موسوعة الإمام الخوئي - ج7

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
479 /
1

[تتمة كتاب الطهارة]

[تتمة فصل في الأغسال]

[تتمة فصل في الأغسال الواجبة]

[تتمة فصل في غسل الجنابة]

[فصل في مستحبّات غسل الجنابة]

فصل في مستحبّات غسل الجنابة (1) و هي أُمور:

أحدها: الاستبراء من المني بالبول قبل الغسل.

الثّاني: غَسل اليدين ثلاثاً إلى المرفقين أو إلى نصف الذراع أو إلى الزَّندين من غير فرق بين الارتماس و التّرتيب.

الثّالث: المضمضة و الاستنشاق بعد غَسل اليدين ثلاث مرّات، و يكفي مرّة أيضاً.

الرّابع: أن يكون ماؤه في التّرتيبي بمقدار صاع، و هو ستمائة و أربعة عشر مثقالًا و ربع مثقال.

الخامس: إمرار اليد على الأعضاء لزيادة الاستظهار.

السّادس: تخليل الحاجب غير المانع لزيادة الاستظهار.

السّابع: غسل كلّ من الأعضاء الثّلاثة ثلاثاً.

____________

(1) فصل: في مستحبّات غسل الجنابة قد تعرّض (قدس سره) لجملة من الأُمور الّتي قالوا باستحبابها في غسل الجنابة إلّا أنّ بعضها لم يرد فيه رواية، و إنما أفتى بعض الأصحاب باستحبابه، و هو يبتني على‌

2

الثّامن: التّسمية، بأن يقول «بسم اللّٰه» و الأولى أن يقول «بسم اللّٰه الرّحمٰن الرّحيم».

التّاسع: الدُّعاء المأثور في حال الاشتغال، و هو: «اللّٰهمّ طهِّر قلبي، و تقبَّل سعيي، و اجعل ما عندك خيراً لي، اللّٰهمّ اجعلني من التّوّابين، و اجعلني من المتطهِّرين»، أو يقول: «اللّٰهمّ طهِّر قلبي، و اشرَح صدري، و أجرِ على لساني مِدحتك و الثّناء عليك، اللّٰهمّ اجعله لي طَهوراً و شِفاءً و نوراً، إنّك على كلّ شي‌ء قدير»، و لو قرأ هذا الدُّعاء بعد الفراغ أيضاً كان أولى.

العاشر: الموالاة و الابتداء بالأعلى في كلّ من الأعضاء في التّرتيبي.

[مسألة 1: يكره الاستعانة بالغير في المقدّمات القريبة]

[684] مسألة 1: يكره الاستعانة بالغير في المقدّمات القريبة على ما مرّ في الوضوء (1).

____________

تماميّة قاعدة التّسامح في أدلّة السنن في نفسها ثمّ تعديتها إلى فتوى الفقيه، و من ثمّ لا يهمّنا التعرّض لها في المقام. ثمّ تعرّض لعدّة مسائل:

(1) لم ترد رواية في كراهة الاستعانة بالغير في المقدّمات في الغسل، و إنّما ذكروا ذلك في الوضوء و ادّعوا دلالة بعض الأخبار (1) عليها معلّلًا بأنّ اللّٰه أمر أن لا يشرك في عبادته. و قد قدّمنا هناك (2) أنّ الظّاهر من تعليل الرّواية أنّ المنهي عنه هو الاستعانة بالغير في النيّة، بأن يأتي بالوضوء لغير اللّٰه، فإنّ العبادة لا بدّ أن يؤتى بها مستقلّة للّٰه، و لا يصحّ إتيانها للغير مستقلا أو بالانضمام، و لا دلالة لها على كراهة الاستعانة بالمقدّمات، بل لا يتحقق الوضوء من غير الاستعانة بالغير في المقدّمات إلّا على وجه الندرة و الشذوذ، لاحتياجه إليها و لو من حيث المكان و الماء و غيرها.

____________

(1) الوسائل 1: 476/ أبواب الوضوء ب 47 ح 1، 2، 3، 4.

(2) ذيل القسم الثّاني قبل المسألة [561].

3

[مسألة 2: الاستبراء بالبول قبل الغسل ليس شرطاً في صحّته]

[685] مسألة 2: الاستبراء بالبول قبل الغسل ليس شرطاً في صحّته (1) و إنّما فائدته عدم وجوب الغسل إذا خرج منه رطوبة مشتبهة بالمني، فلو لم يستبرئ و اغتسل و صلّى ثمّ خرج منه المني أو الرطوبة المشتبهة لا تبطل صلاته و يجب عليه الغسل لما سيأتي.

____________

عدم اشتراط الاستبراء في صحّة الغسل‌

(1) و ذلك لعدم دلالة الدليل على الاشتراط، فمقتضى إطلاق الأخبار الواردة في كيفية الغسل الآمرة بغسل الرأس و البدن بل و غسل الفرج (1) و سكوتها عن بيان اعتبار البول في صحّته مع كونها واردة في مقام البيان عدم اشتراطه به.

نعم، قد يستدلّ على اشتراط الغسل بالبول قبله بصحيحة محمّد بن مسلم «عن الرّجل يخرج من إحليله بعد ما اغتسل شي‌ء، قال يغتسل و يعيد الصّلاة، إلّا أن يكون بال قبل أن يغتسل، فإنه لا يعيد غسله» (2)، نظراً إلى أنه لا وجه للأمر بإعادة الصّلاة و الاغتسال إلّا بطلان الغسل قبل البول بخروج البلل من إحليله، فهذا يدل على اشتراط الغسل بالبول قبله.

و فيه: أنّ راوي هذا الحديث و هو محمّد بن مسلم قد روى متّصلًا بهذا الحديث و قال «قال أبو جعفر (عليه السلام) من اغتسل و هو جنب قبل أن يبول، ثمّ وجد بللا فقد انتقض غسله، و إن كان بال ثمّ اغتسل ثمّ وجد بللا فليس ينقض غسله و لكن عليه الوضوء، لأنّ البول لم يدع شيئاً» (3)، فإن التّعبير بالانتقاض كالصريح في أنّ غسله قبل أن يبول قد وقع صحيحاً، إلّا أنّه انتقض بحدوث الجنابة الجديدة أعني البلل المشتبه، و بهذا نحمل الأمر بإعادة الصّلاة فيها على ما إذا صلّى بعد خروج البلل المشتبه.

____________

(1) الوسائل 2: 229/ أبواب الجنابة ب 26.

(2) الوسائل 2: 251/ أبواب الجنابة ب 36 ح 6.

(3) الوسائل 2: 251/ أبواب الجنابة ب 36 ح 7.

4

..........

____________

و قد يتوهّم: أنّ الأمر بإعادة الغسل على تقدير عدم البول قبل الاغتسال و خروج البلل المشتبه بعده كما في صحيحة الحلبي (1) و موثقة سماعة (2) و غيرهما (3) بل و كذا في صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة حيث دلّت على أنّه إذا بال قبل أن يغتسل لا يعيد غسله يدل على بطلان الغسل الواقع من غير بول، إذ لو كان الغسل قبل أن يبول صحيحاً و كانت الرطوبة المشتبهة جنابة جديدة لم يصح التعبير بإعادة الغسل حينئذ لأنّ السبب الجديد يستدعي الإتيان بالعمل ابتداء، و لا يصح أن يقال إنّه يوجب إعادة العمل. مثلًا زوال الشّمس سبب في الأمر بصلاة الظّهر، فلا يصح معه أن يقال إذا زالت الشّمس أعد صلاة الظّهر، لأنّها حينئذ ليست إعادة للمأتي به، بل هو مأمور به بالأمر الثّاني مستقلا ابتدائيّاً، فالأمر بالإعادة يكشف عن عدم كون البلل المشتبه الخارج بعد الغسل و قبل البول سبباً جديداً، و إنما هو كاشف عن فساد الغسل الواقع قبل البول.

و يدفعه: أنّ الكبرى المشار إليها و إن كانت صحيحة، فإنّ السبب الجديد يستدعي إيجاد المأمور به ابتداء، لا أنّه يوجب إعادته، فالتعبير بالإعادة غير صحيح عند حدوثه، إلّا أنّ تلك الكبرى غير منطبقة على المقام، حيث إنّ الغسل ليس واجباً نفسيّاً، و إنّما هو شرط مقارن للصلاة، و إنّما يؤتى به قبلها من جهة عدم تمكّن المكلّف من أن يأتي به مقارناً للمأمور به، فإذا أتى به قبل الصّلاة فإنّما يأتيه بداعي أن يصلِّي مع الطّهارة، فإذا اغتسل و لم يحصل به غرضه الدّاعي إلى إتيانه، أي لم يأت بالصلاة بعده لتخلّل جنابة جديدة بينهما و احتاج إلى إتيان الغسل ثانياً تحصيلًا لثمرته و غرضه صحّ أن يقال أعد غسلك، لا لأنّ الغسل الواقع قبل الجنابة وقع باطلًا، بل لأنّه لم يحصل غرضه و لم يترتّب عليه ثمرته و كان في حكم الفاسد من حيث عدم إمكان الإتيان بالصلاة معه.

____________

(1) الوسائل 2: 250/ أبواب الجنابة ب 36 ح 1، 5.

(2) الوسائل 2: 251/ أبواب الجنابة ب 36 ح 8.

(3) كموثقة سليمان بن خالد و رواية معاوية بن ميسرة، نفس المصدر ح 10، 9.

5

..........

____________

و الّذي يدلّنا على ذلك الأخبار المستفيضة الآمرة بإعادة الوضوء إذا غلب النوم العقل أو تحقّق بعده غيره من نواقض الوضوء (1) و ما ورد من أنّ الوضوء لا يعاد من الرعاف و نحوه (2)، إذ لا يتوهّم أنّ عدم النوم شرط في صحّة الوضوء، فالأمر بإعادته حينئذ ليس بكاشف عن وقوعه فاسداً، و إنّما هو من جهة عدم ترتب الغرض المقصود منه عليه، فكان الإتيان به صحيحاً كالإتيان به فاسداً من حيث عدم ترتب الواجب عليه فليراجع. فالصحيح عدم دلالة شي‌ء من ذلك على اشتراط الغسل بالبول قبله.

نعم، موثقة أحمد بن هلال كالصريح في الاشتراط حيث قال «سألته عن رجل اغتسل قبل أن يبول، فكتب: إنّ الغسل بعد البول إلّا أن يكون ناسياً فلا يعيد منه الغسل» (3)، لأنّ قوله «إنّ الغسل بعد البول» كالصريح في أنّه إذا وقع قبل البول فسد.

إلّا أنّها ضعيفة الدلالة على المدّعى، و ذلك لعدم تعرّضها لخروج البلل المشتبه بعد الغسل، و بطلان الغسل قبل البول إذا لم يخرج منه البلل المشتبه ممّا لا يلتزمون به فإنّما يقول من قال به على نحو الشرط المتأخّر، و أنّه إذا خرجت منه الرّطوبة المشتبهة يكشف ذلك عن عدم صحّة الغسل الواقع قبل البول، و أمّا إذا اغتسل و لم يبل و لم يخرج منه بلل بعد ذلك فلا يحكمون ببطلان غسله بوجه.

____________

(1) الوسائل 1: 248/ أبواب نواقض الوضوء ب 1 ح 9، ب 3 ح 2، ب 5 ح 5، ب 7 ح 9، ب 9 ح 9، 10.

(2) الوسائل 1: 265/ أبواب نواقض الوضوء ب 7 ح 5 و 8 و 11، ب 7 ح 9، ب 6 ح 1، ب 9 ح 8، ب 10 ح 2، ب 14 ح 1، ب 16 ح 3.

(3) الوسائل 2: 252/ أبواب الجنابة ب 36 ح 12.

6

[مسألة 3: إذا اغتسل بعد الجنابة بالإنزال ثمّ خرج منه رطوبة مشتبهة بين البول و المني]

[686] مسألة 3: إذا اغتسل بعد الجنابة بالإنزال ثمّ خرج منه رطوبة مشتبهة بين البول و المني فمع عدم الاستبراء قبل الغسل بالبول يحكم عليها بأنها مني، فيجب الغسل، و مع الاستبراء بالبول و عدم الاستبراء بالخرطات بعده يحكم بأنّه بول فيوجب الوضوء، و مع عدم الأمرين (1) يجب الاحتياط بالجمع (2) بين الغسل و الوضوء إن لم يحتمل غيرهما، و إن احتمل كونها مذياً مثلًا بأن يدور الأمر بين البول و المني و المذي فلا يجب عليه شي‌ء، و كذا حال الرّطوبة الخارجة بدواً من غير سبق جنابة، فإنّها مع دورانها بين المني و البول يجب الاحتياط بالوضوء و الغسل، و مع دورانها بين الثّلاثة أو بين كونها منيّاً أو مذياً، أو بولًا أو مذياً لا شي‌ء عليه (1).

____________

البلل المشتبه و صوره‌

(1) الصور ثلاث لأنّه عند خروج البلل بعد الاغتسال قد لا يستبرئ بالبول قبله، و قد يستبرئ بالبول قبل الاغتسال إلّا أنّه لا يستبرئ بعد البول بالخرطات و ثالثة يستبرئ بالبول قبل الاغتسال كما أنّه يستبرئ بالخرطات بعد البول.

الكلام في الصورة الاولى: أعني ما إذا اغتسل من غير أن يبول قبله، و فيه جهات للكلام:

الجهة الأُولى: أنّه لا إشكال حينئذ في أنّ البلل المشتبه الخارج بعد الغسل في حكم المني، و يجب معه الاغتسال، و ذلك للأخبار المعتبرة الّتي فيها صحيحة‌

____________

(1) لعلّه أراد بالأمرين عدم الاستبراء بالبول و عدم الاستبراء بالخرطات، و إلّا كانت كلمة «عدم» من سهو القلم.

(2) هذا إذا كان متطهِّراً قبل خروج الرّطوبة المشتبهة كما لعلّه المفروض، و أمّا إذا كان محدثاً بالأصغر فالأظهر كفاية الاقتصار على الوضوء، و منه يظهر الحال فيما إذا خرجت الرّطوبة من غير سبق الجنابة.

7

..........

____________

و موثقة (1)، حيث دلّت على أنّه كالمني و لا بدّ معه من الاغتسال، و هذا هو المعروف المشهور بينهم.

و قد نسب إلى الصدوق القول باستحباب الغسل حينئذ (2)، تمسكاً بما رواه من أنّه إن كان قد رأى بللًا و لم يكن بال فليتوضأ و لا يغتسل، إنّما ذلك من الحبائل (3)، فإذا ضمّ ذلك إلى الأخبار الآمرة بالغسل حينئذ فتكون النتيجة هي استحباب الغسل عند خروج البلل المشتبه فيما إذا اغتسل و لم يكن قد بال.

و يدفعه: أن الرّواية قاصرة السند و الدلالة، أمّا بحسب السند فلأنها مرسلة و لا اعتبار بالمراسيل، و أمّا من حيث الدلالة فلأن البلل الخارج حينئذ إذا كان من الحبائل كالمذي فلما ذا وجب معه الوضوء، فالصحيح هو ما ذهب إليه المشهور من وجوب الغسل حينئذ.

نعم، ورد في رواية زيد الشحّام عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال «سألته عن رجل أجنب ثمّ اغتسل قبل أن يبول ثمّ رأى شيئاً، قال: لا يعيد الغسل، ليس ذلك الّذي رأى شيئاً» (4)، و في رواية عبد اللّٰه بن هلال قال «سألت أبا عبد اللّٰه عن الرّجل يجامع أهله ثمّ يغتسل قبل أن يبول ثمّ يخرج منه شي‌ء بعد الغسل، قال: لا شي‌ء عليه، إنّ ذلك ممّا وضعه اللّٰه عنه» (5). و هما تدلّان على عدم وجوب الغسل حينئذ.

إلّا أنّهما ليستا قابلتين للمعارضة مع الأخبار الدالّة على وجوب الاغتسال لضعفهما بحسب السند، أمّا الأُولى فبأبي جميلة المفضّل بن الصالح، و أمّا الثّانية فبعبد اللّٰه بن هلال. بل يمكن المناقشة في دلالتهما أيضاً، حيث إنّ الجماع غير مستلزم للإنزال دائماً حتّى يجب البول بعده، و كذا الجنابة المطلقة، فإنّ البحث إنّما هو في الجنابة‌

____________

(1) الوسائل 2: 250/ أبواب الجنابة ب 36.

(2) نسبه إليه في المستمسك 3: 119، و راجع الفقيه 1: 48/ باب صفة غسل الجنابة، ذيل ح 188.

(3) الوسائل 2: 250/ أبواب الجنابة ب 36 ح 2 و مع اختلاف يسير ح 4.

(4) الوسائل 2: 253/ أبواب الجنابة ب 36 ح 14.

(5) الوسائل 2: 252/ أبواب الجنابة ب 36 ح 13.

8

..........

____________

بالإنزال، و هو غير مذكور فيهما، إلّا أنّ العمدة في المناقشة هي ضعف سنديهما.

الجهة الثّانية: هل يجب الغسل عند خروج البلل المشتبه بعد الغسل و قبل البول مطلقاً، أو أنّه يختص بما إذا ترك البول مع التمكّن منه قبل الاغتسال، و أمّا إذا تركه لعدم تمكّنه من البول حينئذ فلا يجب عليه الاغتسال؟

الصحيح وجوب الغسل في كلتا الصورتين، لإطلاق رواياته حيث لم يقم على التفصيل بين الصّورتين دليل و لو رواية ضعيفة.

و هل يجب الغسل مطلقاً أو يختص بما إذا ترك البول قبل الغسل متعمداً، و أمّا إذا تركه نسياناً فلا يحكم عليه بوجوب الغسل؟

نسب التفصيل بين الناسي و العامد إلى الشيخ (1)، و المشهور عدم الفرق بين الصورتين و هو الصّحيح و ذلك لعدم تماميّة ما استدلّ به على هذا التفصيل، و هو رواية جميل بن درّاج قال «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرّجل تصيبه الجنابة، فينسى أن يبول حتّى يغتسل ثمّ يرى بعد الغسل شيئاً، أ يغتسل أيضاً؟ قال: لا، قد تعصّرت و نزل من الحبائل» (2)، و هي ضعيفة السند بعلي بن السندي حيث لم تثبت وثاقته و معه إطلاقات الأخبار الآمرة بالغسل حينئذ محكمة.

الجهة الثّالثة: أنّ مورد الأخبار الآمرة بالغسل عند خروج البلل المشتبه ما إذا احتمل أن تكون الرطوبة منيّاً، و لا إطلاق لها يشمل صورة العلم بعدم كونها منيّاً كما إذا علمنا بأنّها بول أو مذي مثلًا، و ذلك لقوله (عليه السلام) «لأنّ البول لم يدع شيئاً» (3)، فإنّ ظاهره أنّه إنّما يغتسل إذا لم يبل من جهة احتمال أن يكون البلل منيّاً‌

____________

(1) نسبه إليه في الحدائق 3: 31 و راجع الاستبصار 1: 120/ باب وجوب الاستبراء من الجنابة ذيل الحديث 8، 9، التهذيب 1: 145/ ب 6 ذيل الحديث 100، 101.

(2) الوسائل 2: 252/ أبواب الجنابة ب 36 ح 11.

(3) الوسائل 2: 251/ أبواب الجنابة ب 36 ح 7.

9

..........

____________

فلا يشمل صورة العلم بعدم كونها من المني، هذا.

مع أنّا لو سلمنا أنّها مطلقة و إطلاقها يشمل ما إذا لم يحتمل كونها منيّاً فمقتضى الأخبار (1) الدالّة على حصر وجوب الغسل بالماء الأكبر عدم وجوب الغسل من غيره، كالرطوبة المردّدة بين البول و المذي مثلًا، فيختص الغسل بما إذا احتمل كون الرّطوبة منيّاً، لأنّ احتماله منجّز حينئذ.

الجهة الرّابعة: أنّ الأخبار الآمرة بالغسل عند خروج البلل المشتبه بعد الغسل قبل أن يبول مقتضى إطلاقها وجوب الغسل سواء استبرأ بالخرطات أم لم يستبرئ فهي كما تشمل غير موارد العلم الإجمالي بالناقض، كما إذا تردّدت الرّطوبة بين أن تكون منيّاً أو بولًا أو مذياً، كذلك تشمل موارد العلم الإجمالي بوجوده، كما إذا دارت بين كونها بولًا أو منيّاً، إلّا أنّ مقتضى إطلاقها تعيّن الوظيفة حينئذ في الغسل و انحلال العلم الإجمالي بذلك هذا كلّه في الصّورة الأُولى، و هي ما إذا اغتسل من غير أن يستبرئ بالبول قبله.

و أمّا الصّورة الثّانية: و هي ما إذا استبرأ بالبول قبل غسله و لكنّه لم يستبرئ بعد البول بالخرطات، فمقتضى الأخبار الواردة في المقام كموثقة سماعة: «فإن كان بال قبل أن يغتسل فلا يعيد غسله و لكن يتوضأ و يستنجي» (2)، و ما رواه معاوية بن ميسرة: «إن كان بال بعد جماعه قبل الغسل فليتوضأ» (3) و كذا الأخبار (4) المطلقة الواردة في الاستبراء الآمرة بالوضوء بعد خروج مطلق الرطوبة بعد البول و إن لم يكن مسبوقاً بالجنابة وجوب الوضوء حينئذ، بل مقتضى الموثقة نجاسة البلل أيضاً، حيث دلّت على وجوب الاستنجاء معه، نعم ذكر شيخنا الأنصاري في رسائله (5) أنّ الأخبار إنما‌

____________

(1) الوسائل 2: 187 و 188/ أبواب الجنابة ب 7 ح 6 و 11، 196 و 197/ ب 9 ح 1، 2، 3.

(2) الوسائل 2: 251/ أبواب الجنابة ب 36 ح 8.

(3) الوسائل 2: 252/ أبواب الجنابة ب 36 ح 9.

(4) الوسائل 1: 282/ أبواب نواقض الوضوء ب 13.

(5) الفرائد 2: 423 صرّح الشيخ بنجاسة البلل من غير طريق الاستدلال بالموثّقة فراجع و تأمّل.

10

..........

____________

تدل على وجوب الوضوء مع البلل و لا دلالة لها على نجاسته، إلّا أنّ الموثقة حجّة عليه، هذه جهة.

الجهة الثّانية في المقام: أنّ الأخبار الآمرة بالوضوء حينئذ موردها ما إذا احتملنا أن تكون الرّطوبة بولًا، و أمّا إذا دار أمرها بين أن تكون منيّاً أو مذياً فلا يجب عليه الوضوء، لأنّ الظّاهر من الأخبار أنّه من جهة احتمال خروج البول حينئذ.

على أنّا لو سلمنا إطلاق الأخبار و عدم اختصاصها بصورة احتمال كون الرّطوبة المشتبهة بولًا فالأخبار الحاصرة لانتقاض الوضوء بالبول و الغائط و الرّيح و النّوم (1) تقتضي تقييد المطلقات بصورة احتمال كون الرّطوبة بولًا لا محالة، فإنّ دلالة الأخبار على انحصار النواقض بما ذكر دلالة وضعية لكلمة إنّما و نحوها، و الدّلالة الوضعيّة متقدّمة على الدلالة بالإطلاق و مقدّمات الحكمة كما لا يخفى، و عليه فلو فرضنا أنّ الرّطوبة دارت بين المني و المذي لا يجب عليه الغسل، لأنّه بال و البول لم يدع شيئاً من المني، و لا يجب عليه الوضوء أيضاً، لأنّها ليست ببول على الفرض.

بقي الكلام في الصّورة الثّالثة

و هي ما إذا بال قبل الاغتسال و استبرأ بالخرطات بعد البول، و هي المراد بقول الماتن «و مع عدم الأمرين يجب الاحتياط»، فإنّ الأمرين السابقين هما الغسل مع عدم الاستبراء بالبول أو مع عدم الاستبراء بالخرطات على تقدير الاستبراء بالبول و عدمهما يكون عبارة عن الغسل مع الاستبراء بكلّ من البول و الخرطات. و هذه الصّورة تنقسم إلى صور:

الصورة الأُولى: ما إذا بال و استبرأ بالخرطات ثمّ اغتسل و خرجت منه رطوبة مشتبهة مردّدة بين المني و غير البول للقطع بعدم كونها بولًا، فلا يجب عليه حينئذ شي‌ء من الغسل و الوضوء، أمّا عدم وجوب الغسل فلاستبرائه بالبول و هو لم يدع‌

____________

(1) الوسائل 1: 245 و 246/ أبواب نواقض الوضوء ب 1 ح 2، 3، 248/ ب 2.

11

..........

____________

شيئاً، و أمّا عدم وجوب الوضوء فللقطع بعدم كون الرّطوبة بولًا على الفرض.

الصورة الثّانية: الصورة مع تردّد الرّطوبة بين أن تكون بولًا أو غير مني أو بين البول و المني و المذي، و في هذه الصّورة أيضاً لا يجب عليه الغسل، و ذلك لأنّه استبرأ بالبول و هو لم يدع شيئاً، و هل يجب عليه الوضوء حينئذ؟

فقد يتوهّم وجوبه تمسّكاً بإطلاق الأخبار الآمرة بالوضوء فيما إذا بال و اغتسل و خرجت منه رطوبة مشتبهة، لعدم تقييدها بصورة عدم الاستبراء بالخرطات و مقتضى إطلاقها حينئذ وجوب الوضوء (1).

و يندفع بأن الأخبار الآمرة بالوضوء (2) و إن كانت مطلقة، إلّا أنها معارضة في المقام بالأخبار الواردة في الاستبراء الدالّة على أنّه إذا بال و استبرأ بالخرطات و خرجت منه رطوبة مشتبهة لا يجب عليه الوضوء، لأنّها من الحبائل (3)، و النسبة بينهما عموم من وجه، لأنّ أخبار المقام تدل على أن من بال و اغتسل و خرجت منه الرّطوبة المشتبهة يجب عليه الوضوء، سواء استبرأ بالخرطات أم لم يستبرئ و مقتضى تلك الرّوايات الواردة في الاستبراء أنّه إذا بال و استبرأ بالخرطات ثمّ خرجت رطوبة مشتبهة لا يجب عليه الوضوء، سواء أ كان اغتسل قبل ذلك أم لم يكن قد اغتسل، فيتعارضان في من اغتسل و قد استبرأ قبله بالبول و الخرطات و خرجت منه رطوبة مشتبهة، فمقتضى الاولى وجوب الوضوء كما أنّ مقتضى الثّانية عدم وجوبه. إلّا أنّ الطائفة الثّانية تتقدّم على الطائفة الأُولى، لقوّة دلالتها من حيث اشتمالها على التعليل بأنّها من الحبائل حينئذ، و عليه فلا يجب عليه الوضوء كما لا يجب عليه الغسل، هذا.

____________

(1) أورد نظير هذا التوهم مع جوابه في المستمسك 3: 121.

(2) الوسائل 2: 250 و 251 و 252/ أبواب الجنابة ب 36 ح 1 و 7 و 8 و 9.

(3) الوسائل 1: 320/ أبواب أحكام الخلوة ب 11 ح 2، ص 282 و 283 و 286/ أبواب نواقض الوضوء ب 13 ح 2 و 3 و 10.

12

..........

____________

على أنّا لو سلمنا تكافؤهما فحيث إنّ تعارضهما بالإطلاق فلا مناص من تساقطهما، و حيث إنّ الشبهة موضوعيّة فلا بدّ من الرّجوع فيها إلى الاستصحاب فترجع إلى استصحاب عدم وجوب الوضوء و عدم خروج البول منه، و بما أنّ دلالة أدلّة الاستصحاب على عدم جواز نقض اليقين بالشكّ بالعموم، لقوله في صحيحة زرارة «و لا ينقض اليقين بالشكّ أبداً» (1)، و كلمة أبداً تفيد العموم، فلا محالة تتقدّم على المطلقات الواردة في المقام المقتضية لوجوب الوضوء في مفروض الكلام، فبعموم أدلّة الاستصحاب نحكم بعدم وجوب الوضوء عليه.

و على الجملة إنّ النسبة بين أدلّة الاستصحاب و الأخبار الواردة في المقام عموم من وجه، حيث إنّها تدل على وجوب الوضوء فيما إذا بال قبل الغسل، سواء أ كان ذلك في موارد العلم الإجمالي كدوران الأمر بين البول و المني أم كان في غيرها كدوران الأمر بين المني و المذي أو بينهما و بين البول، و هذا بخلاف الاستصحاب حيث إنّه لا يشمل موارد العلم الإجمالي بوجه، فهو أخص من الأخبار من تلك الجهة. كما أنّ الأخبار أخص من الاستصحاب من جهة أُخرى، لأنّها دلّت على وجوب الوضوء بعد الغسل، و الاستصحاب غير مقيّد بالغسل و عدمه، فالأخبار أخص من الاستصحاب من هذه الجهة، فتتعارض فيما إذا بال المكلّف بعد الإنزال و اغتسل ثمّ خرجت رطوبة مردّدة بين البول و المني و المذي، فإنّ الأخبار تقتضي وجوب الوضوء و الاستصحاب يقتضي عدمه. و بما أنّ دلالة أدلّة الاستصحاب بالعموم، و دلالة الأخبار بالإطلاق فيتقدّم الاستصحاب على الأخبار في مورد المعارضة، لاشتماله على قوله «و لا ينقض اليقين بالشكّ أبداً»، و عليه لا يجب عليه الوضوء في مفروض المسألة.

و أمّا الأخبار الواردة في الاستبراء بالخرطات و أنّ من بال و استبرأ فلا يبالي بما خرج منه بعد ذلك من الرّطوبات المشتبهة، فقد يقال إنّها أجنبيّة عن المقام بالمرّة لأنّ موضوعها من بال و استبرأ بالخرطات، و موضوع الأخبار الآمرة بالوضوء من‌

____________

(1) الوسائل 1: 245/ أبواب نواقض الوضوء ب 1 ح 1، 3: 477/ أبواب النجاسات ب 41 ح 1.

13

..........

____________

أجنب و بال و اغتسل ثمّ خرجت منه رطوبة مشتبهة، فهما موضوعان متغايران.

إلّا أنّه يندفع بأنّ إطلاق روايات الاستبراء يشمل صورة سبق الاغتسال أيضاً، كما إذا أجنب ثمّ بال ثمّ اغتسل ثمّ خرجت رطوبة، لأنّها غير مقيّدة بما إذا لم يغتسل بعد البول، و عليه فهما متعارضان، و النسبة بينهما أيضاً عموم من وجه، لأنّ أخبار الاستبراء مقيّدة بما إذا استبرأ بالخرطات سواء أ كان معه الغسل أم لم يكن، و أخبار المقام مقيّدة بالغسل سواء أ كان استبرأ بالخرطات أم لم يستبرئ، فيتعارضان فيما إذا أجنب ثمّ بال و اغتسل مع الاستبراء بالخرطات، فإنّ الأخبار الواردة في المقام تقتضي وجوب الوضوء حينئذ، لدلالتها على أنّ الرّطوبة المشتبهة ليس من المني، لأنّ البول لم يدع شيئاً، و تلك الأخبار تنفي وجوب الوضوء، لدلالتها على أنّها ليست ببول لأنّه قد استبرأ بالخرطات، فيتعارضان و يتساقطان و يبقى الاستصحاب سليماً عن المعارض، و هو يقتضي عدم وجوب الوضوء كما مرّ.

و احتمال أنّ الاستصحاب بنفسه مورد المعارضة مع الأخبار الواردة في المقام مندفع بما مرّ، من أنّه لا يشمل موارد العلم الإجمالي الّتي تشملها الأخبار الواردة في المقام و إنما يجري في غيرها، و هو في غيرها أخص مطلق من الأخبار فيتقدّم عليها، و مع ملاحظة جميع مواردها النسبة عموم من وجه أيضاً يتقدّم الاستصحاب لعموم أدلّته بخلاف الأخبار كما لا يخفى.

و أمّا ما أشرنا إليه من أنّ أخبار الاستبراء أقوى دلالة من أخبار المقام، لاشتمالها على التعليل بأنّها من الحبائل فهو ليس كما ذكرناه، إذ ليست الأخبار الواردة في الاستبراء بالخرطات مشتملة على هذا التعليل و إنما يشتمل عليه ما لم يذكر فيه الاستبراء بالخرطات.

و الوجه في جعل الاستصحاب معارضاً مع الأخبار الواردة في المقام هو أنّ موضوع تلك الأخبار أيضاً هو الشكّ في خروج البول و عدمه، فحكمها حكم الأصل. و أماريّة البول إنّما تقتضي عدم كون الخارج منيّاً، و أمّا أنّه بول فلا، لأنّ البحث في دوران الأمر بين الاحتمالات الثّلاثة المني و البول و المذي، فمن المحتمل أنّه‌

14

..........

____________

مذي، فلا يُقال إنّ في المقام أمارة على البوليّة، فما معنى استصحاب عدم خروج البول، لكنّك عرفت أنّ الاستصحاب ليس بنفسه مورداً للمعارضة مع الرّوايات الواردة في المقام، لأنّه لا يشمل موارد العلم الإجمالي و الأخبار تشملها، و في غير تلك الموارد يجري الاستصحاب و لكنه فيها أخص مطلق من الأخبار، فيتقدّم عليها لا محالة.

و يبقى دفع توهّم نجاسة تلك الرّطوبة حينئذ، فإن موثقة سماعة (1) الآمرة بالوضوء و الاستنجاء الشاملة للمقام بإطلاقها تقتضي الحكم بنجاسة الرّطوبة المردّدة أيضاً و لكنه يندفع بعموم قوله «كلّ شي‌ء نظيف حتّى تعلم أنّه قذر» (2)، لعدم العلم بقذارة الرّطوبة فيحكم بطهارتها، لأنّه عام لمكان قوله «كلّ شي‌ء» يتقدّم على المطلقات فالمتحصل إلى هنا عدم وجوب شي‌ء من الغسل و الوضوء في هذه الصّورة أيضاً.

الصورة الثّالثة: الصورة مع دوران أمر الرّطوبة بين البول و المني، أعني موارد العلم الإجمالي بأنّه إمّا مكلّف بالغسل و إمّا مكلّف بالوضوء، و لهذه الصّورة صور:

الاولى: ما إذا كان المكلّف متطهراً قبل خروج الرّطوبة المشتبهة، كما لعله مفروض كلام الماتن (قدس سره)، حيث لم يفرض بين الغسل و خروج الرّطوبة شيئاً ممّا يوجب الوضوء من بول أو نوم و نحوهما، بل فرض أنّه بال و استبرأ و اغتسل ثمّ خرجت منه رطوبة مشتبهة، فهو متطهّر من الحدث الأكبر لغسله، و من الأصغر لعدم بوله أو نومه و نحوهما.

و المتعيّن في هذه الصّورة هو الجمع بين الغسل و الوضوء، للعلم الإجمالي بوجوب أحدهما و معارضة استصحاب عدم خروج البول باستصحاب عدم خروج المني، و مع تساقطهما لا بدّ من الجمع بينهما بقاعدة الاشتغال حتّى يقطع بالفراغ.

____________

(1) الوسائل 2: 251/ أبواب الجنابة ب 36 ح 8.

(2) الوسائل 3: 467/ أبواب النجاسات ب 37 ح 4.

15

..........

____________

الثّانية: ما إذا جهل حاله و لم يدر أنّه كان متطهراً أم محدثاً، و الحال فيها كسابقتها لمعارضة الاستصحابين و قاعدة الاشتغال.

الثّالثة: ما إذا كان عالماً بحدثه قبل خروج الرّطوبة المشتبهة، لأنّه بال أو نام بعد غسله، و اللّازم حينئذ هو الوضوء و لا يجب عليه الغسل حينئذ، و العلم بخروج البول أو المني غير مؤثر في شي‌ء، إذ لا أثر لخروج البول حينئذ، لأنّه كان مكلّفاً بالوضوء قبل خروج الرّطوبة أيضاً، و كان مكلّفاً بغسل الموضع مرّة واحدة فحسب بناءً على ما هو المشهور من كفاية الغسل مرّة واحدة في جميع النجاسات، و عليه فالخارج سواء أ كان بولًا أم كان منيّاً لا يوجب إلّا الغسل مرّة واحدة، فهو عالم بوجوب الغسل مرّة على كلّ تقدير، فلا أثر زائد على خروج البول حينئذ، إلّا أن يقال بلزوم تعدّد الغسل في البول دون المني فمقتضى استصحاب عدم خروج المني عدم كونه مكلّفاً بالغسل، لأنّ مقتضى قوله تعالى: ... إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا ... وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ... (1) أنّ الوضوء وظيفة من لم يكن جنباً، فإذا نفينا جنابته بالأصل فهو مكلّف ليس بجنب فلا محالة يجب عليه الوضوء، و لا يعارضه استصحاب عدم خروج البول، إذ لا أثر لخروجه و عدمه.

و توهّم أنّ استصحاب كلّي الحدث يقضي بوجوب الغسل و الوضوء حينئذ حتّى يقطع بارتفاعه.

مندفع: بأنّه إنّما يجري فيما إذا لم يكن هناك أصل موضوعي حاكم عليه، و في المقام مقتضى استصحاب عدم خروج المني أو استصحاب بقاء حدثه الأصغر بحاله تعيين الرّطوبة المشتبهة في البول، و أنّ حدثه كان هو الأصغر فقط، هذا كلّه فيما إذا كان المكلّف جنباً و اغتسل.

و منه يظهر الحال في غير موارد الجنابة، فإنّ غير الجنب إذا خرجت منه رطوبة مشتبهة أيضاً يأتي فيه ما قدّمناه، لأنّه إذا كان بال و لم يستبرئ بالخرطات يتعيّن عليه‌

____________

(1) المائدة 5: 6.

16

[مسألة 4: إذا خرجت منه رطوبة مشتبهة بعد الغسل و شكّ في أنّه استبرأ بالبول أم لا]

[687] مسألة 4: إذا خرجت منه رطوبة مشتبهة بعد الغسل و شكّ في أنّه استبرأ بالبول أم لا، بنى على عدمه فيجب عليه الغسل (1) و الأحوط ضمّ الوضوء أيضاً (2).

____________

الوضوء، و أمّا إذا كان متطهّراً و دار أمر الرّطوبة بين البول و المني فلا بدّ من الجمع بين الغسل و الوضوء كما قدّمناه (1).

إذا شكّ في الاستبراء بالبول

(1) و ذلك لأنّ الموضوع للحكم بوجوب الغسل حينئذ مركّب من أمرين على ما دلّت عليه رواياته: أحدهما أن يكون جنباً اغتسل و خرجت منه رطوبة مردّدة و ثانيهما عدم البول قبله، حيث قال إذا اغتسل و لم يبل (2)، و كونه جنباً اغتسل و خرجت منه رطوبة مشتبهة محرز بالوجدان، و عدم بوله يثبت بالاستصحاب، فبضمّ الوجدان إلى الأصل نحرز أنّه اغتسل و لم يبل و خرجت منه رطوبة مشتبهة، فيجب عليه الغسل.

(2) هذا يختص ببعض الصور المتقدّمة، و هو ما إذا احتمل أن تكون الرّطوبة بولًا دون ما إذا علم بعدم كونها كذلك، فإنّ احتمال كون الرّطوبة موجبة للوضوء مع العلم بعدم كونها بولًا مندفع بأخبار حصر النواقض كما مرّ (3).

____________

(1) راجع المسألة [458].

(2) هذه العبارة مضمون روايات أوردها في الوسائل 2: 250/ أبواب الجنابة ب 36.

(3) تقدّم في ص 10.

17

[مسألة 5: لا فرق في جريان حكم الرّطوبة المشتبهة بين أن يكون الاشتباه بعد الفحص و الاختبار]

[688] مسألة 5: لا فرق في جريان حكم الرّطوبة المشتبهة بين أن يكون الاشتباه بعد الفحص و الاختبار أو لأجل عدم إمكان الاختبار من جهة العمى أو الظلمة أو نحو ذلك (1).

[مسألة 6: الرّطوبة المشتبهة الخارجة من المرأة لا حكم لها]

[689] مسألة 6: الرّطوبة المشتبهة الخارجة من المرأة لا حكم لها (2) و إن كانت قبل استبرائها، فيحكم عليها بعدم الناقضيّة و عدم النجاسة، إلّا إذا علم أنّها إمّا بول أو مني.

____________

عدم الفرق بين الفحص و عدمه‌

(1) لأنّ الأخبار الآمرة بالغسل فيما إذا خرجت الرّطوبة المشتبهة بعد الاغتسال من غير بول أو بعد البول من غير الاستبراء بالخرطات مطلقة تشمل ما إذا لم يتمكن المكلّف من الفحص و ما إذا كان متمكناً من الفحص إلّا أنّه فحص و لم يتمكن من التمييز.

لا حكم للرطوبة المشتبهة من المرأة

(2) لأنّ مورد الأخبار الواردة في أنّ الرّطوبة مني و موجبة للاغتسال، أو بول و موجبة للوضوء فيما إذا اغتسل من غير بول أو من غير استبراء بالخرطات، هو الرّجل و أنّه يخرج من إحليله كذا، و لا يمكننا الحكم باشتراك المرأة معه، لاحتمال أن يكون للرجل خصوصيّة في ذلك، حيث إن خلقته غير خلقة النِّساء، و لعل مخرج البول فيهن بحيث لا يتخلّف فيه بقايا البول أو المني، و معه استصحاب عدم خروج المني منها هو المحكّم في حقِّها و إن لم تستبرئ بشي‌ء، فلا يجب عليها الغسل عند دوران أمر الرّطوبة بين كونها منيّاً أو غير مني، كما لا يجب عليها الوضوء عند دوران أمرها بين كونها بولًا أو غير بول، لاستصحاب عدم خروج البول منها.

نعم، إذا دار أمرها بين المني و البول وجب عليها الجمع بين الغسل و الوضوء فيما إذا‌

18

[مسألة 7: لا فرق في ناقضيّة الرّطوبة المشتبهة الخارجة قبل البول بين أن يكون مستبرئاً بالخرطات أم لا]

[690] مسألة 7: لا فرق في ناقضيّة الرّطوبة المشتبهة الخارجة قبل البول بين أن يكون مستبرئاً بالخرطات أم لا، و ربما يقال: إذا لم يمكنه البول تقوم الخرطات مقامه، و هو ضعيف (1).

____________

كانت متطهّرة، و يجب عليها الوضوء فقط فيما إذا كانت محدثة بالأصغر قبل خروج الرّطوبة.

و أمّا الاستدلال على عدم وجوب الغسل على المرأة بخروج البلل المشتبه بصحيحة منصور و سليمان بن خالد المرويتين بعدّة طرق عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «عن رجل أجنب فاغتسل قبل أن يبول فخرج منه شي‌ء، قال (عليه السلام): يعيد الغسل، قلت: فالمرأة يخرج منها شي‌ء بعد الغسل؟ قال: لا تعيد، قلت: فما الفرق بينهما؟ قال: لأنّ ما يخرج من المرأة إنما هو من ماء الرّجل» (1) و نحوه الصحيحة الأُخرى.

فيدفعه: أنّهما خارجتان عن محل الكلام، و ذلك لأنّ موردهما بقرينة التعليل ما إذا علمت المرأة أنّ الرّطوبة الخارجة منها مني إلّا أنّها متردّدة في أنّها منها أو من الرّجل، لما بيّنا سابقاً أنّ المرأة تحتلم كالرّجل (2)، و قد حكم فيها الإمام بأنّها من الرّجل و لو لأجل غلبة ذلك، و محل الكلام ما إذا لم تعلم أنّ الرّطوبة مني منها أو غير مني، و لا دلالة للرواية على أنّ المرأة عند احتمالها لكون الرّطوبة منيّاً أو مذياً لا يجب عليها الاغتسال.

لا فرق بين الاستبراء بالخرطات و عدمه

(1) قدّمنا الكلام على ذلك (3) و قلنا إن التفصيل في المقام بين المتمكِّن من البول‌

____________

(1) الوسائل 2: 201/ أبواب الجنابة ب 13 ح 1، 2.

(2) تقدّم في فصل غسل الجنابة قبل المسألة [641].

(3) في ص 8.

19

[مسألة 8: إذا أحدث بالأصغر في أثناء غسل الجنابة]

[691] مسألة 8: إذا أحدث بالأصغر في أثناء غسل الجنابة (1) الأقوى عدم بطلانه (1)، نعم يجب عليه الوضوء بعده، لكن الأحوط إعادة الغسل بعد إتمامه و الوضوء بعده، أو الاستئناف و الوضوء بعده

____________

و غير المتمكِّن منه ممّا لم يقم عليه دليل، و لم يرد في رواية و لو ضعيفة، فالمطلقات الآمرة بالغسل عند ترك البول قبل الاغتسال محكّمة.

و أمّا ما في صحيحة البزنطي «و تبول إن قدرت على البول» (2) فلا دلالة له على التفصيل بين المتمكن من البول و غيره، و ذلك لأنّها إنما تنهض حجّة على القول باشتراط الغسل بالبول قبله، حيث تدل على صحّة الغسل و لو من غير بول، و إلّا لم يكن وجه لصحّته ممّن لا يقدر على البول.

و أمّا إذا قلنا بعدم الاشتراط و أنّ البول قبل الغسل فائدته عدم وجوب الغسل بعد خروج الرّطوبة المشتبهة فمن أين يستفاد منها أنّه إن لم يتمكن من البول لم يجب عليه الغسل، و إن كان متمكناً وجب؟

فالصحيح أن يقال إنّ الصّحيحة إنّما وردت للدلالة على استحباب البول قبل الغسل في نفسه، و أنّه إذا بال لم يجب عليه الغسل على تقدير خروج البلل المشتبه بعده، فالتفصيل بين صورتي التمكّن و عدمه ممّا لا دليل عليه.

الإحداث بالأصغر في أثناء الغسل

(1) كما إذا اغتسل ترتيباً أو قلنا بمشروعيّة الغسل الارتماسي متدرجاً كما بنى عليه الماتن (3) (قدس سره)، و في المسألة أقوال:

____________

(1) بل الظاهر بطلانه و وجوب استئنافه و إن كان الاحتياط لا ينبغي تركه، نعم إذا أعاد الغسل ارتماساً كان الاحتياط ضعيفاً جدّاً.

(2) الوسائل 2: 247/ أبواب الجنابة ب 34 ح 3.

(3) في المسألة [665].

20

..........

____________

الأوّل: عدم بطلان الغسل بذلك، بل يتمّه و يضمّ إليه الوضوء في أثنائه أو بعده ذهب إلى ذلك جماعة منهم المحقّق (1) (قدس سره)، و اختاره في المتن.

الثّاني: عدم بطلانه و إتمام الغسل من غير وجوب الوضوء معه، و هذا القول أيضاً اختاره جماعة منهم المحقّق الثّاني (2) (قدس سره).

الثّالث: بطلان الغسل بالحدث في الأثناء و وجوب استئنافه من غير حاجة إلى ضمّ الوضوء إليه، ذهب إليه الشيخ (3) و الصّدوق (4) و العلّامة (5) و الشّهيد (6) (قدس سرهم)، و نسبه بعضهم إلى المشهور (7).

أمّا القول الأوّل فالوجه فيه أنّ الحدث في أثناء الغسل لم يدل دليل على كونه ناقضاً للغسل في الأجزاء السابقة منه، فإنّ الأخبار الواردة في كيفيّة الغسل (8) مع ورودها في مقام البيان ساكتة من بيان اعتبار عدم حدوث الحدث في أثنائه.

و دعوى أنّ الحدث كالبول بعد الغسل يبطل الغسل السابق، فكيف لا يبطله فيما إذا وقع في أثنائه، غير مسموعة لأنّ البول بعد الغسل لا يبطل الغسل، و إنّما يمنع عن الدّخول في الصّلاة معه، إلّا أنّه وقع صحيحاً و الجنابة قد ارتفعت به، فلا يبطل به الغسل في الأجزاء السابقة منه، و مع صحّتها يضمّ إليه غسل الأعضاء الباقية، فهو غسل صحيح إلّا أنّه يجب عليه الوضوء حينئذ للمطلقات الدالّة على أنّ الحدث سبب للوضوء و ناقض للطّهارة، و ذلك في مثل قوله إن بلت فتوضّأ، و إن نمت‌

____________

(1) الشرائع 1: 32/ الفصل الأوّل في الجنابة، المعتبر 1: 196/ أحكام الجنب.

(2) رسائل المحقّق الكركي 1: 90/ الفصل الرّابع: الغسل.

(3) النّهاية: 22، المبسوط 1: 30.

(4) الفقيه 1: 49/ آخر باب صفة غسل الجنابة، الهداية: 21.

(5) منتهى المطلب 2: 254، نهاية الإحكام 1: 114/ في لواحق الغسل، تذكرة الفقهاء 1: 246.

(6) غاية المراد 1: 43/ المقصد الأوّل في الجنابة.

(7) نسبه إلى المشهور، الوحيد في حاشية المدارك على ما نقله في المستمسك 3: 127.

(8) الوسائل 2: 229/ أبواب الجنابة ب 26.

21

..........

____________

فتوضأ (1)، و إنّما خرجنا عنها في مورد واحد و هو الحدث قبل غسل الجنابة، لأنّه ممّا علمنا بعدم كونه سبباً للوضوء، فإنّ غسل الجنابة ليس معه وضوء، بمعنى أنّ ما ورد من أنّ غسل الجنابة ليس قبله و لا بعده وضوء (2) مختص بما إذا وقع الحدث قبل تمام الغسل لا قبل إتمامه أي في الأثناء، و قد قدّمنا أنّ الأوامر الواردة في الوضوء ليست أوامر مولويّة، و إنّما هي أوامر إرشاديّة إلى شرطيّة الوضوء للصلاة، فمقتضى المطلقات أنّ الحدث مطلقاً يجب معه الوضوء، أي أنّ الوضوء شرط للصلاة سواء تحقّق الحدث قبل الغسل أم في أثنائه أم بعده. نعم خرجنا عن ذلك في الحدث قبل الغسل إذ لا يشترط معه الوضوء في الصّلاة، للأدلّة الدالّة على أنّ غسل الجنابة ليس قبله و لا بعده وضوء، و مع كون الأوامر إرشاديّة لا يأتي فيها بحث التداخل بوجه.

و أمّا القول الثّاني فهو مشترك الوجه مع القول السّابق في الحكم بصحّة الغسل، إذ لم يقم دليل على بطلان الغسل في الأعضاء السابقة بالحدث، و إنّما يمتاز عنه في عدم إيجابه الوضوء معه، و وجهه أنّ المطلقات الدالّة على أنّ البول أو غيره سبب للوضوء غير تامّة عند هذا القائل، لتقييدها بما ورد من أن غسل الجنابة ليس قبله و لا بعده وضوء، فإذا حكمنا بصحّة الغسل فهو غسل جنابة ليس معه وضوء صدر الحدث قبله أم في أثنائه.

و أمّا القول الثّالث فمدركه أنّ حدوث الحدث في أثناء الغسل يبطله و يجعله كالعدم و معه لا مناص من استئنافه من غير حاجة إلى ضمّ الوضوء إليه، و هذا القول الأخير هو الأقوى.

و الوجه فيه قوله سبحانه ... إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ ... وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ... (3) حيث دلّ على أنّ المكلّف الّذي قام إلى الصّلاة من النّوم أو من مطلق الحدث على قسمين جنب و غير جنب، و وظيفة الجنب‌

____________

(1) الوسائل 1: 245 256/ أبواب نواقض الوضوء ب 1، 2، 3.

(2) الوسائل 2: 246/ أبواب الجنابة ب 34.

(3) المائدة 5: 6.

22

..........

____________

الاغتسال و وظيفة غير الجنب الوضوء، و حيث إنّ المكلّف في مفروض المسألة جنب لعدم تمام غسله و من هنا لا يسوغ له المحرمات في حقّ الجنب و قد قام من الحدث فوظيفته الغسل، و لا مناص له من أن يشرع فيه من الابتداء، لأنّ ظاهر الأمر بالغسل إيجاده بتمامه لا إتمامه، و هذا معنى كون الحدث ناقضاً للغسل في الأعضاء السابقة، و معه لا يجب عليه الوضوء أيضاً، لأنّه وظيفة غير الجنب و وظيفة الجنب الاغتسال.

نعم، الأحوط أن يأتي بالغسل في الأعضاء السابقة رجاءً لا بقصد الإتمام أو التمام لاحتمال عدم كون الحدث في أثناء الغسل مبطلًا له في الأعضاء المتقدّمة، و يضمّ إليه الوضوء أيضاً بداعي احتمال اختصاص كفاية الغسل عن الوضوء بما إذا وقع الحدث قبل تمامه لا قبل إتمامه، و بهذا يجمع بين جميع المحتملات، إلّا أنّه يختص بما إذا استأنف غسله الترتيبي بالغسل الترتيبي.

و أمّا إذا استأنف الترتيبي بالارتماسي فاحتمال صحّة الغسل في الأعضاء السابقة كاحتمال الحاجة إلى الوضوء يضعف غايته، و ذلك لأنّ احتمال صحّة الغسل في الأعضاء السابقة إنما هو فيما إذا أتى بالأجزاء الباقية و ضمّها إليها، و أمّا إذا رفع يده عن تلك الأجزاء المتقدّمة و الشارع أيضاً رخص له في ترك إتمامه غسله الترتيبي فلا يحتمل صحّته، لأنّه مركب ارتباطي، و مع عدم ضمّ الأجزاء الباقية إلى سابقتها يبطل لا محالة، و المفروض أنّ الشّارع رخّص له في رفع اليد عمّا أتى به ترتيباً حتّى مع القطع بصحّته فضلًا عما إذا شكّ فيها، لجواز العدول من الترتيبي إلى الارتماسي، بمعنى أنّ التخيير بينهما ليس تخييراً بدوياً بل استمراري، و له أن يرفع يده عن غسله الترتيبي و يرتمس في الماء، و به نقطع بفساد الغسل في الأجزاء المتقدّمة، و يكون ما عدل به من الغسل الارتماسي مأموراً به قطعاً، و يأتي به بنيّة التمام، و لا حاجة معه إلى نيّة الرّجاء في الأعضاء السابقة، كما لا يحتاج إلى ضمّ الوضوء إليه، لصحّة غسله الارتماسي و معه لا يحتاج إلى الوضوء، إذ لم يقع الحدث في أثنائه، و الأجزاء المأتي بها سابقاً بطل فيها الغسل على الفرض.

23

و كذا إذا أحدث في سائر الأغسال (1) (1).

____________

الإحداث بالأصغر بين بقيّة الأغسال‌

(1) كغسل الحيض و مسّ الميت و غيرهما، و توضيح الكلام في هذه المسألة أنّ فيها بحثين تختلف النتيجة باختلافهما.

أحدهما: أنّ المكلّف إذا كان متطهراً فمس الميت مثلًا أو حدث عليه غيره من أسباب الأحداث الكبيرة، فهل يكون مس الميت أو غيره من الأحداث الكبيرة ناقضاً لطهارته كما في البول و الرّيح و المني، أو لا تكون ناقضة لطهارته؟

ثانيهما: أنّ المكلّف إذا كان محدثاً فأحدث بغير الجنابة من الأحداث الكبيرة، فهل يكون الاغتسال منها مغنياً عن الوضوء أو لا يكون، بل لا بدّ معها من أن يتوضأ بعد الغسل أو قبله؟

أمّا البحث الأوّل فقد تقدّم الكلام فيه في بحث الوضوء (2) و قلنا إنّ مقتضى حصر النواقض بما تخرج من الطرفين و النوم أعني الرّيح و الغائط و البول و المني عدم انتقاض الطّهارة بالأحداث الكبيرة في غير الاستحاضة المتوسطة لما يأتي من أنّها ناقضة للطهارة كالجنابة (3).

و أمّا البحث الثّاني فالصحيح فيه أنّ كلّ غسل وجوبي أو استحبابي يغني عن الوضوء إذ أيّ وضوء أنقى من الغسل غير غسل الاستحاضة المتوسطة، و تفصيل الكلام في ذلك يأتي بعد التكلّم في الأغسال إن شاء اللّٰه تعالى (4).

____________

(1) لا يبعد جواز رفع اليد عمّا بيده و الإتيان بغسل ارتماسي، و سيأتي أنّه يكفي عن الوضوء في غير غسل الاستحاضة المتوسطة.

(2) تقدّم قبل المسألة [462].

(3) يأتي في المسألة [787].

(4) يأتي التفصيل في ص 402، و تأتي الإشارة في المسألة [820]، [1055].

24

..........

____________

و عليه لو قلنا إنّ الأحداث الكبيرة ناقضة للوضوء و كان المكلّف قد أحدث بالأصغر في أثناء غسل مس الميت أو الحيض أو غيرهما فلا يترتّب على حدثه ذلك أثر و لا يجب عليه بذلك الحدث الوضوء بعد الغسل، لأنّه سواء أحدث في الأثناء أم لم يحدث يجب عليه الوضوء بحدثه الأكبر، لأنّ المفروض أنّه ناقض للطهارة كالبول.

و دعوى: أنّ أثر الحدث الأصغر في أثناء الغسل بطلان الغسل في الأعضاء السابقة و عدم كفاية ضمّ الغسل في الأعضاء الباقية إليه فلا مناص من استئنافه.

مندفعة بأنا إنّما التزمنا بذلك في غسل الجنابة لأجل الآية المباركة كما مرّ (1)، و أمّا في غيره من الأغسال فلم يدل دليل على أنّ الحدث الأصغر في الأثناء موجب لبطلان الغسل في الأعضاء السابقة، بل حاله في الأثناء حال الحدث بعد الغسل، فكما أنّه لا يوجب بطلان الغسل السابق كذلك الحدث الواقع في أثنائه، و عليه فلا بدّ من إتمام غسله و الوضوء بعده أو قبله.

فإن قلت: إنّ الغسل و إن لم يبطل بالحدث في أثنائه إلّا أنّه لا إشكال في أنّ الحدث الأصغر في نفسه سبب مستقل للوضوء، و بما أنّ الحدث الأكبر أيضاً سبب له على الفرض، لأنّه يوجب انتقاض الطّهارة كالبول و إن كان سبباً للغسل أيضاً، فهناك سببان مستقلان للوضوء، و الأصل عدم التداخل، و معه لا بدّ من إتمام غسله و ضمّ وضوءين إليه.

قلت: لو تمّ هذا المدعى وجب الغسل مع الوضوءين مطلقاً، بلا فرق في ذلك بين الحدث الأصغر في أثناء الغسل و الحدث الأصغر قبله أم بعده، لأنّه سبب مستقل على كلّ حال، كما أنّ الحدث الأكبر سبب، و الأصل عدم التّداخل، و لا يمكن الالتزام بوجوب الغسل مع الوضوءين بوجه.

و حلّ ذلك أنّ أصالة عدم التّداخل إنّما هي فيما إذا كان الأمران تكليفيين مولويين كما إذا ورد إن ظاهرت فكفّر، و إن أفطرت فكفّر، فيقال في مثله إنّ المكلّف إذا ظاهر‌

____________

(1) مرّ في الصفحة 21.

25

..........

____________

و أفطر وجبت عليه كفّارتان، لأنّ الأصل عدم التّداخل، و أمّا في الأوامر الإرشاديّة إلى الشرطيّة فحسب كما هو الحال في المقام لأنّ معنى الأمر بالوضوء على تقدير البول أو مسّ الميت و نحوهما عدم جواز الدّخول في الصّلاة حينئذ من غير وضوء، فلا مجال فيه لأصالة عدم التّداخل كما مرّ تحقيقه غير مرّة (1)، بل مقتضى إطلاق الدّليل في مثله التداخل، لعدم تقييد الوضوء بفرد دون فرد، و من هنا لا يجب عليه غير وضوء واحد فيما إذا بال مرّتين أو نام و بال، هذا إذا كان المكلّف متطهّراً.

و أمّا إذا كان محدثاً فاغتسل و أحدث في أثنائه و بنينا على أنّ غير غسل الجنابة لا يغني عن الوضوء فأيضاً الأمر كما قدّمناه، فإنّ الوضوء واجب في حقّه سواء أحدث في أثناء غسله أم لم يحدث، و قد مرّ أنّه لا دليل على بطلان غسله بالحدث الأصغر في أثنائه، و عليه فيجب عليه إتمام الغسل مع الوضوء.

و أمّا إذا قلنا إنّ كلّ غسل يغني عن الوضوء كما هو الصّحيح غير غسل الاستحاضة المتوسطة فأيضاً لا كلام في صحّة غسله، لما مرّ من أنّ الحدث الأصغر لا دليل على كونه موجباً لبطلان الغسل في الأجزاء السابقة، إلّا أنّ الصّحيح حينئذ وجوب الوضوء بعده أو في أثنائه، لأنّ بقيّة الغسل ليست بغسل حتّى يكون أنقى من الوضوء، و إنّما الدّليل دلّ على أنّ الغسل يغني عن الوضوء، و ليس غير الغسل التامّ بغسل، فإطلاقات أدلّة وجوب الوضوء بعد البول محكّمة، فلا مناص من أن يتمّ غسله و يضمّ إليه الوضوء أيضاً.

اللّٰهمّ إلّا أن يعدل عن التّرتيبي إلى الارتماسي، بأن يرفع يده عن غسله في الأجزاء السابقة، لأنّه أمر سائغ له على الفرض، و هو مخيّر بينهما في أثناء الغسل كما كان مخيراً بينهما قبله، فلا يجب الوضوء حينئذ، لأنّ ارتماسه غسل صحيح، لقوله (عليه السلام) «إذا ارتمس ارتماسة واحدة أجزأه ذلك» (2)، و مع الغسل الصّحيح التام لا يجب الوضوء، لأنّ الغسل أنقى من الوضوء، هذا.

____________

(1) مرّ في المسألة [237]، و سيأتي في الصفحة 43.

(2) الوسائل 2: 230/ أبواب الجنابة ب 26 ح 5، 12، 13، 15 كلّها بمضمونه.

26

و لا فرق بين أن يكون الغسل ترتيبيّاً أو ارتماسيّاً (1) إذا كان على وجه التّدريج (1)

____________

و ربما يستدلّ على بطلان الغسل في الأعضاء السابقة بالحدث الأصغر الواقع في أثنائه بمرسلة الصدوق عن الصّادق (عليه السلام) حيث قال فيها «إذا أردت ذلك فإن أحدثت حدثاً من بول أو غائط أو ريح أو منيّ بعد ما غسلت رأسك من قبل أن تغسل جسدك فأعد الغسل من أوّله» (2)، و برواية الفقه الرضوي (3) الّتي هي أيضاً بمضمون المرسلة.

إلّا أنّ المرسلة ضعيفة بإرسالها، و الفقه الرضوي لم يثبت كونه رواية فضلًا عن اعتبارها، نعم على تقدير كونهما معتبرتين لدلّتا بإطلاقهما على بطلان غير غسل الجنابة أيضاً بالحدث الأصغر في أثنائه.

عدم الفرق بين التّرتيبي و الارتماسي في المسألة

(1) يأتي فيه ما قدّمناه في التّرتيبي بعينه، ففي غسل الجنابة لا بدّ و أن يستأنف غسله، بخلاف غسل غير الجنابة، إذ لا دليل على بطلان غيره من الأغسال بالحدث الأصغر في أثنائه، إلّا أنّه يضم إليه الوضوء من جهة الحدث الأصغر. اللّٰهمّ إلّا أن يعدل عما بيده إلى الارتماسي [الدفعي] فإنّه يصح و يغني عن الوضوء في غسل الجنابة و غيره، بناءً على أنّ كلّ غسل يغني عن الوضوء في غير غسل الاستحاضة المتوسطة.

____________

(1) تقدّم أنّه يعتبر في صحّة الارتماسي التدريجي الدفعة العرفيّة، و عليه يجوز للمغتسل رفع اليد عن المقدار المتحقّق و لو بخروجه من الماء ثمّ الاغتسال ارتماساً أو ترتيباً، و معه لا حاجة إلى الوضوء في غسل الجنابة قطعاً.

(2) الوسائل 2: 238/ أبواب الجنابة ب 29 ح 4.

(3) المستدرك 1: 474/ أبواب الجنابة ب 21.

27

و أمّا إذا كان على وجه الآنيّة (1) فلا يتصور فيه حدوث الحدث في أثنائه.

____________

تقارن الحدث الأصغر مع الارتماسي‌

(1) كما هو الصّحيح، حيث قدّمنا أنّه أمر آنيّ عقلي غير قابل للتجزية (1)، و عليه فلا معنى لوقوع الحدث الأصغر في أثنائه، إذ لا أثناء له حتّى يقع الحدث في أثنائه. نعم يمكن أن يقارنه الحدث الأصغر، بأن يتحقّق الحادثان مقترنين، و هذا لا ينافي عدم إمكان وقوع أحدهما في أثناء الآخر لبساطته، إذ لا مانع من أن يكون البسيط مقارناً لأمر آخر بحسب الزّمان، و هل يكون هذا موجباً لبطلان غسل الجنابة كما كان هو الحال في الغسل التّرتيبي أو الارتماسي التّدريجي أو لا يكون؟

التحقيق صحّة الغسل حينئذ و عدم بطلانه بمقارنة الحدث الأصغر معه، و ذلك لأنّ نسبة الغسل إلى ارتفاع الجنابة كنسبة العلّة إلى معلولها و نسبة الحكم إلى موضوعه و من البديهي أنّ التقدّم في العلّة و معلولها و كذا في الحكم و موضوعه طبعي رتبي، و أمّا بحسب الزّمان فهما متقارنان، لاستحالة تخلّف المعلول عن علّته و الحكم عن موضوعه، و عليه فالمكلّف حينما يغتسل محكوم بارتفاع جنابته، و بما أنّ الحدث الأصغر مقترن مع الغسل فهو مقترن مع ارتفاع الحدث و الجنابة لا محالة، فالحكم بكونه محدثاً بالحدث الأصغر إنما هو في زمان الحكم بعدم جنابته، و من الواضح أنّ وظيفة المحدث بالحدث الأصغر غير الجنب هو التوضؤ دون الاغتسال، كما قدّمنا تقريبه عند الاستدلال بالآية المباركة (2).

نعم، لو قلنا باعتبار المرسلة و رواية الفقه الرّضوي و تعدّينا عن موردهما الّذي هو الغسل التّرتيبي إلى المقام لأمكن الحكم ببطلان غسل الجنابة حينئذ، إلّا أنّك عرفت عدم تماميّة شي‌ء منهما.

____________

(1) تقدّم في المسألة [665].

(2) تقدّم في الصفحة 21.

28

[مسألة 9: إذا أحدث بالأكبر في أثناء الغسل]

[692] مسألة 9: إذا أحدث بالأكبر في أثناء الغسل فإن كان مماثلًا للحدث السّابق كالجنابة في أثناء غسلها أو المس في أثناء غسله فلا إشكال في وجوب الاستئناف، و إن كان مخالفاً له فالأقوى عدم بطلانه، فيتمّه و يأتي بالآخر، و يجوز الاستئناف بغسل (1) واحد لهما و يجب الوضوء بعده (2) إن كانا غير الجنابة أو كان السابق هو الجنابة (3) حتّى لو استأنف و جمعهما بنيّة واحدة على الأحوط، و إن كان اللّاحق جنابة فلا حاجة إلى الوضوء، سواء أتمّه و أتى للجنابة بعده أم استأنف و جمعهما بنيّة واحدة (1).

____________

وقوع الحدث الأكبر في أثناء الغسل و صوره‌

(1) للمسألة صور: فإنّ الحدث الأكبر الواقع في أثناء الغسل إمّا أن يكون متماثلًا مع الحدث السابق، كما إذا خرج منه المني في أثناء غسله من الجنابة، أو مسّ الميت في أثناء غسله من المس و هكذا، و إمّا أن يكون مخالفاً له، و عليه فقد يكون المتقدّم هو الجنابة و ما وقع في الأثناء غير الجنابة، و قد يكون المتقدّم غير الجنابة و المتأخر هو الجنابة، و ثالثة يكون المتقدِّم و المتأخِّر كلاهما غير الجنابة.

أمّا إذا كان المتأخر و المتقدّم متماثلين فلا ينبغي الإشكال في أنّ المتأخر موضوع مستقل للحكم بوجوب الاغتسال، و ظاهر الأمر بالغسل حينئذ إيجاده من الابتداء فلا يكفي تتميم الغسل السابق في ارتفاع حدثه، فيجب عليه حينئذ أن يستأنف غسله، ففي غسل الجنابة لا يجب عليه الوضوء حينئذ، لأنّه مغن عنه، و أمّا في غيره فيبتني على القول بأنّه يغني عن الوضوء أو لا يغني، و حال المكلّف حينئذ من هذه الجهة حال ما إذا لم يكن له إلّا حدث واحد و لم يطرأ عليه الحدث الثّاني في أثناء غسله.

____________

(1) ارتماساً، و أمّا التّرتيبي فيقصد به رفع الحدث الموجود على النحو المأمور به في الواقع.

(2) على الأحوط، و لا يبعد عدم وجوبه في غير غسل الاستحاضة المتوسطة كما سيأتي.

(3) إذا كان الاستئناف بغسل ارتماسي كان الاحتياط في هذا الفرض ضعيفاً.

29

..........

____________

و أمّا إذا كان المتقدّم و المتأخر متخالفين فقد تقدّم أنّ له صوراً ثلاثاً، و لا إشكال في جميع تلك الصور في عدم بطلان الغسل في الأعضاء السابقة بالحدث الأكبر الواقع في أثنائه، لأنّه لا دليل عليه، و إنّما الكلام في أنّه هل يوجب الوضوء أو لا يوجبه؟

أمّا الصورة الأُولى و وقوع الحدث غير الجنابة في أثناء غسل الجنابة، كما إذا مسّ الميت في أثناء غسل الجنابة، فإن قلنا إنّ الأحداث الكبيرة غير الجنابة أيضاً من نواقض الوضوء فهي في أنفسها توجب الوضوء و لا رافع له، لأنّ غسل الجنابة إنّما يغني عن الوضوء فيما إذا وقع بتمامه بعد الحدث، و أمّا إذا وقع بعضه بعد الحدث فلا يوجب رفعه، و معه لا بدّ من أن يتمّ غسله ثمّ يغتسل لمسّ الميت و يضمّ إليه الوضوء أيضاً، نعم له أن يرفع يده عن غسله و يعدل إلى الارتماس فإنّه حينئذ يكفي عن كلا الحدثين كما يغني عن الوضوء أيضاً.

و أمّا إذا لم نقل بكونها من النواقض، فسواء قلنا بكونها مغنية أم لم نقل لا يجب عليه الوضوء في مفروض المسألة، لأنّ غسل الجنابة ليس قبله و لا بعده وضوء، و لم يحدث سبب يقتضي الوضوء، بلا فرق في ذلك بين أن يكون المكلّف محدثاً بالأصغر قبل حدثه الأوّل أم كان متطهراً منه.

و أمّا الصّورة الثّانية أعني ما إذا كان الحدث الواقع في الأثناء هو الجنابة و الحدث الأوّل غير الجنابة، كما إذا أجنب في أثناء غسل مسّ الميت، فلا إشكال في عدم وجوب الوضوء عليه، لأنّه لا بدّ من أن يغتسل للجنابة في أثناء غسله أم بعده و غسل الجنابة يغني عن الوضوء.

و له في هذه الصّورة أيضاً أن يرفع يده عن غسله و يأتي بغسل الجنابة بعد ذلك لأنّه يرفع جميع الأحداث الطارية عليه سواء قصدها أم لم ينوها، لما يأتي من أنّ غسل الجنابة يرفع ما تقدّم عليه من الأحداث، و هذه الصّورة أيضاً لا يفرق فيها بين ما إذا كان المكلّف متطهراً قبل حدثه الأوّل أم كان محدثاً.

و أمّا الصّورة الثّالثة بأن يكون الحدثان كلاهما غير الجنابة، كما إذا مسّت المرأة ميتاً في أثناء اغتسالها من النّفاس، فإن كان المكلّف متطهراً قبل حدثه السابق و قلنا‌

30

..........

____________

إنّ الحدث الأكبر غير الجنابة ليس من نواقض الوضوء و لا يوجبه كما هو الصّحيح فلا موجب لتوهم وجوب الوضوء عليه، لأنّه كان متطهراً على الفرض، و ما وقع من الحدثين غير ناقض و لا موجب للوضوء، فطهارته باقية بحالها.

و أمّا إذا كان محدثاً قبل حدثه السّابق و قلنا أنّ الحدثين غير ناقضين و لا موجبين للطهارة فلا مناص من أن يتوضأ، لأنّه محدث بالأصغر و لم يطرأ ما يرفعه.

و أمّا إذا قلنا إنّ الأحداث الكبيرة غير الجنابة موجبة للطهارة و مغنية عن الوضوء فأيضاً لا يجب عليه الوضوء، لاغتساله من الحدثين، و هما يغنيان عن الوضوء، و إن قلنا بالتفصيل في ذلك بين الأحداث و لم نقل بإغناء بعضها عن الوضوء، كغسل الاستحاضة المتوسطة مثلًا، فلا بدّ من التفكيك في المقام و الحكم بعدم وجوب الوضوء في غسل الاستحاضة المذكورة و الحكم بوجوبه فيه.

بقي الكلام في شي‌ء و إن ظهر حكمه ممّا تقدّم، و هو ما إذا أحدث بالحدث الأكبر في أثناء الوضوء، فهل يجب عليه إتمامه أو لا بدّ من استئنافه الوضوء؟

إذا كان الحدث الطارئ هو الجنابة فلا إشكال في بطلان وضوئه، لأنّ المني من جملة النواقض، و ليس له إتمامه لأنّه محدث و هو جنب، و المحدث الجنب يجب عليه الغسل بمقتضى الآية المباركة (1) دون الوضوء.

و أمّا إذا كان غير الجنابة فإن قلنا إنّها من النواقض كالبول و الغائط فأيضاً لا كلام في بطلان الوضوء بها، و يجب عليه استئنافه كما يجب عليه أن يغتسل من الحدث الطارئ في الأثناء، و أمّا إذا لم نقل بكونها من النواقض كما لا نقول به لأدلّة حصر النواقض فلا وجه لبطلان وضوئه، بل له أن يتمّه و يغتسل من حدثه، نعم إذا قلنا بإغناء كلّ غسل عن الوضوء لا يجب عليه التوضؤ فيما إذا اغتسل من حدثه الطارئ في أثناء وضوئه، لأنّه يغني عن الوضوء.

____________

(1) المائدة 5: 6.

31

[مسألة 10: الحدث الأصغر في أثناء الأغسال المستحبّة أيضاً لا يكون مبطلًا لها]

[693] مسألة 10: الحدث الأصغر في أثناء الأغسال المستحبّة أيضاً لا يكون مبطلًا لها (1)، نعم في الأغسال المستحبّة لإتيان فعل (2) كغسل الزّيارة و الإحرام لا يبعد البطلان، كما أنّ حدوثه بعده و قبل الإتيان بذلك الفعل كذلك كما سيأتي.

____________

وقوع الحدث الأصغر في أثناء الغسل المستحب‌

(1) لأنّ الحال فيها هو الحال في الأغسال الواجبة من تلك الجهة، نعم يجب عليه التوضؤ بعد إتمام غسله أو في أثنائه، لفرض أنّه قد أحدث بالبول و نحوه، و لا يرفعه إتمام غسله الاستحبابي، لأنّا لو قلنا بإغناء كلّ غسل عن الوضوء فإنّما هو فيما إذا وقع الغسل بعد الحدث و لو كان غسلًا ندبيّاً، دون ما إذا وقع الحدث في أثنائه، اللّٰهمّ إلّا أن يعدل عن التّرتيبي إلى الارتماسي، فإنّه يغني عن الوضوء حينئذ بناءً على ما هو الحق من إغناء كلّ غسل عن الوضوء.

(2) بأن اعتبر فيه طهارة خاصّة و هو الطّهارة الحاصلة من الغسل، أو اعتبر فيه بقاء غسله بأن يكون على غسل، فلا يكفي فيه الطّهارة الحاصلة بالوضوء، و من هنا لو اغتسل له ثمّ بعد ذلك بال أو نام لم يحصل به شرط ذلك العمل و إن توضأ بعد ذلك لأنّ شرطه الطّهارة الحاصلة بالغسل لا مطلق الطّهارة، و حينئذ إذا وقع الحدث الأصغر في أثناء غسله للإحرام أو للزيارة أو غيرهما من الأفعال و الجامع هو الأغسال الفعليّة فهل يبطل بذلك غسله فليس له أن يدخل في ذلك العمل بإتمامه أو له ذلك إذا أتمّه؟

لم يستبعد البطلان في المتن، و هو الصّحيح بل هو الأظهر، و ذلك لأنّا و إن التزمنا بأنّ الغسل يغني عن الوضوء إلّا أنّه فيما إذا وقع الغسل بعد الحدث، و أمّا ما وقع منه في أثنائه فإتمام الغسل فيه لا يوجب ارتفاعه، و حيث إنّه بال في أثناء غسله و الغسل لم يرفع حدثه، و من هنا لم يجز له الدّخول في الصّلاة بعد غسله هذا، فهو حينئذ أي إذا أتمّ غسله فلا محالة يقع صحيحاً، لأنّ الحدث الأصغر الواقع في أثنائه لا يبطله‌

32

[مسألة 11: إذا شكّ في غسل عضو من الأعضاء الثّلاثة أو في شرطه قبل الدّخول في العضو الآخرة]

[694] مسألة 11: إذا شكّ في غسل عضو من الأعضاء الثّلاثة أو في شرطه قبل الدّخول في العضو الآخرة رجع (1) و أتى به (1)

____________

و من هنا له أن يكتفي به في الأغسال الزمانيّة كغسل يوم الجمعة أو ليلة كذا، إلّا أنّه محدث لا محالة، فلو دخل في الإحرام أو غيره من الأعمال المشترطة بالطّهارة الحاصلة من الغسل فقد دخل فيه محدثاً و غير واجد لشرطه، و إن توضأ ارتفع حدثه بذلك، إلّا أنّه طهارة وضوئيّة و شرط العمل هو الطّهارة الحاصلة من الغسل دون الوضوء، فلا مناص له إلّا أن يستأنف غسله حتّى يحصل له الطّهارة الغسليّة، فلو استأنفه بنحو العدول من التّرتيب إلى الارتماس كان أحوط.

الشكّ في غسل عضو من أعضاء الغسل

(1) لا إشكال و لا خلاف في أنّ الشكّ في صحّة العمل و فساده بعد الفراغ عنه مورد لقاعدة الفراغ، كما أنّ الشكّ في وجود شي‌ء بعد الدّخول في الغير المرتّب عليه مورد لقاعدة التّجاوز، فيعتبر في قاعدة الفراغ أن يكون الشكّ في فساد العمل و صحّته، إذ يعتبر فيها إحراز المضي، و هو لا يتحقق مع الشكّ في أصل الوجود، كما يعتبر في قاعدة التّجاوز الشكّ في وجود الشي‌ء و عدمه بعد الدّخول في الغير المرتب عليه، أي بعد التّجاوز عن محل المشكوك فيه.

فعلى هذا إذا فرغ عن غسله و شكّ في صحّة ما أتى به أو فساده لاحتماله الإخلال بجزء أو بشرط لا يعتني بشكّه ذلك، بل يبني على صحّته لقاعدة الفراغ، و أمّا إذا شكّ في أصل وجوده و أنّه أتى به أم لم يأت به فلا بدّ من أن يعتني بشكّه ذلك، لاستصحاب عدم إتيانه بالغسل، و ليس المورد من موارد قاعدة التّجاوز، لعدم التّجاوز عن محل المشكوك فيه، إذ لا محل شرعي للغسل المأمور به حتّى إذا اعتاد‌

____________

(1) لا يبعد عدم وجوب الرّجوع إذا كان المشكوك فيه هو الشّرط.

33

و إن كان بعد الدّخول فيه لم يعتن به و يبني على الإتيان على الأقوى، و إن كان الأحوط الاعتناء ما دام في الأثناء و لم يفرغ من الغسل، كما في الوضوء. نعم، لو شكّ في غسل الأيسر (1) أتى به و إن طال الزّمان، لعدم تحقّق الفراغ حينئذ، لعدم اعتبار الموالاة فيه، و إن كان يحتمل عدم الاعتناء إذا كان معتاد الموالاة.

____________

الغسل في محل، كما إذا كان من عادته الاغتسال بعد الجنابة بلا فصل لكراهة البقاء على الجنابة في النّوم مثلًا و قد شكّ في الإتيان به بعد قيامه من النّوم، و ذلك لأنّه حينئذ و إن كان قد تجاوز عن المحل الاعتيادي للاغتسال، إلّا أنّا ذكرنا في الأُصول أنّ التّجاوز عن المحل الاعتيادي ممّا لا أثر له، و المعتبر هو التّجاوز عن المحل المقرّر الشرعي (2)، و بما أنّ الغسل لا محل له فلو شكّ في وجوده لا بدّ من أن يعتني بشكّه هذا كلّه إذا شكّ بعد الفراغ عن العمل.

و أمّا إذا شكّ و هو في أثنائه في أنّه أتى بجزء من أجزائه أم تركه، فإن كان دخل في الجزء المترتب عليه لم يعتن بشكّه لقاعدة التّجاوز، و أمّا إذا كان في المحل و لم يدخل في جزء مترتب عليه فلا مناص من أن يعتني بشكّه و يأتي بالمشكوك فيه، للاستصحاب أو قاعدة الاشتغال بل لنفس أدلّة قاعدة التّجاوز، حيث دلّت على أنّ الشكّ إنّما هو في شي‌ء لم تجزه (3)، هذا إذا كان شكّه في الجزء.

و أمّا إذا شكّ في شرط من شروط الجزء أو العمل فعلى ما قدّمناه في محله من عدم اختصاص قاعدة الفراغ بالمركبات و إتيانها في الأجزاء (4) أيضاً لا يعتني بشكّه ذلك بل يبني على صحّة ما أتى به لقاعدة الفراغ، و ذلك لعموم أدلّتها و أنّ «كلّ ما شككت‌

____________

(1) بناءً على عدم اعتبار التّرتيب بين الجانبين يكون حكم الشكّ في غسل الأيمن حكم الشكّ في غسل الأيسر بعينه، و احتمال عدم الاعتناء بالشكّ لمعتاد المبالاة ضعيف جدّاً.

(2) مصباح الأُصول 3: 315.

(3) الوسائل 1: 469/ أبواب الوضوء ب 42 ح 2.

(4) مصباح الأُصول 3: 273، 277.

34

..........

____________

فيه ممّا قد مضى فامضه كما هو» (1) نعم بناءً على اختصاصها بالمركب كما بنى عليه شيخنا الأُستاد (قدس سره) (2) لا تجري القاعدة في المقام، و لا بدّ من الاعتناء بشكّه.

و من لم يقل بجريان قاعدة التّجاوز عند تجاوز المحل و الدّخول في الجزء الآخر المترتب عليه إنّما استند إلى أنّ المأمور به في الوضوء إنّما هو الطّهارة، و هي أمر بسيط لا معنى للشك فيه في أثنائه، إذ ليس له أجزاء ليعقل الشكّ في جزء منه بعد الدّخول في جزئه الآخر، و إنّما هي أمر واحد بسيط إمّا أن يوجد و إمّا أن ينعدم، فما دلّ (3) على عدم جريان القاعدة في الوضوء على طبق القاعدة، و كذلك الحال في الغسل و التّيمم، لوحدة المناط في الجميع. و هذا هو الّذي ذهب إليه شيخنا الأنصاري (قدس سره) (4).

و قد أجبنا عنه في محله بأن الوضوء و الغسل و التيمم هي الطّهارة بعينها، لأنّها اسم لتلك الأفعال الصّادرة في الخارج من المسحات و الغسلات، و هي أُمور مركّبة لا مانع من الشكّ في جزء منها بعد الدّخول في جزء آخر، بل الأمر كذلك حتّى إذا قلنا أنّ الطّهارة أمر بسيط و تلك الأفعال أسباب لها، و ذلك لأنّها أسباب شرعيّة تعبديّة لا مانع من إجراء قاعدة التّجاوز فيها عند الشكّ في أجزائها، فما دلّ على عدم جريان القاعدة في الوضوء على خلاف القاعدة، فلا بدّ من الاقتصار فيه على مورده و هو الوضوء دون الغسل و التّيمم (5).

و قد ذكر شيخنا الأُستاذ (قدس سره) وجهاً آخر، و هو أنّ أدلّة اعتبار قاعدة التّجاوز مختصّة بالصّلاة، فعدم جريانها في الوضوء و الغسل و التّيمم على القاعدة لقصور الدّليل (6).

____________

(1) الوسائل 8: 237/ أبواب الخلل الواقع في الصّلاة ب 23 ح 3.

(2) أجود التقريرات 2: 467/ الرّابع من وجوه تغاير قاعدة الفراغ و التّجاوز.

(3) الوسائل 1: 470/ أبواب الوضوء ب 42 ح 3.

(4) كتاب الطّهارة: 161 السطر 25، فرائد الأُصول 2: 713.

(5) مصباح الأُصول 3: 288.

(6) أجود التقريرات 2: 468.

35

..........

____________

و قد دفعنا هذا أيضاً (1) بأنّ أدلّة القاعدة عامّة للصلاة و غيرها، لقوله (عليه السلام) «كلّ شي‌ء شكّ فيه ممّا قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه» (2)، و إنّما طبّقه الإمام (عليه السلام) على الشكّ في السّجود بعد ما قام أو على الشك في الأذان و قد دخل في الإقامة، كما في رواية أُخرى (3). و عليه فلا قصور في أدلّة اعتبارها، و إنّما لا نلتزم بجريانها في الوضوء للنص (4)، و أمّا الغسل و التّيمم فلا محذور في جريانها فيهما.

بقي هناك بحث صغروي: و هو أنّه إذا شكّ في غسل الأيمن و قد دخل في غسل الجانب الأيسر هل تجري فيه قاعدة التّجاوز و لا يعتني بشكّه، أو لا بدّ من الاعتناء به؟

يبتني هذا على أنّ التّرتيب معتبر في غسل الجانبين أو غير معتبر، فعلى الأوّل تجري القاعدة، للتجاوز عن محل المشكوك فيه بالدخول في الجزء المترتب عليه، و أمّا بناءً على عدم اعتبار التّرتيب بينهما كما هو الصّحيح فلا، لعدم التّجاوز عن المحل. هذا كلّه إذا شكّ في غير الجزء الأخير و هو في أثناء العمل.

و أمّا إذا شكّ في غير الجزء الأخير بعد الفراغ عن العمل فهو أيضاً مورد لقاعدة التّجاوز، لأنّها كانت تقتضي الحكم بإتيانه و صحّته عند الشكّ في الأثناء، فما ظنّك بما إذا شكّ فيه بعد الفراغ.

و أمّا إذا شكّ في الإتيان بالجزء الأخير من الغسل كالإتيان بغسل الجانب الأيسر بناءً على اعتبار التّرتيب بينه و بين غسل الجانب الأيمن، أو الإتيان بغسل الجسد بناءً على عدم اعتبار التّرتيب بين الجانبين، و هو مشتغل بالكتابة أو بأمر آخر مثلًا فهل تجري قاعدة الفراغ و يحكم بصحّة العمل، أو قاعدة التّجاوز و يحكم بإتيان‌

____________

(1) في مصباح الأُصول 3: 280. و راجع المسألة [586].

(2) الوسائل 6: 317/ أبواب الرّكوع ب 13 ح 4 صحيحة إسماعيل بن جابر.

(3) الوسائل 8: 237/ أبواب الخلل الواقع في الصّلاة ب 23 ح 1 صحيحة زرارة.

(4) الوسائل 1: 470/ أبواب الوضوء ب 42 ح 3.

36

..........

____________

الجزء الأخير أو لا تجري القاعدة؟

قد يقال بجريان قاعدة الفراغ نظراً إلى أنّ المضي المعتبر في جريان القاعدة ليس هو المضي الحقيقي، و إلّا لم يعقل الشكّ في صحّة العمل و فساده، للعلم بمضيّه و تحقّقه فالمراد بالمضي هو المضي البنائي و الاعتقادي، و هو متحقّق في المقام، لأنّه اعتقد و بنى على إتمام العمل، و من هنا اشتغل بشي‌ء من الأفعال الأُخر و إن شكّ بعد ذلك في صحّة اعتقاده و عدمه، فلا مانع من إجراء قاعدة الفراغ في المقام.

و يدفعه: أنّ المعتبر في جريان القاعدة هو المضي الحقيقي على ما اشتملت عليه أخبارها، و حمله على المضي بحسب البناء و الخيال يحتاج إلى مئونة زائدة و لا دليل عليه، و دعوى أنّه مع اعتبار المضي الحقيقي لا مجال للشكّ في صحّة العمل و فساده إنّما يتمّ إذا اعتبر في جريان القاعدة مضي العمل الصّحيح، و أمّا إذا اعتبر مضي الجامع بين الصّحيح و الفاسد لا تتوجّه عليه هذه المناقشة، لأنّه ممّا يمكن إحرازه مع الشكّ في صحّة العمل، فكلّ ما أحرزنا مضي الجامع بين صحيح العمل و فاسده يحكم بصحّته، و هذا كما إذا شككنا بعد الإتيان بالجزء الأخير في صحّة العمل و فساده من جهة الشك في أنّه أتى بأحد أجزائه أو شرائطه غير الجزء الأخير، أو من جهة الشكّ في الجزء الأخير أيضاً فيما إذا أخل بالموالاة، لعلمه حينئذ بمضي العمل المحتمل صحّته و فساده فيحكم بصحّته، و أمّا في المقام الّذي يشكّ فيه في الجزء الأخير من دون أن يعتبر فيه الموالاة، لعدم اعتبارها في الغسل فلا يحرز مضي الجامع بين الصّحيح و الفاسد، إذ يحتمل أن يكون بعد في أثناء العمل، لاحتمال أنّه لم يأت بعد بالجزء الأخير، و لم تعتبر فيه الموالاة حتّى يقطع بمضيه عند فوات الموالاة.

فتحصل أنّ المورد ليس من موارد قاعدة الفراغ، كما أنّه ليس من موارد قاعدة التّجاوز، كما إذا كانت عادته جارية على عدم الاشتغال بشي‌ء من الأفعال الأُخر قبل إتمام غسله، بأن اعتاد الموالاة في غسله، فإنه إذا رأى نفسه مشتغلًا بشي‌ء من الكتابة و المطالعة فلا محالة يعلم بتجاوز المحل العادي للجزء الأخير، لأنّ محله إنّما هو قبل الشّروع في بقيّة الأفعال و قبل فوات الموالاة.

37

..........

____________

و الوجه في عدم جريانها ما تقدّم من أنّ التّجاوز عن المحل الاعتيادي لا اعتبار به (1) فإنّ المعتبر هو التّجاوز عن المحل المقرّر الشرعي، و هو غير متحقّق في المقام فالمتحصل إلى هنا أنّ الشكّ في الجزء الأخير ليس بمورد لشي‌ء من القاعدتين.

نعم، نلتزم بعدم الاعتبار بالشكّ في الجزء الأخير من غسله فيما إذا دخل في الصّلاة، و هذا لا لعموم أدلّة قاعدة التّجاوز أو إطلاقاتها، و ذلك لما مرّ من عدم جريان القاعدة حينئذ، و من هنا لو شكّ في أصل طهارته و هو في أثناء الصّلاة قلنا بعدم جريان قاعدة التّجاوز في وضوئه و غسله، لأنّ الطّهارة من الشّرائط المقارنة للصلاة و ليس محلّها قبل الصّلاة، بل الوجه فيما ذكرنا هو الصّحيحة الواردة في «رجل ترك بعض ذراعه أو بعض جسده من غسل الجنابة، فقال: إذا شكّ و كانت به بلة و هو في صلاته مسح بها عليه إلى أن قال فإن دخله الشكّ و قد دخل في صلاته فليمض في صلاته و لا شي‌ء عليه» (2).

و عليه فلو شكّ في أنّه غسل جانبه الأيسر أم لم يغسله و هو في الصّلاة لم يعتن بشكّه، لهذه الصّحيحة، إلّا أنّها لمّا كانت على خلاف القاعدة لم يكن مناص من الالتزام بأمرين:

أحدهما: تخصيص الحكم بموردها، و هو ما إذا كان داخلًا في صلاته، فلو دخل في غيرها من الأفعال لم يحكم بصحّة غسله، نعم ورد في رواية الكافي «و قد دخل في حال أُخرى» (3)، بدلًا عن قوله «و قد دخل في صلاته» إلّا أنّ الترجيح مع رواية الشيخ المشتملة على قوله «و قد دخل في صلاته» و إن كان الكليني أضبط، و ذلك لأنّ ذيلها قرينة على أنّ المذكور هو الدّخول في صلاته، حيث قال «فليمض في صلاته» إذ لو كان الوارد هو قوله «و قد دخل في حال اخرى» لم يكن معنى لقوله «فليمض في صلاته»، بل كان الصّحيح أن يقول فليدخل في صلاة أو غيرها ممّا يشترط فيه الطّهارة.

____________

(1) تقدّم في ص 33.

(2) الوسائل 2: 260/ أبواب الجنابة ب 41 ح 2.

(3) الكافي 3: 33/ 2 باب الشكّ في الوضوء.

38

[مسألة 12: إذا ارتمس في الماء بعنوان الغسل ثمّ شكّ]

[695] مسألة 12: إذا ارتمس في الماء بعنوان الغسل ثمّ شكّ في أنّه كان ناوياً للغسل الارتماسي حتّى يكون فارغاً، أو لغسل الرأس و الرقبة في التّرتيبي حتّى يكون في الأثناء و يجب عليه الإتيان بالطرفين، يجب عليه الاستئناف. نعم يكفيه غسل الطرفين بقصد التّرتيبي، لأنّه إن كان بارتماسه قاصداً للغسل الارتماسي فقد فرغ، و إن كان قاصداً للرأس و الرّقبة فبإتيان غسل الطرفين يتمّ الغسل التّرتيبي (1).

____________

و ثانيهما: تخصيصه بما إذا كان الشكّ في غسل بعض جسده، و أمّا إذا شكّ في غسل تمام جسده كما إذا علم بأنّه غسل رأسه و شكّ في أنّه هل شرع في غسل جسده أم لم يغسله أصلًا فلا يجري فيه ما تقدّم، لاختصاص الصّحيحة بما إذا كان الشكّ في غسل بعض الجسد، و أمّا في غيره فمقتضى القاعدة هو الاعتناء بالشكّ، هذا في الغسل.

و أمّا في الوضوء فنحكم بصحّته حتّى فيما إذا دخل في غير الصّلاة، لاشتمال الصّحيحة الواردة في الوضوء الّتي هي كهذه الصّحيحة من حيث الرواة، و كذا غيرها من الرّوايات على قوله «و دخلت في حالة اخرى من صلاة أو غيرها» (1) و أمّا في التّيمم فلا نلتزم بصحّته عند الشكّ في جزئه الأخير مطلقاً دخل في الصّلاة أو في غيرها، لاختصاص الصحيحتين بالغسل و الوضوء، و مقتضى القاعدة في التّيمم هو الاعتناء، كما أنّ ما التزمنا به في الوضوء و الغسل إنّما كان بمقتضى الوقوف مع النص و إلّا فمقتضى القاعدة الاعتناء بالشكّ كما مرّ.

إذا شكّ في نيّة الارتماسي بعد الارتماس

(1) مقتضى استصحاب عدم الإتيان بغسل البدن بعنوان غسل الجنابة كفاية غسل طرفي بدنه قاصداً به الغسل، إلّا أنّه مخيّر بينه و بين العدول عمّا بيده إلى الغسل‌

____________

(1) الوسائل 1: 469/ أبواب الوضوء ب 42 ح 1.

39

[مسألة 13: إذا انغمس في الماء بقصد الغسل الارتماسي ثمّ تبيّن له بقاء جزء من بدنه غير منغسل]

[696] مسألة 13: إذا انغمس في الماء بقصد الغسل الارتماسي ثمّ تبيّن له بقاء جزء من بدنه غير منغسل يجب عليه الإعادة ترتيباً أو ارتماساً، (1) و لا يكفيه جعل ذلك الارتماس للرّأس و الرّقبة (1) إن كان الجزء غير المنغسل في الطّرفين فيأتي بالطّرفين الآخرين، لأنّه قصد به تمام الغسل ارتماساً لا خصوص الرّأس و الرقبة، و لا تكفي نيّتهما في ضمن المجموع.

____________

الارتماسي، فلو أراد (قدس سره) من الاستئناف ذلك، أي العدول إلى الارتماسي فهو و إلّا فلو أراد به ما هو ظاهره من إعادة غسله من الابتداء فيدفعه أنّه لا أمر له بالغسل في رأسه و رقبته للقطع بغسلهما من باب الاغتسال، لأنّه إمّا ارتمس فلا أمر له بغسل الجنابة أصلًا و إمّا إنّه اغتسل ترتيباً فقد غسل رأسه و رقبته، فلا أمر له بغسلهما، و مع سقوط الأمر كيف يمكنه الإتيان بالغسل فيهما.

إذا تبيّن بقاء جزء غير منغسل بعد الانغماس

(1) هذا مبني على أنّ الغسل التّرتيبي و الارتماسي طبيعتان متغايرتان و أنّ إحداهما غير الأُخرى، فحينئذ يتمّ ما أفاده (قدس سره) و لا يكفي حينئذ جعل ما أتى به من الغسل غسلًا لرأسه و رقبته و يأتي بغسل بدنه بعد ذلك فيما إذا كان موضع غير منغسل في بدنه، و ذلك لأنّ ما وقع من الغسل التّرتيبي لم يقصد، و ما قصده من الغسل الارتماسي لم يقع لعدم وصول الماء إلى تمام بدنه.

و أمّا إذا بنينا على أنّهما طبيعة واحدة، لأنّ الغسل عبارة عن وصول الماء بصبه أو بالدخول في الماء من القرن إلى القدم، و هذا قد يتحقّق بالتّرتيب و قد يتحقّق بالارتماس.

نعم، إذا حصل ذلك على نحو التّدريج يشترط فيه التّرتيب بين الرّأس و البدن و لا يشترط فيه ذلك إذا وقع على نحو الدفعة كما في الارتماس، لأنّه أمر آني كما مرّ‌

____________

(1) لا تبعد كفايته.

40

[مسألة 14: إذا صلّى ثمّ شكّ في أنّه اغتسل للجنابة أم لا، يبني على صحّة صلاته]

[697] مسألة 14: إذا صلّى ثمّ شكّ في أنّه اغتسل للجنابة أم لا، يبني على صحّة صلاته، و لكن يجب عليه الغسل (1) للأعمال الآتية (1)

____________

و هذا نظير صلاة الفرادى و الجماعة حيث إنّهما طبيعة واحدة و لكن يشترط فيها القراءة و عدم زيادة الأركان إذا أوجدها فرادى، و لا يشترط فيها ذلك إذا صلّى جماعة، فلا تجب القراءة حينئذ و إذا زاد ركناً كالرّكوع أو غيره للمتابعة مع الإمام لم تبطل صلاته، فلا مانع من أن يجعل ذلك الارتماس غسلًا لرأسه و رقبته، لأنّه قد قصد تلك الطّبيعة الواحدة على الفرض و تحقّق الغسل بالإضافة إلى رأسه و رقبته و لم يتحقق بالإضافة إلى جسده بتمامه، فله أن يتمّ غسله بغسل بدنه، كما أنّ له أن يرفع يده عن غسله بالعدول إلى الارتماس.

إذا شكّ في الاغتسال بعد الصّلاة

(1) هذا إنّما يتمّ فيما إذا شكّ بعد الصّلاة في أنّه اغتسل عن الجنابة قبلها أم لم يغتسل من دون أن يحدث بعد صلاته بالحدث الأصغر، لأنّ مقتضى استصحاب بقاء الجنابة وجوب الاغتسال عليه بالإضافة إلى صلواته الآتية، و أمّا صلاته السابقة فهي محكومة بالصحّة بقاعدة الفراغ، و هي مخصّصة أو كالمخصّص للاستصحاب.

إلّا أنّ قاعدة الفراغ إنّما تقتضي صحّة العمل المشكوك فيه فقط و لا تثبت لوازم صحّته، فإذا شكّ في صحّة وضوئه بعد الفراغ عنه يبني على صحّته و يرتب عليه جميع آثار صحّة الوضوء، فله أن يدخل به في كلّ عمل مشروط بالوضوء، و كذا إذا شكّ في صحّة صلاته يبني على صحّتها فحسب، و أمّا أنّه قد اغتسل من الجنابة و هو ليس بمحدث حتّى لا يجب عليه الغسل بالإضافة إلى الصلوات الآتية فلا، بلا فرق في ذلك بين القول بأنّ القاعدة من الأمارات و القول بأنّها من الأُصول.

____________

(1) هذا إذا لم يصدر منه الحدث الأصغر بعد الصّلاة و إلّا وجب عليه الجمع بين الوضوء و الغسل بل وجبت عليه إعادة الصّلاة أيضاً إذا كان الشكّ في الوقت.

41

..........

____________

و أمّا إذا أحدث بعد صلاته بالحدث الأصغر فله صور.

صور ما إذا شكّ في الاغتسال و قد أحدث بالأصغر الصّورة الاولى: أن تكون الصّلاتان مترتّبتين، كما في صلاتي الظّهر و العصر و المغرب و العشاء، فلا يجوز في مثلهما الدّخول في الثّانية بالغسل بعد أُولاهما، و ذلك للعلم الإجمالي بأنّه إمّا مكلّف بالغسل لو كان لم يغتسل قبل صلاة الظّهر و وقعت هي مع الجنابة، و إمّا إنّه مكلّف بالوضوء كما إذا كان اغتسل من الجنابة قبل صلاة الظّهر.

كما أنّ له علماً إجمالياً ثانياً و هو أنّه إمّا أن تجب عليه إعادة ما أتى به من الصّلاة كما لو كان لم يغتسل من الجنابة قبل الظّهر، و إمّا أن يجب عليه الوضوء لصلاته الآتية كما إذا كان قد اغتسل منها قبله إلّا أنّه لمّا أحدث بالأصغر فقد وجب عليه الوضوء لصلاة العصر مثلًا، فالوضوء طرف لعلمين إجماليين، فإذا صلّى العصر بالاغتسال من دون الوضوء فيحصل العلم التفصيلي ببطلانها، و ذلك للقطع بفقدان شرطها، لأنّه إمّا أن كان اغتسل من الجنابة قبل الظّهر فهو محدث بالأصغر و قد صلّى العصر من غير وضوء، و إمّا أنّه لم يغتسل منها قبل الظّهر فهو و إن كان مكلّفاً بالغسل حينئذ و غسله صحيح، إلّا أنّ صلاته عصراً باطلة، لبطلان الظّهر و ترتبها عليها لوقوعها مع الجنابة على الفرض.

فالجمع بين قاعدة الفراغ في الظّهر و استصحاب بقاء الجنابة إلى صلاة العصر أعني الحكم بصحّة الظّهر بقاعدة الفراغ و صحّة العصر بغسل الجنابة غير ممكن، لأنّه على خلاف القطع الوجداني، و معه يجب الجمع بين الغسل و الوضوء بالإضافة إلى صلاة العصر، عملًا بالعلم الإجمالي بوجوب أحدهما. و أمّا العلم الإجمالي الثّاني أعني وجوب إعادة الظّهر أو الوضوء لصلاة العصر فهو ليس علماً إجمالياً على حدته، و إنّما هو لازم للعلم الإجمالي بوجوب الغسل أو الوضوء، لأنّه لو كان مكلّفاً بالغسل لا محالة تجب عليه إعادة الظّهر. نعم، لا مناص من إعادة صلاة الظّهر أيضاً لا لذلك العلم الإجمالي، بل لأنّ الموجب للحكم بصحّتها إنّما هو قاعدة الفراغ، فإذا لم تجر‌

42

..........

____________

القاعدة لمعارضتها باستصحاب بقاء الجنابة من جهة أنّهما على خلاف القطع الوجداني لم يبق هناك ما يوجب صحّتها، فلا بدّ حينئذ من إعادة الظّهر و الجمع بين الغسل و الوضوء.

الصّورة الثّانية: أن تكون الصّلاتان غير مترتّبتين، كما إذا أتى بصلاة قضاء ثمّ شكّ في أنّه اغتسل عن الجنابة قبلها أم لم يغتسل و أراد بعدها أن يدخل في صلاة الظّهر مثلًا، و الكلام فيها هو الكلام في سابقتها، و لا فرق بينهما إلّا في أنّ هذه الصّورة لا يحصل فيها العلم التفصيلي ببطلان الصّلاة الثّانية، بل يعلم إجمالًا بأنّه بعد صلاة القضاء إمّا مكلّف بالغسل و إمّا مكلّف بالوضوء، و يلزمه العلم إجمالًا ببطلان ما أتى به و وجوب إعادته أو بوجوب الوضوء، فلا بدّ من الجمع بينهما كما لا بدّ من إعادة ما أتى به، لعدم جريان قاعدة الفراغ فيها للعلم الإجمالي.

الصّورة الثّالثة: أن يكون شكّه هذا بعد انقضاء وقت الصّلاة الّتي أتى بها، كما إذا أتى بصلاة العصر و لما خرج وقتها و أراد الدّخول في صلاة المغرب شكّ في أنّه هل اغتسل من الجنابة قبل العصر أم لم يغتسل، و في هذه الصّورة أيضاً يجب عليه الجمع بين الغسل و الوضوء، و ذلك للعلم الإجمالي بوجوب أحدهما في حقّه، و أيضاً تتعارض فيها قاعدة الفراغ في الصّلاة السابقة مع استصحاب بقاء الجنابة إلى الصّلاة الثّانية، للعلم بأنّه إمّا كان في حال الصّلاة الأُولى جنباً فالاستصحاب مطابق للواقع و قاعدة الفراغ على خلاف الواقع، و إمّا إنّه قد اغتسل عنها قبل تلك الصّلاة فالقاعدة مطابقة للواقع و الاستصحاب على خلاف الواقع، إلّا أنّه لا يجب عليه قضاء تلك الصّلاة، و ذلك للقطع بسقوط أمرها إمّا لامتثاله كما إذا كان اغتسل عن الجنابة قبلها و إمّا لتعذر امتثاله لخروج وقتها. و القضاء لو ثبت فإنّما هو بأمر جديد، و موضوعه فوت الواجب في وقته، و هو غير محرز في المقام لاحتمال أنّه قد اغتسل من الجنابة قبل تلك الصّلاة، و مع عدم إحراز موضوع الأمر بالقضاء أصالة البراءة العقليّة محكّمة، لقبح العقاب من دون بيان، و هو قاعدة عقليّة غير قابلة للتخصيص، فالقضاء غير واجب حينئذ، نعم لا بدّ من أن يجمع بين الغسل و الوضوء بمقتضى العلم الإجمالي كما مرّ.

43

و لو كان الشكّ في أثناء الصّلاة بطلت (1) لكن الأحوط إتمامها ثمّ الإعادة.

[مسألة 15: إذا اجتمع عليه أغسال متعدِّدة]

[698] مسألة 15: إذا اجتمع عليه أغسال متعدِّدة فإمّا أن يكون جميعها واجباً أو يكون جميعها مستحبّاً أو يكون بعضها واجباً و بعضها مستحبّاً، ثمّ إمّا أن ينوي الجميع أو البعض، فإن نوى الجميع بغسل واحد صحّ في الجميع (2)

____________

(1) لأنّ الطّهارة من الشّروط المقارنة لأجزاء الصّلاة و أكوانها المتخللة بين أجزائها، و معه لا يمكن إحراز شرط الآن أو الجزء الّذي يشكّ فيه في الطّهارة بقاعدة التّجاوز أو الفراغ، فلا محالة يحكم ببطلان الصّلاة.

حكم اجتماع الأغسال المتعدِّدة على المكلّف

(2) الكلام في ذلك من جهتين:

الاولى: من جهة القاعدة و أنها تقتضي التّداخل أو تقتضي عدمه.

الثّانية: من جهة النص الوارد في المقام.

أمّا الجهة الأُولى فقد قرّرنا في مبحث مفهوم الشرط أنّ الطّبيعة الواحدة إذا كانت متعلّقة للأمر بها مرّتين أو أكثر، كما إذا ورد إن ظاهرت فكفّر و إن أفطرت فكفّر فمقتضى القاعدة عدم التداخل، لأنّ الطبيعة الواحدة يستحيل أن يبعث نحوها ببعثين و يؤمر بها مرّتين، و إن كان مقتضى إطلاق الأمر في كلّ واحد من الشّرطين ذلك، إلّا أنّه لمكان استحالته لا بدّ من تقييد متعلّق كلّ منهما بوجود مغاير للوجود الآخر الّذي تعلّق به الآخر، فيقال إن ظاهرت فأوجد وجوداً من طبيعة التكفير، و إن أفطرت أوجد وجوداً منها، و هو معنى عدم التداخل كما عرفت.

و قد استثنينا من ذلك مورداً واحداً و هو ما إذا كانت النسبة بين المتعلّقين عموماً من وجه، كما إذا ورد أكرم العالم و ورد أيضاً أكرم الهاشمي، فإن إكرام مورد التصادق حينئذ و هو العالم الهاشمي يجزئ عن كلا الأمرين، لأنّه مقتضى إطلاقهما، و القاعدة في‌

44

..........

____________

مثله التداخل، حيث إنّ كلّ واحد من المأمور بهما أمر مغاير للآخر في نفسه، و ليس أمراً واحداً ليستحيل البعث نحوه ببعثين، و معه لا مانع من التداخل في مورد التصادق حسب إطلاقهما. هذا ما قدّمناه في بحث المفاهيم (1).

إلّا أنّه فيما إذا كان الأمران نفسيين مولويين، و أمّا في الأوامر الإرشاديّة كما في الوضوء و الغسل حيث إنهما غير واجبين في نفسهما و إنما أُمر بهما مقدّمة للصلاة، كما في قوله تعالى: ... إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إلى قوله وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ... (2)، و هكذا الحال في بقيّة الأغسال الواجبة حيث أُمر بها في السنّة مقدّمة و شرطاً للصلاة، فالأمر بها أمر إرشادي لا محالة فالأمر بالعكس و القاعدة تقتضي فيها التداخل لإطلاقهما، و لا مانع من أن يكون للشرط الواحد أسباب متعدّدة، بأن يكون لاشتراط الصّلاة بالغسل و الطّهارة أسباب من الجنابة و الحيض و نحوهما، كما هو الحال في الوضوء لتعدّد أسبابه من البول و الغائط.

و حيث إنّ المأمور به في الجميع أمر واحد، و هو طبيعة الغسل لا الغسل المقيّد بالجنابة أو بالحيض أو بغيرهما، لأنّهما أسباب الأمر بالطبيعة، فالمأمور به شي‌ء واحد في الجميع، فلو أتى به للجنابة مثلًا غافلًا عن بقيّة الأسباب أيضاً حصل به الامتثال و سقط عنه الجميع، نعم علمنا خارجاً أنّ الغسل عبادي و يشترط في صحّته قصد التقرّب، إلّا أنّه يكفي في التّقرب به أن يؤتى به لأجل أنّه مقدّمة للصلاة أو للصوم أو لغيرهما من الواجبات، فإنّ الإتيان بهذا الدّاعي من أحد طرق التقرّب على ما حرّرناه في محله. و معه إذا أتى بالغسل لأجل كونه مقدّمة للصلاة كفى هذا عن الجميع، و لو مع كونه غافلًا عن غير الجنابة أو مسّ الميت أو نحوهما، لأنّ الطبيعة قد تحقّقت في الخارج و أتى بها بقصد القربة و حصل به الامتثال، فحال الغسل حينئذ حال الوضوء، فكما أنّه إذا نام و بال ثمّ توضأ مقدّمة للصلاة مع الغفلة عن نومه كفى‌

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 5: 109.

(2) المائدة 5: 6.

45

..........

____________

هذا عن الجميع، و لا يتوهّم وجوب الوضوء حينئذ ثانياً من جهة النوم، كذلك الحال في المقام، هذا كلّه في الأغسال الواجبة.

اجتماع الأغسال المتعدّدة المستحبّة و أمّا الأغسال المستحبّة الّتي منها غسل الجنابة، حيث قدّمنا أنّه مستحب نفسي و إن كان مقدّمة للصلاة أيضاً و واجباً بالوجوب العقلي فقد تكون النسبة بين الغسلين المستحبين عموماً من وجه، و هذا كما في غسل الجمعة و غسل الإحرام، فإنّه يمكن الاغتسال للجمعة دون الإحرام، كما إذا كان اليوم جمعة و لم يكن المكلّف قاصداً للإحرام أو لم يكن هناك موقع للإحرام، و قد يمكن الاغتسال للإحرام دون الجمعة، كما إذا أحرم و لم يكن اليوم جمعة، و ثالثة يتمكن من كليهما كما إذا أحرم يوم الجمعة، و حيث إنّ المتعلقين متغايران في أنفسهما فلا مانع من تعدّد الأمر و الطلب، و القاعدة حينئذ تقتضي التداخل في مورد اجتماعهما، لإطلاق كلّ من الأمرين، فلو اغتسل للجمعة أو للإحرام كفى عن كليهما حتّى مع الغفلة عن الآخر.

و قد تكون النسبة عموماً مطلقاً، كغسل الجمعة و غسل الجنابة أو مسّ الميت أو غيرهما، لأنّ المأمور به في غسل الجنابة مثلًا طبيعي الغسل كما عرفت، و في غسل الجمعة هو الغسل المقيّد بكونه في يوم الجمعة، فالنسبة عموم مطلقاً، و القاعدة تقتضي عدم التداخل حينئذ، لاستحالة البعث نحو الشي‌ء الواحد ببعثين و لو استحبابيّين، فلا مناص حينئذ من تقيّد متعلّق كلّ منهما بفرد دون الفرد المقيّد به متعلّق الأمر الآخر.

و كذلك الحال فيما إذا كان أحد الغسلين مقيّداً بقيد دون الآخر، كما ورد في أنّ من شرب الخمر و نام يستحب أن يغتسل من الجنابة، لأنّه يمسي عروساً للشيطان (1) و كان الغسل الآخر مطلقاً أو كانت النسبة بين الغسلين هو التّساوي كما في الغسل‌

____________

(1) المستدرك 1: 488/ أبواب الجنابة ب 37 ح 11. و إليك نصّه: جامع الأخبار: قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم): ما من أحد يبيت سكراناً إلّا كان للشّيطان عروساً إلى الصّباح، فإذا أصبح وجب عليه أن يغتسل كما يغتسل من الجنابة، فإن لم يغتسل لم يقبل منه صرف و لا عدل.

46

..........

____________

للزيارة أو الغسل لرؤية المصلوب أو الغسل لمسّ الميت بعد تغسيله أو غسل الجنابة فإنّ الطبيعة فيها واحدة، و القاعدة في هذه الموارد هي عدم التداخل، لعدم إمكان البعث نحو الشي‌ء الواحد ببعثين إلّا أن يقيّد متعلّق كلّ منهما بفرد غير الفرد المقيّد به متعلّق الآخر، هذا كلّه فيما تقتضيه القاعدة في نفسها.

و ممّا ذكرنا في المقام ظهر الحال في الغسل الواجب و المستحب، كما في غسل الجنابة أو مسّ الميت مع غسل الزّيارة أو غيره من المستحبات، فإنّ القاعدة تقتضي فيه التداخل، لأنّ الأمر في الغسل الواجب إرشاد إلى شرطيّته للصلاة، و لا مانع من اجتماع مثله مع الطلب الاستحبابي المولوي، فلو أتى بغسل واحد كفى عنهما.

و أمّا الجهة الثّانية فالروايات الواردة في المقام إنّما وردت في موارد خاصّة (1)، و لا يمكننا التعدِّي عنها إلى غيرها، و الرّواية الدالّة على كفاية الاغتسال مرّة واحدة لعدّة أغسال رواية واحدة، و هي رواية زرارة و قد نقلت بعدّة طرق:

منها: ما رواه الكليني بسند صحيح عن حريز عن زرارة، قال «إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر أجزأك غسلك ذلك للجنابة و الحجامة و عرفة و النحر و الحلق و الذبح و الزّيارة، فإذا اجتمعت عليك حقوق أجزأها عنك غسل واحد» الحديث (2)، و هي أجمع رواية في المقام، و هذه الرّواية لو كنّا نحن و صدرها لم يكن لها أيّ ظهور في الإضمار، لاحتمال أن تكون كلّها قول زرارة نفسه، لكن جملة «قال ثمّ قال» الواقعة في ذيلها ظاهرة في أنّ زرارة يرويها عن شخص آخر، و بما أنّ المضمر هو زرارة فلا بدّ و أن يكون ذلك الشخص هو الإمام (عليه السلام)، كما صرّح به في سائر الرّوايات.

و منها: ما رواه الشيخ عن محمّد بن علي بن محبوب عن علي بن السندي عن حماد عن حريز عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) (3)، و هي مشتملة على عين الرّواية المتقدِّمة بتبديل الحجامة بالجمعة، و لعله الصّحيح إذ لم يعهد غسل للحجامة و إن‌

____________

(1) الوسائل 2: 261/ أبواب الجنابة ب 43.

(2) الوسائل 2: 261/ أبواب الجنابة ب 43 ح 1.

(3) التهذيب 1: 107/ 279.

47

..........

____________

أمكن استحبابه لها في الواقع، إلّا أنّ هذا الطّريق ضعيف بعلي بن السندي و غير قابل للاعتماد عليه.

و منها: ما رواه الشيخ بإسناده عن محمّد بن علي بن محبوب عن حريز عن زرارة، هكذا نقلها صاحب الوسائل (1)، و هذا الطريق مضافاً إلى إرساله فإنّ محمّد بن علي ابن محبوب لا يمكن أن يروي عن حريز بلا واسطة لم نجده في كتابي الشيخ.

و منها: ما رواه ابن إدريس عن كتاب محمّد بن علي بن محبوب عن علي بن السندي عن حماد عن حريز عن زرارة عن أحدهما (عليه السلام) (2)، و هذا الطّريق أيضاً ضعيف بعلي بن السندي.

و منها: ما رواه ابن إدريس أيضاً عن كتاب حريز بن عبد اللّٰه عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (3)، و هذا الطريق أيضاً ضعيف لجهالة طريق ابن إدريس إلى كتاب حريز، فإنّه و إن ذكر ابن إدريس في آخر الرّوايات الّتي رواها عن كتاب حريز: أنّ كتابه أصل معتمد و معوّل عليه (4)، و كذلك جعل الصدوق (قدس سره) في ديباجة الفقيه كتاب حريز من الكتب المشهورة الّتي عليها المعوّل و إليها المرجع (5) إلّا أنّ القدر المتيقن من هذه العبارات أنّ أصل كتاب حريز إجمالًا كان مشهوراً و معمولًا به، و أمّا اعتبار كلّ نسخة نسخة منه فلا.

و الحاصل أنّ الطّريق الأوّل صحيح، و هو الّذي نعتمد عليه في المقام، فالرواية من حيث السند ممّا لا إشكال فيه.

و إنّما الكلام في دلالتها، فهل تقتضي التداخل في خصوص ما إذا كانت الأغسال المجتمعة واجبة، أو تقتضي التداخل مطلقاً و لو إذا كانت مستحبّة أو كان بعضها مستحبّاً و بعضها واجباً؟

____________

(1) الوسائل 2: 261/ أبواب الجنابة ب 43 ح 1.

(2) نفس المصدر.

(3) نفس المصدر.

(4) السّرائر 3: 589.

(5) الفقيه 1: 3.

48

..........

____________

المورد المتيقّن من الصّحيحة هو ما إذا كانت الأغسال بأجمعها واجبة، حيث إنّه مورد التسالم بين الأصحاب، و لم يستشكلوا في أنّ الغسل الواحد يجزئ عن الجميع حينئذ.

و أمّا إذا كان بعضها واجباً و بعضها مستحبّاً فقد يناقش في التداخل حينئذ باستحالة أن يكون شي‌ء واحد مصداقاً للواجب و المستحب بناءً على استحالة اجتماع الأمر و النّهي، حيث إنّه من باب المثال، إذ الأحكام الخمسة بأسرها متضادّة، فكما أنّ الواجب يضاده الحرام كذلك يضاده الاستحباب و الإباحة، و يضادهما الكراهة و الحرمة، فكيف يعقل مع ذلك أن يكون المستحب واجباً و بالعكس، فيكون شي‌ء واحد مصداقاً لهما معاً. و أمّا كونه مصداقاً لأحدهما و مسقطاً عن الآخر فهو أمر آخر يأتي فيه الكلام. و بما أنّ البرهان العقلي قام على استحالة كون الغسل الواحد مصداقاً للواجب و المستحب فلا مناص من رفع اليد عن ظهور الصحيحة في جوازه، لأنّ الظّهور لا يصادم البرهان.

و تندفع هذه المناقشة بأنّه لا مانع من أن يكون شي‌ء واحد مصداقاً للطبيعة الواجبة و المستحبّة و إن قلنا باستحالة اجتماع الأمر و النهي، بل قد يكون ذلك على طبق القاعدة، كما إذا كانت النسبة بين المتعلقين عموماً من وجه كالأمر بإكرام العالم و الأمر بإكرام الهاشمي، لأنّ إطلاق كلّ منهما يقتضي جواز الاكتفاء بإكرام العالم الهاشمي، حيث دلّ أحدهما على وجوب إكرام العالم سواء كان هاشمياً أم لم يكن، و دلّ الآخر على وجوب (1) إكرام الهاشمي سواء كان عالماً أم لم يكن، و معه إذا أكرم العالم الهاشمي حصل بذلك امتثال كلا الأمرين، و هو على طبق القاعدة و لا استحالة في ذلك عقلًا حتّى يتصرّف بذلك في ظاهر الصّحيحة المقتضية للتداخل عند كون بعض الأغسال واجباً و بعضها مستحبّاً.

و الغرض من هذا الجواب أنّ ما ورد في بعض الكلمات من استحالة اجتماع الوجوب و الندب في مورد، و لكنّا نرفع اليد عن ذلك بصحيحة زرارة الدالّة على‌

____________

(1) الأنسب أن يُقال: استحباب إكرام الهاشمي ....

49

..........

____________

جواز اجتماعهما ممّا لا وجه له، لوضوح أنّ اجتماعهما لو كان أمراً مستحيلًا عقلًا لاستلزم ذلك رفع اليد عن ظهور الصّحيحة في الجواز، لأنّ الظّهور لا يصادم البرهان، إذن فالصحيح أن يُقال إنّ اجتماعهما أمر غير ممتنع لدى العقل كما صنعناه.

نعم، يبقى هناك سؤال الفرق بين الحرمة و الوجوب فيما إذا كانت النسبة بينهما عموماً من وجه، كما في مثل الصلاة و الغضب، حيث قلنا باستحالة اجتماعهما في شي‌ء واحد، و بين الوجوب و الاستحباب أو الوجوبين أو الاستحبابين، حيث قلنا بجواز اجتماعهما و إمكان أن يكون شي‌ء واحد مصداقاً للواجب و المستحب مع أنّ الأحكام بأسرها متضادّة.

و الجواب عن هذا السؤال أنّ الأمر في المستحبّات و الواجبات إنّما يتعلّق بالطبائع على نحو صرف الوجود المعبّر عنه بناقض العدم، و لا يتعلّق بها على نحو مطلق الوجود المنحل إلى جميع أفرادها، لعدم قدرة المكلّف على إتيان جميع أفراد الطبيعة و عليه فالفرد مصداق لذات الطّبيعة المأمور بها لا للطبيعة بوصف كونها واجبة، نظير ما ذكروه في المعقولات الثانية كالنوع، حيث إنّ الإنسان نوع و زيد مصداق للإنسان مع أنّه ليس بنوع، و ذلك لأنّ النوع كالوجوب و الاستحباب إنّما هو وصف للطبيعة الملغى عنها الخصوصيات، و زيد و إن كان مصداقاً للطبيعة إلّا أنّه ليس مصداقاً للطبيعة الملغى عنها الخصوصيات أي للطبيعة المتّصفة بالنوع، و عليه فالفرد ليس بواجب و لا بمستحب، و من هنا لو أتى بالصلاة في أوّل وقتها كانت مصداقاً للصلاة إلّا أنّه إذا لم يأت بها و أتى بفرد آخر لا يكون عاصياً و تاركاً للواجب.

و على الجملة الفرد ليس بواجب و لا بمستحب و إنّما هو مصداق لهما، و أيّ مانع من أن ينطبق على شي‌ء واحد طبائع مختلفة من دون أن يكون مجمعاً للوجوب و الاستحباب.

و هذا بخلاف الحرمة، لأنّها تسري إلى كلّ واحد من الأفراد لأنّها انحلاليّة لا محالة، فحرمة الكذب مثلًا تنحل إلى كلّ واحد من أفراده بحيث لو أوجد فردين منها‌

50

..........

____________

ارتكب محرمين، و مع حرمة الفرد و مبغوضيّته لا يرخّص المكلّف في تطبيق الطّبيعة الواجبة على ذلك الفرد، لأنّ الأمر بالطبيعة يقتضي الترخيص في تطبيقها على أيّ فرد من أفرادها شاء المكلّف، و مع حرمة الفرد و مبغوضيّته ليس للمكلّف ترخيص في تطبيق الطبيعة المأمور بها عليه، و من هنا قلنا بعدم إمكان اجتماع الحرمة و الوجوب بخلاف الوجوب و الاستحباب.

فالمتحصل أنّه لا مانع من الالتزام بالتداخل في جميع الأقسام، و بما أنّ الصّحيحة دلّت على التداخل في الجميع و لا مانع عنه عقلًا فالحكم هو التداخل مطلقاً، و لم يقم برهان عقلي على عدم التداخل في الواجب و المستحب حتّى يرفع اليد به عن الصّحيحة، نعم لو قام برهان على استحالته للزم رفع اليد عن ظاهر الصّحيحة لا محالة، فلا فرق في الأغسال بين كونها واجبة بأجمعها و ما إذا كان بعضها واجباً و بعضها الآخر مستحبّاً.

و أمّا إذا كانت بأجمعها مستحبّة فقد يتوهّم أنّ ظاهر كلمة الحقوق في الصّحيحة هي الأغسال الواجبة دون المستحبّة، و لكنه توهّم في بادئ النّظر، لأنّ الحق بمعنى الثبوت، و كون الثابت على نحو الوجوب أو الاستحباب أمر آخر، فالحقوق تشمل الواجب و المستحب.

على أنّا لو أغمضنا عن ذلك و قلنا إنّ ظاهر الحقوق في نفسها هو الأغسال الواجبة فقط ففي الصّحيحة قرينة قطعيّة على أنّ المراد بها أعمّ من الواجب و المستحب، حيث طبّقها الإمام على غسل العيد و الزّيارة بل الجمعة و غيرها من المستحبّات، فلا فرق في التداخل بين كون الأغسال واجبة بأجمعها و كونها مستحبّة كذلك و كون بعضها واجباً و بعضها الآخر مستحبّاً، فإنّ ظاهر الصّحيحة و إن كان تعدّد الأغسال و تغاير بعضها عن بعض حيث عبّر بالحقوق، إلّا أنّه لا مانع من أن ينطبق على عمل واحد عناوين متعدّدة، و هو يوجب الإجزاء عن بقيّة الأغسال.