منازل الآخرة والمطالب الفاخرة

- الشيخ عباس القمي المزيد...
306 /
3

بسم الله الرحن الرحيم

الحمد لله غير مقنوطٍ من رحمته ، ولا مخلوٍّ من نعمته ، ولا مأيوسٍ من مغفرته والصلاة والسلام على أشرف بريّته محمّد وآله سيّما المعصومين من أهل بيته وعترته ، معادن العلم وينابيع الحكم.

من المناسب أن نبدأ كلمتنا بكلامٍ لمولانا أمير المؤمين (عليه السلام) كان كثيراً ما ينادى به أصحابه :

تجهّزوا رحمكم الله! فقد نودي فيكم بالرحيل ، وأقلّوا العُرجة على الدنيا ، وانقلبوا بصالح ما بحضرتكم من الزاد ، فإنّ أمامكم عقبة كؤوداً منازل مخوفة مهولة لابدّ من الورود عليها والوقوف عندها.

(نهج البلاغة : 321 ، الكلام 204).

الكتاب الماثل بين يديكم أيّها الكرام بيان مختصر لتلكم العقبات والمنازل المشار إليها في كلام إمام الموحدّين وسيّد المبشّرين والمنذرين بعد رسول ربّ العالمين ؛ من جملة تأليف المحدّث الكامل والمذكّر العامل المرحوم الحاج الشيخ عبّاس القمّي ـ تغمّده الله برحمته ـ وقد كان كتبه باللغة الفارسيّة ، ولأهميته وتعميماً للفائدة اهتمّ الفاضل النبيل والسيّد الجليل سماحة المحقق السيّد ياسين الموسوي ـ دامت إفاضاته ـ بترجمة هذا السفر القيّم إلى العربيّة مع مزيا شتّى نافعة ، ذكرها هو نفسه في التقديم.

4

وبما أنّ مؤسّستنا منذ تأسيسها تهدف إلى نشر الكتب الدينية النافعة ، قامت بطبع هذا الأثر الخالد بعد ملاحظته وتصحيحه وتكميل بعض نواقصه الفنيّة أو التحقيقية ، رجاء أن يكون لمن وُفّق لقرائته تذكرة وتعيها اُذن واعية.

وختاماً نرى من الضروري أن نلفت نظر القارىء الكريم إلى أنّ عمل الترجمة محفوف بصعوبات تتأتّى من اختلاف خصوصيّات كلّ لغة وأساليبها ـ خصوصاً في التشبيهات والكنايات والأمثال ـ والمترجم وإن كان عارفاً باللغتين ومتعهّداً للأمانة قد يفوت عنه انتقال بعض المفاهيم الدقيقة ، خصوصاً فيما يرتبط بالشعر والأدب ، وهذه الترجمة أيضاً لا تخلو عن هذه المشكلة ، لكن « مالا يدرك كلّه لا يترك كلّه ». ولله الحمد ولأوليائه صلواته وتحيّاته.

-مؤسّسة النشر الاسلامي

التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرّفة

5

الإهداء

بسم الله الرحمن الرحيم

الى الصامدين بوجه الباطل ، دفاعاً عن قباب علي والحسين والعباس ومسلم ..

الى الطالبين بثار الشهيد الصدر وجميع الشهداء الأبرار ..

الى المقاومين الأبطال الجنود المجهولين في الأرض المعروفين في السماء ..

الى من يقاتل على أرض العراق نيابة عن كل مسلم في الدنيا ...

الى المجاهدين الذين امتلأ العراق منهم ، واتّحد الغرب والشرق على سلب حقّهم ، واخماد جذوتهم واطفاء نورهم ، ويأبى الله تعالى إلاّ أن يتم نوره ولو كره المشركون ..

إليكم يا شرف العراق أحمل جهدي المتواضع هذا اقدمه هدية في درب الحقّ والدفاع عن أهل البيت (عليهم السلام) ..

إليكم جميعاً : من بقي يقاتل حتّى الرمق الأخير يقاوم ويتحمل عطش الهجير وجوع الأيّام وارهاب صدام ..

والى من استشهد في هذا الطريق وسجّل اسمه في سجّل الشهداء وبقي اسمه في الخالدين ، وإن كان عند الناس جندياً مجهولاً لم يعرفوه ولم يعرفوا مقاومته ، ولم يعرفوا عطشه وجوعه وبسالته وشجاعته ، مع أنه جاهد نيابة عنهم جميعاً واستشهد مدافعاً عن مبادئهم جميعاً وعن شرفهم الديني جميعاً .. لأنه قاتل من أجل تحرير عتبات أهل البيت (عليهم السلام) في العراق من احتلال الكفار ومن هدّمها ..

6

وبقيت قباب علي والحسين والعباس ومسلم تشهد على الكفار وحشيّتهم وتشهد لاولئك الأبرار انّهم أنصار الله عزّ وجلّ وأنصار رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنصار أهل البيت (عليهم السلام).

لا يهمّكم يا رفقاء الدرب فالمشوار مهما طال فالنصر لكم بإذن الله عزّ وجلّ ..

وهنيئاً لكم أيها المجاهدون فإن لكم في الجنّة باباً يقال له باب المجاهدين وتدخلون الجنّة وأنتم متقلدين سيوفكم ، والجمع بَعدُ في الموقف لم يتمّ حسابهم وما يجرى عليهم من الأهوال ؛ فتسبقوا الكل ، وتسبق إليكم ملائكة الجنّة مرحّبة بكم ... (1).

* * *

____________

(1) اقتباس من الحديث الشريف المروي في الأمالي للشيخ الصدوق : ص 462.

7

مقدمة التحقيق والتعريب :

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين ، واللعنة الدائمة على أعدائهم ومنكري فضائلهم أجمعين من الأولين الى قيام يوم الدين.

يعيش العالم الاسلامي والمسلمون عموماً من يوم الغزو الاستعماري والفكري للبلاد الاسلامية صراعاً شديداً مع العدو الغازي ، وقد تنوعت أساليب الصراع بتنوع الظروف ووجهات المعارك العسكرية والفكرية ، وباختلاف أشكال الحروب الفكرية الشرقية والغربية ، وقد خرج الاسلام الحنيف والامّة المرحومة منتصرة بجميع معاركها المقدّسة التي خاضتها ضد الكفّار والمنافقين مع ما كابدته الامّة من ألم وعذاب وفقدان الأحبة وتحمّل مشاق الغربة وما الى ذلك ، وما زالت المعارك مستمرة ، فإن الاستعمار لا يريد أن ينفض يده من هذه الأرض الطيبة ومن استعمار واستعباد هذا الشعب المسلم العظيم.

وتفنن الاستعمار بأساليبه العدوانية ، وأكد على ضرروة ايجاد حواجز عقائدية وفكرية ونفسية بين الانسان المسلم وبين شخصيته الاسلامية ، ودخل اليه من جميع الجوانب المختلفة ليخترق هذا الكيان العظيم ، وقد وفق لفترات من الزمن أن يسيطر أو يخترق بعض السواتر أو الحواجز والموانع ، ولكنه ببسالة أهل الحقّ عاد خائباً خاسراً أكثر مواقعه التي احتلها بصعوبة ومشقة.

8

وكان أبرز سلاح استخدمه العدو الكافر والمنافق في حروبه الاستعمارية هو الرجوع الى المادية بشكليها الشرقي (الالحادي) والغربي بالابتعاد عن المُثل الاخلاقية والقيم الانسانية وابدالها بالابتذال والخلاعة واحياء النوازع الذاتية والانانية في الانسان ، وابعاد العنصر الغيبي والروحي من تفكيره.

وكان الشيطان أكبر معين للعدو ، وقد وقف الى جنبه يعينه بما يستطيع لينجح بمشروعه المادي ، فإنهما قد اجتمعا على هدف واحد بل هما في الواقع حركة واحدة.

وجاءت المفاجأة العظمى بانتصار الحركة الروحية والدينية بغتةً بقيادة الامام الخميني (رحمه الله) ، فتراجعت تلك الجيوش المادية أمام قوة الروحانية العظيمة التي بعثتها حركة الامام الخميني (قدس سرهم) في المجتمع الاسلامي وفي الانسان المسلم في كل أرجاء العالم.

ولكن العدو استخدم شتى الأساليب لقمع تلك القوة التي كسرته وأبشع اسلوب أكد عليه مرّة اُخرى هو مشروع المادية.

وأنا على يقين بأنه سوف يعود مرّة اُخرى خائباً خاسراً أمام قوة الطرح الاسلامي ، وأصالته الروحية الاسلامية.

وأعتقد أنّ من أهم العناصر التي تنجح معركتنا الكبيرة هو عرض الاسلام بشتى مواضيعه الى المسلمين والى العالم كافّة.

ومن أهم تلك الجوانب هو التأكيد على تثبيت الروحانية الأصيلة في نفوس المسلمين ، وليس هنا محل تفصيل لهذا الموضوع المهم ، ولكننا ملزمون بالتأكيد عليه لأننا مازلنا نعيش المعركة المادية بضراوتها وقوتها. ولابدّ أن ندحر الفكر المادي بشتى أشكاله ونخلّص المسلمين من شرّه ، لأننا إذا أردنا أن نحافظ على الشخصية الاسلامية فانّ من أهم مرتكزاتها ومميزاتها هو روحانيتها وعمق علاقتها بالغيب ، ولا يمكننا أن نوفق بالنجاح في معركتنا هذه الاّ بعد أن ندحر ما حاوله العدو من التشكيك بهذه الأصالة واختراق العقل المسلم بالتشكيك

9

بالروحانية وانّها تمثل نوعاً من أنواع اللاواقعية والفردية والانزواء والتخلف.

ولا يمكنني أن احصر وجهة الدفاع عن الروحانية بنوع خاص من الأساليب والطروحات ، وانّما الصحيح العكس ، فانّنا نحتاج الى أساليب متنوعة ومتعددة من اجل الحفاظ على تلك الأصالة والدفاع عنها لنحتفظ بالتالي بشخصية إنساننا المسلم كما كان دائماً قوياً بفكره وعقيدته وشخصيته وبنائه للحضارة الانسانية.

ووجدت في كتاب (منازل الآخرة) للعلاّمة الأخلاقي الكبير والمحدّث الجليل الشيخ عباس القمي (رحمه الله) معيناً يمكننا أن نطرحه للجيل المسلم ليساهم في بناء الحصانة الدفاعية في شخصيته ؛ ولذلك عجلت بنقل الكتاب من اللغة الفارسية التي كتب بها الى اللغة العربية مع أعمال اُخرى أضفتها الى الترجمة لأضفي عليه ما يمكنه أن يعين في زيادة فائدته.

واستعنت بروحانية مؤلفه الرجل الجليل الذي أثرى المكتبة الاسلامية بنفائس مؤلفاته وتحقيقاته وما زالت تأخذ موقعاً كبيراً في حركتنا الفكرية والأخلاقية ، وأبرز تلك الكتب التي خرجت من يراعه الشريف كتابه (مفاتيح الجنان) الذي هو المنهاج الروحي طبق ما ورد عن أهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام) ، والذي حظي برواج كبير بين أتباع المذهب الحقّ ، ولا تكاد تجد بيتاً من بيوتهم يخلو منه.

ويتلخص عملنا في هذا الكتاب بالاُمور التالية :

1 ـ قمنا بترجمة هذا الكتاب (منازل الآخرة) من اللغة الفارسية الى اللغة العربية ، وقد راعينا المحافظة على المعنى الفارسي بما يؤديه من الألفاظ العربية مع المحافظة على الأصل العربي من الروايات والأخبار والقصص التي ترجمها المؤلّف من العربية الى الفارسية ، ولذلك فقد قمنا بقدر الوسع بتتبع تلك الأخبار لارجاعها الى الأصل العربي. وعليه فانّ جيمع الآثار الواردة في هذه الترجمة قد نقلناها من اُصولها التي ترجمت منها الى الفارسية.

2 ـ قمنا بتحقيق روايات وأحاديث الكتاب إضافةً الى التعليق على بعض

10

المطالب التي ظننا وجود حاجة للتعليق عليها.

3 ـ ذكرنا في الهامش بعض الروايات التي اختزلها المؤلّف ، أو التي أشار إليها ولم يذكرها. وكذلك ذكرنا بعض الروايات التي رأينا فائدة في ذكرها.

4 ـ أضفنا في آخر الكتاب فصلاً في الجنّة وأحوالها كما ألمحنا اليه في عنوان (موضوع الكتاب) من هذا التقديم.

5 ـ كتبنا ترجمة بأحوال المؤلّف (قدس سرهم) تحت عنوان (حياة العلاّمة الشيخ القمّي (رحمه الله)).

6 ـ كتبنا بحثاً حول موضوع الكتاب بمقدار ما تصورناه من ضرورة لتكوين رؤية متكاملة عن الموضوع عند القارىء المثقف.

مع أني أرتقب من القارىء الكريم غضّ الطرف عن الزلل والنقص لانّ الممكن محكوم بهما ، ولكن أنتظر النقد الذاتي والموضوعي لأجل تلاقي الأخطاء بالطبعات القادمة إن شاء الله تعالى.

والله عزّ وجلّ الموفّق للصواب ، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

-قم المقدّسة

عش آل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)

ياسين الموسوي

غفر الله تعالى له ولوالديه بمحمّد وآله الطاهرين

11

كلمة المترجم حول :

موضوع الكتاب

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين.

عندما نريد التعرّف على الرؤية الاسلامية للكون والانسان والحياة فإننا لابدّ وأن ننطلق من أحد طريقين أولهما الطريق الأتمّ والأكمل الذي يبدأ الحركة النزولية بالنفوس النزولي من المبدأ الى الانسان ، لأن الرؤية الاسلامية تؤكد على دور الانسان من الخلق والوجود بحيث اعتبرته خليفة الله عزّ وجلّ وأن الله تعالى خلقه على صورته ولا يتمّ الإيمان بالله عزّ وجلّ وتوحيده إلاّ بالإيمان بالانسان الكامل ( وهو النبي والأوصياء (عليهم السلام) ).

والرؤية الثانية صعودية حيث تنطلق من الانسان لمعرفة الله عزّ وجلّ والتقرب إليه ، وهذه الطريقة هي الاسلوب العام لهداية البشر ، فقد بعث الله تعالى الانبياء وتبعهم بالائمة والاوصياء (عليهم السلام) وجعلهم القدورة للعالمين (1) ، ويمكن لعامّة الناس أن يتبعوا الرسل وأوصياءهم (عليهم السلام) ويقتدوا بهم لتوصلوا الى القرب بعد

____________

(1) قال تعالى في سورة الاحزاب آية 21 : ( لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ).

وقال تعالى في سورة الممتحنة آية 4 : ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ ).

وقال تعالى في سورة الممتحنة آية 6 : ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ).

12

المعرفة للحقّ تعالى : ( مَن أراد الله بدأ بكم ) (1).

والرؤية الاسلامية واحدة بكلا الطريقين ، فإن المعادلة الفلسفية الكونية الاسلامية ترتكز على فهم العلاقة بين الله تعالى والانسان سواء كان انساناً كلياً كاملاً ـ وهم كمّل الخلق ـ أو كان انساناً عادياً في طريق الكدح الى الله تعالى صعودياً أو تسافلياً. والصعودي هم المؤمنون الذين يسعون جاهدين لارتقاء مدارج الكمال والتسافل (2) مختص بمن سلك الطريق المعاكس لاولئك السالكين.

وفي الرؤية الاسلامية الكونية أن لِمَوقِع الانسان الكوني المَركَزي والمهم صار الانسان خليفة الله تعالى وصار حراً بسلوكه الفكري والحركي ومسؤولاً عن عقائده وأعماله وتصرفاته وحركاته وسكناته.

ولهذا الموقع المهم للانسان اهتمت العقيدة الاسلامية بتربيته ليكون أهلاً للمسؤولية الكبرى التي وقعت على عاتقه بادارة كثير مما خلق الله تعالى لأنه عزّ وجلّ سخّر كل شيء له وجعله رهن ارادة الانسان وحركته كما نصت على ذلك كثير من الآيات الكريمة منها قوله تعالى : ( أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ) (3).

ومنها قوله تعالى : ( وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) (4).

ومنها قوله تعالى : ( وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ ) (5).

ومنها قوله تعالى : ( وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي

____________

(1) الزيارة الجامعة الكبير/ التهذيب : ج 6 ، ص 99. الفقيه : ج 2 ، ص 596.

(2) قال تعالى في سورة التين الآية 4 ـ 6 : ( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ).

(3) سورة لقمان : الآية 20.

(4) سورة الجاثية : الآية 13.

(5) سورة الانبياء : الآية 79.

13

بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ ) (1).

ومنها قوله تعالى متحدثاً عن داود (عليه السلام) : ( إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ * وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ ) (2).

ومنها قوله تعالى متحدثاً عن سليمان (عليه السلام) : ( فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) (3).

والانسان مجمع العوالم ومظهر الكمالات وقد صدق من قال :

وتحسب انّك جرم صغير وفيك * * * طوى العالم الأكبر (4)

وقد ساعدت العقيدة الاسلامية الانسان للتعرف على كيفية ترقّيه الكمالي ليكون مؤهلاً للتصدي الى موقعه الطبيعي الذي اراده الحقّ تعالى من خلقه له.

كما أن الرؤية الاسلامية قد وضحت للانسان مفهوم الحياة التي اكسبته القدرة والحيوية والحركة والفعل ، لأن الانسان بدون حياة غير قادر على الفعل والاختيار وغير قادر على القيام بالمهمات الكبرى وغيرها. إذ أن الحياة هي الجهاز المحرّك للانسان.

ولكن : هل معنى ذلك أن مهمة الانسان ودوره سوف ينتهي بموته؟ وينهدم كل شيء بناه عندما كان يتحرك كانت حياته معطاءة؟

وهنا توضيح الرؤية الاسلامية أن الانسان هو مركز التلقي للارادة الإلهية إما مباشرة ـ وهم الانبياء والرسل والمحدّثون ـ وإما بواسطة ، وهم باقي الناس.

وتوضيح أيضاً أن الانسان هو مركز الحركة الكونية.

____________

(1) سورة الانبياء : الآية 81.

(2) سورة ص : الآية 18 ـ 20.

(3) سورة ص : الآية 36 ـ 39.

(4) نسب هذا البيت من الشعر للامام علي (عليه السلام) .. راجع الديوان المنسوب للامام علي (عليه السلام) جمع وترتيب عبدالعزيز الكرم : ص 57.

14

كما أنها توضح أيضاً أن الانسان خُلِقَ ليتحرك ويدير المركز الحركي الكوفي بمعنى من المعاني الصحيحة التي لا مجال الى بيان تفصيلها في هذه العجالة ؛ بل بينت الرؤية الاسلامية ـ طبق نظام تفصيلي ـ المركز الحركي الكوني للانسان الكامل والانسان العادي ، والعلاقات الكونية بالانسان وغير ذلك.

كما أن النظام التفصيلي تعرض لشرح مفهوم الحياة للانسان باعتباره فاعل الحركة الكونية الكبيرة.

وذكرت أن الانسان خلق ليبقى وأنه لا ينتهي ولا يفنى بمجرد أن تنتهي مهمته في هذه الدنيا (1) التي تشكل اُولى المراحل الحياتية له.

واكدت على أن هذه الحياة مهمة في طريقه الحركي نحو الصعود والتكاثر ، لأنها المكان الذي يستطيع أن يبني الانسان فيه موقعه في العوالم الاُخرى التي سوف تلي هذه الدنيا التي يعيش فيها.

ومن الفوارق الأساسية بين هذه الدنيا والعوالم الاُخرى ، هو أن الانسان جاء الى هذه الدنيا بغير اختياره وبدون طلب أو ارادة منه ، ولكنّ سكناه في هذه الدنيا وبقاءه فيها انّما هي بارادته.

وأما العوالم الاُخرى فانّه سوف يعمّرها ويدخلها بارادته ويختار موقعه في تلك العوالم بارادة تامّة منه.

وللانسان أن يبني تلك العوالم وهو في هذه الدنيا لأن (الدنيا مزرعة الآخرة) (2).

____________

(1) روى الشيخ الصدوق (رحمه الله) في كتابه علل الشرائع : ج 1 ، ص 11 باب 9 ، ح 5 بسند صحيح عن مسعدة بن زياد. قال : قال رجل لجعفر بن محمّد : يا أبا عبد الله ، إنا خلقنا للعجب؟! قال : وما ذاك ، لله أنت. قال : خلقنا للفناء؟! فقال : مَه ، يا بن أخ! خلقنا للبقاء ، وكيف تفنى جنة لا تبيد ، ونارٌ لا تخمد ، لكن قل : انما نتحرك من دارٍ الى دار.

وروى الشيخ الطوسي في أماليه ج 1 ، ص 220 ، المجلس 8 ، ح 27 بإسناده الى أمير المؤمنين (عليه السلام) انه قال في كلام له (عليه السلام) : ( أيها الناس إنا خلقنا واياكم للبقاء لا للفناء ، ولكنكم من دارٍ الى دارٍ تنقلون ، فتزودوا لما انتم صائرون عليه وخالدون فيه ).

(2) عوالي اللآلي لابن أبي جمهور : ج 1 ، ص 267 ، الفصل 10 ، ح 66.

15

فقد يولد الانسان في هذه الدنيا وبدون اختيار منه في عائلة غنية أو فقيرة ، ولكنه قادر على أن يغير طريقه حياته في هذه الدنيا بارادته على ضوء حركته الذاتية فإنه ( لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ) (1) و ( فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ) (2) وقال تعالى : ( وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا ) (3).

وقال تعالى : ( إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ ) (4) وكذلك فانّ الانسان يولد في العوالم الاُخرى بارادته ويحدد المكان والبيئة والموقع الاجتماعي فيها باختياره وهو في الدنيا ، فانّ العوالم الاُخرى انّما تبنى بأعمال الانسان في هذه الدنيا التي يعيش فيها.

روى ثقة الاسلام الكليني في الكافي الشريف بإسناده عن الامام الصادق (عليه السلام) قال :

جاء رجل الى أبي ذر ، فقال : يا أبا ذر مالنا نكره الموت؟

فقال : لانّكم عمّرتم الدنيا ، وأخربتم الآخرة ، فتكرهون ان تنقلوا من عمران الى خراب.

فقال له : فكيف ترى قدومنا على الله؟

فقال : أما المحسن منكم فكالغائب يقدم على أهله ، وأما المسيء فكالآبق يرد على مولاه ... » (5).

* وروي عن سويد بن غفلة أنه قال : « دخلت على أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد ما بويع بالخلافة وهو جالس على حصير صغير ليس في البيت غيره ، فقلت : يا أمير المؤمنين بيدك بيت المال ولست أرى في بيتك شيئاً مما يحتاج إليه البيت »؟

فقال (عليه السلام) : « يابن غفلة! أن اللبيب العاقل لا يتأثث في دار النقلة ، ولنا دار أمن

____________

(1) سورة النجم : الآية 39.

(2) سورة الملك : الآية 15.

(3) سورة الاسراء : الآية 19.

(4) سورة طه : الآية 15.

(5) الكافي : ج 9 ، ص 458 ، ح 20.

16

قد نقلنا إليها خير متاعنا ، وإنّا عن قليل إليها صائرون ... » (1).

وعلى ضوء الرؤية الاسلامية للانسان وللحياة وللكون فانّ حياة الانسان سوف لا تنتهي بموته ، بل بالعكس فانّ هذه الحياة الاُولى التي يعيش فيها ضيقة وصبعة ، وسوف يتخلّص من كثير من صعوباتها وضيقها بانتقاله الى العوالم الاُخرى ولكن ذلك يعتمد على ما يبذله من جهد في بناء مواقعه الحياتية في العوالم الاُخرى وهو في الدنيا.

كما أنه سوف يعاني الامرّين والأشد في تلك العوالم فيما إذا لم يهتم في هذه الدنيا ببناء عوالمه تلك لأنه قد يمكنه تجاوز كثير من الأخطاء العمدية في هذه الحياة الدنيا ، ويمكنه أن يتخلّص بالتواءاته من كثير من المواقف الحرجة والحسابات القانونية والاجتماعية ، لأن هذه الدنيا هي دنيا العمل بلا حساب ، وأما تلك العوالم فهي بالعكس تماماً فلا ينفعه دهاؤه ولا تنفعه حيله ، لأن تلك العوالم حساب بلا عمل ، اضافة الى أن هذه الدنيا يحكمها الغموض ويسيطر عليها قانون التمويه لاختفاء الحقائق وراء مظاهر لا تمثلها ولا تمت اليها بصلة ، ولكن العوالم الاُخرى بعكس ذلك فهي عوالم الحقائق ( فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) (2).

وذلك اليوم ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ) (3) والحقائق تكشفت ، فيسعى الانسان جاهداً الى أن يتحرّك ويعمل ليعوض عمّا سبق ويتخلّص من الورطات الجديدة التي وقع فيها ولكنه لا يستطيع.

ولذلك ففي الرؤية الاسلامية أن الحياة الحقيقية هي تلك الحياة التي سيعيشها الانسان بعد انتقاله إليها بعد بالموت ، وقد عبّر القرآن الكريم عن تلك الحياة ( وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) (4) أي أن الانسان في تلك العوالم

____________

(1) عدة الداعي لابن فهد الحلي : ص 109 ، باب 2. وعنه في البحار : ج 70 ، ص 321 ، 322.

(2) سورة ق : الآية 22.

(3) سورة القلم : الآية 42.

(4) سورة العنكبوت : الآية 64.

17

مملوءٌ حياة وحركة ، فإن لفظة الحيوان على وزن فعلان الذي يتضمن الكثرة والفوران ، فالحياة الحقيقة المملوءة حيوية وحركة انّما هي بعد الموت.

ولو قرأت الروايات التي تحدّثت عن تلك العوالم لرأيت أحداثاً كثيرة جداً لابدّ له أن يمرّ عليها.

الانسان وهو في هذه الدنيا يجهل تلك الأحداث والعوالم والمنازل ، لأنه بعيد عنها مكاناً وزماناً ، فانّ المكان الذي يعيشه في هذه الحياة الدنيا يختلف عن المكان الذي سوف يعيشه في تلك العوالم ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) (1).

وانّ الزمان الذي يحكمه في هذه الدنيا يختلف كلياً عن الزمان الذي يكون في تلك العوالم فمن تلك الأيّام ما تطول فتكون خمسين ألف سنة كما في قوله تعالى : ( فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) (2).

ومنها ما يقصر فيكون ألف سنة كما في قوله تعالى : ( وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ) (3).

وقال تعالى : ( فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ) (4).

* * *

ولأهمية تلك الأحداث في حياة الانسان فقد جدّ للتعرف عليها بشتى الطرق والوسائل العلمية ، وقد أثرت أهداف كل باحث في انتخاب طريقته الخاصّة به للتعرف على تلك العوالم ، فالفيسلوف مثلاً يحاول أن يبحث بأدواته العلمية للتعرّف على تلك العوالم لتتمّ في عقله ونفسه الصورة العقلية والفكرية عن الانسان والحياة والعوالم الغيبية الاُخرى التي لم يدركها ببصره وحواسه.

بينما ينهج الاخلاقي بدراسة تلك العوالم لأجل أن ينذر أو يبشر نفسه والآخرين الذين يهتم بوعظهم وصلاحهم ، فيحسنوا ويصلحوا أحوالهم وأعمالهم.

____________

(1) سورة ابراهيم : الآية 48.

(2) سورة المعارج : الآية 4.

(3) سورة الحج : الآية 47.

(4) سورة السجدة : الآية 5.

18

ومهما اختلف القوم فالمسألة ليست داخلة ضمن معدودات الترف الفكري ، بل انّها من المسائل الحياتية المهمة جداً سواءاً نوقشت بالطريقة الفلسفية أو بالطريقة الأخلاقية أو غيرها.

وبما أن بداية العوالم الاُخرى تبتدأ بالموت وتنتهي بالمعاد فلذلك كانت مسألة الموت والمعاد من المسائل المهمّة التي عولجت بعدة طرق من البحث ، فقد اهتم بها الفكر الاسلامي والعقيدة الاسلامية فعدت خامس اصول الدين بعد التوحيد والعدل والنبوة والامامة ، ولأهميتها فقد اهتم بها الفكر الفلسفي والكلامي الاسلامي وقد نوقشت قضايا المعاد لإثبات النشأة الآخرة وحشر الاجسام ونشر الأرواح والنفوس ، والمعاد الجسماني ، أو الروحاني ، والبحث في بقاء النفوس وتجرّدها والنفوس التي تحشر والنفوس التي لا تحشر ، وهل أن الاجسام التي ترزق المعاد هي تلك الاجسام التي أحسنت في الدنيا ، وهي التي عصت الحقّ تعالى فيها ، أم انّها أجسام اُخرى لم تكن في الدنيا ولم تحسن فيها ولم تسيء فيها. وقد اتفق العِلمان في بعض مسائلهما وقد اختلفا في مسائل اُخرى كما هو ديدنهما ، ولكن كالعادة لكل منهما طريقته بالاستدلال والبرهنة ـ وليس هنا محل الاطالة والاطناب والتفصيل ـ ولكن الشيء الذي لابدّ من الاشارة إليه هنا هو انّ العلمين قد ناقشا قضايا الموت والمعاد من وجهة عقائدية طبق قوانين الاثبات ، يعني أن قضايا الموت والمعاد التي نوقشت في هذين العلمين ـ وإن اختلف الحجم الكمّي للمسائل أو الاسلوب الاستدلالي وطريقته ـ ولكنهما حصرا البحث بمقدار ما يرتبط بالاثبات أو النفي لما يراد معرفته ، أو بما يتعلق بالعقيدة الاسلامية.

أما الفكر العرفاني الاسلامي فقد ركز اهتماماته اهتماماته على مسائل الموت والمعاد باعتبار أن بها يتحقق الوصول الى وطن سلوك العارفين (1) ، وأن الموت وما بعده

____________

(1) الوطن عند العرفاء هو محل هبوط الحقيقة التي تهوي اليها النفوس الكلية ، وهو دار هجرة السالكين في طي منازل السلوك واعظمها هجرتهم من وجودهم الاعتباري والرحيل الى الوطن الحقيقي فيكون بالله بعد أن يفنى في الله تعالى.

19

غاية تجوهر نفوسهم ووصولها الى الغاية القصوى بلقاء الله تعالى.

فانّ للسالك غايتان أقربهما غاية تجوهر النفس بقطعها وطيّها المراحل الاُولى التي هي مقدمة الغاية القصوى ، ولا يمكنه أن يحصّل الغاية القصوى إلاّ بعد حصوله على الغاية الاُولى والغاية القصوى هي لقاء الله تعالى.

بينما الغاية الاُولى هي لقاء أعماله وما كسبته يداه وتتم بالموت والمعاد ، قال عزّ وجلّ : ( وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ) (1) وصار الموت والقبر وما بعده والمعاد غاية اولى ، لأن الانسان سوف يبعث كما مات لما روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال : « كما تعيشون تموتون ، وكما تموتون تبعثون » ، وفي الخبر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) : « يبعث كل عبد على ما مات عليه » وفي الخبر الآخر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) : « يموت الرجل على ما عاش عليه ويحشر على ما مات عليه ».

وغاية السالك أن يبذل جهده لتقوم عليه قيامته وقد تحققت تمام انسانيته ليحشر يوم القيامة وهو انسان مبصر وقد ذكر أهل المعرفة انّه لا يمكن للسالك أن ينال غايته القصوى بلقاء الله عزّ وجلّ إلاّ بعد ان تقوم عليه قيامات وكلّما تقوم عليه قيامة من قياماته في الاُولى (2) فقد تمّت له حركة من حركاته السلوكية ـ وذلك اذا امكنه أن يحافظ على مقامها أو يرتقي الى الأعلى منها الى حين تقوم عليه قيامته بموته الطبيعي ـ وانقضى عنه مقام من مقامات القرب ، واذا لم يتمكن السالك من طي تلك المقامات فإنه سوف يطويها ـ إن وفقه الحقّ تعالى وكان ذلك العبد محسوباً عنده تبارك وتعالى من السالكين ـ وفي الآخرة ولكنه سوف يطويها بالقهر والقوة والغلبة ، بينما طَويه لها في الاُولى ـ لو وفق لها بلطفه تعالى وتوفيقه العبد للمجاهدات وقطع فيافي السلوك ـ سوف تكون على نحو آخر وقد يكون التوفيق الالهي نصيبه بأنه يطويها أو يطوي بعضها وهي خامدة باختلاف أحوال

____________

(1) سورة الكهف : الآية 49.

(2) (الاُولى) بالاصطلاح أوسع مفهوماً من (الدنيا) ، فإن الانسان السالك قد يكون في الاُولى ولكنه لا يكون في هذه الدنيا ولا عكس.

20

السائرين ومقاماتهم.

وتبتدىء القيامات بالقيامات الأنفسية وهي القيامة الأنفسية الصغرى ثمّ الوسطى ، ثمّ الكبرى ، وتنتهي بالقيامات الآفاقية (1) ، وقد عبّر الشيخ الكاشاني عن القيامة بمعناها العام انّها : ( الانبعاث بعد الموت الى حيوات أبدية ) (2) ، ويشير بـ ( الحيوات ) الى تعدد الحياة بعد تعدد القيامة ، فإنه بعد كل قيامة حياة غير الحياة التي عاشها قبل قيامته تلك.

وقد قسّمها الكاشافي الى ثلاثة أقسام :

أولها : الانبعاث بعد الموت الطبيعي الى حياة أحد البرازخ العلوية أو السفلية بحسب حال الميت في الحياة الدنيوية لقوله (عليه السلام) : « كما تعيشون تموتون ، وكما تموتون تبعثون ».

وهي القيامة الصغرى المشار إليها في قوله (عليه السلام) : « من مات فقد قامت قيامته ».

وثانيها : الانبعاث بعد الموت الارادي الى الحياة القلبية الأبدية في العالم القدسي ، كما قيل مت بالارادة تحيا بالطبيعة.

وهي القيامة الوسطى ، المشار إليها في قوله تعالى : ( أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا ... ) (3).

وثالثها : الانبعاث بعد الفناء في الله الى الحياة الحقيقية عند البقاء بالحقّ.

وهي القيامة الكبرى المشار إليها بقوله تعالى ( فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَىٰ ) (5) (4).

فالقيامة لا تبتدأ عند أهل المعرفة من موت الانسان الطبيعي وانّما هي معه في

____________

(1) قد وضحنا ذلك في شرحنا على رسالة السير والسلوك المنسوبة الى الآية العظمى السيّد محمّد مهدي الطباطبائي الملقب ببحر العلوم (قدس سرهم) : 1155 ـ 1212 هـ ق.

(2) اصطلاحات الصوفية للشيخ كمال الدين عبد الرزاق القاشاني : 146.

(3) سورة الانعام : الآية 122.

(4) سورة النازعات : الآية 34.

(5) اصطلاحات الصوفية للقاشاني : ص 146.

21

الحياة الدنيا ، ووفقاً لهذا القانون الكوفي فإنهم يثبتون انّ الجنّة والنار تلازم صاحبها في هذه الدنيا ابتداءً من جنّة الأعمال ونار الأعمال ولكن قد حجبتهما الحجب الظلمانية عند الانسان فلا يراهما إلاّ بعد الممات ، وذلك لأنه يتخلّص من الحجب الظلمانية واغلظها الجسم العنصري الذي حبس روحه ونفسه وعقله فيه فلم ير الحقائق إلاّ بعد أن يتخلّص منه وينطلق في العوالم الاُخرى التي تسكن إليها وفيها الأرواح والنفوس فتكشف لها بعض الحقائق الكبرى طبق المواصفات النسبية مع التكامل الروحي والنفسي لكل إنسان.

وأما نار الأعمال وجهنمها في هذه الدنيا وكذلك جنّة الأعمال وفردوسها فهي محجوبة عن الناس إلاّ النفوس الكلية والنفوس القوية التي منحها الحقّ تعالى قدرة رؤية تلك الحقائق.

واستشهد على هذه الحقيقة بعدة آيات منها قوله تعالى : ( يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ) (1) وقوله تعالى : ( أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ) (2).

فالمقصود بالاحاطة هي الاحاطة المطلقة ابتداءاً من هذه الدنيا الى ذلك العالم الآخر والعوالم التي تلي عالم الحياة الدنيا.

كما ان هناك نصوص كثيرة جداً تشهد على هذه الحقائق يحتاج تفصيلها الى بحوث مستقلة.

ولم ينكر أهل المعرفة تلك العوالم التي يلاقيها الانسان بعد موت جسمه بل العكس من ذلك فإنهم يعتبرون أن الارواح عندما تتجرد عن أجسامها تكون أقدر على معرفة تلك الحقائق الثابتة ، وحينئذٍ فمن الطبيعي أن تكون النفوس التي قطعت القيامات الأنفسية أقدر على ادراك القيامات الافاقية ، ولذلك فهي تكون أسرع في قطع القيامات التي قطعتها في الاُولى ، وسوف تمر بها كالبرق الخاطف ، وقد أشارت الى هذه الحقائق مجموعة من الروايات الشريفة فمنها الروايات التي

____________

(1) سورة العنكبوت : الآية 54.

(2) سورة الكهف : الآية 29.

22

وردت لأخذ الاستعداد والتهيؤ لدخول القبر ، لأن الانسان قادم على عالم لم يدخله من قبل ولم يتعرف عليه.

* روى ثقة الاسلام الكليني في الكالفي الشريف بإسناده عن محمّد بن عجلان قال : قال أبو عبدالله (عليه السلام) : « لا تفدح ميتك بالقبر ولكن ضعه أسفل منه بذراعين ، أو ثلاثة ، ودعه يأخذ اهبته » (1).

* وروى عنه بإسناده عن يونس قال : حديث سمعته عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) ما ذكرته وأنا في بيت إلاّ ضاق عليّ ؛ يقول : « اذ أتيت بالميت شفير قبره فامهله ساعة فانّه يأخذ اهبته للسؤال » (2).

* وروى الشيخ الطوسي (رحمه الله) في تهذيب الأحكام بمضمرة أبي عطية قال : « اذا أتيت بأخيك الى القبر فلا تفدحه ، ضعه أسفل من القبر بذراعين أو ثلاثة حتّى يأخذ اهبته ثمّ ضعه في لحده ... » (3).

وذكر الصدوق (رحمه الله) في الفقيه قال : « وإذا حمل الميت الى قبره فلا يفاجأ به القبر لأن للقبر أهوالاً عظيمة ويتعوذ حامله بالله من هول المطلع ، ويضعه قرب شفير القبر ، ويصبر عليه هنيئة ثمّ يقدمه ويصبر عليه هنيئة ليأخذ اهبته ثمّ يقدمه الى شفير القبر » (4).

والرواية صريحة بانّ روح الميت المجردة تدرك مالم تدركه في هذه الحياة الدنيا.

وقد يكون الانسان قد تعرّف على هذا المنزل من خلال مجاهداته ورياضاته النفسية والروحية ، ولكنه يبقى غير واصل الى مقام حساب منكر ونكير فلذلك فعليه ان يستعد لحسابهما ، وأما لو كان ذلك الانسان قد جاهد نفسه وقطع ذلك

____________

(1) الكافي : ج 3 ، ص 191 ، كتاب الجنائز ، باب (في وضع الجنازة دون القبر) ، ح 1.

(2) الكافي : ج 3 ، ص 191 ، كتاب الجنائز ، باب (في وضع الجنازة دون القبر) ، ح 2.

(3) تهذيب الاحكام للطوسي : ج 1 ، ص 312 ، باب 13 ، ح 75 ، ورقم الحديث العام 907.

(4) من لا يحضره الفقيه للصدوق : ج 1 ، ص 107 ، تحت الرقم 44 ، والرقم 497 ، باب 25 (الصلاة على الميت).

23

المنزل بمجاهداته في الاُولى فحينئذٍ يكفى حسابهما كما دلت الروايات التي أشارت بعضها الى الأعمال التي تدفع هول حساب منكر ونكير (1).

وهكذا بالنسبة للمنازل البرزخية الاُخرى ، وحتّى هول يوم القيامة وما فيه من مواقف يمرّ بها الانسان فإن كان قطعها في الاُولى فإنه يكفاها في الآخرة ، وقد وضّحت هذه الحقيقة مجموعة من الروايات منها التي وردت في الصراط فانّه ان كفيه الانسان في الاُولى فانه يمرّ عليه يوم القيامة كالبرق الخاطف.

وحتّى جهنم ولزوم المرور عليها والورود فيها الذي نصّ عليه القرآن الكريم بقوله تعالى : ( وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ) (2) ، فانّ هناك من لا يمرّ عليها بالآخرة ، لأنه مرّ بها وعليها في الاُولى ، كما ورد عن جابر بن عبدالله الانصاري (رحمه الله) انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سئل عنه (3) فقال : « اذا دخل أهل الجنّة الجنّة قال بعضهم لبعض : أليس قد وعدنا ربنا ان نرد النار؟ فيقال لهم : قد وردتموها وهي خامدة » (4).

____________

(1) منها ما رواه الصدوق (رحمه الله) في كتاب (فضائل الشيعة) : ص 46 ، ح 1 ، بإسناده عن ابن عمر قال : سألنا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) فغضب (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ قال :

والحديث الشريف طويل ، الى أن يقول : « ألا ومن أحبّ علياً بعث الله اليه ملك الموت كما يبعث الى الانبياء ، ودفع الله عنه هول منكر ونكير ، وبيّض وجهه ، وكان مع حمزة سيد الشهداء .. الحديث ».

وفي حديث آخر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : « ألا ومن مات على حب آل محمّد بشّره ملك الموت بالجنّة ثمّ منكر ونكير .. ». رواه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ، ص 220 ، في تفسير الآية 23 من سورة الشورى.

ونقله المجلسي في البحار : ج 23 ، ص 233 ، وفي : ج 27 ، ص 111 ، عن الكشاف نقله الرازي في تفسيره ، واليّد ابن طاووس في الطرائف ، وفي البحار : ج 68 ، ص 137 ، ح 76 ، عن جامع الاخبار.

(2) سورة مريم : الآية 71.

(3) يعني سئل عن قوله تعالى : ( وان منكم إلاّ واردها كان على ربك حتماً مقضياً ).

(4) تفسير البيضاوي : ج 3 ، ص 61 ، في تفسير الآية 71 من سورة مريم. ونقله عنه المجلسي في البحار : ج 8 ، ص 250.

24

* وروى الفيض الكاشاني (رحمه الله) : لما سئل بعض أئمتنا (عليهم السلام) من عموم الآية المذكورة فقال : « جزناها وهي خامدة » (1).

واما اذا لم يقطع الانسان تلك المنازل في الاُولى فانّه مضطر لا محالة الى قطعها بعد تجرّد روحه وموته وانقطاعه عن الجسم العنصري ، لأنه حين انكشاف ما غطّي عليه ، ويرى كل ما كان يسمع به كما قال تعالى : ( فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) (2) فعندما تقوم قيامته الصغرى وقيامته الكبرى فسوف يرى تلك المنازل ـ التي لم يقطعها ولم يتعرف عليها أو لم يصدّق بها ـ رأي العين ، وعليه أن يقطعها ولكنه يتحمل صعوبة ومشاق كسله في الاُولى ، أو جهله ، أو عناده وكفره ، فسوف يمرّ عليها جاهلاً ويقع فيها مظلماً ، لأنه لم يهيّىء لسفره هذا نوراً يمشي به وفيه عندما يدخل الآخرة فلذلك تجده أعمى بلا هادي ولا دليل كما قال تعالى : ( وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا ) (3).

وقال تعالى : ( فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ ) (4)

وقال تعالى : ( وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ ) (5).

والعرفاء الصالحون اعتبروا قطع تلك المنازل في الاُولى السبب الاساس لقطع تلك المنازل في الآخرة بيسر وسهولة ، لأنهم رأوا من أخبر به النص الشريف من ضرورة الاعداد لسفر الآخرة ومنازله وموافقه ، ولا يتم ذلك الاعداد إلاّ بمعرفة السفر ومعرفة مراحله ومنازله وأخذ العدة لكل مرحلة ولكل منزل ثمّ يسير تلك المنازل منزلاً فمنزلاً وموقفاً فموقفاً وقطعها في الاُولى بالمجاهدات والرياضات كما أخبر به الهادي ، وانّ اتباع الهادي في الاُولى سوف يؤمن وجوده في الآخرة

____________

(1) علم اليقين : ج 2 ، ص 971 ، المقصد الرابع ، الباب 9 ، الفصل 2 (في معنى الصراط).

(2) سورة ق : الآية 22.

(3) سورة الاسراء : الآية 72.

(4) سورة طه : الآية 123 ـ 126.

(5) سورة النور : الآية 40.

25

ويقطع تلك المراحل بهديه وهدايته وبنوره وحضوره كما دلّ عليه العقل والنص الشريف المتواتر عند جميع طوائف المسلمين بوجوب طاعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والائمة الاثني عشر من بعده (عليهم السلام).

وليس معنى ذلك أنه لا يوجد عذاب القبر ولا يوجد حساب القبر وضغطته والبرزخ وغير ذلك ، بل العكس تماماً فعلى المؤمن أن يؤمن بالموت الحقيقي وعذاب القبر ومساءلة منكر ونكير والمعاد الجسماني.

قال الشيخ الصدوق (رحمه الله) : « اعتقادنا في المساءلة في القبر انّها حقّ » (1).

وقال الشيخ المفيد (رحمه الله) : « جاءت الآثار الصحيحة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انّ الملائكة تنزل على المقبورين فتسألهم عن أديانهم » (2).

ولكن لكل واحد من تلك الامور مقامات وحالات تختلف باختلاف مقامات وحالات الانسان نفسه الذي يمرّ بها.

وطريقة العرفاء بمعرفة أحوال الموت وما بعده انّما هي شرح للأحاديث الشريفة المروية عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته المعصومين (عليهم السلام) ، وليس فيها أكثر من ذلك. واذا وجد في كلام أحد منهم ـ اعوذ بالله تعالى ـ غير ذلك فهو غير صحيح قطعاً وانّما هو من تخيلاته.

فانّك تجد المعارف الجليلة التي وردت عن أهل البيت (عليهم السلام) مشروحة عند من رزقه الله تعالى تلك المعارف. ولا يصح لأي عارف أن يحصل على تلك المعارف والعلوم إلاّ من طريق أهل البيت (عليهم السلام) « من أتاكم نجى ومن لم يأتكم هلك الى الله تدعون وعليه تدلون وبه تؤمنون وله تسلمون وبامره تعملون والى سبيله ترشدون وبقوله تحكمون ، سعد من والاكم ، وهلك من عاداكم وخاب من جحدكم ، وضل من فارقكم ، وفاز من تمسك بكم وأمن من لجأ إليكم ، وسلم من صدقكم ، وهدي من اعتصم بكم ، من اتبعكم فالجنة مأواه ، ومن خالفكم فالنار مثواه ، ومن جحدكم كافر ومن حاربكم مشرك ، ومن رد عليكم في اسفل

____________

(1) تصحيح الاعتقاد : ص 77.

(2) المصدر السابق.

26

درك من الجحيم ... » (1).

وكذلك : « من أراد الله بدأ بكم ومن وحده قبل عنكم ومن قصده توجه بكم .. » (2).

نعم انّ طريقة أهل المعرفة تختلف عن طريقة الفلاسفة والأخلاقيين بفهم الحقائق ، لأنهم يعتمدون على المشاهدة الصحيحة التي تحصل بعد المجاهدات السلوكية فتنكشف لهم الحقائق ويرونها بالضبط كما وردت عن الشارع الحكيم (سلام الله عليه) ، وهي نفس النتائج التي يحصل عليها الفيلسوف عندما يستخدم القوانين العقلية والاُسس المنطقية ، ولكن الفرق بينهما هو في الاقتناع العقلي والمشاهدة العقلية والتي تسمّى بالمشاهدة القلبية أيضاً. وألطف بيان لهذه الحقيقة

____________

(1) لا تغفل ان توحيد الحقّ تعالى الصرف لا يتوفر إلاّ لمحمّد وآل محمّد (عليهم السلام) كما ورد في الروايات المستفيضة. منها ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : « يا علي ما عرف الله إلاّ أنا وأنت ، وما عرفني إلاّ الله وأنت ، وما عرفك إلاّ الله وأنا ». مختصر بصائر الدرجات للشيخ حسن الحلي : ص 125.

وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال : « يا علي ، ما عرف الله حق معرفته غيري وغيرك ، وما عرفك حق معرفتك غير الله وغيري ». مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب : ج 3 ، ص 267 ـ 268 ، في (فصل : في المفردات). ونقله المجلسي في البحار : ج 39 ، ص 84.

وانتبه وتدبّر واعرف واعلم انّ أركان التوحيد هي معرفتهم (صلوات الله عليهم جميعاً )كما ورد في الروايات المستفيضة منها : ما رواه الصدوق بسند صحيح في معاني الأخبار عن أبي حمزة الثمالي عن سيد العبادين علي بن الحسين عليهما السلام في حديث طويل قال فيه : « ونحن أركان توحيده ، ونحن موضع سره ».

وروى الشيخ الطوسي بسند صحيح عن الامام الرضا عليه السلام : « فإنهم معادن كلماتك وأركان توحيدك .. » مصباح المتهجد : ص 366.

ورواه السيّد ابن طاووس في جمال الاسبوع : ص 506 ـ 511 ، الطبعة الحجرية. وفي : ص 512 ـ 519. ورواه الكفعمي في المصباح : ص 548 الطبعة الحجرية.

(2) راجع الزيارة الجامعة المروية عن الامام الهادي (عليه السلام) في التهذيب للشيخ الطوسي : ج 6 ، ص 98. وفي من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق : ج 2 ، ص 372. ورواها الصدوق في عيون أخبار الرضا : ج 2 ، ص 274. ونقلها المجلسي في البحار : ج 102 ، ص 129 ، 130.

27

ما نقل عن ابن سينا وأبي سعيد ( انّ الرجلين تلاقيا في موضع ، فلما افترقا ، سئل كلّ منهما عن صاحبه ، فقال الشيخ أبو سعيد : ما أنا اراه هو يعلم. وقال الشيخ أبو علي : ما اعلمه هو يراه ... ) (1). وأما اختلاف طريقة أهل المعرفة عن طريقة الأخلاقين انّ اولئك يشرحون أحوال الانسان وسلوكه وفق ما جاء به التنزيل وطبق قوانين السير والسلوك النظري والعملي بتكميل قلب الانسان ليصل بالأحوال والمقامات بحيث يكون قادراً على تلقي الفيوضات الالهية والمعارف الكلية لتطهير روحه وقلبه وعقله من كل غريب ونجس واخلاص نفسه للتوحيد الصرف ولقاء الحقّ عزّ وجلّ ، وعرفوا قوانين الوجود التكونينية ورأوا رأي العين وادركوا خفاياها وأسرارها ، وكلها خفايا وأسرار. والعرفان فلسفة كاملة فيها جميع الاجوبة الثبوتية عن كل شيء ولا يوجد العرفان في ورق ولا في كتاب وانّما هو في قلب العبد المؤمن كما ورد في النص الشريف في الحديث القدسي : « لم تسعني سمائي ولا أرضي ، ووسعني قلب عبدي المؤمن » (2).

كما أن العرفان العملي هو المدرسة السلوكية للانسان الطالب أو السالك أو الواصل لايصاله الى غايته الاُولى والقصوى ، ولا يتمّ له ذلك بالنظري قطعاً وانّما لابدّ من العمل والكدح كما ورد في الروايات المستفيضة عن الامام الصادق (عليه السلام) : « العلم مقرون الى العمل فمن علم عمل ومن عمل علم ، والعلم يهتف بالعمل فان اجابه وإلاّ ارتحل عنه » (3).

وعن الامام الصادق (عليه السلام) انّه قال : « انّ العالم اذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل المطر عن الصفا » (4).

وعن الامام السجاد (عليه السلام) انّه قال : « مكتوب في الانجيل لا تطلبوا علم

____________

(1) روضات الجنات : 3 ، ص 184.

(2) راجع المحجة البيضاء : ج 5 ، ص 26 ، وفيه (أرضي ولا سمائي). البحار : ج 58 ، ص 39.

(3) الكافي : ج 1 ، ص 44 ، (باب استعمال العلم) ، ح 2.

(4) المصدر السابق.

28

ما لا تعلمون ولمّا تعملوا بما علمتم ، فإن العلم اذا لم يعمل به لم يزدد صاحبه إلاّ كفراً ولم يزدد من الله إلاّ بعداً » (1).

وأما طريقة الأخلاقيين فانّها تعتمد على الأساليب الوعظية والتنبيهية ويستفيدون من القصة كاسلوب خطابي يشد السامع أو القارىء الى تذكر الله عزّ وجلّ ، كما انّهم يستشهدون بالروايات والآثار والمنقولات والمسموعات لأجل تلك الغاية الكريمة.

وطريقة الأخلاقيين مفيدة جداً للعامّة لتقويمهم وارجاعهم الى الطريق المستقيم وتعريفهم بالصحيح والخطأ ، ولكنها غالباً ما تكون مؤقتة بزمان الموعظة وما بعدها بفترات محدودة باختلاف حالات السامعين والقارئين ، لأن طريقة الأخلاقيين لا تدخل الى عمق الانسان وتعرف مقامه ثمّ ترقيه مرقاة فمرقاة وتزيل الملكات الظلمانية وتحييه بالملكات النورانية وترقيه في مدارج الكمال كما تفعله الطريقة العرفانية. اضف الى ذلك أن الأخلاقين غالباً ما يستخدمون اسلوباً واحداً في الوعظ لمجاميع مختلفين في الأحوال والملكات والمقامات بل غالباً ما يستخدمون اسلوباً واحداً مع الانسان في جميع أحواله وملكاته بينما أن لكل انسان واردات واحوال ومقامات تختلف باختلاف مجاهداته.

وعلى كل حال فانّنا لا نريد هنا أن نبين جميع خصوصيات الطريقة العرفانية وطريقة الأخلاقيين ، وانّما أردنا أن نوضح انّ هناك فوارق عدة بين الطريقتين ، وكليهما مفيدة بل أن العرفاء وأهل السير والسلوك لا يستغنون عن استخدام الاسلوب الاخلاقي في تكميل النفوس خصوصاً في مخاطباتهم للعامة ، فأنّه أجدى لمثل ذلك المقام عند الخطاب لعامّة الناس وأنفع.

ولكن هناك مؤاخذة اُخرى على الاسلوب الاخلاقي لفهم قضايا الموت والعالم الآخر اضافة للملاحظة السابقة بانّه يهتم بالجانب التحذيري والتخويفي بذكر الأهوال ، والمصاعب التي سوف يلاقيها الانسان ابتداءاً من سكرات الموت

____________

(1) المصدر السابق.

29

فما بعدها ، مما يولد عند الانسان السامع أو القارىء حالة من الرهبة والخوف فتعكس على شخصيته فتؤدي في أحيان كثيرة الى حالة تشاؤمية وقد توقعه بالانعزال عن الحياة العامّة وتعميق الشعور الفردي والإنزوائي واللا ابالية عنده فيخرج من قانون السلوك المتوازن الى حالة التطرف الواحدي.

وبالتأكيد فانّ أي باحث موضوعي لا يمكنه أن يطرح الأحكام بشكل قطي وعمومي في مثل هذه الحالات التي تتعرض لموضوع واسع وشائك ، فإن الاسلوب الأخلاقي يختلف من شخص لآخر ، وقد تكون الملاحظة المتقدمة ظاهرة عند أغلب الأخلاقيين ولكنها لا تصلح أن تبقى بلا استثناء ، مع انّي أظنّ انّ الملاحظة لم تخلو من مبالغة وتضخيم وإن كانت بشكل عام لم تخلو من واقعية ، بل انّ الاسلوب التخويفي للانسان المكلف ضروري لتقويمه واعادته لجادة الصراط المستقيم ، وقد رأينا الكتاب الكريم قد هدد العباد وحذّرهم وأوعدهم بما يجري عليهم بعد هذه العوالم منها قوله تعالى : ( وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ) (1).

وقال تعالى : ( وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ) (2).

وقال تعالى : ( قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) (3).

وكذلك كان موقف السنّة المطهرة فقد روى الكليني (رحمه الله) في الكالفي الشريف بإسناده عن الامام الصادق (عليه السلام) انّه قال : « من خاف الله أخاف منه كلّ شيء ، ومن لم يخف الله اخافه الله من كل شيء » (4).

وروى أيضاً بإسناده عن اسحاق بن عمار قال : قال أبو عبدالله (عليه السلام) :

« يا اسحاق خف الله كأنك تراه وان كنت لا تراه فانّه يراك ، فانّ كنت ترى انّه لا يراك فقد كفرت ، وإن كنت تعلم انّه يراك ثمّ برزت له المصية فقد جعلته من أهون الناظرين عليك » (4).

____________

(1) سورة البقرة : 40.

(2) سورة آل عمران : الآية 28.

(3) سورة الانعام : الآية 15.

(4) الكافي : ج 2 ، ص 68 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب (الخوف والرجاء) ، ح 3.

(5) المصدر السابق.

30

وروى أيضاً بسند صحيح عن الامام الصادق (عليه السلام) انّه قال : « المؤمن بين مخافتين : ذنب قد مضى لا يدري ما صنع الله فيه ، وعمر قد بقي لا يدري ما يكتسب فيه من المهالك فهو لا يصبح إلاّ خائفاً ولا يصلحه إلاّ الخوف » (1).

وأجاد العلاّمة المازندراني في شرح معنى الخوف الذي ورد في هذه الروايات الشريفة حيث قال :

( الخوف حالة نفسانية موجبة لتألمها بسبب توقع مكروه سببه ممكن الوقوع أو توقع فوات أمر مرغوب فيه ، ولو كان وقوع سببه معلوماً ، أو منظونا ظنّاً غالباً يسمّى ذلك انتظار المكروه أيضاً كما يسمى خوفاً ، والتألم فيه أزيد.

وأما الخوف والتألم بسبب توقع مكروه علم قطعاً عدم وقوع شيء من أسبابه فذلك وسواس وماليخوليا ...

وسبب الخوف من الله معرفته ، ومعرفه جلاله ، وعظمته ، وكبريائه ، وغنائه عن الخلق ، وغضبه ، وقهره ، وكمال قدرته على الخلق ، وعدم مبالاته بتعذيبهم واهلاكهم ، ومعرفة عيوب نفسه ، وتقصيره في الطاعات والأخلاق ، والآداب مع التفكر في أمر الآخرة وشدائدها.

كلما زادت تلك المعارف زاد الخوف وثمرته في القلب والبدن والجوارح ، اذ بالخوف يميل القلب الى ترك الشهوات ، والندامة على الزلات ، والعزم على الخيرات ، ويخضع ويراقب ، ويحاسب ، وينظر الى عاقبة الامور ، ويحترز من الرذائل كالكبر والحسد والبخل ، ويذبل البدن ، ويصفر اللون من الغم والسهر ، وتشتغل الجوارح بوظائفه ويحصل له بترك الشهوات العفّة والزهد ، وبترك المحرمات التقوى ، وبترك ما لا يعني الورع والصدق والاخلاص ، ودوام الذكر والفكر ، ويترقى منها الى مقام المحبة ، ثمّ منه الى مقام الرضا ... ) (2).

____________

(1) المصدر السابق ص 71.

(2) شرح اصول الكافي وروضته للعلاّمة محمّد صالح المازندراني المتوفي سنة 1081 هـ أو 1086 هـ : ج 8 ، ص 205 ـ 206.

31

( والخوف غير القنوط ) (1).

وانّ الاشكال المتقدم انّما هو على القنوط وليس على الخوف ، لأن الخوف لم يترك الأمل وهو الرجاء ، بل يقف الى جانبه يوازنه ، لأن الأمل ـ الرجاء ـ بلا خوف معناه الغرور والحماقة.

وعلى كل حال فالخوف اسلوب مطلوب لتأديب النفس ولكنه لابدّ وأن يلازمه الرجاء ليتوازن ميزان النفس فلا افراط ولا تفريط ، فكلما ازداد الخوف ازداد الرجاء والأمل.

وعلى السالك أن ينتبه الى حالة الخوف أن لا تكون ملكة نفسانية عنده ، وكذلك الرجاء ، بحيث يكونا الداعي الى عبادته تعالى ، كما يلزم المرشد أن ينتبه في وعظه وارشاده وهدية أن لا يكون تأكيده على الخوف والرجاء بحيث تكونا ملكة عند من يرشده ويعظه. فانّ حالة الخوف وحالة الرجاء مع أهميتهما لاستقامته ولكنهما ليستا غايتين تامتين ، وانّما الغاية التامّة أن يكون السالك يعبد الحقّ لغاية اسمى وهي ارادته للحقّ عزّ وجلّ ومعرفة معنى العبودية والمعبود والعابد والعبادة ليتمّ معنى الشكر كما في كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) : « الهي ما عبدتك خوفاً من عقابك ولا طمعاً في ثوابك ، ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك » (2).

وفي رواية اُخرى عنه (عليه السلام) : « ما عبدتك خوفاً من نارك ، ولا طمعاً في جنتك ، ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك » (3).

في نهج البلاغة عنه (عليه السلام) قال : « انّ قوماً عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار ، وانّ قوماً عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد ، وانّ قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار » (4).

* * *

____________

(1) المصدر السابق.

(2) راجع البحار : ج 41 ، ص 14.

(3) راجع البحار : ج 7 ، ص 186 ، وفي : ص 197. وفي : ص 234. وفي : ج 72 ، ص 278.

(4) نهج البلاغة شرح محمّد عبده : ج 4 ، ص 53.

32

وعلى كل حال فقط أصاب بعض الباحثين عندما جمع بين الطرق الثلاثة ـ الفلسفية والعرفانية والأخلاقية ـ في عرض تلك العوالم المهمّة من حياة الانسان ، فانّ لكل طريقة خصوصياتها المتميزة التي تساعد الانسان للتعرف عليها.

كتاب منازل الآخرة والمطالب الفاخرة

ويدخل كتاب ( منازل الاخرة ) للعلاّمة الثقة المحدّث الشيخ عباس القمّي (قدس سرهم) في ضمن الكتب الأخلاقية المهمّة التي تحدثت عن العوالم التي سوف يلاقيها الانسان بعدما ينتهي من هذه الحياة الدنيا التي عاشها ، وقد أجاد المؤلّف (رحمه الله) في استقصائها بشكل منظم ومرتب ابتداءاً من سكرات الموت ، وانتهاءاً بدخول الجنة أو النار ، خصوصاً انّه اعتمد فيها على ما جاء عن النبي الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام) ، وقد حاول جاهداً أن يبتعد عن ما نقله الآخرون من خرافات الصوفية أو قصص الاسرائليات والوضاعين التي شحنت بها الكتب الأخلاقية المؤلفة بهذا المجال كتكاب الاحياء وغيره.

كما أن المؤلّف القمّي (رحمه الله) أجاد عندما لم يطنب بالتخويف بل أوجز بما يؤدي الغرض الوعظي والتأدبي وانّه أحسن كثيراً عندما أضاف ( المنجيات ) من تلك المصاعب والأهوال الى جنب الأهوال التي سوف يقع بها الانسان في الآخرة.

وانّ المؤلّف (رحمه الله) قد استخدم الاسلوب الصحيح في موعظته حينما استفاد من الخوف والرجاء الذي ورد في الروايات وأكدت عليه الأحاديث الشريفة بضرورة توفرهما جميعاً بقلب المؤمن ليحصل على النجاة بسلوكه الرباني منها : ما رواه الكليني (رحمه الله) في الكافي الشريف بإسناده عن الامام الصادق (عليه السلام) قال : « كان أبي (عليه السلام) يقول : انه ليس من عبد مؤمن إلاّ في قلبه نوران : نور خيفة ، ونور رجاء ،

33

لو وزن هذا لم يزد على هذا ، ولو وزن هذا لم يزد على هذا » (1).

وروي الكليني أيضاً في الكافي الشريف بإسناده عن الحسن بن أبي سارة قال :

« سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : لا يكون المؤمن مؤمناً حتّى يكون خائفاً راجياً ، ولا يكون خائفاً راجياً حتّى يكون عاملاً لما يخاف ويرجو » (2).

قال المجلسي (رحمه الله) : (لابدّ أن يكون العبد دائماً بين الخوف والرجاء لا يغلب أحدهما على الآخر اذ لو رجّح الرجاء لزم الأمن لا في موضعه ، وقال تعالى : ( أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ) (3).

ولو رجح الخوف لزم اليأس الموجب للهلاك كما قال سبحانه : ( إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) (4).

وقيل : يستحبّ أن يغلب في حالة الصحّة الخوف ، فاذ انقطع الأجل يستحبّ أن يغلب الرجاء ليلقى الله على حالة هي أحبّ إليه اذ هو سبحانه الرحن الرحيم ، ويحب الرجاء.

وقيل ثمرة الخوف : الكف عن المعاصي ، فعند دنو الأجل زالت تلك الثمرة فينبغي غلبة الرجاء.

وقال بعضهم : (الخوف ليس من الفضائل والكمالات العقلية في النشأة الآخرة ، وانّما هو من الامور النافعة للنفس في الهرب عن المعاصي ، وفعل الطاعات ما دامت في دار العمل. وأما عند انقضاء الأجل والخروج من الدنيا فلا فائدة فيه.

وأما الرجاء فإنه باق أبداً الى يوم القيامة لا ينقطع ، لأنه كلما نال العبد من رحمة الله أكثر كان ازدياد طمعه فيما عند الله أعظم وأشدّ لأنّ خزائن جوده وخيره ورحمته غير متناهية لا تبيد ولا تنقص .. ) (5).

____________

(1) الكافي : ج 2 ، ص 67.

(2) الكافي : ج 2 ، ص 70.

(3) سورة الاعراف : الآية 99.

(4) سورة يوسف : الآية 87.

(5) مرآة العقول للعلاّمة المجلسي : ج 8 ، ص 32.

34

وقد علّق المجلسي (رحمه الله) بقوله : (والحقّ أن العبد ما دام في دار التكليف لابدّ له من الخوف والرجاء. وبعد مشاهدة امور الآخرة يغلب عليه أحدهما لا محالة بحسب ما يشاهده من أحوالها) (1).

* ولكن مع ذلك فإن المؤلّف (رحمه الله) قد خالف طريقته حيث ركز في آخر الكتاب على الخائفين وامثلتهم ، ولم يذكر من أحال الرجاء والجنّة ووصفها شيئاً ليتوازن الخوف بالرجاء ، ولذلك ارتأينا ان نذكر مقتطفات من المأثور في الرجاء والجنّة ليكون قلب القارىء مستقيماً في ميزانه. خصوصاً انّك قد قرأت قبل قليل ما نقله العلاّمة المجلسي (رحمه الله) عن بعضهم انه كان يقول : (يستحبّ أن يغلب في حالة الصحّة الخوف ، فاذا انقطع الأجل يستحبّ أن يغلب الرجاء ليلقى الله على حالة هي أحبّ إليه اذ هو سبحانه الرحمن الرحيم ويحب الرجاء ... الخ) (2).

وقد رأينا انّ الأنسب أن نلحق تلك الروايات حول الجنّة بفصل في آخر الكتاب تحت عنوان (ذكر عدة أخبار في وصف الجنّة ونعيمها).

هل للآخرة منازل؟

انّ للآخرة منازل تبتدىء من منزل الموت ثمّ القبر وأحواله والبرزخ والحشر والنشور والحساب والعرض والصراط والميزان والشفاعة ومنازل النيران ومنازل الجنّة وما الى ذلك.

وقد فصّل العلاّمة السيّد هاشم البحراني المتوفى سنة 1107 أو 1109 هـ. ق الحديث عن جميع تلك المنازل وغيرها في كتابه معالم الزلفى.

أما المؤلّف القمّي فانّه اختصر تلك المنازل في كتابه الكريم (منازل الآخرة) ، وأجاد بجمعها وعرضها بما يمكن لكل انسان أن يقرأ ويتعرف على تلك العوالم

____________

(1) المصدر السابق.

(2) راجع نهج البلاغة : ج 2 ، ص 183 ، تحقيق محمّد عبدة ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 11 ، ص 5 ، الارشاد للشيخ المفيد : ج 1 ، ص 234 ، الطبعة المحققة. ونقله المجلسي في البحار : ج 73 ، ص 106 ، ح 102. وفي : ج 73 ، ص 134 ، ح 138.

35

ويستفيد منها بشكل مختصر مفيد.

وقد استلهم المؤلف (رحمه الله) عنوانه هذا من الروايات الشريفة التي تحدثت عن تلك العوالم ، منها ما ذكره هو في مقدمة هذا الكتاب عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انّه كان ينادي في كل ليلة حين يأخذ الناس مضاجعهم للمنام ، بصوت يسمعه كافة أهل المسجد ومن جاوره من الناس « تزودوا رحمكم الله فقد نودي فيكم بالرحيل ، واقلوا العرجة على الدنيا ، وانقلبوا بصالح ما يحضركم من الزاد فانّ مامكم عقبة كؤوداً ومنازل مخوفة مهولة لابدّ من الورود [المرر. خ. ل] عليها والوقوف عندها [عليها. خ. ل] ».

والمنزل جمعه منازل وهو مكان النزول ويطلق على الدار أيضاً ، وقد سمّت أماكن نزول القوافل والمسافرين منازل أيضاً ، كما انّها تطلق على مسافة معينة من الطريق.

سفر القيامة والاستعداد له :

ولأن الانسان مسافر في حياته (1) الى الله تعالى فعليه انّ يعدّ مؤنة السفر

____________

(1) فأما أن الانسان مسافر في هذه الدنيا الى الآخرة بسفر القيامة فقد تظافرت الروايات الشريفة في ذلك فمنها :

* في النهج عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انّه قال : « مَن تذكر بُعد السفر استعدّ » (نهج البلاغة : ج 4 : ص 68 ، شرح محمّد عبدة).

* وروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انّه قال : « قام فينا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) خطيباً ، فقال : يا أيها الناس انّكم في دار هدنة ، وانتم على ظهر سفر ، والسير بكم سريع ، فعدّوا الجهاز لبعد المسافة » (كنز العمال للمتقي الهندي : ج 16 ، ص 136 ، رقم الحديث العام 244163).

* وروي الشيخ الصدوق رحمه الله بإسناده الى سفيان بن عيينة انّه قال : رأى الزهري علي بن الحسين عليه السلام ، ليلة باردة مطيرة ، وعلى ظهره دقيق وحطب وهو يمشي ، فقال له « يابن رسول الله ما هذا؟! قال : اُريد سفراً عدّ له زاداً حمله الى موضع حريز. فقال الزهري : فهذا غلامي يحمله عنك ، فابى ، قال : أنا احمله عنك ، فإني ارفعك عن حمله. فقال علي بن الحسين : لكني لا أرفع نفسي عمّا ينجيني في سفري ، ويحسن ورودي على ما اراد عليه ، اسألك بحق الله لمّا مضيت لحاجتك ، وتركتني. فانصرفت عنه فلما كان بعد أيّام ، قلت له : يا بن رسول الله

36

ويهتم بها خصوصاً أن السفر طويل ولا عودة منه ولا محالة من قطعه.

وقد اهتمّ علماء الآخرة لهذا السفر الشريف فابتدأوه بارادتهم قبل أن يحل في ساحتهم ، وطووا كثيراً من منازله وما زالت أبدانهم تعيش في هذه الحياة الدنيا ، وقد انكشف لهم كثير من تلك المنازل وتعرفوا على عوالم عظيمة منها ولا يمكن لأحد ان يعلمها أو يشاهدها أو يدركها إلاّ بعد مجاهدات سلوكية ومقامات سيرية.

وقد ثبتوا بعضاً من تلك المنازل والمقامات والأحوال تحت عنوان ( السير والسلوك ) ولعل افضلها ما ثبت في رسالة « السير والسلوك » المنسوبة لأية الله العظمى السيّد محمّد مهدي بحر العلوم (قدس سرهم).

وسواء جاهد الانسان واختار آخرته وهو بعد في الدنيا ولم يرحل منها ، أو ترك الامور تجري عليه ضمن قوانين القدر المحتوم والقضاء المبرم ، فأنّه سوف يلاقي يومه الذي وعد به ، ويحل عليه السفر الطويل ويرى تلك المنازل رأي العين عندما يتحقق قوله تعالى : ( فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) (1).

وذلك اليوم لا ينفع نفساً إيمانها لم تؤمن من قبل ولم تهيّىء لسفرها عدته ، ونجى المخفون.

ولذلك أكدت الروايات الكثيرة جداً على ضرورة الاعداد لسفر الآخرة (2).

____________

لست أرى لذلك السفر الذي ذكرته أثراً؟ قال : بلى يا زهري ، ليس ما ظننته ، ولكنه الموت ، وله كنت استعد ، انّما الاستعداد للموت تجنب الحرام ، وبذل الندى والخير » (علل الشرائع : ص 231 ، ح 5. ونقله المجلسي في البحار : ج 46 ، ص 65 ، ح 27. والبحراني في العوالم : مجلد أحوال الامام زين العابدين (عليه السلام) : ص 106).

(2) سورة ق : الأية 22.

(3) وأما الاستعداد للموت فمن تلك الروايات :

* روى الصدوق (عليه السلام) في أماليه عن الامام العسكري (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) انّه قيل لأمير المؤمنين (عليه السلام) : ما الاستعداد للموت؟ قال : « اداء الفرائض ، واجتناب المحارم ، والاشتمال على المكارم ، ثمّ لا يبالي أوقع على الموت ، ام وقع الموت عليه » (الأمالي للصدوق :

37

ضرورة ذكر الموت :

اضافة الى أن طريقة أهل البيت (عليهم السلام) ألزمت المؤمن ـ كما توضحه الروايات الشريفة ـ أن يعيش الموت ويديم ذكره له ليعدّ ليومه ذلك الذي ينتظره لا محالة ، فانّ انحراف الانسان عن الجادة المستقيمة ينشأ من الطغيان الذي يعتريه ، وقد يصل به الى مستوى بحيث يعمى عن كل الحقائق وما يحيط به ، ولا تنفعه لتخفيف نسبة طغيانه وغروره كل النصائح والتوجيهات لأن طغيانه قد يكبر عليها ولكنه يصطدم بصخرة تتكسر عليها كل مراتب الطغيان والغرور وهي صخرة الموت وما بعد الموت ، وقد صور كتاب الله المجيد هذه الحقيقة بقوله تعالى : ( إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ * إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ ) (1).

فمهما اعتور الانسان الموحد (2) من الطغيان والغرور والانحراف عن الأوامر

____________

ص 97 ، المجلس 23 ، ح 8. ونقله عنه في البحار : ج 71 ، ص 263 ، ح 1).

* وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام انّه قال في خطبة خطبها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتسعة أيّام : « وانّ من عرف الأيّام لم يغفل عن الاستعداد ، لن ينجو من الموت غني بماله ، ولا فقير لاقاله ... » (الامالي للصدوق : ص 263 ـ 264 ، المجلس 52 ، ح 9. ونقله عنه في البحار : ج 71 ، ص 263 ، ح 2).

* وروى الشيخ الطوسي في أماليه بإسناده عن أبي اسحاق الهمداني قال : لما ولّى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) محمّد بن أبي بكر مصر واعمالها كتب له كتاباً ، وامره أن يقرأه على أهل مصر وليعمل بما وصّاه به فيه ... وكان من جملة ما جاء فيه : « يا عباد الله انّ الموت ليس منه فوت ، فاحذروه قبل وقوعه ، واعدوا له عدته ، فانّكم طرد الموت ، إن اقمتم له اخذكم ، وإن فررتم منه ادرككم ، هو الزم لكم من ظلكم .. » (الأمالي للطوسي : ص 27. ونقله عنه في البحار : ج 71 ، ص 264 ، ح 6.

(1) سورة العلق : الآية 6 ـ 8.

(2) أما الانسان الملحد فإن رؤيته لله وللآخرة لا تقل عن رؤية الموحدين لأنه يحس بفطرته وجود عالم آخر بعد انتهائه من رحلته في عالم الدنيا كما أن جميع القوانين العقلية تنص عليه.

ومهما أنكر الملحد بطغيانه حقائق الوجود والعلة فانّه يعترف أن لحياته نهاية ، ولكنها نهاية لمشوار قطعه وعرف شيئاً من مجرياته ، وبقيت الغازه واسراره تحتاج الى توضيح وشرح وهو يقرّ بباطن نفسه أن لتلك الالغاز والاسرار اجوبه ، ولا يوجد لغز أو سرّ يبقى في الكتمان وانما لابدّ له من يوم يظهر ويعرف ، ولذلك فهو يقرّ بقرارة نفسه أن هناك يوماً

38

الالهية فهو يعلم جازماً انّه لا محالة من موته ورجوعه الى الحقّ عزّوجلّ وسوف يحاسبه على جميع القضايا التي صدرت منه سواءاً كانت كبيرة أو صغيرة ؛ فلذلك ورد في الحديث الشريف : « كفى بالموت واعظاً » (1).

وحباً بالانسان ورأفة بعد فقد جاءت الأخبار المتظافرة ناصحة الانسان الموحد أن يديم ذكر الموت ، منها :

* روى الحسين بن سعيد الاهوازي : بسند صحيح عن أبي عبيدة الحذاء قال : قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : جعلت فداك حدثني بما انتفع به.

فقال : « يا أبا عبيدة ، اكثر ذكر الموت فما اكثر ذكر الموت انسان إلاّ زهد في الدنيا » (2).

* وروى الصدوق بإسناده الى أمير المؤمنين (عليه السلام) انّه قال في حديث الأربعمائة :

« اكثروا ذكر الموت ، ويوم خروجكم من القبور ، وقيامكم بين يدي الله عزّوجل تهون عليكم المصائب » (3).

* وروي في مصباح الشريعة عن الامام الصادق (عليه السلام) انّه قال :

____________

تنكشف فيه تلك الحقائق.

فليس الموت نهاية الانسان ، وانّما فيه اسرار وألغاز سوف تنكشف له بعد موته.

وهذا التصوير يفسر الدليل العقلي الذي يقيمه علماء الكلام على ضرورة وجود الآخرة والمعاد ، فإن الظلم في الدنيا لابدّ له من حكم عدل وإن مات الظالم على ظلمه فليس من العدل استدال الستارة على ظلمه الى الابد ، وانما يحكم العقل بضرورة وجود ذلك اليوم.

(1) رواه الكليني في الكافي : ج 3 ، ص 275 ، ح 28. وقريب منه في : ج 2 ، ص 85 ح 1 ، والطوسي في الامالي : ج 1 ، ص 27 ، المجلس 1 ، ح 31. ونقله المجلسي في البحار في عدة مواضع منها : ج 6 ، ص 132 ، ح 30. وفي : ج 33 ، ص 454 ، ح 720. وفي : ج 64 ، ص 29 ، ح 8. وفي ج 71 ، ص 209 ، ح 21. وفي : ج 71 ، ص 264 ، ح 4 ، وفي ج 71 ، ص 325 ، ح 20. وفي 73 ، ص 342 ، ح 25 ، وفي 77 ، ص 139 ، ح 1. وفي ج 77 ، ص 390 ، ح 11.

(2) كتاب الزهد للحسين بن سعيد الاهوازي : ص 78 ، باب 14 ، ح 210. وعنه في البحار : ج 6 ، ص 126. وفي : ج 71 ، ص 266.

(3) الخصال : ص 616. ونقله عنه في البحار : ج 6 ، ص 132.

39

« ذكر الموت يميت الشهوات في النفس ، ويقطع منابت الغفلة ، ويقوي القلب بمواعد الله ، ويرقّ الطبع ، ويكسر أعلام الهوى ، ويطفىء نار الحرص ، ويحقر الدنيا ، وهو معنى ما قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : فكر ساعة خير من عبادة سنة ، وذلك عندما تحلّ اطناب خيام الدنيا ، وتشدّها في الآخرة ، ولا شك [ولا يسكن نزول على ذكر. خ. 7] بنزول الرحمة على ذاكر الموت بهذه الصفة. ومن لا يعتبر بالموت ، وقلة حيلته ، وكثرة عجزه ، وطول مقامه في القبر ، وتحيّره في القيامة ؛ فلا خير فيه ».

قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : « اذكروا هادم اللذات ».

فقيل : وما هو يا رسول الله؟

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : الموت.

فما ذكره عبد على الحقيقة في سعة إلاّ ضاقت عليه الدنيا ، ولا في شدة إلاّ اتسعت عليه.

والموت أول منزل من منازل الآخرة ، وآخر منزل من منزل الدنيا ، فطوبى لمن اُكرم عند النزول بأوّلها ، وطوبى لمن أحسن مشايعته في آخرها.

والموت أقرب الأشياء من بني آدم وهو يعدّه أبعد ، فما أجرأ الانسان على نفسه وما أضعفه من خلق.

وفي الموت نجاة المخلصين وهلاك المجرمين ، ولذلك اشتاق من اشتاق الى الموت ، وكره من كره.

قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : « من أحبّ لقاء الله احبّ الله لقاءه ، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه » (1).

* وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال :

« أفضل الزهد في الدنيا ذكر الموت. وأفضل العبادة ذكر الموت. وأفضل التفكر ذكر الموت ، فمن اثقله ذكر الموت وجد قبره روضة من رياض الجنّة » (2).

* * *

____________

(1) مصباح الشريعة : ص 171 ـ 172. ونقله في البحار : ج 6 ، ص 133.

(2) جامع الاخبار : ص 165 ، الفصل 131. ونقله عنه في البحار : ج 6 ، ص 137 ح 41.

40

وفي نفس الوقت فانّ الحقّ تعالى يطلب من الانسان التوازن في تفكيره ، وحياته ، وشخصيته ، وفهمه لجميع الأشياء الكونية. فهو يأمر الانسان بتعمير الأرض والسعي الجاد ، قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) (1).

وقال تعالى : ( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) (3).

وقال تعالى : ( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) (4).

وقال تعالى : ( إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ) (5).

وقال تعالى : ( وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ) (6).

وقال تعالى : ( فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ ) (7).

وقال تعالى : ( وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ) (8).

* وروى الكليني في الكافي ، والطوسي في التهذيب بإسنادهما عن المعلى بن خنيس قال : « سأل أبو عبدالله (عليه السلام) عن رجل وأنا عنده ، فقيل له قد اصابته الحاجة. قال : فما يصنع اليوم؟ قيل : في البيت يعبد ربّه عزّوجلّ.

قال : فما يصنع اليوم؟ قيل : في البيت يعبد ربّه عزّوجلّ.

قال : فمن أين قوته؟!

قيل : من عند بعض اخوانه.

فقيل أبو عبدالله (عليه السلام) : والله للذي يقوّته أشدّ عبادة منه » (9).

____________

(1) سورة التوبة : الآية 105.

(2) سورة المؤمنون : الآية 51.

(3) سورة هود : الآية 7.

(4) سورة الكهف : الآية 7.

(5) سورة الكهف : الآية 30.

(6) سورة الاعراف : الآية 10.

(7) سورة الجمعة : الآية 10.

(8) سورة النبأ : الآية 11.

(9) التهذيب : ج 6 ، ص 324 ، باب 22 ، ج 10. الكافي : ج 5 ، ص 78 ، ح 4.

41

* وروى الصدوق في الفقيه عن الامام الصادق (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) :

« عليكم بالطلب ، ثمّ قال : انّي لأبغض الرجل فاغراً فاه الى ربّه يقول : ارزقني ، ويترك الطلب » (1).

* وروى الكليني في الكافي بإسناده عن الامام الباقر (عليه السلام) قال :

« انّي لأبغض الرجل ، أو أبغض للرجل أن يكون كسلانا عن أمر دنياه ، ومن كسل عن أمر دنياه فهو عن آخرته أكسل » (2).

* وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال :

« إن قامت الساعة وفي يد أحدكم الفسيلة ، فإن استطاع أن لا تقوم الساعة حتّى يغرسها فليغرسها » (3).

* وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال : « من غرس غرساً فأثمر أعطاه الله من الأجر قدر ما يخرج من الثمرة » (4).

* وروي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال : « إن الله حين اهبط آدم الى الارض أمره أن يحرث بيده فيأكل من كده .. » (5).

ومع اهتمام الرؤية الاسلامية من خلال نصوص الشريعة بتعمير الأرض والعمل لبناء الحضارة والمدنية الانسانية الصالحة ، فانّ الاسلام يؤكد على تعمير الآخرة وبنائها كما تقدمت بعض النصوص الشريفة المؤكدة لهذه الحقيقة ، لأنها تكشف أن الحياة الحقيقيّة هي الحياة الخالدة والتي تكون بعد الموت ، ولذلك فانّ عمران الدنيا لابدّ وأن ينسجم بالتوازي مع عمران الآخرة مع ملاحظة أخذ الشرط

____________

(1) الفقه : ج 3 ، ص 192 ، ح 3721.

(2) الكافي : ج 5 ، ص 85 ، ح 4.

(3) مستدرك الوسائل للشيخ النوري : ج 13 ، ص 460 كتاب المزارعة والمساقاة باب : 1 ، ح 5 وعنه في جامع أحاديث الشيعة : 18 ، ص 431 ، أبواب المزارعة والمساقاة باب : 1 ح 10.

(4) مستدرك الوسائل : ج 13 ، ص 460 ، أبواب المزارعة والمساقاة ، باب 1 ، ح 4. وعنه جامع احاديث الشيعة : ج 18 ، ص 431 ، أبواب المزارعة والمساقاة ، باب 1 ، ح 9.

(5) مستدرك الوسائل : ج 54 ، ص 475 باب : 18 ، ح 5203. جامع احاديث الشيعة : ج 18 ، ص 434 أبواب المزارعة والمساقاة باب : 5 ، ح 2. تفسير العياشي : ج 1 ، ص 40 ، ح 24.

42

الغائي في العمران الدنيوي وهو الآخرة ، قال تعالى : ( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) (1).

وبما أن هدف الآخرة لا ينسجم مع الانسياب وراء الدنيا واغراءاتها فلذلك كان الموقف العقائدي والأخلاقي الاسلامي أن يحدد السعي الدنيوي ، وليس هذا التحديد من حيث الكم ، وانّما هو من حيث النوع والنية والأهداف.

وهو المعبّر عنه في كثير من النصوص الاسلامية بطول الأمل ، وحبّ الدنيا.

وأهم الفوارق بين التحديد الكمّي والتحديد النوعي هو أن الاسلام العظيم يشجع على العمران والبناء الحضاري بمختلف أوجه النشاط المتعلق به ضمن قانون ( العمل الصالح ).

ولكنه يشترط في ذلك العمل أن يكون لخدمة الأهداف الالهية ، ولأجل رقي الحضارة الانسانية وتقدمها واصلاح نقاط الخلل في البنى الاجتماعية والانسانية والحضارية.

وأما الأهداف الشخصية فانّها محددة بالكم ، يعني أن لا يركض الانسان وراء هدف صغير بجمع المال لنفسه وأهله الخاصين به ، بل لابدّ وأن تكون حركته في هذا المجال محدودة بمقدار الحاجة ، وعليه ان يصبّ جلّ اهتماماته بالخدمة العامّة.

ونكتفي بهذا المقدار من توضيح معالم الرؤية الاسلامية المقدّسة لهذا الموضوع الفكري والحياتي المهم.

مع التأكد على أن ما سجلته هنا بهذه الأوراق لا يعدو عن أكثر من طرح الخطوط العامّة لهذا الموضوع الفكري والعقائدي المهم ، وقد يرزقنا الله تعالى التوفيق لتفصيله بموضوع مستقل من جهة المفهوم الاسلامي للعالم.

* * *

____________

(1) سورة القصص : الآية 77.

43

حياة العلاّمة الشيخ القمّي (رحمه الله)

الحمد لله ربّ العالمين ثمّ الصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطاهرين ، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين :

وبعد ، يقول العبد الفقير ياسين الموسوي غفر الله تعالى ذنبه وأحسن عاقبته وحشره مع أجداده الطاهرين انّه جرت العادة بين المحققين والمترجمين أن يكتبوا ترجمة عن المؤلّف وأحواله وقد اقتفينا أثرهم في ذلك ، فخرجت من قلمنا هذه الأوراق المتواضعة عن المرحوم المؤلّف ، وقد راعينا فيه الاختصار سائلين المولى عزّوجلّ أن يتقبّله منّا بقبول حسن وأن يديم لطفه علينا بمحمّد وآله وهو حسبي.

هويته الشخصية :

اسمه : الشيخ عباس بن محمّد رضا بن أبي القاسم القمّي (1).

اسرته : والده الحاجّ محمّد رضا كان من صلحاء أهل قم وزهادهم ، وله تعلّق بحضور مجالس الوعظ والارشاد ومجالس سيّد الشهداء (عليه السلام) ، وكان يرجع إليه بعض معارفه لمعرفة بعض الأحكام الشرعية ، مع انّه كان يمتهن الاشغال الحرة (2).

وأما اُمّه : فقد كانت من النساء الصالحات وكان الشيخ القمّي دائماً يذكرها

____________

(1) الفوائد الرضوية للقمّي : ص 220.

(2) حاج شيخ عباس قمّي مرد تقوى وفضليت (فارسي) للشيخ علي الدواني : ص 35.

44

بالخير ويقول إن القسم المهم من التوفيق الذي حصل لي يعود الى امي فانّها كانت تمتنع عن ارضاعي بالمقدار اذا كانت غير طاهرة ، وكانت تسعى دائماً الى ارضاعي وهي على طهارة.

وكان يقول : إن امي من النساء المتّقيات وكانت تمتاز بعدم تفويتها الصلاة في وقتها (1).

وأما ولادته : فقال (رحمه الله) : ( ولادتي على الظاهر سنة 1294 ) (2).

وقال العلاّمة الطهراني : ( ولد في قم في نيّف وتسعين ومائتين وألف ... ) (3).

نشأته العلمية :

ولد القمّي في وسط اجتماعي امتاز بالتديّن وحبّ العلم ، وكانت قم تمتلىء بمجالس الذكر والوعظ وقد انتشرت فيها مظاهر اقامة الشعائر الدينية ، وفتح القمّي عينيه في حضن الجو الروحي فتأثر به ، وقد نقل عنه انّه كان ضعيف البنية ولكنه كان قوي الروح وصاحب قلب مطمئن بالله عزّوجلّ ، وقد تشبعت نفسيته بحب البحث والمعرفة من طفولته.

ووصف في طفولته بانّه كان يتكلم ويتحدّث وكأنه رجل صاحب تجارب ومع أنه كان طفلاً ولكنّه لم تكن لديه عادات الأطفال من حب اللعب وغيره.

كما نقل انّه حينما كان يرغب اليه اترابه أن يشاركهم في لعبهم البريء ، كان الطفل عباس يرفض ذلك ، وحينما يصرون عليه يجيبهم بشرط أن يقصّ عليهم بعض القصص الدينية ، وبما أن طبع الأطفال يميل الى القصة فكانوا يحلقون حوله ويقص عليهم من قصص الصالحين ، ثمّ يذكرهم بانّهم يعيشون في مكان مقدّس فهو يحتضن مرقد السيّدة المطهرة المعصومة فاطمة بنت الامام موسى بن جعفر (عليهم السلام) ، كما انّه مدفن جماعة كثيرة من عظماء الدين وعلماء الشيعة. ثمّ يدعوهم لترك الألعاب غير اللائقة والأعمال اللا مرضية لئلاّ يهتكوا حرمة هذا المكان المقدّس ،

____________

(1) محدث قمّي حديث اخلاص تأليف عبدالله زاده : ص 15.

(2) الفوائد الرضوية للقمي : ص 220.

(3) نقباء البشر : ج 3 ، ص 998.

45

ثمّ يعرجون بدعوة منه الى زيارة مرقد السيّدة الطاهرة (سلام الله عليها) (1).

عند الشيخ أرباب :

وبما انّه كان متعلقاً من نعومه أظفاره بطلب العلوم الاسلامية وتحصيل المعارف الدينية ، فقد نشأ على حب العلم وأهله ، فقرأ مقدمات العلوم ، وسطوح الفقه والاصول على عدد من علماء قم وفضلائها كالميرزا محمّد الأرباب وغيره (2).

وقد أثرت شخصية استاذه فيه ، ويعتبر المؤثر الأول في نشأته العلمية ، ولذلك لم يذكر لنا التاريخ اسماً من اساتذته الآخرين في تلك المرحلة غير الشيخ محمّد أرباب. علماً انّ قم لم تكن آنذاك قد افتخرت بالحوزة العلمية الكبيرة التي فارقتها منذ زمن طويل نسبيّاً وانتقلت الى مدينة ( سلطان آباد ).

( والشيخ محمّد الأرباب من تلاميذ الميرزا الشيرازي الكبير (رحمه الله) ، وقد حضر عنده عدة سنوات ، ثمّ أكمل دراسته في النجف الأشرف ، وبقي هناك سنوات عدة ، ثم رجع الى قم وكان بها من المروجين المحققين المصنفين ) (3).

ووصف أيضاً : بانّه كان من أعاظم علماء قم ، وأكابر فقهاء واُدباء الدهر ، فهو الخطيب الفحل والواعظ الشهير ، ونادرة العصر في فنّ الخطابة ، وكان له الدور البارز في تأسيس الجامعة العلمية مع المحروم آية الله الشيخ عبد الكريم الحائري ولكنه لم يعمّر في هذه الحوزة الفتية فقد توفي بعد سنة من تأسيسها 1341 هـ. ق (4).

وقد تأثّر المؤسس الحائري (رحمه الله) لوفاته كثيراً ، فخاطب عائلته ضمن تعزيته لهم بانّكم لستم وحدكم صرتم يتامى بل إنّي فقدت أخاً.

وقد تتلمذ على يدي الشيخ الارباب كثير من الفضلاء واساتذة قم من أمثال

____________

(1) محدث قمّي حديث اخلاص : ص 24 ـ 25 باختصار.

(2) نقباء البشر : ج 3 ، ص 998.

(3) هدية الرازي : ص 147 ـ 148.

(4) محدث قمّي : ص 28.

46

المرحوم آية الله الفيض (1).

وقد نقل عن كتاب ( تحفة الفاطميين ) ما ترجمته ملخصاً :

( ... المرحوم الحاجّ الميرزا محمّد صاحب كتاب الأربعين الحسينية من الآيات الالهية والبراهين القاطعة .. له من الفقاهة والاجتهاد مقام سامي ، ورتبة عالية ، وقد سافر في اوائل شبابه الى العتبات الشريفة. وحضر عند الميرزا الشيرازي ، واستفاد منه وكانت عمدة تلمّذه في الفقه والاصول على يد الحاجّ الميرزا حبيب الله الرشتي ، والملاّ كاظم الخراساني ، وبعدما اكمل دراسته للعلوم الدينية وحصل على القوة القدسية واجيز بالاجتهاد .. عاد الى وطنه ( قم ) ، وظهرت له الرئاسة العامّة والشهرة التامّة ، وذاعت شهرة فقاهته وفضيلته جميع الأصقاع ، وقرعت كل الأسماع .. ) (2).

وقال الشيخ عباس القمّي عن استاذه الارباب وقد عنونه تحت ( محمّد بن محمّد تقي القمّي : شيخنا العالم الفاضل الفقيه المحدّث الحكيم المتكلم الشاعر المنشي الأديب الأريب ، حسن المحاضرة ، جيد التقرير والتحرير ، جامع المعقول والمنقول أدام الله تعالى بقاءه ، صاحب الأربعين الحسينية ، وشرح قصيدة « لاُم عمرو » للسيد الحميري ، وشرح البيان للشيخ الشهيد ، ورسالة في الرد على البابية ، وتعليقات وحواشي كثيرة على العلوم ، وله أشعار لطيفة في مرثية مولانا أبي عبدالله (عليه السلام).

وكان حفظه الله تعالى كمحمد بن أحمد بن عبدالله البصري الملقب بالمفجع المعروف بكثرة بكائه وتفجعه على أهل البيت (عليهم السلام) اسأل الله أن يمتعنا بطول بقائه ) (3).

وذكر اسمه مع السيّد حسن متولي حرم السيّدة المعصومة (سلام الله عليها) والشيخ محمّد تقي البافقي والميرزا محمود الروحاني الذين جاؤوا وطلبوا

____________

(1) آثار الحجة للشيخ محمّد الرازي : ج 1 ، ص 220.

(2) المصدر السابق : 1 ، ص 221 ـ 222.

47

بإلحاح من آية الله الشيخ عبد الكريم الحائري البقاء والسكنى في قم وتأسيس الحوزة العلمية المباركة فيها ، وبعد اصرارهم وما كان من استخارته وقد كانت الآية الشريفة ( وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ) وافق على البقاء ، وتأسست بواسطة تلك المساعي الحميدة الحوزة العلمية في قم (1).

هجرته العلمية الى النجف الأشرف :

وكانت النجف عاصمة العلم الشيعي من يوم هجرة شيخ الطائفة ورئيسها الشيخ محمّد بن الحسن الطوسي 385 ـ 460 هـ. الى هذه المدينة المقدّسة بعد حوادث سنة 449 هـ. وذكر ابن الاثير في تاريخه في حوادث هذه السنة أن (فيها نهبت دار أبي جعفر الطوسي بالكرخ ، وهو فقيه الامامية ، وأُخِذ ما فيها ، وكان قد فارقها الى المشهد الغربي) (2).

وقال ابن حجر العسقلاني نقلاً عن ابن النجار انّه ( احرقت كتبه ... واستتر هو ... مات بمشهد علي ... ) (3).

وذكر ابن كثير انّه ( احرقت داره بالكرخ وكتبه سنة ثمان وأربعين ... ) (4).

وعن بداية هذه الجامعة العلمية الكبرى تحدث المؤرخ الكبير المرحوم العلاّمة الشيخ اغا بزرك الطهراني فقال : ( ولما رأى الشيخ الخطر محدقاً به هاجر بنفسه الى النجف الأشرف ، لائذاً بجوار مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وصيّرها مركزاً للعلم ، واخذت تشدّ اليها الرحال ، وتعلق بها الآمال ، وأصبحت مهوى رجال العلم ، ومهوى افئدتهم ، وقام فيها صرح الاسلام ، وكان الفضل في ذلك لشيخ الطائفة ... ) (5).

نعم كانت النجف ( مأوى للعلماء ، ونادياً للمعارف قبل هجرة الشيخ إليها ،

____________

(1) تاريخ قم لناصر الشريعة : في الحاشية للشيخ علي الدواني : ص 276.

(2) الكامل في التاريخ : ج 6 ، ص 198 تحقيق علي شيري.

(3) لسان الميزان : ج 5 ، ص 153 ، الرقم العام 7237 ، والرقم الخاص 452.

(4) البداية والنهاية : ج 12 ، ص 104 ، في حوادث سنة ستين وأربعمائة.

(5) حياة الشيخ الطوسي / الطهراني : ص (ز) في مقدمة تفسير التبيان ، للشيخ الطوسي : ج 1.

48

وكان هذا الموضع ملجأ للشيعة منذ انشأت فيه العمارة الاُولى على مرقد الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) ، لكن حيث لم تأمن الشيعة على نفوسها من تحكمات الأمويّين والعباسيين ، ولم يستطيعوا بث علومهم ورواياتهم كان الفقهاء والمحدّثون لا يتجاهرون بشيء مما عندهم ، وكانوا متبددين حتّى عصر الشيخ الطوسي والى أيّامه. وبعد هجرته انتظم الوضع الدارسي ، وتشكلت الحلقات ... ) (1).

( وقد تخرّج منها خلال هذه القرون المتطاولة آلاف مؤلفة من أساطين العلم وأعاظم الفقهاء ، وكبار الفلاسفة ، ونوابغ المتكمين ، وأفاضل المفسرين ، وأجلاء اللغويين ، وغيرهم ممن خبروا العلوم الاسلامية بأنواعها ، وبرعوا فيها ايّما براعة ، وليس أدل على ذلك من آثارهم المهمّة التي هي في طليعة التراث الاسلامي ، ولم تزل زاهية حتّى هذا اليوم ، يرتحل إليها رواد العلوم والمعارف من سائر الأقطار والقارات فيرتوون من مناهلها العذبة وعيونها الصافية ... ) (2).

وكان المنهاج الدراسي العلمي عند الامامية الى قبل الهجمة الاستعمارية الكافرة على النجف الأشرف التي شهدت غاية عنفها من سنة 1969 م وما زالت المعركة حامية الوطيس ـ ان يبدأ الدراس للعلوم الاسلامية دراساته في احدى الحوزات العلمية المبثوثة في كثير من بلدان الشيعة حتّى اذا انتهى من مراحله الاُولى والمتوسطة فانّه يلزمه الهجرة الى النجف الأشرف ليكمل دراسته وتربيته العلمية ، لما جمعت من فحول علمائها وكبار مجتهدي الامامية ، والمدارس ودور السكن للطلاب والعلماء وغير ذلك من الوسائل اللازمة لعيش العلماء والطلاب (3).

____________

(1) المصدر السابق.

(2) المصدر السابق : ص (و) ـ (ز).

(3) لقد كانت مهبط الشيعة وعاصمة العلم ، ومقرّ كبار العلماء ، كما كانت النجف تضم أكبر حورزة علمية اسلامية في العالم الاسلامي ، ولكنّ الكفّار سعوا الى تفتيت تلك العاصمة الطاهرة ، فضربوها بشتى الوسائل ، وكادوا ينجحوا اخيراً ويصلوا الى اُمنيتهم الشيطانية على يد المجرم صدام التكريتي عندما ضرب هذه العاصمة المقدسة بأقوى ضربات الكفار بما عمله من المصائب التي تقطع الاحشاء والقلوب مع آية الله العظمى المرحوم الامام السيد محسن الحكيم الى ان ذهب الى ربّه شاكياً ما لاقاه من محن وخطوب.

49

فكان من الطبيعي ان يهاجر المرحوم الشيخ عباس القمّي الى النجف الأشرف بعد ان أكمل دراساته الاولية المسمّاة بالمقدمات والسطوح في مدينة قم المقدّسة على يد مجموعة من العلماء والأفاضل.

وفي سنة 1316 هاجر الى النجف الأشرف ، فأخذ يحضر حلقات دروس العلماء ، إلاّ انّه لازم خاتمة المحدّثين الشيخ حسين النوري (رحمه الله) وكان يقضي معه أكثر أوقاته في استنساخ مؤلفاته ومقابلة بعض كتاباته. وتحدث الطهراني ، زميل القمّي عن بداية نشوء هذه العلاقة العلمية بين العَلَمين ، حيث قال :

( وفي سنة 1316 هاجر الى النجف الأشرف ، فأخذ يحضر حلقات دروس العلماء ، إلاّ انّه لازم شخينا الحجة الميرزا حسين النوري. وكان يصرف معه أكثر وقته في استنساخ مؤلفاته ومقابلة كتاباته وكنت سبقته في الهجرة الى النجف بثلاث سنين ، وفي الصلة بالمحدّث النوري بسنتين حيث هاجر النوري الى النجف في سنة 1314 هـ ... ولا أزال أتذكر جيداً يوم تعرّف المترجم له على شيخنا النوري ، وأول زيارته له ، كما أتذكر ان واسطة التعارف كان العلاّمة الشيخ علي القمّي لأنه من أصحابه الأوائل ومساعديه الافاضل ... ).

ومع أن العمر قصر في حياة الاستاذ النوري (رحمه الله) فلم تدم العلاقة بينهما أكثر من أربع سنوات تقريباً (1) ومع ذلك فقد كان له تأثير كبير في شخصية القمّي وبنائها ،

____________

وباخراج المرجع الديني الأعلى للشيعة في العالم آية الله العظمى ، ومجدد المذهب الامام الخميني (رحمه الله) ، وتضييق الخناق عليه ، وشدّ الحصار على داره. وقتل المرجع الديني آية الله العظمى الامام الشهيد السيّد محمد باقر الصدر. وتهجير الآلاف من المجتهدين ، وكبار العلماء. والفضلاء والمؤلفين ، والمحققين ، والمحصلين ، والاساتذة ، والطلاب ، وقتل المئات منهم ، وحبس وتشريد مئات آخرين. نسأل الله تعالى بحق محمّد وآل محمّد أن يردّ كيده الى نحره ، ويعجل هلاكه ، ويعجل النصر للاسلام والمسلمين ، وأن يعيد عزّ وجلّ الى النجف الأشرف حياتها ونضارتها ، فترجع كما كانت دائماً حيّةً معطاءةً.

(1) نقباء البشر : ج 3 ، ص 99. فقد قرأت قبل قليل أن بداية نشوء العلاقة بينهما كانت بعد هجرة القمّي الى النجف الأشرف سنة 1316 هـ ، وكانت وفاة استاذه النوري في سنة 1320 هـ.

50

كما صرّح هو بذلك في كتاب ( الفوائد الرضوية ) وغيره.

وبعد وفاة الشيخ النوري (رحمه الله) فقد أتمّ دراسته بالحضور على المجتهدين الآخرين من اساتذة الحورة العلمية النجفية.

وبقي يتحرك بسيره العلمي ضمن البرنامج الذي اختطه في حياة استاذه النوري ، مواصلاً مع زملائه الآخرين طريقه ، يقول الطهراني : ( بقيت الصلة بيننا نحن تلاميذ النوري وملازميه ، فقد كانت حلقات دورس العلماء والمشاهير تجمعنا في الغالب الاّ ان صلتي بالمترجم له كانت أوثق من صلاتي بغيره ، حيث كنّا نسكن غرفة واحدة في بعض مدارس النجف ، ونعيش سوية ، ونتعاون على قضاء لوازمنا وحاجاتنا الضرورية حتّى تهيئة الطعام وبقينا على ذلك بعد وفاة شيخنا أيضاً ، ونحن نواصل القراءة على مشايخنا الاجلاّء الآخرين ) (1).

وقد تخلل وجوده في النجف الأشرف للتحصيل العلمي ، سفره الى حج بيت الله الحرام وزيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة البقيع (عليهم السلام) ، في حياة استاذه النوري (رحمه الله) في سنة 1318 هـ. وعاد من هناك الى ايران عن طريق مدينة شيراز من دون أن يمرّ على النجف الأشرف ، فزار وطنه قم ، وجدد العهد بوالديه وذويه ، ثمّ رجع الى النجف وعاد الى ملازمة الشيخ النوري وحصل على الاجازة منه (2).

واستمرّ بعد وفاة الاستاذ يواصل دراسته العلمية عند أساطين العلم الآخرين الى سنة 1322 هـ فعاد فيها الى ايران فهبط الى قم وبقي يمارس أعماله العلمية ، ولم يذكر المؤرخون لحياته انّه حضر ـ بعد رجوعه من النجف الأشرف ـ عند أحد من علماء قم المقدّسة وانما اكدوا أن بعد عودته من النجف الأشرف الى موطنه الأصلي انصرف الى البحث والتأليف (3) ويظهر مما سجّلوه عن حياته انّه وبعد عودته سنة 1322 هـ بدأت حياته الفكرية بالانتاج.

في قم المقدّسة :

وقد رجع الى وطنه بسبب المرض الذي اعتراه ولازمه الى آخر عمره ، حيث

____________

(1) نقباء البشر : ج 3 ، ص 999.

(2 و 3) المصدر السابق.

51

اصيب بمرض (الربو) ، ولكنه لم يتمكن من منعه عن ممارسة ابحاثه ونشاطه العلمي ، بل استمر بعمله العلمي بقوة وحيوية.

وتعددت أوجه حركته بالتأليف والوعظ والارشاد والخطابة ، وبطبيعي الحال فإنه لم يكن مشهوراً في هذه الفترة من حياته ولكنه تمكن أن يفتتح أبواباً لحركته العلمية.

وفي سنة 1329 هـ سافر الى الحج للمرّة الثانية من قم (1).

هجرته الى مشهد المقدّسة :

ولم يطل العهد بالقمّي ببقائه في قم المقدّسة فما لبث ان عزم على الهجرة الى مشهد المقدّسة سنة 1331 هـ (2) أو سنة 1332 ، فهبط الامام (عليه السلام) في خراسان واتخذ منه مقراً دائماً له.

وقد ذكر انّه نزح من موطنه الأصلي بسبب بعض المشاكل التي أشار إليها في مقدمة كتابه الفوائد الرضوية حيث قال ما تعريبه ملخصاً : (حتّى كانت سنة 1332 فخطر في ذهني أن التجأ الى إمام الاتقياء وزبدة الاصفياء ، معين الغرباء ، والشهيد بالسم أبي الحسن علي بن موسى الرضا (صلوات الله عليه وعلى آبائه وابنائه) ... وذلك لشدة البلايا والمحن وكثرة الهموم والغموم التي حلت بهذا الداعي وتفصيلها طويل .. ) (3) وقيل أن سبب بقائه في مشهد انّه كان بطلب من آية الله الحاجّ السيّد حسين القمّي ، فاستجاب العلاّمة المحدّث لهذا الطلب وعزم على البقاء الدائم في هذه الأرض الطيبة (4).

____________

(1) نقباء البشر : ج 3 ، ص 999.

(2) المصدر السابق : وفي رسالة له باللغة الفارسية الى مؤلف كتاب آثار الحجّة : ج 2 ، ص 134 ، قال ما تعريبه ملخصاً : وقد هاجرت الى قم (دار الايمان) وبقيت فيها الى سنة 1329 ثمّ تشرفت بالحج مرّة ثانية ، ورجعت الى قم وبقيت هناك حوالي السنتين ثمّ هاجرت الى مولانا الامام المعصوم أبي الحسن الرضا (عليه السلام) ومازلنا حتّى هذه السنة وهي سنة 1346 في هذا المكان الشريف ....

(3) الفوائد الرضوية : ص 2.

(4) راجع كتاب : ( حاج شيخ عباس قمّي مرد تقوى وفضليت ).

52

وانصرف في مشهد الى طبع بعض مؤلفاته ، وعكف على تصنيف غيرها (1).

ووفق الى حجّ بيت الله الحرام وزيارة قبر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة البقيع (عليهم السلام) للمرّة الثالثة من مشهد (2).

وقد لمع اسم الشيخ القمّي في هذه المدينة المقدّسة وانتشر في بلدان العالم الشيعي خصوصاً بعد طبع كتابه مفاتيح الجنان.

كما أنّه كان لمجالس وعظه الأثر الكبير في اقبال المؤمنين وأهل المعرفة إليه وكان يرتقي المنبر في بيت آية الله السيد حسين القمّي في العشرة الاُولى من محرم الحرام للوعظ والارشاد وذكر الحسين (عليه السلام).

ولم يمتهن الخطابة الحسينية ، وانّما اتخذها وسيلة لتبليغ رسالته الإلهية وقد نحج في ذلك بمقدار كبير.

كما أنه دعي الى إمامة صلاة الجماعة في أحد أروقة الحرم الرضوي على مشرفه آلاف التحية والسلام ، ولكنه انقطع ولم يستمر.

كما أنّه كان يدرس الأخلاق في ليالي الخميس والجمعة في مدرسة (ميرزا جعفر) العلمية في مشهد وكان يحضر تحت منبره حدود الألف مستمع (3).

رجوعه الى قم المقدّسة :

ومع أنه قد شدّ العزم على البقاء الدائمي في مشهد الامام الرضا (عليه السلام) ولكنه قد انثى عن عزمه الأول بعد قدوم آية الله الشيخ عبد الكريم الحائري الى قم المقدّسة سنة 1340 هـ فهاجر الى قم المقدّسة وصمم على البقاء في هذه المدينة المقدّسة بطلب من علمائها وشخصياتها.

وبدأ الحائري يرتّب الحوزة العلمية ويمدّها بالعلماء الأبرار (فنظم من كان فيها من طلاب العلم تنظيماً عالياً ، وأعلن عن عزمه على جعلها مركزاً علمياً يكون

____________

(1) نقباء البشر : ج 3 ، ص 999.

(2) آثار الحجّة : ج 2 ، ص 134.

(3) راجع محدث قمّي حديث اخلاص : ص 38.