذه الوصفات من الفصول المهمة للحر العاملي وتذكر برمتها في بحار الأنوار ج 14 ص 522.

45

ساعتك هذه فادخل الحمام ولا تبتدأن بشيء حتى تصب على رأسك سبعة أكف ماء حار وسم الله تعالى في كل مرة فإنك لا تشتكي بعد ذلك منه أبداً ففعل ذلك وبريء من ساعته.

أقول : لا شك أنك لم تجد قبل التأمل في الحديث أي علاقة بين الصداع وصب الماء الحار على الرأس مع البسملة ولكن إذا فكرت وتأملت علمت أن البشر مهما بلغ القمة من العلوم لم يستطع أن يعرف معرفة كاملة علل الأمور وأسباب الحوادث لأنه قد يتصور لحدوث شيء سبباً كان في الواقع غيره وقد لا يتصور له علة وهي في الحقيقة موجودة لم يدركها ، وبديهي أن عدم معرفته للسبب ليس معناه أن ليس له علة ولا سبب أو أنه لا علاقة هناك بين الشيء وسببه ، ولعلمت ثانياً أن الأسباب والعلل قسمان مادية جسمية ومعنوية روحية وأن كلاً منهما متعدد فمثلاً هذا الصداع قد يحصل عن ـ إمتلاء المعدة ـ أو سوء الهضم ـ أو الاستبراد أو الزكام ـ أو ضعف الأعصاب ـ أو إضطرابها ـ أو الضغط على الدماغ ـ أو إزعاجه بالأصوات القوية والروائح الحادة ـ أو حرارة الكبد ـ أو من ألم العين أو الأذن ـ أو من بعض الحميات أو الانفلونزا وأمثالها ، كما قد يحصل عن الهم والغم والأرق والخوف أو الفكر الكثير أو أشباهها من النفسيات.

وهنا ليس على الطبيب المعالج إلا أن ينظر إلى السبب فيرفعه وإلى العلة فيزيلها وبهذا يرتفع ويزول المرض ( الصداع ).

ولعل هذا المريض الخراساني الذي يشكو الصداع أدرك الإمام (ع) لصداعه سببين روحي وهو إضطراب فكر وقلق نفسي مع حدوث زكام له في الطريق أو عند أهله كانا هما علة صداعه فعالجه روحياً بذكر البسملة مع إدخال الطمأنينة عليه بأنه سيشفى حالاً ويصب الماء الحار المتعدد على الرأس لتحليل المواد الزكامية وهذا مما يصفه أكثر الأطباء للزكام الحادث من إستبراد أو إختلاف الأهوية الواردة على الدماغ وهذا ما لا يعرفه إلا الطبيب الروحي الحاذق ، كما انا

46

لا يجوز أن نقيس على هذا العلاج في غير هذا المريض إلا أن نعرفه أنه مثله ولا يعرفه إلا الطبيب الروحي المادي فتأمل.

[[ 2 ـ الزكام ]]

شكا إليه بعض أصحابه الزكام ، فقال (ع) : صنع من صنع الله ، وجند من جنوده بعثه إلى علتك ليقلعها ، فاذا أردت قلعه فعليك بوزن دانق شونيز ونصف دانق كندس (1) يدق وينفخ في الانف ، فانه يذهب بالزكام ، وإذا أمكنك أن لا تعالجه بشيء فافعل فان فيه منافع كثيرة.

أقول : الزكام هو إلتهاب الغشاء المخاطي الأنفي الحاصل من باشلوس فريد لندر كما عرفه الطب وهو يحصل عن البرد أو الانتقال السريع من محل حار إلى محل بارد أو من ضعف البنية أو من العدوى من شخص آخر مصاب ، وعلاماته وأعراضه هو الشعور بالبرد والقشعريرة وارتشاح الماء من المنخرين مع مادة مخاطية ودمع العينين واحمرارهما وتغير الصوت ومدتها لثلاثة أيام ( دورته ) وعلاجه ملازمة البيت والدفء التام خصوصاً في الشتاء مع تقليل الأكل وتناول الأشربة المسخنة ، وقد اعتبرته الأطباء مرضا سارياً معدياً ولكن أخيراً اكتشف بانه ليس هو بنفسه مرض بل هو حدث طبيعي بحركة الاستبراد أو غيره لرفع بعض أمراض الدماغ والرئة والجهاز التنفسي وتنقيتها من الأخلاط والبلاغم وهذا هو المراد بقول الإمام وإذا أمكنك أن لاتعالجه بشيء فافعل كما أن قوله (ع) صنع من صنع الله وجند من جنوده بعثه لعلتك ليقلعها ، إشارة إلى أنه حدث طبيعي لخدمة الأبدان فهو كجند يهجم على الامراض فيخرجها من الدماغ بالترشيح ونزول الدمع قال بعض الأطباء : مساكين اولئك الذين يقابلون هذه الخدمة الطبيعية التي تريد تطهير البدن من الفضولات بالعقاقير غافلين عن

____________

(1) الشونيز هي الحبة السوداء والكندس هو صمغ اللبان.

47

أن الزكام إذا عولج أعقب أمراضاً كثيرة.

[[ 3 ـ ضعف البصر ]]

شكا بعض أصحابه فتاة له ضعف بصرها ، فقال له (ع) : اكحلها بالمر والصبر والكافور أجزاء سواء قال ! فكحلتها فانتفعت به.

أقول : إن ضعف البصر في مثل عمر الفتاة لم يحصل عن ضعف الاعصاب أو قلة النور وإنما يحدث غالباً عن كثرة أمراض العين من رمد أو إلتهابات أو تراخوما أو أشباه ذلك وهذه العوارض ترتفع غالباً بالصبر والمر إذا كان الضعف عن كثرة النزلات والرمد وبالكافور إذا كانت إلتهابات فاذا اجتمعت كحلاً تنفع من الجميع.

[[ 4 ـ بياض العين ]]

في طب الأئمة : شكا إلى أبي عبدالله (ع) رجل بياضاً في عينيه فأمره أن يأخذ فلفلاً أبيض ودار فلفل (1) من كل واحد درهمين (2) ونشادر صافي جيد (3) وزن درهم ، فيسحقها كلها ثم ينخلها ويكتحل بها في كل عين ثلاث مراود (4) وإن يصبر عليها ساعة فانه يقطع البياض وينقي لحم العين ، ويسكن الوجع باذن الله تعالى ثم يغسل عينيه بالماء ثم يتبعه بالأثمد إكتحالاً (5).

____________

(1) الفلفل أبيضه وأسوده حب مدحرج صغار حريف الطعم والدار فلفل هو أول ثمر الفلفل على هيئة أكياس مليئة بحب الفلفل.

(2) وزن طبي أقل من المثقال.

(3) مادة قلوية ذات طعم حاد.

(4) الميل الذي يكتحل به العين.

(5) يسمى الكحل الأصفهاني وهو في معدنه في الجبال يتركب بالحرارة من كبريت وزئبق.

48

[[ 5 ـ وجع البطن وإسهالها ]]

وجاءه رجل فقال له : يابن رسول الله : إن إبنتي ذبلت ، وبها البطن ، فقال له (ع) : وما يمنعك من الأرز مع الشحم ، ثم علمه طريقة طبخه ففعل ذلك كما أمره فشفيت إبنته به.

أقول : معلوم طباً أن الأرز يقبض المعدة يطبخ دون تصفية ويخلط معه الشحم دون تذويب فان السمن مطلقاً وخاصة سمن اللحوم يزيد في الأسهال ولا كذلك الشحم غير المذاب.

[[ 6 ـ الاسهال ]]

عن عبد الرحمن بن كثير ، قال : مرضت بالمدينة واطلق بطني ، فقال لي أبو عبدالله (ع) وأمرني أن أخذ سويق الجاورس (1) واشربه بماء الكمون ففعلت فامسك بطني.

[[ 7 ـ قراقر البطن مع الألم ]]

شكا ذريح قراقر في بطنه إليه (ع) فقال له : أتوجعك ؟ قال : نعم فقال له ما يمنعك من الحبة السوداء والعسل ، فاستعمله فنفعه.

أقول : ويكون الاستعمال الحبة مع العسل هو أن تدق الحبة دقاً ناعماً ثم تمزج مع العسل جيداً ، ثم تستعمل يوميا ثلاث مرات صبحا وعصراً وليلاً قدر البندقة.

[[ 8 ـ الرياح الموجعة ]]

كتب جابر بن حسان إلى أبي عبدالله (ع) فقال : يابن رسول الله ، منعتني

____________

(1) الجاورس هو الذرة وسويقها هو ممزوج طحينها مع التمر أو الدبس.

49

ريح شابكة شبكت بين قرني إلى قدمي ، فادع الله لي. فدعا له وكتب إليه : عليك بسعوط العنبر والزئبق ، تعافى إن شاء الله. ففعل ذلك فعوفي.

أقول : ليس المراد من الرياح الموجعة هي الرياح الهوائية التي إذا دخلت البدن اماتت ( كما زعم بعضهم ) ولكنها الغازات المتجمعة داخل البدن فهي إذا اشتدت وكثرت ولم تجد مخرجاً أوجعت بضغطها وقد توجب الورم باجتماعها ثم أقلقت بالحريق والحكة. فأمره الامام (ع) باستعمال هذا السعوط ليسبب في البدن ولا سيما في الأعصاب الدماغية هزة وارتجاجاً فتنفتح المسام وتتحرك الغازات فتخرج إلى الخارج فيستريح المريض ـ وهكذا فعل فشفي.

[[ 9 ـ ضعف البدن ]]

قال له رجل : اني أجد الضعف في بدني. فقال له (ع) : عليك باللبن فانه ينبت اللحم ويشد العظم ، فقال له آخر : أني أكلت لبناً فضرني. فقال له (ع) ما ضرك اللبن ولكنك أكلته مع غيره فضرك الذي أكلته معه فظننت أن ذلك من اللبن.

أقول : المراد من اللبن هنا في قول الامام هو الحليب ، وإن الحليب غذاء كامل حاو لجميع الفيتامينات التي يحتاجها البدن ، لذلك فهو يوافق اكثر الأمزجة. ومن منافع المداومة عليه هي أن يسمن البدن ويقوي القلب والدماغ والنخاع ويفيد الباه مضافاً إلى إصلاحه الصدر وتسكينه للسعال فهو غذاء ودواء لضعف البدن لا سيما إذا كان الضعف من الحرارة أو من أثر السمومات الغذائية وعلى الأخص في دور نقاهة المرضى عموماً.

[[ 10 ـ حمى الربع ]]

عن عبدالله بن بسطام عن كامل عن محمد بن إبراهيم الجعفي عن أبيه ، قال :

50

دخلت على أبي عبدالله الصادق (ع) فقال لي : مالي أراك شاحب الوجه ؟ قلت إن بي حمى الربع يا سيدي ، فقال (عليه السلام) : أين أنت عن المبارك الطيب إسحق السكر ، ثم خذه بالماء واشربه على الريق عند الحاجة إلى الماء ، قال : ففعلت ذلك ، فما عادت الحمى بعد.

أقول : حمى الربع هي حمى الملاريا وهي على الأغلب تحدث الشحوب والضعف العام ، وقد وصف له الإمام شرب السكر مع الماء على الريق ومراده السكر الطبيعي لا الصناعي الخالي من كل فيتامين يفيد البدن مثل سكر القصب والسكر الأحمر ومثل العسل الذي جعل الله تعالى فيه الشفاء من كثير من الأدواء كما صرح في القرآن الحكيم ، أما السكر الطبيعي فهو موجود في أكثر الفواكه كالعنب والتمر وأمثالهما مما هي معروفة بايجاد النشاط والقوة والدم الصافي ، فاذا قوى البدن قاوم الحمى حتى ترتفع ، وهكذا فعل المستوصف وشفى.

[[ 11 ـ المبطون من الألم ]]

عن خالد بن بخيج قال : شكوت إلى أبي عبدالله (ع) وجع بطني ، فقال لي : خذ الارز فاغسله ثم رضه وخذ منه قدر راحة ( راحة اليد ) في كل غذاء ثم قال : أطعموا المبطون خبز الارز ، فما دخل جوف مبطون شيء أنفع منه ، أما أنه يدبغ المعدة ويسل الداء سلاً.

[[ 12 ـ الوضح والبهق ]]

شكا رجل ذلك إلى أبي عبدالله (ع) فقال له : إدخل الحمام وخذ معك الحنا بالنورة وأطل بهما ، فانك لا تعاني بعد ذلك شيئاً ، قال فوالله ما فعلت ذلك غير مرة واحدة ، حتى عافاني الله تعالى.

اقول : إن الوضح والبهق مرضان جلديان كالبقع البيض أو السمر منتشرة

51

في الجلد دون ألم أو رطوبة ، وقد كان القدماء يعتبرونها عن أسباب داخلية فيعالجونها بالقي والاسهال وتنقية المعدة ويمنعون المصاب عن المآكل الثقيلة والحادة والحريفة ، ولعل وصف الإمام (ع) كان بمقتضى الزمان والمكان أو جهات أخرى لم ندركها وإلا فان مثل هذين المرضين العسرين في العلاج مما يستبعد مداواتهما بهذه الأدوية وهذه السرعة اللهم إلا أن يكون علاجها من ناحية روحية قدسية لا يقدم عليه إلا روحي ذو قدسية كالإمام (عليه السلام).

[[ 13 ـ البلغم الكثير ]]

قال (ع) : خذ جزء من علك الرومي وجزء من الكندر وجزء من الصعتر وجزء من النانخواه وجزء من الشونيز ، ودق كل واحد على حدة دقاً ناعماً ثم ينخل ويعجن بالعسل ، ويؤخذ منه كل ليلة قدر البندقة ، فانه نافع إنشاء الله.

[[ 14 ـ شدة البول ]]

عن الفضل قال : شكوت إلى أبي عبدالله ، إني ألقي من البول شدة ، فقال (ع) : خذ من الشونيز آخر الليل فأخذت منه مراراً فعوفيت.

[[ 15 ـ قلة الولد ]]

شكا عمر بن حسنة الجمال إليه قلة الولد ، فقال له (ع) إستغفر الله وكل البيض والبصل. وعنه من عدم الولد فليأكل البيض وليكثر.

أقول : لقد تقدم قولنا أن الإمام (ع) كان يعالج روحياً وجسمياً وهنا لما أمره بالإستغفار أراد أن يوجهه إلى الله تعالى باطمينان فيطلب منه الولد ثم وصف هذا العقار الذي من خواصه تحليل أرياح مجاري البول والمني وتطيرها من الرطوبات وبذلك تنشط الأعصاب فتجذب المني أكثر ولعل بذلك يحصل

52

المطلوب. أما البيض فقد ذكر من خواصه زيادة مادة المني وإصلاحها.

[[ 16 ـ ضعف الباه ]]

في طب الأئمة : قال رجل لأبي عبدالله الصادق (عليه السلام) سيدي إني أشتري الجواري وأحب أن تعلمني شيئاً أتقوى به عليهن ، فقال (عليه السلام) : خذ البصل الأبيض فقطعه واقله بالزيت ، ثم خذ بيضا وانفذه في ضرف وذر عليه شيئاً من الملح ، ثم اكبه على البصل والزيت واقله وكل منه ، فقال الرجل : ففعلته ، فكنت لا أريد منهن شيئاً إلا نلته.

إلى كثير من أمثال ذلك مما لا تسعه هذه الرسالة الوجيزة ، وقد إقتصرنا منه على هذا القليل روما للاختصار.

ولكن من المستحسن ذكر شطر مهم من الأدواء التي جاء العلاج لها مروياً عن الإمام الصادق (ع) في طب الأئمة والبحار وغيرهما من كتب الأحاديث والأخبار وهاك نماذج تلكم الأدواء :

1 ـ السعال1 ـ الجروح والقروح

2 ـ السل2 ـ الجدري

3 ـ وجع الحلق3 ـ وجع البطن

4 ـ الزكام4 ـ البواسير

5 ـ الأرياح5 ـ طغيان البلغم

6 ـ وجع المثانة والحصاة6 ـ اليبوسة

7 ـ أوجاع المفاصل7 ـ وجع الظهر

8 ـ سلس البول8 ـ كثرة العطش

9 ـ الاسهال9 ـ السموم

10 ـ عرق النسا20 ـ الوباء