وصية النبي صلّى الله عليه وآله

- علي موسى الكعبي المزيد...
148 /
5

مقدمة المركز

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، وآله الطيّبين الطاهرين.. وبعد :

إنّ من أكثر الاُمور وضوحاً في حياة الشعوب والأمم ، اتفاقها علىٰ جملة من المبادئ الإنسانية لا سيما ذات الصلة المباشرة بحقوق الناس ، والحفاظ علىٰ توازن المجتمع إزاء التحولات الحتمية في مستقبل تاريخه ، بصيرورة تلك المبادئ إلىٰ سلوك معتاد بعد تحقق الاستجابة الطوعية لها ، والتحرك علىٰ ضوئها ، حيث لم تترك معلقة في الفضاء ، وإنما اُنْزِلت إلى أرض الواقع ، وعاشتها البشرية كحقيقة ثابتة جيلاً بعد جيل ، حيث تناغت اصولها مع الفطرة ، وانسجمت أهدافها مع رغبة الإنسان وطموحه وتطلعاته.

ولعل من أبرز تلك المبادئ التي تحولت إلى سلوك دائم في حياة الناس جميعاً هو مبدأ الوصيّة الذي كُتب له الخلود ، وهكذا كل مبدء لا تعرف قيمته ما لم يكن سلوكاً ، فارتكاز الوصية في ضمير الإنسان وشعوره ، وانسجامها مع رغبة الإنسان في أبقاء نوع علاقة له مع الحياة القائمة بعد مغادرتها ، هي رغبة فطرية يتساوىٰ فيها السيد والمسود ؛ كل ذلك أدّى إلى انعكاس شعور الإنسان بالحاجة إلى الوصية علىٰ تنظيم شؤون حياته واستباق الموت باختيار الرجل الكفوء الذي يمكن أن تُسند إليه المهام التي لم يسمح عمر الموصي بمباشرتها بنفسه.

ولدور الوصية العظيم في حفظ الحقوق وتوازن المجتمع ، بادرت الشريعة الغراء إلىٰ تنظيمها تنظيماً واعياً ودقيقاً ، وبهذا لم تعد الوصية حاجة من حاجات الإنسان الضرورية فحسب ، بل مطلباً إسلامياً أكيداً ، لابدّ من توخي الدقة فيه ، واتخاذ السبل اللازمة لانجاره.

وتبرز حيوية الوصية بإكسابها الموصي نفسه حياة معنوية بعد وفاته ، بابقاء رأيه سارياً بحيث يمكن استنطاقه كلّما دعت الحاجة إليه ، ويُعرف ثقلها من متعلقها ، وهو عادة ما يكون في تناسب طردي مع شخص الموصي وموقعه ، فالفلاح مثلاً يوصي في أرضه ، والتاجر في تجارته ، والرجل الثري في أمواله ، والملك في مملكته ، بل كل راع في رعيته ، وهكذا تخرج الوصية عن الأفق الضيق الذي تعيشه أغلب الوصايا كلما كان موقع الموصي خطيراً ومن خلال هذا المقياس يمكن تقريب صورة الوصي أيضاً ؛ لأن عهد المصلح العظيم لآخر في تنفيذ مشاريعه الكبرىٰ بعد وفاته كافٍ في تصور حجم الثقة المتبادلة بينهما ، والجزم بأنها لم تكن وليدة في ساعات احتضار المصلح ؛ إذ لابدّ

6

وأن تكون عن مباشرة ومعاشرة وخبرة طويلة اطلع عليها ذلك العظيم الراحل علىٰ قدرات وصيه التي استوعبت جهات مشاريعه الكبرىٰ كلها ، مع وعيه الكامل بطبيعة تلك المشاريع وأهدافها.

ولما كانت مسؤوليات الأنبياء (عليهم السلام) من أجلّ المسؤوليات وأخطرها على الإطلاق ، بحيث لا يمكن تأهيل أيّ إنسان بالمقاييس البشرية كلّها إلى احتلال مركز النبوّة ؛ لحصره بالاختيار الإلهي للصفوة من عباده. لذا صار القول بأن وصايا الأنبياء (عليهم السلام) كانت عادية أو أخلاقية لا غير ، كالقول بتنصّلهم (عليهم السلام) عن رسالاتهم وتركهم اُممهم هملاً كالسوائم ! وهو كما ترى .. لا يقوله من عرف دور الأنبياء وأدرك خطورة موقعهم وثقل وجودهم في الحياة الراجح علىٰ ثقل كل شيء فيها. ناهيك عن سيدهم وأشرفهم والقيمة الكبرىٰ في هذا الوجود نبينا محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فهل يعقل مع هذا أن تكون وصيته (صلى الله عليه وآله وسلم) عادية ؟!

أليس معنى هذا اتهامهُ (صلى الله عليه وآله وسلم) با همال توازن المجتمع الإنساني برمته في حين أنه اُرسل لانقاذه ؟

واتهامه (صلى الله عليه وآله وسلم) كذلك بعدم الحرص على مستقبل رسالته !! إذ لم يعمل علىٰ ترسيخ قناعات المؤمنين برسالته على منح الثقة للقيادة الرسالية الآتية بعده لتتمكّن بدورها من الحفاظ علىٰ القواعد الرسالية التي تنظم دور المجتمع في حركة أفراده تجاه الدين الفتي ، مع الوعي الكامل بأهداف الرسالة وعاياتها.

ثم كيف يكون ذلك ، وليس في تاريخ الأنبياء (عليهم السلام) نبي لم يوصِِ إلىٰ وصي معين ليقوم مقامه في حمل الأمانة وأدائها للناس نقية ناصعة ؟ وفي تاريخنا الإسلامي ما يدل بوضوح على أن وصية كل نبي سابق ليست كلمة مجردة عن محتواها ، وانما هي موقف ورسالة ، وعلى الأتباع وعيها والتزامها وتحمّل المسؤولية في ايجاد الأرضية الصالحة لتطبيقها لا منعها أو تحريفها.

ومع التدرّج في خطورة وصايا الأنبياء (عليهم السلام) كلّ من موقعه ، نصل بالنتيجة إلى أعظمها وأخطرها في وصية نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) باعتبار موقعه بينهم (عليهم السلام) ومنزلة رسالته بين رسالاتهم ، مع علمه (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن الأنبياء الذين رحلوا إلى الله قبله لم ينقطع خبر السماء بموتهم ، ولا النبوة بمغادرتهم ، في حين كان رحيله (صلى الله عليه وآله وسلم) اُفولاً لشمس النبوة ، ووفاة لجميع الأنبياء ، وانقطاعاً لنزول الوحي بخبرالسماء. ولا شكّ أنه يعلم بكل هذا كما

7

يعلم بأن الذي أرسله بالهدىٰ ودين الحق لم يقل له انك ستبقىٰ إلى يوم يُبعثون ، وإنما قال له : ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ).

فعلام لا يكون النبي الخاتم إذن من أكثر الأنبياء حرصاً علىٰ بيان مركز القيادة ـ في وصيته ـ من بعده ؟

إن ابتداء دور الخلافة بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مباشرة ، وانطلاق وصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من النقطة التي تمثل انتهاء مرحلة النبوة في التاريخ لا يساعد علىٰ تصور اغفال عقل الكون كله للدور الجديد الآتي بعده ، الأمر الذي يؤكد اعطاء وصيته (صلى الله عليه وآله وسلم) خصوصية زائدة تختلف عن جميع وصايا الأنبياء السابقين (عليهم السلام).

ونظرة أمينة لا خائنة في فكر أهل البيت (عليهم السلام) ـ باعتبارهم المعنيين بوصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دون غيرهم ـ كافية لكشف الحقيقة لمن أرادها في عدم تنازل هذا الفكر النقي عن الوصية ، ولا التخلّي عن حمايتها ، أو الاستهانة بمركزها ؛ إذ تبنّىٰ مسؤولية الدفاع عنها والدعوة إليها ، وتأكيد ثقلها في حاضر الأمة ومستقلبها ، كل هذا مع فسح المجال للتفكير بجدية معطياتها ، ودراسة أسبابها وتاريخها ، وكيف صُمّت الآذان يوم الدار عن سماعها ، وكيف منع النبي في رزية يوم الخميس من كتابتها !

أمن الغرابة إذن لو أنتفضت مُثُل الإسلام وقيمه العليا ؛ لتحمي تلك الوصية ممّا لحقها ـ في تاريخها ـ من صدٍّ ، ولقلقة ، ومنع ، وتشويه ، وتزوير ، وتحرسها بأشدِّ ما يكون وفاءً للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وتعبيراً عن الالتزام بخط الوصي عليّ (عليه السلام) ؟

وأمّا القول بفوات أوان الحديث عن تلك الوصية ؛ إذ قد مضى التاريخ بكل ما فيه عليها ، ولم يعد بالإمكان إعادتها إلى واقع الحياة ، ولا إعطاء صاحب الوصية حقّه وهوفي جوار ربّه. وانها قضية قد انتهت ، ولا معنى لاثارتها من جديد بما تتركه حساسيتها من تأثيرات سلبية علىٰ واقع المسلمين !! فهوخطأ عظيم ؛ لأن بحث الوصية لا يعني حصرها بإطارها التاريخي ، بل المقصود تعميمها إلى حياتنا العملية ؛ لأن ارتباطنا بالوصي هو ارتباطنا بالموصي ، والقرآن لم يؤقت زمناً للارتباط بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنما أمر بالتمسّك به في كل آنٍ وزمان ، ومن ثَمَّ فإن تمسّكنا بالوصي لا يعني تمسكنا بالفترة التي عاشها الوصي ، بل يعني ذلك تمسكنا بخط الوصي الذي لا يحده زمان دون آخر ، حيث اقتحم القرون وتجاوز العصور حتىٰ صار مقياساً للصحيح من العقيدة ، وأضحت

8

العقائد الإسلامية برمتها مضطرة إلىٰ ترسّم فكره وروحه باعتبار أنه فكر الإسلام وروحه.

وإذا كان على المسيرة الإسلامية المعاصرة بكل فصائلها أن تستمد مقوماتها الأساسية من فكر الإسلام ومبادئه ، فكيف يمكنها أن تضبط مواقع خطواتها في مسرح الحياة ، وهي لم تعرف بعدُ قيمة وصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟

إن الجهل بأهميتها وضرورتها في تلك المسيرة ، نذير بالابتعاد الكلي عن الخط الرسالي الواضح الذي أراده النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأُمته في وصيته.

وأمّا منعها أو تجميدها تمهيداً إلى إلغائها من الفكر الديني والتطبيق الواقعي بحجة فوات أوانها ! فإنما هو دعوة إلى إلغاء دور الدين من واقع الحياة ، أو شلّ حركته وتعطيله من أن يأخذ مداه الرحب في حركة الواقع ، وموقعه الكبير في صلب المسيرة الإسلامية المعاصرة. وعلى العكس تكون المحافظة عليها باستمرار وجودها محافظة على الدين فكراً وشريعة وعقيدة ، وإحياءً للحق ، وإعلاناً بالتزامه كمنهجٍٍ في الحياة ؛ باعتبار كون الوصية المعبّر الواقعي عن قوة الرسالة فاعليتها في رسم معالم الطريق. الأمر الذي يتطلب اعادة النظر في تقييم تلك المسيرة وتشخيص أخطائها باكتشاف نوع العلاقة القائمة بين تأثيرات العهدين الجاهلي والإسلامي الأول في عدم فسحهما المجال أمام وصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، لتأخذ دورها كما ينبغي ، وتقف الأمة على منابع خيرها ، وتعرف مطالع نورها في حاضرها ومستقبلها ، وحينئذٍ ستُدرَك قيمة الأساليب التي استخدمها أهل البيت (عليهم السلام) ومن سار بركبهم من الجيل الطلائعي الأول في كيفية المقاومة لألوان التحدّي التي جابهتها وصية النبي في ميدان الصراع السياسي بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

وكتاب « وصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) » علىٰ صغر حجمه استطاع أن يضع الوصية في مكانها الفسيح من الفكر الديني ، مسلّطاً الضوء على تاريخها ، متتبعاً جذورها وحيثياتها في العهد النبوي الشريف ، وما جرىٰ مجراها على لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في تأكيد وحصر الأمر بعليّ (عليه السلام) دون سواه ، مع العناية في وسائل إثبات اُفقها السياسي ، ومحاولات الالتفاف حولها أو التشكيك في مضمونها وجدواها ، ونحو ذلك مما مرّ عليها ولها ، حتىٰ جاء بالحقيقة الكاملة ـ لمن أراد معرفتها ـ من القرآن ، والحديث ، والسيرة ، والتاريخ ، والأدب. آملين أن يؤدّي دوره المطلوب في وعي الأمة.

والله الهادي إلى سواء السبيل.

مركز الرسالة

9

المُقدَّمةُ

الحمد لله ربّ العالمين ، وسلامه علىٰ عباده المصطفين محمد وآله الميامين.

وبعد : أكّدت الشريعة على الوصية باعتبارها حاجة ماسّة من حاجات الإنسان والمجتمع ، وتنطوي على أهمية خاصة ، تتمثّل في سلامة تصرفات الوصي بعد وفاة الموصي بعيداً عن إثارة المشاكل والنزاعات التي قد تنشأ داخل محيط الأسرة أو القبيلة أو المجتمع نتيجة التسابق في الاستيلاء على المواريث والحقوق.

وتسهم الوصية في نقل خبرات وتجارب السلف إلى الخلف ، وتساعد علىٰ ديمومة العلاقات الشخصية والأُسرية والاجتماعية.

ولم تكن الوصية أمراً مستحدثاً من قبل المشرّع الإسلامي ، إذ مارسها الإنسان علىٰ وفق اُسلوبه الخاص في جميع العصور ، سواء أكان قريباً من التشريع أو بعيداً عنه ، مؤمناً بالدين أو غير مؤمنٍ به ، وذلك لارتباطها بالفطرة الإنسانية وسيرة العقلاء التي تنزع إلىٰ وصية الآباء للأبناء ، والماضين للتالين ، والكبار للصغار ، والراحلين للمقيمين ... .

وقد جرت العادة أن الإنسان إذا شعر بدنو أجله أو أراد سفراً ، فإنه يعهد لمن يخلفه في تولي شؤون من يخلفهم ، وإذا أراد رئيس قبيلة أو جماعة السفر فإنه يستخلف من ينوبه حتى يعود.

وفي تاريخ النبوات منذ أبينا آدم (عليه السلام) إلىٰ نبينا الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) لم نجد أحداً من الأنبياء ( صلوات الله عليهم ) تخلف عن العهد لم يليه في الخلافة على اُمته ؛ ليكون حجةً لله على العباد ، ووريثاً للنبوة ، وحافظاً لرسالتها وهكذا فعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في وصيته لعلي (عليه السلام).

وعلىٰ ضوء المهمة الخطيرة الملقاة علىٰ عاتق الوصي في قيادة الأمة وديمومة حركة الرسالة ، لابدّ أن يكون نسخةً ناطقة من النبي في علمه ومنزلته وكلّ ما يحمله

10

من مقومات تميّزة عن سائر أفراد الأُمة ، وتؤهّله لمثل هذا المنصب الخطير ، فاختيار الوصي لابدّ أن يكون علىٰ ضوء الاصطفاء الإهلي كما هو الحال في النبوة ، وأن يقترن ذلك بالعناية النبوية والمؤهلات الذاتية كالعصمة والسابقة والفضل وغيرها.

وهكذا كان شأن نبينا المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) في تعيينه لوصيه علي بن أبي طالب (عليه السلام) منذ تباشير الدعوة الإسلامية في يوم الدار وحديث الانذار ، عند نزول قوله تعالىٰ : ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) (1) ثمّ لأجل تأصيل هذا المبدأ العقائدي في وجدان الأُمة وحركتها ، بادر إلى التصريح بالنص على القائد الرسالي بعده في مناسبات عديدة ، كان آخرها في مرض موته (صلى الله عليه وآله وسلم) حينما أراد أن يثبت ذلك بكتابٍ لا تضلّ الأُمة بعده أبداً ، فوقع النزاع وكثر اللغط وأخيراً مُنع الكتاب.

ومنذ ذلك الحين تنكر من تنكر لوصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولم يدّخر الحاكمون وسعاً في تجنيد كل القوى لأجل طمس مفهوم الوصية وكتمانه ، حتى توارث ذلك أجيال من الناس تعرّض فيها ذلك المفهوم للتحريف والتغيير والحذف والإسقاط ، ومع هذا فقد بقي الكثير الدال على ان الوصية لعلي (عليه السلام) تشمل الخلافة والمرجعية الفكرية والسياسية علىٰ حدٍّ سواء.

وبالنظر لما يترتب علىٰ هذا الموضوع من آثار عقائدية تتجاوز اُطر الزمان والمكان فقد سلطنا الضوء عليه بحوث عدّة ضمن أربعة فصول : تناولنا في الفصل الأول معنى الوصية وبيان أركانها وأقسامها وتشريعها في الفكر الديني إسلاماً كان أو غيره. وخصصنا الثاني للأحاديث والآثار والمدونات النقلية بالوصية مع التأكيد علىٰ خصيصة الاصطفاء في شخص الولي ، وبيان شبيهه من الأوصياء السابقين (عليهم السلام). وجاء الفصل الثالث بما اخترناه من أشعار الصحابة في الوصية ، وبيّنا في الفصل الرابع موقف الأُمّة من الوصية متمثلة في فصائلها المختلفة ، مع الاشارة إلى الأساليب المتبعة في إنكار الوصية وكتمانها والشبهات المثارة حولها.

____________

(1) سورة الشعراء : 26 / 214.

11

الفصل الأوّل

معني الوصية وتشريعها

المبحث الأوّل : معني الوصية

الوصية في اللغة :

للوصية في اللغة عدّة معانٍ نذكر منها :

1 ـ مصدر وَصَى يصي ، بمعنى الوصل ، وسمّيت وصية لاتصالها بأمر الميت ، حيث إنّ الموصي يصل تصرّفه بعد الموت بتصرّفه حال الحياة.

ومنه يقال : وَصَى الرجلُ وصياً : وصله ، ووَصَي الشيءُ يصي : إذا اتصل ، ووَصَى الشيء بغيره وصياً : وصله ، وتواصى النبت : إذا اتّصل ، وتواصى القومُ : أوصى بعضهم بعضاً ، وتواصوا به : أوصى أولهم آخرهم ، قال تعالى : ( وَتَوَاصَوْا بِالحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) (1) ومنه أيضاً : فَلاة واصية : تتّصل بفَلاة اُخرىٰ ، وأرض واصية : متّصلة النبات.

2 ـ اسم مصدر بمعنى العهد وما أوصيت به ، يقال : أوصى الرجل ووصّاه توصيةً : عَهِدَ إليه ، وأوصيت له وأوصيت إليه : إذا جعلته وصيك ، والاسم

____________

(1) سورة العصر : 103 / 3.

12

الوَصاة والوَصاية والوِصاية.

والوصيّ : الذي يُوصي ، والذي يُوصى له ، وهو من الأضداد ، قال ابن سيدة : الوصي : المُوصي والمُوصى ، والاُنثى وصيّ ، وجمعها جميعاً أوصياء.

قال ابن منظور : وقيل لعليّ (عليه السلام) وصيّ ... ثم استشهد بقول كُثَيِّر في محمد بن الحنفية لمّا حبسه عبد الله بن الزبير في خمسة عشر رجلاً من أهله في سجن عارم :

تُخَبّر مَن لاقيتَ أنّك عائذٌ * * * بل العائذُ المحبوسُ في سجن عارم

وصيّ النبيّ المصطفى وابنُ عمّهِ * * * وفكّاك أغلالٍ وقاضي مغارم (1)

قال المبرّد : أراد ابن وصيّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والعرب تقيم المضاف إليه في هذا الباب مقام المضاف (2).

وقال الزَّبيدي : والوصي كغني ، لقب علي رضي الله عنه (3).

وقال أبو رياش أحمد بن إبراهيم القيسي ، المتوفّي سنة 339 ه في شرحه لهاشميات الكميت عند قوله :

ووصيّ الوصيّ ذي الخطّة الفص * * * ل ومُردي الخصوم يوم الخصامِ

قال أبو رياش : ووصيّ الوصيّ : يعني الحسن بن علي (عليهما السلام) ، والوصيّ : أمير

____________

(1) لسان العرب 15 : 394 ـ وصي ـ أدب الحوزة ـ قم .

(2) الكامل في اللغة والأدب 2 : 151 ـ مؤسسة المعارف ـ بيروت ـ .

وقد روىٰ سبط ابن الجوزي ( في تذكرة الخواص : 265 ـ مؤسسة أهل البيت (عليهم السلام) بيروت ـ 1401 ه ) هذا البيت بلفظ لا يحتاج إلىٰ هذا التأويل ، وهو :

سميُّ نبيّ الله وابنُ وصيّه * * * وفكّاك أغلال وقاضي مغارمِ

(3) تاج العروس 10 : 392 ـ وصى ـ المطبعة الخيرية ـ مصر.

13

المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)(1).

وكان هذا اللقب يطلق على أمير المؤمنين علي (عليه السلام) إطلاق الأسماء علىٰ مسمياتها ، وقد أكثر الشعراء من ذكره منذ صدر الإسلام وإلى اليوم.

قال المبرّد عند قول الكميت بن زيد الأسدي :

والوصيّ الذي أمال التَّجُو * * * بيّ (2) به عرشَ اُمَّةٍ لانهدامِ

قال : قوله الوصي ، فهذا شيء كانوا يقولونه ويكثرون فيه ، ثمّ استشهد على ذلك بعدّة أبيات ، منها أبيات كُثيّر المتقدمة ، وقول عبيداللّه بن قيس الرُّقيّات في أبيات جاء فيها :

وعليّ وجعفرٌ ذوالجناحي * * * نِ هُناكَ الوصيّ والشهداءُ

وقول أبي الأسود الدؤلي :

أُحبُّ محمداً حبّاً شديداً * * * وعباساً وحمزةَ والوصيّا (3)

وتوسّع الأستاذ محمد محمود الرافعي في شرح بيت الكميت المتقدم ( والوصي الذي أمال التجوبي .. ) حيث قال : والوصي هنا : الذي يوصى له ، ويقال للذي يوصي أيضاً ، وهو من الأضداد ، والمراد به علي كرم الله وجهه ، سمّي وصياً لأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وصّى له ، فمن ذلك ما روي عن أبي بريده ، عن أبيه مرفوعاً أنه قال :

« لكلّ نبي وصيّ

، و

إنّ علياً وصيي ووارثي »

.

ثمّ أورد الأبيات التي استشهد بها المبرّد في هذا المقام.

____________

(1) شرح هاشميات الكميت : 33 ـ عالم الكتب ـ بيروت ـ 1406 ه.

(2) التَّجُوبي : يريد به عبد الرحمن ابن ملجم لعنه الله ، وهو قاتل أمير المؤمنين (عليه السلام). وتجوب : بطن من حمير ، وعدادهم في مراد.

(3) الكامل في اللغة والأدب 2 : 151 ـ 152.

14

وقال عند بيت الكميت الذي يقول فيه :

والوصيّ الوليّ والفارسُ المُعلمُ * * * تحت العُجاجِ غيرُ الكَهام

الولي : يعني وليّ العهد بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والمعلم : الذي علّم مكانه في الحرب بعلامةٍ أعلمها ، والكهام : الكليل من الرجال والسيوف ، يقال : سيف كهام (1).

3 ـ ووردت الوصية في القرآن الكريم بمعنى الفرض أيضاً ، ومنه قوله تعالى : ( يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ ) (2) معناه : يفرض عليكم ؛ لأنّ الوصية من الله تعالى إنّما هي فرض ، والدليل على ذلك قوله تعالى : ( وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ )(3)

و

هذا من الفرض المحكم علينا (4).

الوصية في الاصطلاح :

للوصية في اصطلاح الفقهاء عدّة تعريفات ذات علاقة بالمعنى اللغوي المتقدّم ، نذكر منها :

1 ـ تمليك عين أو منفعة أوتسليط علىٰ تصرف بعد الموت (5).

____________

(1) شرح الهاشميات / الرافعي : 29 ـ 30 ـ القاهرة.

(2) سورة النساء : 4 / 11.

(3) سورة الأنعام : 6 / 151.

(4) لسان العرب 15 : 395 ـ وصى ـ ، وراجع في المعنى اللغوي : معجم مقاييس اللغة / ابن فارس 6 : 166 ـ وصى ـ دار الفكر ـ بيروت ، مفردات الراغب : ص 525 المكتبة المرتضوية ، صحاح الجوهري 6 : 2525 ـ وصى ـ دار العلم للملايين ، العين / الخليل 7 : 177 ـ وصى ـ دار الهجرة ـ إيران ، القاموس المحيط / الفيروزآبادي 4 : 403 ـ وصىٰ ـ دار الجيل ـ بيروت.

(5) الشرائع / المحقق الحلّي 2 : 189 ـ مؤسسة اسماعيليان ـ قم ، المختصر النافع /

15

2 ـ تنفيذ حكم شرعي من مكلّف أو في حكمه بعد وفاته (1).

3 ـ الأمر بالشيء والعهد به في الحياة وبعد الموت (2).

4 ـ الأمر بالتصرف بعد الموت (3).

ويرىٰ بعض الفقهاء أنّ الجامع بين التعريفات المتقدمة هوالعهد وإن اختلف متعلّقه باختلاف الخصوصيات.

قال السيد السبزواري (قدس سره) : الوصية الشائعة بين الناس على اختلاف مللهم وأديانهم ، أوضح من أن يعرّفها الفقهاء بهذه التعريفات ، فإيكال بيان مفهومها إلى مرتكزاتهم أحسن وأولىٰ ؛ لأنّهم يرون قوام الوصية بالعهد في جميع أنحائها وأقسامها ، وإن اختلف متعلّق العهد إلى اُمور وأقسام ، ففي تمليك العين والمنفعة عهدٌ من الموصي بتمليكها ، وكذا في الوصاية بالقيمومة والولاية عهد بهما ، واختلاف المتعلّق لا يوجب الاختلاف في حقيقة الوصية ، فالجامع بين تمام الأقسام هو العهد ، إلاّ أنّ متعلّقه يختلف باختلاف الخصوصيات (4).

وبما أن الوصية تنصرف في كافة أقسامها إلىٰ معنى العهد ، فوصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) لا تخرج عن هذا الإطار ، وعليه سنسلط الضوء في هذا البحث لدراسة خصوصيات عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلىٰ وصيّه وبيان متعلّق ذلك العهد ،

____________

المحقق الحلّي : ص 263 مؤسسة البعثة ـ قم.

(1) جامع المقاصد / المحقق الكركي 10 : 7 ـ 8 ـ مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) ـ قم.

(2) فتح القدير / الشوكاني 1 : 178 ـ عالم الكتب ـ بيروت.

(3) الشرح الكبير / ابن قدامة 6 : 414 ـ دار الكتاب العربي ـ بيروت.

(4) مهذب الأحكام 22 : 132 ـ مؤسسة المنار ـ قم.

16

وبكلمة اُخرىٰ ماذا أراد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من تعيين الوصي ، وما هي المهام الملقاة على الوصي بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهل هذا أمرٌ مستحدَث في الإسلام أم أن له جذوراً في الشرائع السماوية السابقة ؟

أركان الوصية

للوصية أربعة أركان إذا توفّرت تحقّقت الوصية ، وهي كما يلي :

1 ـ الموصي :

وهو الذي يوصي ، ويعتبر فيه كمال العقل والحرية والبلوغ والاختيار.

2 ـ المُوصىٰ به :

وهو متعلّق الوصية ، ويعتبر فيه الملك ، وتصحّ الوصية بكلّ ما يكون فيه غرض عقلائي محلّل من عينٍ أو منفعةٍ أو حقّ قابل للنقل.

وسنأتي علىٰ بيان متعلّق وصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) خلال هذا البحث ونبين خصوصياته ، وعندها سيتضح لنا هل هو الخلافة والزعامة على الأُمة كما تقتضيه الأدلّة الصحيحة التي تُعنىٰ بتحديد ذلك المتعلّق عند الفريقين ، أو هو شيء آخر كما يدّعي بعض من تعرّض لبيان مفهوم وصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أمير المؤمنين (عليه السلام).

3 ـ المُوصى له :

ويشترط وجوده حين إنشاء الوصية ، وإلاّ فلا وصية لمعدوم.

4 ـ الوصيّ :

وهو الشخص المعهود إليه إجراء وتنفيذ وصايا الميت المختلفة وتنجيزها ، وله حقّ التصرف فيما كان الموصي متصرّفاً فيه ، من إخراج حقّ واستيفائه ، أو ولاية علىٰ طفل أو مجنون يملك الولاية عليه ، إلىٰ آخره. ويعتبر فيه البلوغ والإسلام والعقل.

« ومن ثم يبدو واضحاً أن الوصي مما تختلف ولايته سعةً وضيقاً بحسب اختلاف ولاية الموصي سعة وضيقاً ، فأوصياء سائر الناس إنما تكون ولايتهم

17

مقصورة على الأموال من الدور والعقار ونحوهما ، أو على الأطفال والمجانين ومن في حكمهم من السفهاء الذين كان للموصي ولاية عليهم.

وأما أوصياء الأنبياء ، فتكون وصايتهم عامة علىٰ جميع الأمة ذكرها وأُنثاها ، حرّها وعبدها ، كبيرها وصغيرها ، وعلىٰ جميع ما في أيديهم من الأموال منقولها وغير منقولها ؛ ذلك لأنّ كلّ نبي إنما هوأولىٰ بأُمته من أنفسهم ، فيكون أولىٰ بأموالهم بالأولوية القطعية ، وإذا كان النبي أولىٰ بهم وبأموالهم ، كان الوصي كذلك.

ومن ثمّ فإن الأدلة على أن الإمام علي بن أبي طالب أنما هو وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إنما هي من الأدلّة القوية والحجج الجليّة على أن لعليّ (عليه السلام) ما كان ثابتاً للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الولاية العامة على المؤمنين أنفسهم وأموالهم جميعاً ، وهذا هو معنى الإمام أو الخليفة» (1).

أقسام الوصية

ذكر الفقهاء أقساماً كثيرة للوصية نذكر منها :

أولاً :

تقسيمها بلحاظ متعلّقها إلىٰ قسمين :

1 ـ وصية تمليكية : وتشمل تمليك عين أو منفعة أو تسليط علىٰ حقّ أو فكّ ملك.

2 ـ وصية عهدية : وتشمل عهداً متعلّقاً بالغير ، أو عهداً متعلّقاً بنفسه ، كالوصية بما يتعلّق بتجهيزه.

ثانياً :

وتنقسم باعتبار الأحكام التكليفية إلىٰ خمسة أنواع :

____________

(1) منهاج الكرامة / العاملي : 167.

18

1 ـ الوصية الواجبة. 2 ـ الوصية المندوبة. 3 ـ الوصية المحرمة. 4 ـ الوصية المكروهة. 5 ـ الوصية المباحة (1).

المبحث الثاني : تشريع الوصية

1 ـ تشريعها قبل الإسلام

لقد رافقت الوصية الشرائع الإلهية منذ أبينا آدم (عليه السلام) إلىٰ سيدنا النبي المصطفى الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأشارت آيات القرآن الكريم إلى أن الأنبياء كانوا يشدّدون على الوصية بإقامة شعائر الدين وتقوى الله وتوحيده وطاعته ، قال تعالى : ( وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) (2)

.

وأكّدت مصادر الحديث والتاريخ والسيرة وكتب العهدين علىٰ تواتر عهود الأنبياء والأوصياء إلىٰ مَن يخلفهم في هداية الناس إلى الحقّ والعمل الصالح وحسن العبادة ، ويكون حجة على العباد وإماماً لهم ووارثاً للعلم النبوي وأميناً على رسالة ربّه التي اصطفاها لهم.

ولم يشذّ عن هذه القاعدة أحدٌ من الأنبياء والرسل ، فقد جاء في الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال :

« لكلّ نبي وصيّ ووارث ، وإن عليّاً وصيي ووارثي »

(3) وذلك لأن الله تعالىٰ لا يمكن أن يخلي الأرض من قائمٍ له بحجّة على

____________

(1) راجع التفصيل في الوصية وأحكامها في الفقه الإسلامي / محمد جعفر شمس الدين : 95 ـ 112 ـ دارالتعارف ـ بيروت.

(2) سورة البقرة : 2 / 132.

(3) سيأتي تخريج الحديث في الفصل الثاني.

19

الناس يعرف الحلال والحرام ويُهتدىٰ به إلىٰ سبيل الله ، كما ورد في الصحيح من الأقوال :

« أنّ الأرض لا تخلو من قائمٍ لله بحجّة »

(1).

وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال :

« اللّهم بلىٰ ، لا تخلو الأرض من قائمٍ لله بحجة ، إما ظاهراً مشهوراً ، وإمّا خائفاً مغموراً ، لئلا تبطل حجج الله وبيّناته »

(2).

وعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال :

« ما زالت الأرض إلاّ ولله فيها الحجة ، يعرف الحلال والحرام ، ويدعو الناس إلى سبيل الله »

(3).

ويظهر من مجموع ما ذكرته كتب الحديث والتاريخ والعهدين من تاريخ أوصياء الأنبياء (عليهم السلام) ان كل واحد منهم قد استخلفه نبي زمانه وعهد إليه بأمر شريعته ورعاية اُمته من بعده ، بحيث تتسع مسؤوليته في خلافة النبوة والزعامة علىٰ جميع من تشمله دعوة تلك النبوة وتدبير شؤونهم وهدايتهم إلىٰ سواء السبيل.

وصايا الأنبياء (عليهم السلام) في أسفار العهدين

لم تكن أخبار الوصية مقصورة علىٰ مصادر التراث الإسلامي وحسب ، بل حظيت بسهمٍ وافرٍ من الأخبار في أسفار التوراة والإنجيل المتداولين في عصرنا الحاضر ، وفيما يلي إشارة إلىٰ بعضٍ منها :

____________

(1) فتح الباري / ابن حجر 6 : 385 ، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.

(2) نهج البلاغة / تحقيق صبحي الصالح : 497 / ح 147 ، شرح ابن أبي الحديد 18 : 347 ـ دار إحياء الكتب العربية ـ مصر ـ 1378 ه ، المعيار والموازنة / الاسكافي : 81 ـ مؤسسة المحمودي ـ بيروت.

(3) الكافي / الكليني 1 : 178 / 3 ـ كتاب الحجة ـ باب (5).

20

1 ـ جاء ذكر الأوصياء في الاصحاح الخامس من سفر التكوين (1) مرتّبين من شيث إلىٰ نوح (عليهم السلام) وبأسماء مقاربة لما ورد في مصادر التاريخ التي سنذكر لاحقاً بإذن الله.

2 ـ وجاء في آخر الاصحاح (27) من سفر العدد خبر تعيين يسوع ( يوشع ابن نون ) وصياً لموسى (عليه السلام) وفقاً لأمر الله تعالىٰ (2).

3 ـ وجاء في الاصحاح الأول من سفر الملوك الأول ذكر وصية نبي الله داود (عليه السلام) إلىٰ ولده سليمان (عليه السلام) بأن يكون رئيساً علىٰ بني إسرائيل ويهوذا (3).

وذكر في الاصحاح الثاني من السفر المذكور وصية داود إلىٰ ولده سليمان (عليه السلام) بأن يعمل بشريعة موسىٰ بن عمران(4).

4 ـ جاء في الاصحاح العاشر من إنجيل متّىٰ ذكر وصية عيسي (عليه السلام) إلى الحواريين ، وكان أولهم شمعون ( سمعان ) بطرس (5) ، وتكرّر ذلك أيضاً في آخر اصحاح من إنجيل يوحنا (6).

وصايا الأنبياء (عليهم السلام) في كتب الحديث والتاريخ

نقل كثير من المحدّثين والمؤرخين مزيداً من وصايا الأنبياء إلىٰ من يخلفهم في استكمال مسيرة النبوة لإقامة شعائر الدين وتدبير شؤون الخلق وهدايتهم

____________

(1) الكتاب المقدس : 6 ـ العهد القديم.

(2) الكتاب المقدس : 260 ـ العهد القديم.

(3) الكتاب المقدس : 529 ـ 530 ـ العهد القديم.

(4) الكتاب المقدس : 531 ـ العهد القديم.

(5) الكتاب المقدس : 17 ـ العهد الجديد.

(6) الكتاب المقدس : 188 ـ العهد الجديد.

21

إلىٰ سواء السبيل ، كما أكدت بعض الأحاديث والأخبار علىٰ تواتر الوصية واتصالها منذ عهد آدم (عليه السلام) إلىٰ نبينا الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) وذكروا بعض التفاصيل المتعلّقة بأسماء الأوصياء والأحداث التي واكبت حياتهم.

أولاً : وصايا الأنبياء في كتب الحديث

نقل المحدّثون روايات مستفيضة عن عدد الأوصياء واستقصاء أخبارهم ومحتوىٰ وصاياهم ، نشير إلىٰ مضمون بعضها مختصراً محيلين إلى المصادر.

1 ـ عن الإمام الصادق (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث طويل يذكر فيه الأوصياء منذ هبة الله وصي آدم (عليه السلام) إلى الإمام القائم (عليه السلام) (1).

2 ـ وفي حديث عن سلمان (رضي الله عنه) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يذكر فيه الأوصياء منذ آدم (عليه السلام) إلى الإمام القائم (عليه السلام) (2).

3 ـ وعن أم هاني بنت أبي طالب عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) :

« ... إنّ الله جعل لكلّ نبي وصياً ؛ شيث وصي آدم ، وشمعون وصي عيسى

ٰ

، وعلي وصيي ، وهوخير الأوصياء في الدنيا والآخرة ... »

(3)

.

4 ـ وفي حديث عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) ذكر فيه اتصال الوصية منذ هبة الله

____________

(1) الفقيه / الشيخ الصدوق 4 : 129 / 1 ـ دار الكتب الإسلامية ـ طهران ـ 1390 ه ، الإمامة والتبصرة : 21 ـ 24 ، الأمالي / الصدوق : 486 / 661 ـ مؤسسة البعثة ـ قم ، إكمال الدين / الصدوق 211 / 1 ـ مؤسسة النشر الإسلامي ـ قم ـ 1405 ه ، أمالي الطوسي : 442 / 991 ـ مؤسسة البعثة ـ قم.

(2) كفاية الأثر / الخزاز : 147 ـ نشر بيدار ـ قم ـ 1401 ه.

(3) المسترشد / محمّد بن جرير الإمامي : 283 / 94 ـ مؤسسه الثقافة الإسلامية لكوشانبور ـ 1415 ه.

22

وصيّ آدم (عليه السلام) إلى سام بن نوح (عليه السلام) (1).

5 ـ وفي حديث آخر عنه (عليه السلام) جاء فيه :

« فلمّا انقضت نبوة آدم

(عليه السلام)

واستكمل أيامه ، أوصى الله تعالى إليه ، أن يا آدم قد قضيت نبوتك ، واستكملت أيامك ، فاجعل العلم الذي عندك والايمان والاسم الأعظم وميراث العلم وآثار علم النبوة في العقب من ذريتك ، عند هبة الله ابنك ، فإني لم أقطع العلم والايمان والاسم الأعظم وآثار علم النبوة في العقب من ذريتك إلىٰ يوم القيامة ، ولن أدع الأرض إلاّ وفيها عالم يُعرَف به ديني ، وتُعرَف به طاعتي ، ويكون نجاةً لمن يولد بينك وبين نوح ... »

(2).

6 ـ وفي حديث آخر عنه (عليه السلام) ذكر فيه وصية موسىٰ (عليه السلام) إلىٰ فتاه يوشع بن نون (3).

وهناك أحاديث اُخرىٰ وردت في مصادر الحديث تتضمّن ذكر الأوصياء ، فقد أفرد ابن بابويه القمي ( ت / 329 ه ) في كتابه ( الإمامة والتبصرة ) باباً تحت عنوان ( الوصية من لدن آدم ) ذكر فيه الأوصياء من لدن آدم (عليه السلام) إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) (4).

وذكر الطبري صاحب ( المسترشد ) المعاصر للطبري صاحب التاريخ جملة

____________

(1) تفسير العياشي 2 : 28 / 1237 مؤسسة البعثة ـ قم ، قصص الأنبياء / الراوندي : 62 / 43 ـ مشهد 1409 ه.

(2) تفسيرالعياشي 2 : 32 / 1238 ، روضة الكافي / الكليني 8 : 113 / 92 ، إكمال الدين : 213 / 2.

(3) تفسير العياشي 3 : 98 / 2666 / إكمال الدين : 217 / 2.

(4) الإمامة والتبصرة : 21 ـ 24.

23

احتجاجات في موضوع الوصية ضمّها عدة أحاديث ، وجاء فيه ذكر الأوصياء من آدم (عليه السلام) إلىٰ شمعون وصي عيسىٰ (عليه السلام)(1).

وعقد الشيخ الصدوق باباً في ( الفقيه ) تحت عنوان ( الوصية من لدن آدم (عليه السلام) ) ذكر فيه عدة أحاديث في هذا المجال ، وجعل في ( إكمال الدين ) باباً تحت عنوان ( اتصال الوصية من لدن آدم (عليه السلام) وأن الأرض لا تخلو من حجة لله عزّوجلّ علىٰ خلقه إلىٰ يوم القيامة ).

وذكر العلاّمة المجلسي عدة أحاديث وأخبار في هذا الخصوص في الباب الثاني من كتاب الإمامة من ( بحار الأنوار ) وعنوانه ( باب في اتصال الوصية وذكر الأوصياء من لدن آدم (عليه السلام) إلى آخر الدهر ) (2).

ثانياً : وصايا الأنبياء في كتب التاريخ والسيرة والتفسير

فيما يلي نذكر بعض المؤرخين والمفسرين ممن تناول أخبار الأوصياء مرتّبين حسب التسلسل التاريخي :

1 ـ ابن سعد ( ت / 230 ه ) ذكر اتصال الوصية من آدم إلىٰ نوح (عليه السلام) في رواية عن ابن عباس ، جاء فيها أولاً ذكر شيث ابن آدم ( وهو هبة الله ) قال : وهو بالعربية شث ، وبالسريانية ( شاث ) ، وبالعبرانية ( شيث ) وإليه أوصى آدم صلوات الله عليه (3) ... وولد شيثُ بن آدم أنوشَ ونفراً كثيراً ، وإليه أوصى شيث ، فولد أنوشُ قينانَ ونفراً كثيراً وإليه الوصية ، فولد قينانُ مهاليلَ ونفراً

____________

(1) المسترشد : 577 ـ 590 ـ الباب العاشر.

(2) الفقيه 4 : 129 باب 72 ، إكمال الدين : 211 ـ 241 باب 22 ، بحار الأنوار 23 : 57 باب 2 ـ دار الكتب الإسلامية ـ طهران.

(3) الطبقات الكبرىٰ 1 : 37 ـ دار صادر ـ بيروت.

24

معه وإليه الوصية ، فولد مهلاليلُ يرذَ ـ وهو اليارذ ـ ونفراً معه وإليه الوصية ... فولد اليارذُ خنوخَ وهو إدريس النبي (عليه السلام) ونفراً معه ، وهو أول نبي بُعث في الأرض بعد آدم (عليه السلام) ... فولد خنوخُ متوشلخَ ونفراً معه وإليه الوصية ، فولد متوشلخُ لمُكَ ونفراً معه وإليه الوصية ، فولد لمكُ نوحاً صلّى الله عليه وسلّم (1).

2 ـ اليعقوبي ، ( ت / 292 ه ) ، ذكر أسماء الأوصياء منذ عهد آدم (عليه السلام) إلى الحواريين أوصياء عيسىٰ (عليه السلام) ، وترجم لهم بالتفصيل وشرح الأحداث التي وقعت في أيامهم (2).

3 ـ الطبري ، العامي ( ت / 310 ه ) ، ذكر تعاقب الأوصياء منذ آدم إلىٰ نوح (عليهما السلام) (3).

وروىٰ بالاسناد عن محمّد بن إسحاق ، قال : لما حضرت آدم (عليه السلام) الوفاة دعا ابنه شيثاً فعهد إليه عهده ، وعلّمه ساعات الليل والنهار ، وأعلمه عبادة الخلق في كل ساعة منهنّ ... وكتب وصيته ، فكان شيث وصيّ أبيه آدم (عليه السلام) ، وصارت الرياسة من بعد وفاة آدم لشيث ، فأنزل الله عليه فيما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خمسين صحيفة (4).

وجاء فيه أيضاً رواية عن ابن إسحاق ذكر فيها وصية عيسىٰ (عليه السلام) إلى

____________

(1) الطبقات الكبري 1 : 39 ـ 40.

(2) تاريخ اليعقوبي 1 : 7 ـ 80 ـ دار صادر ـ بيروت ـ وجاء فيه مهلائيل ويرد وأخنوخ ومتوشلح بدلاً عما تقدّم في الطبقات.

(3) تاريخ الطبري 1 : 164 ـ بيروت ـ تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم.

(4) تاريخ الطبري 1 : 152.

25

الحواريين ، وبثّه إياهم في الأرض دعاةً إلى الله تعالىٰ (1).

4 ـ المسعودي ( ت / 346 ه ) ، ذكر أسماء الأوصياء من شيث ( هبة الله ) وصي آدم (عليه السلام) إلىٰ سام وصي نوح (عليه السلام) (2).

وأفراد كتاباً في هذا الموضوع بعنوان ( إثبات الوصية ) أثبت فيه إتصال الوصية منذ آدم (عليه السلام) إلى النبي المصطفى الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ إلى الأوصياء من بعده وصولاً إلى الإمام المنتظر القائم ( صلوات الله عليه ) واستخلص ذلك من عدة روايات وأخبار من الحديث والتاريخ(3).

5 ـ الثعلبي ( ت / 427 ه ) أورد عن سالم بن أبي الجعد ، قال : لما مضى من عمر آدم (عليه السلام) مائة وثلاثون سنة ، وذلك بعدما قتل قابيل هابيل بخمس سنين ولد له شيث ، وتفسيره هبة الله ، يعني أنه خَلَف الله من هابيل ، وعلّمه الله ساعات الليل والنهار وعبادة الخلق في كل ساعة منها ، وأنزل الله عليه خمسين صحيفة ، وكان وصيّ آدم وولي عهده (4).

وقال : ذكر أهل التاريخ وأصحاب الأخبار أن آدم (عليه السلام) مرض قبل موته أحد عشر يوماً ، وأوصى إلى ابنه شيث ، وكتب وصيته ودفعها إلىٰ شيث ، وأمره أن يخفي ذلك عن ولد قابيل(5).

وذكر وصية عيسىٰ (عليه السلام) إلى الحواريين ، وقال : كانوا أصفياء عيسىٰ بن

____________

(1) تاريخ الطبري 1 : 602 ـ 603.

(2) أخبار الزمان / المسعودي : ص 75 ـ 102 ـ بيروت.

(3) راجع : إثبات الوصية / المسعودي : ص 13 ـ 77 ـ المطبعة الحيدرية ـ النجف.

(4) عرائس المجالس / الثعلبي : ص 40 ـ المكتبة الثقافية ـ بيروت.

(5) عرائس المجالس : ص 41.

26

مريم (عليه السلام) وأولياءه وأرضياءه وأنصاره ووزراءه ، وكانوا اثني عشر رجلاً(1).

6 ـ ابن عبد البرّ المالكي ( ت / 463 ه ) ، ذكر وصية آدم (عليه السلام) إلى ابنه شيث ( هبة الله ) (2).

7 ـ المقدسي ( ت / 507 ه ) ، ذكر وصي آدم (عليه السلام) وقال : كان شيث وصي آدم وولي عهده وخليفته من بعده (3).

وقال عن يوشع بن نون : كان خليفة موسىٰ وولي عهده ، ولما مات يوشع ابن نون استخلف كالب بن يوفنا (4).

8 ـ البغويّ ( ت / 516 ه ) ، ذكر في تفسيره الآية (31) من سورة المائدة وصية آدم (عليه السلام) إلى ابنه شيث ، قال : فلمّا مضىٰ من عمر آدم (عليه السلام) مائة وثلاثون سنة ـ وذلك بعد قتل هابيل بخمس سنين ـ ولدت له حواء شيثاً ، واسمه عبد الله ، يعني أنه من خَلف هابيل ، وعلّمه الله سبحانه وتعالى ساعات الليل والنهار ، وعلّمه عبادة الخلق في كلّ ساعة منها ، وأنزل عليه خمسين صحيفة ، فصار وصيّ آدم ووليّ عهده (5).

9 ـ الشهرستاني ( ت / 548 ه ) ، ذكر قول اليهود في وصية موسىٰ (عليه السلام) وقال : قالوا : كان موسىٰ (عليه السلام) قد أفضىٰ بأسرار التوراة والألواح إلىٰ يوشع بن نون وصيه وفتاه والقائم بالأمر من بعده ، ليفضي بها إلى أولاد هارون ؛ لأن الأمر

____________

(1) عرائس المجالس : ص 351.

(2) التمهيد / ابن عبد البرّ 10 : 32 ـ وزارة الأوقاف ـ المغرب.

(3) البدء والتاريخ / المقدسي 3 : 11 ـ مكتبة الثقافة الدينية.

(4) البدء والتاريخ 3 : 96 ـ 97.

(5) معالم التنزيل / البغوي 2 : 243 ـ دار الفكر ـ بيروت ـ 1405 ه.

27

كان مشتركاً بينه وبين أخيه هارون (عليه السلام) ، إذ قال تعالىٰ حكاية عن موسىٰ (عليه السلام) في دعائه حين أُوحي إليه أولاً : ( وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ) (1) وكان هو الوصي ، فلما مات هارون في حال حياة موسىٰ انتقلت الوصية إلىٰ يوشع بن نون وديعةً ليوصلها إلىٰ شبير وشبر ابني هارون قراراً ، وذلك أن الوصية والإمامة بعضها مستقرّ وبعضها مستودع (2).

10 ـ ابن الجوزي ( ت / 597 ه ) ، ذكر أسماء الأوصياء منذ عهد آدم (عليه السلام) إلىٰ متوشلخ وصيّ إدريس (عليه السلام) (3) وأخرج رواية محمّد بن أسحاق التي قدمناها عن الطبري ، وفيها وصية آدم (عليه السلام) إلى ولده شيث ( هبة الله ) (4).

ونقل عن علماء السير أن موسىٰ (عليه السلام) توفي بعد هارون بثلاث سنين ، وأوصى إلىٰ يوشع (عليه السلام) (5).

وعن الزهري أنه قال : لما حضرت يوشع الوفاة استخلف كالب بن يوفنّا ، وعن القرظي ، قال : فوليهم كالب زماناً يقيم فيهم من طاعة الله ما كان يقيم يوشع حتىٰ قبضه الله عزّوجلّ علىٰ منهاج يوشع (6).

ونقل في تفسير الآية (14) من سورة يس قوله تعالى : ( فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ ) عن مقاتل أنه قال : واسم هذا الثالث شمعون ، وكان من الحواريين ، وهو وصي

____________

(1) سورة طه : 20 / 32.

(2) الملل والنحل / الشهرستاني 1 : 192 ـ مكتبة الانجلو المصرية ـ القاهرة.

(3) المنتظم / ابن الجوزي 1 : 230 و 235 ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ 1412 ه.

(4) المنتظم 1 : 226 ـ 227.

(5) المنتظم 1 : 376.

(6) المصدر السابق نفسه 1 : 379.

28

عيسي (عليه السلام) (1).

11 ـ الرازي ( ت / 606 ه ) ، أشار في تفسير الآيتين ( 25 و 26 ) من سورة المائدة إلىٰ كون يوشع بن نون وصي موسىٰ (عليه السلام) وقال : قال قوم : إنّ هارون مات في التيه ، ثم مات موسىٰ بعده بسنة ، وبقي يوشع بن نون ، وكان ابن اخت موسىٰ ووصيه بعد موته ، وهوالذي فتح الأرض المقدسة (2).

12 ـ ابن الأثير الجزري ( ت / 630 ه ) ، ذكر تفاصيل وصية آدم (عليه السلام) إلىٰ ولده شيث ، وذكر الأوصياء من عهد آدم إلى إدريس (عليه السلام) ، وتوسّع في تفاصيل الأحداث التي كانت في عهدهم ، ثمّ ذكر الأوصياء من بعد إدريس إلىٰ نوح (عليهما السلام) وبين وصية نوح إلىٰ ولده سام (3) ووصية عيسىٰ إلى الحواريين وانه بثهم في الأرض رسلاً من الله وأمرهم أن يبلغوا عنه ما أمره الله به ، فتفرقوا حيث أمرهم (4).

13 ـ ابن كثير ( ت / 774 ه ) ، ذكر وفاة آدم (عليه السلام) ووصيته إلى ابنه شيث وقال : ومعنىٰ شيث هبة الله ، وسمّاه بذلك لأنهما رزقاه بعد أن قتل هابيل.

وعن محمّد بن إسحاق قال : لما حضرت آدم الوفاة عهد إلى ابنه شيث ، وعلّمه ساعات الليل والنهار ، وعلّمه عبادات تلك الساعات ، وأعلمه بوقوع الطوفان بعد ذلك.

____________

(1) زاد المسير في علم التفسير / ابن الجوزي 6 : 276 ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت.

(2) تفسير الرازي 11 : 206 ـ دار الفكر ـ بيروت.

(3) الكامل في التاريخ / ابن الأثير 1 : 43 ـ 58 ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت.

(4) الكامل في التاريخ 1 : 245.

29

قال : ولما توفي آدم (عليه السلام) وكان ذلك يوم الجمعة ، جاءته الملائكة بحنوط وكفن من عند الله عزّوجلّ ومن الجنة ، وعزّوا ابنه ووصيه شيثاً (عليه السلام) (1).

ثمّ قال : فلما مات آدم (عليه السلام) قام بأعباء الأمر بعده ولده شيث (عليه السلام) ... فلما حانت وفاته أوصى إلى ابنه أنوش فقام بالأمر بعده ، ثمّ بعده ولده قينن (2) ، ثمّ من بعده ابنه مهلاييل... فلمّا مات قام بالأمر بعده ولده يرد ، فلما حضرته الوفاة أوصى إلىٰ ولده خنوخ وهو إدريس على المشهور (3).

14 ـ السيوطي ( ت / 911 ه ) قال : ذكر أئمة التاريخ أن آدم عليه الصلاة والسلام أوصى لابنه شيث ، وكان فيه وفي بنيه النبوة والدين ، واُنزل عليه تسع وعشرون صحيفة ، وأنه جاء إلى أرض مصر ، وكانت تُدعىٰ بايلون فنزلها هو وأولاد أخيه ، فسكن شيث فوق الجبل ، وسكن أولاد قابيل أسفل الوادي ، واستخلف شيث ابنه أنوش ، واستخلف أنوش ابنه قونان ، واستخلف قونان ابنه مهلائيل ، واستخلف مهلائيل ابنه يرد ، ودفع الوصية إليه ، وعلّمه جميع العلوم ، وأخبره بما يحدث في العالم ... إلى أن قال : وولد ليرد أخنوخ ، وهو إدريس عليه الصلاة والسلام ... ودفع إليه أبوه وصية جده والعلوم التي عنده ... (4).

____________

(1) قصص الأنبياء / ابن كثير : ص 60 ـ دار القلم ـ بيروت ـ 1407 ه ، البداية والنهاية / ابن كثير 1 : 98 مكتبة المعارف ـ بيروت.

(2) تقدّم عن أغلب المصادر : قينان.

(3) قصص الأنبياء : 62 ، البداية والنهاية 1 : 99.

(4) روح المعاني / الآلوسي 6 : 201 ـ دار إحياء التراث العربي 1405 ه عن ( حسن المحاضرة ).

30

2 ـ تشريع الوصية في الإسلام

1 ـ القرآن الكريم

جاء ذكر الوصية في العديد من آيات القرآن الكريم ، منها قوله تعالى : ( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ ) (1)

.

وقوله : ( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم ) (2)

.

وقوله : ( فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا ) (3)

.

وقوله : ( شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ) (4) وغيرها.

والمشهور بين العلماء أنّ الآية الاُولىٰ تدلّ علىٰ وجوب الوصية ، وأنّ لسان الآية لسان الوجوب ، ثم قالوا : انها منسوخة بآية المواريث ، وهي قوله تعالى :

( يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ) (5) فانّ الأخيرة نزلت بعد الأولىٰ ، وبالسُّنّة فقد ورد في الحديث :

« لا وصية لوارث »

(6).

وذكر بعضهم أنها لو كانت منسوخة فالمنسوخ إنّما هوالفرض دون الندب

____________

(1) سورة البقرة : 2 / 180.

(2) سورة البقرة : 2 / 240.

(3) سورة النساء : 4 / 11.

(4) سورة المائدة : 5 / 106.

(5) سورة النساء : 4 / 11.

(6) راجع : تفسير القرطبي 2 : 254 ـ 262 ـ دار الكتاب العربي ـ 1422 ه ، تفسير الرازي 5 : 64 ـ دار الفكر ـ بيروت ـ 1415 ه ، تفسير ابن كثير 1 : 223 ـ دار إحياء التراث العربي ـ 1420 ه.

31

وأصل المحبوبية (1). وذكر بعض آخر أن الوجوب المذكور في الآية الشريفة كان في بدء الأمر وأوائل تغيير الشريعة لمواريث الجاهلية ، فالحكمة اقتضت أن يكون التغيير تدريجياً بنحو الوصية أولاً ثم بأحكام المواريث.

قال السيد السبزواري (رحمه الله) : والحق أن الوصية غير منسوخة بشيء ، لا بآية المواريث ولا بالسنة الشريفة ، وآية الوصية تدلّ علىٰ محبوبيتها ، والكتابة يُراد بها هنا مطلق الثبوت الأعمّ من الوجوب والندب ، فقد تكون الوصية واجبة كما في الوصية بالحقوق الواجبة ، وقد تكون مندوبة كما في الوصية بالتبرعات ، وفي الأخيرة يشترط أن لا تكون أكثر من ثلث المال ، وفي الاُولىٰ لا يشترط فيها ذلك ، بل لابدّ وأن تخرج من جميع المال ، ولا ربط لآية الإرث بآية الوصية ، وهما موضوعان مختلفان ، فأين يتحقّق النسخ ؟ مع أن الإرث متأخّر عن الدين والوصية.

وأمّا الاستدلال بالسنّة علىٰ نسخ آية الوصية ، ففيه أولاً : عدم ثبوته كما ذكر جمع من علماء الفريقين ، وثانياً : أن حديث « لا وصية لوارث » يمكن حمله على أنه لا وصية لوارث إذا كان أكثر من الثلث ... (2).

أما فيما يتعلّق بخصوص الوصية بالخلافة فانّ الآيات المتقدمة وغيرها التي تحثّ على الوصية وتأمر بها وتحذّر من إهمالها في اُمور الدنيا وحطامها الزائل ، تدلّ علي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يمكن أن يترك اُمته بلا وصي يبيّن لهم أحكام الدين ويقتفي أثر سيد المرسلين ، وهو السبّاق إلى التعبّد بأوامر الوحي ونواهيه وجميع ما فيه ، فكيف يترك الوصية وقد اُوحي بها إليه وجعلها الله حقّاً على المتقين ؟

____________

(1) الميزان في تفسير القرآن / العلاّمة الطباطبائي 1 : 439 ـ مؤسسة الأعلمي ـ بيروت.

(2) مواهب الرحمٰن / السبزواري 2 : 380 ـ 381 ـ مؤسسة المنار ـ قم.

32

ثمّ أنه نزل في القرآن الكريم ما يجري مجري الوصية بالخلافة الإسلامية في آية البلاغ ؛ قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) (1) ، فكان تبليغ هذا الأمر بحجم تبليغ الرسالة ، فأيّ أمر خطير هذا الذي أشارت إليه الآية ؟

روى الواحدي من طريق الأعمش باسناده إلى أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) قال : نزلت هذه الآية : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ) يوم غدير خمّ في علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) (2).

واستقصى الحاكم الحسكاني طرق حدث أبي سعيد الخدري بأسانيد متصلة ، ثمّ قال : وطرق هذا الحديث مستقصاة في كتاب ( دعاء الهداة إلى أداء حق الموالاة ) من تصنيفي في عشرة أجزاء (3).

وعن ابن مسعود ، قال : كنّا نقرأ على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ( يا أيُّها الرَّسولُ بلِّغ ما أُنزِل إليك من ربِّك أن عليّاً مولى المؤمنين وإن لم تفعل فما بلَّغتَ رسالته ) (4).

إذن فإن تنصيب علي (عليه السلام) للخلافة في جانب وتبليغ الرسالة في جانب آخر متوازنان ، فإذا لم ينصب علياً (عليه السلام) فلم يبلغ الرسالة ، باعتبار أنه ترك الكيان

____________

(1) سورة المائدة : 5 / 67.

(2) أسباب النزول / الواحدي : 115 ـ عالم الكتب ـ بيروت ، فتح القدير / الشوكاني 2 : 60 ـ دار إحياء التراث العربي ، المنار / محمد رشيد رضا 6 : 463 ـ دار المعرفة ـ بيروت.

(3) شواهد التنزيل / الحسكاني : 181 ـ 193 ـ مؤسسة الأعلمي ـ بيروت ـ 1393 ه.

(4) الدرّ المنثور / السيوطي 3 : 117 ـ دار الفكر ـ 1403 ه ، فتح القدير 2 : 60.

33

الإسلامي في مهبّ الريح ، ولم يخلّف أحداً ليرعاه أو يقويه من بعده.

2 ـ السنّة المطهرة

وردت أحاديث نبوية مستفيضة تدلّ على أن الوصية فريضة محكمة وسنّة ثابتة ، وتؤكد أن على كلّ مسلم أن يوصي قبل معاينة الموت ، نذكر منها :

1 ـ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) :

« الوصية حقّ علىٰ كلّ مسلم »

(1)

.

2 ـ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) :

« المحروم من حُرِم الوصية »

(2)

.

3 ـ وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) :

« ما حقّ امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه ، يبيت ليلتين إلاّ ووصيته مكتوبة عنده »

(3)

.

وحاشا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأمر بالشيء ويؤكّده ثمّ يتركه ولا يأتمر به ، بل هو السبّاق إلى الطاعات ومرشد الأُمة ودليلها إلىٰ كلّ برّ وخير.

قال الشوكاني : وكيف يظنّ برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يترك الحالة الفضلىٰ ـ أعني تقديم التنجيز قبل هجوم الموت ، وبلوغها الحلقوم ـ وقد أرشد إلى ذلك وكرّر وحذّر ، وهو أجدر الناس بالأخذ بما ندب إليه (4).

أما من حيث وصيته بخصوص الخلافة فانه (صلى الله عليه وآله وسلم) عيّن وصيه منذ تباشير

____________

(1) المقنعة / المفيد : 666 ـ كتاب الوصية ـ باب الوصية ووجوبها ـ جماعة المدرسين ـ قم ، وسائل الشيعة / الحرّ العاملي 13 : 352 / 24544 ـ مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) ـ قم.

(2) كنز العمال / المتقي الهندي 16 : 613 / 46051 ـ مؤسسة الرسالة ـ بيروت ـ 1405 ه.

(3) صحيح مسلم 3 : 1249 / 16275 ـ أوّل كتاب الوصية ـ دار الفكر ـ بيروت ـ 1398 ه.

(4) العقد الثمين / الشوكاني : 37 ـ مركز الغدير ـ قم ـ 1419 ه.

34

الدعوة الإسلامية حين نزلت ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) (1) فكان علي ابن أبي طالب (عليه السلام) دون غيره من أفراد الأمة ، ولم يزل بعد ذلك يكرّر وصيته ويؤكّدها بعهود لفطية كثيرة سنذكرها في الفصل الثاني من هذا البحث.

وأراد (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو في المحتضر أن يكتب وصيته إلىٰ علي (عليه السلام) تأكيداً لعهوده اللفظية السابقة ، وتوثيقاً لنصوصه القولية عليه ، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) :

« ائتوني بداوة وقرطاس أكتب لكم كتاباً ، لن تضلوا بعدي أبداً »

فتنازعوا ولا ينبغي عند نبيّ تنازع فقالوا : ما شأنه أهجر ، أو إن رسول الله غلبه الوجع ، وعندها علم (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه لم يبقَ بعد قولهم هذا أثر لذلك الكتاب غير الفتنة والاختلاف ، فقال لهم :

« قوموا عنّي »

أو

« دعوني فالذي أنا فيه خير »

(2) واكتفىٰ بعهوده اللفظية وبلاغاته السابقة بلفظ الوصية تارة ، والولاية اُخرىٰ ، والخلافة أو الإمامة ثالثة ، وبالنصّ الصريح على الوصية لأمير المؤمنين (عليه السلام).

قال الشاعر :

أوصى النبي فقال قائلهم * * * قد ظلّ يهجر سيدُ البشرِ

ورأى أبا بكر أصاب ولم * * * يهجر وقد أوصى إلى عمرِ

3 ـ العقل

من الضرورات العقلية أن يحرص كلّ رسول على الرسالة التي بُعث بها ،

____________

(1) سورة الشعراء : 26 / 214 ، وسيأتي الحديث في الفصل الثاني.

(2) راجع : صحيح البخاري ـ 7 : 219 / 30 ـ كتاب المرضىٰ ـ باب قول المريض : قوموا عنّي ـ عالم الكتب ـ بيروت 1406 ه ، صحيح مسلم 3 : 1257 ، 1259 ـ كتاب الوصية ـ باب 5 ، مسند أحمد 1 : 222 و 324 ـ دار الفكر ـ بيروت.

35

فيقيم عليها وصياً وقيماً بوحي من الله سبحانه حتىٰ لا تضيع الرسالة بموته ، وإلا يلزم نقض الغرض من رسالته والجهود التي بذلها في دعوة الناس إليها ، ونقض الغرض من أي ذي عقل قبيح فكيف من سيّد العقلاء والحكماء ؟

إن العقل يحيل علىٰ نبينا الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يترك أمر دينه واُمّته هملاً دون أن يبيّن قوله الفصل في تعيين الوصي الذي يعهد إليه بالخلافة ؛ ذلك لأنّ الدين لم يزل في تباشير دعوته غضاً طرياً ، فلو ألقى الحبل على الغارب لترتّب على ذلك ما لا يحمد عقباه بسبب ميول الأهواء ، واختلاف الآراء المؤدية إلى الوقوع في الفتنة والتنازع والفساد.

يقول السيد عبد الله شبّر : إن العقل السليم يحيل على الله ورسوله الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) مع كونه المبعوث إلىٰ كافة الأنام ، وشريعته باقية إلىٰ يوم القيامة أن يهمل اُمّته ، مع نهاية رأفته وغاية شفقته بهم وعليهم ، ويترك فيهم كتاباً في غاية الاجمال ونهاية الاشكال ، له وجوه عديدة ومحامل كثيرة ، يحمله كلّ منهم علىٰ هواه ورأيه وأحاديث كثيرة عن صاحب الرسالة (صلى الله عليه وآله وسلم) فيها الصحيح والمكذوب ، والضعيف والموضوع ، ثم لا يعين لهذا الأمر الخطير رئيساً يرجعون إليه في هذه المشكلات ، ويركنون إليه في سائر الأمور.

وإن العقل ليحكم باستحالة ذلك في شرع الله تعالى وحكمته ، ولقد قرّب الله سبحانه ذلك من أفهام الناس ، فأوجب الوصية علىٰ كلّ مسلم إذا حضره الموت ، لكي لا يدع أهله في اختلاف وتخاصم في إرثه ومتروكاته ، فكان لابدّ من وصية تضمن فضّ هذا النزاع إن أمكن حصوله.

فكيف تصور الحال إذن مع اُمّة كاملة ، ونبيها آخر الأنبياء ؟

وهل يستسيغ العقل أن يتركها الله تعالى ورسوله بلا إمام موصى إليه ،

36

وحافظ وقيّم ووليّ من بعده (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ مع أنّ رأفة الله سبحانه بعباده ، ورأفة النبي باُمّته لا تقاسان برأفة الفرد إلى أهله وأطفاله (1).

وأيضاً : فإن العقل يحكم بضرورة الوصيّة من النبي بالأولوية القطعية ، وذلك لأنه ( إذا كانت الوصية ثابتة في حطام زائل ، فما بالها تُنفىٰ في خلافة راشدة وشريعة خالدة متكفّلة بصلاح النفوس والنواميس والأموال والأحكام والأخلاق والصالح العام والسلام والوئام ، ومن المسلم قصور الفهم البشري العادي عن غايات تلكم الشؤون ، فلا منتدح والحالة هذه أن يعين الرسول الأمين عن ربّه خليفته من بعده ليقتصّ أثره في اُمّته ) (2).

وأيضاً : فمن المستحيل أن يكون النبي نفسه سبباً لضلال الأمّة ووقوع الفتنة بينها ، ولا شكّ ان السكوت عن الوصية يسبّب ذلك ؛ لأنّ ترك الناس باهمال الوصية في مستقبل قيادتهم هو دليل على التفريط ومثار للفتنة والتنازع ، وهذا حكم عقلي مسلّم ورد علىٰ لسان بعض الصحابة ، ولا يمكن نسبة التفريط لكل رجل محترم فكيف ينسب إذن إلى أشرف الأنبياء والمرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟!

روي أن عائشة قالت لبعد الله بن عمر حينما أخبرها بأن أباه في المحتضر : يا بني أبلغ عمر سلامي ، وقل له : لا تدع اُمة محمّد بلا راعٍ ، استخلف عليهم ولا تدعهم بعدك هملاً ، فاني أخشىٰ عليهم الفتنة (3).

وقال عبد الله بن عمر لأبيه : لو استخلفت ؟ قال : من ؟ قال : تجتهد فانك لست لهم بربّ ، أرأيت لو أنك بعثت إلى قيم أرضك ، ألم تكن تحبّ أن يستخلف

____________

(1) حق اليقين / عبد الله شبّر 1 : 38 ـ مطبعة العرفان ـ صيدا ـ 1352 ه.

(2) الغدير / الأميني 7 : 172 ـ دار الكتب الإسلامية ـ طهران.

(3) الإمامة والسياسة / ابن قتيبة 1 : 23 ـ مكتبة مصطفى بابي الحلبي ـ مصر ـ 1388 ه.

37

مكانه حتىٰ يرجع إلى الأرض ؟ قال : بلىٰ ، قال : أرأيت لو بعثت إلىٰ راعي غنمك ، ألم تكن تحبّ أن يستخلف رجلاً حتىٰ يرجع ؟ قال : بلى (1).

وليت شعري كيف صارت عائشة وعبد الله بن عمر أعلم بمآل الأمور ونتائج عدم الاستخلاف من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ وهل هما أحرص على مصلحة الاُمّة وضمان مستقبلها من نبي الرحمة ؟! كلا وحاشا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من هذه الأوهام ، فإنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد نصّ على خليفته من بعده وبلّغ اُمّته بأنه علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، وفي ذات الوقت عهد إليه أن الأمّة ستغدر به بعده (2) ، وقال له : « أما إنك ستلقى بعدي جهداً » فقال علي (عليه السلام) : « في سلامة من ديني ؟ » قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : « في سلامة من دينك » (3) وأخذ بيده وقد بكىٰ فقال علي (عليه السلام) : « ما يبكيك يا رسول الله ؟ » قال (عليه السلام) : « ضغائن في صدور أقوام لا يبدونها إلاّ من بعدي » (4).

ولقد تحقق ما أخبر به النبي الصادق الأمين (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ودُفِع الوصيّ عن حقّه ، وقد صرح (عليه السلام) بذلك مراراً ، سيما في خطبته الشقشقية (5) المعروفة ، وفي غيرها أيضاً حيث قال :

« فو الله ما زلت مدفوعاً عن حقّي ، مستأثراً عليَّ ، منذ قبض الله نبيه

(صلى الله عليه وآله وسلم)

حتىٰ يوم الناس هذا »

(6).

وقال (عليه السلام) :

« أما الاستبداد علينا بهذا المقام ونحن الأعلون نسباً ،

____________

(1) طبقات ابن سعد 3 : 343.

(2) مستدرك الحاكم 3 : 140 ـ حيدر آباد ـ الهند.

(3) مستدرك الحاكم 3 : 140.

(4) مستدرك الحاكم 3 : 139 ، مسند أبي يعلى 1 : 426 / 305 ـ دار المأمون ـ ط 2 ، مجمع الزوائد / الهيثمي 9 : 118 ـ 121 ـ مؤسسة المعارف ـ بيروت ـ 1406 ه.

(5) الخطبة الثانية من نهج البلاغة.

(6) نهج البلاغة / تحقيق صبحي الصالح : 53 / خ 6.

38

والأشدون برسول الله

(صلى الله عليه وآله وسلم)

نوطاً ، فانها كانت أَثَرة ، شحّت عليها نفوس قوم ، وسخت عنها نفوس آخرين ، والحكم لله والمَعْوَد إليه القيامة »

(1).

ومن الاُمور المستفادة من سيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وغيرها في أثبات الوصية ، والتي لو تأمّلها المسلم فإنه سيُسلّم بمسألة الوصية دون الرجوع إلىٰ مزيد من الأدلة والبراهين ، ما يأتي :

أولاً ـ

لقد اُمِر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقتدي بالأنبياء الذين قبله ، في قوله تعالى : ( أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ) (2) وقال تعالى : ( قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ ) (3) ورأينا أن الأنبياء السابقين قد عهدوا إلىٰ من يخلفهم في تبليغ الشريعة ورعاية الأمة من بعدهم ، ولم يكن خلفاؤهم إلاّ أوصياءهم ، فكيف يخالف نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك أو يقصّر في الامتثال ، وهو أشرف الأنبياء وخاتمهم ، وقد اجتمعت فيه خصال الكمال وصفات الشرف التي تفرّقت فيهم ، ودينه أجمع الأديان ، ورسالته أشمل الرسالات وأكملها ، فكيف يتركها غضّةً طرية تتجاذبها الأهواء والنزاعات ؟!

ثانياً ـ

( قد جرت عادة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه متى سافر عن المدينة أو غاب عنها ، عيّن خليفته عليها ، فكيف يترك الاستخلاف في غيبة الوفاة ؟ مع علمه أنّه خاتم الأنبياء والرسل ، وأن التكليف لم يرتفع عن العباد بموته ، بل هو باقٍ إلىٰ يوم القيامة ) (4).

____________

(1) نهج البلاغة / تحقيق صبحي الصالح : 231 / خ 162.

(2) سورة الأنعام : 6 / 90.

(3) سورة الأحقاف : 46 / 9.

(4) حق اليقين 1 : 38.

39

وكان من جملة الذين استخلفهم رسول الله على المدينة خلال المغازي ابن اُمّ مكتوم ، وأبو لبابة رفاعة بن عبد المنذر (1) وسعد بن عبادة ، وسعد بن معاذ ، وزيد بن حارثة ، وأبو سلمة المخزومي ، وعبد الله بن رواحة ، وأبو رهم الغفاري وغيرهم (2).

واستخلف علياً (عليه السلام) في تبوك ، وكانت آخر غزواته.

روي البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص ، قال : خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) علي بن أبي طالب في غزوة تبوك ، فقال : « يا رسول الله ، تخلّفني في النساء والصبيان ؟ » قال (صلى الله عليه وآله وسلم) :

« أما ترضى أنت تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي »

(3).

إذن لقد كان دأب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه لم يترك المدينة دون أن يستخلف عليها حتىٰ ولو كانت الغزوة عند أطرافها كالخندق أو على بُعد ميلٍ عنها كاُحد ، فكيف يمكن أن نتصور أنه يترك أمته أبد الدهر دون أن يستخلف عليها ؟!

هذا ، وللشهيد الصدر (رضي الله عنه) ثلاث تصورّات حول مستقبل الرسالة بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد ناقشها نقاشاً عقلياً مستنيراً بالواقع التاريخي ، وطبيعة الأحداث التي اكتنفت البعثة في صدرها الأول ، ومعطيات الواقع الفكري لرجالها ، ويمكن تلخيص تلك التصورات بما يلي :

____________

(1) راجع : اُسد الغابة / ابن الأثير 2 : 272 ، 280 و 6 : 279 ـ دار إحيا التراث العربي ـ بيروت ـ 1417 ه.

(2) التنبيه والاشراف / المسعودي : 202 ـ 236 ـ دار الصاوي ـ القاهرة.

(3) صحيح البخاري 5 : 89 / 202 ـ كتاب بدء الخلق ـ باب غزوة تبوك ، صحيح مسلم 4 : 1870 / 2404 ـ كتاب فضائل الصحابة ـ باب فضل علي (عليه السلام).

40

1 ـ أن يقف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من مستقبل الرسالة موقفاً سلبياً ، ويكتفي بممارسة دوره في قيادة الأمّة والرسالة وتوجيهها فترة حياته ، ويتركها في مستقبلها للظروف والصدف ، وهذه السلبية لا يمكن افتراضها في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنها انما تنشأ من أحد أمرين لا ينطبقان عليه.

الأول :

الاعتقاد بأن هذه السلبية والاهمال لا يؤثران علىٰ مستقبل الرسالة ، وأنّ الأمة التي سوف تخلف الدعوة قادرة على التصرف بالشكل الذي يحيي الدعوة ويضمن عدم الانحراف ، وهذا الاعتقاد لا مبرر له من الواقع اطلاقاً ، بل إن طبيعة الأشياء كانت تدلّ علىٰ خلافه.

الثاني :

انه بالرغم من شعوره بخطر هذه السلبية لا يحاول تحصين الدعوة ضد ذلك الخطر ، لأنه ينظر إليها نظرة مصلحية ، فلا يهمه إلاّ أن يحافظ عليها ما دام حياً ليستفيد منها ويستمتع بمكاسبها ولا يُعنىٰ بحماية مستقبلها بعد وفاته ، وهذا التفسير لا يمكن أن يصدق على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لإخلاصه لرسالته وتفانيه فيها وتضحيته من أجلها حتى آخر لحظة من حياته وهو يسيّر جيش اُسامة ، فهو يعيش هموم مستقبلها ، ويشعر بالخطر المحدق بها ، ويخطط لسلامتها من الأخطار المرتقبة بعد وفاته ، فأراد أن يكتب لاُمته كتاباً يكون عصمة لها عن الضلالة ، وجنّة تدرأ عنها عوامل الفرقة والاختلاف ، فحيل بينه وبين ما أراد !!

2 ـ أن يخطط الرسول القائد (صلى الله عليه وآله وسلم) للمستقبل ، ويتّخذ موقفاً إيجابياً ، فيجعل القيمومة على الدعوة وقيادة التجربة للاُمة الممثّلة على أساس نظام الشورىٰ في جيلها الأول الذي يضمّ مجموع المهاجرين والأنصار.

والملاحظ أن طبيعة الأشياء والوضع العام الثابت عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والرسالة والصحابة يدحض هذه الفرضية ، وينفي أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد انتهج

41

هذا الطريق ؛ لأنه يتطلب أن يقوم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بعملية توعية للاُمّة على نظام الشورىٰ وحدوده وتفاصيله ، وأن يعطيه طابعاً دينياً مقدساً ، وأن يعدّ المجتمع الإسلامي إعداداً فكرياً وروحياً لتقبل هذا النظام.

والملاحظ أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يمارس عملية التوعية علىٰ نظام الشورىٰ وتفاصيله التشريعية أومفاهيمه الفكرية ، لأن هذه العملية لو كانت قد انجزت ، لانعكست في الأحاديث المأثورة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولتجسّدت في ذهنية أصحابه.

وقد انقسم أصحابه من بعده إلىٰ فئتين :

الفئة التي انحازت إلىٰ أهل البيت (عليهم السلام) ، ومن الواضح أنهم كانوا يؤمنون بالوصاية والأمامة ويؤكّدون على القرابة ، ولم ينعكس منهم الإيمان بفكرة الشورىٰ.

والفئة التي تمثّلها السقيفة والخلافة التي قامت بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهؤلاء أيضاً لم يكونوا يؤمنون بالشورىٰ ، فأبوبكر عهد بها إلى عمر ، وعمر عهد بها إلىٰ ستة أشخاص ، فلم يكن أصحاب هذا الاتجاه ممن يبني ممارسته الفعلية على أساس الشورىٰ ، ولم يكن لديه فكرة محددة عن هذا النظام فكيف يمكن أن نتصّور أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مارس عملية توعية علىٰ هذا النظام تشريعياً وفكرياً ، وأعدّ جيل الصحابة لتسلّم قيادة الاُمّة على أساسه ، ثمّ لا نجد تطبيقاً واقعياً له أومفهوماً محدداً عنه ؟! وعليه فإنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن قد طرح الشورىٰ كنظام بديل على الاُمّة بعد وفاته.

3 ـ أن يقف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من مستقبل الرسالة بعد وفاته موقفاً إيجابياً ، فيختار بأمرٍ من الله سبحانه شخصاً معيَّناً ، فيعدّه اعداداً رسالياً وقيادياً خاصاً ، لتتمثّل فيه المرجعية الفكرية والزعامة السياسية للتجربة ، ويواصل بعده

42

وبمساندة القاعدة الشعبية الواعية من المهاجرين والأنصار قيادة الأمة وبناءها عقائدياً وتقويتها باستمرار نحو المستوى الذي يؤهلها لتحمل المسؤوليات القيادية.

ولم يكن هذا الشخص المنصوب لتسليم مستقبل الدعوة وتزعمها فكرياً وسياسياً ، إلاّ علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي أراده لذلك الله تعالىٰ ، ورسوله الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، هذا فضلاً عن عمق وجوده في كيان الدعوة ، وانه المسلم الأول والمجاهد الأول في سبيلها عبر كفاحها المرير ضد كلّ أعدائها ، وعمق وجوده في حياة القائد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وانه ربييه الذي فتح عينيه في حجره ، ونشأ في كنفه ، وهيّأ له من فرص التفاعل معه والاندماج بخطه ما لم يتوفر لأيّ إنسان آخر (1).

* * *

____________

(1) مختصر من : بحث حول الولاية / الشهيد الصدر (قدس سره) ـ دار التعارف ـ بيروت ـ 1399 ه.

43

الفصل الثاني

وصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحديث والأثر

المبحث الأوّل : الأحاديث الصريحة بالوصية

تمهيد :

إن الإمامة رئاسة عامة في اُمور الدين والدنيا نيابةً عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (1) ، ووجوبها في كل زمان أمرٌ توافقت عليه كلمة الاُمّة بكلّ فصائلها (2) ، لكنهم اختلفوا في السبيل المؤدّي إليها ؛ فذهب أغلب الفرق إلى أن الأمر محصور في قريش ، وللمسلمين أن يختاروا من قريش ما شاءوا ، وذهب الخوارج إلى أن الأمر متروك للمسلمين في أن يختاروا من بينهم مَن يرونه أهلاً للامامة من قريش أو غيرها.

وتعتقد الإمامية أن الإمامة منصب إلهي لا يُنال إلاّ بتعيين من السماء ، وبنصّ النبي المرسل ، وأن ذلك من صميم واجب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ؛ لأنه بُعِث رحمةً للعالمين ، فلابدّ أن يعهد إلىٰ من يأتمنه علىٰ دين الله ورسالة ربّه ، ليقوم بأمرهم من بعده ، ويجمع كلمتهم ، وينظم أمرهم ، ويرفع أسباب الخلاف من بينهم.

____________

(1) الإمامة في أهم الكتب الكلامية / الميلاني : 44 و 151.

(2) الفصل في الملل والنحل / ابن حزم 4 : 87.

44

وأجمعوا على أن الرسول المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) قد بلّغ ما اُنزل إليه من ربّه تمام البلاغ ، وأنه لم يفارق الاُمّة حتىٰ أرشدهم إلىٰ وصيه من بعده ، ونصّ على أخيه عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) في مناسبات عديدة ومواضع شتىٰ ، لتعميق وعي الاُمّة في هذا الاتجاه ، وتأصيل هذا المبدأ في حركتها ووجدانها. ولهم في هذا الاتجاه أحاديث وآثار صريحة في هذا المعنىٰ ، نذكر منها :

أولاً ـ الأحاديث النبوية

هناك مزيد من الأحاديث النبوية المصرحة بالوصية ، وقد بلغت من الكثرة بحيث أفردها بعض الأعلام بتصنيف خاص (1).

وفيما يلي نذكر أهم الأحاديث الصريحة بذكر الوصية لأمير المؤمنين علي (عليه السلام) ونحرص على أن تكون من مصادر العامة :

1 ـ روىٰ كثير من المحدثين والمؤرخين وأصحاب السير حديث الدار الشريف وهو صريح بالايصاء والاستخلاف معاً ، وقصة الحديث : أنه في بدء الدعوة الإسلامية ، وبعد نزول قوله تعالىٰ : ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) (2) دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بني عبد المطلب إلىٰ دار عمّه أبي طالب مرّتين ، وبعد أن أطعمهم وسقاهم توجّه إليهم قائلاً :

« يا بني عبد المطلب ، والله ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم ، إني جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله تعالىٰ أن أدعوكم إليه ، فأيكم يؤازرني علىٰ هذا الأمر ، على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم ؟ »

وفي رواية :

« وخليفتي من بعدي »

.

____________

(1) راجع الفقرة ( خامساً ) من هذا المبحث بعنوان ( مدوّنات في الوصية ).

(2) سورة الشعراء : 26 / 214.

45

فأحجم القوم عنها جميعاً ، فقال علي (عليه السلام) وكان أحدثهم سناً :

« أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه »

فأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) برقبته ، ثم قال :

« ان هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا »

فقام القوم يضحكون ، ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع (1) !

2 ـ وعن أنس بن مالك ، قال : قلنا لسلمان : سل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن وصيه ، فقال له سلمان : يا رسول الله ، من وصيك ؟ قال :

« يا سلمان من كان وصيّ موسىٰ ؟ »

قال : يوشع بن نون. قال :

« فان وصيي ووارثي ، يقضي ديني ، وينجز موعدي ، علي بن أبي طالب »

(2).

____________

(1) تاريخ الطبري 2 : 217 ، تهذيب الآثار ( مسند الإمام علي (عليه السلام) ) / الطبري : 62 ـ 63 القاهرة ، الكامل في التاريخ 1 : 586 ـ 587 ، مختصر تاريخ دمشق / ابن منظور 17 : 310 ـ دار الفكر ـ بيروت ـ 1404 ه ، السيرة الحلبية / برهان الدين الحلبي 1 : 461 ـ دار المعرفة ـ بيروت ـ 1400 ه ، معالم التنزيل / البغوي 4 : 278 تفسيرالخازن 3 : 371 ـ 372 ـ دار المعرفة ـ بيروت ، شرح ابن أبي الحديد 13 : 210 و 244 وصححه أبو جعفر الإسكافي ، شواهد التنزيل 1 : 372 ـ 373 ، كنز العمال 13 : 131 / 36419 أخرجه عن ابن اسحاق ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، وأبي نعيم والبيهقي معاً في ( الدلائل ). وأخرجه الشيخ الأميني من عدّة مصادر اُخرىٰ في الغدير 2 : 394 ـ 408 ـ مركز الغدير ـ قم ـ 1416 ه.

(2) فضائل الصحابة / أحمد بن حنبل 2 : 615 / 1052 ـ مركز البحث العلمي ـ مكة المكرمة ـ 1403 ه ، الرياض النضرة / المحبّ الطبري 3 : 119 ـ دار المعرفة ـ بيروت ـ 1418 ه ، ذخائر العقبي / المحبّ الطبري : 71 فصل ذكر اختصاصه (عليه السلام) بالوصاية والإرث ـ دار المعرفة ـ بيروت ، تذكرة الخواص / سبط ابن الجوزي : 48 ، كفاية الطالب / الكنجي : 292 ـ باب (74) ـ دار إحياء تراث أهل

46

وفي رواية :

« إن وصيي وموضع سري ، وخير من أترك بعدي ، وينجز عدتي ، ويقضي ديني ، علي بن أبي طالب »

(1).

3 ـ وعن بريدة ، قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) :

« لكلّ نبي وصيّ ووارث ، وإنّ علياً وصيي ووارثي »

(2).

4 ـ وعن أبي أيوب الأنصاري ، قال : إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مرض مرضةً ، فدخلت عليه فاطمة صلّى الله عليها تعوده وهو ناقه من مرضه ، فلما رأت ما برسول الله من الجهد والضعف خنقتها العبرة حتىٰ خرجت دمعتها ، فقال لها :

« يا فاطمة ، إن الله عزّوجلّ اطلع إلى الأرض اطلاعةً فاختار منها أباك ، فبعثه نبياً ، ثم اطلع إليها ثانيةً فاختار منها بعلك ، فأوحى إليّ فأنكحته واتخذته وصياً »

.

إلى أن قال :

« يا فاطمة ، إنا أهل بيت اُعطينا سبع خصال لم يعطها أحد من الأولين ولا الآخرين قبلنا : نبينا أفضل الأنبياء وهو أبوك ، ووصينا خير

____________

البيت (عليهم السلام) ـ ط 3 ـ طهران ـ 1404 ه ، مجمع الزوائد / الهيثمي 9 : 113 ـ مؤسسة المعارف بيروت ـ 1406 ه.

(1) المعجم الكبير / الطبراني 6 : 221 / 6063 ـ دار إحياء التراث العربي ـ 1404 ه ، جامع المسانيد والسنن / ابن كثير 5 : 383 / 3633 ـ دار الفكر ـ بيروت ـ 1415 ه ، مجمع الزوائد 9 : 116 ، منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد / المتقي الهندي 5 : 32 ـ دار الفكر ـ بيروت.

(2) تاريخ دمشق / ابن عساكر 42 : 392 ـ دار الفكر ـ 1415 ه ، الرياض النضرة 3 : 119 ، ذخائر العقبي : 71 مناقب علي (عليه السلام) / الخوارزمي : 42 ـ مكتبة نينوىٰ المدينة ـ طهران ، مناقب علي (عليه السلام) / ابن المغازلي : 201 / 238 ـ دار الأضواء ـ 1403 ه ، فتح الباري ، 8 : 150 ، الفردوس / الديلمي 3 : 336 / 5009 ـ دار الكتاب العربي ـ 1407 ه ، كفاية الطالب : 620 ، وسيلة المتعبدين / الملاّ 5 : 162 ـ القسم الثاني ـ حيدر آباد ـ الهند ـ 1400 ه.

47

الأوصياء وهو بعلك ... »

(1).

وروي نحوه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وابن عباس ، وأبي سعيد الخدري ، وعلي بن علي الهلالي عن أبيه ، وغيرهم (2).

5 ـ وعن أنس بن مالك ، قال : قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) :

« يا أنس ، اسكب لي وضوءاً »

ثم قام فصلّى ركعتين. ثم قال :

« يا أنس ، أول من يدخل عليك من هذا الباب أمير المؤمنين ، وقائد الغرّ المحجلين ، وخاتم الوصيين »

. قال أنس : قلت : اللهمّ اجعله رجلاً من الأنصار ـ وكتمته ـ إذ جاء عليّ. فقال :

« من هذا يا أنس ؟ »

فقلت : عليّ. فقام مستبشراً فاعتنقه ، ثم جعل يمسح عرق وجهه بوجهه ، ويمسح عرق علي بوجهه ، فقال علي :

« يا رسول الله ، لقد رأيتك صنعت شيئاً ما صنعت بي من قبل ؟ »

قال (صلى الله عليه وآله وسلم) :

« وما يمنعني وأنت تؤدّي عني ، وتسمعهم صوتي ، وتبين لهم ما اختلفوا فيه بعدي ؟ »

(3).

____________

(1) المعجم الكبير / الطبراني 4 : 171 / 4046 و 4047 ، المناقب / ابن المغازلي : 101 / 144 ، المناقب / الخوارزمي : 63 ، مجمع الزوائد 8 : 253 ، كفاية الطالب : 296 ـ باب (77) ، كنز العمال 11 : 604 / 32923 ، منتخب كنز العمال ـ بهامش مسند أحمد 5 : 31.

(2) المعجم الكبير / الطبراني 3 : 57 / 2675 ، مجمع الزوائد 8 : 253 و 9 : 165 ، المناقب / الخوارزمي : 206 ، مقتل الحسين (عليه السلام) / الخوارزمي 67 ـ مكتبة المفيد ـ قم ، ذخائر العقبي : 136 ، المناقب / ابن المغازلي : 151 ، البيان في أخبار صاحب الزمان (عليه السلام) / الكنجي : 502 ـ باب (90) أخرجه عن الدارقطني ـ مطبوع مع ( كفاية الطالب ) للمؤلف ـ طهران ـ 1404 ه.

(3) حلية الأولياء / أبو نعيم 1 : 66 ـ 67 ـ دار إحياء التراث العربي ـ 1421 ه ، شرح ابن أبي الحديد 9 : 169 ، المناقب / الخوارزمي : 42 ، كفاية الطالب : 212 ـ

48

6 ـ وعن سلمان قال : سمعت حبيبي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول :

« كنت أنا وعلي نوراً بين يدي الله عزوجل قبل أن يخلق آدم بأربعه عشر ألف عام

،

فلما خلق الله آدم قسّم ذلك النور جزءين : فجزءٌ أنا وجزء عليّ »

(1).

قال ابن أبي الحديد : رواه أحمد في ( المسند ) وفي كتاب ( فضائل علي (عليه السلام) ) ، وذكره صاحب كتاب ( الفردوس ) وزاد فيه :

« ثم انتقلنا حتىٰ صرنا في عبد المطلب ، فكان لي النبوة ، ولعليّ الوصية »

(2).

وفي لفظ آخر :

« ففيّ النبوة ، وفي عليّ الخلافة »

(3).

دلالة الأحاديث

نكتفي بهذا القدر من الأحاديث النبوية المصرحة بذكر الوصية ، ونبيّن الآن دلالتها ، ونبدأ باستدلال الفاضل المقداد السيوري علىٰ خلافة علي (عليه السلام)

____________

باب (54) وقال : هذا حديث حسن عال ، تاريخ دمشق / ابن عساكر 42 : 386 ـ دار الفكر ، فرائد السمطين / الجويني 1 : 145 / 109 مؤسسة المحمودي ـ 1398 ه ، العقد الثمين / الشوكاني : 41 ، اليقين / ابن طاوس : 478 ـ باب (188) دار الكتاب ـ قم.

(1) فضائل الصحابة / أحمد بن حنبل 2 : 662 / 1130 ، الفردوس 3 : 332 / 4884 ، تاريخ دمشق / ابن عساكر 42 : 67 ، المناقب / الخوارزمي : 88 ، كفاية الطالب : 315 ـ باب (87) وقال : هكذا أخرجه محدث الشام في تاريخه ، في الجزء (350) قبل نصفه ، ولم يطعن في سنده ، ولم يتكلّم عليه ، وهذا يدل علىٰ ثبوته.

(2) شرح ابن أبي الحديد 9 : 171 ، وأخرجه ابن المغازلي في المناقب : 89 / 132 ـ بلفظ : فأخرجني نبياً ، وأخرج علياً وصياً.

(3) الفردوس 2 : 191 / 2952 ، المناقب / ابن المغازلي : 87 / 130 ، وفي ج 5 من نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار للسيد علي الميلاني بحث وافٍ لسند هذا الحديث ودلالته.

49

بالحديث الأول.

قال : قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) :

« أنت أخي ووصيي وخليفتي من بعدي وقاضي ديني »

والاستدلال به من وجهين :

الأول :

« أنت وصيي » وهذا لا ينكره أحد ، فأما أن يريد بذلك التصرّف في كل ما كان للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتصرّف فيه ، أو بعضه. والثاني باطل لاطلاق اللفظ وعدم تقييده وعدم قرينة دالة على التقييد. فلو اُريد لكان تلبيساً ، وهو غير جائز منه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فتعين الأول ، وهوالمطلوب ؛ لأنا لا نريد بالإمامة إلاّ ذلك.

والثاني :

قوله « قاضي ديني » علىٰ رواية كسر الدال ، وهو صريح في خلافته (عليه السلام) (1).

وفي الأحاديث الستة المتقدمة إضاءات كثيرة تدلنا علىٰ بيان متعلق وصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) يمكن تلخيصها بالنقاط التالية :

1 ـ في الحديث الأول دلالة على أصالة مفهوم الوصية وامتداده التاريخي إلى أول البعثة النبوية المباركة ، حينما دعا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عشيرته الأقربين يوم الأنذار ، مما يعبّر عن أهمية هذا المفهوم وخطورته وعمقه في مسيرة الرسالة ، ويؤكد ممارسة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للاعداد الرسالي لشخص الوصي كي يهيئه لزعامة الأمة من بعده بأمر من الله ، لما تقدّم من أن الإمامة منصب إلهي ، ويدحض

____________

(1) اللوامع الإلهية / الفاضل المقداد : 281 ، ونحو ذلك قال العلاّمة في كشف المراد : 396 ( منشورات شكوري ـ قم ) في رواية كسر الدال ، وقال الشيخ الطوسي في تلخيص الشافي ( 2 : 166 ـ دار الكتب الإسلامية ـ قم ) : وفي بعض الروايات « وقاضي ديني » بكسر الدال ، وهذه الرواية صريحة بالإمامة ؛ لأن القاضي بمعنى الحاكم ، وإذا كان حاكماً في جميع الدين ، فهو الإمام.

50

حجّة القائلين بأن متعلق الوصية لا يتجاوز رعاية الأولاد والأهل وقضاء الديون وغيرها من العهود الواردة في الوصايا العامة.

2 ـ وفي الحديث الرابع دلالة على أن اختيار الوصي هو اختيار إلهي لا يتدخل فيه أحد ، فهو تعالىٰ يختار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من بين أهل الأرض كافة ، ثم يختار الوصي على نسق اختيار النبي ، ثم يوحي إلى النبي بتعيينه خليفةً من بعده ، وليس ثمة خليفة للنبي غير وصيه.

ويدلّ عليه أيضاً ما رواه ابن اسحاق في سيرته عن سلمان (رضي الله عنه) أنه سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال : يا رسول الله إنه ليس من نبي إلاّ وله وصيّ وسبطان ، فمن وصيك وسبطاك ؟ فلم يجبه (صلى الله عليه وآله وسلم) ... إلى أن قال :

« سألتني عن شيء لم يأتني فيه أمر ، وقد أتاني أن الله عزّوجل قد بعث أربعة آلاف نبي ، وكان أربعة آلاف وصي ، وثمانية آلاف سبط ، فوالذي نفسي بيده لأنا خير النبيين ، وإن وصيي لخير الوصيين ، وسبطاي خير الأسباط »

(1).

وسنأتي علىٰ بيان دليل الاصطفاء الإلهي في شخص أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) في مبحث خاص من هذا الفصل.

3 ـ تشتمل الأحاديث المتقدمة على جملة أدلة جلية على أن المراد بلفظ الوصي هو القائد الرسالي والخليفة الذي يلي الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في اُمته.

منها :

اقتران لفظ الوصي الوارد في الأحاديث بألفاظ اُخرىٰ تدلّ على المضمون السياسي والقيادي ، كالخليفة والوزير وموضع السرّ وقاضي الدين ومنجز الوعد وغيرها.

____________

(1) سيرة ابن إسحاق : 124 ـ 125 ـ دار الفكر ـ بيروت.

51

ومنها :

التأكيد علىٰ وجوب الطاعة للوصي بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) :

« اسمعوا له وأطيعوا »

كما في الحديث الأول ، هذا الوجوب من مقتضيات الإمامة ، قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ ) (1)

.

ويدلّ عليه أيضاً ما رواه أبو ذر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال :

« من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن أطاع علياً فقد أطاعني ، ومن عصىٰ علياً فقد عصاني »

(2).

ومنها :

التأكيد على الوظائف القيادية للإمام مثل « تؤدي عني ، وتسمعهم صوتي ، وتبين لهم ما اختلفوا فيه بعدي ».

ويدلّ عليه ما جاء في الصحيح عن أنس : أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعلي :

« أنت تبين لأُمتي ما اختلفوا فيه بعدي»

(3).

ومنها :

التأكيد علي الخصال القيادية للوصي ومنها كونه موضع سرّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وخير من يترك بعده ، وكونه (عليه السلام) خير الأوصياء وخاتمهم. وجميع ذلك من الدلالات الالتزامية على أن لفظ الوصي لا ينفك عن معنى الإمامة والخلافة.

ثانياً : أحاديث أهل البيت

(عليهم السلام)

جاءت أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) لتؤكد بأن أمير المؤمنين علياً (عليه السلام) هو خاتم الوصيين وسيدهم ، وأول المؤمنين بالله ، ووارث النبوة ، وتصرّح بعمق وجود الوصي في تاريخ الرسالة ، فقد كان يرى مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الضوء قبل

____________

(1) سورة النساء : 4 / 59.

(2) مستدرك الحاكم 3 : 121 و 128وصححه.

(3) مستدرك الحاكم 3 : 122 ـ وصححه علىٰ شرط الشيخين.

52

الرسالة ويسمع الصوت.

كما ركّزت على بيان فضل أهل البيت (عليهم السلام) وأن لهم حق الوصية والوراثة ، ولهم خصائص حق الولاية ، ولا يقاس بهم أحد من أفراد الاُمّة ، وأنهم أهل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأولياؤه وأوصياؤه وورثته وأحقّ الناس بمقامه ، وفيما يلي بعض نصوصها :

1 ـ عن الأصبغ بن نباتة ، قال : قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض خطبه :

« أيها الناس ، اسمعوا قولي واعقلوه عني ، فإن الفراق قريب ؛ أنا إمام البرية ، ووصي خير الخليقة ، وزوج سيدة نساء الاُمّة ، وأبو العترة الطاهرة والأئمة الهادية. أنا أخو رسول الله

(صلى الله عليه وآله وسلم)

ووصيه ووليه ووزيره وصاحبه وصفيه وحبيبه وخليله. أنا أمير المؤمنين ، وقائد الغرّ المحجلين ، وسيّد الوصيين »

(1).

2 ـ وعن عبد الله بن الحسن بن الحسن ، قال : كتب عليُّ (عليه السلام) إلى

ٰ

محمد بن أبي بكر وأهل مصر .. وذكر الكتاب ، وممّا جاء فيه موضّحاً الفرق بين نفسه المقدّسة وبين معاوية الوغد الزنيم :

« وتأمّلوا واعلموا أنه لا سوى إمام الهدى وإمام الردى ، ووصيّ النبيّ وعدوّ النبي ، جعلنا الله وإياكم ممن يحبّ ويرضىٰ .. »

(2).

ورواه الشيخ الطوسي بالاسناد عن أبي إسحاق الهمداني (3).

3 ـ وعن حكيم بن جبير ، قال : خطب علي (عليه السلام) فقال في أثناء خطبته :

« أنا عبد الله وأخو رسوله ، لا يقولها أحد قبلي ولا بعدي إلاّ كذب ، ورثت نبي

____________

(1) الفقيه / الصدوق 4 : 301 / 914.

(2) شرح ابن أبي الحديد 6 : 71.

(3) الأمالي / الطوسي : 30 / 31 ـ مؤسسة البعثة ـ قم.

53

الرحمة ، ونكحت سيدة نساء هذه الاُمّة ، وأنا خاتم الوصيين »

(1).

4 ـ وحينما ناظر عبد الله بن عباس الخوارج ، كان من جملة قولهم : وزعم أنه وصيّ ، فضيّع الوصية. فأجابهم أمير المؤمنين (عليه السلام) :

« وأمّا قولكم : إني كنت وصياً فضيعت الوصية ، فإن الله عزّوجلّ يقول :

( وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ )

(2)

أفرأيتم هذا البيت لو لم يحجُج إليه أحد ، كان البيت يكفر ؟ إن هذا البيت لو تركه من استطاع إليه سبيلاً كفر ، وأنتم كفرتم بترككم إياي ، لا أنا كفرتُ بتركي لكم »

(3).

وممّا يعزّز جواب أمير المؤمنين (عليه السلام) قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) له (عليه السلام) :

« يا علي أنت بمنزلة الكعبة تؤتىٰ ولا تأتي »

(4) فواجب على الناس أن يقصدوه ولا يقصد هو أحداً ، وأن يسألوه ولا يسأل أحداً ، ويمتارون منه العلم ولا يمتار من أحد.

5 ـ وقال (عليه السلام) في خطبة له :

« لا يقاس بآل محمد

(صلى الله عليه وآله وسلم)

من هذه الاُمّة أحد ، ولا يسوّي بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً هم أساس الدين ، وعماد اليقين ، إليهم يفيء الغالي ، وبهم يلحق التالي ، ولهم خصائص حق الولاية ، وفيهم الوصية والوراثة »

(5).

6 ـ وعن زيد بن الحسن وعلي بن الحسين (عليه السلام) ، قال : خطب الحسن (عليه السلام)

____________

(1) شرح ابن أبي الحديد 2 : 287.

(2) سورة آل عمران : 3 / 97.

(3) تاريخ اليعقوبي 2 : 193 ـ دار صادر ـ بيروت.

(4) اسد الغابة 4 : 122.

(5) نهج البلاغة : 47 / الخطبة (2).

54

الناس حين قُتل علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، فحمد الله وأثنى

ٰ

عليه ، وممّا جاء في خطبته :

« أيها الناس ، من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا الحسن ابن علي ، وأنا ابن النبي ، وأنا ابن الوصي ، وأنا ابن البشير ، وأنا ابن النذير ، وأنا أبن الداعي إلى الله بإذنه ، وأنا ابن السراج المنير ... »

(1).

وعن أبي الطفيل ، قال : خطبنا الحسن بن علي بن أبي طالب ، فحمد الله وأثنى

ٰ

عليه ، وذكر أمير المؤمنين علياً (رضي الله عنه) خاتم الأوصياء ووصيّ سيد الأنبياء وأمين الصدّيقين والشهداء ... ثم ذكر الخطبة بطولها (2).

7 ـ وخاطب الإمام الحسين الشهيد (عليه السلام) في العاشر من المحرم سنة 61 ه أهل الكوفة قائلاً :

« أما بعد ، فانسبوني فانظروا من أنا ، ثمّ ارجعوا إلى انفسكم وعاتبوها ، فانظروا هل يحلّ لكم قتلي وانتهاك حرمتي ؟ ألست ابن بنت نبيكم

(صلى الله عليه وآله وسلم)

، وابن وصيه ، وابن عمّه ، وأول المؤمنين بالله ، والمصدّق لرسوله بما جاء من عند ربّه ؟ »

(3).

8 ـ وعن أبي عثمان النهدي : أن الحسين (عليه السلام) كتب إلىٰ رؤوس الأخماس بالبصرة وإلى الأشراف ، كتاباً وأرسله مع سليمان مولاه ، جاء فيه :

« أما بعد ، فإنّ الله اصطفىٰ محمّداً

(صلى الله عليه وآله وسلم)

على خلقه ، وأكرمه بنبوته ، واختاره لرسالته ، ثمّ قبضه الله إليه وقد نصح لعباده ، وبلّغ ما أُرسِل به

(صلى الله عليه وآله وسلم)

، وكنا أهله وأولياءه وأوصياءه وورثته ، وأحقّ الناس بمقامه في الناس ، فاستأثر علينا قومنا

____________

(1) المستدرك / الحاكم 3 : 172 ، ذخائر العقبيٰ : 138 ، الذرية الطاهرة / الدولابي : 110 / 114 ـ جماعة المدرسين ـ قم.

(2) مجمع الزوائد 9 : 149.

(3) تاريخ الطبري 5 : 424 ، الكامل في التاريخ 2 : 419 حوادث سنة 61 ه.