كتاب القضاء - ج2

- الميرزا حبيب الله الرشتي المزيد...
312 /
1

[تتمة المقصد الثاني في كيفية القضاء]

تحقيق السّيد أحمد الحسيني

2

من منشورات دار القرآن الكريم (قم- إيران) مطبعة الخيّام- قم (1401 ه)

3

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء و المرسلين، محمد سيد الأولين و الآخرين، و على آله و ذريته الطيبين الطاهرين، و اللعنة الدائمة على أعدائهم إلى يوم الدين.

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

القول في الشاهد و اليمين

يبحث فيهما عن جهات في ضمن التقاطات:

التقاط [القضاء بالشاهد و اليمين و الدليل عليه]

يقضى بالشاهد و اليمين في الجملة بالإجماع بل بالضرورة، و الروايات عليه من طرق العامة و الخاصة مستفيضة، و من طرق الخاصة ما رواه عبد الرحمن ابن الحجاج قال: دخل الحكم بن عيينة و سلمة بن كهيل على أبي جعفر (عليه السلام) فسألاه عن شاهد و يمين فقال: قضى به رسول اللّه (ص) و علي (ع) بالكوفة فقالا: هذا خلاف القرآن. فقال: و أين وجدتموه خلاف القرآن؟ فقالا: ان اللّه تبارك و تعالى يقول «وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ» (1). فقال (عليه السلام) لهما:

فقوله «وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ» هو أن لا تقبلوا شهادة واحد و يمينا (2).

نقول: لعلهما ما قرءا القرآن حتى يعلما موضع هذه الآية، فإنها وردت في

____________

(1) سورة الطلاق: 2.

(2) الوسائل ج 18 ب 14 من أبواب كيفية الحكم ح 6.

6

الطلاق و لم يقل فيه أحد بكفاية شاهد و يمين، و لو قرءا قوله تعالى «وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجٰالِكُمْ» (1) كان أحسن، و حينئذ فالجواب: أولا ما أشار إليه الإمام بطريق الإنكار و الرد، أعني عدم دلالتها على عدم قبول شاهد و يمين. و ثانيا ان الأمر في هذه الآية للإرث أولان ترك الاشهاد في معرض الوقوع في النزاع، فلا مساس له بالمقام أعني عدم جواز القضاء بالشاهد و اليمين.

فان قلت: لو كان هذا كافيا لما كان وجه لاعتبار التعدد في الشاهد، إذ الشاهد الواحد حينئذ يكفي في الفرار عن خوف ذهاب الحق.

قلنا: أولا ان التعدد في الشاهد يمنع من إنكار المشهود عليه دون الوحدة، و ثانيا ان التعدد آكد في مقام إلزام الخصم، فيكون ذكره في مقام الإرشاد أولى مما هو دونه في الإلزام- أعني الشاهد.

ثمَّ قال (عليه السلام): ان عليا (ع) كان قاعدا في مسجد الكوفة فمر به عبد اللّه ابن قفل التميمي و معه درع طلحة، فقال له علي: هذه درع طلحة أخذ يوم البصرة غلولا. فقال له عبد اللّه بن قفل: فاجعل بيني و بينك قاضيك الذي نصبته للمسلمين، فجعل بينه و بينه شريحا، فقال له علي (عليه السلام): هذه درع طلحة أخذت غلولا يوم البصرة. فقال له شريح: هات على ما تقول بينة. فأتاه بالحسن (ع) فشهد أنها درع طلحة أخذت غلولا يوم البصرة فقال: هذا شاهد و لا أقضي بشهادة واحد حتى يكون معه آخر. قال: فدعا قنبرا فشهد أنها درع طلحة أخذت غلولا يوم البصرة، فقال شريح: هذا مملوك و لا أقضي بشهادة مملوك. قال: فغضب (ع) و قال: خذها فان هذا قضى بالجور- ثلاث مرات- فقال له: ويلك أو ويحكم اني لما أخبرتك أنها درع طلحة أخذت غلولا يوم البصرة

____________

(1) سورة البقرة: 272.

7

فقلت هات على ما تقول بينة و قد قال رسول اللّه صلى اللّه (صلى اللّه عليه و آله): حيث ما وجد غلول أخذ بغير بينة (1).

نقول: الغلول دخول شيء في شيء بالرفق كدخول الماء في الشجر، و الغول هنا مال عن الغنيمة أخذ على نحو يشبه بالسرقة قبل القسمة.

و معنى قوله (صلى اللّه عليه و آله) ان مدعي أخذ الغنيمة يصدق بلا بينة و لا يمين بعد معلومية كونه من الغنيمة، و أما مع الشك فيه و كون الدعوى في أصل كونه من الغنيمة فلا معنى لأخذه بلا بينة، و حينئذ فالحكم على طبق القواعد، لان مدعي كونها على غير وجه الغلولية مدعي مطالب بالبينة لموافقة قول منكره للأصل بل الأصول.

و وجه استشهاد الامام (عليه السلام) في درع طلحة بقول رسول اللّه (ص) أنه لما كان كون الدرع درع طلحة و كونه من الغنيمة أمرا معلوما و كان دعواه (عليه السلام) أنه أخذ غلولا- يعني بدون اذن الامام و تقسيم الغنيمة- كان مطالبة البينة منه (عليه السلام) قضاء جوريا.

ثمَّ قال (عليه السلام): فقلت لم يسمع هذا الحديث فهذه واحدة، ثمَّ أتيتك بالحسن فشهد فقلت هذا واحد و لا أقضي بشهادة واحد حتى يكون معه آخر، و قد قضى رسول اللّه (ص) بشاهد واحد و يمين فهذه ثنتان، ثمَّ أتيتك بقنبر فشهد أنها درع طلحة أخذت غلولا يوم البصرة فقلت هذا مملوك و لا أقضي بشهادة مملوك و لا بأس بشهادة المملوك إذا كان عدلا، ثمَّ قال: ويلك أو ويحك امام المسلمين يؤمن من أمورهم على ما هو أعظم من هذا.

صدق اللّه العلي العظيم و صدق رسوله الكريم و وجهه العليم.

____________

(1) نقس الحديث السابق و بقيته.

8

التقاط [هل الشاهد و اليمين معا حجة للمدعي؟]

هل الشاهد و اليمين هما معا حجة للمدعي، أو أن الحجة و هو الشاهد و اليمين شرط، أو العكس؟

قيل: و تظهر الفائدة في الغرم و قدره مع رجوع الشاهد: فعلى الأول يغرم الشاهد النصف، و على الثاني الكل، و لا يلزم شيئا على الثالث.

استدل على الأول بظاهر النصوص الدالة على توقف القضاء بهما معا و يتوقف كل منهما على الأخر، فيكون الحجة مركبة منهما.

و على الثاني بأن اليمين قول المدعي فلا يكون حجة على المنكر بل هو شرط كيمين الاستظهار، و الاولى الاستدلال عليه بنحو «البينة على المدعي و اليمين على من أنكر» بعد دعوى صدق البينة على الشاهد الواحد كصدقها على أربعة مثلا، فان الشاهد يكون حينئذ كالشاهدين في الحجية و ان اشترط بشيء كالبينة في الدعوى على الميت.

و على الثالث بأن اليمين جزء آخر للعلة فيكون هو الحجة، و الاولى الاستدلال عليه بأن الشاهد انما هو لتقوية جانب المدعي و صيرورة المقام به مقام إحلاف المدعي، إذ عرفت سابقا أن الحلف انما هو على من يقوي جانبه منكرا كان أو مدعيا، و ان اختصاص المنكر به غالبا انما هو لقوة جانبه للأصل، فلو قوى جانب المدعي للأمارة نوعية أو شخصية انقلب الأمر. و الشاهد الواحد ليس من موازين القضاء أبدا، و انما فائدته تقوية جانب المدعي ليحلف، فالحلف هو الحجة بحكم قوله (عليه السلام) «إنما أقضي بينكم بالبينات و الايمان» (1)، و انما يحتاج في استعماله الى الشاهد ليصير المقام مقامه.

____________

(1) الوسائل ج 18 ب 2 من أبواب كيفية الحكم ح 1.

9

و كيف كان فلا جدوى في هذا النزاع و ما ذكره من الثمرة بل واضح، لان الحلف سواء كان شرطا أو شطرا أو مشروطا فله مدخل في الحكم و سبب في الإتلاف على المحكوم عليه، و هذا القدر يكفي في ضمان الحالف للنصف، لأن تأثير المقتضي و الشرط في مسألة الضمان على نحو واحد و ان كان تأثير الأول آكد، و هو واضح.

التقاط [لو قدمت اليمين على الشاهد وقعت لاغية]

يشترط في الشاهد و اليمين تقديم الشاهد على اليمين و تعديله، بلا خلاف موجود بيننا. فلو قدمت اليمين وقعت لاغية.

و الأصل في المسألة بعد الإجماع هو الاقتصار فيما خالف الأصل على القدر المتيقن، و لم يثبت في الشاهد و اليمين الا ذلك. و يؤيده الترتيب الذكرى في أخبار المسألة، و ليس في الأدلة إطلاق في المقام، لورودها في مقام أصل تشريع الشاهد و اليمين.

و ربما يذكر له بعض الوجوه و الاعتبارات قابلة للمناقشة، مثل ما في المسالك من كون الحجة هو الشاهد و اليمين متممة له و وظيفة المتمم التأخير، و مثل ما عن كشف اللثام من أن الشاهد يوجب تقوية جانب المدعي فيحلف كالمنكر، فقبل قيام الشاهد لا مورد للحلف. و الوجه الأول مبني على كون الحجة الشرعية هو الشاهد و اليمين شرطا، و الثاني على العكس، و شيء منهما ليس بثابت، و ان ذكرنا للأخير وجها في الالتقاط السابق.

نعم يمكن أن يكون سر ما ذهب إليه الأصحاب هو ظهور أدلة الحلف في أنه لا بد أن يكون الحلف بعده الحكم، فلو قدم على الشاهد لم يقع الحكم

10

بعده. و هو موافق للاعتبار أيضا، لأن قضية التعظيم عدم تخلف الحلف عن القضاء، و هو انما يتم إذا كان جزءا أخيرا للميزان أو بمنزلة الجزء الأخير، إذ لو كان الجزء الأول فربما لا يلحقه الجزء الأخير فلا يتعقبه حكم.

و قد استفدنا من الأدلة نحو قوله «من حلف باللّه فصدقوه» (1) خلاف ذلك، و الأمر فيه سهل بعد وضوح أصل الحكم.

التقاط (في مورد الشاهد و اليمين و مقام استعمالهما)

اعلم أن الدعوى اما أن تكون في شيء متعلق باللّه سبحانه و يسمى بحق اللّه أو في أمر متعلق بالادمي و يسمى بحق الناس، و الأول مثل رؤية هلال رمضان و نحوها من الموضوعات التي تستتبع أحكاما شرعية، و الثاني على أقسام أربعة:

الأول: أن لا يكون مالا و لا مستتبعا لمال كحق القذف.

الثاني: أن يكون بالانحصار.

الثالث: أن يكون غير مال مستتبعا للمال.

و هذا أيضا على قسمين: أحد هما ما كان المقصود الأصلي منه مالا كالبيع و الصلح و حق الخيار و حق الشفعة و نحوها، و الثاني ما لم يكن كذلك و ان استتبع المال دائما كالنكاح إذا كان المدعي مرأة أو أحيانا كالقصاص فإنه قد يستتبع مالا، كما إذا كان على المقتضى منه ديون مؤجلة بناء على كون الموت سببا لتعجيل ما على الميت من الديون.

إذا تحقق ذلك فالقسم الأول- و هو حق اللّه المحض- لا يثبت بالشاهد

____________

(1) الوسائل ج 16 باب وجوب الرضا باليمين من كتاب الايمان ح 1 بلفظ «من حلف باللّه فليصدق».

11

و اليمين، إذ المحلوف له انما هو اللّه تعالى و لا فائدة بالنسبة الى اللّه تعالى كما مر سابقا، و لعل هذا إجماعي عندنا.

و أما باقي الأقسام ففي ثبوتها بها مطلقا أو التفصيل بين الحق الغير المالي المحض و بين ما عداه فيثبت الثاني مطلقا دون الأول و اختصاص الحكم بخصوص الديون من قسم الحقوق المالية. وجوه و احتمالات:

(أما الأول) فلم نجد قائلا به الا أن إطلاق كثير من الأدلة يقتضيه:

و منها- حديث استخراج الحقوق بأربعة بناء على ما هو الظاهر في مقابلة الجمع بالجمع من الاستغراق (1)، بمعنى ثبوت كل واحد من الحقوق بكل واحد من الأربعة، خصوصا بعد ملاحظة ما فيه من بعض الشواهد، حيث اشتمل على ذكر الأربعة بنحو الترديد و الترتيب المشعرين بصلاحية كل مقام لمجيء الأربعة بعد فقد الأول ثمَّ الأول.

لكن ورد في مقابلها أدلة مقيدة لا طلاقها بخصوص الدين، مضافا الى ما في خصوص حديث الاستخراج من قابليته للإهمال و وروده في مقام أصل بيان جنس الموازين في جنس الحقوق لا في مقام بيان تمام الحكم.

منها- الجعفري: كان رسول اللّه (ص) يجيز في الدين شهادة رجل واحد و يمين صاحب الدين و لم يكن يجيز في الهلال إلا شاهدي عدل (2). دل بظاهره على انحصار موردهما بالدين.

لا يقال: هذه حكاية حال لا تدل على أزيد من كون الصادر من الرسول (ص) هو القضاء بها في خصوص الدين، و من أين يستفاد الحصر، لان عدم قضاء الرسول في غيره لا يدل على عدم جواز القضاء بهما فيه.

____________

(1) الوسائل ج 18 ب 14 من أبواب كيفية الحكم ح 1.

(2) الوسائل ج 18 ب 14 من أبواب كيفية الحكم ح 2.

12

لأنا نقول: ليس المراد أن الرسول قضى بهما في الدين دون غيره فلا يجوز ضرورة عدم اقتضائه لذلك، بل المراد أن كلام الامام (ع) مسوق لبيان شرعية القضاء بهما و بيان موردهما، و الا فلا جدوى في ذكر الدين و ان كان الصادر من الرسول (ص) هو القضاء بهما فيه خاصة، إذ ليس في بيان جميع خصوصيات الأمر الواقع فائدة.

و أيضا في لفظ «كان» دلالة على بيان ما عليه عادة الرسول لا ما وقع في زمانه (صلى اللّه عليه و آله).

و منها- الجعفري أيضا، و فيه: فكان رسول اللّه (ص) يقضي بشاهد واحد و يمين صاحب الحق، و ذلك في الدين (1).

و دلالته أوضح، لأن ظاهر قوله (عليه السلام) «و ذلك في الدين» بيان ما شرع فيه القضاء بهما لا ما وقع فيه قضاء الرسول (ص).

و منها- قوله (عليه السلام) أيضا: قضى رسول اللّه (ص) بشهادة رجل مع يمين الطالب في الدين وحده (2).

و هو أظهر دلالة منهما، لمكان لفظة «وحده» الظاهرة أو الصريحة في الاحتراز عما عدا الدين.

و حمله على بيان ما وقع فيه قضاء الرسول (ص) ركيك قريب باللغو في كلام الامام (عليه السلام)، إذ بيان أن الرسول ما قضى بهما في غير الدين لو لم تكن لتحديد محلهما و موردهما من الدعاوي، لم يتصور له فائدة مصححة لصدوره من الامام (ع).

ثمَّ لا يتوهم أن المثبتين لا يقيد فيهما، لان المثبتين في الأحكام الوضعية،

____________

(1) الوسائل ج 18 ب 14 من أبواب كيفية الحكم ح 5.

(2) الوسائل ج 18 ب 14 من أبواب كيفية الحكم ح 10.

13

خصوصا إذا كان المقيد في مقام التحديد، و إعطاء الميزان يقيد مطلقهما بالمقيد.

فظهر أن احتمال ثبوت كل حق آدمي و لو لغير المالي بهما لا مجال له.

ثمَّ نقول: ان المراد بالدين ليس هو الدين بالمعنى الأخص، أعني الأمر الثابت في الذمة بعد خروج مثل الإنفاق على واجب النفقة و نحوها من الحقوق المالية الغير المستقرة في الذمة، و كذا خروج مثل المبيع و الصلح و نحو هما من أسباب الملك. فالدين مثال عن كل مال أو كل شيء يكون المقصود الأصلي منه المال، فلا حاجة في إلحاق العين به الى الإجماع المركب، فبطل الاحتمال الأخير الذي حكي القول به من غير واحد من القدماء. و لعلهم أرادوا أيضا بالدين ما قلنا، أعني مطلق الحقوق المالية سواء كان دينا أو عينا أو شيئا يقصد منه أحدهما، فتعين الاحتمال الثاني.

ثمَّ ان تميز الحق المالي عن غيره و تميز ما يقصد منه المال عن غيره لا يخلو عن غموض، إذ لو جعلنا المدار على القصد الشخصي لزم خروج مثل دعوى الخيار الغير المقصود منه في الواقعة الشخصية يحصل المال، و لو جعلنا المدار على القصد النوعي لزم خروج مثل النكاح مطلقا حتى ما لو كان المدعي هي الزوجة، لأن وضع النكاح ليس لتحصيل المال و ان ترتب عليه غالبا أو دائما.

و لو جعل المدار على أحد الأمرين كان أمتن، لأن العبرة بصدق كون الدعوى في الدين بالمعنى الأعم، فلو كان المدعى به مالا أو شيئا وضع لأجل تحصيل المال صدق أن الدعوى في الدين و ان علمنا من حال المدعي أن غرضه ليس تحصيل المال.

و كذا لو كان المدعى به في خصوص الواقعة الشخصية شيئا مستتبعا للمال و كان غرض المدعي أيضا تحصيل المال كالقصاص فيما لو كان على المدعى عليه ديون مؤجلة، صدق أيضا أن الدعوى في الدين.

14

الا أن الذي يظهر من الأدلة و من كلام الأصحاب كون المدار على الوضع النوعي، فكلما وضع بحسب النوع لجلب المال فيثبت بالشاهد و اليمين.

ثمَّ ان ذا الجنبتين و الموارد المشكوكة حكمها واضح، فإن الأول كالسرقة مثلا يعمل فيه بالنسبة الى كل جهة ما هو وظيفتها، و الثاني يرجع فيه الى الأصل و القواعد و هو عدم الثبوت.

هذا إذا كانت الشبهة غير موضوعية، و أما إذا كانت موضوعية فهي غير متصورة إذا كان المدار على القصد النوعي كما لا يخفى. نعم لو اعتبر القصد الشخصي أيضا فلا يبعد إيقاف الحكم حتى يستفسر عن قصد المدعي. و اللّه العالم.

التقاط [حلف جماعة من المدعين في الدعوى الواحدة]

لو ادعى جماعة مالا لمورثهم مثلا حلفوا أجمع مع شاهدهم و ثبت الدعوى و لو حلف بعض أخذ نصيبه و لم يكن للممتنع مشاركة معه- كذا في الشرائع.

و إطلاقه لا يفرق بين كون المدعى به عينا أو دينا، لكن الفاضل في محكي التحرير و الإرشاد و القواعد فرق بينهما، فحكم بمشاركة الممتنع معه فيما أخذ إذا كان عينا. و استشكل في المسالك الفرق بين ما نحن فيه و بين ما لو أقر المدعى عليه لأحدهما فإنه يشاركه الأخر فيما وصل اليه.

فهنا إشكالان: أحدهما الفرق بين الشاهد و اليمين و بين الإقرار، و الثاني الفرق بين العين و الدين في الشاهد و اليمين.

ثمَّ ان هنا اشكالا ثالثا، و هو الفرق بين المقام و بين ما عليه الأكثر من أن الدين المشترك بين الاثنين كل ما يحصل أحد الشريكين منه مشاركة الأخر ان شاء و لو نوى الدافع كونه للأخذ.

15

و يمكن دفع هذا الإشكال بأن الدين المشترك متعين في الخارج بتعيين المديون، فاذا تعين جرى على ذلك العين الخارجي حكم الشركة، و لا يؤثر فيه تعيينه لأحد الشريكين، لأنه ليس له ولاية على تقسيم ذلك المشترك، و كذا ليس للأخذ أيضا ذلك، فيبقى مراعى بإجازة الأخر. بخلاف ما يعينه المدعى عليه في المقام في الخارج للحالف، فإنه لم يعينه على أن يكون تعيينا للدين المدعى به، إذ المفروض إنكاره و عدم اعترافه بالدين، فذلك العين باق في ملك المدعى عليه و انما يأخذه الحاكم للحالف بحكم الشرع المستند الى الحلف، فلو حكم بمشاركة غير الحالف معه لزم كون اليمين مثبتة مالا لغير الحالف، و هو غير جائز سواء كان مستقلا كحلف الوكيل لإثبات مال الموكل أو الولي لإثبات المال المولى عليه أو في ضمن إثبات مال للحالف كما إذا كانا شريكين.

فان قلت: لو شاركه الأخر فإنما يشاركه بمقتضى اعترافه بالشركة لا لأجل الحلف، لان الحلف متعلقه أمر كلي في الذمة و لا شركة فيه و متعلق الشركة انما هو المأخوذ الخارجي، و هذه الشركة انما جاءت بمقتضى اعتراف الحالف بالشركة في الدين.

قلنا: متعلق الاعتراف أيضا هو المشاركة في الدين الكلي الثابت في ذمة المدعى عليه، و كلما يوجد من ذلك الدين في الخارج، و أما المأخوذ فليس مصداقا لذلك الدين، لان المفروض عدم قصد الدافع كونه وفاء للدين حتى يجري فيه حكم الشركة بمقتضى الاعتراف، فهو في الواقع و الظاهر ملك طلق للمدعي عليه و انما يدفعه الى الحالف غصبا عليه بحسب حكم الحاكم، فليس ذلك مما يقتضي الاعتراف بأصل الشركة في الدين المشاركة فيه، فلو شاركناه مع الحالف لكان الحلف مثبتا لمال الغير.

لا يقال: نية الحاكم هنا قائم مقام نية الدافع فيجب أن يتشاركا، لان الحاكم

16

انما حكم بدفعه وفاء للدين المشترك، فيكون ذلك المدفوع حصة من الدين المشترك و الا لم يجز للحالف أيضا أخذه إلا تقاصا.

لأنا نقول: لم يثبت ترتب ذلك الحكم الوضعي على حكم الحاكم، بمعنى كون حكمه و نيته بمنزلة نية المديون في تعيين الدين الكلي، و انما ثبت جواز أخذ الحالف بمقتضى الحكم.

هذا، و قد يناقش فيه: بأن الحالف يأخذه بعنوان كونه من الدين لا بعنوان المقاصة، فيشاركه الأخر بمقتضى اعترافه بكون المأخوذ حصة من الدين المشاع.

و منه يظهر الفرق بين المأخوذ بالحلف و المأخوذ بالمقاصة، فإنه لا مشاركة في الثاني قطعا بخلاف الأول فإن قضية الإشاعة مشاركتهما فيما يحصل للحالف فيه، الا أن المشهور لعله الأول.

و مما ذكرنا ظهر الفرق بين العين و الدين أيضا، لأن العين لما كانت ذاتها مشتركة مشاعة بينهما جرى على ما يحصل منها في يد الحالف حكم الإشاعة، و ليس كالدين محتاجة إلى القصد و النية حتى تتشخص في الخارج على وجه الإشاعة، فالمأخوذة من العين مشاعة بينهما قبل الأخذ و بعده، بخلاف المأخوذ من الدين فإنه قبل الأخذ ملك طلق للمدعي عليه و بعد الأخذ يصير ملكا للحالف.

و أما الفرق بين ما نحن فيه و بين الإقرار فهو أيضا واضح، و ان كان في إلحاقه بالمقام أيضا وجه من حيث أن المدعى عليه منكر للآخر فيكون مثل ما نحن فيه. الا أن الأظهر الحاقه بالمعترف بها، لأنه باعتبار اعترافه لأحدهما يتعين ما يدفعه اليه للدين، فيجري فيه حكم الشركة بمقتضى اعترافه.

و المسألة من حيث هذه الإشكالات تحتاج الى تتبع و تأمل مزيدين. و اللّه العالم.

17

التقاط [البطون الموقوف عليهم متعاقبا] [هل يأخذون الوقف بلا يمين]

لو ادعى بعض أن الميت وقف عليهم دارا مثلا و بعدهم على نسلهم مترتبا، فان حلف المدعون مع شاهدهم قضى لهم بالوقفية و لا يؤدى منها دين و لا ميراث و لا وصية، فان انقرضوا معا أو على التعاقب فهل يأخذ البطن الثاني الدار من غير يمين أو يتوقف عليها؟

صرح في الشرائع بعدم الاحتياج الى يمين مستأنفة، لأن الثبوت الأول أغنى عن تجديده، لكن في المسالك: فيه وجهان مبنيان على أن البطن الثاني يتلقون الوقف من البطن الأول دون الواقف، فعلى الأول كما هو الأشهر فلا حاجة الى اليمين، كما إذا أثبت الوارث ملكا بالشاهد و اليمين ثمَّ مات فان و إرثه يأخذه بغير يمين- انتهى.

و فيما ذكره اشكال من وجهين:

(أحد هما) انهم ذكروا في باب الوقف أن إجارة البطن الأول للوقف الى ما بعد انقراضهم باطلة لتعلق حق البطن الثاني بالوقف، معللين بأن البطن الثاني يتلقون الوقف من الواقف دون البطن الأول. و لم يخالف فيه أحد. و ان احتمل المحقق (ره) صحة الإجارة مع كون الأجرة للبطن الثاني، و هذا كيف يجامع ما ذكره من تلقيهم الوقف من البطن الأول.

(و الثاني) ان مسألة تلقي الوقف من البطن الأول أو من الواقف ليس معنونا في كلام القوم على وجه يمكن تحصيل الشهرة على أحد طرفيها، فكيف ذكر أن الأشهر التلقي من البطن الأول.

18

و يمكن دفع الإشكال الأول بأن المراد بتلقي الوقف من الواقف في مسألة الإجارة غير المراد به في المقام و أمثاله، لأن المراد به في باب الإجارة عدم كون الوقف منتقلا من البطن الأول الى الثاني نحو انتقال الإرث، و هو حق سواء قلنا بأنهم يلقون من الواقف أو من البطن الأول، إذ خروج الوقف من ملك الأول و دخوله في ملك الثاني على القول بتلقيهم من الأول ليس على نحو تلقي الإرث من المورث، لان المورث يترك ماله للوارث بجعل اللّه تعالى و حكمه بخلاف البطن الأول فإنهم يتركون الوقف للبطن الثاني بجعل الواقف.

و ان شئت قلت: ان زوال ملكية المورث عن التركة و دخولها في ملك الوارث ليس لأجل قصور في ملكية التركة للمورث و نقصان فيها بل لأجل قصور في المالك لان الميت لا يملك، بخلاف زوال ملكية الوقف للبطن الأول فإنه لأجل نقصان و قصور في نفس الملك دون المالك، و ان كان هو أيضا قاصرا باعتبار الموت.

و أما المراد به في المقام و أمثاله فهو معنى آخر، و هو أن يكون الوقف داخلا في ملك البطن الثاني في عرض دخوله في ملك البطن الأول، من غير فرق الأمن حيث تقدم زمان ملكهم على زمان ملك الثاني، فيكون المراد التلقي من البطن الأول في مقابل هذا المعنى، و هو أن يكون الواقف داخلا في ملك الثاني مترتبا على دخوله في ملك الأول.

و بعبارة أخرى: التلقي من الوقف مرجعه الى أن الواقف ملّك العين برهة من الزمان البطن الأول و برهة البطن الثاني و هكذا، لا بمعنى تجديد أصل الملك، فان الملك لا يعقل تجديده، بل بمعنى جعل الزمان قيدا للمملوك. فالعين المقيدة بكونها خمسين سنة مملوكة للبطن الأول و المقيدة بخمسين بعده مملوكة للثاني و هكذا. نظير تقييد المنفعة، فإن من يملك منفعة سنة من الدار فإن جعل الملك

19

المؤبد و ان كان المملوك- و هي المنفعة- محدودة. و مرجع التلقي من الأول أن الواقف ملكهم ليس الا لكن وجه خاص يرجع الى نقصان و قصور في أصل الملكية، بأن جعله متعلقا لحق البطن الثاني و تملكهم على نحو يستلزم انتقاله الى البطن الثاني و منه الى الثالث و هكذا، فالملك و المملوك على الثاني مستبدان لكن الملك ملك مخصوص متعلق بحق غير المالك، و على الأول فالملك مؤبد تام و الملك محدود نظير تحديد المنفعة.

فظهر الفرق بين التلقي من الواقف أو من الأول، كما ظهر الفرق بين التلقي من الواقف في باب الإجارة و بين التلقي من الواقف في هذا المقام و نظائره، مثل ما قالوا في قبض الوقف من كفاية قبض الأول لأن الثاني يتلقون منه لا من الواقف.

و يمكن رفع الإشكال الثاني بأن الأشهر في كلامه (قدس سره) صفة للمبني بملاحظة التفريع لا لنفسه، لان المشهور عدم احتياج تجديد اليمين، فقوله «كما هو الأشهر» معناه أن التلقي من الأول أشهر من جهة أن عدم تجديد اليمين هو الأشهر لا أن التلقي من الأول في نفسه هو الأشهر. و هذا نظير دعوى الإجماع على الحكم بزعم اندراجه تحت أصل مجمع عليه.

و هذا وجه في العبارة و ان كان بعيدا، و هذا هو الكلام في المبنى.

و أما التفريع و البناء فيمكن النظر فيه من الطرفين:

(فقد يقال) بتلقيهم من البطن الأول مع لزوم تجديد اليمين كما ذهب اليه بعض مشايخنا، لأن أصل الملك للبطن الثاني مسبب عن فعل الواقف، فهم مع البطن الأول سواء في كون كل منهما مدعيا على سائر الورثة، فعلى كل منهما الحلف، لان حلف الشخص لا يجدي في إثبات مال للغير، و مجرد التقدم الرتبي و الترتيب في الملك لا يغني عن حلف المتأخر.

20

(و قد يقال) بتلقيهم من الواقف مع عدم الحاجة الى تجديد اليمين، لان البطون بمنزلة شخص واحد من جهة اتحاد سبب التمليك و ان كان ملكهم على نحو الترتيب دون التشريك، فيكون حلف البطن الأول مغنيا، لأنه إذا حلف بعض المجموع فقد حلف المجموع، و لذا يكتفي في القبض بقبض البطن الأول مع اشتراط الوقف بالقبض.

و الحاصل ان ما ذكره (قدس سره) من التفريع ليس محل القبول كل القبول، بل للمناقشة فيه مجال واسع و على الناظر التأمل.

[لو كان الوقف للجنس يبطل لامتناع إثباته بالحلف]

و لو كان الاستحقاق بعد الأولاد للفقراء- أي للجنس- بطل الوقف لامتناع إثباته بالحلف، إذ المستحق إذا كان هو الجنس لم يصدق على فرده المدعى حتى يسمع منه الحلف و عادت الدار إرثا، اما لبطلان الوقف من أصله لكونه أمرا ظاهريا ثابتا بموجب حلف البطن المنقرض فيرجع الى مقتضى الأصل، أو لصيرورته حينئذ كالوقف المنقطع الأخر الذي حكمه العود الى ملك الوارث، و على الأول فالعبرة بالوارث حين موت الواقف، و على الثاني يحتمل ذلك أيضا و يحتمل كون العبرة بحين الانقطاع كما يحتمل غير هما أيضا من الوجوه المذكورة في المنقطع الأخر.

و في المسالك يحتمل صرفه إلى أقرب الناس الى الميت. و هو بظاهره لا وجه له الا أن يكون المراد صرفه الى وجوه البر، فان الشيخ في محكي المبسوط ذكر ذلك ثمَّ قال: ان أقرب وجوه البر هو الصرف على أقرباء الميت الأقرب فالأقرب، لان خير الصدقة هي الصدقة على الأقارب، و لعله المراد كما يعلم من ملاحظة المبسوط.

21

هذا كله إذا حلف المدعون أجمع، فإن امتنعوا عن الحلف أجمع حكم بالدار ميراثا و لهم إحلاف باقي الورثة المنكرين ان ادعوا عليهم العلم بالوقفية و نصيبهم وقف بمقتضى إقرارهم على أنفسهم، فإن ماتوا صرف حقهم إلى أولادهم على سبيل الوقف دون الإرث، لأن إقرار مورثهم نافذ عليهم.

هذا إذا كان الوارث و البطن الثاني متحدين، فان اختلفا صرف الى البطن الثاني وقفا و لا يعطى الوارث لإقرار مورثهم، و هل يحتاج البطن الثاني إلى اليمين في أخذهم له وقفا؟ في المسالك وجهان مبنيان على تلقي الوقف كما تقدم.

و يشكل ذلك بأن البطن الثاني لا معارض له لأنهم الوارث، و لو فرض كون الوارث غيرهم فهم ممنوعون عن الإرث بإقرار مورثهم، فلا مدعي للبطن الثاني حتى يحلفوا له.

و يمكن أن يقال: ان الحاكم يحلفهم باعتبار رجوع أمر الوقف اليه بعد فرض حرمان الوارث فلا يعطيه مدعي الوقفية بلا يمين، و هل للأولاد أن يحلفوا على أن جميع الدار وقف كما كان ذلك للبطن الأول؟ في المسالك فيه وجهان:

من كون الأولاد تبعا لا بأيهم فإذا لم يحلفوا لم يحلفوا، و من أنهم يتلقون الوقف من الواقف فلا تبعية.

و فيه: ان المقتضي للحلف موجود و المانع مفقود، لان البطن الثاني سواء كان متلقى من البطن الأول أو من الواقف يدعون وقف الدار عليهم، و هي دعوى ممنوعة فلهم الحلف مع شاهدهم، و تلقيهم من الأول ليس يرجع الى نحو الإرث كما عرفت، فلا ربط له بالمقام.

و هل يكفيهم اقامة البطن الأول الشاهد، إذ لا بد لهم من تجديد اقامته؟

22

و الثمرة تظهر عند خروج الشاهد عن شرائط القبول في عصر البطن الثاني.

و سيجيء إنشاء اللّه تعالى في باب الشهادات تحقيق هذا المقام.

و لا يبعد القول بالكفاية، لان الخصوم بمنزلة الخصم الواحد لاتحاد دعواهم فلا يقاس بغيرهم في عدم الكفاية، لأن المناط في اتباع الشاهد استجماعه لشرائط القبول عند المتبع لا عند غيره.

و لو حلف بعضهم و نكل بعض- بأن كانوا ثلاثة فحلف واحد و نكل اثنان- أخذ الحالف الثلث و الباقي تركة يقضى منه الديون و الوصايا و ما فضل يقسم بين من عدا الحالف من الورثة كما عن المبسوط. و قيل يقسم على الكل حتى الحالف، و لا وجه له وجيه.

نعم لو كان نصيب الحالف إرثا أكثر من نصيبه وقفا كان الزائد في حكم مجهول المالك، لان الحالف ممنوع منه بإقراره اوقفية الموجبة لنقصان حظه و كذا الوراث لإنكارهم الوقف، فالزائد بزعمهم مال الحالف و يجري عليه حكم مجهول المالك، و هي الصدقة بناء على جريانه في كل مال امتنع إيصاله إلى مالكه و لو كان معلوما تفصيلا أو إجمالا، نظرا الى عموم مناط دليله و هو كون الصدقة أقرب طرق الإيصال المأمور به حينئذ. و يحتمل فيه القرعة بناء على معارضة من خرجت باسمه بإقرار الأخر فيدس حينئذ في مال من خرجت باسمه. و يحتمل الصلح بين الحالف و بين من عداه.

و هذه الوجوه الثلاثة تحتمل في كل مال مردد بين اثنين ينفيه كل منهما عن نفسه، و الأول أوجه ثمَّ الثاني. و اللّه العالم.

23

القول في كتاب قاض الى قاض

التقاط [عدم الاعتداد بكتاب القاضي في القضاء] المعروف بين أصحابنا (ره) عدم الاعتداد بكتاب القاضي، و قد روى طلحة و السكوني عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) أن عليا (ع) كان لا يجيز كتاب قاض الى قاض لا في حد و لا في غيره الى أن ولت بنو أمية فأجازوا بالبينات (1).

و سند رواية السكوني إلى السكوني على ما أخبر به شيخنا دام ظله صحيحة، و السكوني عامي الا أن رواياته معمول بها عند الأصحاب، فلا شين فيها من حيث السند.

و أما دلالتها ففيها بعض الكلام، لأنها كالصريحة في أن عليا (عليه السلام) كان لا يجيز كتاب القاضي مطلقا حتى مع البينة، بقرينة مقابلة فعل بني أمية لفعله (ع)، مع أن الكتابة الثابتة بالبينة كالقول الثابت به في بعض الفروع.

و توضيح الحال أن يقال: ان إنهاء الاحكام و ابلاغها الى الحكام قد يكون

____________

(1) الوسائل ج 18 ب 28 من أبواب كيفية الحكم ح 1.

24

مع الواسطة و قد يكون بدونها، و الوسائط بعد خروج الوسائط المفيدة للعلم منحصرة في البينة و إقرار المدعى عليه، و الإنهاء بدون الواسطة منحصر في القول و الفعل كالكتابة و الإشارة و نحو هما، فهنا مسائل أربع:

[لو كانت الواسطة بين القاضيين الكتابة]

(الاولى) أن تكون الواسطة هي الكتابة، و قد عرفت أنها غير معتبرة عند الأكثر سوى المحقق الأردبيلي إذا علم بصدور الكتابة عن قصد. نعم نقل عن ابى علي إجازتها في حقوق الناس مطلقا.

و تحقيق المقام هو ان الكتابة فيها أمور عديدة يمكن استناد عدم الاعتبار إليها:

«منها»- احتمال كونها مزورة على القاضي كما ذكره المحقق.

«و منها»- احتمال صدورها لا عن قصد معناها كما في المسالك، اما بعدم قصد أصل الكتابة و صدورها بمثل السهو و نحوه أو بعدم قصد افادة شيء بل لغرض آخر مثل اختبار القلم أو المشق أو نحوهما.

«و منها»- احتمال كونها إنشاء لا اخبارا، كما هو المتعارف في مثل هذا الزمان من إنشاء الاحكام بالارقام لا بالألفاظ.

«و منها»- عدم الدليل على اعتبار الكشف الكتبي بعد الفراغ عن الأمور السابقة و العلم بصدورها قصدا لحكاية مضمونها من صدور الحكم سابقا، كما ذكره بعض مشايخنا «قده».

و هذه الاحتمالات كلها صالحة لمنع الاعتداد بالكتابة:

(أما الاحتمال الأول) فلا سبيل الى دفعه إلا بقرائن الأحوال المفيدة للقطع.

(و أما الاحتمال الثاني) فيمكن دفعه بالأصل كما يدفع ذلك في القول، لأن أصالة عدم السهو و الخطأ و النسيان و العبث و أشباهها لا يفرق في اعتبارها

25

عند العقلاء بين القول و الكتب الا احتمال قصد غرض آخر غير الإفادة، فإنه أمر غير بعيد في الكتابة لم يعلم بناء العقلاء على الجري بمقتضى عدمه عند الشك، فان غرض المشق في الكتابة مثلا أو غرض اختبار القلم أو نحو هما من الأغراض ليس بمثابة سائر الأغراض الحاصلة في الأحوال غير الإفادة في الندرة، فلا بعد في منع ذلك عن اعتبارها.

(و أما الاحتمال الثالث) فكذلك لا أصل فيه يرجع إليه، لأن الصورة صالحة للأخبار و للإنشاء، كالقول فإنه أيضا إذا تردد بين الاخبار و الإنشاء يتوقف فيه، الا أن الأقوال قد يكون الأصل فيها يقتضي الاخبار، مثل صيغة الماضي مثل «حكمت» و «بعت» و «اشتريت»، فإنه لو شك في مثل ذلك بل أريد به الاخبار أو الإنشاء فمقتضى أصالة الحقيقة الثاني.

و كذا الكلام في الجملة الاسمية مثل «أنت طالق» و «أنت حر» و «أنا ضامن» فإنها عند الشك أيضا محمولة على الاخبار، اما لأصالة الحقيقة بناء على ثبوت الوضع للمركبات أو للأصول الاعرابية كما قيل، فيكون وضع الجملة الاسمية في اللغة للأخبار و تحمل عليه عند الشك أو لأصل آخر يرجع في أمثال المقام اليه. و ليس الحال في الكتابة كذلك، فإن صورة «حكمت» كما تصلح للأخبار كذلك للإنشاء و لا أصل هنا يرجع اليه. الا أن يقال بأن الكتابة تجري مجرى اللفظ عند العرف في جميع الاحكام، و هو أمر غير ثابت.

نعم قد يقال: بأن الكتابة تكفي في إنشاء الحكم، و ليس الحكم مثل بعض الأمور المعتبر فيه اللفظ كالبيع و النكاح و نحو هما، بل مثل الأمور التي لا يتفاوت في الكشف عنها بين القول و الفعل كما ذكره في محكي مجمع البرهان كالوكالة و الفتوى و الرواية فإنها تتحقق بالكتابة كما تتحقق بالقول. لكن طريقة معظم الأصحاب من القدماء و المتأخرين على عدم المساواة بينهما و عدم الحكم بقيام

26

الكتابة مقام اللفظ في مقام التعذر كخرس و نحوه، أو في مقامات خاصة علم أن أحكامها الوضعية و التكليفية تابعة لمعانيها لا لألفاظها كالوكالة فان آثارها انما علم بثبوتها للإذن الذي يكشف عنه عبارة التوكيل عنها فيكتفي فيها بالكتابة، و مثل الفتوى فان المطاع رأي المجتهد حتى لو علم به من غير كاشف عمل به.

و مثل تعديلات الرجال، فان مدارها على ما يستكشف منها من الإذعان القلبي بعد التهم لا على الاخبار بذلك الإذعان، كما هو الشأن في التعديل في الموضوعات خصوصا في مقام المرافعة فإن العبرة بالأخبار بالإذعان بالعدالة في شهود مثل الهلال أو دين أو حق على الغير أو نحوها.

و الحاصل ان بناء الأصحاب على الاقتصار على الأقوال إلا في مقام التعذر أو في مقام علم من الخارج أن العبرة فيه بالمكشوف عنه لا بالكاشف، و حينئذ فلا بد من النظر و التأمل في الحكم و أنه مثل الفتوى، فلا عبرة فيها بخصوصية الكشف القولي أو مثل الشهادة في الاقتصار على الاخبار القولي أو مثل سائر الإنشاءات المعتبر فيها اللفظ خاصة، و مقتضى الأصل الأولي معلوم و الدليل الوافي غير معلوم.

(و أما الاحتمال الرابع) فهو أيضا معتد به، لعدم الدليل على اعتبار ظواهر الكتابة. لكنه ضعيف، لأنا إذا أحرزنا صدور الكتابة عن قصد الاخبار بالحكم السابق و علمنا به فلا يبقى في المقام جهة ظنية الأمن جهة احتمال سقط أو تجوز مع ترك القرينة و نحوها من الأمور التي لا يعتني بها عند العقلاء.

نعم، هنا كلام آخر، و هو أن الكتابة بعد الفراغ عن الأمور المزبورة تكون كالقول في الكشف عن الاخبار بالحكم، فلا بد من التأمل في أن دليل قبول قول الحاكم على القول به هل يجري في الكتابة أم لا فمن الجائز اختصاصه به، كما إذا استدللنا على قبول القول بقاعدة من ائتمن على عمل قبل قوله فيه مطلقا

27

أو مع العدالة، فإن هذه القاعدة يمكن منع جريانها في الفعل، فلو أخبر النائب في الحج به قولان قبل قوله بناء على القاعدة، و أما لو أخبر به كتبا أو إشارة فلاحتمال عدم القبول مجال واسع و أولى بالمنع ما لو لم يخبر أصلا و علمنا أنه لو سئل عنه لا خبر به.

و الحاصل ان الكتابة بعد الفراغ عن عدة أمور تصير كالقول الذي نتكلم فيه إنشاء اللّه تعالى، فانتظر و تأمل في جريان دليل قبوله فيها.

[أخبار القاضي للقاضي الأخر بحكمه]

(الثانية) أن تكون الواسطة قول القاضي و اخباره بالحكم الذي حكم به، اما للشاهد يشهد به عند القاضي الثاني كما هو المفروض في الشرائع أو للقاضي الثاني، بأن يقول له شفاها «اني قد حكمت بينهما في وقت كذا» قاصدا للأخبار.

و يمكن الاستدلال على وجوب تصديقه بأمور:

«الأول»- كونها خبر عدل فيصدق، بناء على أن الأصل في الخبر العدل القبول حتى في الموضوعات.

«الثاني»- قاعدة من ملك شيئا ملك الإقرار به، لان بعض مجاريه الظاهر لا اشكال و لا خلاف فيه. و المقام منه، لان ظاهرهم إمضاء من كان إنشاؤه ماضيا يصرح به الفخر في محكي الإيضاح، و عبارة الشرائع أيضا ظاهرة في هذا المعنى، و في المسالك ان الملازمة بين الأمرين ظاهرة.

و قد ذكرنا بعض الفروع المصرح بجريان القاعدة المزبورة فيها في باب اللقطة، مثل قبول قول العبد المأذون في التجارة قبل الانعزال، و قد نقل عن الشيخ في باب الجهاد وجوب تصديق من يخبر من العسكر بتأمين بعض الكفار قبل استقرار حكم الأسر.

28

نعم لو بني في المسألة على ذلك وجب تقييد الحكم بما قبل زمان انعزال القاضي، لأن هذه القاعدة على تقدير جريانها مختصة بزمان كون ذلك الشيء المقربة مملوكا للمقر، حتى أنهم صرحوا بأن إقرار المريض بما زاد عن الثلث غير نافذ و لو تعلق بفعله في زمان الصحة، فارجع الى ما ذكرنا في باب اللقطة تجد شواهد واضحة على ذلك. و حينئذ فلو كان اخبار الحاكم في زمان رجوع الشهود عن الشهادة أو خروجهم عن العدالة لم يقبل أيضا، لأنه في هذه الحال ليس للحاكم الأول إنشاء الحكم حتى يقبل اخباره.

«الثالث»- أدلة القضاء، فإنها كما تدل على نفوذ إلزامات القاضي كذلك تدل على قبول إخباراته بالقضاء، لان تصديق خبره في ثاني الزمان فصل ظاهري بين المتخاصمين و ان كان اخبارا لا إنشاء.

فان قلت: انه فصل بلا ميزان.

قلنا: الميزان السابق يكفي في هذا الفصل أيضا.

و لا يذهب عليك أنا لا نقول ان الاخبار بالإلزام إلزام و فصل حقيقة، بل نقول انه إخبار لو صدقناه ترتب عليه استمرار الفصل السابق فيجب أن يقبل، للملازمة العرفية بين نفوذ الإلزام و نفوذ الاخبار بالإلزام، فيستدل من دليل الأول على الثاني من باب لوازم الخطاب. و يمكن أن تكون عبارة الشرائع ناظرة الى ذلك.

و هذا نظير ما قالوا في باب الطلاق من أن إنكار الرجوع طلاق لأن إخباره يكشف عن رضائه بالزوجية، فإذا كان في زمان جاز له الرجوع أثر أثره، لأنه ان كان في الواقع صادقا في الاخبار بعدم الطلاق فهو و ان كان كاذبا فهو راض بالزوجية و لو بقاءا، فيكون في حكم الرجوع الذي هو عبارة عن الرضا بحدوث

29

الزوجية لعدم الفرق بين الرضائين الرضا بإبقاء المدلول عليه بالأخبار الكاذب و الرضا بالحدوث المكشوف عنه بالرجوع.

و فيما نحن فيه أيضا نقول: ان اخبار الحاكم بالفصل ان كان صادقا فهو و الا فقد انقدح في ضميره عدم خصومة بين المتخاصمين و لو بقاءا، فكما أنه إذا رأى عدم الخصومة حدوثا نفذ رأيه كذلك إذا رأى عدمها بقاءا، فيكون اخباره بعدم الفصل بمنزلة إلزامه به من حيث الكشف عن تعلق رأيه بعدم الخصومة.

و للتأمل في جميع الأدلة المشار إليها مجال. و اللّه العالم.

[لو كانت الواسطة بين القاضيين البينة]

(الثالثة) أن تكون الواسطة البينة. و الظاهر عدم الاشكال و الخلاف المعتد به في اعتبارها في المقام، إذ لا مانع منها مع عموم حجيتها، فثبت بها حكم القاضي الأول عند القاضي الثاني، فيلزم الناس بمتابعته إلزاما ناشئا من أطراف الحكومة لأمن أطراف الأمر بالمعروف و السياسات.

[إقرار المحكوم بحكم قاض عند قاض آخر]

(الرابعة) أن تكون الواسطة الإقرار. و اعتباره أظهر، حتى أن اعتبار البينة في محكي الشرائع ثبت بالمقايسة إلى اعتباره. قال ما مؤداه: انه لو أقر المحكوم عليه بالحكم عند الحاكم الثاني لألزم فكذلك لو ثبت بالبينة، لأنه كلما ينفذ الإقرار به يثبت بالبينة.

لكن في المقام إشكالين: أحدهما إخراج حقوق اللّه تعالى، و الثاني الحكم بعدم نفوذ حكم القاضي الأول بعد فسقه و نفوذه بعد موته و جنونه و نحوه.

30

(وجه الإشكال الأول) ان عموم حجية البينة تأبى عن التخصيص بحقوق الناس، و كون حق اللّه مبنيا على التخفيف لا يصلح له و الا لما ثبت بها عند الحاكم الأول أيضا.

و لو منع عن عموم حجية البينة فلا فرق أيضا في مسألة التنفيذ بين حقوق الناس و حقوق اللّه تعالى. و ما ذكر في الفرق من أن القضاء قول بغير علم فيقتصر على موضع الحاجة و القدر المتيقن و هو حقوق الناس دون حقوق اللّه التي بنيت على التخفيف، يدفعه أن التنفيذ مع البينة ليس بغير علم.

أقول: لو قيل ان إنفاذ الحكم الثابت بل المعلوم أمر غير مستفاد من أدلة القضاء بل يحتاج إلى أدلة أخرى، كما يفصح عنه تمسك مثل المحقق في ذلك بأمور أخر غيرها مثل مساس الحاجة و نحوها من الوجوه الثلاثة أو الأربعة.

فبان الفرق بين المقامين، لان الفرق حينئذ ليس قدحا في عموم حجية البينة بل قدحا في وفاء عموم ذلك الدليل بالتنفيذ في حقوق اللّه.

(و وجه الإشكال الثاني) ان حكم الحاكم ان كان مثل الفتوى فلا بد من مراعاة جميع الشروط في زمان العمل حدوثا و بقاءا، و لذا قلنا في مسألة البقاء على تقليد الميت ان من يقول به لا بد أن يقول بجوازه بعد عروض الفسق و الجنون أيضا، مع انه باطل إجماعا، كما أن الملازمة من أوضح الواضحات المنبهة عليها في محلها، فلا وجه لنفوذ الحكم بعد الجنون و الموت أيضا و ان كان من باب الرواية و الخبر. فالشروط شروط في حال الرواية لا في حال التحمل لا في حال العمل، فينبغي نفوذ حكمه بعد الفسق أيضا كما يعمل بالرواية بعد فسق الراوي. و اللّه العالم.

31

القول في القسمة

التقاط [حقيقة الإشاعة و تقسيم المال المشاع]

القسمة تمييز أحد النصيبين من المال المشاع عن النصيب الأخر، و الكلام هنا في مقامين: أحدهما في حقيقة الإشاعة الخارجية، و الثاني في توضيح حقيقة القسمة.

(أما الأول) فالإشاعة عبارة عن سريان ملك كل من الشريكين الى كل جزء يفرض من العين المشتركة، بمعنى كونه ملكا لهما في الواقع و نفس الأمر بالمناصفة مثلا. و لو انتهى الجزء الى جزء غير قابل للقسمة ففيه كلام يعرف، فنصفه بحسب المالية لهذا و نصفه الأخر لذاك.

و لنوضح الحال بتنظير الجزء المشاع كالنصف بالجزئي المشاع أعني الفرد، فكما ان الفرد المطلق المشاع سار الى جميع المصاديق الطبيعية في الخارج و ينطبق على كل واحد من مصاديقها في الواقع و نفس الأمر كذلك الجزء المشاع كالنصف سار الى جميع المال المشترك، فكل جزء يفرض يكون نصفه المشاع لأحد و نصفه الأخر للآخر.

32

ثمَّ إذا فرضنا جزءا و قلنا ان نصفه المشاع لأحد لم يمنع ذلك بأن نقول أن ذلك الجزء على فرض تقسيمه نصفين يكون كل نصف منه بين الشريكين أيضا بطريق التنصيف، لان ذلك هو قضية الإشاعة بحسب الأجزاء الخارجية، بمعنى اشتمال كل جزء على حقهما واقعا و نفس الأمر.

و هاهنا تحقيق آخر لبعض مشايخنا في معنى الإشاعة، و مرجعه الى أن إشاعة الحق عبارة عن تعلق الحق بجزء كلي صالح للصدق على جميع ما يمكن أن يكون مصداقا لذلك الجزء. كالنصف المشاع الكلي فإنه يصدق على جميع الانصاف المفروضة حتى أنصاف الاجزاء.

و الفرق المميز بين الوجهين غير واضح، لكن تعلق الحق بالكلي بعد ما كان المملوك هي العين الخارجية تعسف بل يحتاج الى الدليل مع أنه لا يكاد يتم، لان كلا من مصاديق النصف في الخارج جزئي حقيقي، و مقتضى انطباقه على نصف زيد مثلا أن يكون ملكا طلقا له، لأنه مصداق للكلي الذي هو كذلك، و مقتضى كونه مصداقا لنصف عمرو أن يكون ملكا له خاصة، فلا بد من القول بأنه مردد بينهما أو القول بأنه بينهما نصفين، و الأول خارج عن حقيقة الإشاعة و الثاني هو المراد، و ذلك مقدمة لتصحيح ما ذكره لا تأسيس كما لا يخفى.

[معنى الشركة في العين]

توضيح المقام: ان الشركة في العين تتصور على وجوه ثلاثة:

«أحدها»- أن يكون كل منهما مالكا لاجزاء معينة في الواقع مبهمة في الظاهر.

«و الثاني»- أن يكون كل منهما مالكا للجزء الكلي المنتشر كالنكرة مثل النصف المشاع القابل للصدق على كل أنصاف من غير تعيين في الواقع كالنكرة.

33

«و الثالث»- أن يكون ملك كل منهما ساريا الى كل جزء بحيث لو فرض كل جزء كان بينهما، فلا جزء في الواقع يكون منطبقا على ملك خصوص أحدهما، بل كل جزء يفرض ففيه جزء من هذا أو جزء من ذلك.

و الأول خارج عن حقيقة الإشاعة جدا، لأن الشركة حينئذ مرجعها الى اشتباه المالين الغير المتمايزين، كاشتباه أحد مصرعي الباب بالآخر و اشتباه فرس بفرس. و كذا الثاني، لعدم إمكان اختصاص مصاديق النصف بأحدهما الأعلى سبيل الترديد الذي عرفت فساده، فتعين الثالث.

[بحث حول الجزء الذي لا يتجزى]

ثمَّ ان الجزء الذي لا يتجزى أو لا يقبل القسمة الخارجية ليس بمملوك لأحد، و أما الجزء الذي ينقسم الى جزئين غير منقسمين فلا بد من كونه ملكا لأحد هما و مختصا به، إذ العرض أن جزءه الفرضي الذي لا يتجزى أولا ينقسم غير قابل للملكية، لأن الملك انما يعرض الأجسام و جزء الجسم الذي لا يتجزى على القول به حقيقة أو عرفا ليس بجسم، فلا يكون ظرفا لإضافة الملك، فلا بد أن يكون ذلك الجزء المركب من الجزئين الغير المتجزئين أو غير المنقسمين مختصا بمالك واحد أو باثنين على نحو كونهما مالكا واحدا لمملوك واحد.

و أما المركب من هذه الأجزاء الفرضية- أي الاجزاء المركبة من الجزئين الغير المتجزئين و هي العين المشتركة- فلما كان قسمتها الخارجية منتهية الى أجزاء غير قابلة للإشاعة بالمعنى المزبور، بأن يكون جزء منه ملكا لأحدهما و جزء منه للآخر كما عرفت تطرق الإشكال في كون العين مشاعة بينهما أيضا، لأن قضية تركبها من الاجزاء الفرضية الغير القابلة للإشاعة عدم تصور الإشاعة فيها و كونها بمنزلة ملك واحد مختصا بمالك واحد أو بمالكين على وجه

34

كونهما بمنزلة مالك واحد، على أن يكون الملك الواحد الذي هو عبارة عن الاختصاص نصفه لهذا و نصفه لذلك لا أن يكون اختصاص نصف العين لهذا و اختصاص نصفها الأخر لذلك، كما هو كذلك على تقدير الإشاعة.

و الحاصل ان مقتضى الإشاعة أن يكون كل منهما مالكا لنصف العين الخارجي فيكون لكل منهما اختصاصا مطلقا و ملكا مستقلا بنصف العين، فكل منهما مالك مستقل و كل من النصفين المشاعين مملوك مستقل.

و مقتضى انتهاء القسمة الى أجزاء غير قابلة للإشاعة غير صالح لعروض الملكية لها نظرا الى كون الملكية من صفات الأجسام و جزء الجسم ليس بجسم كونهما معا بمنزلة مالك واحد و كون العين أيضا بمنزلة المملوك الواحد، فيكون لكل منهما نصف الاختصاص بالعين، كما أنه على الأول يكون لكل منهما الاختصاص بنصف العين.

و مقتضى دقيق النظر الثاني، لأن الجسم و ان لم يشتمل على الاجزاء الفعلية الغير المتجزية أو المنقسمة الا أن قسمتها الخارجية تنتهي الى ذلك.

و يندفع ذلك الإشكال بأن أبعاض الجسم الحاصل بالتجزية الخارجية يتصور على أقسام ثلاثة:

(أحدها) أن يكون ذلك الجزء بحيث لو قسم نصفين أو أثلاثا مثلا كان كل نصف منه أو كل ثلث منه قابلا لعروض الملكية له، بأن يكون لكل نصف مملوكا لأحد مستقلا بحيث يكون قابلا للشركة، بل لا بد من اختصاصها بشخص واحد، فلو قسم نصفين خرج كل نصف منه عن الملكية.

(و الثاني) أن يكون بحيث لو قسم خرج كل قسمة منه عن صلاحية عروض الملكية، كالجزء المركب من الجزئين الغير المتجزئين على القول بإمكان الجزء

35

الذي لا يتجزء، و لازمه أن يكون ذلك الجزء مختصا و مملوكا لأحد فلا يصلح أن يكون مملوكا لاثنين على أن يكون كل منهما مالكا لجزئه، إذ الفرض عدم قابلية جزئه للملكية، فلو تعلق باثنين فلا بد من فرضهما كالمالك الواحد.

(و الثالث) أن لا يكون قابلا للتجزية كالجزء الذي لا يتجزى و أن لا يكون مختصا و مملوكا، لأن الملكية من عوارض الأجسام و جزء الجسم الذي لا يتجزى ليس بجسم بل جزء منه.

و حينئذ نقول: ان القسمة قبل انتهائها إلى القسم الأول لا إشكال في تصور الإشاعة في العين، لإمكان أن يكون كل جزء منه بين الشريكين على سبيل الإشاعة، و بعد الانتهاء إليه فالإشاعة فيه عبارة عن كون أحد الجزئين منه على سبيل البدلية لأحد و الجزء الأخر كذلك للآخر، إذ الفرض عدم صلاحية أجزاء هذا الجزء الا أن يكون لأحدهما خاصة، فالإشاعة هاهنا تغاير الإشاعة قبل الانتهاء فإنها قبل الانتهاء عبارة عن كون كل جزء منها مشتركا بينهما على سبيل الإشاعة و بعد الانتهاء عبارة عن اختصاص نصفه الكلي المخير بأحدهما و نصفه الأخر بالآخر.

و هذا ليس مرجعه الى القول الثاني، أعني ملكية كل منهما لنصف العين الكلي الصادق على الانصاف المتوهمة في العين، لان الالتزام به في تمام العين خروج عن حقيقة الإشاعة، إذ الفرض أن نصف مجموع مصداقه قابل لان يكون بينهما بالإشاعة، فلا وجه لاختصاصه بأحدهما و على سبيل البدل، بخلاف ما نحن فيه، فان الالتزام به في المقام ليس خارجا عن حد الإشاعة، لأن الإشاعة الحقيقية إنما تتصور فيما إذا كان أجزاء العين المشتركة قابلة لان يكون بينهما، فاذا انتهت القسمة إلى جزء لو قسمناه لم يصلح كل جزء منه الا للاختصاص

36

بأحدهما، فلا يتصور الشركة في مثل ذلك الجزء الا بأن يكون نصفه الكلي لأحد هما و نصفه الأخر للآخر.

فهذا هو الفارق بين المقامين، فاذا انتهت القسمة إلى القسم الثاني فلا بد أن تكون الشركة حينئذ على نحو آخر ثالث، و هو أن يكون هما معا بمنزلة مالك واحد، إذ الفرض أن الجزء في هذه المرتبة ليس مركبا من جزئين قابلين للاختصاص حتى يكون أحدهما ملكا لأحد الشريكين و الأخر للآخر، فلا بد حينئذ من الاختصاص بأحدهما ليس إلا أو بهما على أن يكونا بمنزلة واحد. و حينئذ يكون الجزء مملوكا لهما على النحو المزبور، إذ لا وجه للاختصاص بأحدهما دون الأخر الا أن يلتزم ذلك أو يتشخص بالقرعة، كدوران المال الواحد بين الاثنين، فان المقام من قبيل دوران المالك بينهما و إذا انتهت الى القسم الثالث خرج عن ملكية كل منهما. نعم يبقى اختصاص أعيان تلك الأعيان بهما اختصاصا غير راجع الى الملكية.

و على ما ذكرنا و حققنا في معنى الإشاعة يظهر وجه ما ذكروه فيما لو باع أحد الشريكين النصف المشاع من العين المشاع من أنه ينفذ في الربع و يكون في الربع الأخر فضوليا، لان نصف العين المشاع قابل لان يكون بينهما نصفين فيكون لهما، فلا ينفذ البيع إلا في الربع.

نعم لو باع نصف المشاع- بأن يقول «بعتك نصفي المشاع»- نفذ في تمام النصف، لان العين إذا انقسمت إلى المرتبة الاولى من المراتب الثلاث المشار إليها و فرض أجزاءها التي لا تتصور الإشاعة في أنصافها الا على سبيل البدلية كما قلنا متلاشية، فلا جرم يكون نصفها الكلي- أعني على سبيل البدلية- مختصا بأحدهما، فإذا قال «بعتك نصفي المشاع» كان معناه أن نصف أجزاء

37

العين المتلاشية التي لا تصلح أن تكون إلا لأحدهما و لو على سبيل البدلية بعته إياك، فينفذ في تمام النصف. و بقية الكلام يظهر بالتأمل.

ثمَّ ان كلام القوم لا ينطبق على ما صورناه في معنى الإشاعة في بعض المقامات مثل ما قالوا فيما لو طلق امرأته قبل الدخول و كان نصف المهر تالفا، فإن الأكثر ذهبوا الى أن المرأة تستحق نصف الباقي، مع أن قضية معنى الإشاعة استحقاقها نصف الموجود و نصف التالف بالقسمة.

فلا بد من توجيه أمثال المقام، مثل أن يقال ان استحقاق الزوج الطلاق استحقاق جديد متعلق بالنصف المضمون في المهر مثل الصاع في الصبرة، و نحو ذلك من التوجيهات. لأن الذي بينا في معنى الشركة أمر وجداني عقلي بعد التأمل في حقيقة الإشاعة منطبق على جميع فروعاتها في أبواب الفقه، فلا يقبل المناقشة بمجرد عدم مطابقة كلماتهم في بعض الفروع له لأنه قابل للتوجيه و اللّه العالم.

[القسمة هي تميز النصف المشاع و إفرازه]

هذه حقيقة الإشاعة، و أما حقيقة القسمة فهي عبارة عن تميز ذلك النصف المشاع مثلا عن النصف الأخر كذلك، و من الواضح أن حقيقة التميز في الإشاعة من المستحيلات التي لا تتعلق بها القدرة كتعلق حقيقة الملك بالعدم مثل المنافع لكن في العرف عمل يسمونه بالتميز و أمضاه الشارع كما في العرف معاملة يسمونه بتمليك المعدوم كالمنافع، و ذلك العمل عبارة عن أمر جعلي من قبل العرف لا يرجع الى بيع و لا الى صلح و لا إلى مبادلة مستقلة بل مباين للكل حقيقة و ان كان مستلزما لانتقال مال أحد الشريكين إلى الأخر.

توضيحه: ان هذه الإنشاءات أمور متخالفة الحقيقة عند العرف و ان

38

تشاركت في بعض الأمر دائما أو أحيانا، فحقيقة البيع مباينة لحقيقة الصلح و ان أفاد كل منهما النقل و الانتقال، و كذا حقيقة الهبة مغايرة لهما، كما اتضح ذلك كله في محله من أن إنشاء الطلب و إنشاء التمني و الترجي و العرض و نحوها حقائق ممتازة بحسب الوجدان و ان أفاد كل منها مطلوبية المطلوب و المتمني و المترجى.

و هكذا نقول في الفرق بين إنشاء المبادلة و المعاوضة و بين حقيقة القسمة، فإن المبادلة حقيقتها أن تبدل مال نفسك بمال صاحبك بإخراجه عن ملك و إدخاله في ملك صاحبك عوضا عن ماله، و حقيقة القسمة أن تفرز مال نفسك عن مال صاحبك المجتمعين في عين خارجية، و لما لم يكن بين المالين تميز واقعي كما ظهر في توضيح معنى الإشاعة فلا جرم يكون الافتراز اقتراحا منك و جعلا من عندك نظير الحقيقة الادعائية، فالتقسيم توسل من الشخص الى مال نفسه و لو اقتراحا، و المبادلة توسل الى ملك مال الغير في مقابل مالك ملك، ففي كل منهما يحصل انتقال شيء من مالك الى صاحبك و بالعكس، الا أن هذا الانتقال في الأول لم ينشأ من إنشاء النقل بل من الافراز الاقتراحي فيما لا تميز هنا في الواقع و في الثاني نشأ من إنشاء النقل و المبادلة.

فظهر أن القسمة كما أنها لا ترجع الى العقود المعرفة من البيع و الصلح و الهبة كذلك لا ترجع إلى مبادلة مستقلة و تمليك مستبد و معاوضة برأسها، فلا يلحقها شيء من أحكام المعاوضة. نعم منه الرد مشتملة على افراز و مبادلة و معاوضة، لأن الرد إذا لم يكن من العين المشاعة رجع إدخاله في ملك الشريك الى نحو معاوضة.

ثمَّ ان في جريان الربا فيه احتمال ذكرنا وجهه في باب الغصب في مسألة تخليط الغاصب المغصوب بمال نفسه بوجه مبسوط واف حاو لجميع ما في المقام من وجوه الاستدلال.

39

و يحتمل العدم حتى على ذلك الوجه الذي مرجعه إلى مقالة المحقق من عدم اختصاص الربا بالبيع بل ثبوته في كل معاوضة صورية أو معنوية، و ذلك لان الإشاعة تمنع عن تعلق الملك بعين الجزء المشاع بل توجب تعلقها بالمجموع، لان الملك عبارة عن الاختصاص و الاختصاص يستدعي محلا ممتازا بحيث لا يكون متعلقا لحق الغير و الا لم يكن محلا للاختصاص. و المفروض أن العين المشاعة باعتبار كون كل جزء منها مجمعا للحقين و مشتملا لعين مال الشريكين لا يمكن فيها فرض جزء فارغ حتى يتعلق به الاختصاص، ففي صورة حصول الشركة بالمزج يلزم زوال ملكية كل من الشريكين عن رقبة ماله و قيامها بالمجموع.

[الإشاعة تنحصر في الأسباب الشرعية للشركة]

و من مشايخنا (قدس سره) من زعم أن الإشاعة الواقعية لا تحصل بالمزج مطلقا و تنحصر في الأسباب الشرعية للشركة، مثل الإرث و البيع و نحو هما بحسبان أن المالين في الواقع ممتازان في علم اللّه تعالى، فيكونان كالمالين المتلاصقين.

و مما حققنا هنا يظهر أنه لا وجه له، لان بعض صور المزج كمزج الماء بالماء لا إشكال في سببيته للشركة الواقعية، لان أعيان مال كل منهما باعتبار الاستهلاك في الأخر خرج عن قابلية تعلق الملك بها، لان الامتزاج يخرج عين مال كل منهما عن قابلية الملكية باعتبار استدعائها محلا فارغا ممتازا كما عرفت، فالامتياز الواقعي بينهما لا ينفع بعد عدم صلاحيتهما لعروض الملكية، فحال العين المركبة منهما حينئذ كحال العين الواصلة إليهما بالميراث الا من حيث تعلق ملك كل منهما بالرقبة.

نعم في بعض صور المزج- و هو الذي لم يوجب استهلاك كل من المالين

40

حقيقة كمزج الدنانير و الدراهم أو مزج الحنطة بعضها ببعض- يحتاج في الحكم بالإشاعة الواقعية فيه الى تنزيل عرفي و إمضاء شرعي، فحيث يجري الممتزجان مجرى التالف المستهلك عندهم و أمضاه الشارع تحصل الإشاعة الواقعية و ان كان أعيان مال كل واحد ممتازة عن أعيان الأخر في الواقع، فكل دينار يفرض حينئذ فهو بينهما نصفين أو أثلاثا مثلا.

فكيف كان فيظهر مما ذكرنا أن التقسيم متفاضلا ليس معاوضة ربوية و لو بالمعنى الأعم من البيع، لان التفاضل انما يحصل بين الأعيان التي عرفت خروجها عن ملك كل منهما، و القسمة التي قلنا انها تستتبع انتقالا في العين بحسب اللب انما لوحظت بالنسبة إلى ماليتها و لا تفاضل بينهما، فلو تقاسما و تراضيا بالتفاضل- بأن أخذ أحدهما الأقل لجودته و الأخر الأكثر لرداءته- جاز و لا رباء.

ثمَّ ان التفاضل لا يكون بالقسمة كما صورنا و قد يكون في نفس الشركة، بأن يكون أصل الشركة يحصل على وجه الربا و التفاضل كما إذا اختلط جيد برديء، فلو حكمنا فيه بالشركة في العين دون القيمة لزم التفاضل في أصل الشركة، لأن صاحب الجودة قبل المزج كان مالكا لصاع مثلا و بعده قد ملك صاعا و نصفا.

و ظاهر كلماتهم في باب الشركة حصول الشركة بمزج الجيد و الرديء، لكن في باب المفلس نقل صاحب المسالك عن الشيخ في مسألة ما لو اشترى المفلس زيتا فخلطه بماله، أنه نقل قولا بأن البائع يشارك في العين المختلطة بنسبة قيمة المالين، ثمَّ قال انه مستلزم للربا. قال في المسالك بعد نقل ذلك:

و هو يتم على القول بثبوته في كل معاوضة و لو خصصناه بالبيع لم يكن القول بعيدا.

41

و قد عرفت ما فيه و ان المزج إذا كان على وجه يقرب من التداخل الحقيقي المستحيل صار سببا لزوال اختصاص ملك كل منهما بصاحبه من حيث العين، لأنه كما تزول المالية و تبقى الملكية كذلك قد تزول أصل الملكية التي هي الاختصاص و السلطنة باعتبار عدم قابلية المحل لحقارته كيفا كالميراث أو كما مثل الجزء الذي لا يتجزأ على القول به أو باعتبار وجود المانع كما في المقام، فان كل جزء من عين مال زيد مثلا يفرض ففيه جزء من عين مال عمرو، و هو يمنع عن سلطنة كل منهما بعين ماله و عن اختصاصها به و لو لم يبلغ حد الجزء الذي لا يتجزأ، فلا بد حينئذ من زوال ملكية كل منهما عن عين ماله و بقاء ماليته.

و بعبارة أخرى: ان الملك قبل الامتزاج للمالك اختصاص بعينه و اختصاص بماليته و بالمزج يزول اختصاص الأول دون الثاني، و مقتضى هذا قيام المالية بالمجموع المركب من المالين، فيكون المجموع بمنزلة ملك جديد حاصل لهما من امتزاج ماليهما الممتازين المختصين.

و من هنا لا بد في ملكية كل منهما شيئا من العين ملاحظة مقدار تأثير ماله في مالية المجموع، فلو اختلط جيد برديء كان لصاحب الجيد من العين أكثر من صاحبه، لأن تأثير الجيد في مالية المجموع أكثر من تأثير الرديء فيه، فيملك صاحب الجيد من العين بنسبة القيمتين. و أين هذا من الربا.

و أما ما ذكره الشيخ فيمكن تنزيله على ما لو قصد البائع المعاوضة، بأن أخذ من العين بنسبة القيمة عوضا عن ماله الذي استهلك في مال المفلس، فان ثبوت الربا بنفس الشركة لأنه معاملة برؤية في مقام التقسيم و التوصل الى ماله لا في أصل حصول الشركة. فكيف فالأظهر عدم ثبوت الربا لا في القسمة لكونها افرازا و لا في الشركة لكونها في الحقيقة عبارة عن تملك جديد لمال جديد.

و اللّه العالم.

42

التقاط [عدم حصول الشركة الحقيقية في مزج شيئين متماثلين]

إذا كان المزج مزجا يقرب من المزج الحقيقي- كامتزاج المائين بل مطلق المائعين خصوصا إذا وقع بينهما فعل و انفعال بالغليان مثل السكنجبين- فقد عرفت حصول الإشاعة في مثله قهرا، سواء كان المزج باختيارهما أو كان قهريا.

و لو كان المزج باختيار أحدهما غصبا أو عدوانا فقد ظهر الكلام فيه في باب الغصب و أن فيه أقوالا أربعة، فارجع.

و لا يحتاج في إثبات الشركة الواقعية حينئذ إلى دليل شرعي.

و من هنا يعلم ان الخلاف في اعتبار اتحاد الجنس في الممتزجين ليس على ما ينبغي بعد أن كان الحكم بالشركة في المتجانسين غير مستند الى دليل شرعي بل عقلي. و كيف يعقل بقاء اختصاص كل بماله في مثل السكنجبين مع أن كل جزء من الخل فيه جزء من السكر، فلا بد من انتقال اختصاص كل بماله عن عين ماله الى المجموع المركب.

و أما إذا لم يكن المزج مزجا حقيقيا- كاختلاط الحنطة بالحنطة و الدنانير بالدنانير و الخيل بالخيل و أشباهها مما لا يخرج بالامتزاج أعيان مال كل عن قابلية الاختصاص- ففي عدم حصول الشركة الحقيقية فيها مطلقا نظرا الى عدم دليل شرعي يدل على ذلك مع انفراز عين مال كل منهما عن عين مال الأخر بحيث يقبل الاختصاص.

فلا وجه للحكم بالشركة التي هي عبارة عن استحقاق كل منهما شيئا من عين مال الأخر المفروز الممتاز في علم اللّه تعالى، أو التفصيل بين ما يجري في العرف مجرى المزج الحقيقي في الحكم بخروج عين مال كل عن قابلية

43

الاختصاص- مثل أجزاء الدقيق و حبات الحنطة المختلطة و كل دينار من الدنانير الممتزجة- و بين ما يجري مجرى المبهم و المشتبه كاختلاط الخيل بالخيل. وجوه، ظاهر الأصحاب التفصيل، لان حصول الشركة في مثل خلط الدنانير لعله إجماعي.

و الدليل على حصول الشركة حينئذ- بعد تنزيل العرف له منزلة الاستهلاك و الاختلاط الحقيقي- إمضاء الشارع، فلا بد حينئذ في الامتزاجات الغير الحقيقية متابعة العرف و ملاحظة تنزيلهم و حكمهم بخروج أجزاء مال كل عن قابلية الاختصاص، إذ لا مرجع لذلك الا العرف حتى لو ورد في الدليل أن المزج سبب للشركة، لأن المرجع في موضوعات الأدلة مفهوما و مصداقا ليس سوى العرف.

و من هنا يجيء الاختلاف في ثبوت الشركة في بعض الامتزاجات العرفية بين العلماء، حيث أن تشخيص التنزيل العرفي ليس من المصاديق الجلية الغير القابلة للخلاف، فكل مزج يوجب عد الممتزجين في العرف مالا واحدا وعد أعيان مال كل من الشريكين مستهلكة خارجة عن قابلية الاختصاص يحصل فيه الشركة، و كل مالا يعد كذلك فهو من باب اشتباه مال بمال.

و من هنا يختلف الحكم من حيث اختلاف الممتزجين كما مزج حبة من الحنطة بمثلها لا يؤثر في حصول الشركة، لأنهما لا يعدان في العرف مالا واحدا أو ملكا كذلك، فاختصاص كل منهما بعين ماله باقية و ان اشتبها في الظاهر بخلاف مزج القبضة بالقبضة.

و يؤيده ما ورد في مسألة ما لو استودع من اثنين ثلاثة دراهم درهما من أحدهما و درهمين من الأخر ثمَّ تلف أحدها من غير تفريط، من أنه يعطى صاحب الدرهمين درهما و نصفا و صاحب الدرهم النصف، فإنه غير منطبق على

44

قاعدة الشركة، مع أن حصول الشركة في مزج الدنانير مما لا خلاف فيه، فليس ذلك إلا لمتابعة الحكم للصدق العرفي و عدم صدق المال الواحد على الممتزج من القليلين.

[الدليل على حصول الشركة في مزج المائعات]

ثمَّ ان الدليل في حصول الشركة في مزج المائعات- و لو كانت مختلفة بحسب الجنس- ما عرفت من خروج عين مال كل عن المالية بل الملكية و قيامها بالمجموع المركب، فلا حاجة في إثبات الشركة فيها الى دليل شرعي.

و أما حصول الشركة في المزج العرفي فهو الإجماع، لأن حصول الشركة هنا في الجملة مما لا خلاف فيه، بل لو قيل ان الخلاف انما يجيء فيه خفاء صدق المال الواحد على بعض صور المزج و وضوحه لا من قصور الدليل الشرعي و عدمه كان خفاء. و اللّه العالم.

التقاط [صحة قسمة الإرث و جوازها]

لا اشكال و لا خلاف في صحة القسمة و جوازها، بمعنى ترتب آثارها التي كلها أو جلها ترجع إلى فوائد انفراز كل من النصيبين عن الأخر.

و يدل عليه- بعد الإجماع- أدلة نفي الضرر، لأن الشركة ضرر.

و هل هي من قبيل العقود و الإيقاعات أو الموضوعات المترتبة عليها الاحكام كالالتقاط و الغصب و الاحياء و الحيازة و النسب و نحوها مما لا يرجع الى عقد أو إيقاع؟ فيه وجوه و احتمالات، أقواها الأخير.

45

و يؤيد الأول أو يدل عليه اعتبار التراضي من الطرفين فيها حتى في القسمة الإجبارية، لأن الحاكم ولي الممتنع فيقوم رضاؤه مقام رضائه.

لكنه كما ترى، إذ مجرد اعتبار التراضي لا يدل على كون المعتبر فيه عقدا، لان كل عقد يعتبر فيه الرضا لا أن كل اعتبار رضاء يخص بالعقد، و الأمر فيه سهل، و انما الكلام في سببها و ما تحصل به، فان فيه أقوالا ثلاثة: الأول حصولها بمجرد التراضي من دون قرعة، و الثاني اعتبار القرعة مطلقا، و الثالث القرعة المتعقبة بالرضا المتأخر.

(و استدل على الأول) بعموم «الناس مسلطون على أموالهم» (1) و قوله «لا يحل مال امرئ مسلم الا بطيب نفسه» (2)، و قد أوضحنا ضعف الاستدلال بهما في أمثال المقام مرارا و قلنا: ان تعميم جهات السلطنة لا ينافي إناطة التصرف بسبب خاص، فلو قال المولى «أنت مسلط على مالك و افعل ما شئت من البيع و الصلح و الهبة و نحوها» ثمَّ قال «لا يتحقق النقل و الانتقال الا بسبب خاص كالصيغة العربية» لم يكن ذلك منافيا لقوله الأول، لأن مقابل السلطنة العامة الحجر على بعض التصرفات، و الاقتصار في سبب النقل على شيء خاص ليس فيه رائحة الحجر في التصرف كما لا يخفى.

و أما الاستدلال بالأخير فهو أضعف، لأن مفاده مدخلية طيب النفس في الحل، و هذا لا ينافي اعتبار شيء آخر معه من عقد أو لفظ أو نحو هما، لان مفاد مثل هذا الكلام ليس كون المستثنى علة تامة، بل نظير قوله (صلى اللّه عليه و آله)

____________

(1) بحار الأنوار 2/ 272 الطبعة الحديثة.

(2) الوسائل ج 3 ب 3 من أبواب مكان المصلى بلفظ «لا يحل دم امرئ مسلم و لا ماله إلا بطيبة نفس منه».

46

«لا صلاة إلا بطهور» و «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» (1) و أشباهها من الدلالة على مدخلية المستثنى و شرطيته.

و النكتة في التعبير عن هذا الشرط بمثل هذه العبارة كونه في بعض الأحيان علة تامة، كما إذا حصل بعد استجماع سائر الشرائط، فإن الجزء الأخير بمنزلة تمام العلة في حصول الأثر عنده.

(و استدل على الثاني) بأدلة القرعة و ظهورها في اللزوم (2). و هو كذلك، لأن القرعة على تقدير جريانها في المقام يجب العمل بمقتضاها و الا كانت لغوا.

مضافا الى اشتمال أخبارها على ما هو كالصريح في اللزوم.

الا أن يمنع عن جريان القرعة في المقام، و هو خلاف الإجماع ظاهرا، لأن شرعية القرعة في مقام التقسيم في الجملة أمر معلوم. و حيث علم صلاحية المقام له صح الاستدلال بإطلاق أو عموم أدلتها عند الشك في اعتبار أمر زائد.

نعم مع الشك في اصلاحية فهي من العمومات الموهونة الغير القابلة للاستدلال و الاحتجاج، نظير كثير من القواعد، مثل قاعدة نفي الضرر و العسر و قاعدة الاعتداء المدلول بقوله «فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ» (3).

(و استدل على الثالث) باستصحاب بقاء الشركة و أصالة عدم ترتب أثر القسمة على مجرد القرعة، لعدم نهوض أدلتها في الاستدلال عند الأصحاب في

____________

(1) الوسائل ج 14 ب 1 من أبواب القراءة في الصلاة ح 1 بلفظ «لا صلاة له الا أن يقرأ بها في جهر أو إخفات».

(2) الوسائل ج 18 ب 3 من أبواب كيفية الحكم ح 15.

(3) سورة البقرة: 194.

47

أشباه المقام و نظائره الذي لا يخفى على المطلع، فيؤخذ حينئذ بالقدر المتيقن، و هي القرعة المتعقبة بالرضا المتأخر.

و الأظهر من الأقوال الأول، و يدل عليه أمران:

(الأول) انه لم يكتف بمجرد التراضي، فأما يعتبر فيه غير القرعة كالصلح و البيع و نحوهما من العقود- بأن يبيع كل من الشريكين بعد تعديل السهمين حصة من أحدهما بحصته من الأخر أو يصالح عنه أو نحو ذلك- و اما يعتبر فيه القرعة.

و كلاهما باطلان: أما الأول فلأن اعتبار مثل الصلح و نحوه يخرج القسمة عن كونها قسمة، لأن القسمة ليست الا بحت الافراز و صرف التميز، و توقف حصولهما على مبادلة و صلح خلف محال، فافهم. و أما القرعة فلمنع شرعيتها في المقام، لأنها مشروعة في أحد مقامين ليس المقام منهما: أحدهما تميز المجهول الواقعي، و الثاني رفع التشاح و النزاع الفعليين أو الشأنيين عند تزاحم الحقين أو الحقوق، مثل اختلاف المتسابقين الى مكان مباح أو اختلاف المتعلمين على معلم دفعة في السبق و اللحوق أو العبدين فيما إذا أوجب عتق أحد هما الغير المعين، كما لو نذر عتق أول مملوك يملك فملك اثنين دفعة، فإنه يستخرج المعتق بالقرعة كما ورد بالأول الرواية (1).

و ليس في المقام مشاجرة و اختلاف بين الشريكين، إذ الفرض تراضيهما على أن يكون أحد السهمين لأحدهما و الأخر للآخر، فالقرعة لما ذا؟ بل يجري مجرى اللغو و العبث حينئذ، لعدم ترتب شيء من الأثرين عليه.

و دعوى إطلاق أدلتها أو عمومها الشامل لصورتي التشاجر و عدمه. ممنوعة، يظهر وجه المنع من التأمل في تلك الأدلة و مصبها و موردها، فإنها بين ما

____________

(1) الوسائل ج 18 ب 13 من أبواب كيفية الحكم ح 2.

48

يختص بالأول كالرواية الواردة في الابن المشتبه بين الاثنين أو الشاة الموطوءة المشتبهة (1)، أو ما يختص بالثاني حقيقة كما إذا كان ظاهرا فيه أو حكما كما إذا كان مجملا و ساكتا من هذه الجهة.

فإن قلت: سلمنا عدم شرعية القرعة و عدم فائدتها في مثل المقام لكن مجرد التراضي ليس بملزم، فلا تحصل القسمة.

قلنا: الملزم هو صدق عنوان التميز على مجرد التراضي بعد تعديل السهام، فإن حقيقة القسمة من الموضوعات العرفية و صدقها على التعديل المتعاقب بالتراضي معلوم بين معهود معروف معتاد بين الناس، فاذا حصلنا عنوان القسمة و صدقها بمجرد التراضي ترتب عليها اللزوم، لان الانفراز بين النصيبين إذا حصل احتاج العود إلى الشركة إلى سبب جديد.

فان قلت: مجرد الصدق العرفي لا يكفي بعد عدم الدليل الشرعي على صحته، و أين الدليل؟

قلنا: علمنا و بينا عدم اعتبار مدخلية شيء في القسمة سوى القرعة، و الصدق العرفي انما لا يكفي في حصول الأثر إذا شككنا في شرط شرعي أو في أصل مشروعيته عند الشارع، و أما إذا علمنا أنها مشروعة- كما علمنا أن البيع عند الشارع ناقل في الجملة ثمَّ علمنا عدم صلاحية شيء شرطا فيها كصلاحية جملة من الأشياء للشرطية في البيع- فلا جرم يتعقبها الإمضاء الشرعي أيضا. فتأمل.

ثمَّ ان هذا الكلام مع قطع النظر عن الدليل الثاني، و الا فهو دليل شرعي، فيحسم الاشكال رأسا.

(الثاني) قوله «المؤمنون عند شروطهم» (2) لان الشرط معناه مجرد الالتزام،

____________

(1) الوسائل ج 18 ب 13 من أبواب كيفية الحكم ح 1.

(2) الوسائل ج 15 ب 20 من أبواب المهور.

49

و هو موجود في المقام، لأن التراضي في المقام عبارة عن التزام كل من الشريكين بأحد النصيبين فيلزمه.

و لا يقدح في الاستدلال به كونه من العمومات الموهونة، لأن الفرض مطابقة قول صيانة لمضمونها و هو شرط العمل بمثلها، كما قلنا في أدلة القرعة آنفا و في نظائرها سابقا.

[هل يشترط رضا الطرفين في القرعة]

و حاصل الكلام أنه تتصور القرعة في صورتين:

«إحداهما»- ما إذا كان القاسم ثالثا كقاسم الإمام أو وكيل المتقاسمين، فان التقسيم حينئذ بلا قرعة ترجيح بلا مرجح، لان تعيين حق كل منهما في أحد السهمين إذا لم يكن من طرف صاحب الحق و رضائه لا يمكن الا بمعين.

«و الثانية»- ما إذا تراضيا على القرعة ابتداء، فإنها حينئذ تكون معينة لحق كل منهما عن الأخر.

و هل يعتبر بعدها الرضا؟ الظاهر العدم، لأن القرعة- على تقدير شرعيتها- فظاهر أدلتها اللزوم كما عرفت. نعم مقتضى الاحتياط هو ذلك.

و أما إذا تراضيا بدون القرعة فليس لها مسرح في المقام، لأن التراضي مرجعه الى تجاوز كل منهما عن حقه في السهم الأخر، و القرعة اما لتعيين المجهول أو لترجيح أحد الحقوق على الأخر كما في تسابق الاثنين على مباح أو ماء و نحو هما، و الترجيح انما يحتاج اليه عند التشاح الفعلي أو الشأني، فحيثما يجوز كل منهما عن حقه و يوقفه الى صاحبه لا يجري فيه القرعة.

و ان شئت قلت: ان القرعة لتعيين أحد الحقين، و هو انما يتصور إذا كان كل منهما باقيا على حقه و ملتزماته، فلو أسقط كل منهما حقه و تجاوز عنه كتجاوز

50

كل من المتقاسمين عن حقه في السهم الذي يختاره صاحبه سقطت القرعة.

و هذا مع وضوحه يتضح من النظر في أخبار القرعة (1)، فإنها بين ما لا تدل الا على شرعيتها في تعيين المجهول، و بين ما تدل على كونها مرجحة لأحد الحقين المتزاحمين، و بين ما تدل على أنها لرفع الأمور المشكلة، و بين ما تدل على أنه ما فوض قوم أمرهم الى اللّه تعالى الا و قد هداهم الى الخير و الصواب أو ما يقرب من هذا العنوان.

و لا يكاد ينطبق شيء من هذه العناوين على المقام، و هو ما إذا تراضى الشريكان و فوض كل منهما الأمر الى صاحبه، بأن يقول له اختر ما شئت من السهمين المتعادلين.

فان قلت: بناء على ما ذكرت يلزم بسقط القرعة إذا فوض كل من العبيد أمر العتق الى صاحبه إذا كان على المولى عتق أحدهما المخير أو أعتقه كذلك بناء على صحة العتق.

قلت: العتق فيه جهة حق اللّه تعالى أيضا و لم يعلم أنه مما يمكن التفويض فيه، و الكلام انما هو بعد معلومية كون الحق حقا للاثنين محضا جائزا لكل منهما إسقاطه و التجاوز عنه، فالحقوق المتزاحمة في مسألة العتق لا تتعين الا بمعين الهي. و اللّه العالم.

التقاط [هل يعتبر في القاسم التعدد أم لا؟]

يعتبر في القسمة بالتقويم أن يكون المقوم متعددا جامعا لشرائط الشهادة، لأن التقويم شهادة.

____________

(1) الوسائل ج 18 ب 13 من أبواب كيفية الحكم.