ينابيع الأحكام في معرفة الحلال و الحرام - ج2

- السيد علي الموسوي القزويني المزيد...
921 /
3

-

4

الحمد للّٰه ربّ العالمين و صلّى اللّٰه على محمّد و آله الطاهرين، و لعنة اللّٰه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين

كتاب التجارة

[في معنى التجارة و أقسامها]

و اعلم أنّ «التجارة» كالكتابة مصدر ثانٍ يقال: تجر يتجر بالضمّ تجراً و تجارة، قيل كما عن ابن فارس في مجمل اللغة (1) «إنّه لم يوجد في كلام العرب لفظ اجتمع فيه التاء الأصلي مع الجيم مقدّماً عليه إلّا هذه المادّة، و أمّا التاء الغير الأصلي فاجتماعه مع الجيم كثير، و منه تجربة و تجري و تجعل و ما أشبه ذلك».

و اعترض عليه كما عن المصباح المنير (2) بمنع الانحصار، لورود رتج و نتج أيضاً: يقال رتج الباب أي سدّه، و نتجت الناقة أي ولدت.

و التجارة ورد في استعمال العرب ملكة و هي الصناعة المعروفة الّتي يقال لصاحبها: «التاجر» و هو معروف، و حالًا و هو فعل البائع أو المشتري في مقام البيع و الشرى، يقال: فلان يتجر في المال الفلاني أو في مال الطفل.

و قيل: إنّها مشتركة بينهما، و ليس ببعيد، لتبادر أحد المعنيين عند الإطلاق، و استقراء استعمالات العرف، و ظاهر كلام أئمّة اللغة حيث إنّهم بين من فسّرها بالصناعة و من فسّرها بالفعل.

و محلّ البحث هو الثاني، و هو بهذا المعنى لغة- على ما يظهر من كلمات أهل اللغة

____________

(1) المجمل 1: 145.

(2) مصباح المنير: 80 (تجر).

5

و عبارات أصحابنا (1) الفقهاء في هذا المقام و في باب زكاة مال التجارة و صرّح به السيّد (قدّس سرّه) في الرياض (2)- «الكسب» و هو التحصيل لا مطلقاً لينتقض في طرده بتحصيل العلم و نحوه الّذي يطلق عليه الكسب دون التجارة، بل تحصيل المال لا مطلقاً لينتقض أيضاً بنحو الاحتطاب و الاحتشاش لعدم وقوع التجارة عليه بل تحصيله ببيع و اشتراء من صاحب الصناعة المعروفة أو غيره ممّن شأنه البيع و الاشتراء كأهل السوق الّذين يشتغلون أنواع المكاسب على اختلاف أصنافهم. و في صدقها على فعل من يبيع أو يشتري أحياناً من دون أن يكون شغله ذلك تأمّل بل منع، لعدم مساعدة العرف عليه.

و لكنّ المراد بها هنا ما يعمّه أيضاً، فلا يعتبر في موضوع البحث هنا حصولها من صاحب ملكة الصناعة و لا ممّن يكون شغله البيع و الشرى، و لا يعتبر أيضاً حصولها بقصد الاسترباح و هو طلب الزيادة في أصل المال، بخلاف ما هو موضوع كلامهم في زكاة مال التجارة، بل ينبغي القطع بعدم كون موضوع الكلام مقصوراً على ما لو حصل الاكتساب بعقد البيع بل أعمّ منه و ما لو حصل بعقد الصلح و عقد الإجارة، و لذا يذكرون في مباحث الباب حرمة عمل الصور المجسّمة، و إجارة المسكن لعمل الخمر، و السفينة أو الدابّة لحمل الخمر، و التكسّب بالواجبات و أخذ الاجرة عليها، فمورد التجارة بالمعنى المبحوث عنه أعمّ من العين و المنفعة.

و من أغلاط المقام ما في مجمع البحرين في تفسير التجارة من «أنّها بالكسر انتقال شيء مملوك من شخص إلى آخر بعوض مقدّر على جهة التراضي» (3) لقضائه بكونها صفة لمورد التجارة لا فعلًا للتاجر، فيخالف كلام أهل اللغة و كلام الفقهاء المفيدين لكونها فعلًا للتاجر، و لذا قال في القاموس: «التاجر الّذي يبيع و يشتري» (4).

ثمّ التجارة بالمعنى المذكور يرادفها متجر بناءً على كونه مصدراً ميميّاً كما احتمله في جامع المقاصد (5) و يجوز كونه اسم مكان و هو محلّ التجارة من الأعيان و المنافع،

____________

(1) كما في المعتبر 2: 548، المسالك 1: 164، التنقيح الرائع 2: 3.

(2) الرياض 8: 129.

(3) مجمع البحرين 1: 218.

(4) القاموس المحيط 1: 379.

(5) جامع المقاصد 1: 379.

6

و جمعه متاجر، و في معناها مكاسب، و كونهما في عنوان قولهم كتاب المتاجر أو المكاسب عبارتين عن الفعل و جمعه حينئذٍ لكثرة مورده و متعلّقه من الأعيان و المنافع، أو عن نفس المورد و المتعلّق من الأعيان و المنافع المكتسب بهما وجهان، و لعلّه يختلف باختلاف مشاربهم في جعل عقد البيع و غيره من عقود المعاوضة من مباحث هذا الباب كما صنعه في الشرائع (1). و عدمه كما في غيره (2).

ثمّ في قواعد العلّامة (3) كما عن جماعة (4) تقسيم التجارة إلى محرّمة و مكروهة و مباحة و واجبة و مستحبّة، و هذا التقسيم حيث أخذت التجارة مورد القسمة على القاعدة، و لا يتوجّه إليه مناقشة، لأنّ الأحكام الخمس المذكورة من عوارض فعل المكلّف و التجارة منه فتقبل الانقسام إلى الخمسة.

و من المحرّم: التكسّب بالأعيان النجسة كالخمر و الميتة، و من المكروه: بيع الأكفان و التكسّب بها، و من المباح: بيع الأملاك و الأموال المملوكة إذا فرض تساوي طرفيه و خلوّهما عن الرجحان و المرجوحيّة، و من الواجب: بيع ما يضطرّ الإنسان إلى بيعه من أملاكه لمئونة نفسه و مئونة عياله و في أداء حقّ واجب عليه من دَين آدمي أو غيره، و من المستحبّ: بيعه للتوسعة على عياله أو للصرف في جهات الخير.

و لكن في الشرائع 5 بعد ما أخذ مورد القسمة ما يكتسب به من العين و المنفعة قسّمه إلى المحرّم و المكروه و المباح، و أهمل ذكر الواجب و المستحبّ. و نحوه صنع في اللمعة (6) إلّا أنّه عبّر عن المقسم بموضوع التجارة مهملًا للواجب و المستحبّ. و اعتذر له في الروضة (7) بأنّ الوجوب و الندب من عوارض فعل المكلّف الّذي منه التجارة فلا يعرضان موردها من العين و المنفعة.

و يمكن الاعتراض عليه بعدم صحّة الفرق بين الثلاثة و الاثنين في اللحوق بالعين و المنفعة على تقدير، و عدم اللحوق بهما على تقدير آخر، لأنّه إن اريد من عدم

____________

(1) 1 و 5 الشرائع 2: 9.

(2) كما في التذكرة 10: 5.

(3) القواعد 2: 5.

(4) المستند 14: 9، جامع المقاصد 4: 6، إيضاح الفوائد 1: 400، المهذّب 2: 234، التنقيح 2: 4.

(6) اللمعة: 61.

(7) الروضة 1: 308.

7

عروض الوجوب و المنفعة أنّهما لكونهما تكليفين من عوارض فعل المكلّف فلا يلحقان العين و المنفعة أوّلًا و بالذات و على وجه الحقيقة فكذلك الثلاثة لاشتراكها لهما في صفة التكليف و كونها من عوارض الفعل.

و إن اريد من لحوق الثلاثة لهما أنّها يلحقانهما بواسطة ما يضاف إليهما من فعل المكلّف كالاكتساب فيما نحن فيه، و المعروض الواقعي لها هو ذلك الفعل، فمعنى حرمة ما يكتسب به من العين و المنفعة أو كراهته أو إباحته حرمة الاكتساب بهما أو كراهته أو إباحته فكذلك الوجوب و الندب فيجوز لحوقهما للعين و المنفعة باعتبار ما يضاف إليهما من الاكتساب، فهو المعروض الواقعي. و معنى وجوب ما يكتسب به من العين و المنفعة أو ندبه حينئذٍ وجوب الاكتساب بهما أو ندبه، فالفرق تحكّم و المنع من لحوقهما لهما مع تسليم لحوق الثلاثة مكابرة.

و لكنّ الإنصاف أنّ الصحيح بعد جعل مورد القسمة ما يكتسب به من الأعيان و المنافع هو ما صنعه المحقّق (1) و الشهيد (2) من الاقتصار في التقسيم على الثلاثة و إسقاط الواجب و المستحبّ، فإنّ المراد من المقسم حينئذٍ الأعيان و المنافع الّتي يلحقها لعناوينها الكلّيّة المنضبطة الأحكام التكليفيّة و لو مجازاً من باب الإسناد المجازي، و هي بهذا المعنى منحصرة في الثلاثة غير قابلة للانقسام إلى الواجب و المندوب أيضاً. و ما قد يرى في بعض الأحيان من وجوب بيع بعض الأعيان أو ندبه كذلك فهو من عوارض الشخص لا من لواحق العنوان كما هو واضح، نعم على طريقة من جعل التجارة مورداً للقسمة فالتقسيم إلى الخمسة في محلّه، و لذا استحسن في المسالك (3) كلا التقسيمين.

ثمّ إنّه قد عرفت أنّ محلّ التجارة المحرّمة بل المكروهة أيضاً يعمّ الأعيان و المنافع، و هل يعمّ الحقوق القابلة للتعويض بعقد الصلح كحقّ الشفعة و حقّ الخيار و نحوه بأن يقول: «صالحتك عن هذا الخمر أو عن هذا الخنزير بحقّ شفعتك أو بحقّ خيارك» أو يقول: «صالحتك عن حقّ شفعتي أو عن حقّ خياري برطل من الخمر أو

____________

(1) الشرائع 2: 9.

(2) اللمعة: 61.

(3) المسالك 3: 118.

8

بهذا الخنزير» فيندرج نحو هذا أيضاً في التجارة المحرّمة أم لا؟ لم نقف في كلامهم على تصريح في ذلك، إلّا أنّ المستفاد من فحاوي عباراتهم و مساق استدلالاتهم على المنع بل عموم بعض الأدلّة المقامة عليه هو العموم.

ثمّ من الظاهر أنّ مورد التجارة إذا كان من الأعيان المحرّمة أو المكروهة لا يتفاوت الحال في الحرمة أو الكراهة بين ما لو اعتبرت العين المحرّمة أو المكروهة أحد العوضين أو كليهما لوحدة المناط و عموم الأدلّة.

ثمّ إنّه قد يقال: إنّ المراد من حرمة الاكتساب حرمة النقل و الانتقال بقصد ترتّب الأثر. و لم أتحقّق معناه، فإن اريد به أنّ العقد في محلّ التحريم يفيد نقلًا و انتقالًا في العين أو المنفعة و التحريم إنّما هو في ذلك النقل و الانتقال و هو الأثر المترتّب على العقد على معنى أنّ المحرّم هو الأثر، ففيه: أنّه خلاف ما اتّفقت عليه كلمتهم صراحةً و ظهوراً من فساد العقد في محلّ التحريم، و في إجماعاتهم المنقولة ما هو صريح في ذلك أيضاً، كما في كلام العلّامة في التذكرة في شرائط البيع حيث قال: «يشترط في المعقود عليه الطهارة الأصليّة، فلو باع نجس العين كالخمر و الميتة و الخنزير لم يصحّ إجماعاً» (1) فلا يترتّب على العقد في محلّ التحريم أثر النقل و الانتقال حتّى يكون هو المحرّم.

فمعنى حرمة التجارة أو الاكتساب هاهنا حرمة أصل العقد على الأعيان المحرّمة أو حرمة المعاوضة و المبادلة الواقعة بين المتعاقدين بذلك العقد.

و يمكن إرجاع كلام القائل إلى هذا المعنى بأن يراد من النقل و الانتقال الصوري منهما أعني المعاوضة بذاك العقد المستتبعة لدفع كلّ من المتعاقدين لما بيده إلى صاحبه، لا النقل و الانتقال المعنويّ الّذي هو أثر للعقد، و معناهما إخراج المالك ما في يده من ملكه و إدخاله في ملك صاحبه و خروج كلّ من العوضين عن ملك مالكه و دخوله في ملك غيره، و يحتمل أن يكون النقل و الانتقال في كلامه كناية عن العقد الّذي يفيدهما بنوعه و إن لم يفد في خصوص المورد تسمية للمؤثّر باسم الأثر.

ثمّ القدر المتيقّن من معقد التجارة المحرّمة إنّما هو عقود المعاوضة بحسب الأصل

____________

(1) التذكرة 10: 25.

9

كالبيع و الإجارة و الصلح في وجه. و في عموم الحرمة للعقود الملحقة بعقود المعاوضة و إن لم يكن مبنى مشروعيّتها بحسب الأصل على التعويض- كالهبة المعوّضة، و النكاح المشتمل على المهر عوضاً عن البضع، و الخلع المتضمّن لما تبذله الزوجة عوضاً عن الطلاق، و المكاتبة المطلقة أو المشروطة، و الوكالة المشترط فيها الجعل للوكيل- وجهان: من ظهور التجارة و الاكتساب في عقود المعاوضة، و من قوّة احتمال كون المراد بهما جعل هذه الأشياء أعواضاً و لو فيما يشتمل على العوض الجعلي. و في عمومه لعقود الغير المعاوضة الصرفة- كعقد الرهانة و عقد الوديعة و عقد العارية و عقد الضمان و الوكالة و العارية و الوصيّة و ما أشبه ذلك- احتمال، مبنيّ على أن يكون ذكر التجارة و الاكتساب في عناوين الباب و مطاويّ مباحثه مثالًا، و إلّا فالمناط هو أن يتعامل مع هذه الأشياء معاملة الأملاك و الأموال المملوكة المباحة، سواء كان ذلك بجعلها أعواضاً في المعاوضات الأصليّة أو الجعليّة، أو بجعلها موارد في العقود المتعارفة و لو من غير جهة التعويض، و تحقيق هذه المراتب يطلب من مطاويّ مباحث الباب.

و على أيّ حال فينبغي القطع بعدم كون معقد كلامهم الّذي هو موضوع الحكم و مورد الأدلّة أمراً لفظيّاً- و هو مجرّد إجراء العقد اللفظي و لو بغير العربي لينتقض بما لم يكن هناك عقد لفظي أصلًا- بل أمر معنوي و هو المعاوضة و التعويض بهذه الأشياء أو مطلق المعاملة عليها كالمعاملة على الأموال المملوكة المباحة و إن لم يشتمل على عقد لفظي، فيعمّ البحث لمعاطاة كلّ معاملة و يجري الحكم فيه جزماً لعموم الأدلّة. ثمّ الأشياء المبحوث عنها في التجارة المحرّمة من الأعيان و المنافع أنواع تذكر في أبواب

10

الباب الأوّل في الأعيان النجسة

و يراد بها هنا ما يعمّ النجاسة الذاتيّة الّتي هي تابعة للذات، و لا تزول عنها بغير الاستحالة و الاستهلاك، و العرضيّة الحاصلة بالملاقاة مع عدم قبول التطهير بغير الاستحالة و الاستهلاك، كالمايعات المتنجّسة من الدبس أو العصير أو اللبن أو الزيت أو الدهن أو غير ذلك ممّا كان طاهر الأصل و لذا عبّر عنها في الشرائع (1) بالأعيان النجسة «كالخمر و الأنبذة و الفقّاع و كلّ مائع نجس عدا الأدهان لفائدة الاستصباح تحت السماء و الميتة و الدم و أرواث و أبوال ما لا يؤكل لحمه و الخنزير و جميع أجزائه و جلد الكلب و ما يكون منه» و صرّح بالتعميم في القواعد و غيره (2) قائلًا: «الأوّل، كلّ نجس لا يقبل التطهير سواء كانت نجاسته ذاتيّة كالخمر و النبيذ و الفقّاع و الميتة و الدم و أبوال ما لا يؤكل لحمه و أرواثها و الكلب و الخنزير و أجزائهما، أو عرضيّة كالمايعات النجسة الّتي لا تقبل التطهير إلّا الدهن النجس لفائدة الاستصباح به تحت السماء خاصّة» (3).

و قال المحقّق الثاني في شرح العبارة: «و أراد بالنجس ما كان عين نجاسة أو متنجّساً بإحدى الأعيان النجسة، و لذا قسّمه إلى ما نجاسته ذاتيّة و نجاسته عرضيّة و غاية ما فيه أن يريد باللفظ حقيقته و مجازه معاً الخ» (4).

و فيه ما لا يخفى لابتناء نسبة إرادة الحقيقة و المجاز معاً على حدّ الاستعمال في المعنيين على مقدّمتين: كون لفظ «النجس» لغةً لخصوص ما نجاسته ذاتيّة، و كون

____________

(1) الشرائع 2: 9.

(2) كما في التحرير 2: 257.

(3) القواعد 2: 6.

(4) جامع المقاصد 4: 12.

11

إرادتهما من اللفظ على البدل بالمعنى المقرّر في الاصول، و كلّ موضع منع، أمّا الاولى:

فلظهور كون لفظ النجس بحسب العرف الكاشف عن صدر اللغة لما يعمّ الذاتيّة و العرضيّة و لذا جعله في القاموس مع مرادفاته «كالنَّجس بالفتح فالسكون و النجسْ بالكسر فالسكون و النجَس بفتحتين و النجس بالفتح و الضمّ ضدّ الطاهر» (1) و الظاهر أنّ الطاهر هو الذات المتّصفة بالطهارة، فالنجس هو الذات المتّصفة بالنجاسة و هذا معنى عامّ. و أمّا الثانية: فلجواز كون المراد هذا المعنى العامّ الجامع بين المعنيين من باب عموم المجاز، و على أيّ حال كان فجهات الكلام في الأعيان النجسة كثيرة، فيتكلّم تارةً في جواز التكسّب بها بجعلها أعواضاً في عقود المعاوضة و غير [ها] ممّا يلحق بها و عدمه، و اخرى في جواز المعاملة عليها بغير التعويض و عدمه، و ثالثة في جواز الانتفاع بها و عدمه، و رابعة في تملّك المسلم لها على معنى دخولها في ملكه بشيء من الأسباب المملّكة و عدمه، و حيث بنينا على المنع في جميع الجهات كان ذلك المنع على وجه القاعدة الكلّيّة، و هي قابلة للتخصيص فنتبعها بالتعرّض لبيان ورود تخصيص على القاعدة في الأحكام المذكورة و عدمه، و بيان ما خرج بالتخصيص و تعيين القدر المخرج على تقدير ثبوت التخصيص.

أمّا الجهة الاولى: فالمعروف المشهور بين الأصحاب شهرة محكيّة و محقّقة عظيمة قريبة من الإجماع عدم جواز التكسّب بها مطلقاً، على معنى تحريم المعاوضة بل مطلق المعاملة عليها بحيث يستحقّ العقوبة عليها و إن فرض لها نفع محلّل مقصود للعقلاء، كما هو قضيّة إطلاقهم المنع بل هو المصرّح به في كلام السيّد (رحمه الله) في المصابيح (2) مع دعوى الإجماع عليه. و لم نقف من الأصحاب على قائل بالجواز بقول مطلق و لا على نقله. نعم عن المحدّث الكاشاني (3) القول بالجواز إن اشتملت على منفعة محلّلة، و عن المقدّس الأردبيلي (4) و الفاضل الخراساني (5) في الكفاية الميل إليه، و زيّفه السيّد المتقدّم بأنّه شاذّ ضعيف، و وجهه سبق إجماع الأصحاب على ظهور هذا الخلاف.

____________

(1) القاموس المحيط 2: 253 (نجس).

(2) المصابيح: 4.

(3) المفاتيح 3: 51.

(4) مجمع الفائدة 8: 28.

(5) الكفاية: 252.

12

و قد تظافرت الإجماعات المنقولة على المنع بقول مطلق، ففي التذكرة «الكلب إن كان عقوراً حرم بيعه عند علمائنا» (1) و في موضع آخر منه «لا يجوز بيع السرجين النجس إجماعاً منّا» (2).

و عن المنتهى «إجماع المسلمين كافّة على تحريم الخمر و الميتة و الخنزير».

و عن موضع آخر منه «إجماع علمائنا على تحريم بيع الكلاب عدا الأربعة» (3).

و عن النهاية «الإجماع على تحريم بيع الخمر و العذرة و الدم» (4).

و عن الخلاف «إجماع الفرقة على تحريم بيع الخمر و السرجين النجس و الكلب عدا كلب الصيد» (5).

و عن المبسوط «الإجماع على تحريم بيع الخنزير و إجارته و اقتنائه و الانتفاع به» (6).

و عن الحلّي في السرائر «بيع الخمر للمسلم حرام و ثمنه حرام و جميع أنواع التصرّفات فيه حرام على المسلمين بغير خلاف بينهم» و قال أيضاً: «حكم الفقّاع حكم الخمر لا يجوز التجارة به و لا التكسّب به بغير خلاف بين فقهاء أهل البيت» (7).

و عن الانتصار «إجماع الفرقة على تحريم الفقّاع و تحريم ابتياعه» (8) و جعل القول به ممّا انفردت به الإماميّة.

و هذه الإجماعات و إن نقلت على موارد خاصّة لا على الأعيان النجسة بعنوانها الكلّي إلّا أنّه يمكن التعميم بجعل الاقتصار في معاقدها على البعض وحدانيّاً أو ثنائيّاً أو ثلاثيّاً مثالًا، أو أنّه يستفاد منها على كثرتها و اختلاف معاقدها عيناً و عدداً وقوع الإجماع المشترك بينها على الجميع، أو أنّه إذا ثبت الحكم بها في الموارد الخاصّة يتمّ في غيرها بالإجماع المركّب و عدم القول بالفصل، فهي مع الضميمة تفيد عموم المنع على وجه يحصل بها خصوصاً مع اعتضادها بالشهرة العظيمة بقسميها الظنّ الاطمئناني بالمنع و هو الحجّة مضافاً إلى النصوص الآتية.

____________

(1) التذكرة 10: 26.

(2) التذكرة 10: 31.

(3) المنتهى 2: 1008- 1009.

(4) نهاية الإحكام 2: 463.

(5) الخلاف 3: 182- 185.

(6) المبسوط 2: 166.

(7) السرائر 2: 218- 219.

(8) الانتصار: 418.

13

و قد يستدلّ بعدّة من الآيات:

منها: قوله تعالى و «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ» (1) بتقريب أنّ التحريم المتعلّق بالأعيان يعمّ جميع أنواع التصرّف و الانتفاع و منها التجارة و التكسّب بها.

و فيه: أنّه في كلّ عين- على ما حقّق في الاصول- ينصرف إلى الجهة المقصودة منها في الغالب، كالأكل في المأكول كما في الأمثلة المذكورة، و الشرب في المشروب كالخمر، و الوطء في الموطوء كما في «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ» (2) الآية.

و منها: قوله تعالى أيضاً في الخمر: «رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطٰانِ فَاجْتَنِبُوهُ» (3) بتقريب أنّه تعالى أوجب الاجتناب عن الخمر لكونه رجساً، و هو لا يتحقّق مع التصرّف فيه بالتجارة فيجب اجتنابها.

و فيه: أنّه لا يتمّ إلّا على تقدير حمل الرجس على إرادة النجاسة الشرعيّة، و هو موضع منع.

و دعوى: أنّ الرجس لغة القذر و المراد به النجاسة الشرعيّة، و يؤيّده ما عن الشيخ في التهذيب من «أنّ الرجس هو النجس بلا خلاف» (4) و كلامه يحتمل وجهين:

أحدهما: دعوى عدم الخلاف بين علماء اللغة في كون القذر في معنى الرجس هو النجس لغةً. و الآخر: دعوى عدم الخلاف بين علماء التفسير أو الفقهاء في أنّ المراد من الرجس في الآية هو النجس و إن لم يكن القذر في معناه هو النجس لغةً، و أيّاً ما كان فالاستدلال ناهض على المطلوب، ثمّ يتمّ في غير الخمر بالإجماع المركّب و عدم القول بالفصل.

يدفعها أوّلًا: أنّ القذر في معنى الرجس بحسب اللغة أعمّ من النجاسة الشرعيّة و الخباثة المعنويّة الّتي ملاكها استنفار الطبع السليم و استقباحه، فالخبيث ما يستنفره الطبع السليم و يستقبحه فلِمَ لا يجوز أن يكون المراد به الخباثة المعنويّة، و يصدق على الخمر باعتبار كونه ممّا يستقبحه الشرع أو يستقبح شربه، و أيّ طبع سليم يكون أسلم

____________

(1) المائدة: 3.

(2) النساء: 23.

(3) المائدة: 90.

(4) التهذيب 1: 278.

14

من الشرع، و ربّما يشهد له ما عن مجمع البيان من «أنّ الرجس القذر» (1) و قد يعبّر عن الحرام و الفعل القبيح. و معنى كونه من عمل الشيطان أنّ اختراع الخمر كان من الشيطان أو أنّ شربه ينشأ من وسوسته و تسويله.

و ثانياً: أنّ في الآية قرينة تصرفه عن النجاسة الشرعيّة، و هو عطف الميسر و الأنصاب و الأزلام على الخمر، فإنّ الميسر عبارة عن آلة القمار كالنرد و الشطرنج و غيرهما، و في حديث عن الباقر (عليه السلام) «أنّه لمّا نزلت هذه الآية قيل: يا رسول اللّٰه ما الميسر؟ فقال: كلّ ما قومر عليه حتّى الكعاب و الجوز، قيل: فما الأنصاب؟ قال:

ما ذبحوا لآلهتهم، قيل: فما الأزلام؟ قال: قداحهم الّتي يستقسمون بها» (2).

و قيل في تفسير الأنصاب: «إنّها الأصنام كانت منصوبة حول البيت يذبحون عليها و يعدّون ذلك قربة» (3).

و الأزلام «جمع زلم بالفتح أو الضمّ كجُمل و صُرد و هي قداح لا ريش لها و لا نصل» (4) و القداح العشرة كانت معروفة في الجاهليّة، و كانت نوعاً من آلة القمار ثمّة، و قصّته معروفة مذكورة في كتب التفسير (5) و ورد بها رواية (6) و ظاهر أنّ النجاسة الشرعيّة لا تلائم شيئاً من ذلك، فلا بدّ و أن يحمل على معنى يلائم الجميع و هو الخباثة المعنويّة و لو مجازاً.

و أمّا ما تقدّم نقله عن الشيخ في التهذيب «من كون الرجس هو النجس بلا خلاف» فلم أتحقّق معناه مع القرينة المذكورة، فإن أراد به أنّ الرجس في الآية من حيث حمل على الخمر اريد منه النجس و إن كان من حيث حمل على البواقي اريد منه الخبيث، فيبطله الاستعمال في معنيين و هو غير سائغ.

و إن أراد أنّه بحمله في الآية على كلّ من الخمر و توابعه و هو متضمّن للإسناد،

____________

(1) مجمع البيان 3: 478.

(2) الوسائل 17: 165/ 4، ب 35 ما يكتسب به، التهذيب 6: 371/ 1075.

(3) مجمع البحرين 3: 316 (نصب).

(4) مجمع البحرين 2: 288 (زلم).

(5) مجمع البيان 3: 244.

(6) تفسير عليّ بن إبراهيم 1: 181.

15

و الرجس في الجميع اريد منه النجس إلّا أنّه حيث اسند إلى الخمر كان الإسناد حقيقيّاً، و حيث اسند إلى توابعه كان الإسناد مجازيّاً لضرب من التشبيه في استقباح المتعلّق أو وجوب اجتنابه. ففيه: أنّ الإسناد الواحد لا يتحمّل وصفي الحقيقة و المجاز، و اعتبار التعدّد في الإسناد يؤدّي إلى الاستعمال في معنيين.

و إن أراد أنّ تعدّد المبتدأ ممّا يستدعي تعدّد الخبر فيقدّر لما عدا الخمر خبراً، فالرجس المذكور من حيث إنّه خبر للخمر اريد منه النجس، و هذا لا ينافي أن يراد من الرجس المقدّر بالقياس إلى غيرها معنى آخر كالخباثة المعنويّة.

ففيه: أنّ التقدير خلاف الأصل، و تعدّد المبتدأ مع صلاحية الخبر للعود إلى الجميع لا يقضي بلزومه، و لو سلّم التقدير وجب اتّحاد المذكور و المقدّر في أصل المعنى.

و بالجملة دعوى عدم الخلاف في كون الرجس في الآية بمعنى النجس مع أنّه ليس له معنى محصّل- بملاحظة ما ذكرناه من وجود قرينة الخلاف- غير مسموعة.

و منها: قوله سبحانه أيضاً: «وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ» (1) قال في القاموس: «الرجز القذر و عبادة الأوثان و الشرك و العذاب» (2) و إطلاق الرجس على الشرك و عبادة الأوثان مجاز يتوقّف على القرينة، و الحمل على العذاب في هذه الآية بعيد جدّاً، فينبغي حمله على المعنى الأوّل و هو المناسب لقوله: «وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ» 3 و في تفسير عليّ بن إبراهيم «الرجز الخبيث» (4) و المحكوم بنجاسته شرعاً خبيث قذر فيجب هجره بمقتضى الأمر الّذي هو من التكاليف المشتركة دون الخواصّ، و التصرّف بالتجارة و البيع و الشراء خلاف الهجر المأمور به فيكون محرّماً، هكذا قرّره في المصابيح (5).

و يرد عليه أوّلًا- بعد تسليم تعيّن الحمل على المعنى الأوّل و مجازيّة ما سواه غير العذاب- ما تقدّم من أنّ القذر أعمّ من النجاسة الشرعيّة و الخباثة المعنويّة فلم يتعيّن كون المأمور بهجرانه في الآية هو النجس، و لا يشهد له قوله: «وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ» لما روي عن الصادق (عليه السلام) «أنّ معناه و ثيابك فقصّر» (6) ارشاداً له إلى التنزّه عن ملابس أهل الكبر

____________

(1) 1 و 3 المدّثر: 5.

(2) القاموس 2: 176 (رجز).

(4) تفسير عليّ بن إبراهيم 2: 393.

(5) المصابيح: 5.

(6) الوسائل 5: 41/ 10، ب 23 أحكام الملابس، مجمع البيان 5: 385.

16

حيث كانوا في الجاهليّة يطيلونها حتّى تخطّ على الأرض و كان ذلك آية كبرهم، إلّا أن يقال: بأنّه لا حاجة إلى الاستشهاد به و لا إلى جعل الرجز بمعنى النجس. بل يكفي اندراج النجس في الرجز بمعنى الخبيث كما تقدّم الحمل عليه عن عليّ بن إبراهيم، فإنّ الأعيان النجسة أيضاً ممّا يستقبحه الطبع و لو بحسب طبع الشرع في بعضها.

و ثانياً: أنّ هجران الرجز بمعنى النجس لعلّه معتبر في الصلاة أو في مطلق مشروط بالطهارة من المأكول و المشروب و غيرهما، كما أنّ تطهير الثوب عن النجاسات معتبر في الصلاة و ليس واجباً في غير حالها بضرورة من الدين، و في رواية عن الصادق (عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «اغسل الثياب يذهب الهمّ و الغمّ، و هو طهور للصلاة» (1) فلم يحصل الدلالة من الآية على تحريم التجارة.

و ربّما استدلّ أيضاً بعدّة روايات عامّيّة:

منها: قوله (عليه السلام) في حديث ابن عبّاس: «إنّ اللّٰه إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه» (2) استدلّ بها السيّد في المصابيح (3) على وجه الاعتماد، و يظهر الاعتماد عليها عن جماعة (4) من مشايخنا (قدّس اللّٰه أرواحهم)، و لعلّه لما استفادوه من كونها متلقّاة بالقبول عند جميع الأصحاب أو معظمهم أو جماعة من معتبريهم فإنّ كلّاً ممّا ذكر جابر لضعف السند لإفادته ظنّ الصدور و الوثوق به، و إن كان الأوّل كثيراً ما يوجب القطع به إلّا أنّه في خصوص المقام غير معلوم، كما أنّ الثاني أيضاً كذلك، و أظهر الاحتمالات هو الثالث لأنّهم نسبوا إيراد الرواية و الاستناد إليها إلى جماعة من معتبري أصحابنا كالشيخ و ابن إدريس و العلّامة و ابن فهد و ابن [أبي] جمهور في الخلاف (5) و المبسوط (6) و السرائر (7) و التذكرة (8) و المهذّب (9) و الغوالي (10) و ربّما اضيف إليهم أيضاً السيّد ابن زهرة في الغنية (11)

____________

(1) الوسائل 5: 41/ 7، ب 23 أحكام الملابس.

(2) غوالي اللآلي 2: 110/ 301، سنن الدارقطني 3: 7/ 20.

(3) مصابيح الأحكام: 5.

(4) كما في الجواهر 22: 11، المكاسب للشيخ 14: 13.

(5) الخلاف 3: 184.

(6) لم نعثر عليه في المبسوط.

(7) السرائر 3: 113.

(8) التذكرة 2: 379.

(9) المهذب 4: 235.

(10) الغوالي 2: 110/ 301.

(11) الغنية: 213.

17

و المقداد في التنقيح (1).

و أمّا الدلالة فقوله: «إنّ اللّٰه إذا حرّم شيئاً» ظاهر في تحريم العين لذاته لعنوانه الخاصّ بقول مطلق من غير تقييد له بجهة من الجهات العرضيّة، كما لو قال: الخمر حرام أو الميتة حرام أو لحم الخنزير حرام و غير ذلك. و الجملة تفيد الملازمة الكلّيّة بين تحريم الشيء على هذا الوجه و تحريم ثمنه في البيع و الشراء، بل قضيّة الشرطيّة سببيّة الأوّل للثاني و تحريم الثمن بإطلاقه ظاهر في تحريم جميع التصرّفات فيه، و لا يكون ذلك إلّا لانتفاء الملكيّة بسبب عدم إفادة العقد دخوله في ملك البائع و عدم تأثيره في النقل و الانتقال فكان فاسداً، و لا جهة للفساد إلّا تحريم التجارة بما حرّمه اللّٰه تعالى بقول مطلق. و يندرج فيه الأعيان النجسة لأنّها أشياء حرّمها اللّٰه تعالى بقول مطلق فثبت حرمة التجارة بها.

و المناقشة فيها بمنع الملازمة بين حرمة التصرّف و انتفاء الملكيّة، فكم من ملك يحرم لمالكه التصرّف فيه كالمفلّس المحجور عليه، و تركة المديون مع استغراق الدين- على القول بانتقالها إلى الوارث- مع ممنوعيّته من التصرّف فيها حتّى يؤدّي الدين من ماله أو يضمن للدَيّان، و العين إذا حلف الداخل من المتداعيين فيها بعد عجزهما عن البيّنة فإنّها قد تكون في الواقع للخارج مع عدم جواز التصرّف له، و الرهن بالنسبة إلى الراهن، و الخمر و لحم الخنزير للكفّار فإنّهم يملكونهما مع حرمة الشرب و الأكل لهم بمقتضى كونهم مكلّفين بفروع هذه الشريعة إلى غير ذلك من الموارد.

يدفعها: أنّ انتفاء الملازمة بين حرمة التصرّف في مطلق الشيء و انتفاء الملكيّة و إن كان مسلّماً إلّا أنّ مبنى الاستدلال ليس على دعوى هذه الملازمة، بل على الملازمة بين حرمة التصرّف في ثمن الشيء المحرّم من حيث هو ثمن و انتفاء ملكيّة ذلك الثمن، و لا ريب في ثبوتها بمقتضى الانفهام العرفي من لفظ الرواية و ما أشبهه، فقوله (عليه السلام):

«ثمن الخمر سحت» (2) أو «ثمن الكلب سحت» (3) و نحوه ما لو قيل: «ثمن الخمر أو

____________

(1) التنقيح 2: 5.

(2) الوسائل 17: 94/ 8، ب 5 ما يكتسب به، الفقيه 3: 105/ 435.

(3) الوسائل 17: 118/ 2، ب 14 ما يكتسب به، الكافي 5: 120/ 4.

18

ثمن الميتة حرام» ينساق منه في متفاهم العرف كون الحكم معلّقاً على الثمن من حيث هو ثمن و كونه ملازماً لانتفاء ملكيّته للبائع مع إمكان إثبات هذه الملازمة بالإجماع على أنّ حرمة التصرّف في الثمن إنّما هو لانتفاء الملكيّة، كما ادّعى نظير الإجماع في قوله (عليه السلام): «اغسل ثوبك عن أبوال ما لا يؤكل لحمه» (1) على أنّ وجوب غسل الثوب عن الأبوال إنّما هو باعتبار النجاسة لا غير.

و قد يتوهّم ثبوتها بعموم «الناس مسلّطون على أموالهم» (2) فإنّ ثمن الأعيان النجسة لو كان مالًا للبائع لتسلّط على التصرّف فيه. و لكنّه ضعيف لأنّ أقصى ما يثبت بذلك العموم إنّما هو الملازمة بين الملكيّة و تسلّط المالك على التصرّف و لا كلام فيها، بل في الملازمة بين حرمة التصرّف و انتفاء الملكيّة و ليست مستفادة من العموم، فالوجه في إثباتها ما ذكرناه.

لا يقال: إنّ تحريم الثمن إنّما يلازم انتفاء الملكيّة إذا توجّه إلى جميع أنواع التصرّفات لا مطلقاً، و هذا محلّ منع سنده ما تقدّم من انصراف إطلاق التحريم المضاف إلى العين إلى الجهة الغالبة المقصودة منها، و مرجعه فيما نحن فيه إلى تحريم بعض التصرّفات في الثمن و هو لا يلازم انتفاء الملكيّة و إلّا انتفى الملك رأساً، إذ ما من شيء في سلسلة الأموال إلّا و بعض التصرّفات فيه محرّم.

لأنّا نقول: إنّ القاعدة المذكورة إنّما تتمّ فيما كان له جهة غالبة مقصودة للعقلاء، و أمّا ما تساوت جهات التصرّف فيه فالتحريم المتعلّق به يعمّ الجميع لشهادة العرف و قضاء دليل الحكمة بذلك، و الثمن بعنوان الثمنيّة خصوصاً إذا كان من أحد النقدين كما هو المتبادر منه ليس له جهة غالبة ينصرف إليه إطلاق التحريم فيعمّ جميع التصرّفات اللاحقة به. نعم إنّما المعضل إثبات الملازمة بين فساد المعاملة و تحريمها الّذي هو

____________

(1) الوسائل 3: 405/ 2، ب 8 أبواب النجاسات، التهذيب 1: 420/ 1329.

(2) عوالي اللآلي 1: 222/ 99.

19

المقصود بالبحث و هي ممنوعة، و أقصى ما دلّت عليه الرواية بالبيان المتقدّم إنّما هو الفساد، و المقصود إثبات التحريم، و الفساد لا يلازمه، كما قيل عكسه في الاصول في منع دلالة النهي في المعاملات على الفساد بتقريب أنّ تحريم المعاملة لا ينافي الصحّة فلا يلازم الفساد و هاهنا أيضاً نقول: إنّ الفساد لا يلازم التحريم.

إلّا أن يقال بأنّ المراد به في محلّ البحث ما يعمّ الحرمة التشريعيّة، فإنّ إجراء العقد الفاسد و إعمال المعاملة الفاسدة و ترتيب الآثار عليها مع فرض الفساد تشريع فيكون محرّماً.

و يدفعه: ظهور كلماتهم بل صراحة جملة منها في إرادة الحرمة الشرعيّة، و أقوى ما يشهد بذلك اقتصارهم في الحكم بالحرمة على أشياء مخصوصة كالأعيان النجسة و غيرها ممّا يذكر في هذا الباب، فلو أنّ الحرمة المبحوث عنها أعمّ من الحرمة التشريعيّة لوجب طرد الحكم بجميع ما يفسد من المعاملات و لو في الأملاك و الأموال المملوكة إذا كان فسادها للإخلال ببعض شروط الصحّة ممّا يرجع إلى الصيغة أو إلى أحد المتعاقدين أو أحد العوضين.

و يمكن التخلّص عن الإشكال بإثبات الملازمة بأحد الوجوه:

الأوّل: أن يقال: إنّ ثمن العين المحرّمة من لوازم بيع تلك العين، و تحريمه في الرواية كناية عن تحريم ملزومه و هو البيع على معنى أنّه (صلى الله عليه و آله و سلم) في قوله: «إنّ اللّٰه إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه» إنّما ذكر تحريم ثمن ما حرّمه اللّٰه تعالى لينتقل منه السامع إلى تحريم البيع الواقع عليه.

الثاني: أن يقال: إنّ سوق الرواية ظاهر في أنّه (صلى الله عليه و آله و سلم) قصد ببيان تحريم ثمن الأعيان المحرّمة على الوجه الكلّي نصب قرينة عامّة على أنّ المراد من تحريم كلّ واحد من الأعيان المحرّمة ما يعمّ بيعها و التكسّب بها، إمّا باعتبار أنّ تحريم العين راجع إلى جميع منافعها الّتي منها البيع و التكسّب، أو باعتبار أنّه راجع إلى منافعها المقصودة الّتي منها البيع و التكسّب، و أيّاً ما كان فالبيع و التكسّب بالأعيان النجسة داخل في التحريم، و المقصود من الرواية بيان هذا المطلب، و مرجعه إلى إعطاء ضابطة كلّيّة في الأعيان

20

المحرّمة الّتي منها الأعيان النجسة و هي حرمة بيعها و التكسّب بها.

الثالث: أن يقال: إنّ تحريم المال المأخوذ بالعقد الفاسد يتصوّر من وجهين:

أحدهما: حرمة التصرّف فيه باعتبار أنّه مال الغير و هو حرام.

و ثانيهما: حرمته باعتبار كونه ثمناً للعين المحرّمة و عوضاً عنه، و كونه ثمناً و عوضاً عنها وجه، و اعتبار وجهة مفسدة في نظر الشارع تعرض المال و أوجبت فيه الحرمة الشرعيّة، و لا ريب أنّ الحرمة من هذه الجهة غير الحرمة من الجهة الاولى.

و يظهر فائدة الفرق بينهما فيما لو أذن المالك بعد المعاملة الفاسدة للبائع في التصرّف في الثمن و أباح له جميع التصرّفات، ارتفعت الحرمة من الجهة الاولى و بقيت الجهة الثانية إذ لا مدخليّة لإذن المالك في رفعها باعتبار كونها حرمة تعبّديّة صرفة، و لا يدور ثبوتها مدار إذن المالك و رضاه و عدمهما، و له نظائر كثيرة:

منها: الرشوة المحرّمة، و هي المال المأخوذ رشاءً، فإنّ الرشائيّة جهة مفسدة إذا عرضت المال صار محرّماً و إن بذله صاحبه بطيب نفسه و رضاه.

و منها: المال المأخوذ قماراً، فإنّ القماريّة جهة مفسدة في نظر الشارع، إذا عرضت المال أوجبت تحريم الشارع إيّاه على الآخذ و إن أعطاه صاحبه برضاه و طيب نفسه.

و منها: المال الّذي يأخذه الإنسان عند الترافع إلى الجبت و الطاغوت و حاكم الجور بل كلّ من لا يصلح للحكومة الشرعيّة استناداً إلى حكمه، فإنّه عند الشارع جهة مفسدة في أخذ المال توجب تحريمه تعبّداً من الشارع و إن كان حقّه ثابتاً دَيناً كان أو عيناً.

و قد ذكر (عليه السلام) في مقبولة عمر بن حنظلة «أنّه يأكل سحتاً» و إن كان حقّه ثابتاً.

و المال المأخوذ ثمناً و عوضاً عمّا حرّمه اللّٰه تعالى من حيث عروض جهة الثمنيّة و العوضيّة عنه لذلك المال من قبيل هذه النظائر.

و الرواية لمكان قوله (عليه السلام): «حرّم ثمنه» باعتبار إضافة الثمن إلى ما حرّمه اللّٰه ظاهرة في التحريم من هذه الجهة لا من الجهة الاولى، نظراً إلى انفهام حيث الثمنيّة، فيكون تقدير الرواية في حاصل المعنى «أنّ اللّٰه إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه من حيث إنّه ثمنه»

21

و هذه الحيثيّة كما ترى لا مدخليّة لها في التحريم من الجهة الاولى، و مرجع تحريمهما حينئذٍ إلى مبغوضيّة كلّ من المعوّض و العوض للشارع، أمّا مبغوضيّة المعوّض فلمفسدة في ذاته، و أمّا مبغوضيّة العوض فلمفسدة العوضيّة عن ذي المفسدة الذاتيّة، و من المعلوم أنّ مبغوضيّة العوضين تقضي بمبغوضيّة التعويض و المعاوضة، فيكون أصل المعاملة الواقعة على الأعيان المحرّمة الّتي منها الأعيان النجسة محرّماً بمقتضى الملازمة المستفادة من الرواية.

و من الروايات النبويّة قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) في حديث جابر بن عبد اللّه: «إنّ اللّٰه و رسوله (صلى الله عليه و آله و سلم) حرّما بيع الخمر و الميتة و الخنزير و الأصنام، قيل يا رسول اللّٰه: أ رأيت شحوم الميتة أنّها تطلى بها السفن و تدهن بها الجلود و يستصبح بها الناس؟ فقال: لا، هو حرام، ثمّ قال:

قاتل اللّٰه اليهود إنّ اللّٰه لمّا حرّم عليهم شحومها جملوها (1) ثمّ باعوها فأكلوا ثمنه» (2).

و في المصابيح (3) أوردها في الخلاف (4) و المنتهى (5).

و في الإيضاح (6) و الغوالي (7) أنّه (صلى الله عليه و آله و سلم) «قال: لعن اللّٰه اليهود حرّمت عليهم الشحوم فباعوها فأكلوا أثمانها».

و هذه إمّا رواية اخرى أو نسخة اخرى من الرواية الاولى مكان قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) «قاتل اليهود» الخ. و قوله «أ رأيت شحوم الميتة» أي بيع شحوم الميتة للمنافع الثلاث المذكورة بقرينة انسياق و تذكير الضمير في قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «هو حرام» أي بيع شحوم الميتة للمنافع المذكورة، و ظاهر الرواية أنّه ليس للميتة و شحومها جهة محلّلة بل جميع منافعهما محرّمة و إلّا لم يكونوا جملوها للبيع بل كانوا يمسكونها للانتفاع بها في الجهات المحلّلة.

و كيف كان ففي الرواية مواضع ثلاث من الدلالة كما يظهر بأدنى تأمّل. ثمّ لو انجبر ضعفها سنداً باعتماد الشيخ و العلّامة في الخلاف و المنتهى، أو هو مع اعتماد الإيضاح

____________

(1) جملت الشحم: إذا أذبته و استخرجت دهنه (النهاية ابن الأثير 1: 298 جمل).

(2) صحيح مسلم 3: 120/ 71، سنن الترمذي 2: 591/ 1297، سنن النسائي 7: 309.

(3) مصابيح الأحكام: 5.

(4) الخلاف 3: 186.

(5) المنتهى 2: 1010.

(6) إيضاح الفوائد 1: 402.

(7) عوالي اللآلي 1: 181/ 240.

22

و الغوالي بحيث يحصل الظنّ و الوثوق بصدورها، كانت دليلًا على المطلب في الجملة لاختصاص موردها ببعض الأعيان النجسة و إلّا كانت مؤيّدة للدليل.

و العمدة في دليل المسألة الأخبار الإماميّة المأثورة من طرق أصحابنا الإماميّة، و العمدة منها قوله (عليه السلام): «و أمّا وجوه الحرام من البيع و الشراء، فكلّ أمر يكون فيه الفساد ممّا هو منهيّ عنه من جهة أكله أو شربه أو كسبه أو نكاحه أو ملكه أو إمساكه أو هبته أو عاريته، أو شيء يكون فيه وجه من وجوه الفساد، نظير البيع بالربا أو البيع للميتة أو الدم أو لحم الخنزير أو لحوم السباع من صنوف سباع الوحش أو الطير أو جلودها أو الخمر أو شيء من وجوه النجس، فهذا كلّه حرام و محرّم، لأنّ ذلك كلّه منهيّ عن أكله و شربه و لبسه و ملكه و إمساكه و التقلّب فيه فجميع تقلّبه في ذلك حرام» (1) الخ. و هذا بعض من الرواية الطويلة رواها حسن بن علي بن شعبة في كتاب تحف العقول بحذف سندها لاشتهارها بين الأصحاب و معروفيّة سندها عن الصادق (عليه السلام).

و لكن عن السيّد (رحمه الله) أنّه أوردها في رسالة المحكم و المتشابه (2) نقلًا عن تفسير محمّد بن إبراهيم بن جعفر النعماني بإسناده عن أمير المؤمنين (عليه السلام).

و ينبغي التكلّم في شرح متن الرواية و بيان تركيبها و إعرابها ليتميّز ما تضمّنه من أنواع البيع الحرام، فإنّها متضمّنة لأنواع ثلاث يضبطها: أنّ البيع الحرام إمّا أن يكون بحيث نهى عنه لما فيه من وجه فساد ليس معه وجه صلاح، أو يكون بحيث نهى عنه لوجه فساد فيه معه وجه صلاح أيضاً على معنى اشتماله على وجه فساد و وجه صلاح باعتبار اشتمال متعلّقه و هو المبيع على منفعة محرّمة و منفعة محلّلة، و على الأوّل فإمّا أن يكون بحيث نهى عنه أصالة من دون نهي في متعلّقه مع قطع النظر عنه، أو يكون بحيث نهى عنه تبعاً للنهي عن متعلّقه.

و إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ قوله: «و أمّا وجوه الحرام» أي عنوانات الحرام من البيع و الشراء، و كلمة «من» للتبيين متعلّقة بالحرام، و حاصل معنى العبارة عنوانات البيع

____________

(1) الوسائل 17: 83/ 1، ب 2 ما يكتسب به، تحف العقول: 331.

(2) رسالة المحكم و المتشابه: 46.

23

و الشراء المحرّم.

قوله: «فكلّ أمر» أي بيع كلّ أمر بتقدير المضاف.

و قوله: «يكون فيه الفساد» أي كلّ أمر مشتمل على وجه فساد.

و قوله: «ممّا هو منهيّ عنه» أي ممّا يكون وجه فساده باعتبار كونه منهيّاً عنه على معنى اشتماله على منفعة محرّمة.

و قوله: «من جهة أكله» أي كون منفعته المحرّمة المنهيّ عنها أكله لا سائر منافعه كالطين الّذي أكله حرام فبيعه و شراؤه أيضاً لجهة أكله حرام.

و قوله: «أو شربه» أي كون منفعته المحرّمة شربه لا سائر منافعه كالعصير العنبي بعد الغليان إن قلنا بطهارته، فإنّ شربه حرام، فبيعه و شراؤه أيضاً لجهة شربه حرام.

و قوله: «أو كسبه» أي كون الجهة المحرّمة فيه كسبه أي التكسّب به و تحصيل المال بواسطته كالجارية المغنّية إذا اتّخذها الإنسان للتكسّب بتغنّيها، فبيعها و شراؤها لأجل هذه المنفعة حرام.

و قوله: «أو نكاحه» أي كون الجهة المحرّمة فيه نكاحه بمعنى وطئه كالجارية الّتي تكون من محارمه فبيعها و اشتراؤها لجهة الوطء حرام و نحوها موطوءة الابن أو موطوءة الأب للأب أو الابن.

و قوله: «أو ملكه» أي كون الجهة المحرّمة فيه الملك بمعنى ترتيب آثار الملك كالحرّ أو المملوك إذا كان أحد العمودين، فإنّ ترتيب آثار الملكيّة عليه حرام فبيعه و اشتراؤه أيضاً لهذه الجهة حرام، و إنّما فسّرنا الملك بذلك لأنّه بالمعنى المصدري إمّا صفة في المالك إن اعتبرناه بالبناء للفاعل أعني المالكيّة، أو صفة في المملوك إن أخذناه بالبناء للمفعول أعني المملوكيّة، و أيّاً ما كان فهو لا يصلح متعلّقاً للنهي، لأنّه يتعلّق بما هو من مقولة الأفعال لا ما هو من مقولة الصفات، فوجب تأويله إلى إرادة ترتيب آثار الملكيّة.

و قوله: «أو إمساكه» أي كون الجهة المحرّمة فيه الإمساك كالطعام في المجاعة مع احتياج الناس إليه، فإنّ إمساكه حينئذٍ حرام، فبيعه و اشتراؤه لأجل الإمساك أيضاً حرام.

24

قوله: «أو هبته أو عاريته» أي كون الجهة المحرّمة فيه أحد الأمرين كهبته القرآن أو عاريته من الكافر، أو هبته السلاح أو عاريته من المشركين، أو هبة كتب الضلال أو عاريتها لغير الأهل، فالبيع و الشراء في الجميع لجهة الهبة أو العارية حرام.

فقوله: «ممّا نهى عنه» مع ما ذكر معه من الأمثلة إشارة إلى أحد الأنواع الثلاثة المشار إليها، و هو البيع الحرام الّذي نهى عنه لوجه فساد فيه معه وجه صلاح أيضاً باعتبار اشتمال مورده- و هو المبيع- على جهة محرّمة وجهة محلّلة.

و قوله: «أو شيء يكون فيه وجه من وجوه الفساد» إشارة إلى النوعين الآخرين أعني البيع الحرام الّذي نهى عنه لوجه فساد فيه ليس معه وجه صلاح مع تعلّق النهي به أصالةً كالبيع بالربا، فإنّ الربويّة وجه فساد فيه أي علّة باعثة على فساده و ليس معه وجه صلاح، ضرورة حرمة البيع الربوي بجميع أفراده.

و عدم حلّية شيء منها إلّا ما خرج بالدليل، مع عدم كون مورده و هو المبيع مع قطع النظر عن هذا البيع منهيّاً عنه، أو تبعاً للنهي في مورده و متعلّقه كبيع الميتة و بيع الدم و بيع لحم الخنزير و غيره من الأمثلة المذكورة فإنّ الجميع من وادٍ واحد و هو كون حرمة البيع لوجه فساد فيه ليس معه وجه صلاح باعتبار كون جميع جهات مورده و جميع منافع متعلّقه محرّمة على معنى عدم اشتماله على منفعة محلّلة أصلًا، و هذا هو على مقتضى ظاهر الرواية، و لو ثبت بالدليل في بعض الأمثلة جواز الانتفاع فيه ببعض الجهات فهو مخرج بالدليل من باب التخصيص.

فقوله: «أو شيء يكون فيه وجه من وجوه الفساد» عطف على المضاف المقدّر في قوله: «فكلّ أمر» بقرينة التمثيل له بالبيع بالربا و البيع للميتة فيكون مرفوعاً، و معناه شيء من البيع يكون فيه وجه من الفساد على حسبما بيّنّاه.

و قوله فيما بعد الأمثلة المذكورة: «أو شيء من وجوه النجس» عطف على سابقه أي بيع شيء من وجوه النجس أي العنوانات النجسة الّتي نجاستها تابعة لأصل العنوان، كالبول و العذرة و أرواث ما لا يؤكل لحمه و المني و الكلب و ما أشبه ذلك. و من هنا يعلم أنّ حكم الرواية لا يعمّ المتنجّسات الغير القابلة للتطهير من غير استحالة، لكون

25

نجاستها عرضيّة غير تابعة للعنوان.

و قوله: «فهذا كلّه حرام و محرّم» بقرينة التعليل إشارة إلى ما بعد البيع بالربا و لا يعمّه و ما قبله. و عطف المحرّم على الحرام لعلّه للمغايرة بينهما في كون المراد بالمعطوف عليه ما كان حرمته عقليّة- و هو كون الشيء بحيث يستحقّ فاعله الذمّ- و بالمعطوف ما حرّم بالتحريم الشرعي، و التعليل حينئذٍ راجع إليه. و جعل المنهيّ عنه في الأشياء المذكورة و في وجوه النجس أكله و شربه و لبسه و ملكه و إمساكه و التقلّب فيه تصريح بكونها بجميع منافعها محرّمة و أنّه ليس فيها منفعة محلّلة.

فيستفاد من الرواية بالنسبة إلى الأعيان النجسة ما عدا المتنجّسات اصول ثلاث على سبيل القاعدة الكلّيّة:

الأوّل: أنّ الأصل فيها حرمة البيع و التكسّب بها.

و الثاني: أنّ الأصل فيها حرمة الانتفاع بها بجميع جهات النفع، بل حرمة جميع التصرّفات فيها و تقلّباتها، و يندرج في ذلك عدم جواز أخذها موارد في سائر عقود المعاوضة و غيرها، لمكان قوله (عليه السلام): «فجميع تقلّبه في ذلك حرام».

الثالث: عدم تعلّق صفة الملك بها و عدم دخولها في ملك المسلم، لمكان قوله (عليه السلام):

«و ملكه» أي منهيّ عن ملكه، فإنّ النهي عن ترتيب آثار الملك عليها يكشف عن انتفاء الملكيّة فيها، فلو ثبت في بعضها مطلقاً أو في بعض موارد بعضها أنّه يقبل البيع أو مطلق التكسّب أو الانتفاع ببعض الجهات أو الملكيّة فهو مخرج عن القاعدة بالدليل، هذا كلّه في متن الرواية و كيفيّة دلالتها و مقدار دلالتها.

و أمّا سند الرواية: فهو على ما حكي عن رسالة المحكم و المتشابه نقلًا عن تفسير النعماني، أنّ محمّد بن إبراهيم بن جعفر النعماني روى في تفسيره عن أحمد بن محمّد بن سعيد ابن عقدة عن أحمد بن يوسف بن يعقوب الجعفي عن إسماعيل بن مهران عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة عن أبيه عن إسماعيل بن جابر قال: سمعت أبا عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام).

أمّا النعماني فحاله في كونه شيخاً من أصحابنا عظيم القدر شريف المنزلة صحيح

26

العقيدة كثير الحديث واضح ذكره في الخلاصة (1).

و أمّا ابن عقدة فهو و إن كان زيديّاً جاروديّاً إلّا أنّ الشيخ وثّقه بقوله: «إنّ أمره في الثقة و الجلالة و عظم الحفظ أشهر من أن يذكر. قال: و إنّما ذكرناه في جملة أصحابنا لكثرة روايته عنهم و خلطته بهم و تصنيفه لهم» (2).

و أمّا الجعفي فعن التعليقة «أنّه روى عن محمّد بن إسماعيل الزعفراني و فيه إشعار بوثاقته» (3) و وجه الإشعار ما عدّوه من أمارات التوثيق رواية محمّد بن إسماعيل بن ميمون أو جعفر بن بشير عنه أو روايته عن أحدهما و أحمد بن يوسف يروي عن محمّد ابن إسماعيل بن ميمون الزعفراني.

و أمّا ابن مِهْران بكسر الميم و سكون الهاء فقد شهد الشيخ (4) و النجاشي (5) له بالثقة و تبعهما العلّامة في الخلاصة (6) و رميه بالغلوّ غير جيّد، بل عن محمّد بن مسعود «أنّه يكذّبون عليه كان تقيّاً ثقة خيراً فاضلًا» (7) فالسند إليه لا ضير فيه غايته اندراجه في الموثّق.

و إنّما الكلام في الحسن (8) بن عليّ بن أبي حمزة و أبيه، فقد ذكر في الرجال في كلّ منهما قدح عظيم و طعن كثير مع كونهما واقفيّين، فالسند من جهتهما يدخل في الضعيف فلا بدّ في التعويل على الرواية من جابر لضعف السند.

و قد يقال: إنّه منجبر بامور:

منها: قول الشيخ في العدّة في عليّ بن أبي حمزة «أنّه عملت الطائفة بأخباره» (9) فإنّه في معنى دعوى الإجماع على العمل.

و منها: عمل المعظم بمضمون الرواية.

و منها: إيراد عليّ بن حسن بن شعبة إيّاها في تحف العقول بحذف السند، فإنّه

____________

(1) الخلاصة: 267.

(2) الفهرست: 42/ 76.

(3) منتهى المقال 1: 368، التعليقة: 50.

(4) الفهرست: 11/ 32.

(5) رجال النجاشي: 26/ 49.

(6) الخلاصة: 54/ 34.

(7) رجال الكشّي: 589/ 1102.

(8) الخلاصة: 212/ 7، منتهى المقال 2: 409/ 755.

(9) العدّة 1: 381.

27

يومئ إلى أنّه لأجل اشتهارها بين الطائفة و الاعتماد عليها عندهم.

و منها: فتوى الشيخ في النهاية (1) بمضمونها بألفاظ قريبة من عباراتها.

و منها: عمل السيّد (2) بمضمونها مع أنّه لا يرى العمل بأخبار الآحاد الغير المقطوع بصدورها. و هذه الأمارات قرائن تفيد و لو بتراكم بعضها ببعض القطع أو الظنّ بالصدور.

و من الأخبار ما عن دعائم الإسلام للقاضي نعمان المصري عن الصادق (عليه السلام) «إنّ الحلال من البيوع كلّما كان حلالًا من المأكول و المشروب و غير ذلك ممّا هو قوام للناس و يباح لهم الانتفاع، و ما كان محرّماً أصله منهيّاً عنه لم يجز بيعه و لا شراؤه» (3).

و ما عنه أيضاً عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن آبائه عن عليّ (عليه السلام) «إنّ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) نهى عن بيع الأجراب و عن بيع الميتة و الدم و لحم الخنزير و الأصنام، و عن عسيب الفحل، و عن ثمن الخمر، و عن بيع العذرة. و قال: هي ميتة» (4).

و ما عن الفقه الرضوي «اعلم رحمك اللّٰه أنّ كلّ مأمور به على العباد و قوام لهم في امورهم من وجوه الصلاح الّذي لا يقيمهم غيره ممّا يأكلون و يشربون و يلبسون و ينكحون و يملكون و يستعملون، فهذا كلّه حلال بيعه و شراؤه وهبته و عاريته، و كلّ أمر يكون فيه الفساد ممّا قد نهى عنه من جهة أكله و شربه و لبسه و نكاحه و إمساكه بوجه الفساد مثل الميتة و الدم و لحم الخنزير و الربى و جميع الفواحش و لحوم السباع و الخمر و ما أشبه ذلك فحرام ضارّ للجسم» (5) و هذا إن لم ينهض حجّة فلا أقلّ من صلوحه مؤيّداً أو جابراً لضعف سند ما تقدّم، و نحوه الكلام في سابقيه لعدم وضوح سنديهما.

و لقد أكثر السيّد في المصابيح (6) في ذكر الأخبار المصرّحة بسحتيّة الثمن في جملة كثيرة من الأعيان النجسة بل في أكثرها بما يشرف الفقيه على دعوى القطع بأنّ مبنى الشريعة فيها على حرمة التكسّب بها، و لعلّنا نورد نبذة منها في تضاعيف الباب.

و ليس للقول بجواز التكسّب بها إن فرض لها منفعة غالبة مقصودة للعقلاء

____________

(1) النهاية 2: 97.

(2) رسالة المحكم و المتشابه: 46.

(3) دعائم الإسلام 2: 18/ 23.

(4) دعائم الإسلام 2: 18/ 22.

(5) فقه الرضا (عليه السلام): 250.

(6) المصابيح: 6.

28

- كما تقدّم (1) عن الفاضل الكاشاني و المقدّس الأردبيلي و الفاضل الخراساني في الكفاية- إلّا أنّ الأصل و العمومات أجناساً و أنواعاً و أصنافاً كقوله تعالى: «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (2) و قوله: «إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ» (3) و قوله: «أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ» (4) و قوله (عليه السلام): «كلّ صلح جائز بين المسلمين إلّا ما أحلّ حراماً أو حرّم حلالًا» (5) و قوله (عليه السلام): «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» (6) إلى غير ذلك، فإنّها شاملة لمحلّ البحث كما أنّ الأصل جارٍ فيه.

و ليس هاهنا ما يتوهّم كونه مخرجاً عنهما إلّا النجاسة و هي غير صالحة عقلًا و لا شرعاً لعدم نهوض ما يقضي من الشرع بإناطة الحكم تكليفاً و وضعاً بالنجاسة، و أنّه لو لا الجواز لما وقع في الشرع و التالي باطل لورود الإذن في بعض الأعيان و ليس إلّا للانتفاع المحلّل، كما في كلب الصيد بل الكلاب الأربع و في بيع الكافر، و في بيع العذرة و بيع الميتة في بعض أحوالهما، و بيع شعر الخنزير ليتّخذ حبلًا يستقى به.

و الجواب عن الأصل: أنّه إن اريد به ما يفيد الجواز التكليفي قبالًا للحرمة و هو أصل الإباحة، فيدفعه: أنّ ما تقدّم من الإجماعات و الروايات ناقلة عنها، بتقريب أنّ موضوع الأصل المذكور الأشياء المشتملة على المنفعة الخالية عن أمارة المفسدة أو مطلق ما لم يعلم حكمه بالخصوص لشبهة حكميّة تحريميّة، و ما ذكر من الإجماعات و الروايات أمارة مفسدة تفيد خروج محلّ البحث عن موضوع الأصل بكلا تقريريه.

و إن اريد به ما يفيد الجواز الوضعي أعني الصحّة بمعنى ترتّب الأثر و هو أصالة الصحّة في العقود أو مطلق المعاملات، فإن اريد به ما يعبّر عنه بالأصل الأوّلي، فهو خلاف ما حقّق في محلّه، من أنّ الأصل الأوّلي في المعاملات هو الفساد، لأنّ الأصل عدم ترتّب الأثر و هو أمر حادث يشكّ في حدوثه. و إن اريد به ما يعبّر عنه بالأصل الثانوي و هو القاعدة المستفادة من عمومات الصحّة فمرجعه إلى عموم تلك العمومات،

____________

(1) تقدّم في ص 11.

(2) المائدة: 1.

(3) البقرة: 188.

(4) البقرة: 279.

(5) الوسائل 27: 234/ 5، ب 3 أبواب كيفيّة الحكم، الفقيه 3: 20/ 52.

(6) الوسائل 18: 6/ 3، ب 1 أبواب الخيار، التهذيب 7: 20/ 85.

29

و جوابه التخصيص بما ذكر من الإجماعات و الروايات فإنّها كما تنهض ناقلة عن الأصل كذلك تنهض مخصّصة للعمومات. و هذا كافٍ في التزام إناطة الحكم تكليفاً و وضعاً بالنجاسة و كونها مانعة من الجواز مطلقاً إلّا ما خرج بالدليل.

و من هنا يظهر الجواب عن العلاوة، فإنّ الجواز في الموارد المذكورة ليس إجماعيّاً و حيث قلنا به فيها أو في بعضها كان مخرجاً عن القاعدة بالدليل، فلا ينافيها ثبوته فيها لأنّها على ما بيّناه سابقاً قابلة للتخصيص.

ثمّ ينبغي التكلّم في كلّ واحد من الأعيان النجسة على وجه التفصيل طلباً لمعرفة أحكام كلّ مفصّلة، و تمييزاً لمحل الاستثناء منها عن غيره، و يتمّ ذلك في مباحث

30

المبحث الأوّل فيما يتعلّق بالخمر موضوعاً و حكماً

أمّا الموضوع،

فالمعروف المشهور بين الفقهاء أنّها المسكر المتّخذ من العنب، و هو المعهود في العرف الكاشف عن اللغة بل المشهور بين أئمّة اللغة، و هو المستفاد من تضاعيف الأخبار المتكاثرة المأثورة عن أهل بيت العصمة، و ما يوجد في بعض الأخبار من إطلاقها على سائر الأنبذة و المسكرات أو الفقّاع فهو مبنيّ على الاستعارة، و التشبيه لمشاركتها الخمر في الأحكام.

و من هذا الباب ما ورد في عدّة أخبار من قوله (عليه السلام): «قال رسول اللّٰه: الخمر من خمسة، العصير من الكرم، و النقيع من الزبيب، و البِتع (1) من العسل، و المزر (2) من الشعير، و النبيذ من التمر» (3) و كذا ما في قول أبي الحسن الماضي (عليه السلام) بسند صحيح: «من أنّ اللّٰه لم يحرّم الخمر لاسمها، و لكن حرّمها لعاقبتها، فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر» (4) بل هذا على ما ذكرناه من اختصاص اسم الخمر بالمتّخذ من العنب أدلّ لمكان قوله: «لم يحرّم الخمر لاسمها و لكن حرّمها لعاقبتها» فإنّ هذا البيان يقال لتعميم الحكم إلى ما لم يتناوله الاسم حقيقة و إن فرض دخوله في المراد مجازاً حين إنشاء الحكم.

____________

(1) البِتع: نبيذ يتّخذ من عسل كأنّه الخمر صلابة (لسان العرب 8: 4).

(2) المزر: نبيذ الشعير و الحنطة و الحبوب (لسان العرب 5: 172).

(3) الوسائل 25: 279/ 1، ب 1 الأشربة المحرّمة، التهذيب 9: 101/ 442.

(4) الوسائل 25: 342/ 1، ب 19 الأشربة المحرّمة، التهذيب 9: 112/ 486.

31

فالقول بأنّها كلّ شراب مسكر سواء كان متّخذاً من العنب أو الزبيب أو التمر أو الشعير أو الذرّة أو العسل أو غيره، ضعيف و إن رجّحه صاحب القاموس قائلًا: «الخمر ما أسكر من عصير العنب أو عامّ. ثمّ قال: و العموم أصحّ لأنّها حرّمت، و ما بالمدينة خمر عنب و ما كان شرابهم إلّا البُسر و التمر» (1).

و هذا التعليل أضعف من القول المذكور لأنّ التحريم حكم مشترك بين أهل المدينة و أهالي سائر البلاد، و عدم وجود شراب العنب في المدينة يوم حرّمت الخمر لا يقضي بأنّ المراد بالخمر ما عداه من المسكرات أو ما يعمّه و غيره، و لو سلّم فلا يثبت به الاستعمال غير دالّ على الحقيقة.

و أمّا الحكم،

فنقول: إنّه يتعلّق بالخمر كثيرة تذكر في مسائل:

المسألة الاولى: يحرم بيع الخمر و شراؤها بل مطلق التكسّب بها

إجماعاً محصّلًا و منقولًا مستفيضاً كما تقدّم الإشارة إلى جملة منها، مضافاً إلى عموم النبويّ المتقدّم، و خصوص رواية تحف العقول، و الروايات المصرّحة بسحتيّة ثمن الخمر، و ما رواه في الخصال عن الباقر (عليه السلام) «لعن رسول اللّٰه صلى الله عليه و سلم في الخمر عشرة، غارسها و حارسها و عاصرها و شاربها و ساقيها و حاملها و المحمولة إليه و بائعها و مشتريها و آكل ثمنها» (2) و في معناه المرويّ في كتب المشايخ الثلاث بطرق عديدة.

و في مقابلها عدّة من الأخبار ربّما توهم الجواز مثل خبر محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) «في رجل كان له على رجل دراهم فباع خمراً أو خنازير و هو ينظر فقضاه، فقال: لا بأس به أمّا للمقتضي فحلال، و أمّا للبائع فحرام» (3).

و خبر زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في الرجل يكون لي عليه الدراهم فيبيع بها خمراً أو خنزيراً ثمّ يقضي منها، قال: لا بأس، أو قال: خذها» (4).

و خبر محمّد بن يحيى الخثعمي قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يكون لنا

____________

(1) القاموس 2: 23 (خمر).

(2) الوسائل 17: 224/ 4، ب 55 ما يكتسب به، الخصال: 444/ 41.

(3) الوسائل 17: 232/ 2، ب 60 ما يكتسب به، التهذيب 7: 137/ 606.

(4) الوسائل 17: 233/ 3، ب 60 ما يكتسب به، الكافي 5: 232/ 11.

32

عليه الدين فيبيع الخمر و الخنازير فيقضينا، فقال: لا بأس به ليس عليك من ذلك شيء» (1).

و رواية أبي بصير قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يكون له على الرجل مال فيبيع بين يديه خمراً و خنازير يأخذ ثمنه؟ قال: لا بأس» (2).

فإنّها تدلّ على إباحة ثمن الخمر للمقتضي و هو فرع على جوازه و صحّته، غير أنّها- مع عدم عامل بإطلاقها من الأصحاب فلا تقاوم لمعارضة أدلّة المنع- حملت على ما لو كان البائع ذمّياً فإنّه يملكها و يجوز له بيعها.

و ربّما يشهد له رواية منصور قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): لي على رجل ذمّي دراهم، فيبيع الخمر و الخنزير و أنا حاضر فيحلّ لي أخذها؟ فقال: إنّما لك عليه دراهم فقضاك دراهمك» (3).

و في رواية جميل قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): يكون لي على الرجل الدراهم فيعطيني بها خمراً؟ قال: خذها ثمّ أفسدها. قال عليّ- و في نسخة قال ابن أبي عمير-:

يعني اجعلها خلّاً» (4) و هذه تدلّ على جواز إعطاء الخمر و أخذها وفاءً عن الدين و هو نوع من التكسّب، و لكنّها أيضاً- مع عدم عامل بها أيضاً و عدم مقاومتها و احتمالها كون القاضي ذمّياً- حملت على كون المراد أخذها مجّاناً ثمّ تخليلها لنفسه أو أخذها و تخليلها لصاحبها ثمّ أخذ الخلّ وفاءً عن الدين.

و هل يجوز بيع الخمر و شراؤها للتخليل؟ الوجه لا بلا خلاف أجده، لإطلاق أدلّة المنع، مع سلامتها عن المعارض، سوى ما يتوهّم معارضته لها من رواية عبيد بن زرارة، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يأخذ الخمر فيجعلها خلّاً؟ قال: لا بأس» (5) و يدفعه عدم قضائها بأنّ المراد أخذها بعنوان البيع و الشراء، و لو فرض فقد الدلالة على

____________

(1) الوسائل 17: 233/ 4، ب 60 ما يكتسب به، التهذيب 7: 137/ 607.

(2) الوسائل 17: 233/ 4، ب 60 ما يكتسب به، التهذيب 7: 137/ 608.

(3) الوسائل 17: 232/ 1، ب 60 ما يكتسب به، الكافي 5: 232/ 10.

(4) الوسائل 25: 371/ 4، ب 31 أبواب الأشربة المحرّمة، التهذيب 9: 117/ 506.

(5) الوسائل 25: 370/ 3، ب 31 أبواب الأشربة المحرّمة، التهذيب 9: 117/ 505.

33

التحريم هنا استرابة لإطلاق أدلّة المنع، فلا أقلّ من التزام فساد البيع لكون المبيع ممّا لا يملكه المسلم و لا يدخل في ملكه على ما ستعرفه.

الثانية: يحرم شرب الخمر اختياراً بالإجماع الضروري بل بضرورة من دين الإسلام،

و لأجل ذا يكون مستحلّه من أهل الإسلام كافراً، و الآيات الكتابيّة المتقدّم ذكرها أيضاً ناطقة بذلك، و الأخبار القاضية به صراحةً و ظهوراً متواترة لفظاً و معنى بل بالغة فوق حدّ التواتر بمراتب شتّى. و يمكن الاستدلال عليه أيضاً من طريق العقل، فإنّ تناول ما يزيل العقل بل الإيمان أيضاً على ما نطق به بعض الأخبار قبيح عقلًا و فاعله مستحقّ لذمّ العقلاء المعتدلين.

و إذا اضطرّ إلى شربها لإزالة العطش المفرط المؤدّي إلى التلف أو المرض أو المشقّة الّتي لا تتحمّل عادةً، فعن الشيخ في المبسوط (1) «أنّه لا يجوز شربها و دفع الضرورة بها» للاحتياط و عموم الأدلّة الدالّة على تحريم الخمر و خصوص قول الصادق في خبر أبي بصير المضطرّ: «لا يشرب الخمر فإنّها لا تزيده إلّا شرّاً، و لأنّه إن شربها قتلته فلا يشرب منها قطرة» (2) و عن الصدوق «و روي لا تزيده عطشاً» (3).

خلافاً لجماعة منهم ابنا سعيد (4) و إدريس (5) من المتقدّمين، و الفاضلان في الشرائع (6) و القواعد (7) من المتأخّرين، ثمّ بعدهما كاشف اللثام (8) و ثاني الشهيدين في المسالك (9) و غيرهما (10) و هو مختار الشيخ في النهاية (11) و في المسالك 12 «مذهب الأكثر» لأنّ حفظ النفس في نظر الشارع أهمّ من ترك المحرّمات، و مفسدة هلاك النفس أقوى من مفاسد ارتكاب المحرّمات، و قاعدة وجوب دفع الضرر الّذي هو حكم عقلي، و قاعدة كلّما غلب اللّٰه عليه فهو أولى بالعذر، و قاعدة نفي الضرر و الضرار الّتي مفادها

____________

(1) المبسوط 6: 288.

(2) الوسائل 25: 378/ 3، ب 36 الأشربة المحرّمة، علل الشرائع: 478/ 1.

(3) الوسائل 25: 379/ 4، ب 36 الأشربة المحرّمة، علل الشرائع: 478/ ذيل الحديث 1.

(4) الجامع للشرائع: 394.

(5) السرائر 3: 126.

(6) الشرائع 3: 230.

(7) القواعد 3: 333.

(8) كشف اللثام 9: 321.

(9) 9 و 12 المسالك 2: 251.

(10) كما في كفاية الأحكام: 254.

(11) النهاية 3: 111.

34

نفي مجعوليّة الحكم الضرري، و قاعدة نفي العسر و الحرج الّتي مفادها نفي مجعوليّة الحكم الحرجي و حرمة شرب الخمر مع الاضطرار حكم ضرريّ حرجيّ فلا تكون مجعولة. و الآيات مع الروايات المعلّقة للرخصة في تناول المحرّمات على الاضطرار.

و من الاولى قوله عزّ من قائل: «وَ مٰا لَكُمْ أَلّٰا تَأْكُلُوا مِمّٰا ذُكِرَ اسْمُ اللّٰهِ عَلَيْهِ وَ قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مٰا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلّٰا مَا اضْطُرِرْتُمْ» (1).

و من الثانية قوله (عليه السلام) في خبر المفضّل الطويل: «إنّه تعالى علم ما تقوم به أبدانهم و ما يصلحهم فأحلّه لهم و أباحه تفضّلًا منه عليهم به لمصلحتهم، و علم ما يضرّهم فنهاهم عنه و حرّمه عليهم. ثمّ أباحه للمضطرّ فأحلّه في الوقت الّذي لا يقوم بدنه إلّا به، فأمر أن ينال منه بقدر البُلغَة لا غير» (2).

و نحوه بعينه قوله (عليه السلام) في خبري محمّد بن عبد اللّه و محمّد بن عذافر (3).

و مرسل الدعائم عن عليّ (عليه السلام) «المضطرّ يأكل الميتة، و كلّ محرّم إذا اضطرّ إليه» (4).

و عن التفسير المنسوب إلى العسكري (عليه السلام) قال اللّٰه سبحانه: فمن اضطرّ إلى شيء من هذه المحرّمات فإنّ اللّٰه غفور رحيم، ستّار لعيوبكم أيّها المؤمنون، رحيم بكم حتّى أباح لكم في الضرورة ما حظره في الرخاء» (5).

و قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «و ما اضطرّوا إليه» في حديث رفع عن امّتي تسعة.

و خصوص قول الصادق (عليه السلام) في خبري حمّاد بن عيسى و عمّار بن موسى في الرجل أصابه عطش حتّى خاف على نفسه فأصاب خمراً قال: «يشرب منه قوته» (6).

مضافاً إلى فحوى ما دلّ على إباحة ما هو أفحش منها للمضطرّ كالميتة و الخنزير و الدم، و من ذلك مرسل الصدوق المرويّ عن نوادر الحكمة «من اضطرّ إلى الميتة و الدم

____________

(1) الأنعام: 119.

(2) الوسائل 24: 99/ 1، ب 1 الأطعمة المحرّمة، الكافي 6: 242/ 1.

(3) الوسائل 24: 99/ 1، ب 1 الأطعمة المحرّمة، الفقيه 3: 218/ 1009، تفسير العيّاشي 1: 292/ 15.

(4) دعائم الإسلام 2: 125/ 435.

(5) مستدرك الوسائل 16: 201/ 5، ب 40 الأطعمة المحرّمة، تفسير الإمام العسكري: 585.

(6) الوسائل 25: 378/ 1، ب 36 الأشربة المحرّمة، التهذيب 9: 116/ 502.

35

و لحم الخنزير فلم يأكل شيئاً من ذلك حتّى يموت فهو كافر» (1).

و هذه الأدلّة واضح الدلالة على إناطة الرخصة في شرب الخمر بل مطلق المسكر بل تناول مطلق المحرّمات بالاضطرار، فالمضطرّ إلى شرب الخمر يحلّ له الشرب.

و لكنّ الكلام في تحقيق معنى المضطرّ و تشخيص مصاديقه:

فنقول: إنّه على ما حكي عن النهاية الّذي يخاف التلف على نفسه لو لم يتناول و كأنّه استظهار من قوله المحكيّ عنها: «لا يجوز أن يأكل الميتة إلّا إذا خاف تلف النفس» (2) و نسبه في المسالك (3) إلى تلميذه القاضي (4) و ابن إدريس (5) و العلّامة في المختلف (6) و فسّره في الشرائع (7) و القواعد «بالّذي يخاف التلف لو لم يتناول، و كذا لو خاف المرض بالترك، و كذا لو خشي الضعف المؤدّي إلى التخلّف عن الرفقة مع ظهور أمارة العطب أو إلى ضعف الركوب المؤدّي إلى خوف التلف» (8).

و في المسالك «هو المشهور بين الأصحاب لتحقّق معنى الإكراه [الاضطرار] (9) على جميع هذه الأحوال، ثمّ قال: و في معنى ما ذكر من يخاف طول المرض أو عسر برئه لأنّ ذلك كلّه إضرار» (10).

و في كشف اللثام (11) و غيره (12) أضاف إلى الخوف على نفسه الخوف على نفس محترمة غيره كالحامل تخاف على الجنين، و المرضعة تخاف على الرضيع، و فيه و في غيره أيضاً جعل الخوف أعمّ ممّا ينشأ من نفس عدم التناول أو من إكراه الغير على التناول بحيث يخاف معه على نفسه أو على نفس محترمة غيره أو على مال محترم له أو لغيره أو على عرضه أو من التقية الموجبة للخوف على أحد الامور المذكورة.

و هذا أصحّ، لأنّ الاضطرار ليس من الموضوعات الشرعيّة و لم يرد له من الشارع

____________

(1) الوسائل 24: 216/ 3، ب 56 الأطعمة المحرّمة، الفقيه 3: 218/ 1008.

(2) النهاية 3: 98- 99.

(3) المسالك 2: 249.

(4) المهذّب 2: 433.

(5) السرائر 3: 113.

(6) المختلف 8: 321.

(7) الشرائع 3: 757.

(8) القواعد 3: 333.

(9) هكذا في المصدر و كلمة الإكراه سهو من قلمه الشريف.

(10) المسالك 2: 249.

(11) كشف اللثام 9: 317.

(12) كما في مجمع الفائدة و البرهان 11: 312، المستند 15: 33.

36

تحديد بل هو من الموضوعات المستنبطة العرفيّة.

فالمرجع في استعلام مفهومه و تشخيص مصاديقه العرف، و هو في متفاهم العرف يصدق على الجميع بل على ما لو أدّى الامتناع عن التناول إلى مشقّة شديدة لا تتحمّل عادةً، فيصدق عليه في الجميع أنّه مضطرّ إلى التناول، و يصحّ له أن يقول: في الجميع «اضطررت إلى تناوله» و لا يصحّ سلب الاسم عنه و لا تكذيبه في شيء من الصور.

و الضابط الكلّي خوف الضرر سواء كان الضرر المخوف تلف النفس أو تلف المال أو هتك العرض أو حدوث المرض أو بطء علاجه أو غيره من الأحوال المذكورة فالاقتصار فيه على خوف تلف نفسه كما عرفته عن النهاية غير جيّد.

و الظاهر عدم الفرق فيه بين كون الضرر المخوف مقطوعاً أو مظنوناً أو محتملًا بالاحتمال العقلائي الّذي ملاكه الخوف و كونه بحيث يعتني بشأنه العقلاء، فلا يكفي الوهم و هو مطلق الاحتمال المرجوح الغير المعتنى به عند العقلاء، و يعتبر في نفس الضرر المخوف كونه ضرراً معتدّاً به و هو ما يعتني بشأنه العقلاء و يتحرّزون منها و لا يتسامحون فيه، فالضرر اليسير المتسامح فيه عند العقلاء من صداع غير شديد و ما أشبه ذلك لا عبرة به كما تنبّه عليه كاشف اللثام بقوله: «و لا يدخل فيه صداع غير متناه في الشدّة و نحوه» (1).

و بجميع ما عرفت ظهر ضعف قول الشيخ و ضعف دليله، لأنّ الاحتياط مع فرض الاضطرار لا حكم له حتّى من الرجحان، و عموم أدلّة المنع يخرج منه بالتخصيص أو الحكومة، و الخبر الخاصّ ضعيف بالإرسال، و مع ذلك يمكن حمله على الغالب و لو بحسب الأمزجة، فيعتبر في محلّ الرخصة العلم أو الظنّ الغالب بترتّب الفائدة على شربها لعدم صدق الاضطرار بدون ذلك.

الثالثة: يحرم سقي الصبيان الخمر بلا خلاف يظهر،

و في المستند (2) هو المعروف في كلامهم، لعموم قوله: «فجميع تقلّبه في ذلك حرام».

____________

(1) كشف اللثام 9: 317.

(2) المستند 15: 234.

37

و خصوص روايتي عجلان بن أبي صالح في إحداهما «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

المولود يولد فنسقيه الخمر؟ فقال: لا، من سقى مولوداً مسكراً سقاه اللّٰه من الحميم و إن غفر له» (1).

و في الاخرى «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: يقول اللّٰه عزّ و جلّ: من شرب مسكراً أو سقى صبيّاً لا يعقل سقاه اللّٰه من ماء الحميم مغفوراً له أو معذّباً ... الخ» (2).

و رواية أبي الربيع الشامي قال: «سئل أبو عبد اللّه عن الخمر؟ فقال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) ...

إلى أن قال: اقسم ربّي لا يشرب عبد لي خمراً في الدنيا إلّا سقاه اللّٰه ما يشرب منها من الحميم معذّباً أو مغفوراً له، و لا يسقيها عبد لي صبيّاً صغيراً أو مملوكاً إلّا سقاه مثل ما سقاه من الحميم يوم القيامة معذّباً أو مغفوراً له» (3) و يستفاد من ذلك حرمة سقيها المملوك أيضاً صغيراً كان أو كبيراً.

و في حرمة سقيها الدوابّ كما عن القاضي ابن البرّاج (4) و جوازه على كراهية كما عليه العلّامة في القواعد (5) و عن الشهيد في الدروس (6) و في المستند (7) «أنّه الأشهر» قولان: و العموم المتقدّم يساعد على الأوّل، و ربّما يتناوله قوله (عليه السلام): «و ساقيها» في خبر الخصال المتقدّم (8) كما جزم به بعض مشايخنا (9).

و للقول الآخر- بعد الأصل و العمومات- رواية غياث بن إبراهيم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كره أن تسقى الدوابّ الخمر» (10).

و رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن البهيمة البقرة و غيرها تسقى أو تطعم ما لا يحلّ للمسلم أكله أو شربه أ يكره ذلك؟ قال: نعم يكره ذلك» (11).

____________

(1) الوسائل 25: 307/ 2، ب 10 الأشربة المحرّمة، التهذيب 9: 103/ 449.

(2) الوسائل 25: 308/ 3، ب 10 الأشربة المحرّمة، الكافي 6: 397/ 7.

(3) الوسائل 25: 307/ 1، ب 10 الأشربة المحرّمة، الكافي 6: 396/ 1.

(4) المهذّب 2: 433.

(5) القواعد 3: 332.

(6) الدروس 3: 21.

(7) المستند 15: 234.

(8) تقدّم في الصفحة 33: الرقم 1.

(9) الجواهر 36: 420.

(10) الوسائل 25: 308/ 4، ب 10 الأشربة المحرّمة، التهذيب 9: 114/ 496.

(11) الوسائل 25: 309/ 5 باب 10 الأشربة المحرّمة، التهذيب 9: 114/ 497.

38

و الروايتان لقصور سنديهما بل ضعف سند الثانية بالحسن بن عليّ بن أبي حمزة و أبيه، و قصور دلالتيهما نظراً إلى ظهور الكراهة في أخبار أهل بيت العصمة في الحرمة باعتبار كونها بمعنى المبغوضيّة لا تنهضان لتخصيص دليل المنع إلّا لجابر ينجبر به القصور و الضعف سنداً و دلالة، و لا يكون في نظائر المقام إلّا الشهرة المحقّقة الاستناديّة، و تحقّقها فيما نحن فيه غير واضح، فالمسألة موضع تأمّل و إن كان المنع لا يخلو عن قوّة.

الرابعة: يجوز الاكتحال بكحل متّخذ من الخمر للتداوي عند الضرورة

لا للزينة و لا للتداوي من غير ضرورة، كما عليه الشيخ (1) و جماعة كما في كاشف اللثام (2) و نسبه في المسالك (3) إلى الأكثر، لعموم قاعدة الاضطرار الّذي مداره على العلم بانحصار العلاج فيه، و خصوص ما رواه هارون ابن حمزة الغنوي في الحسن عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في رجل اشتكى عينيه، فنعت له كحل يعجن بالخمر، فقال: هو خبيث بمنزلة الميتة، فإن كان مضطرّاً فليكتحل به» (4).

خلافاً لابن إدريس (5) فمنعه مطلقاً، لإطلاق النصّ و الإجماع بتحريمه الشامل لما نحن فيه، و لقوله (عليه السلام) «ما جعل اللّٰه في محرّم شفاء» (6) و خبر مروك بن عبيد عن رجل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من اكتحل بميل من مسكر كحّله اللّٰه بميل من نار» (7).

و يقيّد الجميع بحال الضرورة، لما عرفت مع ضعف سند الأخير بالإرسال فلا يقاوم لمعارضة الحسن، و معنى «ما جعل اللّٰه في محرّم شفاء» أنّه لم يأذن في الاستشفاء به إخراجاً له عن وصمة الكذب، و قاعدة الاضطرار حاكمة عليه لأنّها بمضمونها متعرّضة لبيان مقدار موضوع المنع من الاستشفاء و هو غير المضطرّ.

الخامسة: اختلف الأصحاب في جواز التداوي بالخمر شرباً أو أكلًا أو طلياً

____________

(1) المبسوط 6: 288.

(2) كشف اللثام 9: 323.

(3) المسالك 2: 252.

(4) الوسائل 25: 350/ 5، ب 21 الأشربة المحرّمة، التهذيب 9: 114/ 293.

(5) السرائر 3: 126.

(6) الوسائل 25: 349/ 1، ب 21 الأشربة المحرّمة، التهذيب 9: 113/ 491.

(7) الوسائل 25: 349/ 2، ب 21 الأشربة المحرّمة، الكافي 6: 414/ 7.

39

و عدمه، فعن الأكثر كما في كشف اللثام (1) المنع مطلقاً و لو مع الانحصار، و في المسالك (2) «هو المشهور بين الأصحاب» و عن الخلاف (3) و ظاهر المبسوط (4) الإجماع عليه. و عن القاضي (5) و العلّامة في المختلف (6) و جماعة (7) من المتأخّرين و متأخّريهم الجواز مع الانحصار.

مستند المشهور الأخبار الآتية المستفيضة القريبة من التواتر إن لم نقل بكونها متواترة و فيها الصحاح و غيرها من المعتبرة القاضية بمنع التداوي بالخمر أو مطلق المسكر و بالدواء المتّخذ منهما بقول مطلق.

و مستند الآخرين قاعدة الاضطرار المتقدّمة الّتي يمكن نهوضها حاكمة على الأخبار المشار إليها كما كانت حاكمة على أدلّة تحريم المحرّمات و غيرها ممّا تقدّم كرواية تحف العقول، و لأجل ذا ربّما يترجّح في النظر القاصر هذا القول.

غاية الأمر أن يعتبر فيه إحراز الصدق الاضطرار العلم بانحصار العلاج فيه، فلا يكفي فيه عدم العلم بعدم الانحصار، و لكن الإفتاء به و بناء العمل عليه مشكل بل في غاية الإشكال لمخالفته الشهرة العظيمة القريبة من الإجماع المعتضدة بالإجماع المنقول، مع أنّ أدلّة القاعدة المزبورة من الآيات و الروايات بمرأى من المعظم و مسمع، و القاعدة المستنبطة منها مقبولة لديهم معمولة عندهم في غير محلّ البحث، كالاضطرار إلى أكل الميتة أو إلى لحم الخنزير و إلى أكل مال الغير من دون إذنه و نحو ذلك، و لم يلتفتوا هنا إليها أصلًا و أعرضوا عن أدلّتها رأساً و أخذوا بمفاد الأخبار المشار إليها، مضافاً إلى خلوّها على كثرتها عمّا يدلّ على الرخصة في التداوي بالخمر أو مطلق المسكر مطلقاً أو مقيّداً بالانحصار الّذي هو ملاك الاضطرار، مضافاً إلى اشتمالها على أنواع التأكيدات في إنكار التداوي بالخمر و المنع من الاستشفاء بالمحرّم الّذي منه المسكر القاضية بشدّة الإنكار و المنع.

ففي صحيح الحلبي قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن دواء عجن بالخمر؟ فقال: لا،

____________

(1) كشف اللثام 9: 321.

(2) المسالك 2: 252.

(3) الخلاف 6: 97 المسألة 27.

(4) المبسوط 6: 288.

(5) المهذّب 2: 433.

(6) المختلف 8: 341.

(7) كما في السرائر 3: 126، و في المنتهى 2: 1010، و في الحدائق 18: 70.

40

و اللّٰه ما احبّ أن أنظر إليه فكيف أتداوى به؟ أنّه بمنزلة شحم الخنزير أو لحم الخنزير و ترون اناساً يتداوون به» (1).

و خبره الآخر قال: «سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن دواء عجن بخمر؟ فقال: ما احبّ أن أنظر إليه و لا أشمّه، فكيف أتداوى به؟» (2).

و صحيحه الآخر قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن دواء يعجن بالخمر لا يجوز أن يعجن به إنّما هو اضطرار فقال: لا، و اللّٰه لا يحلّ للمسلم أن ينظر إليه، فكيف يتداوى به؟

و إنّما هو بمنزلة شحم الخنزير الّذي يقع في كذا و كذا لا يكمل إلّا به، فلا شفى اللّٰه أحداً شفاه خمر أو لحم خنزير» (3).

و حسن عمر بن اذينة بل صحيحه قال: «كتبت إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) أسأله عن الرجل ينعت له الدواء من ريح البواسير فيشربه بقدر اسكرجة من نبيذ ليس يريد به اللذّة إنّما يريد به الدواء؟ فقال: لا، و لا جرعة. ثمّ قال: إنّ اللّٰه عزّ و جلّ لم يجعل في شيء ممّا حرّم دواء و لا شفاء» (4).

و خبر عمر بن يزيد قال: «حضرت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) و قد سأله رجل به البواسير الشديد و قد وصف له دواء اسكرّجة من نبيذ صلب لا يريد به اللذّة بل يريد به الدواء؟ فقال: لا، و لا جرعة. قلت: و لِمَ؟ قال: لأنّه حرام، و أنّ اللّٰه لم يجعل في شيء ممّا حرّمه دواء و لا شفاء» (5).

و المرويّ عن الصادق (عليه السلام) «لا يتداوى بالخمر و لا بالمسكر، و لا تمتشط به النساء، فقد أخبرني أبي عن جدّي أنّ عليّاً (عليه السلام) قال: إنّ اللّٰه عزّ و جلّ لم يجعل في رجس حرّمه شفاء» (6).

و خبر أبي بصير قال: «دخلت امّ خالد العبدية على أبي عبد اللّه (عليه السلام) و أنا عنده، فقالت: إنّه يعتريني قراقر في بطني و قد وصف لي أطبّاء العراق النبيذ بالسويق، فقال:

____________

(1) الوسائل 25: 345/ 4، ب 20 الأشربة المحرّمة، التهذيب 9: 113/ 490.

(2) الوسائل 25: 345/ 6، ب 20 الأشربة المحرّمة، الكافي 6: 414/ 10.

(3) الوسائل 25: 346/ 10، ب 20 الأشربة المحرّمة، طبّ الأئمّة: 62.

(4) الوسائل 25: 343/ 1، ب 20 الأشربة المحرّمة، الكافي 6: 413/ 2.

(5) الوسائل 25: 346/ 7، ب 20 الأشربة المحرّمة، طبّ الأئمّة: 32.

(6) البحار 63: 495/ 41، ب الأنبذة و المسكرات، دعائم الإسلام 2: 134/ 473.

41

ما يمنعك من شربه؟ فقالت: قد قلّدتك ديني، فقال: فلا تذوقي منه قطرة، لا و اللّٰه لا آذن لك في قطرة منه، فإنّما تندمين إذا بلغت نفسك إلى هاهنا، و أومأ بيده إلى حنجرته- يقولها ثلاثةً- أ فهمت؟ فقالت: نعم ...» (1) الخ.

و خبر عليّ بن أسباط عن أبيه قال: «كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال له رجل: إنّ بي أرواح البواسير و ليس يوافقني إلّا شرب النبيذ. قال: فقال: ما لك و لما حرّم اللّٰه و رسوله؟

- يقول ذلك ثلاثاً- عليك بهذا المريس الّذي تمرسه بالليل، و تشربه بالغداة، و تمرسه بالغداة و تشربه بالعشيّ، فقال: هذا ينفخ البطن، فقال: أدلّك على ما هو أنفع من هذا؟

عليك بالدعاء فإنّه شفاء من كلّ داء، قال: فقلنا له: فقليله و كثيره حرام؟ قال: قليله و كثيره حرام» (2).

و خبر ابن أبي يعفور قال: «كان إذا أصابته هذه الأوجاع فإذا اشتدّت به شرب الحسو من النبيذ فتسكن عنه فدخل على أبي عبد اللّه (عليه السلام) ... إلى أن قال: فأخبره بوجعه و شربه النبيذ فقال له: يا ابن أبي يعفور لا تشربه فإنّه حرام، إنّما هذا شيطان موكّل بك فلو قد يئس منك ذهب، فلمّا رجع إلى الكوفة هاج به وجع أشدّ ممّا كان فأقبل أهله عليه فقال: لا و اللّٰه لا أذوقنّ منه قطرة، فيئسوا منه و اشتدّ به الوجع أيّاماً ثمّ أذهب اللّٰه عنه فما عاد إليه حتّى مات» (3).

و خبر سيف بن عميرة عن شيخ من أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كنّا عنده فسأله شيخ فقال: إنّ بي وجعاً و أنا أشرب له النبيذ و وصفه له الشيخ، فقال له: ما يمنعك من الماء الّذي جعل اللّٰه منه كلّ شيء حيّ؟ قال: لا يوافقني، قال: فما يمنعك من العسل؟

قال اللّٰه: «فِيهِ شِفٰاءٌ لِلنّٰاسِ» قال: لا أجده، قال: فما يمنعك من اللبن الّذي نبت منه لحمك و اشتدّ عظمك؟ قال لا يوافقني؟ قال: أبو عبد اللّه (عليه السلام): تريد أن آمرك بشرب الخمر، لا و اللّٰه لا آمرك» (4).

____________

(1) البحار 25: 344/ 2، ب 20 الأنبذة و المسكرات، الكافي 6: 413/ 1.

(2) الوسائل 25: 344/ 3، ب 20 الأشربة المحرّمة، الكافي 6: 413/ 3.

(3) الوسائل 25: 347/ 11، ب 20 الأشربة المحرّمة، رجال الكشّي: 247/ 459.

(4) الوسائل 25: 348/ 16، ب 20 الأشربة المحرّمة، تفسير العيّاشي 2: 264/ 45.

42

و خبر إسماعيل بن محمّد قال: «قال جعفر بن محمّد (عليهما السلام): نهى رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) عن الدواء الخبيث أن يتداوى به» (1).

و خبر فضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) في كتابه إلى المأمون قال: «و المضطرّ لا يشرب الخمر لأنّها تقتله» (2).

و خبر أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «المضطرّ لا يشرب الخمر فإنّها لا تزيده إلّا شرّاً، و لأنّه إن شربها قتلته فلا يشرب منها قطرة» (3).

و خبر قائد بن طلحة «أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن النبيذ يجعل في الدواء؟ قال:

لا ينبغي لأحد أن يستشفى بالحرام» (4).

و السرّ فيما صنعه المعظم من الأخذ بمؤدّى هذه الأخبار دون قاعدة الاضطرار لا يخلو عن أحد الوجوه:

الأوّل: أنّ أدلّة القاعدة و إن كانت حاكمة على أدلّة تحريم المحرّمات و غيرها إلّا أنّها لا تحكم على الأخبار المانعة من التداوي بالخمر و مطلق المسكر، بل هذه الأخبار تنهض مخصّصة لها مخرجة للاضطرار إلى التداوي من القاعدة لكونها أخصّ مورداً و أقلّ أفراداً، فإنّ أدلّة القاعدة عامّة في مطلق المحرّمات و هذه الأخبار خاصّة في الخمر أو مطلق المسكر، فيرجّح الأخبار على أدلّة القاعدة و تخصّص تلك الأدلّة بها و إن كانت بين أكثرها و تلك الأدلّة عموماً من وجه، مع كون جملة منها لاختصاصها صراحة و ظهوراً بصورة الاضطرار أخصّ منها مطلقاً، فيكون مفادها بعد إرجاع التخصيص إليها أنّ كلّ مضطرّ ابيح له تناول المحرّمات بقدر ما يدفع الضرورة إلّا من اضطرّ إلى التداوي بالمسكر خمراً كان أو غيرها فإنّه لا يحلّ له التداوي به مطلقاً.

و على هذا فالجعل المنفيّ في قوله (عليه السلام): «إنّ اللّٰه لم يجعل في شيء ممّا حرّمه دواء و لا شفاء» يراد به الجعل التكليفي لا الجعل التكويني، و معناه أنّه لم يأذن في التداوي

____________

(1) الوسائل 25: 346/ 9، ب 20 الأشربة المحرّمة، طبّ الأئمّة: 62.

(2) الوسائل 25: 347/ 12، ب 20 الأشربة المحرّمة، عيون الأخبار الرضا (عليه السلام) 2: 129/ 1.

(3) الوسائل 25: 347/ 13، ب 20 الأشربة المحرّمة، علل الشرائع: 478/ 1.

(4) الوسائل 25: 345/ 5، ب 20 الأشربة المحرّمة، الكافي 6: 414/ 8.

43

و لا الاستشفاء به، و يؤيّده إطلاق قوله تعالى: «قُلْ فِيهِمٰا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنٰافِعُ لِلنّٰاسِ وَ إِثْمُهُمٰا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمٰا» (1) بناءً على أن يكون المراد من منافع الخمر ما يعمّ منفعة التداوي من البرء و الشفاء، فقوله: «إِثْمُهُمٰا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمٰا» يعني به أنّ التداوي بالخمر مع حصول النفع به إثم و هو لشدّة عقوباته الاخرويّة أو لعظم مفاسده الدنيويّة أكبر من النفع الحاصل به.

الثاني: أن تكون الأخبار المذكورة مسوقة لبيان أنّ الفائدة المطلوبة من التداوي لا تحصل به أبداً، و ما يرى في بعض الأحيان من مصادفة التداوي به لحصول البرء و الشفاء فإنّما هو لضرب من المقارنة الاتّفاقيّة من غير مدخليّة و تأثير له فيه، فيكون فعله اثماً صرفاً خالياً عن الفائدة المطلوبة، و ربّما يشير إليه قوله (عليه السلام) في قصّة امّ خالد:

«فإنّما تندمين ...» الخ، و في نسبة القتل في عدّة من الأخبار إلى الخمر أيضاً إشارة إلى ذلك. و على هذا فيكون الجعل المنفيّ فيما تقدّم عبارة عن الجعل التكويني على معنى خلوّه عن الدواء و الشفاء بالمرّة.

الثالث: أن تكون الأخبار مسوقة لبيان عدم حصول الاضطرار للمسلم إلى التداوي به قطّ، لعدم انحصار طريق العلاج فيه بل له طريق آخر و لو نحو التوسّل بالدعاء فإنّه شفاء من كلّ داء، كما يشير إليه خبر عليّ بن أسباط أو التربة الحسينيّة (عليه السلام) كما يظهر من أخبار الاستشفاء بها، أو زوال المرض بنفسه بتفضّل من اللّٰه فيمن تحرّز عن التداوي به خالصاً لوجهه، ففيما تخيّل الإنسان اضطراره إليه بمظنّة انحصار الطريق فيه فهو وهم من الشيطان، فإذا يئس ذهب فحصل البرء تفضّلًا من اللّٰه، كما يشير إليه خبر ابن أبي يعفور.

و في خبر سيف بن عميرة أيضاً إشارة إلى عدم اتّفاق الاضطرار بعدم اتّفاق الانحصار قطعاً، فيكون الجعل المنفيّ في التعليل المتقدّم الجعل التكليفي أيضاً. و الوجوه الثلاث و إن كانت مشتركة في منع التداوي و تحريمه إلّا أنّ الأوجه منها الوجه الأخير، فالقول بجواز التداوي و إن كان قويّاً و لكنّ الأقوى هو المنع مطلقاً.

لا يقال: قضيّة ذلك عدم جواز الاكتحال به أيضاً فكيف يذهب الأكثر إلى الجواز و قد رجّحته أيضاً، لأنّا نعالجه بتخصيص القاعدة المستنبطة من أخبار الباب في منع

____________

(1) البقرة: 219.

44

التداوي بالخمر بل مطلق المسكر بما كان التداوي بطريق الشرب أو الأكل، و يؤيّده أنّ في الأكل و الشرب مفاسد ليست في غيرهما من التصرّفات و الانتفاعات فيكون الاكتحال مخرجاً عنها بدليل جوازه المتقدّم.

و في جواز التداوي بالطلي و عدمه وجهان: من ملاحظة تخصيص قاعدة المنع بالشرب و الأكل، و من أنّ القدر المتيقّن ممّا خرج بالتخصيص هو الاكتحال و بقى غيره و منه الطلي، و هذا أوجه إن لم يتوجّه إليه أنّ القدر المتيقّن ممّا خرج بالتخصيص من قاعدة الاضطرار هو التداوي بالمسكر بطريق الشرب أو الأكل و بقى غيره و منه الاكتحال و الطلي. و يؤيّده أنّ العمدة من دليل جواز الاكتحال كما تقدّم هو قاعدة الاضطرار، فالأقوى هو الجواز فيهما عند الضرورة الّتي ملاكها العلم أو الظنّ الغالب بانحصار العلاج.

فانقدح من تضاعيف كلماتنا من أوّل المبحث إلى هنا حرمة الانتفاع بالخمر بجميع وجوه الانتفاعات إلّا في أربعة مواضع:

الأوّل: شربها عند الضرورة للعطش.

الثاني: الاكتحال بها للضرورة.

الثالث: الطلي بها للتداوي عند الضرورة.

الرابع: اتّخاذها و إمساكها للتخليل.

السادسة: الخمر لا يملكها المسلم مطلقاً

بلا خلاف بين الأصحاب و ظهور الإجماع، و عن الشيخ في الخلاف (1) الإجماع عليه، و يدلّ عليه قوله (عليه السلام) في رواية تحف العقول: «منهيّ عن ملكه» على معنى ترتيب آثار الملك عليها و لا يكون ذلك إلّا لانتفاء الملكيّة، مضافاً إلى الروايات (2) الواردة في عقد النصراني و النصرانيّة على الخمر و الخنازير إذا أسلما قبل الأداء الدالّة على أنّه لا يؤدّي المهر من الخمر بل من غيرها، و في بعضها الدلالة على أنّها تقوّم عند مستحلّيها و يؤدّي القيمة، و إذا كان الإسلام رافعاً للملكيّة

____________

(1) الخلاف 3: 185.

(2) الوسائل 21: 243/ 2، ب 3 أبواب المهور، التهذيب 7: 356/ 1448.

45

فلئن يكون دافعاً لها طريق الأولويّة لأنّ الدفع أهون من الرفع. نعم يملكها الذمّي بلا خلاف فتوى و نصّاً كما هو مقتضى الأخبار المشار إليها مفهوماً بل منطوقاً، و لذا يضمنها الغاصب عيناً إذا كان ذمّياً أو قيمة إذا كان مسلماً.

و في تملّك المسلم لها إذا اتّخذها و أمسكها للتخليل قول نسب إلى جماعة (1).

و يظهر من المسالك في كتاب الغصب في مسألة ضمان الخمر إذا كان المغصوب منه مسلماً و قد اتّخذها للتخليل قائلًا: «و يضمنها الغاصب فإن كان المغصوب منه مسلماً وجب ردّها عليه مع بقاء عينها، و لو تخلّلت ردّها خلّاً لأنّها مملوكة على هذا الوجه فلا يزول ملكيتها بانتقالها إلى الصفة المحلّلة بل يتأكّد» (2) إلى آخر ما ذكره.

و فيه: أنّه ينافي إطلاق الإجماع المنقول و إطلاق قوله: «منهيّ عن ملكه» مضافاً إلى الاعتبار من أولويّة الدفع من الرفع، فإنّ العصير ملك للمسلم و إذا انقلب خمراً يزول ملكه فالخمريّة رافعة لملك المسلم، فلئن يكون دافعة طريق الأولويّة. نعم له حقّ اختصاص ما دام في يده للتخليل فيحرم مزاحمته فيها و أخذها منه قهراً أو إراقتها.

و قول الجماعة بملكه لها ممّا لا دليل عليه و لا دلالة للأخبار الدالّة على جواز أخذها للتخليل عليه.

____________

(1) كما في السرائر 2: 281، و التحرير 1: 160.

(2) المسالك 2: 256.

46

المبحث الثاني فيما يتعلّق بالأنبذة و الفقاع موضوعاً و حكماً

أمّا الأوّل: [أي الأنبذة]

فالأنبذة جمع النبيذ و هو بحسب الأصل الشراب المعمول من التمر بالخصوص و غلّب على باقي المسكرات المعمولة من الارز و الذرّة و غيرهما و إن اختصّ كلّ واحد أيضاً باسم، و ضابطه كلّ مسكر مائع بالأصالة كما في المسالك (1) و جمعه في كلام الفقهاء لاختلاف أنواعه لا لتعدّد أفراد نوع واحد، لأنّ المقصود به تعميم الحكم بالقياس إلى الأنواع المختلفة لا بالقياس إلى أفراد النوع، لأنّه بعد ما ثبت الحكم للنوع يسري إلى أفراده و لا حاجة له إلى التعميم. و ما ذكرناه من الاختصاص هو المصرّح به في كلام أئمّة اللغة و كلمة الفقهاء و هو المستفاد من أخبار أهل العصمة (عليهم السلام).

[الثاني الفقاع]

و الفقّاع بحسب الأصل و في زمان صدور الحكم على ما يستفاد من الأخبار هو الشراب المتّخذ من الشعير خاصّة، و إطلاقه على المتّخذ من الزبيب أو الذرّة أو القمح أو الشعير و القمح كما قيل مجاز أو محدث حدث بعد أزمنة صدور الحكم.

و تحريمه- على التحقيق المتقدّم في باب النجاسات من كتاب الطهارة- من حيث تحريم الخمر أعني الإسكار و إن كان سكره خفيّاً، و لعلّه إلى ذلك يشير تصغير خميرة في قوله (عليه السلام): «الفقّاع خميرة يستصغرها الناس» (2) و قد حقّقنا في الباب المذكور أنّه مع سائر الأنبذة من الأعيان النجسة فيشمل الجميع عموم قوله (عليه السلام): «أو شيء من وجوه النجس» في رواية تحف العقول.

____________

(1) المسالك 3: 119.

(2) الوسائل 25: 365/ 1، ب 28 الأشربة المحرّمة، الكافي 6: 423/ 9.

47

فعموم قوله (عليه السلام): «فجميع تقلّبه في ذلك حرام» يقتضي حرمة البيع و الشراء بل مطلق التكسّب في الجميع، بل قضيّة هذا العموم حرمة جميع الانتفاعات، إلّا ما يضطرّ إليه الإنسان فيحلّ الانتفاع عند الضرورة، إلّا ما يضطرّ إليه شرباً أو أكلًا للتداوي فإنّه حرام مطلقاً.

و الدليل على الاستثناء الأوّل قاعدة الاضطرار، و الدليل على الاستثناء الثاني عموم المنع المستفاد من الأخبار المانعة من التداوي، و يكفي فيه عموم التعليل الوارد فيها بقوله (عليه السلام): «إنّ اللّٰه عزّ و جلّ لم يجعل في شيء ممّا حرّم دواءً و لا شفاءً» (1) مضافاً إلى أنّ مورد أكثرها هو النبيذ، و لو جعلناه بحسب الاسم عامّاً تثبت عموم المنع مع ما في بعضها النهي عن التداوي بالخبيث و هو بعموم مفهومه يعمّ الجميع مع إمكان دعوى الإجماع المركّب و عدم القول بالفصل.

و أمّا المسكرات الجامدة بالأصالة كالحشيشة الّتي منها ورق القنب على ما قيل و غيرها فهي و إن لم تكن من سنخ الأعيان النجسة إلّا أنّها لمشاركتها المسكرات المائعة في صفة الإسكار و تحريمها لأجله ربّما تذكر في المقام استتباعاً.

ففي المسالك بعد ما ذكر أنّ ضابط التحريم في الأنبذة كلّ مسكر مائع بالأصالة قال: «و كذا الجامدات إن لم يفرض لها نفع آخر و قصد من بيعها المنفعة المحلّلة» (2).

و يستفاد من كلامه أنّ ما كان له من الجامدات منفعة محلّلة و قصد من بيعه المنفعة المحلّلة جاز التكسّب به، بتقريب أنّ قوله: «و قصد بيعها ...» الخ لا يجوز كونه عطفاً على الشرط في القضيّة المنطوقيّة و إلّا لتهافت المعطوف و المعطوف عليه، بل هو عطف على الشرط في القضيّة المفهوميّة و هو جواز بيعها إن كان لها منفعة محلّلة قصداً إلى إخراجه من الإطلاق إلى تقييده بالقصد المذكور. فيفيد أنّ الجواز مشروط بأمرين أحدهما:

أن يكون فيه منفعة، و ثانيهما: أن يقصد ببيعه المنفعة المحلّلة، فما لا منفعة فيه أو لم يقصد ببيعه تلك المنفعة حرم بيعه، فالأقسام ثلاثة يجوز البيع في واحد منها دون غيره.

و في الرياض بعد ما أشار إلى القول بهذا التفصيل تنظّر فيه بقوله: «فيه نظر لعموم

____________

(1) الوسائل 25: 346/ 7، ب 20 الأشربة المحرّمة، طبّ الأئمّة: 32.

(2) المسالك 3: 119.

48

أدلّة المنع» (1) و كان نظره في دعوى العموم إلى عموم قوله في رواية تحف العقول: «أمّا وجوه الحرام من البيع و الشراء فكلّ أمر يكون فيه الفساد ممّا هو منهيّ عنه من جهة أكله أو شربه أو كسبه أو نكاحه أو ملكه أو إمساكه أو هبته أو عاريته» مضافاً إلى عموم الملازمة المستفادة من النبويّ المتقدّم: «إنّ اللّٰه إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه» فإنّه في الدلالة على التكسّب بما حرّمه اللّٰه تعالى يتناول المسكرات الجامدة أيضاً لأنّها أشياء حرّمها اللّٰه تعالى.

و قد يحتمل كونه عموم التشبيه في نحو قوله (عليه السلام) في الأخبار المستفيضة: «إنّ اللّٰه لم يحرّم الخمر لاسمها بل لعاقبتها فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر» (2) بناءً على أنّه يقتضي المشاركة في جميع الأحكام الّتي منها حرمة التكسّب.

و نوقش بأنّ التحقيق أنّه يقتضي المشاركة في الأحكام الظاهرة، و الظاهر من أحكام الخمر حرمة شربها. فالتمسّك بالعموم من جهة التشبيه غير جميل، إلّا أن يدّعى كون حرمة التكسّب في الخمر من أحكامها الظاهرة. و فيه تأمّل، فإنّ أقصى ما يسلّم فيها كون التكسّب بها من منافعها الغالبة، و هو لا يقتضي كون حرمته من الأحكام الظاهرة.

و كيف كان فقضيّة نظر السيّد (رحمه الله) استناداً إلى العموم عدم الفرق في منع التكسّب بالجامدات بين صورها الثلاث، فهو حرام و إن قصد به الجهة المحلّلة، و هو مستظهر لأنّ التفصيل بالجواز من حيث الجهة المحلّلة و عدمه من حيث الجهة المحرّمة تخصيص في أدلّة المنع المفروض عمومها لمحلّ البحث فيحتاج إلى دليل. و على المفصّل إقامة الدليل عليه، و يمكن أن يستدلّ له بوجوه:

الأوّل: التعليل الواقع في رواية تحف العقول بقوله (عليه السلام): «لأنّ ذلك كلّه منهيّ عن أكله و شربه و لبسه و ملكه و إمساكه و التقلّب فيه ...» الخ فإنّه يفيد أنّ العلّة في تحريم بيع الأشياء المذكورة قبل ذلك تحريم منافعها، فيفيد دوران تحريم البيع مع تحريم المنافع وجوداً و عدماً و بمقتضى حجّية العلّة المنصوصة يتعدّى من الأشياء المذكورة في

____________

(1) الرياض 8: 130.

(2) الوسائل 25: 342/ 1، ب 19 الأشربة المحرّمة، التهذيب 9: 112/ 486.

49

الرواية إلى غيرها ممّا وجد فيه العلّة فيعمّ تحريم البيع و دورانه مع العلّة المذكورة للمسكرات الجامدة أيضاً.

لا يقال: ظاهر العطف بواو الجمع كون العلّة تحريم جميع المنافع فلا تعمّ ما كان بعض منافعه محلّلًا كما هو محلّ البحث، لأنّ الدوران في الوجود و العدم يفيد انتفاء تحريم البيع عند انتفاء تحريم جميع المنافع، و هذا بضابطة رفع الإيجاب الكلّي يصدق مع عدم تحريم شيء من المنافع و مع عدم تحريم بعض المنافع، غاية الأمر أنّه يثبت تحريم البيع بالنسبة إلى الثاني في المنفعة المحرّمة بدليل آخر، و يكفي فيه عموم قوله:

«فكلّ أمر يكون فيه الفساد ممّا هو منهيّ عنه من جهة أكله أو شربه أو كسبه» الخ فإنّه يعطي كفاية تحريم بعض المنافع في تحريم البيع، و القدر المتيقّن من ذلك تحريم البيع في المنفعة المحرّمة إن لم ندّع الظهور فيه بحسب العرف، فيبقى جواز البيع في المنفعة المحلّلة و صحّته مستفاداً من عمومات الصحّة مثل «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (1) «وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ» (2) و نحو ذلك.

الثاني: قوله (عليه السلام) في رواية دعائم الإسلام: «إنّ الحلال من البيوع كلّما كان حلالًا من المأكول و المشروب و غير ذلك ممّا هو قوام للناس و يباح لهم الانتفاع، و ما كان حراماً أصله منهيّاً عنه لم يجز بيعه و لا شراؤه» (3) و هذا يدلّ على إناطة حلّ البيع و تحريمه بحلّ المنفعة و تحريمها أكلًا في المأكول، و شرباً في المشروب، و لبساً في الملبوس، و سائر وجوه الانتفاع في غيرها، و ينساق منه أنّ البيع في المنفعة المحلّلة حلال، و في المنفعة المحرّمة حرام، و يجري هذا التفصيل فيما اشتمل على المنفعتين.

و لو سلّم عدم جريانه فيه فلا ينساق من قوله: «و ما كان حراماً أصله منهيّاً عنه لم يجز بيعه» أزيد من تحريم بيعه في المنفعة المحرّمة، فيبقى حلّيّة بيعه في المنفعة المحلّلة مستفادة من العمومات.

الثالث: قوله: «إنّ اللّٰه إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه» فإنّه بملاحظة ما قرّرناه من الوجوه لإثبات الملازمة بين فساد البيع و تحريمه في معنى قوله: «إذا حرّم شيئاً حرّم بيعه»

____________

(1) المائدة: 1.

(2) البقرة: 188.

(3) دعائم الإسلام 2: 19.

50

فيدلّ بظاهره على تحريم بيع الشيء فيما حرّم اللّٰه من منافعه سواء كان جميع المنافع أو منافعه المقصودة، فيبقى حلّيّة بيع ما اشتمل على المنفعة المحلّلة مستفادة من العمومات.

الرابع: صحيحة عمر بن اذينة قال: «كتبت إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) أسأله عن رجل له كرم أ يبيع العنب و التمر ممّن يعلم أنّه يجعله خمراً أو سكراً؟ فقال: إنّما باعه حلالًا في الإبّان الّذي يحلّ شربه أو أكله فلا بأس ببيعه» (1) فإنّ قوله: «إنّما باعه حلالًا» بمنزلة العلّة لقوله: «فلا بأس ببيعه» فيفيد تعليل عدم البأس ببيعه حال حلّيّة أكله أو شربه، و هو أيضاً يفيد دوران حلّيّة البيع وجوداً و عدماً مع حلّيّة المنفعة أكلًا و شرباً.

فنتيجة الوجوه المذكورة فيما اشتمل على المنفعتين تحريم بيعه في المنفعة المحرّمة، و حلّ بيعه في المنفعة المحلّلة، و هذا التفصيل حينئذٍ قاعدة اخرى مستفادة من الأدلّة تنهض لتخصيص عموم أدلّة المنع حسبما تمسّك به السيّد (2).

فإن قلت: هذا التفصيل إن صحّ لجرى في الخمر و غيرها من المسكرات المائعة أيضاً، لاشتمالها بملاحظة ما سبق من جواز الانتفاع بها في المواضع الأربع المتقدّمة على منفعتين محرّمة- و هي شربها اختياراً- و محلّلة، كما في المواضع الأربع فوجب أن يحلّ بيعها في هذه المواضع، فما معنى إطلاق المنع من بيعها حتّى في المواضع الأربع حتّى في صورة اتّخاذ الخمر للتخليل كما تقدّم.

قلت: فرق بين حلّ الانتفاع بالشيء و حلّ منفعة الشيء، و المسوّغ للبيع هو الثاني، و الموجود في المواضع الأربع هو الأوّل، و الفرق بينهما أنّ المنفعة عبارة عن الفائدة المقصودة من الشيء بنوعه، بأن يكون ذلك الشيء بنوعه معدّاً لاستفادة هذه الفائدة، و هي غير الفائدة المطلقة المترتّبة على الشيء في بعض الأحيان من دون أن يكون بنوعه معدّاً لاستفادة تلك الفائدة، و ضابط الفرق بينهما أنّ المنفعة من قبيل لوازم الماهيّة، و مطلق الفائدة من قبيل عوارض الشخص، و على ما بيّنّاه ينطبق جميع تعبيرات الفقهاء، فتارةً بالمنفعة الغالبة و المنفعة النادرة، و اخرى بالمنفعة المقصودة

____________

(1) الوسائل 17: 230/ 5، ب 59 ما يكتسب به، الكافي 5: 231/ 8.

(2) مصابيح الأحكام: 13.

51

للعقلاء و المنفعة الغير المقصودة لهم، و سيأتي زيادة بيان لهذا المقام.

و لا ريب أنّ الخمر بنوعها معدّة لشربها اختياراً طلباً للإسكار، لا لشربها عند الضرورة لرفع العطش، و لا للاكتحال بها عند الضرورة، و لا للطلي بها عند الضرورة للتداوي، و لا لاتّخاذها للتخليل، فليس لها في المواضع الأربع منفعة محلّلة بالمعنى المذكور حتّى تكون مسوّغة لبيعها، و لو سلّم إطلاق المنفعة على مطلق الفائدة المحلّلة فهي منفعة نادرة، و المسوّغ للبيع هي المنفعة الغالبة مع كونها محلّلة لا غير، مع أنّه لا عبرة بما أحلّت في مقام الاضطرار بل المعتبر حلّ المنفعة حال الاختيار.

ثمّ إنّه بعد البناء فيما اشتمل على المنفعتين المحرّمة و المحلّلة، فهل قصد المنفعة المحلّلة عند البيع شرط لجوازه أو أنّ قصد المنفعة المحرّمة مانع؟ و يظهر فائدة الفرق بين الاعتبارين فيما لو بيع لا بقصد إحدى المنفعتين فإنّه على الأوّل حرام لانتفاء شرط الحلّ، و على الثاني حلال لانتفاء المانع، و الأظهر هو الثاني لظهور إطلاق قوله (عليه السلام) في صحيحة عمر بن اذينة: «لا بأس ببيعه» تعليلًا بأنّه «باعه حلالًا في الأبان الّذي يحلّ شربه أو أكله».

مضافاً إلى ما ظهر من تقرير الاستدلال بالوجوه الأربعة لاستفادة التفصيل المذكور من أنّ أدلّة المنع من بيع المسكرات أو مطلق المحرّمات لا تدلّ على أزيد من تحريم البيع في المنافع المحرّمة، و يبقى حلّ البيع في المنافع المحلّلة مستفادة من عمومات صحّة البيع و حلّه، فإنّ المستفاد منها جواز البيع و صحّته بقول مطلق، خرج منها ما قصد ببيعه المنفعة المحرّمة، و بقى غيره و منه ما لم يقصد ببيعه إحدى المنفعتين.

و بقى الكلام في أنّ المسكرات الجامدة هل هي مشتملة على المنفعة المحلّلة و أنّها أيّ شيء؟ و تحقيق ذلك ليس من وظيفة الفقه، و استعلامه موكول إلى العرف و نظر أهل الخبرة

52

المبحث الثالث فيما يتعلّق بالميتة موضوعاً و حكماً

ففي القاموس «مات يموت و يمات و يميت فهو ميّت، و ميّت ضدّ حيي ... إلى أن قال: و هي مَيّتة و مَيْتَةٌ وَ مَيت و الميتة ما لم تلحقه الزكاة» (1) انتهى.

و قضيّة صدر كلامه كون الميّتة مؤنّثة الميّت لمعنى عامّ، لأنّ ضدّ الحيّ يعمّ الميّت الإنساني و غيره ممّا ذهبت عنه الحياة بإزهاق الروح أو بالذكاة ذبحاً أو نحراً أو رمياً، و قضيّة ذيله كونها لمعنى خاصّ.

و من ثمّ ربّما يتوهّم منه كونها بحسب العرف القديم مقولًا بالاشتراك بين العامّ و الخاصّ، و هو بعيد. و ليس بذلك البعيد أن لو قلنا بأنّ هذه المادّة بجميع تصاريفها كانت في أصل اللغة للمعنى العامّ، إلّا أنّ المشدّد من تصاريفها غلّب في العرف على الميّت الإنساني، و المخفّف منها خصوصاً مع التاء غلّب على ما تلحقه الزكاة من سائر أنواع الحيوان، و يشهد له التبادر و صحّة السلب خصوصاً سلب الميّتة عن المذكّى، و على هذا فالتاء في هذه اللفظة للنقل لا غير، و لا يبعد كون هذا النقل بحسب الوضع الشرعي، فتكون هذه اللفظة من الحقائق الشرعيّة.

و يؤيّده أنّها في نحو قوله تعالى: و «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ» (2) و قوله أيضاً: «إِلّٰا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً» (3) بل في جميع خطابات الشرع كتاباً و سنّة و في عرف المتشرّعة مصروفة إلى هذا المعنى لا غير، و لم يعلم من غير أهل هذا الدين أنّهم يخصّونها به. و كيف كان فموضوع البحث هو الميتة بهذا المعنى، و لها أنواع ثلاث لأنّها

____________

(1) القاموس 1: 158. (موت)

(2) المائدة: 3.

(3) الأنعام: 145.