ليلة عاشوراء في الحديث والأدب

- عبد الله الحسن المزيد...
423 /
7

مقدمة الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلَّى الله على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين

وبعد :

فإن وقائعَ وأحداثَ الطف الدامية استأثرت باهتمام المؤرخين وأصحاب السير مُنذ الأيام الاُولى لواقعة الطف ، حتى قيل إنه كان في معسكر عمر بن سعد مَنْ كانت مهمتُه مقتصرةً على تسجيل تلك الوقائع ، ومن هنا استوعبتها الكثير من كتب التاريخ والسيرة ، ومعظم المؤرخين ذكروا هذه الواقعة الأليمة جملةً وتفصيلاً ، واهتموا بدراستها واستكشاف دوافعها وأسبابها وما فيها من دروس وعبر وما تركته من آثار ونتائج على مختلف الأصعدة ، واعتبروها أهمَ حدثٍ جرى منذُ عام 61 ه بل أعظم حدث مأساوي في تاريخ الأمة الإسلامية حيث مقتل ابن بنت نبي الأمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

ومن خلال نظرة عابرة إلى كثرة ما أُلّف في سرد وقائع هذه الحادثة الأليمة من الكتب المعنية بدراستها فقط ككتب المقاتل ، وما أعطته الكتب التاريخية العامة وكتب الحديث لهذا الفصل من تاريخ الإسلام من أهمية ، ناهيك المقاتل المخطوطة التي لم يُقدَّر لها حتى الآن أن تطبع وتنشر ، تبدو الأهمية الكبرى لهذه الواقعة في أنظار الباحثين والمؤرخين وأصحاب السير والتراجم.

ومن الملاحظ أن أصحاب السّير والمؤرخين ذكروا جُلَّ وقائع هذه الحادثة الأليمة ، منذ خروج الإمام الحسين (عليه السلام) من المدينة المنورة في شهر رجب إلى يوم العاشر من محرم الحرام والأحداث التي تلت المقتل ، ولم يتناسوا الليلةَ

8

الأخيرة من حياته (عليه السلام) وسجّلوا ما أمكنهم من وقائعها وأحداثها ، وإن كان بعض المؤرخين أهملها أو ذكرها في غاية الإختصار.

فاسترعى ذلك اهتماميَ الشديد في أن أعطي هذه الليلة بعض حقّها من عَرض وقائعها وحوادثها وما يرتبط بها بشيء من التفصيل ، ولما في هذه الليلة من أحداث ومواقف يجدر الوقوف عندها ودراستها بإمعان ، إذ هي الليلة الأخيرة من حياة الإمام الحسين (عليه السلام) وأصحابه الأوفياء ، وليلة في منتهى العظمة ، قُدّر لها أن تبقى خالدةً بما فيها من عِبَر ودروس ومأساة ومواقف مشرفة ، فيجدر الاهتمام بالبحث والتمحيص في وقائعها وأحداثها والمعرفة الكاملة بما جرى في طياتها ، ولذا لا ننسى هنا تأكيد الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) الشديد في إحياء هذه الذكرى الأليمة والنظر إليها بعين الإعتبار.

ومن هنا قمت بجمع ما وسعني جمعه وإعداده من وقائع وحوادث هذه الليلة العظيمة وتنظيم تسلسل أحداثها وما جاء فيها من مواقف مُشرّفة ، وما جاء فيها من الأحاديث الشريفة وما يرتبط بها ، وتناولت أيضاً جانباً دراسياً عن أبعادها الدينية والأخلاقية وغيرهما من المواقف والأبعاد والتي يَجدُر الوقوفُ عندها والتأمل فيها والاستفادة منها ، فكان هذا هو القسم الاول : ( ليلة عاشوراء في الحديث ) والذي يشتمل على الأمور التالية :

1 ـ الوقائع والأحداث

2 ـ أعمال ليلة عاشوراء

3 ـ الأبعاد المستوحاة من ليلة عاشوراء

وبما أنّ كتابنا هذا قد خُصّ بذكر ليلة عاشوراء في الحديث رأيت من الضرورة بمكان أن أتناول ليلة عاشوراء في الأدب ، فقمت بجمع ما تسنّى لي جمعه من قصائد وأشعار في ما يخصها ويرتبط بها ، كما إني التمست من إخواني

9

الأدباء والشعراء المشاركة بما تجود به قرائحهم الوقّادة بما يناسب هذه الليلة حدثاً وموقفاً وتسليط الأضواء عليها ـ تخليداً لهذه الذكرى الأليمة ـ وقد رتبت تسلسل القصائد على حسب الحروف الهجائية لأسماء الشعراء الأولى ، مع دراسة نقدية أيضاً حولها بقلم الأستاذ الأديب ثامر الوندي وذلك لأهمية مثل هذه الدراسات ، فكان هذه هو القسم الثاني ( ليلة عاشوراء في الأدب ) والذي يشتمل على الأمور التالية :

1 ـ من خصائص الأدب الشيعي وميزاته.

2 ـ أهمية النقد الأدبي الموضوعي.

3 ـ مرايا ليلة عاشوراء ( دراسة نقدية ).

4 ـ القصائد في ليلة عاشوراء.

وكما لا يفوتني أن أقدم جزيل شكري وامتناني لكل أديب بارع وشاعر مبدع استجاب معي في المشاركة في هذا العمل الحسيني.

كما آمل أني قدمتُ بذلك خدمة متواضعة للمكتبة الحسينية إذ لا زلنا في حاجة ماسة إلى الإطلاع الواسع في هذه الواقعة الأليمة ، والمعرفة التامة بأبعادها ونتائجها ، والارتباط الشديد بها وإحيائها وعدم إغفالها في أي زمان ومكان ، وليتحقق بذلك إحياء أمر أهل البيت (عليهم السلام) إذ هو أمرٌ واجبٌ على عاتق كل من يُدين بالولاء الصادق لهم ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلاته وسلامه على عباده الذين اصطفى.

-عبد الله الحسن

الجمعة / 9 / 11 / 1416 ه

10

-

11

-

12

-

13

تَمهيْد

في أحداث يوم التاسع

الخيل والرجال تحاصر الحسين (عليه السلام)

جاء في حديث عن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) عن يوم تاسوعا ، قال : تاسوعا يومٌ حوصر فيه الحسين (عليه السلام) واصحابه ـ رضي الله عنهم ـ بكربلاء ، واجتمع عليه خيل أهل الشام وأناخوا عليه ، وفرح ابن مرجانة وعمر بن سعد بتوافر الخيل وكثرتها ، واستضعفوا فيه الحسين (صلوات الله عليه) وأصحابَه وأيقنوا أنّه لا يأتي الحسين (عليه السلام) ناصر ، ولا يمدَّه أهل العراق ، بأبي المستضعف الغريب ... (1).

حديث الأمان

روى أصحاب السير أن عُمر بنَ سعد نهضَ إلى الحسينِ (عليه السلام) عشيةَ الخميسِ

____________

(1) الفروع من الكافي للكليني : ج 4 ، ص 147 ، بحار الأنوار : ج 45 ، ص 95.

14

لتسع مضينَ من المحرم ، وجاء شمرٌ حتى وَقفَ على أصحابِ الحسينِ (عليه السلام) فقال : أينَ بنو أختِنا ؟ فَخرجَ اليه العباسُ وجعفرٌ وعبد الله وعثمان بنو عليّ (عليه السلام).

فقالوا له : ما لكَ وما تريد ؟ قال : أنتم يا بني أختي آمِنون ، قال له الفتية : لعنكَ اللهُ وَلعنَ أمانَكَ ، لئن كُنتَ خالنَا أتؤمِنُنا وَابن رسولِ اللهِ لا أمان له ؟

الحسين يرى جده (صلى الله عليه وآله وسلم)

قال : ثُمَّ إن عُمرَ بنِ سعدٍ نادى : يا خيلَ الله اركبي وَأبشري فركب في الناسِ ثُمَّ زَحفَ نَحوهم بعدَ صلاةِ العصرِ وحسينٌ (عليه السلام) جالسٌ أمامَ بيتهِ مُحتبئٌ (1) بسيفهِ إذ خفقَ برأسه على ركبتيه ، وسمعت أخته زينب الصيحة فدنت من أخيها ، فقالت : يا أخي أما تسمع الأصوات قد اقتربت.

قال : فرفع الحسين (عليه السلام) رأسه فقال : إني رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في المنام فقال لي : إنك تروح إلينا ، قال : فلطمت أخته وجهها وقالت : يا ويلتا ، فقال : ليس لك الويل يا أختي ، اسكني رحمكِ الرحمن.

وفي رواية السيد ابن طاووس ـ (عليه الرحمه) ـ قال : وجلس الحسين (عليه السلام) فرقد ثم استيقظ ، فقال : يا أختاه إني رأيتُ الساعةَ جدي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي علياً وأُمي فاطمة وأخي الحسن (عليهم السلام) وهم يقولون : يا حسين إنك رائح الينا عن قريب ، وفي بعض الروايات غداً (2).

____________

(1) احتبى الرجُلُ : جمع ظهرَهُ وساقيهِ بثوب أو غيره المصباح المنير للفيومي : ص 120.

(2) اللهوف لابن طاووس : ص 39 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 391.

15

العباس (عليه السلام) يكلم القوم

وقال العباس بن علي (عليه السلام) : يا أخي أتاك القوم ، قال : فنهض ، ثم قال : يا عباس اركب بنفسي أنت يا أخي حتى تلقاهم فتقول لهم : ما لكم وما بدا لكم ؟ وتسألهم عمّا جاء بهم ؟

فأتاهم العباس (عليه السلام) فاستقبلهم في نحوٍ من عشرين فارساً فيهم زهير بن القين (1) وحبيب بن مظاهر (2) ، فقال لهم العباس : ما بدا لكم وما تريدون ، قالوا :

____________

(1) هو : زهير بن القين بن قيس الأنماري البجلي ، كان رجلاً شريفاً في قومه ، نازلاً بالكوفة ، وشجاعاً له في المغازي مواقف مشهورة ومواطن مشهودة وقد كان في بادىء أمره عثمانياً ، انضم إلى الحسين (عليه السلام) في الطريق من مكة إلى العراق بعد أن كان كارهاً للقائه ، وكان في المسير ، إذا سار الحسين تخلف زهير وإذا نزل الحسين تقدّم زهير إلى أن اجتمع معه في منزل واحد بغير اختياره ، ثم أرسل إليه الحسين يدعوه وكان على الطعام فبقي كأن على رأسه الطير فقالت له زوجته دلهم بنت عمرو : أيبعث إليك ابن رسول الله ثم لا تأتيه سبحان الله لو أتيته فسمعت من كلامه. ثم ذهب للحسين فما لبث أن جاء مستبشراً ، قد أسفر وجهه ، فأمر بفسطاطه وثقله ومتاعه ، فقوِّض وحمل إلى الحسين ثم قال لزوجته أنت طالق الحقي بأهلك فإني لا اُحب أن يصيبك بسببي إلاّ خير ، ثم لحق بركب الحسين ، واستشهد زهير (عليه السلام) بعد صلاة الخوف وأبلى بلاءً حسناً.

راجع إبصار العين للسماوي : ص 95 ـ 99 ، أنصار الحسين لشمس الدين : ص 88.

(2) هو : حبيب بن مظهر بن رئاب بن الأشتر بن جخوان بن فقعس بن طريف بن عمرو بن قيس بن الحرث بن ثعلبة بن دودان بن أسد أبو القاسم الأسدي الفقعسي ، كان صحابياً رأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، نزل إلى الكوفة ، وصحب أمير المؤمنين (عليه السلام) في حروبه كلها ، وكان من خاصته وحملة علومه ومن

16

جاء أمر الأمير بأن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو ننازلكم ، قال : فلا تعجلوا حتى أرجع إلى أبي عبد الله (عليه السلام) فأعرض عليه ما ذكرتم ، قال : فوقفوا ثم قالوا : القه فأعلمه ذلك ، ثم القنا بما يقول ، قال : فانصرف العباس راجعاً يركض إلى الحسين (عليه السلام) يخبره بالخبر.

ووقف أصحابه يخاطبون القوم ، فقال حبيب بن مظاهر لزهير بن القين : كلِّم القوم إن شئت وإن شئت كلّمتُهم ؟ فقال له زهير : أنت بدأت بهذا فكن أنت تكلّمهم ؟

فقال له حبيب بن مظاهر : أما والله لبئس القوم عند الله غداً قوم يقدمون عليه قد قتلوا ذريّة نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) وعترته وأهل بيته (عليه السلام) وعباد أهل المصر المجتهدين بالأسحار ، والذاكرين الله كثيراً (1).

فقال له عزرة بن قيس : إنك لتزكي نفسك ما استطعت !؟

فقال له زهير : يا عزرة إن الله قد زكاها وهداها فاتق الله يا عزرة فإني لك من الناصحين ، أنشدك الله يا عزرة أن تكون ممن يعين الضَّلال على قتل النفوس الزكية

____________

شرطة الخميس ، وكان أحد الزعماء الكوفيين الذين كتبوا إلى الحسين (عليه السلام) وأخذوا البيعة له ، ولما نزل الحسين (عليه السلام) كربلاء سار إليه مختفياً والتحق به ، وكان معظماً عند الحسين وأهل بيته ، وذلك لجلالة قدره وعلو منزلته ، وقد حاول جهده في استقدام أنصار من بني أسد إلاّ أن الجيش الأموي حال دون وصولهم إلى معسكر الحسين ، وقد جعله الحسين على ميسرة أصحابه عند التعبئة للقتال ، وجاهد (عليه السلام) مستميتاً إلى أن قُتل ، واحتز رأسه التميمي فهدّ مقتله الحسين ووقف عليه وقال : عند الله أحتسب نفسي وحُماة أصحابي.

راجع : إبصار العين للسماوي : ص 57 ـ 60 ، تاريخ الطبري : ج 4 ص 336 ، أنصار الحسين لشمس الدين : ص 81 ـ 82.

(1) وفي الفتوح لابن الأعثم : الذاكرين الله كثيراً بالليل والنهار وشيعته الأتقياء الأبرار.

17

قال يا زهير : ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت إنما كنت عثمانياً !

قال : أفلست تستدلّ بموقفي هذا أني منهم ؟ أما والله ما كتبت إليه كتاباً قط ، ولا أرسلت إليه رسولاً قط ، ولا وعدته نصرتي قط ، ولكن الطريق جمع بيني وبينه ، فلما رأيته ذكرت به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومكانه منه وعرفت ما يقدم عليه من عدوه وحزبكم فرأيت أن أنصره ، وأن أكون في حزبه وأن أجعل نفسي دون نفسه حفظاً لما ضيَّعتم من حق الله وحق رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : وأقبل العباس بن علي (عليه السلام) يركض حتى انتهى إليهم.

فقال : يا هولاء إن أبا عبد الله (عليه السلام) يسألكم أن تنصرفوا هذه العشية حتى ينظر في هذا الأمر ، فإن هذا أمرٌ لم يجرِ بينكم وبينه فيه منطق فإذا أصبحنا التقينا إن شاء الله فإما رضيناه فأتينا بالأمر الذي تسألونه وتسومونه أو كرهنا فرددناه وإنما أراد بذلك أن يردهم عنه تلك العشية حتى يأمر بأمره ويوصي أهله فلما أتاهم العباس بن علي (عليه السلام) بذلك ، قال عمر بن سعد : ما ترى يا شمر ؟ قال : ما ترى أنت ؟ أنت الأمير والرأي رأيك.

قال : قد أردت ألا أكون ثم أقبل على الناس ، فقال : ماذا ترون ؟ فقال عمر بن الحجاج بن سلمة الزبيدي : سبحان الله والله لو كانوا من الديلم (1) ثم سألوك هذه المنزلة لكانَ ينبغي لَكَ أن تُجيَبهُم إليها.

وفي رواية السيد ـ (عليه الرحمه) ـ فقال عمرو بن الحجاج الزبيدي : والله لو أنهم من الترك والديلم وسألونا مثل ذلك لأجبناهم ، فكيف وهم آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟!

____________

(1) الديلم : القسم الجبلي من بلاد جيلان شمالي بلاد قزوين ، وهي من قرى أصبهان بناحية جرجان.

مراصد الإطلاع : ج 2 : ص 580 ، المنجد في الاعلام : ص 296.

18

فأجابوهم إلى ذلك (1).

وَقال قيسُ بن الأشعث : أجبهُم إلى مَا سألوكَ فَلعمري ليصبِحنَّكَ بالقتالِ غدوةً فقال : واللهِ لو أعلمُ أنْ يفعلوا ما أخرتهم العشية.

قال : وكانَ العباسُ بن عِلي (عليه السلام) حينَ أتى حسيناً بما عرضَ عليه عمرُ بن سِعد قال : ارجعْ إليهم فإنْ استطعت أن تؤخرهم إلى غدوةَ ، وتَدفعهُم عند العشيةِ لعلنا نُصلّي لربِّنا الليلةَ وَندعوه وَنستغفُره ، فهوَ يَعلم أني قد كنتُ اُحبُ الصلاة لَه وَتلاوةَ كتابهِ وَكثرةَ الدعاءِ وَالاستغفارِ.

فاستمهل السبط الطغاة لعلّه * * * يدعو إلى الله العلي ويضرعُ

فأقام ليلته يناجي ربّه * * * طوراً ويسجد في الظلام ويركع

وَرويَ عن الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) قال : أتانا رسولٌ مِنْ قِبل عُمر بن سَعدٍ فقامَ مثلَ حَيثُ يُسمعُ الصوتُ فقال : إنا قَد أجلناكم إلى غد فإن استسلمتم سَرحنا بكُم إلى أميرِنا عبيد الله بن زياد وَإنْ أبيتُم فَلسنا تاركيكُم (2).

حديث زينب مع أبي الفضل العباس (عليهما السلام)

وذكر البعض حديثاً جرى بين العباس (عليه السلام) وبين اخته زينب (عليها السلام) وذلك بعد رجوعه من محادثة الشمر ، وقد انكر عليه رافضا أمانه الذى جاء به له ولإخوته !

____________

(1) اللهوف لابن طاووس : ص 39.

(2) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 315 ـ 317 ، نهاية الأرب للنويري : ج 20 ، ص 332 ـ 334 ، الإرشاد للمفيد : ص 230 ـ 231 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 391 ـ 392 ، العوالم للبحراني : ج 17 ، ص 243.

19

قال : ورجع أبو الفضل العباس (عليه السلام) يتهدرس كالأسد الغضبان استقبلته الحوراء زينب (عليها السلام) وقد سمعت كلامه مع الشمر ، قالت له أخي إنّي أحدثك بحديث ؟ قال : حدّثي يا زينب لقد حلا وقت الحديث !

قالت : إعلم يا بن والدي لما ماتت أمنا فاطمة (عليها السلام) قال أبي لأخيه عقيل : اُريد منك أن تختار لي امرأةً ، من ذوي البيوت والشجاعة حتى اُصيب منها ولداً ينصر ولدي الحسين بطف كربلاء ، وقد ادّخرك أبوك لمثل هذا اليوم ، فلا تقصّر يا أبا الفضل !

فلما سمع العباس (عليه السلام) كلامها تمطى في ركاب سرجه حتى قطعهما ، وقال لها : أفي مثل هذا اليوم تشجعينني وأنا ابن أمير المؤمنين (عليه السلام) ؟! فلما سمعت كلامه سرّت سروراً عظيما (1).

بطلٌ إذا ركب المطهَّم خلتَه * * * جبلاً أشّم يخفّ فيه مطهمُ

بطلٌ تورّث من أبيه شجاعةً * * * فيها انوف بني الضلالة ترغم

وقد أجاد السيد محمد رضا القزويني حيث يقول :

قرَّت لها عينُ الكريمة زينب * * * لتراك أهلاً أن تصون خباءَها

فمضت تقص عليك دوراً عاصفاً * * * فيك الشهامة ما اعتزمت فداءََها

في ليلة طاب الحديث الحلو من * * * اخت وأنت على الجواد إزاءَها

تروي مصاهرة الكرام بقصة * * * قد انجبتك ولم تُرد اخفاءَها

فهززت سيفك أن تُطمئن قلبها * * * بيدٍ تلقت في غد جذاءَها

____________

(1) ثمرات الأعواد : للسيد علي الهاشمي : ج 1 ، ص 167 ـ 168.

20

فتصاعدت بيضاء تدعوا ربّها * * * ألا يَخيبَ السائلون رجاءَها

فتحَّدث التاريخُ عنها أنَّها * * * ملئت بأسخى المكرُمات عطاءَها

حديث زهير مع أبي الفضل العباس (عليه السلام)

ومثل هذا الحديث حديث أخر جرى بين زهير بن القين مع أبي الفضل العباس (عليه السلام) كما في أسرار الشهادة للدربندي ـ (عليه الرحمه) ـ قال : أتى زهير إلى عبد الله بن جعفر بن عقيل قبل أن يُقتل ، فقال له : يا أخي ناولني الرّاية.

فقال له عبد الله : أوَفيَّ قصور عن حملها ؟! قال : لا ، ولكن لي بها حاجة ، قال : فدفعها إليه ، وأخذها زهير وأتى فجأةً العباس بن علي (عليه السلام) وقال ! يابن أمير المؤمنين (عليه السلام) ، أريد أن احدثك بحديث وعيته ، فقال : حَدّث ، فقد حلا وقت الحديث.

فقال له : اعلم يا أبا الفضل ، إنَّ أباك أمير المومنين (عليه السلام) ، لما أراد أن يتزوج بأمك اُم البنين ، بعث إلى أخيه عقيل ، وكان عارفاً بأنساب العرب ، فقال (عليه السلام) : يا أخي ، اُريد منك أن تخطب لي امرأةً من ذوي البيوت والحسب والنسب والشجاعة ، لكي اُصيب منها ولداً يكون شجاعاً وعضداً ينصر ولدي هذا ، وأشار إلى الحسين (عليه السلام) ليواسيه في طفّ كربلاء ، وقد ادّخرك أبوك لمثل هذا اليوم ، فلا تقصر عن حلائل أخيك وعن إخوانك ؟!

قال : فارتعد العباس وتمطى في ركابه حتى قطعه ، قال : يا زهير ، تشجعني في مثل هذا اليوم ؟ والله لأريَّنكَ شيئاً ما رأيتَه قط (1).

____________

(1) أسرار الشهادة للدربندي : ج 2 ، ص 497 ، معالي السبطين للحائري : ج 1 ، ص 434 ، مقتل الحسين للمقرم : ص 209 بتفاوت.

21

لَيلَةُ عاشُوراءْ

الأستاذ جواد جميل

آه يا ليلةَ الأسى والدموع * * * اطفئي في دم الطفوف شموعي

ودعيني أعيش في ظلمة الحزن * * * فعمري شمسٌ بغيرِ طلوع

وانثري في عيوني الجمرَ وقّاداً * * * وخلي اللهيبَ بين ضلوعي

وأمسحي بالسواد لونَ وجودي * * * فلقد كفّن الرمادُ ربيعي

الشيخ مهدي المصلي

ليلةٌ أسهرت عيون الليالي * * * لتُرينا عزائمَ الأبطالِ

وتُرينا الشموسَ تفترسُ اللي * * * لَ لتمحو عصرَ الليالي الطوالِ

وتُرينا الإنسان يسمو على النج * * * مِ مناراً ورجلُهُ في الرمالِ

الأستاذ جاسم الصحيّح

يا ليلةً كستَ الزمانَ بغابة * * * من روحها قمرية الأدغالِ

ذكراكِ ملحمةٌ توشَّحَ سِفرُها * * * بروائعٍ نُسجت منَ الأهوال

فهنا الحسين بخيطُ من أحلامه * * * فجرينِ فجرَ هوىً وفجرَ نِضال

22

الأستاذ يقين البصري

يا ليلة يا مخاض الدهر يا حقباً * * * قدسيةً يا نضالاً مورقاً ذهبا

يا ليلة من عذابات مطرزة * * * بالكبرياء شطبت المحل والجدبا

الأستاذ فرات الأسدي

جنهم في الطفِ ليلٌ وهمُ * * * بالحسين الطهر قد جنّوا خبالا

فاشهدي يا ليلة الضوء هوىً * * * نضراً يبتكر الرؤيا جمالا

السيد مدين الموسوي

يا ليلةً وقفَ الزمانُ بها * * * وجلاً يُدوّنُ أروع الصور

وقف الحسين بها ومن معه * * * جبلاً وهم كجنادل الحجر

الشيخ عبد الكريم آل زرع

أليلةَ عاشوراءَ يا حلكاً شَبَّا * * * حنينك أدرى من نهارك ما خبّا

وما خبّأ الآتي صهاريج أدهُرٍ * * * بساعَاتِه قد صبّ صاليَها صبّا

الشيخ علي الفرج

أنت يا ليلة انخساف المرايا * * * في وجوه السنين والأحقاب

غُرست فيك آهتي واحتضاري * * * ونمت فيك صرختي واغترابي

23

الحسين (عليه السلام) يخطب في أصحابه

ويأذن لهم بالتفرّق عنه

روي عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) قال : جمع الحسين (عليه السلام) أصحابه بعدما رجع عمر بن سعد وذلك عند قُرب المساء ، قال : فدنوت منه لأسمع وأنا مريض فسمعتُ أبي وهو يقول لأصحابه : أُثني على الله تبارك وتعالى أحسنَ الثناء وأحمدَهُ على السّراء والضراء اللهم اني أحمَدُك على أن أكرمتنا بالنبوّة ، وعلّمتنا القرآن وفقهتنا في الدين ، وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدةً ، فاجعلنا من الشاكرين.

أما بعد فإني لا أعلمُ أصحاباً أولى ولا خيراً من أصحابي ولا أهل بيت أبرَّ ولا أوصل من أهل بيتي فجزاكُم الله عني جميعاً خيراً ، ألا وإني أظنُ يوَمنا من هؤلاءِ الأعداء غداً إلاّ وإني قد أذنتُ لكم ، فانطلقوا جميعاً في حلٍ ليس عليكم حَرجٌ منّي ولا ذمام ، هذا الّليلُ قد غشيكم فاتّخذوه جَمَلا (1).

____________

(1) جاء فى المثل : اتخذ الليل جملاً ، وهو يضرب للرجل يجدُّ فى طلب الحاجه ، يقال : شمر ذيلا وادرع ليلا هكذا قال بعضهم ، وقال اخرون : معناه ركب الليل فى حاجته ولم يَنمْ حتى نالها.

وقولهم : الليل أخفى للويل ، اذا اردت ان تاتى بريبةٍ فأتها ليلاً فإنَّهُ أستر لها ، وكتب عبد الله بن طاهر إلى ابنه ، وقد بلغه عنه إقبالٌ على اللهو :

فبادر الليل بما تشتهى * * * فإنما الليل نهار الاديب

24

وليأخُذ كلُ رجلٍ منكم بيد رجل من أهل بيتي ، وتفرّقوا في سَوادِكم ومدائنكم حتى يُفرجَ الله ، فإنَّ القومَ إنما يطلبونني ولو قد أصابوني لَهوا عن طلب غيري.

جواب بني هاشم والأنصار للحسين (عليه السلام)

فقال له إخوتُه وأبناؤه وبنو أخيه وابنا عبد الله بن جعفر : لِم نفعل ؟ لنبقى بعدَكَ ! لا أرانا الله ذلك أبداً ، بدأهم بهذا القولِ ، العباسُ بن علي (عليه السلام) ثم إنهم تكلموا بهذا أو نحوه ... .

وفي رواية أخرى : فقام اليه العباس بن علي أخوه (عليهما السلام) وعلي ابنه ، وبنو عقيل ، فقالوا له : معاذ الله والشهر الحرام ، فماذا نقول للناس إذا رجعنا إليهم ، إنا تركنا سيدنا ، وابن سيدنا وعمادنا ، وتركناه غرضاً للنبل ، ودريئةً للرماح ، وجزراً للسباع ، وفررنا عنه رغبةً في الحياة ، معاذ الله ، بل نحيا بحياتك ، ونموت معك !! فبكى وبكوا عليه ، وجزاهم خيراً (1).

فقال الحسين (عليه السلام) : يا بني عَقيل ، حَسبُكم من القتلِ بمسلِم ، اذهبوا قد أذِنتُ لكم !.

قالوا : فما يقولُ الناس ؟ يقولون : إنّا تركنا شَيخَنا وسيدَنا وبني عمومتِنا خيرَ الأعمام ، ولم نرْم معَهم بسهم ، ولم نطعن معهم برمح ، ولم نضرب معهم بسيف ، ولا

____________

وقال بعض العرب وأنشدني بالحجاز فتى من هلال :

فلم ار مثل الليل جنة هارب * * * ولا مثل حد السيف للمرء صاحبا

راجع : كتاب جمهرة الامثال لأبي هلال العسكري : ج 1ص 88 ج 2 ص 181 ـ 182.

(1) مقاتل الطالبيين لأبي فرج الاصفهاني : ص 112.

25

ندري ما صنعوا ! لا والله لا نفعل ، ولكن تفديك أنفُسنا وأموالُنا وأهلونا ونقاتلُ معك حتى نردَ مورِدَك فقبّحَ اللهُ العيشَ بعدَك !.

فقام إليه مسلمُ بنُ عوسجة الأسدي (1) فقال : أنحنُ نخلي عنك ولمّا نعذر إلى الله في أداء حقِك ؟ أما واللهِ حتى أكسر في صدورِهمْ رمحي وأضربَهمْ بسيفي ما ثبت قائمُه في يدي ولا أُفارقُكَ ولو لم يكنْ معي سلاح أقاتُلهم به لَقذفتُهم بالحجارة دونَك حتى أموت معك.

وقال سعد بن عبد الله الحنفي (2) : واللهِ لا نخليكَ حتى يعلمَ اللهُ أنا قد حفظنا

____________

(1) هو : مسلم بن عوسجة بن سعد بن ثعلبة بن دردان بن أسد بن خزيمة ابو حجل الأسدي السعدي ، كان رجلاً شريفاً عابداً متنسكاً ، قال ابن سعد في طبقاته : وكان صحابياً ممن رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكان فارساً شجاعاً له ذكرٌ في المغازي والفتوح الإسلامية ، وكان ممن كاتب الحسين (عليه السلام) في الكوفة ووفى له ، وممّن أخذ البيعة له عند مجيء مسلم بن عقيل إلى الكوفة ، وهو أول قتيل من أنصار الحسين بعد قتلى الحملة الاُولى ، وقد جاء في الزيارة المنسوبة للناحية المقدسة في مسلم بن عوسجة : وكنت أول من شرى نفسه وأول شهيد من شهداء الله قضى نحبه ، ففزت ورب الكعبة ، شكر الله لك استقدامك ومواساتك إمامك إذ مشى إليك وأنت صريع فقال : يرحمك الله يا مسلم بن عوسجة وقرأ : ( فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) لعن الله المشتركين في قتلك عبد الله الضبابي وعبد الله بن خشكارة البجلي ، وفيه يقول السماوي :

ان امرءاً يمشي لمصرعه * * * سبط النبي لفاقد التربِ

أوصى حبيباً ان يجود له * * * بالنفس من مقةٍ ومن حب

اعزز علينا يا بن عوسجةٍ * * * من ان تفارق ساعة الحرب

عانقت بيضهم وسمرهم * * * ورجعت بعد معانق الترب

ابكي عليك وما يفيد بكا * * * عيني وقد أكل الأسى قلبي

راجع : بحار الأنوار : ج 45 ص 69 ، أبصار العين للسماوي : ص 61 و 64.

(2) هو : سعد بن عبد الله الحنفي ، وذكر في كتاب الحسين (عليه السلام) إلى أهل الكوفة باسم سعيد ، أما بعد فإن

26

غَيبةَ رسول اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) فيك ، واللهَ لو علمتُ أني أقتلُ ثم أحيا ثم أحرقُ حيَّاً ثم اذرُّ يُفعلُ ذلك بي سبعين مرةً ما فارقتُك حتى ألقى حِمامي دونَك ، فكيف لا أفعل ذلكَ وإنما هي قتلةٌ واحدةٌ ، ثمَّ هيَ الكرامةُ التي لا انقضاء لها أبداً !.

ثم قام زُهير بن القين (1) وقال : واللهِ لوددتُ أني قُتلتُ ثم نُشرتُ ثم قُتلتُ حتى أقتلَ كذا ألف قتلةٍ ، وأن اللهَ يدفعُ بذلكَ القتلَ عن نفسِك وعن أنفُس هؤلاءِ الفتيةِ من أهل بيتك !.

وتكلم جماعةُ أصحابه بكلامٍ يشبهُ بعضه في وجهٍ واحدٍ ، فقالوا : واللهِ لا نُفارِقُكَ ، ولكن أنفُسنا لكَ الفداء ! نَقيكَ بنحورِنا وجباهِنا وأيدينا ، فإذا نحنُ قُتِلنا كُنا وفَينا وقضينا ما علينا (2).

____________

سعيداً وهانياً قدما عليَّ بكتبكم ، وذكر باسم سعد كما في زيارة الناحية ، كان من وجوه الشيعة في الكوفة ، وذوي الشجاعة والعبادة فيهم ، وهو أحد الرسل الذين حملوا رسائل الكوفيين إلى الحسين (عليه السلام) وبعثه مسلم بن عقيل بكتاب إلى الحسين وبقي معه حتى جاء معه كربلاء ، وروى أبو مخنف : أنه لما صلّى الحسين الظهر صلاة الخوف ، اقتتلوا بعد الظهر ، فاشتد القتال ، ولما قرب الأعداء من الحسين (عليه السلام) وهو قائم بمكانه ، استقدم سعيد الحنفي أمام الحسين ، فاستهدف لهم يرمونه بالنبل يميناً وشمالاً ، وهو قائم بين يدي الحسين يقيه السهام طوراً بوجهه ، وطوراً بصدره ، وطوراً بيديه ، وطوراً بجنبيه ، فلم يكد يصل إلى الحسين (عليه السلام) شيء من ذلك ، حتى سقط الحنفي إلى الأرض وهو يقول : اللهم العنهم لعن عاد وثمود ، اللهم أبلغ نبيك عني السلام وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح فإني أردت ثوابك في نصرة نبيك ، ثم التفت إلى الحسين ، فقال اوفيت يا بن رسول الله ، قال : نعم أنت أمامي في الجنة ، ثم فاضت نفسه النفيسة.

راجع : إبصار العين : ص 125 ـ 126 ، أنصار الحسين لشمس الدين : ص 90 ـ 91.

(1) تقدمت ترجمته.

(2) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 317 ـ 318 ، نهاية الأرب للنويري : ج 20 ص 434 ، الكامل في التاريخ

27

الحسين (عليه السلام) يأذن للحضرمي (1) بالانصراف لفكاك ولده

وقيلَ لمحمّدِ بن بشر الحضرمي في تلكَ الحال : قد أُسرَ ابنُك بثغر الرّي (2) فقال : عندَ اللهِ احتسبه ، ونفسي ما كُنتُ اُحبّ أَن يُؤسرَ وأن أبقى بعده !

فَسمِعَ الحسين (عليه السلام) قولَه ، فقال : رَحِمكَ اللهُ ، أنت في حل من بيعتي ، فاعملْ

____________

لابن الأثير : ج 4 ، ص 57 ـ 58 ، مقتل الحسين للخوارزمي : ص 246 ـ 247 ، اللهوف : ص 39 ـ 40 ، الإرشاد للمفيد : ص 231 ، اعلام الورى للطبرسي : ص 237 ـ 239 ، امالي الصدوق : ص 133 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 316.

(1) هو : بشر بن الأحدوث الحضرمي الكندي ، ذُكر في زيارة الناحية باسم بشر ، وذكر في الزيارة الرجبية باسم بشير ، وذكره السيد الخوئي (قدس سره) مردداً بين بشر وبشير ، وقال الشيخ شمس الدين : ومن المؤكد أنه هو : محمد بن بشير الحضرمي الذي ورد ذكره عند السيد ابن طاووس بقرينة ذكره لقصة ابنه وقد وردت القصة في الزيارة مقرونة باسم بشر أو بشير على اختلاف النسخ. وكان بشر من حضرموت وعداده في كندة ، وكان تابعياً وله أولاد معرفون بالمغازي ، وكان بشر ممن جاء إلى الحسين (عليه السلام) أيام المهادنة ، وهو أحد آخر رجلين بقيا من أصحاب الحسين قبل أن يقع القتل في بني هاشم ، والآخر هو سويد بن عمرو بن أبي المطاع ، وقتل بشر في الحملة الاُولى.

راجع : إبصار العين : ص 103 ـ 104 ، أنصار الحسين لشمس الدين ص 77 ـ 78 ، معجم رجال الحديث للسيد الخوئي (قدس سره) : ج 3 ص 319.

(2) الثغر : بالفتح ، ثم السكون ، وراء كل موضع قَرُب من أرض العدو وسمي ثغراً من ثغرة الحائط ، لأنه يحتاج أن يحفظ لئلا يأتي العدوّ منه.

والرَّيّ : بفتح أوله ، وتشديد ثانيه : مدينة مشهورة من أمهات البلاد واعلام المدن ، كثيرة الخيرات ، قصبة بلاد الجبال ، على طريق السابلة وبين طهران نحو فرسخ. مراصد الإطلاع ج 1 ، ص 597 ، و ج 2 ، ص 651 و ص 899.

28

في فكاكِ ابنِك ؟!

فقال : أكلتني السّباعُ حيّاً إنْ فارقتُكَ !

قال : فاعطِ ابنَكَ هذهِ الأثواب البُرُود ، (1) يستعينُ بها في فداء (2) أخيهِ ، فأعطاه خَمسةَ أثوابَ قيمتُها ألف دينار (3).

ولله درّ السيد رضا الهندي ـ (عليه الرحمه) ـ إذ يقول في هذه الصفوة الانجاب :

صيداً إذا شبّ الهياج وشابت ال * * * ارض الدما والطفل رعباً شابا

ركزوا قناهم في صدور عداتهم * * * ولبيضهم جعلوا الرقاب قرابا

تجلو وجوههم دجى النقع الذي * * * يكسو بظلمته ذكاء نقابا

وتنادبت للذبّ عنه عصبة * * * ورثوا المعالي أشيباً وشبابا

من ينتدبهم للكريهة ينتدبْ * * * منهم ضراغمة الأسود غضابا

خفّوا لداعي الحرب حين دعاهم * * * ورسوا بعرصة كربلاء هضابا

أسدٌ قد اتخذوا الصوارم حليةً * * * وتسربلوا حلق الدروع ثيابا

تخذت عيونهم القساطل كحلها * * * وأكفّهم فيض النحور خضابا

يتمايلون كأنما غنّى لهم * * * وقع الضبا وسقاهُمُ أكوابا

____________

(1) البرود : مفرده بُرد بالضم فالسكون ، وهو : ثوب مخطَّط ، وقد يُقال لغير المخطَّط أيضاً ، وجمعه بُرُود وأبرادٌ وأبرُد ، ومنه الحديث : الكفن يكون بُرداً ، فإن لم يكُن بُرداً فاجعله كله قطناً ! والبُردَة : كساءٌ أسود مربّع فيه صغر يكتسيه الأعراب ، وفي المنجد انه كساء من الصوف الأسود يلتحف به ، انظر : مجمع البحرين للطريحي : ج 3 ، ص 13 ، المنجد : ص 33.

(2) الفداء : بكسر أوله يُمدّ ويقصر وإذا فتح فهو مقصور ، والمراد به فكاك الأسير واستنقاذه بالمال ، يقال : فداه من الاسر تفدية إذا استنقذه بمالٍ. مجمع البحرين للطريحي : ج 1 ص 328.

(3) اللهوف : ص 40 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 394 ، العوالم : ج 17 ، ص 244 ، أسرار الشهادة للدربندي : ج 2 ، ص 221 ، ترجمة الإمام الحسين ( من تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ) ص 221 ، ح 202.

29

برقت سيوفهم فأمطرت الطلا * * * بدمائها والنقعُ ثار سحابا

وكأنهم مستقبلون كواعباً * * * مستقبلين أسنةً وكعابا

وجدوا الردى من دون آل محمدٍ * * * عذباً وبعدهم الحياة عذابا

ودعاهم داعي القضاء وكلُهُم * * * ندبٌ إذا الداعي دعاه أجابا (1)

الإمام الحسين (عليه السلام) لا يأذن بالشهاده لمن كان عليه دين

روي عن موسى بن عمير ، عن أبيه قال : أمرني الحسين بن علي (عليه السلام) قال : نادِ أَنْ لا يُقتل معي رجلٌ عليه دَينٌ ، وناد ِبها في الموالي فإنّي سمعتُ رسولَ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : من مات وعليه دين اُخذ من حسناته يومَ القيامة (2).

وبمضون آخر وردت أيضاً عن موسى بن عمير الأنصاري ، عن أبيه ، قال : أمرني حسين بن علي (عليهما السلام)فقال : نادِ في الناس أنْ لا يقاتلِنَّ معي رجلٌ عليه دينٌ ، فإنَّهُ ليس من رجُلٍ يموتُ وعليه دينٌ لا يَدعُ له وفاءً إلا دخلَ النَّار !!

فقام إليه رجلٌ فقالَ : إنَّ امرأتي تكفّلت عنّي ؟

فقال : وما كفالَةُ امرأةٍ ، وهل تقضي امراةٌ (3).

وذكرها الذهبي أيضاً : عن الثوري عن أبي الجحَّاف ، عن أبيه : أن رجلاً قال للحسين (عليه السلام) : إنَّ عليَّ ديناً.

قال (عليه السلام) : لا يُقاتلُ معي مَنْ عليه دين (4).

____________

(1) رياض المدح والرثاء للقديحي : ص 94 ـ 95.

(2) إحقاق الحق : ج 19 ص 429 ، موسوعة كلمات الإمام الحسين : ص 417.

(3) احقاق الحق : ج 19 ، ص 429 ، موسوعة كلمات الإمام الحسين ، ص 417 ـ 418 ، حياة الإمام الحسين للقرشي : ج 3 ، ص 171 ، المعجم الكبير للطبراني : ج 3 ، ص 132 ، ح 6872.

(4) سير أعلام النبلاء للذهبي : ج 3 ، ص 301.

30

سكينة تصف ليلة العاشر

روي مؤلف كتاب نور العيون بإسناده ، عن سكينةَ بنت الحسين (عليه السلام) ، أنها قالت : كُنتُ جالسةً في ليلة مقمّرة وسط الخيمة ، وإذا أنا أسمع من خلفها بكاءً وعويلاً ، فخشيت أن يفقه بي النساء ، فخرجت أعثر بأذيالي ، وإذا بأبي (عليه السلام) جالس وحوله أصحابه وهو يبكي ، وسمعته يقول لهم : أعلموا أنّكم خرجتم معي لعلمكم أنّي أقدم على قوم بايعوني بألسنتهم وقلوبهم ، وقد إنعكس الأمر لأنهم استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله ، والآن ليس لهم مقصدٌ إلاّ قتلي وقتل من يجاهد بين يدي وسبي حرمي بعد سلبهم ، وأخشى أنّكُمْ ما تعلمون وتستحون ، والخدع عندنا أهل البيت محرّم (1) ، فمن كره منكم ذلك فلينصرف ، فإنّ الليل ستير والسبيل غير خطير ، والوقت ليس بهجير ، ومَنْ واسانا بنفسه كان معنا غداً في الجنان نجيّاً من غضب الرحمن ، وقد قال جدّي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) : ولدي الحسين يُقتل بأرض كربلاء غريباً وحيداً عطشاناً فريداً ، فمن نصره فقد نصرني ونصر ولده القائم ـ عجل الله فرجه ـ ، ولو نصرنا بلسانه فهو في حزبنا يوم القيامة.

قالت سكينة : فو الله ما أتمّ كلامه إلاّ وتفرق القوم من عشرة وعشرين ، فلم يبق معه إلا واحد وسبعون رجلاً ، فنظرت إلى أبي منكساً رأسه فخنقتني العبرة ، فخشيت أن يسمعني ورفعت طرفي إلى السماء وقلت : اللهم انّهم خذلونا فاخذلهم

____________

(1) وفي أسرار الشهادة : وأخاف أن لا تعلموا ذلك ، أو تعلموا ولا تتفرقوا للحياء منّي ، ويحرم المكر والخدعة عندنا أهل البيت.

31

ولا تجعل لهم دعاءً مسموعاً ، وسلط عليهم الفقر ولا ترزقهم شفاعة جدّي يوم القيامة ، ورجعت ودموعي تجري على خدي ، فرأتني عمتي أم كلثوم ، فقالت : ما دهاك يا بنتاه ، فأخبرتها الخبر ، فصاحت وا جدّاه وا عليّاه ، وا حسناه وا حسيناه ، وا قلّة ناصراه ، أين الخلاص من الأعداء ليتهم يقنعون بالفداء ، تركت جوار جدّك وسلكت بنا بُعدَ المدى ، فعلا منّا البكاء والنحيب.

فسمع أبي ذلك فأتى إلينا يعثر في أذياله ودموعه تجري ، وقال : ما هذا البكاء ؟

فقالت : يا أخي ردّنا إلى حرم جدّنا ، فقال : يا اختاه ليس لي إلى ذلك سبيل ، قالت : أجل ، ذكرهم محل جدّك وأبيك وأمك وأخيك ، قال : ذكّرتهم فلم يذكّروا ووعظتهم فلم يتعظوا ، ولم يسمعوا قولي ، فما لهم غير قتلي سبيل ، ولا بدّ أن تروني على الثّرى جديلاً ، ولكن أوصيكنّ بتقوى الله ربّ البريه والصبر على البلية وكظم نزول الرزيّة ، وبهذا أوعد جدّكم ولا خلف لما أوعد ، ودّعتكم إلهي الفرد الصمد ، ثم تباكينا ساعة والإمام (عليه السلام) يقول : ( وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) (1) (2).

____________

(1) سورة البقرة : الآية 57.

(2) الدمعة الساكبة : ج 4 ، ص 271 ـ 272 ، أسرار الشهادة للدربندي : ج 2 ، ص 222 ـ 223 ، الأيقاد : ص 93 ـ 94.

32

الإمام الحسين (عليه السلام) يُخبر أصحابه بالشهادة

روى عن أبي حمزة الثمالي (رضي الله عنه) قال : سمعت علي بن الحسين زين العابدين (عليهما السلام) يقول : لمّا كان اليوم الذي اُستشهد فيه أبي (عليه السلام) جمعَ اهله واصحابه في ليلة ذلك اليوم ، فقال لهم : يا أهلي وشيعتي اتخذوا هذا الليل جملاً لكم وانجو بانفسكم ، فليس المطلوب غيري ، ولو قتلوني ما فكروا فيكم ، فانجوا رحمكم الله ، فأنتم في حلٍّ وسعة من بيعتي وعهدي الذي عاهدتموني

فقال إخوته وأهله وأنصاره بلسان واحد : والله يا سيدنا يا أبا عبد الله ، لا خذلناك أبداً ، والله لا قال الناس : تركوا إمامهم وكبيرهم وسيدهم وحده حتى قُتل ، ونبلو بيننا وبين الله عُذراً ولا نخليك أو نُقتل دونك !!

فقال لهم : يا قوم إني في غَدٍ اُقتلُ وتُقتَلون كُلكُم معي ولا يَبقى مِنكم واحدٌ فقالوا : الحمدُ للهِ الذي أكرمَنا بنصرِكَ وشرّفَنَا بالقتل معك ، أو لا ترضى أن نكون معكَ في درجتِكَ يا ابن رَسولِ اللهِ ؟

فقال (عليه السلام) جزاكم الله خيراً ! ودعا لهم بخير ، ـ فأصبح وقُتل وقُتلوا معه أجمعون ـ.

فقال له القاسم بن الحسن (عليه السلام) : وأنا فيمن يُقتل ؟ فأشفق عليه ، فقال له : يا بُني كيف الموت عندك ؟ قال : يا عم فيك أحلى مِنَ العسل ، فقال : إي واللهِ فداك عَمُكَ ، إنك لأحد من يُقتل من الرجال معي بعد أن تبلو ببلاءٍ عظيم ، ويُقتل ابني عبد الله.

33

فقال : يا عم ويصلون إلى النساء حتى يُقتل عبد الله وهو رضيع ؟ فقال : فداك عمك ( يُقتل ابني عبد الله إذا جفت روحه عطشاً وصرت إلى خيمنا فطلبتُ له ماءً ولبناً فلا أجد قط فأقول : ناولوني ابني لاُشربه مِنْ فيَّ ) (1) ، فيأتوني به فيضعونه على يديَّ فأحمله لأُدنيه من فيَّ فيرميه فاسق بسهم فينحره وهو يناغي فيفيض دمه في كفي فأرفعه إلى السماء وأقول : اللهم صبراً واحتساباً فيك ، فتعجلني الأسنة منهم ، والنار تسعر في الخندق الذي في ظهر الخيم ، فأكرُّ عليهم في أمرّ أوقاتٍ في الدنيا ، فيكونُ ما يُريد الله ، فبكى وبكينا وارتفع البكاءُ والصُراخ من ذراري رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الخيم.

ويسألني زهير بن القين وحبيب بن مظاهر عن علي ، فيقولون : يا سيدّنا فسيدّنا علي ؟ فيشيرون اليَّ ماذا يكون من حاله ؟

ـ فيقول مستعبراً ـ : ما كان الله ليقطع نسلي من الدنيا ، فكيف يصلون إليه وهو أبُ ثمانية أئمة (2).

وفتية من بني عدنان ما نظرت * * * عين الغزالة أعلى منهمُ حسبا

اكفُهم يخصبُ المرعى الجديب بها * * * وفي وجوههم تستمطر السُحبا

أكرم بهم من مصاليت وليدهمُ * * * بغير ضرب الطلى بالبيض ما طربا

____________

(1) كان في العبارة تصحيف وما بين القوسين هو ما أثبته صاحب معالي السبطين كما لا يخفى.

(2) مدينة المعاجز للبحراني : ج 4 ، ص 214 ، ح 295 ، و ص 286 ، ط ـ قديم ، وروى هذه الرواية بإسناده إلى أبي حمزة ، ابن حمدان الحضيني في الهداية الكبرى : ص 43 ( مخطوط ) ، معالي السبطين للحائري : ج 1 ، ص 343 ـ 344 ، نفس المهموم للقميّ : ص 343 ـ 344.

34

الإمام الحسين (عليه السلام) يُري أصحابه منازلهم في الجنة

وروي أنَّ الحسين (عليه السلام) كشفَ لأصحابه عن أبصارهم فرأوا ما حباهمُ اللهُ من نعيم ، وعرَّفَهم منازلَهم فيها ، وليس ذلك في القدرةِ الإلهية بعزيز ولا في تصرفاتِ الإمام بغريب ، فإنَّ سحرةَ فرعون لمّا آمنوا بموسى (عليه السلام) وأراد فرعون قتْلَهم أراهم النبيُ موسى (عليه السلام) منازلَهم في الجنة (1).

قال شاعر أهل البيت الفرطوسي ـ (عليه الرحمه) ـ :

وأراهم وقد رأى الصدقَ منهم * * * في الموالاة بعد كشف الغطاءِ

مالهم من منازل قد اُعدت * * * في جنان الخلود يوم الجزاءِ

ولعمري وليس ذا بعسيرٍ * * * أو غريب من سيد الشّهداءِ

فلقد أطلعَ الكليمُ عليها * * * منهم كلَّ ساحرٍ بجلاءِ

حينما آمنوا بما جاءَ فيه * * * عندَ إبطال سحرِهم والرياءِ

بعد خوف من آلِ فرعونَ مُردٍ * * * لهم منذر بسوءِ البلاءِ

فأراهم منازلَ الخيرِ زلفىً * * * وثواباً في جنةِ الأتقياءِ

لازدياد اليقين بالحق فيهم * * * بعد دحضٍ للشك والافتراءِ

وثَباتاً منهم على الدين فيما * * * شاهدوه من عالم الإرتقاءِ (2)

وروي عن سعد بن عبد الله ، عن احمد بن محمد ابن عيسى ، عن الاهوازي ،

____________

(1) أخبار الزمان للمسعودي : ص 274 ، مقتل الحسين للمقرم : ص 215.

(2) ملحة أهل البيت للفرطوسي : ج 3 ، ص 291.

35

عن النضر بن سويد ، عن عاصم بن حميد ، عن ابي حمزة الثمالي ، قال : علي بن الحسين (عليه السلام) كنت مع أبي في الليلة التي قُتل في صبيحتها فقال (عليه السلام) لأصحابه : هذا الليل فاتّخذوه جملاً فإنَّ القوم إنما يريدونني ، ولو قتلوني لم يلتفتوا اليكم ، وانتم في حلٍ وسعةٍ.

فقالوا : والله لا يكون هذا ابداً ! قال : إنكم تُقتلون غداً ( كُلّكُم ) ولا يفلت منكم رجُل ، قالوا الحمد لله الذي شرفّنا بالقتل معك ثم دعا ، وقال لهم : ارفعوا رؤوسَكم وانظروا ، فَجعلوا يَنظرون إلى مواضعِهم ومنازلِهم من الجنة ، وَهو يقولُ لهم : هذا منزِلُكَ يا فلان ، وهذا قصرُك يا فلان ، وهذه درجتك يا فلان ، فكان الرجلُ يَستقبلُ الرّماحَ والسيوفَ بصدرِه وَوجهِه ، ليصلَ إلى مَنزِلِه مِنَ الجنة (1).

وَفي حديثِ أبي جعفر الباقر (عليه السلام) إن الحسينَ (عليه السلام) قال لأصحابه : ابشروا بالجنةِ فواللهِ إنّا نَمكثُ مَا شاء اللهُ بعدَ مَا يجري عَلينا ، ثم يُخرجُنا اللهُ وإياكم حتى يَظهر قَائمُنا فَينتقمَ من الظالمينَ ، وأنا وأنتم نُشاهِدهم في السلاسل والاغلال وأنواع العذاب !!

فَقيلَ له : مَنْ قائمُكُم يا ابن رسولِ الله ؟

قال : السابع مِن ولدِ ابني محمد بن عليِّ الباقر ، وهو الحجةُ ابنُ الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي ابني ، وهو الذي يَغيبُ مدةً طويلةً ثم يظهرُ وَيملأُ الأرض قسطاً وَعدلاً كما مُلئت ظلماً وَجوراً (2).

____________

(1) الخرائج والجرائح للراوندي : ج 2 ، ص 847 ـ 848 ، بحار الأنوار : ج 4 ، ص 298 ، أسرار الشهادة للدربندي : ج 2 ، ص 221.

(2) مقتل الحسين (عليه السلام) للمقرم : ص 215 عن إثبات الرجعة.

36

وروى الصدوق ـ (عليه الرحمه) ـ في علّة إقدام أصحاب الحسين (عليه السلام) على القتل ، قال : حدثنا محمد بن ابراهيم بن اسحاق (رضي الله عنه) قال : حدثنا عبدالعزيز بن يحيى الجلودي قال حدثنا محمد بن زكريا الجوهري قال : حدثنا جعفر بن محمد بن عمارة عن أبيه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : قلت له : أخبرني عن أصحابِ الحسين (عليه السلام) وإقدامِهم على الموتِ ، فقال : إنَّهم كُشفَ لَهم الغطاء حتى رَأوا منازلَهم من الجنةِ ، فكانَ الرجلُ منهم يَقدمُ على القتلِ لِيُبادرَ إلى حَوراءَ يُعانِقُها وإلى مكانِه مِن الجنة (1).

وجاء في زيارة الناحية المقدسة : أشْهدُ لَقدْ كَشفَ اللهُ لكمُ الغِطاء ، وَمَهّد لكُمُ الوطاء ، وأجزل لكم العطاء ، وكُنْتُمْ عن الحقِّ غَيرَ بطاء ، وأنتُم لنا فُرطاء ، ونحنُ لكُم خُلطاءُ في دارِ البقاء ، والسلام عليكُمْ ورحمةُ اللهِ وبركاته (2).

ولقد أجاد من قال فيهم (عليهم السلام) :

وذوو المروة والوفا أنصارُه * * * لهم على الجيش اللئامِ زئيرُ

طهرت نفوسهم لطيب اُصولها * * * فعناصرٌ طابت لهم وحجورُ

فتمثّلت لهم القصورُ وما بهِم * * * لولا تمثّلت القصورُ قصورُ

ما شاقَهم للموت إلاّ دَعْوَة * * * الرحمن لا ولدانُها والحورُ (3)

وقال الآخر :

____________

(1) علل الشرائع : ح 1 ، ص 229 ، ب 163 ، ح 1 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 297 ، مدينة المعاجز : ج 4 ص 214.

(2) الإقبال لابن طاووس : ج 3 ، ص 80 ، بحار الأنوار : ج 98 ، ص 273 ـ 274.

(3) نفثة المصدور للشيخ عباس القمي : ص 629.

37

وفتية من رجال الله قد صبروا * * * على الجلاد وعانوا كلَّ محذورِ

حتّى تراءت لهم عدن بزينتها * * * مآتماً كُنَّ عُرس الخُرَّد الحورِ (1)

وقال آخرٌ أيضاً :

وبيتوه وقد ضاق الفسيحُ به * * * منهم على موعد من دونه العطلُ

حتى إذا الحرب فيهم من غدٍ كشفت * * * عن ساقها وذكا من وقد ما شعلُ

تبادرت فتيةٌ من دونه غررٌ * * * شمّ العرانين ما مالوا ولا نكلوا

كأنّما يجتنى حلواً لانفسهم * * * دون المنون من العسّالة العسلُ

تراءت الحور في أعلى القصور لهم * * * كشفاً فهان عليهم فيه ما بذلوا (2)

الإمام الحسين (عليه السلام) يعظ أصحابه ويبشّرهم

جاء في تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) في قوله عزوجل : ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) (3)

قال (عليه السلام) : ولمّا امتحن الحسين (عليه السلام) ومن معه بالعسكر الذين قتلوه ، وحملوا رأسه قال لعسكره : أنتم من بيعتي في حلٍ فالحقوا بعشائركُم ومواليكم.

وقال : لأهل بيته قد جعلتكم في حلٍّ من مفارقتي ، فإنَّكمْ لا تُطيقونهم

____________

(1) أدب الطف للسيد جواد شبر : ج 6 ، ص 261.

(2) الدمعة الساكبة : ج 4 ، ص 278.

(3) سورة البقرة : الآية 34.

38

لتضاعف اعدادهم وقواهُمْ ، وما المقصود غيري ، فدعوني والقوم ، فإنَّ اللهَ ـ عزّوجلّ ـ يُعينُني ولا يُخليني من حُسن نظرهِ كعاداته في أسلافنا الطَّيبين.

فأمّا عسكره ففارقوه ، وأما أهله الأدنون من أقربائه فأبوا !! وقالوا : لا نفارقك ويحلُّ بنا ما يحلُّ بك ، ويحزننا ما يحزنك ، ويصيبنا ما يصيبك ، وإنّا أقرب ما نكونُ إلى الله إذا كنا معك.

فقال لهم : فإنْ كُنتم قد وطنتم أنفسكم على ما وطَّنت نفسي عليه ، فاعلموا أنَّ الله إنّما يهبُ المنازل الشريفة لعباده ( لصبرهم ) باحتمال المكارة ، وأنَّ الله وإنْ كان خَصَّني مع مَنْ مضى مِنْ أهلي الَّذينَ أنا آخرُهُم بقاءً في الدُّنيا من الكرامات بما يَسهل عليَّ معها احتمال الكريهات ، فإنَّ لكم شطرُ ذلك من كرامات الله تعالى ، واعلموا أن الدنيا حُلوها ومرها حُلمٌ (1) والانتباه في الآخرة ، والفائز من فاز فيها ، والشقيُّ مَنْ شقي فيها.

أولا اُحدثكم بأول أمرنا وأمركم معاشرَ أوليائنا ومحبينا ، والمعتصمينَ بنا ليسهل عليكم احتمال ما أنتم له معرضون (2) ؟

قالوا بلى يابن رسول الله.

قال : إنَّ الله تعالى لمّا خلقَ آدم ، وسوّاهُ وعلَّمَه أسماء كلَّ شيء وعرضهم على الملائكة ، جعل محمداً وعلياً وفاطمةَ والحسنَ والحسينَ (عليهم السلام) أشباحاً خمسةً في ظهرِ آدم ، وكانت أنوارُهم تُضيءُ في الآفاق من السماوات والحُجب والجنان والكرسيّ والعرش ، فأمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم تعظيماً له ، إنَّه قد فضّله

____________

(1) وفي أسرار الشهادة : واعلموا أن الدنيا حلوها مرّ ، ومرها حلو.

(2) وفي بحار الأنوار : مقرّون.

39

بأن جعلهُ وعاء لتلك الأشباح التي قد عمَّ أنوارُها في الآفاق ، فسجدوا إلا إبليس أبى أنْ يتواضع لجلال عظمة الله ، وأن يتواضع لأنوارنا أهلَ البيت ، وقد تواضعت لها الملائكةُ كلُها واستكبر وترفَّع ، وكان باءِبائه ذلك وتكبّره من الكافرين (1).

ومن جملة البشارات التي بشَّر بها الحسين (عليه السلام) أصحابه (عليهم السلام) هو ما رواه القطب الراوندي عن أبي سعيد سهل بن زياد ، عن الحسن بن محبوب ، عن أبن فضيل ، عن سعد الجلاّب ، عن جابر ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : قال الحسين بن علي (عليهما السلام) لأصحابه قبل أن يُقتل : إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : يا بُنيَّ إنك ستساقُ إلى العراق ، وهي أرضٌ قد التقى بها النبيّون وأوصياء النبيّين ، وهي أرضٌ تدعى ( عموراء ) وإنك تستشهد بها ، ويستشهد معك جماعةٌ من أصحابك لا يجدون ألم مس الحديد ، وتلا : ( قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ ) (2) تكونُ الحرب عليك وعليهم برداً وسلاماً فابشروا ، فو الله لئن قتلونا ، فإنَّا نرد على نبيّنا (3).

____________

(1) تفسير الامام العسكري (عليه السلام) : ص 218 ـ 219 ، تاويل الآيات : ج 1 ، ص 44 ، ح 18 ( باختصار ) ، بحار الأنوار : ج 11 ، ص 149 ، ج 45 ، ص 90 ـ 91 ، الدمعة الساكبة : ج 4 ص 270 ، أسرار الشهادة للدربندي : ج 2 ، ص 223 إلى قوله الشقي من شقي فيها.

(2) سوره الأنبياء الآية : 69.

(3) الجرائح والخرائج للراوندي : ج 2 ، ص 848 ، بحار الأنوار ج 45 ، ص 80 ، ح 6 ، مدينة المعاجز للبحراني : ج 3 ، ص 504 ص 245 الطبعة الحجرية.

40

الإمام الحسين (عليه السلام) يعالج سيفه

ووصيته لاُخته زينب (عليها السلام)

روي عن علي بن الحسينِ بن علي (عليه السلام) قال : إني جالسٌ في تلكَ العشيّةِ التي قُتل أبي صَبيحتَها وَعمتي زينبُ عندِي تُمرضُني إذ اعتزلَ أبي بأصحابِه في خَباءٍ له وَعندَه حُوَى مَولى (1) أبي ذر الغفاري وَهو يُعالجُ سَيفَه (2) ويُصلِحُهُ وأبي يقولُ :

يَا دهرُ أفٍّ لكَ مِنْ خَليلِ * * * كَمْ لكَ بالإشراقِ وَالأصيلِ

مِنْ صَاحبٍ أو طالبٍ قَتيلِ * * * وَالدهرُ لا يَقنعُ بالبديلِ

وإنَّمَا الأمر إلى الجليلِ * * * وَكلُّ حيٍّ سَالكُ السبيلِ

____________

(1) هو : جون بن حوى مولى أبي ذر الغفاري ، كما في الزيارة الرجبية وزيارة الناحية ، وكذا في مقاتل الطالبيين ، وذكره الخوارزمي والطبري باسم حُوى ، وذكره الشيخ المفيد في الإرشاد وابن شهراشوب في المناقب باسم جوين. وكان جون منضمَّاً إلى أهل البيت (عليهم السلام) بعد أبي ذر فكان مع الحسن (عليه السلام) ثم مع الحسين (عليه السلام) ، وصحبَه في سفره من المدينة إلى مكة ثم إلى العراق ، وفي كامل بهائي أنه كان بصيراً بمعالجة آلات الحرب واصلاح السلاح ، وقتل بين يدي الحسين (عليه السلام) ووقف عليه وقال : اللهم بيض وجهه وطيب ريحه واحشره مع الأبرار ، وعرف بينه وبين محمد وآل محمد ، وروي عن الباقر عن علي بن الحسين (عليهم السلام) إنّ بني أسد الذين حضروا المعركة ليدفنوا القتلى وجدوا جوناً بعد أيّام تفوح منه رائحة المسك.

راجع : مقتل الحسين للخوارزمي : ج 1 ص 237 ، تاريخ الطبري : ج 4 ص 318 ، المناقب لابن شهراشوب : ج 4 ص 103 ، كامل بهائي : ج 2 ، ص 280 ، إبصار العين : ص 105 ، أنصار الحسين لشمس الدين : ص 80 ـ 81.

(2) وفي مقاتل الطالبيين : ص 113 ، وهو يعالج سهاماً له ، وبين يديه جون الخ.

41

قال : فأعادها مرتين أو ثلاثاً حتى فَهِمتُها ، فَعرَفتُ مَا أرادَ فَخنقَتني عَبرتي فرددّتُ دَمعي ولزمتُ السكون فَعلمتُ أنَ البلاءَ قد نزلَ ، فأمّا عمَّتي فإنها سَمِعت ما سمعتُ وهي امرأةٌ وَفي النساءِ الرقَّةُ والجزعُ فَلم تملك نفسَها أن وَثبت تَجرُّ ثوبَها وَإنها لحاسرةٌ حتى انتهت إليه فقالت : واثكلاه لَيتَ الموتَ أعدمني الحياة ، اليومَ ماتتْ فاطمةُ أمّي وعليٌّ أبي وحسنٌ أخي ، يا خليفةَ الماضي وثمال (1) الباقي (2).

قال : فَنظَر إليها الحسين (عليه السلام) فقال : يا أُخيّةُ لا يُذهبنَّ حلمَكِ الشيطانُ ، قالت : بأبي أنتَ وأمي يا أبا عبد الله استقتلتَ نَفسي فداكَ.

قالت أتُقتل نصبَ عيني جهرة * * * ما الرأي فيَّ وما لديَّ خفيرُ

فأجابها قلّ الفدا كثُر العدى * * * قَصُرَ المدى وسبيلنا محصور

فَردَّ غُصّتَهُ وَترقرقتْ عَيناهُ ، وَقالَ : لو تُركَ القطا (3) ليلاً لنام (4) ، قالت : يَا ويلتي

____________

(1) جاء في حديث أبي طالب (عليه السلام) يمدح ابن أخيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) :

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * * * ثِمالُ اليتامى عصمةٌ للارامل

الثمال : ككتاب ، الغياث والذي يقوم بامر قومه ، يقال : فلانٌ ثِمالُ قومه أي غِياثٌ لهم. مجمع البحرين للطريحي : ج 5 ، ص 332.

(2) وفي الإرشاد : ياخليفةَ الماضين وثمالَ الباقين.

(3) القَطَا : ضرب من الحمام ذوات أطواق يُشبه الفاخته والقُماري ، وفي المثل أهدى من القطا ، قيل أنه يطلب الماءَ مسيرة عشرة أيام وأكثر من فراخها من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس فترجع ، ولا تُخطيء صادرة ولا واردة. مجمع البحرين للطريحي : ج 1 ، ص 347.

(4) لو ترك القطا ليلاً لنام ، جاء في قصة هذا المثل : إنه نزل عمرو بن مامة على قوم مُراد ، فطوقوه ليلاً ، فأثاروا القطا من أماكنها ، فرأتها امرأته طائرة فنبّهت المرأةُ زوجها ، فقال : إنما هي القطا ، فقالت : لو تُرك القطا ليلاً لنام. يُضرب لمن حُمل على مكروه من غير إرادته وقيل : أول من قال : لو ترك القطا

42

أفتَغصِبُ نفسَكَ اغتصاباً ؟ فذلكَ أقرحُ لِقلبي وأشدُّ على نَفسي وَلطمَتْ وَجهَهَا وأهوتْ إلى جَيبِها وشقتهُ ، وَخرّت مَغشياً عليها.

فقام إليها الحسين (عليه السلام) فصبَّ على وَجهِهِا الماءَ ، وقال لها : يا أُخيَّة اتّقي اللهَ وَتعزّي بعزاءِ اللهِ واعلمي أنَّ أهل الأرضِ يَموتون ، وأنَّ أهل السماءِ لا يبقونَ وأنَّ كلَ شيءٍ هالكٌ إلا وجهَ اللهِ الذي خَلقَ الأرض بقُدرتهِ ، وَيبعثَ الخلقَ فيعودونَ وَهو فردٌ وحدَه ، أبي خيرٌ مني ، وأمي خيرٌ مني ، وأخي خيرٌ مني ، وَلي وَلَهم ولكلِ مُسلمٍ برسولِ اللهِ أسوةٌ.

قال : فعزّاها بهذا وَنحوهِ ، وقال لها : يا أُخيّة إني اُقسمُ عليكِ فأبرِّي قَسمي ، لا تشُقي عليَّ جَيباً ، وَلا تخمشي عليَّ وَجهاً ، وَلا تدعي عليَّ بالويلِ والثبورِ إذا أنا هلكت.

وفي رواية (1) ثم قال (عليه السلام) : يا اُختاه يا اُمّ كلثوم ، وأنتِ يا زينب ، وأنتِ يا فاطمة ، وأنتِ يا رباب ، إذا أنا قُتلت فلا تشققنَ عليَّ جيباً ، ولا تخمشن عليَّ وجهاً ، ولا تقلن هجراً.

____________

ليلاً لنام ، حذام بنت الريان وذلك لما سار عاطس بن خلاج لقتال أبيها ليلاً فلما كانوا قريباً منه أثاروا القطا ، فمرت بأصحاب الريان فخرجت حذام إلى قومها فقالت :

الا يا قومنا ارتحلوا وسيروا * * * فلو تُرك القطا ليلاً لناما

أي أن القطا لو تُرك ما طار هذه الساعة وقد أتاكم القوم ، فلم يلتفتوا إلى قولها ، وأخلدوا إلى المضاجع لمّا نالهم من التعب ، فقام دَيسم بن طارق وقال بصوت عال :

إذا قالت حذام فصدّقوها * * * فإنَّ القولَ ما قالتْ حذامِ

انظر : مجمع الامثال للميداني : ج 3 ، ص 82.

(1) اللهوف : ص 36 ، مقتل الحسين للخوارزمي : ص 238.

43

اُخت يا زينب اُوصيك وصايا فاسمعي

إنني في هذه الأرض ملاقٍ مَصرعي

فاصبري فالصبرُ من خيم كرامِ المترعِ

كلُ حيّ سينحيه عن الأحياء حين

في جليلِ الخطبِ يا أختُ اصبري الصبر الجميل

إن خيرَ الصبرِ ما كان على الخطبِ الجليل

واتركي اللطمَ على الخدِ وإعلان العويل

ثم لا أكره سَقيَ العينِ ورد الوجنتين

واجمعي شملَ اليتامى بعد فقدي وانظمي

واشبعي من جاعَ منهم ثم اروي مَنْ ظُمي

واذكُري انهم في حفظهم طُل دمي

ليتني من بينهم كالأنف بين الحاجبين

قال : ثم جاء بها حتى أجلسَها عندي ، وَخرجَ إلى أصحابه فأمرَهم أن يُقرِّبوا بعض بيوتهم مِن بعض ، وأن يُدخِلوا الأطناب بعضها في بعض ، وأن يكونوا هُم بين البُيوت ، إلا الوجه الذي يأتيهم منهُ عدوّهُم (1).

____________

(1) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 318 ، نهاية الأرب للنويري : ج 20 ، ص 436 ، الكامل في التاريخ لابن الأثير : ج 4 ، ص 58 ـ 59 ، مقتل الحسين للخوارزمي : ص 237 ـ 238 ، الإرشاد للمفيد : ص 232 ، إعلام الورى للطبرسي : ص 239 ـ 240 ، بحار الأنوار : ج 45 ، ص 1 ـ 3 ، أسرار الشهادة للدربندي : ج 2 ، ص 224.

44

من وصايا الإمام الحسين (عليه السلام)

قيل ومن جملة وصاياه (عليه السلام) والتي استأثرت باهتمام بالغ عنده ، وتدل على مدى حرصه الشديد في نشر أحكام الدين والشرع المبين مع ما هو فيه ، هو وصيته (عليه السلام) لاُخته زينب (عليها السلام) بأخذ الأحكام من الإمام علي بن الحسين (عليهما السلام) وإلقائها إلى الشيعة ستراً عليه.

فقد جاء عن علي بن أحمد بن مهزيار ، عن محمد بن جعفر الأسدي ، عن احمد بن إبراهيم ، قال : دخلت على حكيمة بنت محمد بن علي الرضا ، اُخت أبي الحسن العسكري (عليهم السلام) في سنة اثنين وثمانين ( ومائتين ) بالمدينة ، فكلمتها من وراء الحجاب وسألتها عن دينها ؟ فَسمّت لي من تأتم به ، ثمَّ قالت : فلان بن الحسن (عليه السلام) فَسمتهُ.

فقلت لها : جعلني الله فداكِ معاينةً أو خبراً ؟ فقالت : خبراً عن أبي محمد (عليه السلام) كتب به إلى أمه ، فقلت لها : فأين المولود ؟ فقالت : مستور ، فقلت : فإلى مَنْ تفزع الشيعة ؟ فقالت : إلى الجدَّة أم أبي محمد (عليه السلام).

فقلت لها أقتدي بمَنْ وصيتُهُ إلى المرأة ؟!

فقالت : إقتداءً بالحسين بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام)، إنَّ الحسين بن علي (عليه السلام) أوصى إلى اُخته زينب بنت علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الظاهر ، وكان ما يخرج عن علي بن الحسين من علم يُنسب إلى زينب بنت علي تَستّراً على علي بن الحسين (عليه السلام) (1).

____________

(1) كمال الدين وإتمام النعمة للصدوق : ص 501 ، بحار الأنوار : ج 46 ، ص 19.

45

وفي هذا المعنى يقول الفرطوسي ـ (عليه الرحمه) ـ :

وهو أوصى إلى العقيلة جهراً * * * ولزين العباد تحت الخفاء

فهي تعطي الأحكام للناس فتوىً * * * بعد أخذٍ من زينة الأولياء

كلُّ هذا ستراً عليه وحفظاً * * * لعليٍّ من أعيُنِ الرُقباء (1)

ولهذا قيل : أنه كان لزينب (عليها السلام) نيابة خاصة عن الحسين (عليه السلام) وكان الناس يرجعون إليها في الحلال والحرام حتى برئ زين العابدين (عليه السلام) من مرضه (2).

الإمام الحسين (عليه السلام) يتفقّد التلاع والعقبات

وكلامه مع نافع بن هلال

كان نافع ابن هلال (3) من أخص أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) به ، وأكثرهم

____________

(1) ملحمة أهل البيت (عليهم السلام) للفرطوسي : ج 3 ، ص 295.

(2) وفاة زينب الكبرى للنقدي : ص 53.

(3) هو : نافع بن هلال بن نافع بن جمل بن سعد العشيرة بن مدحج ، المذحجي الجملي ، وفي زيارة الناحية ( البجلي ) ، وقد جاء في بعض الكتب هلال ابن نافع ، كان سيداً شريفاً سرياً شجاعاً ، وكان قارئاً كاتباً من حملة الحديث ، ومن أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) وحضر معه حروبه الثلاث في العراق ، وخرج إلى الحسين (عليه السلام) فلقيه في الطريق ، وكان ذلك قبل مقتل مسلم ، وهو القائل للحسين بعد ما خطب خطبته التي يقول فيها : أما بعد فقد نزل من الأمر ما قد ترون وأنَّ الدنيا قد تنكرت ... الخ. ثم قام نافع

46

ملازمة له سيما في مضان الإغتيال ـ وقيل أنه كان حازماً بصيراً بالسياسة ـ فلما رأى الحسين (عليه السلام) خَرجَ في جَوفِ الليلِ إلى خارج الخيامِ يَتفقدُ التلاعَ (1) والعقباتِ (2) تبعَهُ نافعُ ، فسألَه الحسينُ (عليه السلام) عمّا أخرجَهُ ؟ فقال : يَابنَ رسولِ اللهِ أفزعني خُروجُكَ إلى جِهةِ مُعسكر هذا الطاغي.

فقال الحسينُ (عليه السلام) : إني خرجتُ أتفَقدُ التلاعَ وَالروابي (3) مخافةَ أن تكونَ مَكمَناً لِهجُومِ الخيل يومَ تحملونَ ويَحملونَ ، ثُّم رجَع (عليه السلام) وَهو قَابضٌ على يدِ نافعَ ، وَيقولُ : هيَ هيَ واللهِ وَعدٌ لا خُلفَ فيه.

ثم قال لَه : ألا تَسلُك بَين هَذيَنِ الجبلَين في جَوفِ الليلِ وَتنجُو بنفسِك ؟ فَوقعَ نَافعُ على قَدميهِ يُقبّلهُما ويقولُ : ثَكلتني أمي ، إن سَيفي بألفٍ وَفرسي مثلُه ، فَواللهِ الذي مَنَّ بِكَ عليَّ لا فارقتُكَ حتى يَكلاّ (4) عن فَري وجري.

____________

فقال : ... وأنت اليوم عندنا في مثل تلك الحالة ، فمن نكث عهده ، وخلع نيته ، فلن يضر إلاّ نفسه والله مغن عنه ، فسر بنا راشداً معافي ، مُشرّقاً إن شئت ، وإن شئت مُغرّباً ، فوالله ما اشفقت من قدر الله ، ولا كرهنا لقاء ربنا ، فإنّا على نياتنا وبصائرنا نوالي من والاك ونعادي من عاداك ، ويُعدُ نافع ـ (رضوان الله عليه) ـ من المشاركين في جلب الماء مع العباس (عليه السلام) ، وقاتل قتالاً شديداً حتى اُسر ، وقتله شمر بن ذي الجوشن. وفيه يقول السماوي :

فأضحى خضيب الشيب من دم رأسه * * * كسير يدٍ ينقاد للأسر عن يدِ

وما وجدوه واهناً بعد أسره * * * ولكن بسيما ذي براثن ملبد

راجع : إبصار العين : ص 86 ـ 89 ، أنصار الحسين لشمس الدين : ص 109.

(1) التلعة : جمعه تلعات وتِلاع وتِلَع ، وهي مجرى الماء من أعلى الوادي ، وهي أيضاً : ما ارتفع من الأرض وما انهبط منها فهي من الأضداد. المصباح المنير للفيومي : ص 76 ، المنجد : ص 63.

(2) العقبات : جمع عقبة ، وهي المرقى الصعب من الجبال. المنجد : ص 518.

(3) مفردها : رَابية ، وهي المكان المرتفع من الأرض.

(4) كَلَّ السيف : أصبح غير قاطع ، وكَلَّ الفرس ؛ إذا تَعِبَ وأعيا.

47

زينب (عليها السلام) تحدّث الحسين (عليه السلام) في استعلامه

نيّات أصحابه

ثُم دَخلَ الحسين (عليه السلام) خَيمةَ زينب ، وَوقفَ نافعٌ بإزاءِ الخيمةِ ينَتظرُه فَسمعَ زينبَ تقولُ لَهُ : هَل استعلمتَ مِنْ أصحابِكَ نياتِهم فإني أخشى أن يُسلموك عند الوثَبة.

فقال لها : واللهِ لقد بلوتُهم ، فما وجدتُ فيهم إلا الأشوسَ (1) الاقعسَ (2) يَستأنسونَ بالمنيةِ دوني استيناسَ الطفلِ إلى محالبِ أمه.

قال نافعُ : فلّما سمعتُ هذا منه بَكيتُ وأتيتُ حبيبَ بنَ مظاهر وَحكيتُ ما سمعتُ منه وَمن أُختهِ زينب.

قال حبيب : واللهِ لولا انتظارُ أمرهِ لعاجلتُهم بسيفي هذه الليلة.

قلت : إني خَلّفتُه عندَ أُختهِ وأظنُ النساءَ أفقنَ وَشاركنها في الحسرةِ فهل لكَ أن تجمعَ أصحابَك وَتواجهُوهُنَّ بِكلامٍ يُطيّبُ قلوبَهُنَّ.

حبيب (عليه السلام) يخطب في الأنصار

ويُطيّب خواطر النساء

فقام حبيبٌ ونادى : يا أصحابَ الحميةِ وليوث الكريهةِ ، فتطالَعوا من مضاربهم

____________

(1) الاشوس : الشديد.

(2) الاقعس : المنيع.

48

كَالأسود الضاريةِ ، فقالَ لبني هاشم : ارجعوا إلى مقركم لا سهرتْ عُيونُكُمْ.

ثُّم التفتَ إلى أصحابه وحَكى لهم ما شَاهدَهُ وسمعَهُ نافعٌ ، فقالوا بأجمعِهِم : والله الذي مَنَّ عَلينا بهذا الموقفِ لولا انتظارُ أمره لعاجلناهم بسيوفِنا الساعة ! فَطبْ نَفساً وَقرَّ عَيناً فجزاهُمْ خيراً.

وَقال : هَلمّوا معي لنواجه النسوةَ ونُطيبَ خَاطرَهُنَّ ، فجاءَ حبيبُ وَمعُه أصحابه وَصاحَ : يا معشرَ حرائرِ رسولِ اللهِ هذه صوارمُ فتيانِكُمْ آلوا ألا يغمدوها إلا في رقابِ مَنْ يُريدُ السوء فيكُمْ ، وَهذهِ أسنة غلمانِكُمْ أقسَموا ألا يَركزوها إلا في صُدورِ مَنْ يُفرّق نَاديكم.

فَخرجن النساء إليهم ببكاءٍ وعويلٍ وَقلن أيها الطيبون حاموا عن بناتِ رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) وحرائرِ أمير المؤمنين (عليه السلام).

فضجّ القومُ بالبكاءِ حتى كأنَّ الأرض تَميد بهم (1).

ولقد اجاد الصّحَيّح اذ يقول في ذلك :

ووراءَ أروقة الخيام حكايةٌ * * * اخرى ، تتيه طيوفها بجمالِ

فهنالك الأسديُّ يبدع صورةً * * * لفدائه حوريّةَ الأشكال

ويحاول استنفار شيمة نخبةٍ * * * زرعوا الفلاة رجولة ومعالي

نادى بهم والمجد يشهد أنه * * * نادى بأعظم فاتحين رجال

فاذا الفضاء مدجّج بصوارمٍ * * * واذا التراب ملغمٌ بعوالي

ومشى بهم أسداً يقود وراءه * * * نحو الخلود كتيبة الأشبال

____________

(1) مقتل الحسين للمقرم : ص 218 ـ 219 ، معالي السبطين : ج 1 ، ص 344 ـ 346 ، الدمعة الساكبة : ج 4 ، ص 273 ـ 274 ، بتفاوت.

49

حتى إذا خدرُ العقيلة أجهشت * * * استارُه في مسمع الأبطال

القى السلام فما تبقّت نبضةٌ * * * في قلبه لم ترتعشْ بجلال

ومذ التقته مع الكآبة زينبٌ * * * مخنوقة من همّها بحبال

قطع استدارة دمعة في خدّها * * * وأراق خاطرها من البلبال

وتفجر الفرسان بالعهد الذي * * * ينساب حول رقابهم بدلال

قرِّي فؤاداً يا عقيلة واحفظي * * * هذي الدموع فانهنَّ غوالي

عهد زرعنا في السيوف بذوره * * * وسقته ديمةُ جرحنا الهطال

زينب (عليها السلام) تتفقّد

خيمة الحسين والعبّاس (عليهما السلام)

روي عن فخر المخدّرات زينب (عليها السلام) قالت : لما كانت ليلة عاشوراء من المحرم خرجتُ من خيمتي لأتفقّد أخي الحسين (عليه السلام) وأنصاره ، وقد أفرد له خيمة فوجدته جالساً وحده يُناجي ربّه ويتلو القرآن ، فقلت في نفسي : أفي مثل هذه الليلة يُترك أخي وحده ، والله لأمضين إلى إخوتي وبني عمومتي واُعاتبهم بذلك ، فأتيت إلى خيمة العبّاس فسمعت منها همهمةٌ ودمدمة ، فوقفت على ظهرها فنظرت فيها فوجدت بني عمومتي وإخوتي وأولاد إخوتي مجتمعين كالحلقة وبينهم العباس بن أمير المؤمنين (عليهما السلام) وهو جاثٍ على رُكبتيه كالأسد على فريسته.

50

العباس يخطب في بني هاشم ويحرِّضهم على

القتال قبل الأنصار

فخطب فيهم خطبة ما سمعتها إلاّ من الحسين (عليه السلام) مشتملة بالحمد والثناء لله والصلاة والسلام على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

ثم قال في آخر خطبته : يا إخوتي وبني إخوتي وبني عمومتي إذا كان الصباح فما تقولون ؟

فقالوا : الأمر إليك يرجع ونحن لا نتعدى لك قولك.

فقال العبّاس (عليه السلام) : إن هؤلاء ، أعني الأصحاب قوم غرباء ، والحمل الثقيل لا يقوم إلاّ بأهله ، فإذا كان الصباح فأول من يبرز إلى القتال أنتم ، نحن نقدمهم للموت ، لئلا يقول الناس قدّموا أصحابهم فلما قتلوا عالجوا الموت بأسيافهم ساعة بعد ساعة ، فقامت بنو هاشم وسلّوا سيوفهم في وجه أخي العباس ، وقالوا : نحن على ما أنت عليه !

قالت زينب (عليها السلام) : فلما رأيت كثرة اجتماعهم وشدّة عزمهم وإظهار شيمتهم سكن قلبي وفرحت ولكن خنقتني العبرة.

حبيب يحاور الأنصار ويحرّضهم على القتال

قبل بني هاشم

فأردت أن أرجع إلى أخي الحسين (عليه السلام) وأخبره بذلك فسمعت من خيمة

51

حبيب بن مظاهر همهمةٌ ودمدمة ، فمضيت إليها ووقفت بظهرها ونظرت فيها فوجدت الأصحاب على نحو بني هاشم مجتمعين كالحلقة وبينهم حبيب بن مظاهر وهو يقول : يا أصحابي لِمَ جئتم إلى هذا المكان ، أوضحوا كلامكم رحمكم الله فقالوا : أتينا لننصر غريب فاطمة (عليها السلام) !

فقال لهم : لم طلقتم حلائلكم ؟ فقالوا : لذلك !

قال حبيب : فإذا كان في الصباح فما أنتم قائلون ؟

فقالوا : الرأي رأيك ولا نتعدّى قولاً لك.

قال : فإذا صار الصباح فأول من يبرز إلى القتال أنتم ، نحن نقدمهم للقتال ولا نرى هاشمياً مضرّجاً بدمه وفينا عرقٌ يضرب ، لئلا يقول الناس : قدَّموا ساداتهم للقتال وبخلوا عليهم بأنفسهم.

فهزَّوا سيوفهم ( في ) وجهه ، وقالوا : نحن على ما أنت عليه.

زينب (عليها السلام) تتعجب من موقف بني هاشم والأنصار

قالت زينب : ففرحتُ من ثباتهم ولكن خنقتني العبرة فانصرفت عنهم وأنا باكية ، وإذا بأخي الحسين (عليه السلام) قد عارضني فسكنت نفسي وتبسمت في وجهه ، فقال : أُخيّة. فقلت : لبيك يا أخي. فقال (عليه السلام) : يا أختاه منذ رحلنا من المدينة ما رأيتك متبسمة أخبريني ما سبب تبسمك ؟

فقلت له : يا أخي رأيت من فعل بني هاشم والأصحاب كذا وكذا !!

52

فقال لي : يا أُختاه إعلمي أن هؤلاء أصحابي (1) من عالم الذرّ وبهم وعدني جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هل تحبين أن تنظري إلى ثبات إقدامِهم ؟

فقلت : نعم. فقال (عليه السلام) : عليك بظهر الخيمة.

الإمام الحسين (عليه السلام) يخطب في أصحابه

ويكشف لهم عن أبصارهم

قالت زينب : فوقفت على ظهر الخيمة ، فنادى أخي الحسين (عليه السلام) : أين إخواني وبنو أعمامي ! فقامت بنو هاشم وتسابق منهم العباس وقال : لبيك لبيك ما تقول ؟

فقال الحسين (عليه السلام) : أُريد أن أُجدّد لكم عهداً ، فأتى أولاد الحسين وأولاد الحسن وأولاد علي وأولاد جعفر وأولاد عقيل ، فأمرهم بالجلوس فجلسوا.

____________

(1) قد جاء في الأحاديث الشريفة إن أصحاب الحسين (عليه السلام) معروفون بأسمائهم من قبل واقعة الطف ، روى ابن شهراشوب قال : عُنّف ابن عباس على تركه الحسين (عليه السلام) فقال إن أصحاب الحسين (عليه السلام) لم ينقصوا رجلاً ولم يزيدوا رجلاً ، نعرفهم بأسمائهم من قبل شهودهم ، وقال محمد بن الحنفية وإن أصحابه (عليه السلام) عندنا لمكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم. راجع : مناقب آل أبي طالب لابن شهراشوب : ج 4 ، ص 53 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 185.

وروى بن قولويه ـ (عليه الرحمه) ـ قال : حدثني الحسن عن أبيه عن محمد بن عيسى عن صفوان بن يحيى عن يعقوب بن شعيب عن حسين بن أبي العلاء قال : والذي رفع اليه العرش لقد حدثني أبوك بأصحاب الحسين (عليه السلام) لا ينقصون رجلاً ولا يزيدون رجلاً ، تعتدي بهم هذه الأمة كما اعتدت بنو إسرائيل يوم السبت ... الخ ، كامل الزيارات لابن قولويه : ص 73 ، وعنه بحار الأنوار : ج 45 ، ص 87.

53

ثم نادى : أين حبيب بن مظاهر ، أين زهير ، أين هلال ، أين الأصحاب ، فأقبلوا وتسابق منهم حبيب بن مظاهر. وقال : لبيك يا أبا عبد الله ، فأتوا إليه وسيوفهم بأيديهم ، فأمرهم بالجلوس فجلسوا فخطب فيهم خطبة بليغة.

ثم قال : يا أصحابي ، اعلموا أن هؤلاء القوم ليس لهم قصدٌ سوى قتلي وقتل من هو معي ، وأنا أخاف عليكم من القتل ، فأنتم في حلٍّ من بيعتي ومن أحب منكم الإنصراف فلينصرف في سواد هذا الليل.

فعند ذلك قامت بنو هاشم وتكلّموا بما تكلموا ، وقام الأصحاب وأخذوا يتكلّمون بمثل كلامهم فلما رأى الحسين (عليه السلام) حُسن إقدامهم وثبات أقدامِهم ، قال (عليه السلام) : إن كنتم كذلك فارفعوا رؤوسكم وانظروا إلى منازلكم في الجنة ، فكشف لهم الغطاء ورأوا منازلهم وحورهم وقصورهم فيها ، والحور العين ينادين العجل العجل فإنا مشتاقات إليكم !

فقاموا بأجمعهم وسلوا سيوفهم ، وقالوا : يا أبا عبد الله أتأذن لنا أن نغير على القوم ونقاتلهم حتى يفعل الله بنا وبهم ما يشاء.

فقال (عليه السلام) : اجلسوا رحمكم الله وجزاكم الله خيراً.

الإمام الحسين (عليه السلام) يأذن لنساء الأنصار بالانصراف لئلا

تُسبى ومحاورة علي بن مظاهر مع زوجته

ثم قال : ومن كان في رحله امرأة فلينصرف بها إلى بني أسد ، فقام علي بن مظاهر وقال : ولماذا يا سيدي ؟!

54

فقال (عليه السلام) : إن نسائي تُسبى بعد قتلي وأخاف على نسائكم من السبي ، فمضى علي بن مظاهر إلى خيمته فقامت زوجته إجلالاً له فاستقبلته وتبسمت في وجهه. فقال لها : دعيني والتبسّم !!

فقالت : يا ابن مظاهر إني سمعت غريب فاطمة (عليها السلام) خطب فيكم وسمعت في آخرها همهمة ودمدمةً فما علمت ما يقول ؟

قال : يا هذه إن الحسين (عليه السلام) قال لنا : ألا ومن كان في رحله امرأة فليذهب بها إلى بني عمها لأني غداً اُقتل ونسائي تُسبى.

فقالت : وما أنت صانع ؟ قال : قومي حتى أُلحقكِ ببني عمك بني أسد ، فقامت ونطحت رأسها في عمود الخيمة وقالت : والله ما أنصفتني يا بن مظاهر أيسرّك أن تُسبى بنات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنا آمنة من السبي ؟ أيسرّك أن تُسلب زينب إزارها من رأسها وأنا أتسترّ بإزاري ؟ أيسرك أن تذهب من بنات الزهراء أقراطها وأنا أتزين بقرطي ؟ أيسرك أن يبيضّ وجهك عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويسودّ وجهي عند فاطمة الزهراء (عليها السلام) أنتم تواسون الرجال ونحن نواسي النساء.

فرجع علي بن مظاهر إلى الحسين (عليه السلام) وهو يبكي ، فقال له الحسين (عليه السلام) : ما يبكيك ؟ فقال : سيدي أبتْ الأسدية إلاّ مواساتكم ، فبكى الحسين (عليه السلام) وقال : جُزيتم منّا خيراً (1).

قال الشاعر :

رجالٌ تواصوا حيث طابت أصولهم * * * وأنفسهم بالصبر حتى قضوا صبرا

____________

(1) معالي السبطين للحائري : ج 1 ، ص 340 ـ 342.

55

حماةٌ حموا خدراً أبي الله هتكه * * * فعظّمه شأناً وشرّفهُ قدرا

فأصبح نهباً للمغاوير بعدهم * * * ومنه بنات المصطفى أُبرزت حسرى

وقال آخر :

السابقون إلى المكارم والعلى * * * والحائزون غداً حياض الكوثر

لو لا صوارمهم ووقع نبالهم * * * لم تسمع الآذان صوتَ مكبر (1)

الأعداء يطوفون حول خيام الحسين (عليه السلام)

هذا وقد أمر عمر بن سعد حرساً بقيادة عزَرَةَ بن قيس الأحمسي بحراسة الحسين (عليه السلام) وأصحابه ، فاخذوا يطوفون حول البيوت والفسطاط خوفاً من أن يفوت الحسين (عليه السلام) من قبضتهم ، أو يلتحق بمعسكره أحدٌ من الناس (2).

الإمام الحسين (عليه السلام) يأمر أصحابه

بحفر الخندق وتنظيم الخيم

قال الراوي : وكان الحسين (عليه السلام) أتى بقصبٍ وحطبٍ إلى مكان مِنْ ورائهم مُنخفضٍ ، كأنَه ساقية فَحفروه ، في ساعة مِنْ الليلِ فَجعلُوه كَالخَندَقِ ، ثمْ ألقوا فيه ذلك الحطب والقصب ، وَقالوا : إذا عَدوا علينا فقاتلُونا ألقينا فيه النار كيلا نُؤتى مِنْ

____________

(1) نفثة المصدور للقمي : ص 629.

(2) الحسين وأصحابه للقزويني : ج 1 ، ص 255 ،حياة الإمام الحسين للقرشي : ج 3 ، ص 178.

56

وَرائنا وَقاتلونا القومُ مِنْ وَجهٍ واحدٍ ، ففعلوا وكانَ لهم نافعاً (1).

وقال الدينوري : وأمر الحسين (عليه السلام) أصحابه أن يضمّوا مضاربهم بعضهم من بعض ، ويكونوا أمام البيوت ، وأن يحفروا من وراء البيوت أخدُوداً ، وأن يضرموا فيه حطباً وقصباً كثيراً ، لئلا يُؤتوا من أدبار البيوت فيدخلوها (2).

وجاء في البداية والنهاية : وجعلوا البيوت بما فيها من الحرم وراء ظهورهم ، وقد أمر الحسين (عليه السلام) من الليل فحفروا وراء بيوتهم خندقاً ، وقذفوا فيه حطباً وخشباً وقصباً ، ثم أُضرمت فيه النار لئلا يَخلص أحدٌ إلى بيوتهم من ورائها (3).

وفي الإرشاد ، إن الحسين (عليه السلام) خرج إلى أصحابه فأمرهم أن يُقرّب بعضُهم بيوتَهم من بعض ، وأن يُدخلوا الأطناب بعضها في بعض ، وأن يكونوا بين البيوت فيستقبلون القوم من وجه واحد ، والبيوت من ورائهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم قد حفّت بهم إلا الوجه الذي يأتيهم منه عدوهم (4).

الحكمة من ضم الخيم والمضارب

وقيل إنّه عمل ذلك لعلمه ـ (صلوات الله عليه) ـ بما كان يضمرُه عمر بن سعد مع رؤساءِ عسكره ليلةَ العاشر ، فقد اتفقت آراؤُهم على أن يهجموا دفعةً واحدةً

____________

(1) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 320.

(2) الأخبار الطوال للدينوري : ص 256.

(3) البداية والنهاية لابن كثير : ج 4 ، ص 178.

(4) الإرشاد للمفيد : ص 232 ، إعلام الورى للطبرسي : ص 240.