موسوعة الإمام الخوئي - ج6

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
426 /
1

[تتمة كتاب الطهارة]

[تتمة فصل في الوضوء]

[تتمة فصل في شرائط الوضوء]

[الثالث عشر: الخلوص]

الثالث عشر: الخلوص، فلو ضمّ إليه الرِّياء بطل، سواء كانت القربة مستقلّة و الرِّياء تبعاً أو بالعكس أو كان كلاهما مستقلا (1)

____________

(1) حرمة الرِّياء في الشريعة المقدّسة لا ينبغي الإشكال في حرمة الرِّياء في الشريعة المقدّسة، و يكفي في حرمته الأخبار المستفيضة، بل البالغة حدّ التواتر (1) و في بعضها «إن كل رياء شرك» (2) مضافاً إلى الآيات الكتابيّة التي ذمّ اللّٰه تعالى فيها المرائي في عمله، فقد قال تعالى فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلٰاتِهِمْ سٰاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرٰاؤُنَ وَ يَمْنَعُونَ الْمٰاعُونَ (3) و قال وَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰالَهُمْ رِئٰاءَ النّٰاسِ (4) و قال كَالَّذِي يُنْفِقُ مٰالَهُ رِئٰاءَ النّٰاسِ (5) و قال وَ لٰا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيٰارِهِمْ بَطَراً وَ رِئٰاءَ النّٰاسِ (6) إلى غير ذلك مما ورد في ذمّ الرِّياء، بل حرمة الرِّياء من جملة‌

____________

(1) و هي كثيرة جدّاً البالغة نحواً من أربعين رواية، راجع الوسائل 1: 59/ أبواب مقدّمة العبادات ب 8، 11، 12 و غيرها من الموارد.

(2) كرواية يزيد بن خليفة. الوسائل 1: 70/ أبواب مقدّمة العبادات ب 12 ح 2، و الروايات المذكورة فيها هذه الجملة و إن كانت متعدِّدة إلّا أنّ كلّها ضعيفة، نعم ورد في موثقة مسعدة بن زياد: «فاتّقوا اللّٰه في الرِّياء فإنّه الشِّرك باللّٰه ...» الوسائل 1: 69/ أبواب مقدّمة العبادات ب 11 ح 16.

(3) الماعون 107: 4 7.

(4) النساء 4: 38.

(5) البقرة 2: 264.

(6) الأنفال 8: 47.

2

..........

____________

الضروريات و ممّا لا ينبغي الإشكال فيه.

إلّا أن الكلام في موضوعه و أن المحرّم من الرِّياء أي شي‌ء فنقول: إن الرِّياء و إن كان بمفهومه اللغوي يعمّ العبادات و غيرها لأنه بمعنى إتيان العمل بداعي إراءته لغيره إلّا أنه لا دليل على حرمته في غير العبادات، فاذا أتى بعمل بداعي أن يعرف الناس كماله و قوّته كما إذا رفع حجراً ثقيلًا ليعرف الناس قوّة بدنه و عضلاته لم يرتكب محرماً بوجه، و ذلك لأنّ المستفاد من الأخبار الواردة في حرمة الرِّياء أن حرمته من جهة أنه شرك و إشراك، و الشرك إنّما يتحقق في العبادات، و أمّا إذا أتى بعمل لأن يرى الناس كمال صنعه و معرفته فهو لا يكون مشركاً باللّٰه بوجه، و كيف كان فلا شك في عدم حرمة الإتيان بالعمل غير العبادي رياء، نعم لا إشكال في حسن ترك الرِّياء في جميع الأفعال الصادرة من المكلّف حتى في غير العبادات بأن يأتي بجميع أعماله للّٰه، إلّا أنه على تقدير تحققه في غير المعصومين قليل غايته، و إنما المحرّم هو أن يعبد المكلّف اللّٰه سبحانه ليريه للناس.

ثمّ إنّ المحرّم إنّما هو الرِّياء في العبادة بما أنّها عبادة، و أما إذا أتى بالعبادة للّٰه سبحانه إلّا أنه قصد فيها الرِّياء لا من حيث العبادة بل من جهة أُخرى، كما إذا أجهر فيها بداعي إعلامه للغير أنه في الدار، أو قصد ذلك في قيامه في الصلاة ليراه غيره في الدار لئلّا يتوحّش عن الانفراد، لأنه أيضاً إتيان للعمل بداعي أن يريه غيره إلّا أنه ليس رياء في العبادة حقيقة، و إنما هو رياء في شي‌ء آخر مقارن للعبادة، فلا إشكال في عدم بطلان العبادة بذلك لأنه لم يشرك في عبادته بل أتى بها خالصاً لوجهه الكريم، فالرياء المحرّم هو الإتيان بالعبادة بداعي أن يري عبادته للغير.

ثمّ إنّه إذا أتى بالعبادة امتثالًا لأمر اللّٰه سبحانه من غير أن يكون لرؤية غيره مدخلية في عبادته و لو بتأكد داعيه إلّا أنه يعلم أن غيره يرى عبادته و هو يسره فالظاهر صحّة عبادته، و ذلك لفرض عدم مدخلية رؤية الغير في عبادته و إنما محركه نحو العمل هو الامتثال و طاعة ربّه، و رؤية الغير من الآثار المترتبة على عمله العبادي قهراً من غير أن يكون لها مدخلية فيه و لو بالتأكّد، كما هو الحال في الصلاة في أماكن‌

3

..........

____________

الاجتماع كالمساجد، أو في مكان مكشوف و إن كان ذلك موجباً لسروره و فرحه، و مجرّد السرور برؤية الغير و حبّه ظهور عمله لدى الغير أمر اتفاقي غير مبطل للعبادة، لعدم صدورها إلّا بالداعي الإلٰهي، فإن مثله خارج عن الرِّياء خروجاً تخصّصيّاً موضوعياً لأنّ الرِّياء بمفهومه اللّغوي و العرفي لا يشمل مثله حيث يعتبر في مفهومه أن تكون لرؤية الغير مدخلية في عمله، و مع فرض عدم دخالتها في العمل لا يصدق عليه الرِّياء.

ثمّ لو تنزلنا عن ذلك و سلمنا صدق الرِّياء عليه فهو خارج عن الرِّياء المبغوض المحرّم قطعاً، و ذلك بقرينة ما حمل عليه أي على الرِّياء في رواياته، حيث حمل عليه عنوان الشرك، و ورد أن كل رياء شرك، و هذا المحمول قرينة على أن الرِّياء المحرّم المبغوض إنّما هو الرِّياء الذي يكون شركاً، و بما أنّ مفروض المسألة عدم الإشراك في العبادة بوجه لعدم مدخلية رؤية الغير فيها على الفرض، فهو من الرِّياء غير المحرّم شرعاً، هذا كلّه.

مضافاً إلى صحيحة زرارة أو حسنته باعتبار إبراهيم بن هاشم، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «سألته عن الرجل يعمل الشي‌ء من الخير فيراه إنسان فيسره ذلك، قال: لا بأس، ما من أحد إلّا و هو يحب أن يظهر له في الناس الخير، إذا لم يكن صنع ذلك لذلك» (1)، و قوله: «ما من أحد» محمول على الغالب في عامّة الناس.

و أمّا ما ورد في موثقة النوفلي عن السكوني و كذا في غيرها من أنّ للمرائي علامات ثلاث: ينشط إذا رأى الناس، و يكسل إذا كان وحده، و يحب أن يحمد في جميع أُموره (2) فهو غير معارض للصحيحة أو الحسنة بوجه، و ذلك لا لأجل ضعفها‌

____________

(1) المروية في الوسائل 1: 75/ أبواب مقدّمة العبادات ب 15 ح 1.

(2) المروية في الوسائل 1: 73/ أبواب مقدّمة العبادات ب 13 ح 1. و هذه الرواية و إن عبر عنها في كلام غير واحد بالخبر، الدال على ضعفها لوجود النوفلي و هو حسين بن يزيد في سندها و لم يرد فيه توثيق في كتب الرجال، إلّا أنه بناء على ما أفاده سيِّدنا الأُستاذ (دام ظله) من وثاقة كل من وقع في أسانيد كتاب كامل الزيارات أو تفسير القمي، و كان السند الواقع فيه متصلًا بالمعصوم (عليه السلام) لشهادة ابن قولويه و علي بن إبراهيم (رضوان اللّٰه عليهما) بذلك فالرواية موثقة لوجود النوفلي في أسناد الكتابين.

4

..........

____________

من جهة حسين بن زياد النوفلي، لما قرّرنا في محلِّه من أن الرجل موثق (1)، بل لأجل أنها قاصرة الدلالة على بطلان العبادة بمجرّد السرور بظهور العمل لدى الغير، و ذلك لأنّ النشاط عند رؤية الناس يستلزم التغير في كيفية العمل لا محالة بتحسين تجويده أو بإطالة ركوعه و سجوده و نحوهما، و لا إشكال في أنه رياء و إتيان بالعبادة بداعي غيره تعالى، و هذا بخلاف مفروض الكلام من أنه يأتي بالعبادة بداعي أمر اللّٰه فحسب إلّا أنه يسره رؤية الغير لعمله من غير أن تكون لرؤية الغير مدخلية في عبادته، نعم هذا غير مناسب للمتقين إلّا أنه مطلب آخر. على أن سرور العامل بمشاهدة غيره عمله أمر جبلي طبعي في غير المعصومين (عليهم السلام) و جماعة قليلين، فكيف يمكن الحكم بحرمته و أن الغالب بل الجميع يرتكبون المحرّم في عباداتهم. فالمتحصل أن الرِّياء المحرّم إنما هو مختص بالعبادة فيما إذا كان لرؤية الغير مدخلية فيها بما هي عبادة.

الأنحاء المتصوّرة في الرّياء

و الرِّياء على هذا النحو يتصور على وجوه: أحدها: أن يأتي بالعبادة خالصة لغير اللّٰه سبحانه، بأن يكون محركه نحوها إراءة عبادته للغير من غير أن تكون مستندة إلى امتثال أمر اللّٰه سبحانه و لو على نحو التشريك. و ثانيهما: أن يأتي بها بداعي كل من امتثال أمره تعالى و رؤية غيره، بأن يكون كل من الرِّياء و الامتثال له مدخلية في عمله، فالمحرك و الداعي هو مجموع طاعة الخالق و المخلوق بحيث لو كان كل منهما منفكّاً عن غيره لم تصدر منه العبادة بوجه. و الحكم ببطلان العبادة في هاتين الصورتين على طبق القاعدة قلنا بحرمة الرِّياء أم لم نقل، حتى لو فرضنا أن تلك الروايات المستفيضة بل المتواترة لم تكن أيضاً كنا حكمنا ببطلان العبادة في الصورتين المذكورتين، و ذلك لأنه يشترط في صحّة العمل العبادي استناده إلى اللّٰه سبحانه بأن يكون الداعي الإلٰهي مستقلا في الداعوية و المحركية، بحيث لو كان وحده كفى في‌

____________

(1) معجم رجال الحديث 7: 122.

5

..........

____________

التحرّك نحوه و إصدار العبادة و أن يأتي بنيّة التقرب إليه، فإذا أتى به لا بنيّة القربة كما في الصورة الأُولى أو بنيّة القربة و نيّة أمر آخر على نحو الاشتراك و لو كان من الأُمور المباحة كالتبريد في الوضوء، فلا محالة وقعت العبادة باطلة، و الحكم ببطلانها حينئذ على طبق القاعدة.

فما عن السيِّد المرتضى (قدس سره) من إفتائه بصحّة العبادة المراءى فيها و أن المنفي هو القبول و ترتّب الثواب عليها (1) ممّا لا يحتمل عادة إرادته هاتين الصورتين بل من المظنون قويّاً بل المطمأن به أنه أراد غيرهما كما نبيِّنه إن شاء اللّٰه تعالى (2)، لأن بطلان العبادة حينئذ مستند إلى فقدانها النيّة المعتبرة و إن لم يكن فيها رياء، و عليه:

فمحل الكلام في الحكم ببطلان العبادة من جهة الرِّياء هو ما إذا كان له داعيان مستقلّان للعبادة أحدهما: داعي الامتثال، و ثانيهما: داعي الرِّياء و إراءته العمل للغير بحيث كان كل منهما في نفسه و إن لم ينضم إليه الآخر صالحاً للداعوية و المحركية نحو العبادة على تقدير انفراده، و لكنهما اجتمعا معاً في عبادته و انتسب العمل إليهما من جهة استحالة صدور المعلول الواحد عن علّتين مستقلتين، فلا محالة يستند إليهما على نحو الاشتراك في التأثير و حينئذ يستند بطلانها إلى الرِّياء لتمامية شرائطها في نفسها لأنها منتسبة إلى اللّٰه سبحانه حيث صدرت عن داع قربي، و لكنّها لما كانت على نحو الاشتراك بينه تعالى و بين غيره حكمنا ببطلانها.

أو كان داعي الامتثال مستقلا في المحركية و الانبعاث بحيث لو كان وحده كفى في إصدار العبادات، و كان داعي الرِّياء غير مستقل في الداعوية بأن لم يكن مؤثراً في البعث و العمل في نفسه إلّا إذا ضم إليه داع آخر، و هذا هو مراد الماتن (قدس سره) من كون داعي القربة مستقلا و الرِّياء تبعاً. و هاتان الصورتان هما محل البحث في المقام، و قد ذهب المشهور فيهما إلى بطلان العبادة بالرياء، و خالفهم في ذلك السيِّد المرتضى (قدس سره) و التزم بصحتها و سقوط الثواب عنها و عدم قبولها للرياء.

____________

(1) الانتصار: 100/ المسألة 9.

(2) في ص 17 18.

6

..........

____________

و الكلام في ذلك يقع من جهتين، إحداهما: صحّة العبادة المراءى فيها و بطلانها من جهة ما تقتضيه القاعدة في نفسها، و ثانيتهما صحتها و فسادها بالنظر إلى الأخبار الواردة في المقام.

أمّا الكلام من الجهة الأُولى فالصحيح صحّة العبادة في مفروض الصورتين حيث صدرت عن داعٍ إلٰهي مستقل في داعويته، بحيث لو كان وحده كفى في الداعوية نحو العمل، بلا فرق في ذلك بين أن ينضم إليه داع آخر غير داعي الامتثال مستقل في داعويته على تقدير وحدته، أو تبعي لا يستقل في الداعوية في نفسه حتى ينضم إليه داع آخر، و ذلك لأن المعتبر في صحّة العبادة أن تكون صادرة عن الداعي القربي الإلٰهي المستقل، و أما انحصار الداعي في ذلك و أن لا يكون معه داع آخر فهو غير معتبر في صحّتها كما يأتي تفصيله عند تعرض الماتن (قدس سره) في نفس المسألة كما إذا أتى بالعبادة بداع إلٰهي مستقل منضماً إلى داع آخر مباح أيضاً مستقل في داعويته أو تبعي كقصد التبريد بالوضوء، حيث يأتي منا هناك أن العبادة إذا كانت صادرة عن داع قربي مستقل في داعويته صحت سواء كان هناك داع آخر أم لم يكن، لعدم اعتبار انحصار الداعي بالداعي الإلٰهي، فلو توضّأ بداعيين أحدهما قربي مستقل و الآخر أمر آخر كالتبريد و نحوه، يحكم بصحة وضوئه لا محالة. فالعبادة المراءى فيها محكومة بالصحة بمقتضى القاعدة.

و أمّا الكلام من الجهة الثانية فقد عرفت أن حرمة الرِّياء مما لا ينبغي الإشكال فيه بمقتضى الأخبار المستفيضة و ما ورد في ذمّه من الآيات (1) بل هو في مرتبة شديدة من الحرمة حتى عبر عنه بالشرك في جملة من رواياته، كما أن الرِّياء وجه من وجوه العمل و العبادة و ليس من وجوه القصد النفساني، لأن العمل بنفسه رياء كما في قوله تعالى وَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰالَهُمْ رِئٰاءَ النّٰاسِ أو كَالَّذِي يُنْفِقُ مٰالَهُ رِئٰاءَ النّٰاسِ و قوله تعالى الَّذِينَ هُمْ يُرٰاؤُنَ، و عليه فالأخبار الواردة في حرمة الرِّياء منطبقة‌

____________

(1) تقدّمت الإشارة إلى مواضع الآيات في صدر المسألة فلاحظ.

7

..........

____________

على حرمة العبادة التي أتى بها بداعي إرائتها للناس و إراءة أنه خيّر من الأخيار، و مع حرمة العمل و مبغوضيته كيف يمكن التقرّب به، لأن المبغوض لا يكون مقرباً و المحرّم لا يكون مصداقاً للواجب، فلا محالة تبطل العبادة بذلك هذا.

على أن في الأخبار الواردة في الرِّياء مضافاً إلى دلالتها على حرمته دلالة واضحة على بطلان العمل المأتي به رياءً، و أنه مردود إلى من عمل له و غير مقبول، و في بعضها أن اللّٰه سبحانه يأمر به ليجعل في سجين، إلى غير ذلك من الأخبار، و هذه الأخبار و إن كان أغلبها ضعيفة إلّا أن استفاضتها بل الاطمئنان بصدور بعضها لو لم ندع العلم كافية في الحكم باعتبارها، على أن بعضها معتبرة في نفسه.

فقد روى البرقي في المحاسن عن أبيه عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال «يقول اللّٰه عزّ و جلّ: أنا خير شريك فمن عمل لي و لغيري فهو لمن عمله غيري» (1) هكذا في نسخة الوسائل المطبوعة جديداً و قديماً، و الظاهر أنها غلط. و في نسختنا المصححة من الوسائل «فهو كمن عمله غيري» و الظاهر سقوط اللّام عن قوله «غيري» و عليه فالرواية هكذا: «من عمل لي و لغيري فهو كمن عمله لغيري» و عليه فهي كالصريح في بطلان العبادة بالرياء حيث نزلها سبحانه منزلة العمل الذي أتى به خالصاً لغيره تعالى، و من الظاهر أن العمل لغيره مما لا يحسب من العمل للّٰه في ديوانه بل يحسب لمن أتى له لأنه خير شريك، فكأنه مما لم يأت به (2) و أي شي‌ء أصرح في بطلان العمل من هذا التعبير؟

و الرواية لا بأس بها من حيث سندها إلّا من جهة والد البرقي، حيث ذكر‌

____________

(1) الوسائل 1: 72/ أبواب مقدّمة العبادات ب 12 ح 7. المحاسن 1: 392/ 875.

(2) بل في موثقة مسعدة بن زياد «... إن المرائي يدعى يوم القيامة بأربعة أسماء: يا كافر يا فاجر يا غادر يا خاسر، حبط عملك و بطل أجرك فلا خلاص لك اليوم ...» الوسائل 1: 69/ أبواب مقدّمة العبادات ب 11 ح 16. و في موثقة السكوني «... إن الملك ليصعد بعمل العبد ... يقول اللّٰه عزّ و جلّ: اجعلوها في سجين، إنه ليس إياي أراد به» الوسائل 1: 71/ أبواب مقدّمة العبادات ب 12 ح 3.

8

..........

____________

النجاشي في حقه أنه ضعيف في حديثه (1) و عن ابن الغضائري: أن حديثه يعرف و ينكر (2)، إلّا أن الشيخ (قدس سره) وثقه صريحاً (3) و عليه فالرواية معتبرة، بل لا معارضة بين توثيق الشيخ إياه و بين ما حكي عن النجاشي و ابن الغضائري أصلًا لأن الظاهر أن كلام النجاشي (ضعيف في حديثه) لا تعرض له إلى نفي وثاقة الرجل بل هو بمعنى ضعف رواياته لأنه يروي عن الضعفاء، و من هنا قد يقبل حديثه و قد ينكر كما في كلام ابن الغضائري، فلا تنافي بين كلامهما و كلام الشيخ (قدس سره).

هذا و لكن السيِّد المرتضى (قدس سره) ذهب إلى صحّة عبادة المرائي و إسقاطها الإعادة و القضاء، و غاية الأمر أنها غير مقبولة و أن عاملها لا يثاب، بدعوى أن الأخبار الواردة في حرمة الرِّياء إنّما تدلّ على نفي قبول العبادة المراءى فيها، و نفي القبول أعم من البطلان حيث قد يكون العمل صحيحاً و لكنه غير مقبول، و قد قال اللّٰه سبحانه إِنَّمٰا يَتَقَبَّلُ اللّٰهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (4) لأن من الظاهر أن عمل غير المتقين أيضاً صحيح إلّا أنه غير مقبول عنده تعالى (5).

و الجواب عن ذلك بوجوه:

الأوّل: أن الأخبار الواردة في المقام غير منحصرة بما اشتمل على نفي القبول، لأن منها ما هو كالصريح في بطلان العبادة بالرياء كما قدّمناه عن البرقي في المحاسن عن أبيه.

الثاني: هب أن الأخبار منحصرة بما ينفي القبول، إلّا أنه ليس بأعم من البطلان بل هو هو بعينه، و ذلك لأن النفي إنما هو نفي القبول في مقام المولوية و الآمرية لا في‌

____________

(1) رجال النجاشي: 335/ 898.

(2) مجمع الرجال 5: 205.

(3) وثقه في كتاب الرجال في أصحاب الرضا (عليه السلام)، 363/ باب الميم رقم: 4، مضافاً إلى أنه واقع في أسانيد كامل الزيارات أيضا.

(4) المائدة 5: 27.

(5) الانتصار: 100/ المسألة 9.

9

..........

____________

مقام نفي الثواب، و مع صحّة العمل لا معنى لعدم القبول، فنفيه عين بطلان العمل و عدم صحّته و هو بمعنى عدم احتسابه عملًا. و بهذا المعنى أيضاً يستعمل في عرفنا اليوم فيقال لا أقبل ذلك منك، بمعنى لا أحسبه عملًا لك فهو كالعدم، نعم قد يرد أن العمل الفلاني لا يثاب عليه، و لا إشكال أنه أعم من البطلان، إلّا أنه أمر آخر غير نفي القبول.

و أمّا الآية المباركة الواردة في قضيّة ابني آدم إِذْ قَرَّبٰا قُرْبٰاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمٰا وَ لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قٰالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قٰالَ إِنَّمٰا يَتَقَبَّلُ اللّٰهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (1) فهي أجنبية عمّا نحن بصدده، لأن المتقين في الآية المباركة بمعنى المؤمنين، أي من آمن باللّٰه و رسوله و اليوم الآخر، و القاتل في الآية المباركة لم يكن مؤمناً باللّٰه و لا باليوم الآخر، و لذا كان مخلداً في النار في التابوت، و يؤيده تفسيره بالشيعة في زماننا بمعنى المؤمن في كل عصر. و من الظاهر أن غير المؤمن لا يتقبّل عمله لبطلانه و عدم إيمان فاعله، فالآية المباركة غير راجعة إلى ما نحن فيه.

ثمّ لو فسرنا المتقين بمن اجتنب عن المحرمات و أتى بالواجبات فلا مناص من التأويل في ظاهر الآية المباركة بحملها على عدم الثواب بمرتبته الراقية و عدم القبول الكامل الحسن، و ذلك لضرورة أنّ أعمال غير المتقين أعني الفسقة أيضاً مقبولة و هي ممّا يثاب عليه، و كيف يمكن أن يدعى أن من ارتكب شيئاً من الفسق لا يقبل عمله و لا يثاب عليه مع صراحة الكتاب العزيز في أنه مما يثاب عليه و يعاقب لقوله تعالى فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (2) و عليه لا بدّ من حمل نفي القبول في الآية المباركة على أن عمل غير المتقين بالمعنى الأخير ممّا لا يثاب عليه بثواب كامل و لا يقبل بقبول حسن.

الثالث: أن دلالة الأخبار الواردة في المقام على حرمة العبادة المراءى فيها كافية‌

____________

(1) المائدة 5: 27.

(2) الزّلزلة 99: 7، 8.

10

و سواء كان الرِّياء في أصل العمل (1) أو في كيفيّاته (2)

____________

في الحكم بالفساد و إن لم نفرض لها دلالة على البطلان، لما مرّ من أن الرِّياء وجه من وجوه العمل، و مع حرمة العمل و مبغوضيته كيف يمكن التقرب به، و كيف يمكن أن يكون المحرّم مصداقاً للواجب.

فالمتحصل إلى هنا أن الصحيح هو ما ذهب إليه المشهور من بطلان العبادة بالرياء. هذا تمام الكلام في أصل حرمة الرِّياء و في بطلان العبادة به. و يقع الكلام بعد ذلك في خصوصياته، لأن الرِّياء قد يتحقق في أصل العمل و أُخرى في كيفياته و ثالثة في جزء من أجزائه، و هو قد يكون جزءاً وجوبياً و أُخرى استحبابيا.

(1) كما إذا أتى بالصلاة أو بالوضوء أو بغيرهما من العبادات بداعي إراءتها للناس على تفصيل قد عرفت، و عرفت الوجه في بطلانها.

الرِّياء في كيفيّات العمل

(2) الرِّياء في الكيفية مع إتيان أصل العمل بداعي اللّٰه سبحانه على قسمين، لأن الكيفية المراءى فيها قد تكون متحدة الوجود مع العبادة خارجاً، كما إذا صلّى في المسجد رياء و إن كان أصل الصلاة مستنداً إلى الداعي الإلٰهي، إلّا أن الحصّة الخاصّة من الصلاة أعني الصلاة في المسجد صادرة بداعي الرِّياء، و نظيره ما إذا صلّى بوقار و إطالة رياء للنشاط الحاصل له عند رؤية الناس. و أُخرى تكون موجوداً عليحدة و لا تتحد مع العبادة في الوجود، و هذا كما إذا صام للّٰه إلّا أنه قرأ الأدعية في صيامه بداعي الرِّياء، أو صلّى للّٰه و تحنك رياء، لأن التحنّك و قراءة الأدعية أمران آخران غير الصيام و الصلاة.

أمّا الرِّياء في الكيفيّة المتحدة مع العمل في الوجود فهو موجب لبطلان العبادة لا محالة، لأن الحصّة الخاصّة من العبادة أعني الموجود الخارجي قد صدرت عن داع‌

11

أو في أجزائه (1) (1)

____________

غير إلٰهي أعني داعي الرِّياء فهي محرمة و مبغوضة، و المبغوض كيف يقع مقرّباً و المحرّم لا يمكن أن يقع مصداقاً للواجب فتبطل.

و أما الرِّياء في الكيفية المنحازة عن أصل العمل فلا موجب لكونه مبطلًا للعبادة لأن المبغوض و المحرّم شي‌ء و العبادة شي‌ء آخر، و لا تسرى حرمة أحدهما إلى الآخر، و لا يمكن أن يقال إنه أمر قد أشرك فيه غيره سبحانه معه، بل هما أمران أحدهما أتى به للّٰه و الآخر أتى به لغيره و لعله ظاهر.

الرِّياء في أجزاء العمل

(1) إذا أتى بجزء من أجزاء العمل العبادي بداعي الرِّياء فان اقتصر عليه فلا إشكال في بطلان عبادته، لأن الجزء المأتي به رياء محكوم بالحرمة و البطلان فهو كالعدم و كأنه لم يأت به أصلًا، و العبادة تقع باطلة فيما إذا نقص عنها جزؤها، و أما إذا لم يقتصر عليه بل ندم ثمّ أتى به عن داع قربي إلٰهي فان كان العمل مما يبطل بزيادة جزئه عمداً كالصلاة فأيضاً يحكم ببطلان العبادة، لأن السجدة المأتي بها رياء مثلًا أمر زائد أتى به عمداً، و المفروض أن الزيادة العمدية موجبة لبطلان الصلاة، و أما إذا لم يبطل العمل بالزيادة العمدية كما في الوضوء فان استلزم الإتيان بالجزء مرّة ثانية على وجه صحيح كغسل اليد اليمنى مثلًا البطلان من شي‌ء من النواحي كما إذا أوجب الإخلال بالموالاة المعتبرة في الوضوء بأن كان موجباً لجفاف الأعضاء المتقدِّمة فأيضاً لا بدّ من الحكم ببطلان العبادة.

و أمّا إذا لم يقتصر على الجزء المأتي به رياءً بل أتى به ثانياً بقصد امتثال أمر اللّٰه سبحانه، و لم يكن العمل كالصلاة مما يبطل بالزيادة عمداً، و لم يستلزم البطلان من‌

____________

(1) في إطلاقه إشكال بل منع، و كذلك الأجزاء المستحبّة.

12

..........

____________

ناحية أُخرى كالإخلال بالموالاة في الوضوء، فهل يكون الرِّياء المتحقق في جزء منه كغسل اليد اليمنى مثلًا موجباً لبطلانه و إن ندم و أتى به مرّة أُخرى بداعٍ قربي لأن الشي‌ء لا ينقلب عما وقع عليه، فالوضوء ممّا تحقق الرِّياء في أثنائه سواء ندم بعد ذلك و أتى بالجزء ثانياً أم لم يندم عليه، أو أنه لا يوجب البطلان؟ وجهان بل قولان.

قد يقال ببطلان العمل بذلك تمسكاً بإطلاقات الأخبار الواردة في المقام، لأنه يصدق أنه عمل للّٰه و لغيره فهو لغيره، أو كمن عمله لغيره (1) و هو مما أدخل فيه رضا أحد من الناس (2) إلى غير ذلك من الإطلاقات.

إلّا أنّ الصحيح عدم بطلان العبادة بذلك، و الوجه فيه أن الشركة إنما تتحقّق فيما إذا كان العمل واحداً و أتى به للّٰه و لغيره، فمثله يحسب من شريكه في العبادة و لا يحسب من اللّٰه لأنه خير شريك، و أما مع التعدّد و الإتيان ببعضه للّٰه و الاشتراك في بعضه فلا معنى للشركة فيما أتى به للّٰه، و إنما الشركة في ذلك الجزء الذي أتى به أوّلًا بداعي غيره تعالى فهو محسوب لذلك الغير، فإذا لم يقتصر عليه بل أتى به ثانياً بداع قربي إلٰهي فيصدق حقيقة أنه عمل أتى به بأجمعه للّٰه و بالداعي الإلٰهي القربي، فحيث إن ما أتى به بداعي اللّٰه سبحانه من غسل الوجه و المسح و غسل اليد اليمنى ثانياً مثلًا مما لا اشتراك فيه فلا موجب لاحتسابه للغير الذي هو مضمون رواية البرقي (3) و هي العمدة في المقام، و كذلك الحال في بقيّة الأخبار، لأنّ إتيان العمل له و لغيره إنما يتحقق مع وحدة العمل حتى يقع فيه الاشتراك، و أمّا مع التعدّد و كون بعضه خالصاً له تعالى فلا معنى للاشتراك في ذلك البعض فلا موجب لبطلانه، و إنما الباطل هو الجزء الذي أتى به اشتراكا.

____________

(1) هذا مضمون صحيحة هشام بن سالم التي رواها البرقي و تقدّمت في ص 7.

(2) هذه الجملة وردت في رواية زرارة و حمران عن أبي جعفر (عليه السلام)، الوسائل 1: 67/ أبواب مقدّمة العبادات ب 11 ح 11.

(3) المتقدّمة في ص 7.

13

..........

____________

و أمّا ما في بعض الروايات من قوله (عليه السلام): «لو أن عبداً عمل عملًا يطلب به وجه اللّٰه و الدار الآخرة و أدخل فيه رضا أحد من الناس كان مشركاً» (1) فليس معناه أن الرِّياء إذا تحقق في أثناء العمل و في جزء منه يحكم ببطلانه لإشراك فاعله، و بعبارة أُخرى إذا كانت العبادة ظرفاً للرياء يحكم ببطلانها، بل معناه أن العمل بتمامه إذا صدر عن داع ريائي يحكم ببطلانه، و ذلك لأنه لا معنى لإدخال رضا الغير في عمل نفسه، إذ الرضا من الأفعال القلبية القائمة بالغير فكيف يدخل ذلك في عمل شخص آخر، فلا معنى له إلّا كون رضا الغير مما له مدخلية في عمله و هو عبارة أُخرى عن إتيان العبادة بداعي رضا الغير، و قد عرفت أن العمل إذا صدر بداعي إراءته للغير أو رضائه يحكم ببطلانه و فساده. و أين هذا عما نحن فيه، أعني ما إذا أتى بجميع أجزاء العمل بداعي اللّٰه سبحانه إلّا في جزء من أجزائه ثمّ ندم و أتى به مرّة أُخرى على وجه صحيح، فالرواية لا دلالة لها على البطلان في مفروض المسألة، هذا كلّه.

ثمّ لو تنزّلنا عن ذلك و بنينا على المسامحة العرفية بأن قلنا إنّ الوضوء عمل مركّب فهو شي‌ء واحد عرفاً، و قد تحقق الرِّياء في ذلك الأمر الواحد مع أن العرف لا يراه شيئاً واحداً أيضاً لا نحكم ببطلانه، و ذلك لأن الباطل أو المحرّم إنما هو مجموع العمل بما هو مجموع، و أما إذا قسمناه و أخذنا بالمقدار الذي صدر منه عن الداعي الإلٰهي فهو ليس شيئاً وقع الرِّياء في أثنائه.

و بالجملة: العرف لا يحكم إلّا بوقوع الرِّياء في مجموع العمل لا في جميع أجزائه، فما صدر من المجموع بالداعي الصحيح مما لا إشكال في صحّته. هذا كله في الجزء الوجوبي، و منه يظهر الحال في الجزء المستحب.

____________

(1) و هو ما رواه الحلبي عن زرارة و حمران عن أبي جعفر (عليه السلام) المروي في الوسائل 1: 67/ أبواب مقدّمة العبادات ب 11 ح 11.

14

بل و لو كان جزءاً مستحبّاً على الأقوى (1) الرِّياء في الجزء المستحب

____________

(1) قد ظهر الحال في ذلك مما بيّناه في الرِّياء في الجزء الوجوبي، لأن الرِّياء في مثل القنوت إنما يوجب بطلان ذلك الجزء المستحب و هو الذي أشرك فيه مع اللّٰه تعالى غيره فيحكم ببطلانه دون مجموع العمل كما مرّ في الجزء الوجوبي. و بالجملة: إنه إذا قلنا بعدم بطلان العبادة بإتيان الجزء الوجوبي رياء فلا نقول ببطلانها عند إتيان الجزء الاستحبابي بداعي الرِّياء كما عرفت.

و هل يحكم ببطلان العبادة بإتيان الجزء المستحب بداعي الرِّياء فيما إذا قلنا بذلك في الجزء الوجوبي، أو لا نقول ببطلانها من جهة الرِّياء في الجزء المستحب؟ الصحيح هو الثاني، و أن الرِّياء في الجزء المستحب لا يوجب بطلان العبادة و إن قلنا ببطلانها بالرياء في الجزء الواجب. و السر في ذلك ما ذكرناه في بحث الأُصول من أنه لا معنى متحصل للجزء المستحب، حيث إن وجوب شي‌ء مع كون جزئه مستحباً أمران متنافيان (1)، و لا يمكن أن يكون المستحب جزءاً من ماهية الواجب، لاستحالة تقوم الماهية الواجبة بالأمر المستحب الذي له أن يأتي به و له أن يتركه، كما أنه لا يمكن أن يكون جزءاً من فردها، حيث إن الواجب إذا كان مركباً من أُمور متعدِّدة و أتى بها المكلّف خارجاً كان ذلك فرداً من الماهية الواجبة، و مع عدم كون المستحب أو غيره جزءاً من الماهية كيف يعقل أن يكون جزءاً من فردها و مصداقها، فلا معنى للجزء المستحب إلّا أحد أمرين:

أحدهما: أن يكون الأمر المستحب عبادة مستقلّة في نفسها إلّا أن ظرفها هو العبادة الواجبة، فكما قد يستحب إتيان بعض الأُمور قبل العبادة أو بعدها كذلك لا مانع من استحباب بعض الأُمور في أثنائها على أن يكون ظرف ذلك المستحب هو العبادة الواجبة، فهما عبادتان إحداهما ظرف و الأُخرى مظروف، و من الظاهر أن‌

____________

(1) مصباح الأُصول 3: 300.

15

و سواء نوى الرِّياء من أوّل العمل أو نوى في الأثناء (1)

____________

العبادة المظروفة إذا بطلت للرياء لا يقتضي ذلك بطلان ظرفها لأنهما عبادتان، و لا وجه لإسراء البطلان من أحدهما إلى الآخر، و قد أسلفنا أن ما ورد في بعض الروايات من حرمة إدخال رضا أحد في العبادة ليس معناه حرمة جعل العبادة ظرفاً للرِّياء، بل معناه حرمة الإتيان بالعبادة بداعي رضا غير اللّٰه على أن يكون لرضا غيره مدخلية في عبادته.

و ثانيهما: أن يكون ما نسميه بالجزء المستحب موجباً لحدوث خصوصية في العبادة، بها تصير أرجح الأفراد و أفضلها و يكون ثوابها أكثر من بقيّة الأفراد من غير أن يكون عبادة في نفسها، كما هو الحال في الجماعة في الصلاة، حيث إنها أي الجماعة ليست مستحبّة في نفسها، و إنما هي توجب حدوث مزيّة في ذلك الفرد بها تكون أرجح من غيره و يكون ثوابه أكثر من بقيّة الأفراد الواجبة، و لا يبعد أن يكون القنوت أيضاً من هذا القبيل، و هذا يرجع في الحقيقة إلى التقييد و أن الصلاة المتقيّدة بالقنوت في أثنائها أو بأمر آخر قبلها أو بعدها أرجح من غيرها، و ثوابها أزيد من ثواب بقيّة الأفراد.

فإذا فرضنا أن التقييد حصل على وجه محرّم مبغوض فكأن التقييد المستحب لم يكن، فلا يترتب على العبادة مزيّة راجحة إلّا أنها تقع صحيحة في نفسها.

(1) و ذلك للإطلاق، حيث إن ما دلّ على بطلان العبادة التي أشرك فيها مع اللّٰه غيره غير مختص بما إذا كان الإشراك من أوّل العمل، بل إذا تحقق في أثنائه أيضاً يصدق عليه عنوان الرِّياء و يقال إنه أشرك في عمله مع اللّٰه غيره فيبطل، نعم إذا حدث ذلك في أثناء العبادة إلّا أنه لم يقتصر على ذلك الجزء الصادر بداعي غير اللّٰه بل أتى به ثانياً بداعي امتثال أمر اللّٰه سبحانه دخل ذلك في المسألة المتقدِّمة أعني الرِّياء في جزء العمل، و يأتي فيه التفصيل المتقدِّم بعينه.

16

و سواء تاب منه أم لا (1)، فالرِّياء في العمل بأي وجه كان مبطل له لقوله تعالى على ما في الأخبار (1): «أنا خير شريك، من عمل لي و لغيري تركته لغيري» (2) هذا و لكن إبطاله إنّما هو إذا كان جزءاً من الداعي على العمل و لو على وجه التبعيّة، و أمّا إذا لم يكن كذلك بل كان مجرّد خطور في القلب من دون أن يكون جزءاً من الداعي فلا يكون مبطلًا (3) و إذا شكّ حين العمل (4) في أنّ داعيه محض القربة أو مركّب منها و من الرِّياء فالعمل باطل (2) لعدم إحراز الخلوص الذي هو الشرط في الصحّة (5).

التوبة من الرِّياء

____________

(1) حيث إن الندم على ما ارتكبه من الرِّياء و عبادته لفقير مثله عند التوجه إلى عظمة الربّ الجليل إنما يوجب إسقاط العقاب، لأن التائب من ذنب كمن لا ذنب له إلّا أنه لا يوجب انقلاب الشي‌ء عما وقع عليه فإنه أمر مستحيل، و المفروض أن العمل قد صدر عن داع ريائي باطل فلا ينقلب إلى الصحّة بتوبته و ندمه.

(2) قدمنا نسخة الوسائل المصحّحة (3) و أن الرواية فيها هكذا: «فهو كمن عمله غيري».

(3) و قد عرفت تفصيل الكلام في ذلك في أوّل المسألة فلا نعيد.

الشكّ في الداعي و أنه الرِّياء أو غيره

(4) و لم يتعرض لما إذا شك في ذلك بعد العمل، لوضوحه حيث إنه محكوم بالصحّة حينئذ لقاعدة الفراغ.

(5) لا يبعد أن يكون المفروض في المسألة مستحيلًا في غير الوسواسي، و ذلك لما‌

____________

(1) الوارد في الأخبار قوله عزّ من قائل: فهو لمن عمل له أو فهو لمن عمله غيري.

(2) هذا الشك يناسب الوسواسي، و على تقدير تحققه في غيره فالحكم بالبطلان ليس على إطلاقه.

(3) في ص 7.

17

..........

____________

مرّ غير مرّة من أن الأُمور النفسانية مما لا واقع لها غير وجودها في النفس، و علم النفس بها حضوري و غير حصولي، و ما هذا شأنه كيف يقبل الشك و الترديد؟ و كيف يعقل أن يشك الإنسان في أني قاطع أو لست بقاطع، أو أني قاصد لأمر اللّٰه محضاً أو غير قاصد له، و قاصد للرياء أو غير قاصد له و هكذا، فالشك في القصد و الداعي أمر غير معقول.

ثمّ على تقدير معقوليته فالصحيح أن يفصل في المسألة: لأن الشك في أن داعيه هو الرِّياء إن كان من جهة احتماله الرِّياء على الكيفية المتقدّمة في الصورتين الأُوليين اللّتين حكمنا ببطلان العبادة فيهما على طبق القاعدة، و هما ما إذا أتى بالعبادة بداعي كل من الامتثال و الرِّياء من غير أن يكون شي‌ء منهما مستقلا في داعويته و إنما يكون داعياً عند انضمامه إلى الآخر، و ما إذا كان داعي الرِّياء مستقلا في داعويته و كان قصد الامتثال غير مستقل بحيث لا يقتضي إصدار العمل إلّا إذا ضمّ إلى غيره، فلو احتمل أن داعيه للعبادة هو مجموع قصد الامتثال و الرِّياء أو أنه هو الرِّياء و قصد الامتثال تبعي غير مستقل، فالأمر حينئذ كما أفاده في المتن، حيث إن إتيان العبادة بالداعي القربي المستقل في داعويته شرط في صحّتها و هو غير محرز فالعبادة باطلة.

و أمّا إذا احتمل الرِّياء في غير الصورتين المذكورتين، كما إذا علم بأن له داعياً قربياً مستقلا في داعويته و يحتمل أن يكون له أيضاً داعٍ آخر ريائي مستقل، أو على وجه غير الاستقلال، فلا مجال حينئذ للحكم بالبطلان بوجه، حيث إنّ شرط صحّة العبادة و هو صدورها عن داع إلٰهي مستقل محرز عنده، و احتمال أن يكون هناك داع آخر ريائي يندفع بالأصل لأنه أمر حادث مسبوق بالعدم.

و بعبارة واضحة: لا يعتبر في صحّة العبادة أن تكون خالصة من غير الداعي الإلٰهي المستقل، و من هنا لو كان الداعي الآخر المستقل أو غير المستقل أمراً آخر غير الرِّياء من قصد التبريد أو غيره لقلنا بصحّة العبادة، لاشتمالها على شرطها و هو صدورها عن داع قربي مستقل في داعويته. فالخلوص غير معتبر، و إنما البذرة الفاسدة بل المفسدة هو وجود الداعي الريائي المستقل أو غير المستقل، و حيث إنها‌

18

و أمّا العجب (1)

____________

أمر حادث مسبوق بالعدم فيمكن إحراز عدمها بالاستصحاب و به نحكم بصحّة العبادة لا محالة.

فالمتحصل: أن الشك في وجود داعي الرِّياء على تقدير معقوليته لا يوجب البطلان إلّا في الصورتين المذكورتين، و من هنا ينفتح باب عظيم الفائدة للوسواسيين و من يحذو حذوهم، حيث إنهم محرزين للداعي الإلٰهي المستقل، و لكنهم يحتملون وجود داع ريائي آخر أيضاً في عملهم و هو مندفع بالأصل. فالصحيح هو التفصيل في المسألة، بل هذا ليس بتفصيل في الحقيقة، لأن بطلان العبادة في تلك الصورتين غير مستند إلى الرِّياء، بل لو كان جزء الداعي هو أمراً آخر مباح كقصد التبريد أو غيره أيضاً لقلنا ببطلان العبادة لفقدها للشرط و هو صدورها عن داع قربي مستقل في الداعوية. و من هنا قلنا إن ما نسب إلى السيِّد المرتضى (قدس سره) من عدم بطلان العبادة بالرياء مما لا نحتمل عادة إرادته لهاتين الصورتين، لأن بطلان العبادة حينئذ غير مستند إلى الرِّياء كما عرفت.

العُجب و أحكامه

(1) الكلام في ذلك يقع في جهات:

الاولى: في بيان مفهوم العجب لغة. الثانية: في بيان منشئه و سببه. الثالثة: في حكمه الشرعي من الحرمة و الإباحة. الرابعة: في أن العجب المتأخر يوجب بطلان العبادة أو لا. الخامسة: في بطلان العبادة بالعجب المقارن و عدمه. و هذه هي جهات البحث يترتب بعضها على بعض.

أمّا الجهة الأُولى: فالعجب على ما يظهر من أهل اللغة معناه إعظام العمل و اعتقاد أنه عظيم إما لكيفيته كما إذا كانت صلاته مع البكاء من أوّلها إلى آخرها. و إمّا لكميّته كما إذا أطال في صلاته أو سجدته و نحوهما، كما حكى بعض مشايخنا (قدس اللّٰه‌ أسرارهم)

19

..........

____________

عن بعضهم أنه سجد بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، و لأجل هذا و ذلك اعتقد أن عمله عظيم. و إما من جهة عمله و كونه صادراً منه و أنه عظيم إذا صدر منه دون ما إذا صدر من غيره كما إذا كان ملكاً من الملوك فسجد و تخضع و تذلل، حيث إن الخضوع من الملك عظيم لأن فعل العظيم عظيم، فيرى أنه على عظمته يصلّي و يصوم و لا يصلِّي من دونه بمراحل فلذا يعظم عمله و يعتقده عظيماً. هذا كلّه في مفهوم العجب.

و أمّا الجهة الثانية: فالعجب إنما ينشأ عن انضمام أمر صحيح مباح إلى أمر باطل غير صحيح، لأنه ينشأ عن ملاحظة عمله و عبادته حيث وعد اللّٰه سبحانه لها الجنّة و الحور و الثواب، و أن فاعلها ولي من أولياء اللّٰه سبحانه و أن نوره يظهر لأهل السماء كما يظهر نور الكواكب لأهل الأرض، إلى غير ذلك من الآثار التي نطقت بها الأخبار و الآيات. و هذا في نفسه أمر صحيح مباح، فإذا انضم إليه الجهل و الغفلة عن عظمة اللّٰه سبحانه و نعمه فيحصل له العجب و يعظم عمله و عبادته، لأنه لو كان عالماً بعظمة اللّٰه جلّت آلاؤه و بنعمته التي أنعمها عليه، ليرى أن عبادته هذه لا تسوى و لا تقابل بجزء من ملايين جزء من تلك النعم، و أنها هي بجنب عظمته تعالى كالعدم.

فإذا زاد عليه علمه بأن العبادة التي تعجبها لم تصدر منه باستقلاله و إنما صدرت عنه بتوفيق اللّٰه و إفاضته لم يبق له عجب في عمله بوجه، و من هنا نرى أن العبّاد و الزهّاد يتخضّعون في عباداتهم بأكثر ممن يتخضع للّٰه غيرهم، لالتفاتهم إلى صغر عملهم بجنب آلائه و عظمته، و علمهم بأن العمل إنما يصدر منهم بإفاضة اللّٰه تعالى لا باستقلالهم و معه لا يرون عملًا يعجب به، حيث ليست نسبة أعمالهم إلى نعمه تعالى كنسبة ما يبذله الفقير بالإضافة إلى ما يعطيه الملك، مثلًا يبذل ألف دينار و الفقير يعطي باقة من الكراث، فيقابل ما أعطاه الفقير لما أعطاه الملك بنسبة الواحد أو الأقل إلى ألف أو الأكثر، حيث يصدر العمل من كل منهما باستقلاله، و هذا بخلاف عمل العبيد بالإضافة إلى نعمه جلت عظمته، حيث إن عملهم لا يصدر منهم باستقلالهم حتى يقابل بتلك النعم و لو بنسبة الواحد إلى الملايين و إنما يصدر عنهم بإفاضته، و من‌

20

..........

____________

هنا ورد في بعض الأخبار (1) إنِّي أولى بحسناتك منك.

فالمتحصل: أن المنشأ للعجب إنما هو الجهل، بل قد يبلغ مرتبة يرى أن اللّٰه لا يستحق ما أتى به من العبادة و لذا يمنّ بها عليه، نعوذ باللّٰه منه و من أمثاله، و ذلك لأنه لا يعلم بأنعمه و يرى أن نعمته تعالى لا تقضي إلّا الإتيان بالفرائض فحسب و لم يعط ما يستحق به أكثر من الفرائض، فيأتي بصلاة الليل و يمن بها على اللّٰه، لاعتقاده عدم استحقاقه تعالى لها، و أنها تفضل من العبد المسكين في حق اللّٰه جلّت عظمته فقد يتعجب عن عدم قضاء حاجته مع أنه أتى بما فوق ما يستحقه اللّٰه تعالى على عقيدته، و هذا يسمّى بالإدلال، و هو أعظم من المرتبة المتقدمة من العجب. و عن بعض علماء الأخلاق أن العجب نبات حبه الكفر. و لو أبدل الكفر بالجهل لكان أصح. و يؤيد ما ذكرناه ما يأتي من الكلام المحكي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) فانتظره.

الجهة الثالثة: قد اتضح مما ذكرناه في المقام أن العجب من الأوصاف النفسانية الخبيثة كالحسد و غيره من الأوصاف النفسانية التي تترتب عليها أفعال قبيحة، و هي خارجة عن الأفعال التي تصدر عن المكلفين فلا حكم لها بوجه، فهي غير محرمة و لا مباحة كالحسد و نحوه، و ما يعقل أن يتعلق به حكم شرعي أحد أمرين:

أحدهما: أن يجب شرعاً إعمال عمل يمنع عن حدوث تلك الصفة في النفس، و هو التفكّر في عظمة اللّٰه و نعمه و فيما يصدر منه من العمل و أنه لا يصدر منه باستقلاله.

و ثانيهما: أن يجب إعمال عمل يزيل تلك الصفة على تقدير حصولها في النفس، كما إذا كبر و بلغ و هو معجب بعمله، فيجب عليه أن يتفكر فيما ذكرناه حتى يزيل عن نفسه هذه الصفة.

و هذان قابلان للوجوب شرعاً، إلّا أن الأخبار الواردة في المقام مما لا يستفاد منه وجوب التفكّر في الشريعة المقدّسة قبل حصول هذه الصفة أو بعده، ليمنع عن حدوثها أو يزيلها بعد تحققها. و يؤيد ما ذكرناه ما حكي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في‌

____________

(1) كما في الحديث القدسي، أُصول الكافي 1: 152/ 6.

21

فالمتأخِّر منه لا يبطل العمل (1)

____________

نهج البلاغة من أن إعجاب المرء بعمله أو بنفسه دليل على ضعف عقله (1)، فهو أمر حاصل في النفس من قلّة العقل و الجهل و غير قابل لأن يتعلّق به حكم شرعي بوجه.

(1) هذه هي الجهة الرابعة من الكلام في العجب و حاصلها: أن العجب المتأخِّر هل يوجب بطلان العمل و إن قلنا بعدم حرمته، و ذلك لإمكان أن يكون حدوث هذا الأمر و الصفة موجباً لبطلان العمل شرعاً، أو لا يوجبه و إن أوجب حبط ثوابها؟ و هي التي تعرض لها الماتن (قدس سره) و حكم بعدم بطلان العمل بالعجب المتأخر و هذا هو المشهور بين الأصحاب (قدس اللّٰه أسرارهم) بل ادعي عليه الإجماع.

إلّا أن المحقق الهمداني (قدس سره) نقل عن السيِّد المعاصر (قدس سره) و الظاهر أنه السيِّد علي في كتابه البرهان بطلان العبادة بالعجب المتأخر فضلًا عن مقارنة مستدلّاً عليه بظواهر الأخبار الواردة في الباب، و قد أورد عليه باستحالة الشرط المتأخِّر و أن العمل بعد ما وقع مطابقاً للأمر و بعد ما حكم الشارع عليه بالصحّة يستحيل أن ينقلب عمّا وقع عليه بحدوث ذلك الأمر المتأخِّر، و أمّا الإجازة في البيع الفضولي فلا نلتزم بكونها شرطاً متأخِّراً و إنما نلتزم هناك بالكشف الحكمي (2).

هذا و لكنّا ذكرنا في محلِّه أن الشرط المتأخِّر ممّا لا استحالة فيه و لا مانع من اشتراط العمل بأمر متأخِّر، لأنّ مرجعه إلى تقيد العمل بأن يأتي بعده بأمر كذا فالواجب هو الحصّة الخاصة من العمل و هو الذي يتعقب بالشرط (3)، فإذا أتى‌

____________

(1) رواها الكليني (رحمه اللّٰه) أيضاً في الأُصول [الكافي 1: 27/ 31] بسنده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) و فيه: إعجاب المرء بنفسه. الوسائل 1: 100/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 6.

(2) مصباح الفقيه (الطهارة) 121: السطر 22.

(3) محاضرات في أُصول الفقه 2: 308.

22

..........

____________

بالعبادة و لم يتحقّق بعدها ذلك الشرط كشف هذا عن أن ما تحقّق لم تكن هي الحصّة الخاصّة المأمور بها فلا محالة تقع باطلة، فالشرط المتأخر أمر ممكن.

و إنّما الكلام في دلالة الدليل عليه في مقام الإثبات، و الصحيح أنه لا دليل على اشتراط العبادة بعدم العجب المتأخِّر، لأن أكثر الأخبار الواردة في المقام كما تأتي في الجهة الخامسة إن شاء اللّٰه تعالى ضعيفة سنداً. على أنها قاصرة الدلالة على بطلان العبادة بالعجب، فلا يمكن الاعتماد عليها في الأحكام الشرعية. على أنا لو فرضناها صحيحة من حيث الدلالة و السند أيضاً لم نكن نلتزم ببطلان العبادة بالعجب المتأخِّر و ذلك للقطع بعدم كونه مبطلًا لها، فلا مناص من تأويل تلك الأخبار و حملها على نفي الثواب، و ذلك لأن العجب ليس بأعظم من الكفر المتأخِّر، فلو أنّ المكلّف كفر ثمّ أسلم لم تجب عليه إعادة أعماله السابقة فضلًا عن قضائها، لأنه لا يوجب بطلان الأعمال المتقدِّمة فكيف بالعجب المتأخِّر، و لا نحتمل أن يجب على من عمره سبعون سنة مثلًا و قد أتاه العجب في ذلك السن قضاء جميع أعماله السابقة شرعاً، فلا بدّ من تأويل ما دلّ على بطلانها بالعجب لو فرضنا دلالة الأخبار الآتية عليه و تماميتها سنداً و دلالة.

و أمّا ما ورد من أن سيّئة تسوءك خير عند اللّٰه من حسنة تعجبك (1) فمعناه أن السيّئة بعد الندم عليها الذي هو المراد من قوله تسوءك تتبدّل بالحسنة، لأن التائب من ذنب كمن لا ذنب له، و التوبة عبادة موجبة للتقرّب من اللّٰه تعالى. و أظن أن قوله تعالى فَأُوْلٰئِكَ يُبَدِّلُ اللّٰهُ سَيِّئٰاتِهِمْ حَسَنٰاتٍ (2) إنما فسرت بالتوبة بعد المعصية لأنها عبادة و نتيجتها حسنة، و هذا بخلاف العبادة التي توجب العجب، لأنه يذهب بثواب العبادة فلا يبقى فيها حسنة كما يبقى في التوبة بعد السيّئة، و لا يستلزم‌

____________

(1) الوسائل 1: 105/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 22، و بمضمونها روايات أُخرى في نفس الباب.

(2) الفرقان 25: 70.

23

و كذا المقارن (1) و إن كان الأحوط فيه الإعادة.

____________

كون السيّئة المتعقبة بالندم خيراً من العبادة المتعقبة بالعجب بطلانَ تلك العبادة بوجه. فالمتحصل أن العجب المتأخر لا يقلب العبادة الواقعة مطابقة للأمر عما وقعت عليه من الصحّة.

و هذا بناء على ما سلكناه في محلِّه من أن الأجر و الثواب ليسا من جهة استحقاق المكلّف أو الأُجرة و إنما هما من باب التفضل، لأن الامتثال و الطاعة التي أتى بها المكلّف من وظائف العبودية، و الإتيان بوظيفة العبودية لا يوجب الثواب لأنه عبد عمل بوظيفته (1)، فالثواب تفضل منه سبحانه و قد قال عزّ من قائل وَ لَوْ لٰا فَضْلُ اللّٰهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ مٰا زَكىٰ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً (2) أمر ظاهر، لأن التفضّل بالثواب إنما هو فيما إذا لم يتعقب العمل بالعجب الذي هو من الملكات القبيحة و الأخلاق السيّئة و إن لم يكن محرماً تكليفا.

(1) هذه هي الجهة الخامسة من الكلام في العجب، و أن العبادة هل تبطل بالعجب المقارن؟ و حاصل الكلام فيها أنه كالعجب المتأخر غير موجب لبطلان العبادة، و إن نقل المحقِّق الهمداني عن السيِّد المعاصر (قدس سره) بطلانها بكل من العجب المقارن و المتأخِّر (3)، إلّا أن المشهور عدم البطلان مطلقاً و هو الصحيح، و ذلك لعدم دلالة الدليل على البطلان بالعجب، نعم العجب يوجب بطلان العبادة في مقام إعطاء الثواب فلا يثاب بها عاملها، لا في مقام الامتثال حتى تجب إعادتها فضلًا عن قضائها و الأخبار الواردة في المقام أيضاً لا دلالة لها على بطلان العبادة بالعجب المقارن فضلًا من المتأخِّر، و هي جملة من الأخبار:

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 2: 395.

(2) النور 24: 21.

(3) مصباح الفقيه (الطهارة) 121: السطر 21.

24

..........

____________

منها: ما عن الخصال عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال «قال إبليس: إذا استمكنت من ابن آدم في ثلاث لم أُبال ما عمل، فإنه غير مقبول منه، إذا استكثر عمله، و نسي ذنبه، و دخله العجب» (1)، و الرواية لا بأس بها سنداً، لأن والد البرقي و هو محمّد بن خالد و إن كان فيه كلام إلّا أنا قدمنا وثاقته، و لكن موردها هو العجب المقارن دون المتأخِّر لأن إبليس إنما لا يبالي بما عمله ابن آدم بعد استمكانه منه لا قبله، فالأعمال المتقدمة منه السابقة على استمكان اللعين مما يبالي بها لصحّتها و عدم بطلانها بالعجب المتأخر، و إنما لا يبالي بما عمله بعد استمكانه بتحقّق أحد الأُمور المذكورة في الحديث، فموردها العجب المقارن لا محالة.

و لكنّها لا دلالة لها على بطلان العمل بالعجب المقارن، لأن عدم المبالاة إنما يصح إطلاقه في العمل المقتضي للمبالاة في نفسه، فقوله «لا أُبالي» يدلّ على صحّة العمل المقارن بالعجب، و إلّا فلو كانت العبادة باطلة به لما صح إطلاق عدم المبالاة حينئذ لأنها ممّا يسرّ الشيطان حيث إنها إذا كانت باطلة فالإتيان بها يكون محرماً للتشريع و حيث أن همّه إدخال العباد في الجحيم و إبعادهم عن اللّٰه جلّت عظمته فيفرح بارتكابهم للمحرم المبعد عنه سبحانه، و لا معنى لعدم المبالاة إلّا في العمل الصحيح إلّا أنه لا يعتني به و لا يتوحّش لطرو العجب المزيل لثوابه و المانع عن حصول التقرب به و إن كان صحيحاً في مقام الامتثال.

و منها: ما عن أبي عبيدة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال «قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم) قال اللّٰه تعالى: إن من عبادي المؤمنين لمن يجتهد في عبادتي فيقوم من رقاده و لذيذ وساده فيجتهد لي الليالي فيتعب نفسه في عبادتي، فأضربه بالنعاس الليلة و الليلتين نظراً مني له و إبقاء عليه فينام حتى يصبح فيقوم و هو ماقت زارئ لنفسه عليها، و لو اخلي بينه و بين ما يريد من عبادتي لدخله العجب من ذلك، فيصيره العجب إلى الفتنة بأعماله فيأتيه من ذلك ما فيه هلاكه لعجبه بأعماله و رضاه‌

____________

(1) الوسائل 1: 98/ أبواب مقدّمة العبادات ب 22 ح 7.

25

..........

____________

عن نفسه حتى يظن أنه قد فاق العابدين و جاز في عبادته حدّ التقصير، فيتباعد مني عند ذلك و هو يظن أنه يتقرّب إليّ» الحديث (1).

و هي أيضاً مما لا بأس بسندها، و قد وردت مؤكدة لأحد التفسيرين الواردين في قوله تعالى كٰانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مٰا يَهْجَعُونَ (2) حيث فسّر تارة بكل جزء من أجزاء الليلة الواحدة، و المعنى أنه قليل من كل ليلة من الليالي ما يهجعون و يستريحون، لأنهم يشتغلون في أكثر ساعات الليلة بالعبادة و صلاة الليل و لا ينامون إلّا قليلًا، و أُخرى بكل فرد من أفراد الليل بمعنى أنهم في بعض أفراد الليل أي في بعض الليالي ينامون و يهجعون و لا يشغلونها بالعبادة و الصلاة. و الرواية مؤكدة للتفسير الثاني كما عرفت.

إلّا أنها كسابقتها في عدم الدلالة على بطلان العبادة بالعجب، و غاية ما هناك دلالتها على أن العجب من المهلكات و الأوصاف القبيحة و قد ينتهي به الأمر إلى أنه يرى نفسه أوّل العابدين، و به يناله الحرمان عما يصله لولاه، و هذا مما لا كلام فيه لما مرّ من أن منشأ العجب الجهل، و هو قد يبلغ بالإنسان مرتبة يمن بعمله على اللّٰه سبحانه حيث لا يرى استحقاقه في العبادة إلّا بمقدار الإتيان بالفرائض، و يعتقد أن المستحبات التي يأتي بها كلها زائدة عن حدّ استحقاقه تعالى فيمنّ بها عليه، بل قد يفضل نفسه على أكثر العباد و المقربين. و قد حكي عن بعضهم أنه كان يفضل نفسه على العباس (سلام اللّٰه عليه) لجهله، و حسبان أنه قد أشغل سنه بالعبادة و البحث و أتعب نفسه خمسين سنة أو أقل أو أكثر في سبيل رضا اللّٰه سبحانه، و هو (سلام اللّٰه عليه) إنما اشتغل بالحرب ساعتين أو أكثر فيفضل نفسه عليه (عليه السلام)، و بذلك قد يناله الحرمان عن شفاعة الأئمة الأطهار فيتباعد عن اللّٰه سبحانه. إلّا أن العجب يوجب بطلان العبادة فهو مما لا يستفاد من الرواية بوجه.

____________

(1) الوسائل 1: 98/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 1.

(2) الذاريات 51: 17.

26

..........

____________

و منها: ما عن عبد الرحمٰن بن الحجاج عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): الرجل يعمل العمل و هو خائف مشفق ثمّ يعمل شيئاً من البرّ فيدخله شبه العجب به، فقال: هو في حاله الاولى و هو خائف أحسن حالًا منه في حال عجبه» (1) و ربّما يتوهم أن في سند الرواية إشكالًا، لأن فيه محمّد بن عيسى عن يونس، و قد تكلّم بعضهم فيما رواها محمّد هذا عن يونس، و هو توهم فاسد، و قد ذكرنا في محلِّه أنّ الرّجل في نفسه ممّا لا كلام عليه كما أن روايته عن يونس كذلك (2) فليراجع.

و أما دلالتها فهي أيضاً قاصرة حيث لم يقل (عليه السلام): إن عمله الأوّل أي القبيح الذي يستكشف بقرينة المقابلة أحسن من عبادته التي فيها عجب، بل قال: إن حالته في ذلك العمل أعني الخوف الذي هو عبادة أُخرى عند الندم و التوبة لأن حقيقتها الخوف و الندم أحسن من حالته الثانية و هي العجب و هو مما لا كلام فيه و إنما البحث في بطلان العبادة بالعجب و هو لا يكاد يستفاد من الحديث.

و منها: ما عن يونس عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال «قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) في حديث قال موسى بن عمران (عليه السلام) لإبليس: أخبرني بالذنب الذي إذا أذنبه ابن آدم استحوذت عليه، قال: إذا أعجبته نفسه، و استكثر عمله، و صغر في عينه ذنبه. و قال قال اللّٰه عزّ و جلّ لداود: يا داود بشر المذنبين و أنذر الصديقين، قال: كيف أُبشر المذنبين و أُنذر الصديقين؟ قال: يا داود بشر المذنبين أني أقبل التوبة و أعفو عن الذنب، و أنذر الصديقين أن لا يعجبوا بأعمالهم فإنه ليس عبد أنصبه للحساب إلّا هلك» (3).

و هي ضعيفة السند بالإرسال، و عادمة الدلالة على بطلان العمل بالإعجاب، لأن‌

____________

(1) الوسائل 1: 99/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 2.

(2) معجم رجال الحديث 18: 91.

(3) الوسائل 1: 99/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 3.

27

..........

____________

البشارة إنّما هي لقبول التوبة بعد الذنب، لا للذنب في مقابل العبادة التي فيها عجب و الرواية إنّما تدل على ما قدمناه من أن الثواب و الأجر تفضل منه سبحانه و ليس باستحقاق منهم للثواب، كيف و قال سبحانه وَ لَوْ لٰا فَضْلُ اللّٰهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ مٰا زَكىٰ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً (1) لأنه إذا أعجبته عبادته فحاسبه اللّٰه سبحانه على أعماله لم يخلص أحد من حسابه جلت عظمته و هلك، فان الإعجاب قد يبلغ بالإنسان إلى تلك المرتبة فيمنّ بعمله على اللّٰه و يحاسبه اللّٰه سبحانه على ما عمل و تصبح نتيجته الخسران و الهلاكة.

و منها: ما عن سعد الإسكاف عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «ثلاث قاصمات الظهر رجل استكثر عمله، و نسي ذنوبه، و أعجب برأيه» (2) و هي على تقدير تمامية سندها أجنبية عما نحن بصدده رأساً، لأن الكلام في إعجاب المرء بعمله، و أما الإعجاب برأيه و عقله و حسبان إنه أعقل الناس فهو أمر آخر لا كلام لنا فيه، و لا إشكال في أنه من المهلكات لأنه إذا رأى نفسه أعقل الناس و ترك مشاورتهم و استقلّ في أعماله برأيه فلا محالة يقع في المهلكة و الخسران. ثمّ على تقدير إرادة العمل من الرأي لا دلالة لها على بطلان العبادة بالعجب، لأنها إنما دلّت على أن العجب قاصم للظهر لما يترتب عليه من المفاسد و المخاطر من تحقير عمل غيره و الغرور و الكبر، بل و تحقير اللّٰه سبحانه بالمن بعبادته، و أما أنه يوجب بطلان العمل المقارن به أيضاً فلا يستفاد منها بوجه.

و منها: ما عن عبد الرحمٰن بن الحجاج عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «إن الرجل ليذنب الذنب فيندم عليه و يعمل العمل فيسره ذلك فيتراخى عن حاله تلك فلإن يكون على حاله تلك خير له ممّا دخل فيه» (3)، و لا بأس بها سنداً، و أما من حيث الدلالة فلا يستفاد منها بطلان العبادة بالعجب، و أما كون حالة التندم خيراً من‌

____________

(1) النور 24: 21.

(2) الوسائل 1: 97/ أبواب مقدّمة العبادات ب 22 ح 6.

(3) الوسائل 1: 99/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 4.

28

..........

____________

حالة العجب و السرور فهو من جهة أنه بالتندم تتبدل السيّئة حسنة، حيث وردت الآية المباركة فَأُوْلٰئِكَ يُبَدِّلُ اللّٰهُ سَيِّئٰاتِهِمْ حَسَنٰاتٍ (1) في حق التائبين من الذنوب، و هذا بخلاف العجب بالعبادة لأنه يذهب بثوابها كما مرّ غير مرّة.

و منها: ما عن علي بن سويد عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «سألته عن العجب الذي يفسد العمل، فقال: العجب درجات منها أن يزين للعبد سوء عمله فيراه حسناً كما يتفق ذلك لكثير فيفتخر العامل بعمله القبيح، و أني شربت الخمر أو ضربت فلاناً أو سببته أو أهنته، حيث يرى عمله القبيح حسناً و يفتخر به فيعجبه و يحسب أنه يحسن صنعاً، و منها أن يؤمن العبد بربّه فيمن على اللّٰه عزّ و جلّ و للّٰه عليه فيه المن» (2) حيث دلّت على أن فساد العمل بالعجب كان مفروغاً عنه عنده، و قد سأله عن أنه أي شي‌ء. و في سندها علي بن سويد، و قد يتوهم أنه مردد بين الموثق و غيره فلا يمكن الاعتماد على روايته، و الصحيح أنه هو علي بن سويد السائي الذي هو من أصحاب الرضا (عليه السلام) و يروي عنه أحمد بن عمر الحلال و هو ثقة و قد نقل في جامع الرواة أيضاً هذه الرواية عنه (3)، و لكن دلالتها قاصرة، لأن إفساد العبادة بالعجب و كونه مبطلًا لها إن لوحظ بالإضافة إلى نفس ذلك العمل السوء الذي يحسبه حسناً، ففيه أن المفروض فساد العمل بنفسه و لا معنى لفساده بالعجب المقارن له، و إن لوحظ بالإضافة إلى الأعمال المتقدِّمة فقد عرفت أن مجرد العجب المتأخر لا يوجب انقلاب الأعمال المتقدمة عما وقعت عليه من الصحّة و التمام، كما أن العجب في إيمانه لا معنى لكونه مبطلًا للإيمان، حيث إن الإيمان غير قابل للاتصاف بالصحّة و الفساد، فلا بدّ من توجيه الرواية بأن للعجب درجات، و الدرجة الكاملة منه و هي التي توجب حسبان العمل السوء حسناً أو ما يقتضي الامتنان على اللّٰه تعالى مع أنه له سبحانه المنّة عليه، كما ورد في الآية المباركة‌

____________

(1) الفرقان 25: 70.

(2) الوسائل 1: 100/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 5.

(3) جامع الرّواة 1: 585.

29

..........

____________

قُلْ لٰا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلٰامَكُمْ بَلِ اللّٰهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدٰاكُمْ لِلْإِيمٰانِ (1) توجب فساد الأعمال المتقدِّمة، و الالتزام بذلك ممّا لا يضرنا فيما نحن بصدده، لأنه أخص من المدعى و هو بطلان العمل بمطلق العجب. على أنّ الإفساد يمكن أن يكون بمعنى إذهاب الثواب، لا بمعنى جعل العمل باطلًا يجب إعادته أو قضاؤه.

و منها: ما عن ميمون بن علي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إعجاب المرء بنفسه دليل على ضعف عقله» (2)، و هي مضافاً إلى ضعف سندها أجنبية عن بطلان العبادة بالعجب، و إنّما تدل على أنّ المعجب قليل العقل.

و منها: ما عن علي بن أسباط عن رجل يرفعه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «إن اللّٰه علم أن الذنب خير للمؤمن من العجب و لو لا ذلك ما ابتلي مؤمن بذنب أبداً» (3) و هي مرفوعة كالمرسلة من حيث السند، و لا دلالة لها على المدعى أيضاً لأنها لو دلّت فإنما تدلّ على أن العجب محرم من حيث مقدمته أو من حيث إزالته كالذنب، و أما بطلان العمل به فلا يستفاد منه بوجه. على أنها لا تدلّ على حرمته أيضاً و إلّا لم يكن لجعله في مقابل الذنب وجه، بل لا بدّ أن يقول إن هذا الذنب خير من ذلك الذنب.

و مع الإغماض عن جميع ذلك أيضاً لا دلالة لها على البطلان، لأن وجه كون الذنب خيراً أن المكلّف غالباً يدور أمره بين العجب بعمله، كما إذا عمل طيلة حياته بأعمال حسنة و لم يصدر منه ذنب لأنه حينئذ يعجب بنفسه حيث يرى صدور المعاصي عن غيره و هو لم يعمل إلّا خيراً، و بين أن يذنب ذنباً و يعقبه الندم لأن مفروض كلامه (عليه السلام) هو المؤمن، و من الظاهر أن الذنب المتعقب بالندامة‌

____________

(1) الحجرات 49: 17.

(2) الوسائل 1: 100/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 6.

(3) الوسائل 1: 100/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 7.

30

..........

____________

و التوبة خير من العبادة الموجبة للعجب، لأن العجب يذهب بآثار العبادة، بل قد يبلغ الإنسان مرتبة يمقتها الربّ الجليل لمنَّته على اللّٰه سبحانه و تحقيره، و أما الذنب المتعقب بالندامة فهو يتبدل إلى الحسنة، لأن التائب عن ذنب كمن لا ذنب له، و قد عرفت أن الآية المباركة واردة في حق التائبين، و أما أن العبادة مع العجب باطلة فهو مما لا يستفاد منها بوجه.

و منها: ما عن أبي عامر عن رجل عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «من دخله العجب هلك» (1). و هي مضافاً إلى إرسالها لا تدل على بطلان العبادة بالعجب، و كونه موجباً للهلاك من جهة أنه قد يستلزم الكفر و تحقير اللّٰه سبحانه و المنّة عليه و غير ذلك من المهالك.

و منها: ما عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «أتى عالم عابداً فقال له: كيف صلاتك؟ فقال: مثلي يسأل عن صلاته و أنا أعبد اللّٰه منذ كذا و كذا؟ قال: فكيف بكاؤك؟ فقال: أبكي حتى تجري دموعي، فقال له العالم: فإن ضحكك و أنت خائف أفضل من بكائك و أنت مُدِلّ، إن المدِلّ لا يصعد من عمله شي‌ء» (2).

و هي ضعيفة سنداً بوجهين: من جهة محمّد بن سنان لعدم ثبوت وثاقته، و من جهة نظر بن قرواش لأنه مجهول. و كذلك دلالة لأن عدم صعود العمل أعم من البطلان، و إلّا للزم الحكم ببطلان عبادة عاق الوالدين و آكل الرِّبا و نحوهما ممّا ورد أن العمل معه لا يصعد.

و منها: ما عن أحمد بن أبي داود عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «دخل رجلان المسجد أحدهما عابد و الآخر فاسق، فخرجا من المسجد و الفاسق صدّيق و العابد فاسق، و ذلك أنه يدخل العابد المسجد مُدِلّاً بعبادته، يُدِلّ بها‌

____________

(1) الوسائل 1: 101/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 8.

(2) الوسائل 1: 101/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 9.

31

..........

____________

فتكون فكرته في ذلك؛ و تكون فكرة الفاسق في التندم على فسقه و يستغفر اللّٰه عزّ و جلّ مما صنع من الذنوب» (1).

و ضعف سندها بالإرسال ظاهر. و أما دلالتها فهي أيضاً كذلك، لأن صيرورة العابد فاسقاً من جهة العجب لا دلالة له على إبطاله لأعماله، و إنما وجهه أن العجب قد يبلغ بالإنسان مرتبة يمنّ بعمله على اللّٰه و يحقره، أو يعتقد أنه في مرتبة الإمامة و النبوّة و ينتظر نزول جبرئيل، و قد يبكي و يتعجّب من تأخير نزوله و غير ذلك ممّا يوجب فسقه بل كفره. و أما صيرورة الفاسق صدّيقاً فهو من جهة تندمه و توبته، و قد عرفت أن بالتوبة تتبدل السيّئة حسنة.

و منها: ما رواه البرقي في المحاسن عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إن اللّٰه فوّض الأمر إلى ملك من الملائكة فخلق سبع سماوات و سبع أرضين، فلما أن رأى أن الأشياء قد انقادت له قال: من مثلي؟ فأرسل اللّٰه إليه نويرة من النار، قلت: و ما النويرة؟ قال: نار مثل الأنملة، فاستقبلها بجميع ما خلق، فتخيّل لذلك حتى وصلت إلى نفسه لما دخله العجب» (2). و هي ضعيفة من جهة جهالة خالد الصيقل الواقع في سندها، بل بابن سنان أيضاً، لأنه و إن ذكر في سندها مطلقاً إلّا أن رواية الصدوق مثلها في عقاب الأعمال عن محمّد بن سنان عن العلاء عن أبي خالد الصيقل (3)، قرينة على أن المراد به هو محمّد بن سنان دون عبد اللّٰه بن سنان. على أنه لا دلالة لها على بطلان العمل بالعجب، بل تدلّ على أن العجب صفة مذمومة موجبة للهلاكة.

و منها: ما عن أبي حمزة الثمالي عن أبي عبد اللّٰه أو علي بن الحسين (عليهما السلام) قال «قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) في حديث: ثلاث مهلكات شحّ مطاع و هوى متّبع، و إعجاب المرء بنفسه» (4) و قد عرفت في نظائرها أن إهلاك العجب‌

____________

(1) الوسائل 1: 101/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 10.

(2) الوسائل 1: 102/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 11. المحاسن 1: 214/ 391.

(3) عقاب الأعمال: 299/ 1.

(4) الوسائل 1: 102/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 12.

32

..........

____________

بمعنى استلزامه لمثل التحقير لعبادة الغير أو التكبّر أو تحقير اللّٰه سبحانه أو غيرها، و لا دلالة لها على إبطاله العمل و العبادة.

و مثلها رواية سعد بن طريف عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) مضافاً إلى ضعف سندها بأبي جميلة مفضل بن صالح.

و منها: ما عن السري بن خالد عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) عن آبائه في وصيّة النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم) لأمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «لا مال أعود من العقل، و لا وحدة أوحش من العجب» (2). و هي مضافاً إلى ضعف سندها أجنبية عن المدعى. و الوجه في كون العجب أوحش من الوحدة أن العجب بنفسه أو بعمله يوجب تحقير الناس أو التكبر و نحوهما مما يوجب الرغبة عنه فيبقى وحيدا.

و منها: ما عن أنس بن محمّد عن أبيه جميعاً عن جعفر بن محمّد عن آبائه (عليهم السلام) في وصيّة النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) لعلي (عليه السلام) قال: «يا علي ثلاث مهلكات شحّ مطاع، و هوى متّبع، و إعجاب المرء بنفسه» (3) و هي مضافاً إلى ضعف سندها قد تقدّم الكلام في نظيرها فليراجع.

و منها: ما عن أبان بن عثمان عن الصادق (عليه السلام) في حديث قال: «و إن كان الممر على الصراط حقاً فالعجب لماذا» (4)؟ و لا دلالة لها على بطلان العمل بالعجب و لا على حرمته بوجه، لأنها نظير ما ورد من أن الموت إذا كان حقاً فالحرص على جمع المال لماذا، أو ما هو بمضمونه. و ظاهر أن الحرص على جمع المال لا حرمة فيه و إنما تدلّ على أن الحساب إذا كان حقاً و وصول كل أحد إلى ما عمله و قدمه حقاً فالعجب أي أثر له.

____________

(1) الوسائل 1: 103/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 13. لكن ورد فيها: «ثلاث موبقات» بدل «ثلاث مهلكات».

(2) الوسائل 1: 103/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 14.

(3) الوسائل 1: 103/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 15. و السند في الوسائل هكذا: بإسناده عن حماد بن عمرو و أنس بن محمّد عن أبيه جميعاً ....

(4) الوسائل 1: 103/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 16.

33

..........

____________

و منها: ما عن العلل عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) عن جبرئيل في حديث قال «قال اللّٰه تبارك و تعالى: ما يتقرب إليّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، و إن من عبادي المؤمنين لمن يريد الباب من العبادة فأكفّه عنه لئلا يدخله العجب فيفسده» (1). و لا دلالة لها على بطلان العمل بالعجب، لأنه أُسند الإفساد إلى نفس العامل بمعنى هلاكه لا إلى العمل و العبادة. مضافاً إلى أنها مروية عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) بطريق لا يمكن الاعتماد عليه.

و منها: ما عن عبد العظيم الحسني عن علي بن محمّد الهادي عن آبائه (عليهم السلام) قال «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من دخله العجب هلك» (2). و قصورها من حيث الدلالة نظير ما تقدمها، حيث أُسند الهلاك إلى المعجب من حيث تعقبه بمثل الكبر و التحقير و الكفر و نحوها، مضافاً إلى ضعف سندها بمحمّد بن هارون و علي بن أحمد بن موسى.

و منها: ما عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) قال «قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله): لولا أن الذنب خير للمؤمن من العجب ما خلا اللّٰه بين عبده المؤمن و بين ذنب أبداً» (3). و قد تقدّم الكلام في نظيرها (4) فلا نعيد.

و منها: ما عن الثمالي عن أحدهما (عليه السلام)، قال: «إنّ اللّٰه تعالى يقول: إنّ من عبادي لمن يسألني الشي‌ء من طاعتي لأُحبه، فأصرف ذلك عنه كيلا يعجبه عمله» (5). و قد مرّ الكلام في نظائرها فليراجع.

و منها: ما عن الثمالي أيضاً عن علي بن الحسين (عليه السلام) قال «قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله): ثلاث منجيات خوف اللّٰه في السرّ و العلانية، و العدل في‌

____________

(1) الوسائل 1: 104/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 17. علل الشرائع 12: 7.

(2) الوسائل 1: 104/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 18.

(3) الوسائل 1: 104/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 19.

(4) في ص 29.

(5) الوسائل 1: 105/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 20.

34

..........

____________

الرضا و الغضب، و القصد في الغنى و الفقر، و ثلاث مهلكات هوى متبع، و شحّ مطاع و إعجاب المرء بنفسه» (1)، و قد عرفت الحال في نظائرها.

و منها: ما عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة قال: «سيّئة تسوءك خير عند اللّٰه من حسنة تعجبك» (2) و قد أسلفنا الكلام فيها و قلنا: إن خيرية السيّئة المتعقبة بالتوبة من جهة تبدلها إلى الحسنة، بخلاف العبادة مع العجب لأنه يذهب بثوابها و لا تتبدّل إلى حسنة، و لا دلالة لها على إبطال العجب للعمل (3).

و منها: ما عنه (عليه السلام) في النهج: «الإعجاب يمنع الازدياد» (4). لأنّ المعجب لا يرى حاجة إلى تكثير العبادة و العمل.

و منها: ما عنه (عليه السلام) أيضاً: «عجب المرء بنفسه أحد حساد عقله» (5). و لا دلالة في شي‌ء منها على حرمة العجب و لا على إبطاله العبادة.

و منها: ما عن داود بن سليمان عن الرضا عن آبائه (عليهم السلام) عن علي (عليه السلام) قال: «الملوك حكام على الناس، و العلم حاكم عليهم، و حسبك من العلم أن تخشى اللّٰه، و حسبك من الجهل أن تعجب بعلمك» (6) و هي مضافاً إلى ضعف سندها لا دلالة لها على فساد العمل بالعجب، و إنما تدل على أنه ناشئ عن الجهل كما مرّ.

فالمتحصل أنه لا دلالة في شي‌ء من تلك الأخبار على حرمة العجب بالمعنى المتقدِّم من حيث مقدمته أو إزالته، و لا على بطلان العمل به مقارناً كان أو متأخِّراً، و إنما تدلّ على أنه من الصفات الخبيثة المهلكة البالغة بالإنسان إلى ما لا يرضى به اللّٰه سبحانه كما أسلفنا.

____________

(1) الوسائل 1: 105/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 21.

(2) الوسائل 1: 105/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 22. نهج البلاغة: 477/ 46.

(3) في ص 22.

(4) الوسائل 1: 105/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 23. نهج البلاغة 500: 167.

(5) الوسائل 1: 105/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 24. نهج البلاغة: 507/ 212.

(6) الوسائل 1: 105/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 25.

35

..........

____________

بقي من الأخبار رواية واحدة و هي ما رواه يونس بن عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال «قيل له و أنا حاضر: الرجل يكون في صلاته خالياً فيدخله العجب فقال إذا كان أوّل صلاته بنيّة يريد بها ربّه فلا يضره ما دخله بعد ذلك فليمض في صلاته و ليخسأ الشيطان» (1) حيث قد يتوهم دلالتها على بطلان العبادة بالعجب المقارن إذا كان في أوّلها، لقوله (عليه السلام): «إذا كان أوّل صلاته» إلّا أنها كسابقتها قاصرة الدلالة.

أمّا من حيث سندها فربّما يتوهم أن علي بن إبراهيم إنما يروي عن محمّد بن عيسى بواسطة أبيه إبراهيم بن هاشم كما في جامع الرواة (2) و غيره و لم تثبت روايته عن محمّد بن عيسى بلا واسطة، و الواسطة لم تذكر في السند، مضافاً إلى أن في نفس محمّد ابن عيسى كلاماً، و في روايته عن يونس كلاماً آخر، على أنها ضعيفة بيونس بن عمار لعدم توثيقه في الرجال. و يدفعه ما قرّرناه في محلِّه من رواية علي بن إبراهيم عن الرّجل بلا واسطة، و أن محمّد بن عيسى في نفسه قابل للاعتماد عليه، كما لا بأس برواياته عن يونس فلاحظ (3). نعم يونس بن عمار لم يوثق في الرجال و لكنّه حيث وقع في أسانيد كامل الزيارات فلا بدّ من الحكم بوثاقته.

و أما من حيث دلالتها فلأنه لا بدّ من حمل الرواية على معنى آخر، لعدم إمكان حملها على ظاهرها من جهة القرينة العقلية و اللفظية. أما العقلية فللقطع بأن العجب لو كان مبطلًا للعمل فلا يفرق فيه بين تحققه أوّل العبادة و بين حدوثه في أثنائها أو في آخرها. و أما القرينة اللفظية فهي قوله (عليه السلام): «و ليمض في صلاته و ليخسأ الشيطان» حيث إن العجب إذا تحقق و قلنا بكونه مبطلًا للعمل فلا معنى للمضي فيه لإخساء الشيطان، لأنه باطل على الفرض، و عليه فلا بدّ من حملها على الوسوسة الطارئة على الإنسان بعد دخوله في العبادة، لأن الشيطان عدو عجيب للإنسان، فقد‌

____________

(1) الوسائل 1: 107/ أبواب مقدّمة العبادات ب 24 ح 3.

(2) لم نعثر على ذلك فيه.

(3) معجم رجال الحديث 18: 103 113.

36

و أمّا السمعة (1) فإن كانت داعية على العمل أو كانت جزءاً من الداعي بطل و إلّا فلا كما في الرِّياء، فإذا كان الداعي له على العمل هو القربة إلّا أنه يفرح إذا

____________

يجي‌ء من قبل الوسوسة في أن العمل مقرون بالعجب فهو باطل أو لا ثواب له، و قد أمر (عليه السلام) بالمضي في العمل و عدم الاعتناء به ليخسأ الشيطان. هذا كله في العجب.

الكلام في السّمعة

(1) فلئن قلنا إنها مغايرة للرِّياء بحسب الموضوع و المعنى لأنه من الرؤية و هي غير السماع، فلا إشكال في دخولها فيه بحسب حكمه، و ذلك لأن ما دلّ من الأخبار المعتبرة على حرمة الرِّياء و إبطاله العبادة بعينه تدلّ على إبطال السمعة لها، كما ورد أن من عمل لي و لغيري فقد جعلته لغيري، أو هو كمن عمل لغيري، أو ما يشبهه من الألفاظ على ما تقدّم في رواية البرقي (1). هذا مضافاً إلى ورود السمعة في روايتين معطوفة على الرِّياء:

إحداهما: رواية محمّد بن عرفة قال «قال لي الرضا (عليه السلام): و يحك يا ابن عرفة اعملوا لغير رياء و لا سمعة فإنه من عمل لغير اللّٰه وكله اللّٰه إلى ما عمل، و يحك ما عمل أحد عملًا إلّا رداه اللّٰه به إن خيراً فخيراً و إن شرّاً فشرّاً» (2) لكن هذه الرواية ضعيفة.

ثانيتهما: معتبرة ابن القداح عن أبي عبد اللّٰه عن أبيه (عليهما السلام) قال «قال علي (عليه السلام): اخشوا اللّٰه خشية ليست بتعذير، و اعملوا للّٰه في غير رياء و لا سمعة فإنه من عمل لغير اللّٰه وكله اللّٰه إلى عمله يوم القيامة» (3). فالمتحصل: أن السمعة‌

____________

(1) ص 7.

(2) الوسائل 1: 66/ أبواب مقدّمة العبادات ب 11 ح 8.

(3) الوسائل 1: 66/ أبواب مقدّمة العبادات ب 11 ح 10.

37

اطّلع عليه الناس من غير أن يكون داخلًا في قصده لا يكون باطلًا (1) لكن ينبغي للإنسان أن يكون ملتفتاً فإن الشيطان غرور و عدو مبين. و أمّا سائر الضمائم (2) فإن كانت راجحة كما إذا كان قصده في الوضوء القربة و تعليم الغير، فإن كان

____________

كالرِّياء موجبة لبطلان العبادة.

(1) نعم إذا كان آتياً بالعمل بداعي الأمر و القربة إلّا أنه يسره سماع الغير عمله من غير أن يكون ذلك دخيلًا في عبادته و لو على نحو التأكيد بل مجرد التبعية القهرية غير أنه يفرح به و يدخله السرور بذلك، فهو غير موجب لبطلان العبادة، لأنها صدرت عن داع إلٰهي على الفرض و هو مستقل في داعويته، و سماع الغير أو رؤيته إنما هو على نحو التبع، و إن كان هذا أيضاً منافياً للعبادة أخلاقاً، لأن الإنسان ينبغي أن يكون قاصداً بعمله للّٰه من غير أن يكون نظره إلى غير الداعي الإلٰهي و لو على وجه التبع.

الضّمائم و أقسامها و أحكامها

(2) الضميمة ثلاثة أقسام، لأنها تارة مباحة بالمعنى الأعم من الكراهة و الإباحة المصطلح عليها، و أُخرى راجحة بالمعنى الأعم من الوجوب و الاستحباب، و ثالثة محرمة غير الرِّياء، كما إذا قصد بصلاته في مكانٍ الإيذاء و الهتك لإمام الجماعة خلفه أو غيره.

أما إذا كانت مباحة أو راجحة فهي على أقسام أربعة: لأن الداعي للعبادة تارة يكون هو الداعي الإلٰهي القربي المستقل في دعوته و تكون الضميمة المباحة كالتبريد أو الراجحة كتعليم الغير الوضوء أو الصلاة تبعاً، بمعنى عدم كونها دخيلة في العبادة و لو على وجه التأكيد، فكما أنها غير مستقلّة في الداعوية كذلك ليست بجزء من الداعي و لا مؤكد له و إنما العبادة نشأت عن داع إلٰهي مستقل في الداعوية و الضميمة مقصودة بالتبع، و لا إشكال في صحّة العبادة في هذه الصورة لصدور العبادة عن‌

38

داعي القربة مستقلا و الضميمة تبعاً أو كانا مستقلين صحّ، و إن كانت القربة تبعاً أو كان الداعي هو المجموع منهما بطل، و إن كانت مباحة فالأقوى أنها أيضاً كذلك كضم التبرّد إلى القربة، لكن الأحوط في صورة استقلالهما أيضاً الإعادة.

____________

الداعي المستقل في داعويته، و الضميمة المباحة أو الراجحة تبع و لا دخالة لها في صدور العبادة بوجه.

و أُخرى: ينعكس الأمر و يكون الداعي إلى العبادة هو الضميمة الأعم من المباحة و الراجحة و لا يكون للداعي القربي مدخلية في صدورها إلّا تبعاً. و هذه الصورة أيضاً مما لا إشكال في حكمها و هو بطلان العبادة، لفقدها القربة المستقلة في الداعوية المعتبرة في صحّة العمل.

و ثالثة: يكون الداعي هو المجموع المركب من القربة و الضميمة بحيث لو كانت إحداهما وحدها لم يأت بالعبادة و إنما أتى بها لاجتماعهما. و الحكم في هذه الصورة هو البطلان، لما قدمناه من أن العبادة يعتبر أن تكون صادرة عن داع قربي إلٰهي مستقل في داعويته و هو غير متحقق في المقام فالعبادة باطلة.

و رابعة: يكون كل من القربة و الضميمة داعياً مستقلا في دعوته بحيث لو كانت هذه وحدها لأتى بالعبادة، و لو كان الآخر وحده أيضاً لأتى بها و لكنهما اجتمعا معاً فالمتأخرون فصّلوا في هذه الصورة بين كون الضميمة راجحة كتعليم الوضوء أو الصلاة للغير فحكموا بصحّة العبادة حينئذ، و بين كونها مباحة كما إذا قصد التبريد بالوضوء فذهبوا إلى بطلانها. و لا نرى نحن للتفرقة بينهما وجهاً محصلًا، بل الصحيح صحّة العبادة في كلتا الصورتين بلا فرق في ذلك بين رجحان الضميمة و إباحتها.

أما إذا كانت الضميمة راجحة فلأنا أن أخذنا اعتبار قصد التقرب في العبادة من الأدلّة الشرعيّة فهي لا دلالة لها على أزيد من اعتبار صدور العبادة عن الداعي القربي المستقل في داعويته، و المفروض تحققه في المقام، و لا يستفاد منها عدم اقترانه‌

39

..........

____________

بداع آخر مباح أو راجح. و إن أخذنا اعتباره من بناء العقلاء فالأمر أوضح و ذلك لأن العقلاء إنما بنوا على أن يكون العمل صادراً بتحريك أمر المولى و إطاعته و لا بناء منهم على أن لا يكون معه أمر آخر يوجب الدعوة و البعث نحو العمل، فلو أمر المولى عبده بأن يأتي له بالماء و العبد أتى به بدعوة من أمر سيِّده و كان له داع آخر مستقل أيضاً في هذا العمل و هو رفع وجع رأس المولى لعلمه بأنه لو شرب الماء ارتفع وجعه، فهل ترى أن العقلاء يحكمون ببطلان طاعته، و يمنعونه عن أن يضم إلى داعي إطاعته داعياً آخر و هو رفع الوجع مع أنه أيضاً أمر محبوب للمولى و قد صدرت إطاعته عن أمره الأوّل بالاستقلال.

و أمّا إذا كانت الضميمة مباحة فلعين ما قدمناه، من أن اعتبار قصد التقرب في العبادة إن كان من جهة أخذه من الأدلّة الشرعية فلا يستفاد منها إلّا اعتبار أن يكون أمر المولى مستقلا في داعويته نحو العمل، و لا يستفاد منها اعتبار عدم انضمامه إلى أمر آخر مما له أيضاً داعوية مستقلّة نحو العمل. و كذا الحال فيما إذا أخذنا اعتباره من بناء العقلاء حيث لم يتحقق منهم البناء على أزيد من صدور العمل عن الداعي القربي المستقل في داعويته، و لا بناء منهم على عدم حصول القربة فيما إذا انضمّ إليه أمر آخر مباح أيضاً مستقل في داعويته، كما إذا قصد العبد في إطاعته لأمر المولى بإتيانه بالماء تقوية بدنه من جهة أن الحركة مقوّية لعضلاته، فعليه لا فرق في صحّة العبادة عند صدورها عن الداعي القربي المستقل في داعويته بين أن ينضم إليه داع آخر مستقل في داعويته راجح أم مباح، و إنما يعتبر فيها أن تكون صادرة عن الداعي القربي المستقل و هو مفروض التحقق في المقام هذا.

بل ذكرنا عدم تحقق جملة من العبادات الشرعية من الأشخاص المتعارفين غير الأوحدي منهم إلّا مقترنة بداع آخر مباح أو راجح أيضاً مستقل في داعويته فترى أن المكلّف يصوم و لا يفطر في الشوارع و الأسواق لداعي الأمر الإلٰهي الذي له استقلال في داعويته، و من هنا يترك الإفطار عند الخلوة و نزوله إلى السرداب أو دخوله داره مثلًا، إلّا أن لتركه الإفطار في تلك الأمكنة داعياً آخر أيضاً مستقلا في‌

40

و إن كانت محرّمة غير الرِّياء و السمعة فهي في الإبطال مثل الرِّياء، لأنّ الفعل يصير محرّماً (1) فيكون باطلًا، نعم الفرق بينها و بين الرِّياء أنه لو لم يكن داعيه في ابتداء العمل إلّا القربة لكن حصل له في الأثناء في جزء من الأجزاء يختص البطلان بذلك الجزء، فلو عدل عن قصده و أعاده من دون فوات الموالاة صحّ، و كذا لو كان ذلك الجزء مستحباً و إن لم يتداركه، بخلاف الرِّياء على ما عرفت (2)، فإن حاله حال الحدث في الإبطال (1).

____________

دعوته و هو الخوف من الناس، حيث قد يترتّب عليه الضرب أو الإهانة و الهتك أو سقوطه عن أنظارهم، فلو اشترطنا في صحّة العبادة عدم انضمام الداعي الآخر المستقل في دعوته إلى الداعي القربي الإلٰهي الذي هو أيضاً مستقل في داعويته للزم الحكم ببطلان أكثر العبادات الصادرة عن الأشخاص المتعارفة و هو مما لا يمكن الالتزام به. هذا تمام الكلام في الضميمة المباحة و الراجحة.

الضّميمة المحرّمة

(1) قد ذهب الماتن (قدس سره) إلى أن الضميمة المحرمة غير الرِّياء و السمعة في الإبطال كالرياء، و إنما الفرق بينهما هو أن الرِّياء إذا تحقق في العبادة و لو في جزئها بل و لو كان جزءاً استحبابياً لاقتضى بطلانها، حيث إنه كالحدث، و لا ينفع معه إعادة الجزء بداعي القربة، لأنه إذا تحقق في جزء من العمل لأبطل الكل و المركب كما هو الحال في الحدث، و هذا بخلاف الضميمة المحرمة كالهتك على ما مثلنا به لأنها إذا تحققت في جزء من العبادة اختص البطلان بذلك الجزء فحسب، فلو عدل عن قصده للضميمة المحرّمة و أتى به ثانياً بقصد القربة و الامتثال وقعت العبادة صحيحة فيما إذا لم‌

____________

(1) ليس هذا على إطلاقه بل يختلف باختلاف الموارد.

(2) قد عرفت ما فيه.

41

..........

____________

تكن باطلة بمطلق الزيادة العمدية كالصلاة، و لم يستلزم الإعادة فوات الموالاة المعتبرة في العبادة.

و هذا الذي أفاده (قدس سره) إنما يتمّ على مسلكه، لأن العمل عند قصد الضميمة المحرمة يتصف بالحرمة لا محالة، حيث إنه هتك أو غيره من المحرمات، و المحرّم لا يمكن أن يقع مصداقاً للواجب، و حيث لا فرق عنده (قدس سره) بين الرِّياء في مجموع العبادة و الرِّياء في جزئها و لو كان استحبابياً فيتمّ بذلك ما أفاده من الفرق، و أمّا بناءً على ما قدّمناه من عدم دلالة شي‌ء من الأدلّة على بطلان العمل المركّب بالرِّياء في جزئه و عدم سراية الحرمة و البطلان من الجزء إلى المركّب و الكل (1)، فلا يتمّ ما أفاده (قدس سره) من الفرق، بل الحرمة و البطلان يختصان بالجزء في كل من الرِّياء و الضميمة المحرّمة، فلو أعاده و لم يكن ذلك مستلزماً لفوات الموالاة المعتبرة و لم تكن الزيادة موجبة لبطلان العمل فلا محالة تقع العبادة صحيحة في كل من الرِّياء و الضميمة المحرّمة.

فالصحيح في الفرق بينهما أن يقال: إن قصد الرِّياء إذا كان على وجه التبع بحيث لم يكن له مدخلية في صدور العبادة لا على نحو يكون جزء الداعي و لا على نحو الداعوية المستقلة و لا على نحو التأكيد، و إنما يسره رؤية الغير لعمله مع صدوره عن الداعي الإلٰهي المستقل في الداعوية لم يكن ذلك موجباً لبطلان العبادة كما مر، لعدم كونه رياء في الحقيقة، و على تقدير التنزل قلنا إن مثله ليس بمحرم و لا بمبطل للعمل و النتيجة أن الرِّياء إذا كان تبعياً بالمعنى الذي عرفت لم يكن موجباً لبطلان العمل بوجه.

و هذا بخلاف الضميمة المحرمة لأنها إذا قصدت و لو تبعاً، كما إذا صلّى عن الداعي الإلٰهي المستقل في الداعوية و لم يكن هتك الغير جزءاً من داعي العمل و لا داعياً مستقلا، بل و لا موجباً للتأكد بوجه و إنما قصده على وجه التبعية القهرية، استتبعت‌

____________

(1) في ص 12.

42

[مسائل متعلقة بشرائط الوضوء]

[مسألة 29: الرِّياء بعد العمل ليس بمبطل]

[568] مسألة 29: الرِّياء بعد العمل ليس بمبطل (1).

____________

بطلان العبادة لا محالة لأنها هتك محرم و المحرّم لا يقع مصداقاً للواجب، بل و كذلك الأمر فيما إذا لم يكن قاصداً له و إنما التفت إلى أنه هتك لأنه أيضاً يكفي في الحرمة و البطلان.

نعم إذا فرضنا أن المحرّم لم ينطبق على العمل كما في المثال، بأن كان عمله هذا مقدمة قصد بها التوصّل إلى الحرام و لم يكن عمله محرماً في نفسه فيبتني الحكم بحرمته على ما حررناه في بحث الأُصول من أن مقدّمة الحرام إذا قصد بها التوصل إلى الحرام هل يحكم بحرمتها شرعاً أو لا؟ و قد ذكرنا هناك أن المحرّم إنما هو ذات الحرام و المقدّمة و إن قصد بها التوصّل إلى المحرّم لا تتصف بالحرمة شرعاً و إن كانت طغياناً و تجرياً على المولى (1)، فإذا لم يكن العمل المقصود به التوصّل إلى الحرام محرماً اندرج بذلك في كبرى الضميمة المباحة لا محالة و أتى فيه التفصيل المتقدم آنفاً، فإن كان قصد ذلك الأمر المباح جزءاً من داعي العمل، أو كان داعياً مستقلا مع عدم كون الداعي الإلٰهي مستقلا في الداعوية يحكم ببطلان العمل، و هذا لا لأنه محرم حيث قصد به التوصل إلى الحرام، إذ قدمنا عدم حرمة المقدمة بذلك، بل لأن العبادة لم تصدر عن داع قربي مستقل في داعويته و إن كان ما قصده مباحاً كما مرّ، و أما إذا صدرت العبادة عن الداعي الإلٰهي المستقل و لم يكن ذلك الأمر المباح موجباً للدعوة أصلًا أو كان داعياً مستقلا، فلا محالة يحكم بصحّة العبادة كما عرفت.

الرِّياء بعد العمل

(1) لا يتحقق الرِّياء بعد العمل على وجه الحقيقة، لأنه بمعنى أدائه العمل للغير و مع انقضاء العبادة و انصرافها كيف يمكن إراءتها للغير، نعم لا مانع من تحقق ما هو‌

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 2: 439.

43

[مسألة 30: إذا توضأت المرأة في مكان يراها الأجنبي لا يبطل وضوءها]

[569] مسألة 30: إذا توضأت المرأة في مكان يراها الأجنبي لا يبطل وضوءها (1) و إن كان من قصدها ذلك (1).

____________

نتيجة الرِّياء باعلام الغير بالعمل بعده كما إذا نشر عمله في الصحف و المجلات، إلّا أنه لا ينبغي الإشكال في عدم كونه موجباً لبطلان العمل، لأنه بعد ما وقع مطابقاً للأمر و على وجه الصحّة و التمام لم ينقلب عمّا وقع عليه، نعم هو مناف لكمال العبادة حيث ينبغي أن تصدر من غير شائبة الرِّياء و لو متأخراً عن العمل، بمعنى أن العبادة الراقية بحسب الحدوث و البقاء سواء، فكما أنها بحسب الحدوث لا بدّ أن لا تقترن بالرِّياء فكذلك بقاء بالمعنى المتقدِّم آنفاً حسبما يستفاد من الروايات، و ذلك لأنّا استفدنا من الأخبار أنّ اللّٰه يحبّ العبادة سرّاً في غير الفرائض، حيث لا مانع من أن يؤتى بها جهراً بمرأى من الناس و حضورهم، لما ورد في أنها الفارقة بين الكفر و الإسلام. و أما غيرها فالأحب منها ما يقع في السر، فإعلانها لا يبعد أن يكون موجباً لقلّة ثوابها بل لإذهابه و إحباطه، و على هذا يحمل ما ورد من أنه «يصل الرجل بصلة و ينفق نفقة للّٰه وحده لا شريك له فكتبت له سرّاً، ثمّ يذكرها فتمحى فتكتب له علانية، ثمّ يذكرها فتمحى و تكتب له رياء» (2) و لا يمكن الأخذ بظاهرها من الحكم ببطلان العبادة السابقة بذكرها بعد ذلك لما عرفت، نعم لا مانع من الالتزام بمحو كتابة السرّ و كتابة العلانية. على أنها مرسلة و لا يمكن الاعتماد عليها في شي‌ء و لو قلنا بانجبار ضعف الرواية بعمل المشهور على طبقها، لعدم عملهم على طبق المرسلة كما هو ظاهر.

توضّؤ المرأة في موضع يراها الأجنبي

(1) و ذلك لأن الوضوء عبارة عن الغسلتين و المسحتين، و هو ليس مقدّمة لرؤية‌

____________

(1) لكن إذا انحصر مكان الوضوء به تعين التيمم في مكان لا يراها الأجنبي، نعم إذا توضأت و الحال هذه صحّ وضوءها.

(2) المروية في الوسائل 1: 75/ أبواب مقدّمة العبادات ب 14 ح 2.

44

[مسألة 31: لا إشكال في إمكان اجتماع الغايات المتعدِّدة للوضوء]

[570] مسألة 31: لا إشكال في إمكان اجتماع الغايات المتعدِّدة للوضوء كما إذا كان بعد الوقت و عليه القضاء أيضاً و كان ناذراً لمس المصحف و أراد قراءة القرآن و زيارة المشاهد، كما لا إشكال في أنه إذا نوى الجميع و توضأ وضوءاً واحداً لها كفى و حصل امتثال الأمر بالنسبة إلى الجميع (1)

____________

الأجنبي حتى يدخل بذلك في الكبرى المتقدّمة، أعني المقدّمة التي قصد بها التوصل إلى الحرام، حيث يجب على المرأة أن تتحفظ على نفسها و لا تري وجهها أو يديها أو غيرهما من أعضائها إلى الرجال الأجانب، بل المقدّمة هي وقوفها في هذا المكان. و عليه فوضوءها محكوم بالصحّة لا محالة، نعم إذا انحصر المكان بما إذا أرادت أن تتوضأ فيه وقع عليها نظر الأجنبي فلا إشكال في تبدّل وظيفتها إلى التيمّم، لعدم أمرها بالوضوء وقتئذ، لأنه يستلزم الحرام فيجب عليها التيمم لا محالة، إلّا أنها إذا عصت و تركت التيمّم و توضّأت في ذلك المكان أمكن الحكم بصحّة وضوئها أيضاً بالترتّب على ما مرّ الكلام عليه في بعض الأبحاث المتقدِّمة (1).

نيّة جميع الغايات المترتبة على الوضوء

(1) إذا نوى جميع الغايات المترتبة على الوضوء، فقد تكون كل واحدة من تلك الغايات داعية مستقلّة نحو الوضوء بحيث لو كانت وحدها لأتى المكلّف لأجلها بالوضوء، و لا إشكال حينئذ في أنه يقع امتثالًا للجميع.

و أُخرى لا تكون كل واحدة منها داعياً باستقلاله، بل الداعي المستقل إحداها المعيّنة و غيرها تبع، فحينئذ يقع الوضوء امتثالًا لهذه الغاية المعيّنة لا لغيرها و إن جاز أن يأتي بسائر الغايات المتوقفة على الطّهارة لوضوئه ذلك أيضاً، لعدم مدخلية‌

____________

(1) تقدّم ذلك عند التكلّم على التوضّؤ من الماء الموجود في أواني الذهب و الفضة أو الآنية المغصوبة مع فرض الانحصار فليلاحظ شرح العروة 4: 302، 265.

45

..........

____________

قصد تلك الغايات في صحّته.

و ثالثة يكون كل واحدة من الغايات جزءاً من الداعي للوضوء، بحيث لا استقلال في الداعوية لشي‌ء منها في نفسها، و إنما الداعي له هو مجموع هذه الغايات الواجبة أو المستحبّة على نحو الاجتماع، فهل يقع الوضوء حينئذ امتثالًا للجميع في نفسها؟ قد يستشكل في ذلك نظراً إلى أن مجموع هذه الغايات المتكثرة ليس متعلقاً للأمر بالوضوء، إذ لا وجود خارجي له حقيقة و إنما هو أمر ينتزع عن وجود كل واحدة منها في الخارج، و حيث إن الأمر المتعلق بكل واحدة منها بالخصوص لم يكن داعياً للمكلف على الفرض لأنه لم يأت بالوضوء بداعي التوصل إلى غاية معيّنة، فلم يأت به المكلّف بداعي الأمر الشرعي المتعلق به و معه لا مناص من الحكم ببطلانه.

إلّا أن الصحيح أن الوضوء في مفروض المسألة يقع امتثالًا للجميع، و ذلك لأن عبادية الوضوء غير ناشئة عن الأمر الغيري المتعلق به و لا من جهة قصد شي‌ء من غاياته، بل إنما عباديته تنشأ عن الأمر النفسي المترتب عليه نظير بقيّة العبادات فهو عبادة وقعت مقدّمة لعبادة اخرى، و عليه فلا يعتبر في صحّته قصد أمره الغيري و لا قصد شي‌ء من غاياته، نعم لا يعتبر في صحّته أيضاً أن يؤتى به بقصد الأمر النفسي المتعلق به، بل إن أكثر العوام لا يلتفت إلى أن له أمراً نفسياً بوجه، بل يقع صحيحاً فيما إذا أتى به مضافاً إلى اللّٰه سبحانه نحو إضافة، و هذا يتحقق بقصد التوصل به إلى شي‌ء من غاياته، لأنه أيضاً نحو إضافة له إلى اللّٰه سبحانه، فعلى هذا إذا أتى بالوضوء بداعي مجموع غاياته حكم بصحّته، لأنه أتى بذات العمل و أضافه إلى اللّٰه تعالى حيث قصد به التوصل إلى مجموع الغايات المترتبة عليه و هو نحو إضافة له إلى اللّٰه فلا محالة يحكم بصحّته.

و لا يقاس المقام بالضمائم الراجحة، حيث قدّمنا أنّ العبادة إذا صدرت بداعي مجموع الأمر الإلٰهي و الضميمة الراجحة و لم يكن كل واحد منهما أو خصوص الأمر الإلٰهي داعياً مستقلا في دعوته وقعت باطلة، من جهة عدم صدورها عن الداعي‌

46

و أنّه إذا نوىٰ واحداً منها أيضاً كفىٰ عن الجميع (1) و كان أداء بالنسبة إليها و إن

____________

الإلٰهي المستقل في داعويته، و انضمام الضميمة الراجحة إليه غير كاف في القربية.

و الذي يشهد لما ذكرناه أنه لو أتى بالعبادة بداعي الضميمة الراجحة فقط بأن تكون مستقلّة في داعويتها لم يمكن القول بوقوع العبادة امتثالًا لأمرها و إن كانت واقعة امتثالًا لتلك الضميمة الراجحة كتعليم الوضوء أو الصلاة للغير، لأنها أيضاً عبادة مستحبة إلّا أنها لا توجب وقوع العبادة امتثالًا لأمرها، فإذا لم تكن الضميمة الراجحة مقرّبة من ناحية الأمر المتعلق بالعبادة في نفسها فلا يكون المجموع منها و من الأمر المتعلق بالعبادة مقرباً أيضاً، لأن المركب من غير المقرب و المقرب لا يكون مقرّباً، و هذا بخلاف المقام و ذلك لأنه لو كان قصد بوضوئه ذلك التوصل إلى أية غاية من غاياته كفى ذلك في مقربية الوضوء و وقوعه امتثالًا لأمره، لما مرّ من أن عبادية الوضوء لم تنشأ عن الأمر الغيري المتعلق به، و لا عن قصد شي‌ء من غاياته حتى يقال إن المكلّف في مفروض الكلام لما لم يقصد التوصّل إلى خصوص غاية من غاياته و لا قصد بذلك امتثال أمره الغيري وقع باطلًا لا محالة، بل عباديته ناشئة عن الأمر النفسي المتعلق به، فهو عبادة في نفسه و العبادة يكفي في صحّتها الإتيان بذاتها مضافة بها إلى اللّٰه سبحانه نحو إضافة، و الإضافة تحصل بقصد التوصّل به إلى شي‌ء من غاياته أو إلى مجموع تلك الغايات فلا محالة يقع صحيحاً و امتثالًا للجميع، و يمكن إدخال ذلك تحت عبارة الماتن (قدس سره) في قوله: كما لا إشكال في أنه إذا نوى الجميع و توضّأ وضوءاً واحداً لها كفى و حصل امتثال الأمر بالنسبة إلى الجميع.

إذا نوى واحداً من الغايات

(1) و ذلك لتحقق الوضوء بإتيانه بقصد غاية معيّنة من غاياته حيث لا يعتبر في صحّته و وقوعه قصد بقيّة الغايات أيضاً، و مع تحققه له أن يدخل في أية غاية متوقفة على الطهارة سواء قلنا إن الطّهارة هي نفس الوضوء أعني الغسلتين و المسحتين كما‌

47

لم يكن امتثالًا إلّا بالنسبة إلى ما نواه، و لا ينبغي (1) الإشكال في أن الأمر متعدِّد حينئذ و إن قيل إنه لا يتعدّد و إنما المتعدِّد جهاته، و إنما الإشكال في أنه هل يكون المأمور به متعدِّداً أيضاً و أن كفاية الوضوء الواحد من باب التداخل أو لا بل يتعدّد (2) ذهب بعض العلماء إلى الأوّل و قال: إنه حينئذ يجب عليه أن يعيّن أحدها و إلّا بطل، لأن التعيين شرط عند تعدّد المأمور به. و ذهب بعضهم إلى الثاني و أن التعدّد إنما هو في الأمر أو في جهاته.

____________

قوّيناه، أم قلنا إن الطّهارة أمر يترتب على تلك الأفعال، و ذلك لتحقق الطّهارة على الفرض. نعم يقع حينئذ امتثالًا من جهة الأمر المتوجه إلى ما قصده من الغايات و أداء بالإضافة إلى بقيّة غاياته التي لم يقصد التوصل به إليها هذا.

ثمّ إن في هذه المسألة جهة أُخرى للكلام، و هي أنه إذا توضأ بنيّة شي‌ء من غايات الوضوء و بعد ذلك بدا له و أراد أن يأتي بغاية أُخرى أيضاً من غاياته فقد عرفت أنه لا يجب عليه حينئذ أن يتوضأ ثانياً، بل الوضوء الذي أتى به للتوصل به إلى صلاة الفريضة مثلًا كاف في صحّة بقيّة غاياته، إلّا أن الكلام في أن هذا من باب التداخل أو من جهة وحدة المأمور به.

و الكلام في ذلك تارة في تعدّد الأمر و أُخرى في تعدّد المأمور به، و قد نفى الماتن‌

____________

(1) التحقيق أنه إذا بنينا على عدم اتصاف المقدّمة بالوجوب أو الاستحباب الغيري كما قوّيناه في محله فلا موضوع لهذا البحث من جهة تعدّد الغايات، و لو قلنا باتصافها به فان لم نعتبر الإيصال في اتصاف المقدّمة بالمطلوبية فلا إشكال في وحدة الأمر و المأمور به و أن التعدّد إنما هو في الجهات، و الوجه فيه ظاهر، و إن اعتبرنا الإيصال فيه فالظاهر أن كلّاً من الأمر و المأمور به متعدِّد و أن الاكتفاء بالوضوء الواحد من باب التداخل في المسببات، و أما الوضوء الواجب بالنذر فتعدّد المأمور به فيه يتوقف على جعل الناذر و قصده، فان قصد التعدّد تعدّد، و إلّا فلا.

(2) الظاهر أن جملة (بل يتعدد) زائدة و هي من سهو القلم.

48

..........

____________

الإشكال في تعدّد الأمر حينئذ و ذكر أن الإشكال في أن المأمور به أيضاً متعدِّد أو أن التعدّد في جهاته، و نسب إلى بعض العلماء القول بتعدّد المأمور به كالأمر و فرع عليه لزوم تعيين أحدها، لأنه لو لم يعيّن المأمور به عند تعدّده بطل، و قد اختار هو (قدس سره) عدم تعدّد المأمور به، ثمّ تعرض إلى مسألة النّذر و قال: إنه يتعدّد المأمور به فيها تارة و لا يتعدّد اخرى.

و توضيح الكلام في هذا المقام: أنه إذا قلنا بأن المقدّمة لا تتصف بالأمر الغيري المقدمي لا بالوجوب و لا بالاستحباب كما قوّيناه في محلِّه و قلنا إنّ الوجوب أو الاستحباب لا يتعدّى و لا يسري من ذي المقدّمة إلى مقدّماته، نعم هي واجبة عقلًا (1) فلا يبقى مجال للبحث في هذه المسألة، حيث لا أمر غيري في الوضوء حينئذ ليقال إنه واحد أو متعدِّد و أن المأمور به أيضاً متعدِّد أو واحد. فالنزاع يبتني على القول باتصاف المقدّمة بالأمر الغيري المترشح من ذيها شرعا.

و حينئذ إن قلنا بما سلكه صاحب الكفاية (قدس سره) (2) من أن الأمر الغيري إنما يتعلّق بذات المقدّمة كالغسلتين و المسحتين لا بهما مقيّداً بعنوان المقدمية أو الإيصال لأن المقدمية جهة تعليلية لا تقييدية، فالصلاة واجبة لعلة ما فيها من المصلحة و مقدماتها واجبة لعلة كونها مقدّمة لها فالمتصف بالأمر الغيري هو ذات المقدّمة لا هي بوصف كونها مقدّمة أو مع قيد الإيصال، فلا مناص من الالتزام بوحدة الأمر لأن طبيعي الوضوء و ذاته شي‌ء واحد لا يعقل الحكم بوجوبه أو باستحبابه مرتين لوضوح أنه من أظهر أنحاء اجتماع المثلين أو الأمثال و هو أمر مستحيل حتى بناء على القول بجواز اجتماع الأمر و النهي، فلا بدّ من الالتزام بوحدة وجوبه غاية الأمر أنه متأكد و هو آكد من بقيّة أفراد الوجوبات الغيرية المتعدِّدة متعلقاتها.

و أمّا إذا قلنا حينئذ أي على تقدير الالتزام باتصاف المقدّمة بالأمر الغيري بأن‌

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 2: 438.

(2) كفاية الأُصول: 114.

49

..........

____________

متعلقه ليس هو طبيعي المقدّمة، بل هو حصّة خاصّة منه و هي التي تقع في سلسلة علّة ذي المقدّمة أعني المقدّمة الموصلة في الخارج إلى ذيها كما ذهب إليه صاحب الفصول (قدس سره) (1) و قوّيناه في محلِّه (2) و قلنا أن المقدّمة على تقدير الالتزام بوجوبها أو باستحبابها الغيريين لا موجب للالتزام بوجوب طبيعي المقدّمة أو استحبابها و إن لم توصل إلى ذيها خارجاً، فلا مناص وقتئذ من الالتزام بتعدد الأمر و ذلك لأن هناك حينئذ حصصاً كثيرة متعدِّدة، فالوضوء المقيّد بكونه موصلًا إلى صلاة الفريضة واجب بوجوب ناشئ من وجوب الفريضة، و الوضوء المقيّد بكونه موصلًا إلى قراءة القرآن مستحب باستحباب القراءة، كما أن الوضوء المقيّد بكونه موصلًا إلى صلاة القضاء واجب بوجوب ناشئ من وجوب القضاء و هكذا، و لا يمكن أن يقال حينئذ إن الوضوء المقيّد بكونه موصلًا إلى صلاة القضاء مستحب باستحباب القراءة أو واجب بوجوب صلاة الفريضة و هكذا، و عليه فكما يتعدد الأمر كذلك يتعدّد المأمور به كما عرفت.

فمن هنا يظهر أن ما أفاده الماتن من نفي الإشكال في تعدّد الأمر و جعل الإشكال في تعدّد المأمور به ممّا لا وجه له و لا نعرف له وجهاً صحيحاً، لأن الجهتين متلازمتان، ففي كل مورد التزمنا بوحدة الأمر كما بناء على مسلك صاحب الكفاية (قدس سره) فلا مناص من الالتزام بوحدة المأمور به أيضاً، كما أنه إذا قلنا بتعدد الأمر كما على المختار لا بدّ من الالتزام بتعدّد المأمور به كما مرّ، و عليه فاذا جمع تلك الحصص في مورد واحد بأن توضأ بقصد التوصّل إلى غاية واحدة أو مجموعها و كان موصلًا إلى المجموع خارجاً، فيكون عدم الحاجة إلى الوضوء مرّة ثانية للغاية الأُخرى من جهة التداخل لا محالة.

و على الجملة قد عرفت أن هذه المسألة تبتني على ما هو المعروف بينهم من‌

____________

(1) الفصول: 86/ 12.

(2) محاضرات في أُصول الفقه 2: 420.

50

..........

____________

اتصاف المقدّمة بالأمر الغيري شرعاً، كما أن تعدّد المأمور به أو وحدته يبتنيان على ما هو الصحيح من اختصاص الأمر الغيري بالمقدّمة الموصلة، لأن الحصص حينئذ متعدِّدة فإن الوضوء الموصل إلى الفريضة حصّة منه واجبة بوجوب الفريضة، و الوضوء الموصل إلى النافلة حصّة أُخرى منه مستحبة باستحباب ناشئ من استحباب النافلة أو القراءة أو غيرهما، فالحصص متعدِّدة كما أن الأمر متعدِّد، إلّا أن هذه الحصص قد تجتمع في مورد واحد و توجد بوجود فأرد، كما إذا أوصل وضوءه إلى جميع غاياته الواجبة و المستحبة، و عليه فعدم لزوم التعدّد في الوضوء و كفاية الوضوء مرّة واحدة يكون من باب التداخل لا محالة، و لعل هذا كله ظاهر و لا كلام فيه، و إنما الكلام فيما فرعه و رتبه على هذا القول من لزوم تعيين أحد الواجبات أعني المأمور به المتعدِّد فيحكم ببطلانه عند عدم تعيينه مع تعدّده لعدم الترجيح من غير مرجح.

الصحيح عدم اعتبار التعيين حينئذ، و ذلك لما مرّ غير مرّة من أن عبادية الوضوء لم تنشأ عن الأمر الغيري المتعلق به، لأنا نلتزم بعباديته حتى على القول بعدم وجوب المقدّمة و إنكار الأمر الغيري رأساً، و إنما عباديته نشأت عن الأمر النفسي المتعلق به و عليه فلو أتى بالوضوء قاصداً به أمره النفسي فقد وقع وضوءه صحيحاً مقرّباً و يصح معه الدخول في غاياته و إن لم يقصد أمره الغيري أصلًا أو قصده على وجه الترديد، بأن لم يدر أنه يصلّي بعد وضوئه هذا أو يقرأ القرآن أو يزور الإمام (عليه السلام) لأن الترديد حينئذ إنما هو في قصد أمره الغيري و لا ترديد في قصد أمره النفسي، و قد ذكرنا أن الأمر الغيري لا يعتبر قصده في عبادية الوضوء. و لا يقاس المقام بسائر العبادات النفسية كصلاتي القضاء و الأداء حيث يجب تعيين أحدهما في صلاته و إلّا بطلت صلاته لا محالة، لأن عباديتها إنما هي من جهة أمرها النفسي فلا مناص من قصد أمرها النفسي في وقوعها صحيحة، فإما أن يقصد الأمر بالأداء أو الأمر بالقضاء، و أما في المقام فقد عرفت أنه قصد أمره النفسي و لم يقصد أمره الغيري‌