موسوعة الإمام الخوئي - ج11

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
486 /
5

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين و صلى الله على نبيّنا محمد و آله الطاهرين و لعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

[كتاب الصلاة]

كتاب الصلاة

[مقدمة: في فضل الصلاة اليومية و أنها أفضل الأعمال الدينية]

مقدمة: في فضل الصلاة اليومية و أنها أفضل الأعمال الدينية اعلم أن الصلاة أحب الأعمال إلى اللّٰه تعالى، و هي آخر وصايا الأنبياء (عليهم السلام) (1)، و هي عمود الدين، إذا قُبلت قُبل ما سواها، و إن رُدّت رُدّ ما سواها (2)، و هي أوّل ما ينظر فيه من عمل ابن آدم، فان صحّت نظر في عمله، و إن لم تصح لم ينظر في بقيّة عمله (3)، و مَثَلها كمثَل النهر الجاري فكما أنّ من اغتسل فيه في كل يوم خمس مرات لم يبق في بدنه شي‌ء من الدرن، كذلك كلّما صلى صلاة كفّر ما بينهما من الذنوب (4)، و ليس ما بين المسلم و بين أن يكفر إلا أن يترك الصلاة (5)، و إذا كان يوم القيامة يدعى بالعبد فأوّل شي‌ء

____________

(1) الوسائل 4: 38/ أبواب أعداد الفرائض و نوافلها ب 10 ح 2.

(2) ورد هذا المضمون في نصوص كثيرة منها: الوسائل 4: 34/ أبواب أعداد الفرائض و نوافلها ب 8 ح 10.

(3) الوسائل 4: 34/ أبواب أعداد الفرائض و نوافلها ب 8 ح 13.

(4) الوسائل 4: 12/ أبواب أعداد الفرائض و نوافلها ب 2 ح 3.

(5) الوسائل 4: 42/ أبواب أعداد الفرائض و نوافلها ب 11 ح 6.

8

يسأل عنه الصلاة، فإذا جاء بها تامّة، و إلا زخّ في النار (1)، و في الصحيح «قال مولانا الصادق (عليه السلام): ما أعلم شيئاً بعد المعرفة أفضل من هذه الصلاة، أ لا ترى أنّ العبد الصالح عيسى بن مريم (عليه السلام) قال: و أوصاني بالصلاة و الزكاة ما دمت حياً» (2) و روى الشيخ في حديث عنه (عليه السلام) «قال: و صلاة فريضة تعدّ عند اللّٰه ألف حجة و ألف عمرة مبرورات متقبّلات» (3)، و قد استفاضت الروايات في الحث على المحافظة عليها في أوائل الأوقات (4)، و إن من استخف بها كان في حكم التارك لها، قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله): «ليس منّي من استخف بصلاته» (5)، و قال: «لا ينال شفاعتي من استخف بصلاته» (6)، و قال: «لا تضيّعوا صلاتكم، فانّ من ضيّع صلاته حُشر مع قارون و هامان و كان حقاً على اللّٰه أن يدخله النار مع المنافقين» (7)، و ورد: «بينا رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) جالس في المسجد إذ دخل رجل فقام يصلّي فلم يتمّ ركوعه و لا سجوده، فقال (صلى اللّٰه عليه و آله): نقر كنقر الغراب، لئن مات هذا و هكذا صلاته ليموتنّ على غير ديني» (8)، و عن أبي بصير قال: «دخلت على أُم حميدة أُعزّيها بأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) فبكت و بكيت لبكائها، ثم قالت: يا أبا محمد لو رأيت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عند الموت لرأيت عجباً، فتح عينيه ثم قال: اجمعوا كل

____________

(1) الوسائل 4: 29/ أبواب أعداد الفرائض و نوافلها ب 7 ح 6.

(2) الوسائل 4: 38/ أبواب أعداد الفرائض و نوافلها ب 10 ح 1.

(3) الوسائل 1: 27/ أبواب مقدمة العبادات ب 1 ح 34، أمالي الطوسي: 694/ 1478.

(4) الوسائل 4: 107/ أبواب المواقيت ب 1، 3 و غيرهما.

(5) الوسائل 4: 23/ أبواب أعداد الفرائض و نوافلها ب 6 ح 1، 5، 7، 8.

(6) الوسائل 4: 26/ أبواب أعداد الفرائض و نوافلها ب 6 ح 10.

(7) الوسائل 4: 30/ أبواب أعداد الفرائض و نوافلها ب 7 ح 7.

(8) الوسائل 4: 31/ أبواب أعداد الفرائض و نوافلها ب 8 ح 2.

9

مَن بيني و بينه قرابة، قالت: فما تركنا أحداً إلا جمعناه، فنظر إليهم ثم قال: إن شفاعتنا لا تنال مستخفّاً بالصلاة» (1).

و بالجملة: ما ورد من النصوص في فضلها أكثر من أن يحصى. و للّٰه درّ صاحب الدرّة حيث قال:

تنهى عن المنكر و الفحشاء أقصر فذاك منتهى الثناء (2)

____________

(1) الوسائل 4: 26/ أبواب أعداد الفرائض و نوافلها ب 6 ح 11.

(2) الدرّة النجفية: 82.

10

[فصل في أعداد الفرائض و نوافلها]

فصل في أعداد الفرائض و نوافلها

[تمهيد]

الصلوات الواجبة ستة: اليومية و منها الجمعة، و الآيات، و الطواف الواجب، و الملتزم بنذر أو عهد أو يمين أو إجارة، و صلاة الوالدين [1] على الولد الأكبر، و صلاة الأموات.

[أما اليومية فخمس فرائض]

أما اليومية فخمس فرائض: الظهر أربع ركعات، و العصر كذلك، و المغرب ثلاث ركعات، و العشاء أربع ركعات، و الصبح ركعتان، و تسقط في السفر من الرباعيات ركعتان، كما أن صلاة الجمعة أيضاً ركعتان (1).

____________

(1) اختلفت كلمات الأصحاب (قدّس اللّٰه أسرارهم) في تعداد الفرائض، فأنهاها بعضهم إلى التسع، و آخر إلى السبع، و اقتصر بعض على الخمس، و قيل غير ذلك، و الظاهر أنّ هذا مجرد اختلاف منهم في التعبير حسب اختلاف أنظارهم في إدراج بعضها في بعضٍ أو إفرادها بالذكر، و إلا فلا خلاف بينهم فيما هو الواجب منها و إن اختلفوا في خصوصياته. فالبحث عن كيفية العدّ من حيث الإدراج و الإخراج لفظي محض لا يهمّنا التعرض له بعد الاتفاق على أصل الوجوب و الأمر سهل.

ثم إن المراد بالفرائض مطلق ما أوجبه اللّٰه تعالى من الصلوات في الشريعة‌

____________

[1] بل خصوص الوالد دون الام.

11

..........

____________

المقدسة سواء نص عليه في الكتاب العزيز أم بيّنه بلسان نبيّه الأعظم (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) في قبال النوافل، و هي منحصرة فيما يلي:

فمنها: صلاة الأموات التي نطقت بوجوبها النصوص المستفيضة بل المتواترة. و قد تقدم الكلام فيها في كتاب الطهارة.

و منها: صلاة الآيات، أعني صلاة الكسوف و الخسوف و الزلزلة التي صرّح بها في غير واحد من النصوص، و أما غيرها من سائر الآيات كالريح السوداء و نحوها فلم ينص على وجوبها في الأخبار إلا من باب المثال لمطلق الآيات السماوية. و كيف كان فيأتي البحث عنها في صلاة الآيات إن شاء اللّٰه تعالى.

و منها: صلاة الطواف الواجب، و قد دلت على وجوبها جملة من النصوص التي منها ما اشتمل على التعليل لاشتراط الطهارة في الطواف بقوله (عليه السلام) لأن فيه صلاة، الظاهر في مفروغية وجوبها فيه. نعم لا يجب في الطواف المستحب. و الكلام في ذلك موكول الى كتاب الحج (1).

و منها: الصلاة الملتزَمة بنذر أو عهد أو يمين أو إجارة أو شرط في ضمن عقد. و يدلُّ على الوجوب في الثلاثة الأُول إطلاق أدلة العناوين من الكتاب و السنة، و في الأخيرين عموم وجوب الوفاء بالعقد، مضافاً إلى عموم «المؤمنون عند شروطهم» (2) في الأخير خاصة.

و منها: صلاة القضاء عن الوالدين الواجبة على الولد الأكبر، لكن الثابت وجوبه، صلاة الوالد على الولد دون الوالدة. و سيأتي البحث عن ذلك في صلاة القضاء إن شاء اللّٰه تعالى.

و منها: صلاة العيدين المختص وجوبها بزمن الحضور، و لعله لذلك أهملها في المتن و الأمر سهل، و قد دل على وجوبها مضافاً إلى الروايات قوله تعالى:

____________

(1) راجع شرح المناسك 29: 100.

(2) التهذيب 7: 371/ 1503، الإستبصار 3: 232/ 835.

12

..........

____________

فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ (1)، و قوله تعالى قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّٰى وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّٰى (2) المفسّرين بهما، و سيأتي الكلام عليها في محلّها إن شاء اللّٰه تعالى.

فهذه الصلوات بين ما تقدّم و ما يأتي.

و منها: الصلوات اليومية و هي التي يقع البحث عنها في المقام، و يدخل فيها صلاة الاحتياط فإنها من توابع تلك الصلوات، لا سيما على القول بكونها جزءاً من العمل ظرفه بعد الفراغ منه لا أنها عمل مستقل يتدارك به النقص فإنها حينئذ عينها حقيقة.

و يدخل فيها أيضاً صلاة القضاء عن المكلف نفسه، فإنها اليومية بعينها، غايته أنها تقع خارج الوقت، فلا فرق إلا من حيث الأداء و القضاء.

و هي خمس فرائض: الصبح ركعتان، و الظهر و العصر كل منهما أربع ركعات، و المغرب ثلاث ركعات، و العشاء أربع ركعات، و تسقط في السفر عن كل من الرباعيات ركعتان.

و لا خلاف في وجوب هذه الفرائض على النهج المذكور بين أحدٍ من المسلمين، بل هي من ضروريات الدين التي يندرج منكرها في سلك الكافرين. و قد نطق به الكتاب العزيز بضميمة ما ورد من التفسير، قال (عزّ من قائل) أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ .. الآية (3). تعرّض تعالى كما ورد في تفسيرها لأربع صلوات تقع ما بين الزوال و منتصف الليل، و هي الظهران و العشاءان، و أشار إلى صلاة الفجر بقوله تعالى وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ و قال (عزّ اسمه) وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَ قَبْلَ غُرُوبِهٰا وَ مِنْ آنٰاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَ أَطْرٰافَ النَّهٰارِ لَعَلَّكَ تَرْضىٰ (4). فسّر‌

____________

(1) الكوثر 108: 2.

(2) الأعلى 87: 14 و 15.

(3) الإسراء 17: 78.

(4) طه 20: 130.

13

..........

____________

التسبيح قبل طلوع الشمس بصلاة الفجر، و قبل الغروب بصلاة العصر، و آناء الليل بالعشاءين، و أطراف النهار بصلاة الظهر، فانّ وقتها الزوال و هو طرف النهار.

و قال تعالى وَ أَقِمِ الصَّلٰاةَ طَرَفَيِ النَّهٰارِ وَ زُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ ... الآية (1) فسّر طرفا النهار بصلاة الفجر و المغرب، و زلفاً من الليل بالعشاء الآخرة. و قيل غير ذلك بحيث يعم جميع الصلوات.

و قال عز و جل حٰافِظُوا عَلَى الصَّلَوٰاتِ وَ الصَّلٰاةِ الْوُسْطىٰ وَ قُومُوا لِلّٰهِ قٰانِتِينَ (2) فسّرت الصلاة الوسطى بصلاة الظهر كما هو المشهور، لأن وقتها وسط النهار، أو لتوسّطها بين فريضتي النهار و هما العصر و الغداة، و قيل هي العصر.

و بالجملة: فالآيات الدالة على وجوب الفرائض كثيرة.

و أما الروايات فهي متواترة، بل فوق حدّ الاستقصاء، و قد ورد الحث البليغ و الاهتمام الأكيد بشأنها، و أنها أصل الإسلام و عمود الدين، إذا قُبلت قُبل ما سواها، و إن رُدّت ردّ ما سواها، و ليس ما بين المسلم و بين أن يكفر إلا أن يترك الصلاة، و أنها لا تُترك بحال، إلى غير ذلك مما دل على شدّة العناية بها و المحافظة عليها بالسنة مختلفة (3).

و لا خلاف من أحد في وجوب هذه الفرائض و أعدادها، بل عليه إجماع المسلمين كافة كما عرفت.

غير أنه وقع الخلاف في صلاة الظهر خاصة في يوم الجمعة في زمن الغيبة و أن الواجب في هذا اليوم هل هو صلاة الظهر أو صلاة الجمعة؟.

____________

(1) هود 11: 114.

(2) البقرة 2: 238.

(3) تقدّم ذكر مصادرها في ص 7.

14

..........

____________

فينبغي عطف عنان الكلام إلى التعرض لهذه المسألة التي هي معركة الآراء بين الأعلام و الخوض فيها قبل التعرض للفرائض اليومية.

فنقول و العون منه تعالى مأمول المحتملات بل الأقوال في المسألة ثلاثة: وجوب صلاة الظهر يوم الجمعة تعيينا، و وجوب صلاة الجمعة كذلك، و التخيير بين الأمرين، و هذا الخلاف بين الأصحاب (قدس سرهم) إنما هو بعد الاتفاق منهم على وجوب صلاة الجمعة في الجملة، أعني في زمن الحضور مع الامام (عليه السلام) أو نائبه الخاص المنصوب من قبله، فان هذا مما لم يختلف فيه اثنان، بل هو من ضروريات الدين و عليه إجماع المسلمين، و إنما الخلاف في اشتراط وجوبها أو مشروعيتها بحضور الامام (عليه السلام) فلا تجب تعييناً أو لا تشرع في زمن الغيبة، و عدم الاشتراط.

فالمشهور بل المجمع عليه بين قدماء الأصحاب عدم الوجوب تعييناً، و قد ادعى الإجماع على ذلك غير واحد من الأعلام بعد اختيارهم هذا القول كالشيخ في الخلاف (1) و الحلي في السرائر (2) و ابن زهرة في الغنية (3) و المحقق في المعتبر (4) و العلامة في التحرير (5) و المنتهى (6) و التذكرة (7) و الشهيد في الذكرى (8) و المحقق الثاني في جامع المقاصد (9) و غيرهم كما لا يخفى على من تصفّح كلماتهم.

و ذهب الشهيد الثاني في رسالته التي ألّفها في هذه المسألة إلى نفي الاشتراط‌

____________

(1) الخلاف 1: 626 مسألة 397.

(2) السرائر 1: 290 و 303.

(3) الغنية: 90.

(4) المعتبر 2: 279.

(5) تحرير الأحكام 1: 43 السطر 34.

(6) المنتهي 1: 317 السطر 2.

(7) التذكرة 4: 27.

(8) الذكرى 4: 104.

(9) جامع المقاصد 2: 375.

15

..........

____________

و وجوبها تعييناً (1) و هو أوّل من ذهب إلى هذا القول و تبعه على ذلك جملة من المتأخرين كصاحب المدارك (2) و غيره، و احتمل في الجواهر صدور هذه الرسالة منه في صغره لما فيها من الطعن و التشنيع على أساطين المذهب و حفّاظ الشريعة بما لا يليق به و لا ينبغي عن مثله، و قد عدل عنه في باقي كتبه (3).

ثم إن المنكرين للوجوب التعييني اختلفوا، فمنهم من أنكر المشروعية رأساً في زمن الغيبة كابن إدريس و سلار (4) و غيرهما، بل ربما نسب ذلك إلى الشيخ أيضاً (5) و منهم من أثبت المشروعية و الاجتزاء بها عن الظهر الراجع إلى الوجوب التخييري. و هذا هو الأشهر بل المشهور و هو الأقوى.

فلنا في المقام دعويان: نفي الوجوب التعييني و إثبات المشروعية، و بذلك يثبت الوجوب التخييري، فيقع الكلام في مقامين:

أما المقام الأول: فيظهر الحال فيه من ذكر أدلة القائلين بالوجوب التعييني و تزييفها، و قد استدلوا لذلك بالكتاب و السنّة.

أما الكتاب: فقوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ .. إلخ (6) بتقريب أن المنصرف من الكلام بعد ملاحظة تخصيص الجمعة من بين الأيام، إرادة صلاة الجمعة من ذكر اللّٰه، فيجب السعي إليها لظهور الأمر في الوجوب، لا سيما الأوامر القرآنية على ما ذكره صاحب الحدائق (7) و إن لم نعرف وجهاً للتخصيص و هذا‌

____________

(1) رسائل الشهيد: 51.

(2) المدارك 4: 8.

(3) الجواهر 11: 174.

(4) الحلي في السرائر 1: 303 و حكاه عن السّلار في الرياض 4: 72، لا حظ المراسم: 77.

(5) الجمل و العقود: 190.

(6) الجمعة 62: 9.

(7) الحدائق 9: 398.

16

..........

____________

خطاب عام يشمل جميع المكلفين في كل جيل و حين.

و فيه أوّلًا: أنّ غاية ما يستفاد من الآية المباركة بعد ملاحظة كون القضية شرطية إنّما هو وجوب السعي على تقدير تحقق النداء و إقامة الجمعة و انعقادها، و لعلنا نلتزم بالوجوب في هذا الظرف، و سيأتي الكلام عليه إن شاء اللّٰه تعالى، و أما وجوب إقامتها ابتداءً و النداء إليها تعييناً فلا يكاد يستفاد من الآية بوجه كما لا يخفى.

و يؤيده قوله تعالى بعد ذلك وَ إِذٰا رَأَوْا تِجٰارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهٰا وَ تَرَكُوكَ قٰائِماً (1) حيث يظهر منها أن الذمّ إنما هو على تركهم الصلاة بعد فرض قيام النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لها، و اتصاف الجمعة بالانعقاد و الإقامة، فيتركونه قائماً و يشتغلون باللهو و التجارة، و أما مع عدم القيام فلا ذمّ على الترك.

و بالجملة: وجوب السعي معلّق على النداء فينتفي بانتفائه بمقتضى المفهوم، و لا دلالة في الآية على وجوب السعي نحو المعلّق عليه كي تجب الإقامة ابتداءً.

و ثانياً: أن الاستدلال بها مبني على إرادة الصلاة من ذكر اللّٰه و هو في حيّز المنع، و من الجائز أن يراد به الخطبة كما عن بعض المفسرين بل لعله المتعين، فإن السعي هو السير السريع، و مقتضى التفريع على النداء وجوب المسارعة إلى ذكر اللّٰه بمجرد النداء، و معه يتعين إرادة الخطبة، إذ لا ريب في عدم وجوب التسرّع إلى الصلاة نفسها، لجواز التأخير و الالتحاق بالإمام قبل رفع رأسه من الركوع بلا إشكال، و حيث إن الحضور و الإنصات للخطبة غير واجب إجماعاً فيكشف ذلك عن كون الأمر للاستحباب.

و يؤيده قوله تعالى ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (2) و قوله‌

____________

(1) الجمعة 62: 11.

(2) الجمعة 62: 9.

17

..........

____________

تعالى قُلْ مٰا عِنْدَ اللّٰهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَ مِنَ التِّجٰارَةِ (1) فإن التعبير بالخير يناسب الاستحباب و الندب، و إلا فلو أُريد الوجوب كان الأنسب التحذير عن الترك بالوعيد و العذاب الأليم، نعم لا نضايق من استعمال هذه الكلمة في موارد الوجوب في القرآن الكريم كقوله تعالى وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ (2) و نحو ذلك، لكن الوجوب في أمثالها قد ثبت من الخارج بدليل مفقود في المقام، و إلا فهذه الكلمة في حدّ نفسها الظاهرة في المفاضلة و الترجيح لا تقتضي إلا الندب و الرجحان كما هو المتبادر منها و من مرادفها من سائر اللغات في الاستعمالات الدارجة في عصرنا، فانّ المراد بالخير لا سيما إذا كان متعدياً ب‍ (من) كما في الآية الثانية، ليس ما يقابل الشر، بل ما يكون أحسن من غيره، فكأنه تعالى أشار إلى أنّ الصلاة لمكان اشتمالها على المنافع الأُخروية، فالإقدام إليها أفضل و أرجح من الاشتغال بالتجارة التي غايتها الربح الدنيوي الزائل، و قد وقع نظير ذلك في القرآن كثيراً كما في قوله تعالى وَ لَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولىٰ (3) إذ ليس المراد ما يقابل الشر قطعاً، و نحوها غيرها كما لا يخفى على الملاحظ.

و مما ذكرنا يعلم أنّ الأمر في الآية المباركة محمول على الاستحباب، حتى لو أُريد بالذكر الصلاة دون الخطبة، لمكان التذييل بتلك القرينة الظاهرة في الندب.

فالإنصاف أنّ الاستدلال بهذه الآية للوجوب التعييني ضعيف.

و أضعف منه الاستدلال بقوله تعالى حٰافِظُوا عَلَى الصَّلَوٰاتِ وَ الصَّلٰاةِ الْوُسْطىٰ (4) بتقريب أن المراد بالصلاة الوسطى هي صلاة الظهر في غير يوم‌

____________

(1) الجمعة 62: 11.

(2) البقرة 2: 184.

(3) الضحى 93: 4.

(4) البقرة 2: 238.

18

..........

____________

الجمعة، و صلاة الجمعة في يومها. بل إن الاستدلال بها عجيب جدّاً، و من هنا لم يتعرض المحقق الهمداني (قدس سره) للجواب إلا بقوله فيه ما لا يخفى (1).

إذ يرد عليه أوّلًا: أن الصلاة الوسطى إما أن يراد بها صلاة الظهر كما هو المشهور أو العصر كما قيل، و أما الجمعة فلم يفسّرها بها أحد و لا قائل بذلك و لا وردت به رواية، نعم أرسل الطبرسي عن علي (عليه السلام) أن المراد بها الظهر في سائر الأيام و الجمعة في يومها (2) و هي رواية مرسلة لا يعتمد عليها.

و ثانياً: مع التسليم، فالأمر بالمحافظة إرشادي نظير الأمر بالإطاعة فلا يتضمن بنفسه حكماً تكليفياً مستقلا، بل مفاد الأمر حينئذ الإرشاد إلى التحفظ على الصلوات، و منها صلاة الجمعة الثابت وجوبها من الخارج على ما هي عليها و على النهج المقرر في الشريعة المقدسة، بما لها من الكيفية و القيود المعتبرة فيها، فلا بد من تعيين تلك الكيفية من الخارج، من اشتراط العدد و الحرية و الذكورية و نحوها، و منها الاختصاص بزمن الحضور و عدمه، فكما لا تعرّض في الآية لتلك الجهات نفياً و إثباتاً و لا يمكن استعلام حالها منها، فكذا هذه الجهة كما هو واضح جدّاً.

و أما السنة: فبطائفة من الروايات، و لا يخفى أن هذه الروايات كثيرة جدّاً، بل قد أنهاها بعضهم إلى المائتين، و لا يبعد فيها دعوى التواتر، بل لا ينبغي الإشكال في تواترها إجمالًا بمعنى الجزم بصدور بعضها عن المعصوم (عليه السلام)، على أن جملة معتداً بها منها صحاح أو موثقات، و فيها مع قطع النظر عن غيرها غنى و كفاية، فلا مجال للتشكيك في السند، و نحن نُورد في المقام جملة منها و نوكل الباقي إلى المتتبع.

فمنها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: إنما فرض اللّٰه‌

____________

(1) مصباح الفقيه (الصلاة): 440 السطر 1.

(2) مجمع البيان 1: 599.

19

..........

____________

(عز و جل) على الناس من الجمعة إلى الجمعة خمسة و ثلاثين صلاةً، منها صلاة واحدة فرضها اللّٰه (عز و جل) في جماعة و هي الجمعة، و وضعها عن تسعة: عن الصغير و الكبير و المجنون و المسافر و العبد و المرأة و المريض و الأعمى، و مَن كان على رأس فرسخين» (1).

و نوقش في دلالتها بعدم كونها في مقام البيان إلا من ناحية العدد، و أن الواجب من الصلوات خلال الأُسبوع خمسة و ثلاثون، بضرب الفرائض الخمس اليومية في السبعة، غير أن واحدةً منها يشترط فيها الجماعة، و لا نظر فيها إلى كيفيتها و القيود المعتبرة فيها.

و لا ريب في أصل وجوب صلاة الجمعة و كونها من تلك الفرائض في الجملة، بل هو من ضروريات الدين كما مرّ، و إنما الكلام في أنه هل يعتبر في تلك الجماعة أن يكون أحدهم الإمام (عليه السلام) أو المنصوب من قبله كما يعتبر فيها عدالة الإمام و إقامة الخطبة، و عدم كون العدد أقل من السبعة أو الخمسة، كي يسقط الوجوب عند تعذر الشرط أم لا؟ و ليست الرواية في مقام البيان من هذه الجهة كي يتمسك بإطلاقها لدفع ما يشك في دخله فيها، كما لا يتمسك بها لدفع غيره مما يشك في شرطيته أو جزئيته لها.

و من ثم لا يصح التمسك بها قطعاً لنفي ما يشك في شرطيته أو جزئيته لغيرها من سائر الفرائض الخمس و الثلاثين، و السرّ هو ما عرفت من عدم كونها مسوقة إلا لبيان الوجوب على سبيل الإجمال، فلا إطلاق لها كي يستند إليه.

و يندفع: بأن الشك على نحوين: فتارة يشك فيما هو الواجب و الكيفية المعتبرة فيه من حيث الأجزاء و الشرائط، و في هذه المرحلة الحق كما أفاده (قدس سره) فلا يصح التمسك بها لنفي المشكوك فيه، إذ لا نظر فيها إلى متعلق التكليف كي ينعقد الإطلاق، و هذا واضح جدّاً.

____________

(1) الوسائل 7: 295/ أبواب صلاة الجمعة ب 1 ح 1.

20

..........

____________

و اخرى يشك في أصل الوجوب من حيث السعة و الضيق، و أنه هل يختص بطائفة خاصة أو يعمّ جميع المكلفين في كل جيل و حين كما في المقام، ضرورة أن الشك ليس في متعلق الأمر، بل في أصل التكليف، و أنه هل يشترط في تعلّق الوجوب أن تكون الصلاة بأمر الإمام (عليه السلام) أو نائبه المنصوب كي يختص بزمن الحضور، فتسقط عمن لم يدرك ذاك العصر لتعذر المشروط بتعذر الشرط، أو لا يشترط بل الحكم ثابت لآحاد المكلفين في جميع الأعصار و الأمصار على الإطلاق، من دون تعليق على شي‌ء فيشترك فيه الموجودون في عصري الغيبة و الحضور، و لا ينبغي الشك في صحة التمسك بالصحيحة لدفع هذا النوع من الشك، بداهة أن دلالتها على الشمول و السريان لجميع الأفراد إنما هو بالعموم الوضعي و هو الجمع المحلّى باللام في قوله «على الناس» دون الإطلاق المتوقف على جريان مقدمات الحكمة كي يتطرق احتمال عدم كونها في مقام البيان من هذه الجهة.

و يؤيد العموم: الاقتصار في الاستثناء على الطوائف التسع المذكورين فيها، فلو كان هناك شرط آخر للوجوب زائداً على ذلك و هو الكون في زمن الحضور و الإقامة بأمر الإمام (عليه السلام) لزم التنبيه عليه و التعرض له، و كان المستثنى عن هذا الحكم حينئذ عشر طوائف لا تسعاً.

و يؤيده أيضاً: التصريح ببقاء هذا الحكم إلى يوم القيامة في صحيحة زرارة الآتية.

فالإنصاف أنّ دلالة الصحيحة على إطلاق الوجوب و عدم الاشتراط بزمن الحضور قوية جدّاً، و المناقشة المذكورة في غير محلها، كما أنّ السند أيضاً صحيح لصحة طريق الصدوق إلى زرارة.

و منها: صحيحة أبي بصير و محمد بن مسلم جميعاً عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: إن اللّٰه (عز و جل) فرض في كل سبعة أيام خمساً و ثلاثين صلاة،

21

..........

____________

منها صلاة واجبة على كل مسلم أن يشهدها إلا خمسة: المريض و المملوك و المسافر و المرأة و الصبي» (1) و هي كسابقتها تدل بالعموم الوضعي على شمول الوجوب لجميع الأفراد، و السند أيضاً صحيح، فإن أحمد بن محمد الواقع في الطريق المراد به أحمد بن محمد بن عيسى و هو موثق على الأقوى كما مرَّ سابقاً.

و منها: صحيحة محمد بن مسلم و زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: تجب الجمعة على كل من كان منها على فرسخين» (2) و دلالتها ظاهرة كسندها.

و منها: صحيحة زرارة قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام): الجمعة واجبة على مَن إن صلى الغداة في أهله أدرك الجمعة، و كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) إنما يصلي العصر في وقت الظهر في سائر الأيام كي إذا قضوا الصلاة مع رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) رجعوا إلى رحالهم قبل الليل، و ذلك سنّة إلى يوم القيامة» (3) و هذه هي الرواية التي أشرنا إليها آنفاً، و دلالتها كسندها ظاهرة.

و منها: صحيحة أبي بصير و محمد بن مسلم قالا: «سمعنا أبا جعفر محمد بن علي (عليه السلام) يقول: من ترك الجمعة ثلاثاً متواليات بغير علة طبع اللّٰه على قلبه» (4) في الطريق محمد بن عيسى بن عبيد و هو و إن استثناه ابن الوليد لكن عرفت توثيقه سابقاً. و دلالتها على الوجوب ظاهرة، فان الطبع على القلب من أوصاف المنافقين، فهو كناية عن العصيان و النفاق كما أُشير إليه في القرآن (5) و تومئ إليه الرواية الآتية.

____________

(1) الوسائل 7: 299/ أبواب صلاة الجمعة ب 1 ح 14.

(2) الوسائل 7: 309/ أبواب صلاة الجمعة ب 4 ح 5.

(3) الوسائل 7: 307/ أبواب صلاة الجمعة ب 4 ح 1.

(4) الوسائل 7: 298/ أبواب صلاة الجمعة ب 1 ح 11.

(5) التوبة 9: 87، محمد 47: 16.

22

..........

____________

و منها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: صلاة الجمعة فريضة و الاجتماع إليها فريضة مع الإمام، فإن ترك رجل من غير علة ثلاث جمع فقد ترك ثلاث فرائض، و لا يدع ثلاث فرائض من غير علة إلا منافق» (1) السند صحيح و الدلالة ظاهرة كما مرّ.

إلى غير ذلك من الروايات التي لا يسعنا التعرض لجميعها و هي لا تخفى على المراجع.

و لا يخفى أن هذه الروايات الكثيرة العدد و إن كانت قوية السند واضحة الدلالة على الوجوب كما عرفت، و لا مجال للتشكيك في شي‌ء منها، غير أنها برمّتها لا تدل على الوجوب التعييني بخصوصه إلا بالإطلاق، و إلا فلا صراحة في شي‌ء منها في ذلك، و إنما الصراحة و الظهور في أصل الوجوب الجامع بينه و بين التخييري، و الإطلاق و إن كان حجة يعوّل عليه في تعيين الأول كلّما دار الأمر بينهما كما ذكر في محله (2) إلا أنه مقيّد بعدم قيام القرينة على التقييد، و في المقام شواهد و قرائن تمنع من إرادة الوجوب التعييني، فلا مناص من الحمل على التخييري.

أما أوّلًا: القرينة العامة التي تمسكنا بها في كثير من المقامات و أسميناها بالدليل الخامس، و هي أن الوجوب التعييني لو كان ثابتاً في مثل هذه المسألة الكثيرة الدوران لظهر و بان و شاع و ذاع، و كان كالنار على المنار كسائر الفرائض الخمس اليومية، و لم يختلف فيه اثنان كما لم يختلف فيها، مع أنك عرفت (3) التسالم و قيام الإجماع على نفي الوجوب التعييني من قدماء الأصحاب، بل أنكر بعضهم المشروعية رأساً كابن إدريس و سلار، و إنما حدث الخلاف من زمن الشهيد الثاني و من تأخر عنه، فلو كان الوجوب ثابتاً‌

____________

(1) الوسائل 7: 297/ أبواب صلاة الجمعة ب 1 ح 8.

(2) مصباح الأُصول 2: 449 و ما بعدها.

(3) في ص 14.

23

..........

____________

تعييناً فكيف أنكره الأصحاب، و هذه الأخبار بمرأى منهم و مسمع، و كتبهم الحديثية و غيرها مشحونة بهاتيك الأحاديث بحيث لا يحتمل غفلتهم عنها و عدم ظفرهم بها على كثرتها، و هل يحتمل في حقهم مع جلالتهم و عظمتهم، و هم أساطين المذهب و حفّاظ الشريعة، و حملة الدين المبين و أُمناء اللّٰه في أرضه ترك فريضة من فرائض اللّٰه و إنكار وجوبها، حاش للّٰه إن هذا إلا بهتان مبين.

و ثانياً: استقرار سيرة أصحاب الأئمة (عليهم السلام) لا سيما الصادق (عليه السلام) على كثرتهم، على عدم إقامة هذه الصلاة، مع أنهم هم الرواة لهذه الأحاديث و نقلة تلك الأخبار، فلو كان واجباً تعييناً كيف أهملوها و لم يعتنوا بشأنها، مع علوّ مرتبتهم و ارتفاع منزلتهم، و هم من أركان الدين و أعمدة المذهب و حملة الفقه الجعفري، لا سيما زرارة الذي هو الراوي لأكثر تلك الأخبار، و هو على ما هو عليه من عظم الشأن و علوّ المقام، فلو كان واجباً حتمياً لكانوا هم أحق بفهمه منها فكيف أهملوها و لم يهتمّوا بها، و هل هناك فسق أعظم من التجاهر بترك فريضة مثل الصلاة التي هي عماد الدين و من أهمّ الفرائض التي يمتاز بها المسلم عن الكافرين.

و يكشف عما ذكرناه من تركهم لهذه الصلاة مضافاً إلى أنهم لو أقاموها لظهر و بان، و نُقل إلينا بطبيعة الحال، و لَمّا ينقل عن أحدهم قط أنه يستفاد ذلك من بعض الأخبار:

منها: صحيحة زرارة قال: «حثّنا أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) على صلاة الجمعة حتى ظننت أنه يريد أن نأتيه، فقلت: نغدوا عليك، فقال: لا إنما عنيت عندكم» (1) فانّ الحثّ و الترغيب على إقامة الجمعة من الصادق (عليه السلام) لمثل زرارة الذي هو الراوي لأغلب تلك الأخبار كما عرفت يكشف عن عدم التزامه بها، بل إهماله لها، بل هو يدل على الاستحباب، بمعنى كونها أفضل‌

____________

(1) الوسائل 7: 309/ أبواب صلاة الجمعة ب 5 ح 1.

24

..........

____________

عِدلي الواجب التخييري، و إلا فلا معنى للحث بالإضافة إلى الواجبات التعيينية كما لا يخفى.

و منها: موثقة عبد الملك أخي زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قال: مثلك يهلك و لم يصل فريضة فرضها اللّٰه، قال قلت: كيف أصنع؟ قال: صلوا جماعة، يعني صلاة الجمعة» (1). و هذه أظهر من سابقتها، لظهورها في عدم مباشرة عبد الملك مع جلالته لهذه الصلاة طيلة حياته قط، حتى أن الامام (عليه السلام) يوبّخه بأنّ مثله كيف يموت و لم يأت بهذه الصلاة في عمره و لا مرّة، و من هنا فزع فقال: «كيف أصنع».

و بالجملة: هؤلاء الأساطين كانوا لا يزالون مستمرين في الترك و مواظبين عليه كما تفصح عنه هاتان الصحيحتان.

و دعوى: أن من الجائز أنهم كانوا يقيمونها مع المخالفين تقية فيكون الحث في تلك الرواية و التوبيخ في هذه على الإتيان بالوظيفة الواقعية عارية عن التقية.

مندفعة: بعدم تأتّي التقية في مثل هذه الصلاة لبطلان الصلاة معهم، فلا تنعقد الجماعة التي هي من مقوّماتها. نعم في سائر الصلوات يشاركهم في صورة الجماعة تقية، فيأتي بها فرادى و يقرأ في نفسه متابعاً لهم في الصلاة إراءة للاقتداء بهم. و أما في المقام فبعد فرض بطلان جمعتهم، لا بد من قصد الظهر المخالف لصلاة الجمعة في عدد الركعات، و لا بدّ من ضم ركعتين أُخريين و لو بنحو يتخيل لهم أنها النافلة إذ لا موجب لتركهما. فلم يكن المأتي به صلاة جمعة تقية و إنما هي صلاة الظهر منفرداً.

و ثالثاً: طوائف من الأخبار تشهد بعدم الوجوب التعييني و تنافيه:

منها: الأخبار المتظافرة الدالة على سقوط الصلاة عمن زاد على رأس‌

____________

(1) الوسائل 7: 310/ أبواب صلاة الجمعة ب 5 ح 2.

25

..........

____________

فرسخين، كصحيحة زرارة الأُولى المتقدمة (1) و صحيحة محمد بن مسلم و زرارة المتقدمة أيضاً (2)، و صحيحة محمد بن مسلم قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الجمعة؟ فقال: تجب على كل من كان منها على رأس فرسخين، فان زاد على ذلك فليس عليه شي‌ء» (3) فإنه لو كان واجباً تعيينياً على كل أحد و لم يكن مشروطاً بإمام خاص، لم يكن وجه لسقوط الصلاة عن البعيدين عن محل الانعقاد، بل كان عليهم الاجتماع و الانعقاد في أماكنهم، فكيف ينفى عنهم الوجوب مصرحاً في الصحيحة الأخيرة بأنه ليس عليه شي‌ء.

و حملها على عدم تحقق شرط الانعقاد، لعدم استكمال أقل العدد، أو عدم وجود من يخطب كما ترى، فإنه فرض نادر التحقق جدّاً، إذ الغالب وجود نفر من المسلمين في تلك الأماكن و ما حولها إلى الفرسخين بحيث تنعقد بهم الجمعة كما لا يخفى.

و منها: الأخبار النافية لوجوبها على أهل القرى إذا لم يكن لهم من يخطب بهم كصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليه السلام) قال: «سألته عن أُناس في قرية هل يصلّون الجمعة جماعة؟ قال: نعم، و يصلّون أربعاً إذا لم يكن من يخطب» (4).

و صحيحة الفضل بن عبد الملك قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: إذا كان القوم في قرية صلّوا الجمعة أربع ركعات، فان كان لهم من يخطب لهم جمعوا ..» إلخ (5).

و موثقة سماعة عن الصادق (عليه السلام) قال فيها: «فان لم يكن إمام‌

____________

(1) في ص 18.

(2) في ص 21.

(3) الوسائل 7: 309/ أبواب صلاة الجمعة ب 4 ح 6.

(4) الوسائل 7: 306/ أبواب صلاة الجمعة ب 3 ح 1، 2.

(5) الوسائل 7: 306/ أبواب صلاة الجمعة ب 3 ح 1، 2.

26

..........

____________

يخطب فهي أربع ركعات و إن صلّوا جماعة» (1).

و موثقة ابن بكير قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن قوم في قرية ليس لهم من يجمع بهم، أ يصلّون الظهر يوم الجمعة في جماعة؟ قال: نعم إذا لم يخافوا» (2).

فان المراد بمن يخطب في هذه الأخبار الّذي علّق على وجوده وجوب الجمعة، و على عدمه وجوب الظهر، ليس هو مجرد من يتمكن من إقامة الخطبة شأناً و إن لم يكن قادراً عليها فعلًا، إذ مضافاً إلى أن ذلك خلاف الظاهر من سياق الكلام جدّاً كما لا يخفى، أنه فرض نادر التحقق، بل لا يكاد يتحقق خارجاً من لا يقدر على أداء الخطبة فعلًا كي يُعلّق عليه نفي الجمعة حتى المسمى منها، و أقل الواجب الذي هو التحميد و الثناء، و قراءة سورة و لا أقلّ من الحمد الذي يعرفها كل أحد، و الوعظ المتحقق بقوله: أيها الناس اتقوا اللّٰه، لا سيما بعد ملاحظة كون الرجل ممن يتمكن من إمامة الجماعة كما هو المفروض في تلك الأخبار، حيث أمرهم الإمام (عليه السلام) حينئذ بالإتيان بأربع ركعات جماعة.

فلا مناص من أن يراد بمن يخطب الفعلية كما هو المتبادر منها، و حاصل المعنى حينئذ: أنه إن كان هناك من يقدم لإقامة الخطبة فعلًا و متهيئاً لذلك وجبت الجمعة، و إن لم يقدم بالفعل مع قدرته عليها كما عرفت سقطت و صلّوا الظهر جماعة. و هذا كما ترى لا يلائم الوجوب التعييني، إذ عليه يجب الاقدام و التصدي للخطبة تعييناً و تركها موجب للفسق، فكيف يصح الائتمام به كما هو صريح الأخبار، بل يصح الاستدلال بها للمطلوب حتى لو أُريد بها الشأنية دون الفعلية، ضرورة أنها لو كانت واجبة تعييناً لزم التصدي لتعلم الخطبة و لو كفاية، كي لا يؤدي إلى ترك هذه الفريضة التعيينية، لوجوب‌

____________

(1) الوسائل 7: 310/ أبواب صلاة الجمعة ب 5 ح 3.

(2) الوسائل 7: 327/ أبواب صلاة الجمعة ب 12 ح 1.

27

..........

____________

تحصيل المقدمات التي يفوت بتركها الواجب في ظرفه عقلًا، فعدم التصدي و الإهمال في ذلك المستوجب لترك الواجب فسق و عصيان، و به يسقط صاحبه عن صلاحية الاقتداء به، فكيف أمر بالائتمام به في تلك الأخبار.

و المتحصل من جميع ما قدمناه لحدّ الآن: أن الروايات التي استدل بها الخصم و إن كانت ظاهرة في الوجوب التعييني بالظهور الإطلاقي، إلا أنه لا يسعنا الأخذ بهذا الظهور لأجل تلكم القرائن و الشواهد التي منها بعض نفس تلك الأخبار كما عرفت فلا مناص من حملها على الوجوب التخييري.

بقي في المقام روايات أُخر استدل بها على الوجوب التعييني، و في بعضها ما لا يقبل الحمل على الوجوب التخييري.

منها: الروايات التي أُنيط الوجوب فيها على مجرد اجتماع سبعة من المسلمين من دون تعليق على شرط آخر، و هي كثيرة و بعضها قوية السند، كصحيحة زرارة قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) على من تجب الجمعة؟ قال: تجب على سبعة نفر من المسلمين، و لا جمعة لأقل من خمسة من المسلمين أحدهم الإمام، فإذا اجتمع سبعة و لم يخافوا أمّهم بعضهم و خطبهم» (1) و نحوها غيرها، فان المستفاد من ذيلها أنه مهما اجتمعت السبعة وجبت الجمعة من دون فرق بين زمني الحضور و الغيبة بمقتضى الإطلاق.

و الجواب: أن الرواية إن كانت ناظرة إلى بيان شرط الواجب و ما يعتبر في صحة الجمعة و انعقادها، فهي حينئذ أجنبية عن محل الكلام بالكلية كما لا يخفى.

و إن كانت ناظرة إلى بيان شرط الوجوب و أنه معلّق على مجرد وجود السبعة كما عليه مبنى الاستدلال، و هو الظاهر منها بقرينة السؤال الذي هو عن نفس الوجوب، إذ الإعراض عنه و التعرض لبيان حكم آخر كما هو مبنى الاحتمال الأول خلاف الظاهر بعيد عن سياق الكلام.

____________

(1) الوسائل 7: 304/ أبواب صلاة الجمعة ب 2 ح 4.

28

..........

____________

إلا أنه يتوجه عليها: أن تعليق الوجوب على الشرط بهذا المعنى أعني إناطته بوجود السبع مستدرك لحصوله دائماً فتلزم اللغوية، إذ بعد ملاحظة اختصاص الحكم بالحاضرين لسقوط الوجوب التعييني عن المسافر جزماً كما نص على استثنائه في غير واحد من الأخبار، فما من بلد بل و لا قرية إلا و يوجد فيها و ما حولها إلى ما دون أربع فراسخ من كل جانب الذي هو حدّ السفر الشرعي آلاف من النفوس فضلًا عن سبع نفر من المسلمين، ففرض مكان يسكن فيه مكلف غير مسافر و لم يبلغ السبعة من الجوانب الأربعة البالغ مساحةً ستة عشر فرسخاً نادر التحقق، بل لا يكاد يتفق خارجاً إلا بالإضافة إلى القاطنين في المناطق الجبلية و المرتفعات الشاهقة من الرهبان و نحوهم ممن يعيش منعزلًا عن المجتمعات البشرية، و لا يحتمل أن يكون التقييد في هذه الروايات احترازاً عن مثل هذه الأفراد كما لا يخفى.

و عليه فيلزم من تعليق الحكم على مثل هذا الشرط الحاصل في كل زمان و مكان ما ذكرناه من اللغوية.

فلا مناص من أن يكون المراد بالشرط اجتماع العدد المزبور بصفة الانضمام و على سبيل الهيئة الاتصالية المعتبرة في إقامة الجمعة، احترازاً عما إذا كانوا متفرقين غير قاصدين لإقامتها فلا تجب حينئذ على أحد منهم، و لازم ذلك عدم ثبوت الوجوب التعييني قبل الإقامة.

نعم، مقتضى الرواية أنه لو اتفق الاجتماع المزبور وجبت عليهم إقامتها حينئذ تعييناً لحصول الشرط، لكن الوجوب محمول على التخييري بقرينة سائر الأخبار. و إن شئت قل: تتقيد الرواية بوجود مَن يخطب، جمعاً بينها و بين الروايات المتقدمة التي أُنيط الوجوب فيها بوجود مَن يخطب فعلًا، فيكون حاصل المعنى حينئذ: أنه إذا اجتمع سبعة من المسلمين أَمَّهم بعضهم و خطبهم إذا كان هناك من يقدم بالفعل لأداء الخطبة، و إلا فلا تجب. و هذا بحسب النتيجة يؤول إلى الوجوب التخييري بل هو عينه كما لا يخفى.

29

..........

____________

و منها: صحيحة منصور عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في حديث «قال: الجمعة واجبة على كل أحد، لا يعذر الناس فيها إلا خمسة: المرأة و المملوك و المسافر و المريض و الصبي» (1) و هذه هي الرواية التي أشرنا إلى إبائها عن الحمل على الوجوب التخييري، فإن التعبير بعدم المعذورية إنما يصح بالإضافة إلى الواجبات التعيينية، و إلا فمن اختار أحد عدلي الواجب التخييري فهو معذور في ترك الآخر، فلا يصح في حقه مثل هذا التعبير الذي هو كالنص في الوجوب التعييني كما عرفت.

و الجواب: أن الاستدلال بها موقوف على أن يكون متعلق الوجوب في قوله «الجمعة واجبة ..» إلخ هي الإقامة نفسها دون الحضور و السعي إليها بعد فرض الانعقاد و تحقق الإقامة خارجاً، و الظاهر من الصحيحة بل المتعين هو الثاني بقرينة استثناء المسافر، إذ الساقط عنه إنما هو الحضور دون المشروعية و أصل الوجوب، و إلا فهي مشروعة منه لو أحب الحضور و رغب فيه، بل هي أفضل من اختيار الظهر، و ثوابها أعظم من الجمعة التي يقيمها المقيم كما أُشير إليه في بعض الأخبار (2) فلا يصح الاستثناء (3) لو كان النظر إلى أصل الإقامة دون الحضور لثبوتها في حقه كالحاضر، كما لا يصح استثناء مَن كان على رأس فرسخين الوارد في غير واحد من الأخبار و قد تقدّم بعضها، إذ هو إنما يتجه لو كان الواجب هو الحضور في البلد الذي تقام فيه الجمعة فيرفع الحكم عنهم إرفاقاً كي لا يتحملوا مشقة الحضور من مساكنهم، و إلا فلو كانت الإقامة بنفسها واجبة تعييناً كان اللازم على البعيدين عقدها في أماكنهم مع اجتماع‌

____________

(1) الوسائل 7: 300/ أبواب صلاة الجمعة ب 1 ح 16.

(2) الوسائل 7: 339/ أبواب صلاة الجمعة ب 19 ح 2.

(3) بل يصح على التقديرين، فان وجوب الإقامة شي‌ء و المشروعية شي‌ء آخر، و لا مانع من أن تكون الصلاة مشروعة في حق المسافر و مع ذلك لم تجب عليه الإقامة و لا الحضور بعدها.

30

..........

____________

الشرائط، إذ لا فرق في الوجوب التعييني بين القريب و البعيد فلم يكن مجال لاستثنائهم.

و كذا الحال في الاستثناء حال نزول المطر كما ورد به النص الصحيح (1) فإنه إنما يتجه لو كان الواجب هو الحضور بعد الانعقاد، و إلا فوجوب العقد و الإقامة تعييناً لا يكاد يسقط بمثل هذه الأحوال و العوارض كما في سائر الفرائض.

و يؤيده: استثناء المرأة و المملوك في هذه الصحيحة و غيرها، فان المشروعية (2) ثابتة في حقهما أيضاً لو رغبا في الحضور كالمسافر على ما نطقت به بعض الأخبار (3) و إن كان سندها لا يخلو عن خدش، و إنما الساقط عنهما وجوب الحضور.

و بالجملة: سياق الرواية بمقتضى القرائن الداخلية و الخارجية يشهد بأنها في مقام بيان وجوب الحضور بعد العقد و النظر في عدم المعذورية إلى ذلك، و لا خفاء في دلالتها على الوجوب التعييني في هذه المرحلة، لا إلى الإقامة ابتداءً كي تدل على وجوب العقد تعييناً.

و من هنا يتجه التفصيل بين العقد و الانعقاد، فلا يجب في الأول و يجب الحضور تعييناً في الثاني.

و مما ذكرنا يظهر الجواب عن صحيحة أبي بصير و محمد بن مسلم: «من ترك الجمعة ثلاثاً متواليات بغير علة طبع اللّٰه على قلبه» و نحوها صحيحة زرارة المتقدمتين (4) فان المراد بقرينة الصحيحة المتقدمة آنفاً و غيرها إنما هو ترك الحضور بعد فرض الانعقاد لا ترك العقد و الإقامة ابتداءً.

____________

(1) الوسائل 7: 341/ أبواب صلاة الجمعة ب 23 ح 1.

(2) قد عرفت أن المشروعية غير وجوب الإقامة.

(3) الوسائل 7: 337/ أبواب صلاة الجمعة ب 18 ح 1.

(4) في ص 21، 22.

31

..........

____________

و من جميع ما قدّمناه يظهر سقوط القول بالوجوب التعييني، و أن المستفاد من الأدلة إنما هو الوجوب التخييري.

و منه يظهر الحال في المقام الثاني، أعني أصل المشروعية في قبال القائل بالحرمة، إذ بعد ثبوت الوجوب التخييري بالأدلة المتقدمة لا يبقى مجال للتشكيك في المشروعية، فالقول بحرمتها في زمن الغيبة ساقط جدّاً و سيأتي تفصيل الكلام فيه.

و فذلكة الكلام في المقام: أن صلاة الجمعة لا تجب تعييناً بدون الإمام أو المنصوب الخاص، و قد تسالم عليه الأصحاب و قام عليه إجماعهم، و إنما هي واجبة تخييراً، هذا في العقد الابتدائي، و أما الحضور بعد العقد فوجوبه التعييني و إن لم يكن بعيداً، بل هو الأقوى بالنظر إلى الأدلة، لكن الأصحاب حيث لم يلتزموا بذلك فالجزم به مشكل، و من هنا كان مقتضى الاحتياط الوجوبي رعاية ذلك و اللّٰه العالم.

المقام الثاني: في إثبات أصل المشروعية قبال من ينكرها رأساً و يدّعي الحرمة في زمن الغيبة، و الحال فيه و إن كان قد ظهر مما مرّ إجمالًا كما أشرنا إليه، لكن من الجدير التعرض لما استدل لذلك و تزييفه تفصيلًا استقصاءً للبحث.

فنقول: استدل المنكرون و هم القليل من الأصحاب كابن إدريس (1) و سلّار (2) و من تبعهما بأنّ إقامة الجمعة من المناصب المختصة بالإمام (عليه السلام) و من شؤونه و مزاياه فلا يجوز عقدها بدونه، أو المنصوب من قبله بالخصوص، و حيث لا يتيسّر الوصول إليه (عليه السلام) في عصر الغيبة و لا الاستئذان الخاص، فلا محالة يسقط الوجوب من أصله، لانتفاء المشروط‌

____________

(1) السرائر 1: 303.

(2) المراسم: 77.

32

..........

____________

بانتفاء شرطه، فتختص المشروعية بزمن الحضور فحسب.

و الجواب: أنه إن أُريد بذلك نفي الوجوب التعييني فهو و إن كان صواباً كما عرفت، لكنّا في غنى عن إقامة الدليل عليه، إذ يكفي في نفيه عدم قيام الدليل على الوجوب، و قد علم مما مرّ عند إبطال أدلة القائلين بالتعيين، فلا حاجة إلى إقامة الدليل على العدم بعد أن كان هو مقتضى الأصل.

و إن أُريد به نفي المشروعية و إنكار الوجوب من أصله، الجامع بين التعييني و التخييري، لمكان الاشتراط المزبور، فتدفعه إطلاقات الأدلة من الكتاب و السنّة، إذ ليس في شي‌ء منها إيعاز بهذا الشرط كي تتقيد به المطلقات. فلا بد في التقييد من إقامة الدليل عليه. و قد استدلّ له بأُمور:

الأول: الإجماع على عدم المشروعية ما لم يقمها إمام الأصل أو المنصوب من قِبَله بالخصوص.

و فيه: أن الإجماع إنما قام على عدم الوجوب التعييني كما قدّمناه في صدر المبحث، و أما نفي المشروعية رأساً فليس معقداً للإجماع، بل و لا مورداً للشهرة، فان الأشهر بل المشهور إنما هو الوجوب التخييري، و المنكرون للمشروعية جماعة قليلون كما نبّهنا عليه فيما تقدم. فدعوى الإجماع في المقام لا تخلو عن المجازفة.

الثاني: دعوى استقرار سيرة النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و الأئمة المعصومين من بعده على نصب أشخاص معيّنين لإقامة الجمعات، فكان لا يقيمها إلا من هو منصوب من قبلهم (عليهم السلام) بالخصوص، فيكشف ذلك عن اشتراط العقد بالاذن الخاص، فلا تشرع بدونه.

و هذه الدعوى كما ترى، بل هي من الغرابة بمكان، أما عصر النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فلا سبيل لنا إلى العلم بإقامة الجمعة في غير بلده (صلى اللّٰه عليه و آله) من سائر القرى و البلدان، إذ لم ينقله التاريخ و لم يرد به النص، و على‌

33

..........

____________

تقدير الإقامة فلم يعلم اشتراطها بالاذن و نصب شخص لها بالخصوص، فلا طريق لنا إلى استكشاف الحال و استعلام الوضع في ذلك العصر.

و أما زمن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) فهو و إن كان ينصب الولاة و القضاة في أقطار البلاد، و بطبيعة الحال كانوا هم المقيمين للجمعات إلا أنهم كانوا منصوبين لعامة الأُمور و كافة الشؤون، و كان تصدّيهم للجمعة من مقتضيات مقامهم حسب ما يقتضيه التعارف الخارجي، لا أنهم كانوا منصوبين بالخصوص لهذا الشأن، و بين الأمرين بون بعيد.

و أما في عصر سائر المعصومين (عليهم السلام) فلم يثبت منهم النصب رأساً و لا في مورد واحد، بل قد ثبت منهم الإذن على سبيل الإطلاق من دون تعيين شخص خاص كما تفصح عنه الأخبار المرخّصة لإقامتها في القرى إذا كان فيهم من يخطب لهم و غيرها (1) فدعوى استقرار السيرة مع عدم ثبوت النصب حتى في مورد واحد من غرائب الكلام.

الثالث: الأخبار الدالة على سقوط الصلاة عمّن بَعُد عن محل إقامتها بأزيد من فرسخين التي تقدمت الإشارة إليها (2) فان المراد بها بيان حكم سكنة القرى و البلدان البعيدة عن البلد الذي تقام فيه الجمعة، دون المسافرين و عابري السبيل، للمقابلة بين العنوانين في تلك الأخبار و غيرها كما لا يخفى.

و من الواضح أنه لا وجه لسقوط الوجوب المساوق لعدم المشروعية إلا اشتراط كون المقيم لها هو إمام الأصل أو نائبه الخاص غير المتحقق في تلك المحالّ، و إلا فلولا هذا الاشتراط و كانت مشروعة على الإطلاق كان عليهم الاجتماع و إقامتها في أماكنهم، إذ الغالب حصول سائر الشرائط من العدد و وجود مَن يخطب لهم، و لا أقل من أداء مسمى الخطبة و أقل الواجب منها‌

____________

(1) الوسائل 7: 306/ أبواب صلاة الجمعة ب 3.

(2) في ص 25.

34

..........

____________

المتيسر لكل أحد، لا سيما من يتمكن من إقامة الجماعة، فمن عدم إيجابها عليهم عندئذ رأساً يستكشف اشتراط الاذن و عدم المشروعية بدونه.

و الجواب: أنّ هذه الروايات المفصّلة بين من كان على رأس فرسخين و من زاد عنهما ناظرة إلى وجوب الحضور و عدمه دون أصل الإقامة، فيجب على الأوّلين السعي و الحضور إلى المحلّ الذي تقام فيه الجمعة تعييناً أو تخييراً فيما إذا لم تجتمع شرائط العقد لدى مَن بَعُد عنها بثلاثة أميال كما هو مقتضى الجمع بين الأخبار.

و أما غيرهم فلا يجب عليهم ذلك، لا أنها ساقطة عنهم رأساً و غير مشروعة منهم، فلا نظر فيها إلى أصل وجوب الإقامة و عدمها كما نبّهنا عليه سابقاً، بل مقتضى الإطلاق في بقية الأخبار شمول الوجوب لهم مع اجتماع الشرائط، غايته تخييراً لا تعييناً كما تقدم.

الرابع: أن إيجاب مثل هذا الحكم في زمن الغيبة مثار للفتنة و موجب للهرج و المرج فلا يظن بالشارع الحكيم تشريعه، فإن الإلزام باقتداء الكل خلف شخص واحد و إيكال تعيينه إليهم، مع تأبّي النفوس عن الائتمام خلف من يراه مثله أو دونه في الأهلية، و ميل الطباع لاشغال ذاك المنصب و حيازته، معرض للافتتان، بل موجب لاختلال النظام، لتشاحّ النفوس في طلب الرئاسة و التصدي لمقام الإمامة، فربما يؤدي إلى التشاجر و النزاع بين المسلمين، لانتصار أهل كل محلة لإمامها، و قد ينجرّ إلى القتل كما اتفق في عصرنا الحاضر في بعض البلاد، فلا بد و أن يكون التعيين بنظر الشارع و إذنه الخاص كي تنحسم به مادة النزاع.

و فيه أوّلًا: أن هذا التقرير على تسليمه فإنما يجدي لنفي التعيين لا أصل المشروعية و لو تخييراً، فانّ الوجوب التخييري حيث لا إلزام فيه على سبيل الحتم و البتّ لوجود المندوحة، فلا يتضمن الفتنة، لإمكان التخلص منها باختيار العدل الآخر و هو صلاة الظهر.

35

..........

____________

و ثانياً: أن الفتنة ممنوعة من أصلها حتى على القول بالوجوب التعييني، فإنّ من قدّم للإمامة إما أن يرى غيره أهليته لها لاستجماعه الشرائط أو لا، فعلى الأول يجب عليه الائتمام و لا حزازة فيه، و إن كان دونه في المقام فقد حثّ الشارع على التواضع و مجاهدة النفس، و حذّر عن الأنانية و الكِبَر، و قد شاهدنا بعض زهّاد العصر يأتم خلفه جمّ غفير من الجهابذة و الأساطين و هم أفقه منه و أعظم شأناً بمراتب غير قليلة.

و على الثاني: الجماعة باطلة بنظره، فلم تنعقد جمعة صحيحة كي يجب السعي إليها و الحضور فيها. هذا بناء على المختار احتياطاً من عدم الوجوب إلا بعد الانعقاد، و كذا على القول بوجوب العقد، فإنه يسقط عندئذ بناء على ما هو الأظهر من عدم جواز عقد جمعتين في بلد واحد حتى مع العلم ببطلان إحداهما، فلم يكن هناك موجب للافتتان و باعث على الجدال و النزاع من ناحية إيجاب الجمعة في حدّ نفسه، و أما البواعث الأُخر فهي أجنبية عن هذا التشريع كما لا يخفى، فتدبر جيداً.

الوجه الخامس: ما رواه الصدوق في العيون (1) و العلل (2) بسنده عن الفضل ابن شاذان عن الرضا (عليه السلام) في وجه صيرورة صلاة الجمعة ركعتين دون أربع، و قد اشتمل الحديث على بيان علل شتى قد استشهد للمطلوب بفقرتين منها:

إحداهما: قوله (عليه السلام): «لأن الصلاة مع الإمام أتم و أكمل، لعلمه و فقهه و فضله و عدله» (3) حيث يظهر منها أن الامام المقيم للجمعة يمتاز عنه في بقية الجماعات، لاعتبار كونه عالماً فقيهاً فاضلًا عادلًا، و لا شك في عدم اعتبار شي‌ء من هذه الصفات في أئمة الجماعات ما عدا الأخير، فيعلم من ذلك عدم‌

____________

(1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 111/ 1.

(2) علل الشرائع: 264/ 9.

(3) الوسائل 7: 312/ أبواب صلاة الجمعة ب 6 ح 3.

36

..........

____________

صلاحية كل أحد لإقامة الجمعة إلا من كان حاوياً لهذه الخصال و لا يكون إلا الإمام أو المنصوب الخاص.

ثانيتهما: قوله (عليه السلام): «إنما جعلت الخطبة يوم الجمعة لأنّ الجمعة مشهد عام، فأراد أن يكون للأمير كما عن العلل (1) للإمام كما عن العيون، سبب إلى موعظتهم، و ترغيبهم في الطاعة و ترهيبهم عن المعصية، و توقيفهم على ما أراد من مصلحة دينهم و دنياهم، و يخبرهم بما ورد عليهم من الآفاق و من الأهوال التي لهم فيها المضرة و المنفعة، و لا يكون الصابر في الصلاة منفصلًا و ليس بفاعل غيره ممن يؤم الناس في غير يوم الجمعة ..» إلخ (2) و الجملة الأخيرة أعني قوله: «و ليس بفاعل ...» إلخ غير مذكورة في العيون كما نبّه عليه في الوسائل.

و كيف كان، فالمستفاد من هذه الفقرة من الحديث أيضاً امتياز إمام الجمعة عن غيرها و عدم أهلية كل شخص لها، بل يعتبر أن يكون المقيم من له خبرة بالأُمور و اطلاع بأحوال البلاد، و ما يجري فيها من الحوادث، كي يعلن للناس ما يرد عليه من الآفاق، و يرشدهم إلى ما فيه صلاحهم و فسادهم، و يوقفهم على ما يمسّهم من المضارّ و المنافع، و يعظهم و يمنّيهم و يرغّبهم و يرهبهم، و مَن هذا شأنه لا بد و أن تكون له السيطرة على الأُمور و التسلط على كافة الشؤون، و ليس هو إلا الإمام (عليه الإمام) أو المنصوب الخاص، فليس لغيره التصدّي لهذا المقام.

و الجواب: أن الامتياز المزبور مما لا مساغ لإنكاره، غير أنه ليس لأجل اعتبار هذه الأُمور في إمام الجمعة شرعاً بحيث لا تنعقد مع الفاقد لها، بل لأن طبع الحال يقتضي ذلك، إذ بعد كون الجمعة مشهداً عظيماً يشترك فيه جميع المسلمين، لانحصار عقدها في البلد و نواحيها إلى ما دون الفرسخين من كل‌

____________

(1) [بل الموجود في العلل للإمام].

(2) الوسائل 7: 344/ أبواب صلاة الجمعة ب 25 ح 6.

37

..........

____________

جانب في جمعة واحدة، فلا محالة يتقدم الأصلح منهم، الأفقه الأفضل الأعدل، الخبير بأحوال المسلمين و البصير بشؤونهم، كي يتمكن من أداء خطبة ينتفع منها جميع الحاضرين، دون غير الأصلح المقتصر على مسمى الخطبة أو ما لا تتضمن مصالحهم، فاتصاف الامام بهذه الصفات في مثل هذه الصلاة التي تمتاز عن صلاة بقية الأيام بما ذكر، مما تقتضيه طبيعة الحال و الجري الخارجي المتعارف بين المسلمين، فهو اعتبار عرفي لا شرط شرعي، و بين الأمرين بون بعيد.

هذا كله مع أن الرواية ضعيفة السند، لضعف طريق الصدوق إلى الفضل بن شاذان، فان في الطريق علي بن محمد بن قتيبة و لم يوثّق، و عبد الواحد بن عبدوس النيشابوري العطار الذي هو شيخ الصدوق و لم يوثق أيضاً. نعم قد ترضّى عليه الصدوق عند ذكره فقال: رضي اللّٰه عنه (1)، لكنه غير كاف في التوثيق كما لا يخفى.

السادس: موثقة سماعة قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الصلاة يوم الجمعة، فقال: أما مع الامام فركعتان، و أما لمن صلى وحده فهي أربع ركعات و إن صلوا جماعة» (2) هكذا رواها الشيخ (3) و الصدوق (4) غير أنها في طريق الثاني خالية عن القيد الأخير أعني قوله «و إن صلوا جماعة».

و كيف كان، فهي كالنص في تغاير إمام الجمعة مع أئمة بقية الجماعات، للتصريح بأنه مع فقد الإمام فهي أربع و إن صلّوا جماعة. فيظهر أن إمام الجماعة في بقية الصلوات غير مَن هو الإمام في صلاة الجمعة، و أن من يقيمها ليس هو‌

____________

(1) الفقيه 4 (المشيخة): 54.

(2) الوسائل 7: 314/ أبواب صلاة الجمعة ب 6 ح 8.

(3) [بل رواها مطابقة لمتن رواية الكليني الآتية، لاحظ التهذيب 3: 19/ 70].

(4) الفقيه 1: 269/ 1230.

38

..........

____________

مطلق مَن يصلي بالناس جماعة، و إنما هو شخص معيّن و ليس إلا الإمام (عليه السلام) أو المنصوب بالخصوص.

و الجواب عن ذلك يظهر من رواية الكليني (1) هذه بعين السند، بحيث لا يحتمل تعدد الروايتين مع اختلاف يسير في المتن يكشف القناع عن هذا الإجمال، قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الصلاة يوم الجمعة، فقال: أما مع الامام فركعتان، و أما مَن يصلي وحده فهي أربع ركعات بمنزلة الظهر، يعني إذا كان إمام يخطب، فان لم يكن إمام يخطب فهي أربع ركعات و إن صلوا جماعة». و الظاهر أن التفسير من الراوي.

و عليه فالمراد بالإمام هو مَن يخطب، أي يكون متهيئاً بالفعل لأداء الخطبة التي يتمكن من مسمّاها و أقل الواجب منها كل أحد كما مرّ غير مرة، فلا دلالة فيها على اعتبار إمام خاص.

السابع: عدة روايات دلت على أن الجمعة من مناصب الامام (عليه السلام) كالخبر المروي عن دعائم الإسلام عن علي (عليه السلام) أنه «قال: لا يصلح الحكم و لا الحدود و لا الجمعة إلا للإمام أو من يقيمه الامام (عليه السلام)» (2).

و المروي عن كتاب الأشعثيات مرسلًا «أن الجمعة و الحكومة لإمام المسلمين» (3).

و المرسل الآخر عنهم (عليهم السلام): «إن الجمعة لنا و الجماعة لشيعتنا» (4) و نحوها غيرها.

____________

(1) الوسائل 7: 310/ أبواب صلاة الجمعة ب 5 ح 3، الكافي 3: 421/ 4.

(2) دعائم الإسلام 1: 182 و فيه: «لا يصلح الحكم و لا الحدود و لا الجمعة إلّا بإمام».

(3) الموجود في النص هو «لا يصح الحكم و لا الحدود و لا الجمعة إلا بإمام» المستدرك 6: 13/ أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 5 ح 2، الأشعثيّات: 43.

(4) أورده في الجواهر 11: 158 نقلا عن رسالة ابن عصفور.

39

..........

____________

و الجواب: مضافاً إلى ضعف أسانيد الجميع بالإرسال، أنّ غاية ما يستفاد منها كون الجمعة حقاً للإمام (عليه السلام) و مِن مناصبه بحسب الجعل الأوّلي، فلا ينافي ذلك إذنهم (عليهم السلام) للشيعة و ترخيصهم في إقامتها على سبيل الإطلاق كما ثبت في الحكم و نحوه، و قد ثبت الاذن العام عنهم (عليهم السلام) في المقام بمقتضى الأخبار المتقدّمة الدالة على الوجوب التخييري التي منها ما دلت على الوجوب إذا كان هناك إمام يخطب.

و من ذلك يظهر الجواب عما استدلوا به من قوله (عليه السلام) في الصحيفة السجادية في دعاء يوم الجمعة و الأضحى: «اللهم إنّ هذا المقام لخلفائك و أصفيائك و مواضع أُمنائك في الدرجة الرفيعة التي اختصصتهم بها قد ابتزوها و أنت المقدّر لذلك إلى قوله (عليه السلام) حتى عاد صفوتك و خلفاؤك مغلوبين مقهورين مبتزين يرون حكمك مبدّلًا و كتابك منبوذاً ..» إلخ (1). فإن غايته أن هذا المقام أي إقامة الجمعة حق مختص بهم (عليهم السلام) فلا ينافي تفويضه لشيعتهم و ترخيصهم في إقامتها من دون تعيين شخص خاص كما عرفت.

الثامن: الأخبار الواردة فيما إذا اجتمع عيد و جمعة المتضمنة لإذن الإمام (عليه السلام) في خطبة العيد للنائين بالرجوع إلى أماكنهم إن شاؤوا و عدم حضور الجمعة الكاشفة عن كون الإقامة حقاً مختصاً به (عليه السلام) و إلا فكيف يسوغ له الترخيص في ترك فريضة عينية إلهية، و هل ذاك إلا كترخيصه في ترك صلاة الغداة مثلًا.

فمنها: صحيحة الحلبي «أنه سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الفطر و الأضحى إذا اجتمعا في يوم الجمعة، فقال: اجتمعا في زمان علي (عليه السلام)، فقال: من شاء أن يأتي إلى الجمعة فليأت، و من قعد فلا يضرّه‌

____________

(1) الصحيفة السجادية: 351/ 150.

40

..........

____________

و ليصلّ الظهر، و خطب خطبتين جمع فيهما خطبة العيد و خطبة الجمعة» (1).

و خبر سلمة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: اجتمع عيدان على عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) فخطب الناس فقال: هذا يوم اجتمع فيه عيدان فمن أحب أن يجمع معنا فليفعل، و من لم يفعل فانّ له رخصة، يعني من كان متنحياً» (2).

و رواية إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه (عليه السلام) «أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان يقول: إذا اجتمع عيدان للناس في يوم واحد فإنه ينبغي للإمام أن يقول للناس في خطبته الاولى: إنه قد اجتمع لكم عيدان فأنا أُصليهما جميعاً، فمن كان مكانه قاصياً فأحبّ أن ينصرف عن الآخر فقد أذنت له» (3).

و الجواب: أن شيئاً من هذه الروايات لا دلالة لها على المطلوب.

أما الصحيحة، فلأنها بيان للحكم المجعول في الشريعة المقدسة على سبيل القضية الحقيقية، و أنه مهما اجتمع عيدان فالمكلفون مخيّرون بين حضور الجمعة و تركها بترخيص ثابت من قبل الشارع الأقدس كما في سائر الاحكام، لا أنه حق مختص بالإمام (عليه السلام) كي يكون الاذن المزبور مستنداً إليه كما لعلّه ظاهر.

و أما خبر سلمة، فمخدوش لضعف السند أوّلًا، فانّ في الطريق معلى بن محمد و لم يوثّق، و كذا الحسين بن محمد، و إن كان الظاهر أن المراد به الحسين بن محمد بن عامر بن عمران الثقة بقرينة روايته عن معلى بن محمد. و كيف كان فيكفي الأول في قدح السند لولا وقوعه في إسناد كامل الزيارات (4).

____________

(1) الوسائل 7: 447/ أبواب صلاة العيد ب 15 ح 1، 2.

(2) الوسائل 7: 447/ أبواب صلاة العيد ب 15 ح 1، 2.

(3) الوسائل 7: 448/ أبواب صلاة العيد ب 15 ح 3.

(4) و قد عدل (قده) عن ذلك أخيراً.

41

..........

____________

و ثانياً: بقصور الدلالة بنحو ما مرّ في الصحيحة، فإن قوله (عليه السلام): «فان له رخصة» بيان للترخيص الثابت من قِبل اللّٰه تعالى الذي هو حكم من الأحكام، لا أنه إعمال لحقه المختص به (عليه السلام).

و أما رواية إسحاق، فمضافاً إلى ضعف سندها بمحمد بن حمزة بن اليسع و محمد بن الفضيل حسب نقل صاحب الوسائل، لترددهما بين الموثق و غيره، قاصرة الدلالة أيضاً، فإنّ ظاهر الإسناد في قوله: «فقد أذنت له» و إن كان إلى الامام إلا أنه ليس بما هو إمام بل بما هو مبيّن للحكم الإلهي و يفرغ عن لسان الشارع المقدّس، نظير ما يقوله المجتهد للمستفتي: أذنت لك في كذا، أو لا آذن أن تفعل كذا، فان الجميع بيان عن الحكم الثابت في الشريعة المقدّسة، و لا خصوصية للإمام أو المجتهد بما هو كي يكشف عن الحق و الاختصاص.

و قد تلخّص من جميع ما تقدّم عدم اشتراط إقامة الجمعة بالإذن الخاص، لضعف مستند القائلين بالاشتراط، فلا فرق في مشروعيتها بين عصري الحضور و الغيبة عملًا بإطلاق الأدلة، كما أنها غير واجبة تعييناً، لقيام الدليل على العدم كما مرّ مستقصى. و نتيجة ذلك هو الوجوب التخييري على التفصيل الذي تقدم، هذا كله بحسب ما تقتضيه الأدلة الاجتهادية.

و أمّا بالنظر إلى الأصل العملي فنقول: لو أغضينا النظر عن كل ما ورد في صلاة الجمعة من دليل يقتضي الوجوب تعييناً أو تخييراً أو الحرمة و فرضناها كأن لم تكن، فتخرّجنا من المسألة و لمّا نجزم بشي‌ء، فالمرجع حينئذ هي العمومات أو الإطلاقات الدالة على وجوب سبع عشرة ركعة على كل مكلف في كل يوم، و نتيجة ذلك تعين الظهر يوم الجمعة كسائر الأيام.

و لو فرضنا التشكيك في ذلك، لعدم ثبوت عموم أو إطلاق في تلك الأدلة فلا محالة ينتهي الأمر إلى الأصل العملي، و صور الشك حينئذ أربع:

الاولى: أن يتردد الأمر بين وجوب الجمعة تعييناً أو تخييراً بعد الجزم بأصل‌

42

..........

____________

المشروعية، و المرجع حينئذ أصالة البراءة عن تعيّن الجمعة، لاندراج المقام في كبرى الدوران بين التعيين و التخيير، و المختار فيها الرجوع إلى البراءة العقلية و النقلية، للعلم بجامع الوجوب و الشك في خصوصية زائدة مدفوعة بالأصل كما حرّر في الأُصول (1).

الثانية: أن تتردد بين الحرمة و الوجوب مع القطع بعدم التعيين على تقدير الوجوب، فيكون الدوران بين الحرمة و الوجوب التخييري، و الحال فيه كما مرّ، إذ احتمال الحرمة مساوق لاحتمال تعيّن الظهر، فيدور الأمر بين وجوبها التعييني و التخييري، و المرجع هي البراءة عن التعييني كما عرفت.

الثالثة: أن يدور الأمر بين كل من الحرمة و الوجوب التعييني و التخييري، و هذه الصورة أيضاً كسابقتيها في الاندراج تحت تلك الكبرى، لدوران الأمر حينئذ بين تعيّن كل من الظهر أو الجمعة و التخيير بينهما، فيرجع إلى البراءة عن التعييني، غايته من الطرفين، و نتيجة ذلك هو الوجوب التخييري أيضاً.

الرابعة: أن تتردد الجمعة بعد القطع بعدم الوجوب التخييري بين الحرمة و الوجوب التعييني، و المرجع حينئذ قاعدة الاشتغال، للعلم الإجمالي بالتكليف و الشك في المكلف به، فيجب الجمع بين الظهر و الجمعة تحصيلًا للقطع بالفراغ عن التكليف المعلوم.

هذا فيما إذا لم يتيقن بوجوب الجمعة في زمن الحضور تعييناً، و أما مع اليقين به و احتمال انقلابه إلى التخيير أو الحرمة في زمن الغيبة، فالمرجع هو الاستصحاب بناءً على ما هو المشهور من جريانه في الشبهات الحكمية، و أما على ما هو التحقيق من المنع فالاستصحاب ساقط في المقام، و المرجع هو ما ذكرناه على التفصيل الذي عرفت.

هذا تمام الكلام في صلاة الجمعة.

____________

(1) مصباح الأصول 2: 456.

43

[و أما النوافل فكثيرة]

و أما النوافل فكثيرة، آكدها الرواتب اليومية، و هي في غير يوم الجمعة أربع و ثلاثون ركعة ثمان ركعات قبل الظهر، و ثمان ركعات قبل العصر، و أربع ركعات بعد المغرب، و ركعتان بعد العشاء من جلوس تعدّان بركعة (1).

____________

(1) قد ورد الحثّ الأكيد و الاهتمام البليغ بشأن الرواتب اليومية و المحافظة عليها في تضاعيف الأخبار (1)، و أنها مكمّلة للفرائض و من علامات المؤمن، بل في بعضها: أنّ ترك البعض منها معصية، أو فعلها واجب و نحو ذلك مما لم يرد في بقية النوافل، و لأجله كانت هي أفضل و آكد، مضافاً إلى ظهور الإجماع و التسالم عليه.

و أما عددها: فهي في غير يوم الجمعة أربع و ثلاثون ركعة: ثمان ركعات قبل الظهر، و ثمان قبل العصر، و أربع بعد المغرب، و ركعتان بعد العشاء من جلوس تعدّان بركعة، و ركعتان قبل صلاة الفجر، و إحدى عشرة ركعة صلاة الليل، فيكون المجموع بضميمة الفرائض إحدى و خمسين ركعة. و قد استفاضت النصوص بل تواترت بذلك (2).

و الظاهر اتفاق الأصحاب عليه و إن اختلفت كلماتهم كالنصوص في التعبير عنها بالخمسين تارة، و باحدى و خمسين اخرى، لكن ذلك مجرد اختلاف في التعبير و في كيفية العدّ و الاحتساب بعد التسالم على الحكم، فان القصر على الخمسين مبني على عدم كون الوتيرة أعني نافلة العشاء من الرواتب بحسب الجعل الأوّلي و بلحاظ أصل التشريع، إما لما في بعض الأخبار من أنها بدل عن الوتر (3) فلم يجمع بين البدل و المبدل منه في العدّ، أو لما في بعضها الآخر (4) من‌

____________

(1) الوسائل 4: 70/ أبواب أعداد الفرائض ب 17 و ما بعده من الأبواب.

(2) الوسائل 4: 45/ أبواب أعداد الفرائض ب 13.

(3) الوسائل 4: 45/ أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 2 و ب 29 ح 8.

(4) الوسائل 4: 95/ أبواب أعداد الفرائض ب 29 ح 3.

44

..........

____________

أنها إنما شرّعت لاستكمال العدد كي يكون عدد النوافل ضعف الفرائض، فكأنها لم تكن مجعولة بالذات و لذا لم تحسب منها.

و كيف كان، فلا ينبغي الإشكال في الحكم نصاً و فتوى. نعم قد يتراءى من بعض الأخبار ما يوهم خلاف ذلك كصحيح زرارة الدال على أن المجموع أربع و أربعون ركعة بإسقاط ركعتين من نافلة المغرب، و أربع ركعات من نافلة العصر، قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): ما جرت به السنة في الصلاة؟ فقال: ثمان ركعات الزوال، و ركعتان بعد الظهر، و ركعتان قبل العصر، و ركعتان بعد المغرب، و ثلاث عشرة ركعة من آخر الليل منها الوتر و ركعتا الفجر، قلت: فهذا جميع ما جرت به السنة؟ قال: نعم» الحديث (1) لكنها لأجل مخالفتها مع تلكم النصوص المستفيضة كما عرفت لا بد من التصرف فيها، إما بالحمل على اختلاف مراتب الفضل و أن هذه الست ركعات ليست بمثابة الباقي في الفضيلة، فيكون المراد بما جرت به السنة هو الذي استمرت عليه سيرة النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) بحيث لم يكن يأتي بأقل منها اهتماماً بشأنها، أو أنها تحمل على التقية.

و ربما يوجد في بعض الأخبار ما يوهم غير ذلك، و هي أيضاً محمولة على اختلاف مراتب الفضل و ليست من تعارض الأخبار كما لا يخفى.

ثم إن نافلة العصر لا إشكال في كونها ثمان ركعات قبل فريضة العصر كما عرفت و إن اختلف التعبير عن ذلك في لسان الأخبار، ففي بعضها عبّر بمثل ذلك كما في رواية الفضل بن شاذان (2).

و في بعضها: أنها أربع بعد الظهر و أربع قبل العصر كما في رواية البزنطي (3).

و في ثالث: أنها ثمانية بعد الظهر كما في رواية الحارث بن المغيرة‌

____________

(1) الوسائل 4: 59/ أبواب أعداد الفرائض ب 14 ح 3.

(2) الوسائل 4: 54/ أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 23.

(3) الوسائل 4: 47/ أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 7.

45

و يجوز فيهما القيام [1] بل هو الأفضل (1) و إن كان الجلوس أحوط، و تسمى بالوتيرة، و ركعتان قبل صلاة الفجر، و إحدى عشرة ركعة صلاة الليل و هي ثمان ركعات، و الشفع ركعتان، و الوتر ركعة واحدة.

____________

النضري (1). و الموجود في الوسائل النصري بالصاد، و الصحيح ما ذكرناه.

و في رابع: أنها ست ركعات بعد الظهر، و ركعتان قبل العصر كما في موثقة سليمان بن خالد (2).

و بالجملة: فالمراد من الجميع شي‌ء واحد و إنما الاختلاف في مجرد التعبير.

ثم إن ما في بعض الأخبار من أن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) كان يأوي بعد العشاء الآخرة إلى فراشه و لم يكن يأتي بالوتيرة (3)، لا ينافي استحبابها و كونها من الرواتب، إذ من الجائز أنّ ذلك من جهة أنها بدل عن نافلة الليل فيحتسب عنها فيما إذا لم يوفّق المكلف لها كما نص عليه في جملة من الأخبار، و حيث أن نافلة الليل كانت واجبة عليه (صلى اللّٰه عليه و آله) و لم يكن هناك احتمال الفوت فلا موضوع للبدل بعد الجزم بإتيان المبدل منه.

(1) كما صرّح به و بأفضليته غير واحد على ما هو الشأن في سائر النوافل، و يستدل له بروايتين، إحداهما: موثقة سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: ... و ركعتان بعد العشاء الآخرة يقرأ فيهما مائة آية قائماً أو قاعداً، و القيام أفضل، و لا تعدّهما من الخمسين» (4).

ثانيتهما: معتبرة الحارث بن المغيرة «... و ركعتان بعد العشاء الآخرة كان أبي يصليهما و هو قاعد و أنا أُصليهما و أنا قائم ...» إلخ (5) فإنّهما صريحتان في‌

____________

[1] فيه إشكال، بل الأظهر عدم جوازه.

____________

(1) الوسائل 4: 48/ أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 9.

(2) الوسائل 4: 51/ أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 16.

(3) الوسائل 4: 61/ أبواب أعداد الفرائض ب 14 ح 6.

(4) الوسائل 4: 51/ أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 16، 9.

(5) الوسائل 4: 51/ أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 16، 9.

46

..........

____________

الجواز، كما أن الاولى ناطقة بالأفضلية و الثانية ظاهرة فيها، نظراً إلى أن الاختلاف بين الصادق و أبيه (عليهما السلام) في الكيفية مستند إلى صعوبة القيام الناشئة من كبر السن و عظم جثته الشريفة كما أُشير إليه في رواية حنان بن سدير عن أبيه قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): أ تصلي النوافل و أنت قاعد؟ فقال: ما أُصليها إلا و أنا قاعد منذ حملت هذا اللحم و ما بلغت هذا السن» (1). و أما الصادق (عليه السلام) فحيث لم يكن كذلك اختار القيام لأفضليته.

و لكن الظاهر عدم المشروعية فضلًا عن الأفضلية، و أن الجلوس معتبر في حقيقة الوتيرة لتقييد دليل التشريع بذلك، فان النصوص برمّتها قد تضمنت ذلك، و في بعضها (2) التصريح بأنهما تحسبان بركعة واحدة تكملة لعدد النوافل لكي تكون ضعف الفرائض، و في بعضها (3) أن الرضا (عليه السلام) كان يصليهما عن جلوس مع أنه (عليه السلام) لم يكن بديناً، فلولا أنهما مقيدتان بالجلوس لم يكن وجه لاختياره و ترك ما يدعى أنه الأفضل، كما لم يكن وجه للتكميل المزبور، لتقوّمه باحتسابهما ركعة واحدة، فلو ساغ فيهما القيام لأصبحتا ركعتين و زاد عدد الفرائض عن ضعف الفرائض بركعة واحدة و لم تتحقق التكملة.

و أما الروايتان المزبورتان فالظاهر أنهما ناظرتان إلى صلاة أُخرى تستحب بعد العشاء غير الوتيرة، و لا تحسبان من النوافل المرتّبة و لا تعدّان منها كما صرّح بذلك في ذيل موثقة سليمان بن خالد (4) و هما اللتان يستحب فيهما القيام‌

____________

(1) الوسائل 5: 491/ أبواب القيام ب 4 ح 1.

(2) الوسائل 4: 95/ أبواب أعداد الفرائض ب 29 ح 3، 6.

(3) الوسائل 4: 47/ أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 7.

(4) الوسائل 4: 51/ أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 16.

47

و أما يوم الجمعة فيزاد على الست عشرة أربع ركعات، فعدد الفرائض سبع عشرة ركعة، و عدد النوافل ضعفها بعد عدّ الوتيرة ركعة، و عدد مجموع الفرائض و النوافل إحدى و خمسون، هذا (1).

____________

و قراءة مائة آية، فلا ربط لهما بما نحن بصدده من صلاة الوتيرة المعدودة من النوافل المرتبة، هذا.

و أن صحيحة الحجّال صريحة فيما ذكرناه قال: «كان أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) يصلي ركعتين بعد العشاء يقرأ فيهما بمائة آية و لا يحتسب بهما، و ركعتين و هو جالس يقرأ فيهما بقل هو اللّٰه أحد، و قل يا أيها الكافرون ..» إلخ (1).

و نحوها صحيحة عبد اللّٰه بن سنان قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: لا تصل أقل من أربع و أربعين ركعة، قال: و رأيته يصلي بعد العتمة أربع ركعات» (2).

فما عن المحقق الهمداني عند تعرضه لهذه الصحيحة من أنه لم يعرف وجه هذه الأربع ركعات و لعلها صلاة جعفر (عليه السلام) (3) في غير محله، لما عرفت من دلالة الصحيحة المتقدمة على استحباب ركعتين أُخريين بعد العشاء غير الوتيرة يكون المجموع أربع ركعات، و هما اللتان يكون القيام فيهما أفضل دون الوتيرة.

و ظنّي أن من أفتى بأفضلية القيام فيها لم يعثر على هذه الصحيحة التي هي كالصريحة في أن مورد الأفضلية صلاة أُخرى غير الوتيرة فلاحظ.

(1) لا ريب في اختلاف نوافل يوم الجمعة عن غيرها عدداً و ترتيباً كما تضمنه غير واحد من الأخبار، بيد أنها مختلفة المفاد، ففي بعضها أن الزائد أربع‌

____________

(1) الوسائل 4: 253/ أبواب المواقيت ب 44 ح 15.

(2) الوسائل 4: 60/ أبواب أعداد الفرائض ب 14 ح 4.

(3) مصباح الفقيه (الصلاة): 5 السطر 7.

48

و يسقط في السفر نوافل الظهرين (1).

____________

ركعات كما في المتن فيكون المجموع عشرين ركعة كما في صحيحة البزنطي قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن التطوع يوم الجمعة، قال: ست ركعات في صدر النهار، و ست ركعات قبل الزوال، و ركعتان إذا زالت، و ست ركعات بعد الجمعة، فذلك عشرون ركعة سوى الفريضة» (1).

و في بعضها الآخر أنه ست ركعات فيكون المجموع اثنتين و عشرين ركعة كما في صحيحة سعد بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «سألته عن الصلاة يوم الجمعة كم ركعة هي قبل الزوال؟ قال: ست ركعات بكرة و ست بعد ذلك، اثنتا عشرة ركعة، و ست ركعات بعد ذلك، ثماني عشرة ركعة، و ركعتان بعد الزوال، فهذه عشرون ركعة، و ركعتان بعد العصر فهذه ثنتان و عشرون ركعة» (2).

و في بعضها أنها كسائر الأيام عدداً، و إن زاد فهو خير، و إن اختلف معها في الترتيب كما في صحيحة سعيد الأعرج (3) و حيث إن الاختلاف في هذه الأخبار محمول على اختلاف مراتب الفضل فلا مانع من العمل بكل منها، و الغرض منها إنما هو الإيعاز إلى ما لهذا اليوم من الفضيلة و اهتماماً بشأن هذه الفريضة و ما تستحقه من التجليل و التعظيم من غير إلزام في البين، و من ثم ساغ الاقتصار على عدد سائر الأيام كما سمعته من النص.

فما عن الصدوقين من أن يوم الجمعة كسائر الأيام من غير فارق (4) إن أرادا به نفي الإلزام فنعم الوفاق و إلا فالفارق النص الذي لا سبيل للاجتهاد في مقابلته.

(1) بلا خلاف و لا إشكال، بل إجماعاً كما ادعاه غير واحد، بل عن المدارك‌

____________

(1) الوسائل 7: 323/ أبواب صلاة الجمعة ب 11 ح 6، 5، 7.

(2) الوسائل 7: 323/ أبواب صلاة الجمعة ب 11 ح 6، 5، 7.

(3) الوسائل 7: 323/ أبواب صلاة الجمعة ب 11 ح 6، 5، 7.

(4) لاحظ الفقيه 1: 267، المقنع: 146.

49

و الوتيرة على الأقوى [1] (1).

____________

نسبته إلى قطع الأصحاب (1).

و تدل عليه جملة وافرة من النصوص التي منها صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن الصلاة تطوّعاً في السفر، قال: لا تصلّ قبل الركعتين و لا بعدهما شيئاً نهاراً» (2) و نحوها غيرها مما يظهر منه أنّ السقوط على سبيل العزيمة كما يفصح عنه ما في ذيل رواية الحنّاط من قوله (عليه السلام): «يا بني لو صلحت النافلة في السفر تمّت الفريضة» (3).

كما لا إشكال أيضاً في عدم سقوط نوافل ما لا تقصير فيه كالفجر و المغرب و كذا نافلة الليل، و يدلُّ عليه مضافاً إلى إطلاق أدلتها الشامل للحضر و السفر بعض النصوص الخاصة، كما ورد في نافلة المغرب من قوله: «لا تدعهنّ في سفر و لا حضر» (4).

و في موثقة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، منها الوتر و ركعتا الفجر في السفر و الحضر» (5).

و صحيحة محمد بن مسلم قال: «قال لي أبو جعفر (عليه السلام): صلّ صلاة الليل و الوتر و ركعتين في المحمل» (6) و نحوها غيرها.

و إنما الإشكال في سقوط الوتيرة، أعني نافلة العشاء في السفر، و ستعرف الحال فيها.

(1) على المشهور، بل نسب إلى ظاهر العلماء، بل عن ابن إدريس دعوى‌

____________

[1] فيه إشكال و الأحوط الإتيان بها رجاء.

____________

(1) المدارك 3: 26.

(2) الوسائل 4: 81/ أبواب أعداد الفرائض ب 21 ح 1.

(3) الوسائل 4: 82/ أبواب أعداد الفرائض ب 21 ح 4.

(4) الوسائل 4: 83/ أبواب أعداد الفرائض ب 21 ح 7.

(5) الوسائل 4: 91/ أبواب أعداد الفرائض ب 25 ح 6، 2.

(6) الوسائل 4: 91/ أبواب أعداد الفرائض ب 25 ح 6، 2.

50

..........

____________

الإجماع عليه (1) استناداً إلى إطلاق جملة من النصوص الواردة في سقوط نوافل الرباعية التي منها صحيحة عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما و لا بعدهما شي‌ء إلا المغرب ثلاث» (2) و قد سمعت ما في رواية الحناط: «لو صلحت النافلة في السفر تمت الفريضة».

و لكن جماعة منهم الشيخ في النهاية (3) ذهبوا إلى عدم السقوط، و مال إليه غير واحد من المتأخرين منهم المحقق الهمداني (قدس سره) لولا انعقاد الإجماع على خلافه (4) و يستدل له بوجوه:

أحدها: ما رواه الصدوق بإسناده عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) في حديث «قال: و إنما صارت العتمة مقصورة و ليس تترك ركعتاها (ركعتيها) لأن الركعتين ليستا من الخمسين، و إنما هي زيادة في الخمسين تطوعاً ليتمّ بهما بدل كل ركعة من الفريضة ركعتين من التطوع» (5).

دلت بوضوح على عدم السقوط، لعدم احتساب الوتيرة من النوافل المرتّبة في أصل التشريع، و إنما زيدت لمكان التكميل، فلا ينافي ما دل على سقوط نوافل المقصورة.

و منه يظهر عدم سقوط الركعتين اللتين قلنا باستحبابهما بعد العشاء الآخرة مستقلا، لعدم كونهما أيضاً من تلك النوافل كما تقدم.

و بالجملة فلا إشكال في الدلالة، و إنما الكلام في السند.

فقد ناقش فيه صاحب المدارك باشتمال طريق الصدوق إلى الفضل بن‌

____________

(1) السرائر 1: 194.

(2) الوسائل 4: 82/ أبواب أعداد الفرائض ب 21 ح 3.

(3) النهاية: 57.

(4) مصباح الفقيه (الصلاة): 12 السطر 30.

(5) الوسائل 4: 95/ أبواب الفرائض ب 29 ح 3، علل الشرائع: 267.

51

..........

____________

شاذان على عبد الواحد بن عبدوس، و علي بن محمد بن قتيبة و لم يرد فيهما توثيق (1).

و أجاب عنه غير واحد بأنه يكفي في وثاقه الأول كونه من مشايخ الصدوق، و لا سيما و قد ترضّى عليه كثيراً (2) فإنه لا يقصر عن التوثيق الصريح.

و أضاف المحقق الهمداني بما لفظه: لا شبهة في أن قول بعض المزكّين بأنّ فلاناً ثقة أو غير ذلك من الألفاظ التي اكتفوا بها في تعديل الرواة لا يؤثّر في الوثوق أزيد مما يحصل من إخبارهم بكونه من مشايخ الإجازة (3).

و أما الثاني فقد اعتمد عليه أبو عمرو الكشي في رجاله على ما حكاه النجاشي (4)، فهو من مشايخه و اعتماده عليه لا يقل عن توثيقه له.

أضف إلى ذلك: أن العلامة قد صحح الطريق المشتمل على الرجلين، حيث إنه روى حديث الإفطار على المحرّم و لم يتأمل في صحته إلا من ناحية ابن عبدوس (5)، و أخيراً حكم بوثاقته و صحح الحديث (6). و هذا يدل طبعاً على توثيقه لعلي بن محمد بن قتيبة أيضاً.

أقول: قد ذكرنا في محلّه (7) أن مجرد الشيخوخة لا يكفي في الوثاقة، و لا سيما في مثل الصدوق الذي يروي عن كل من سمع منه الحديث، حتى أنّ في مشايخه من هو في أعلى مراتب النصب كالضبي حيث قال في حقه: إنّي لم أر أنصب منه فقد كان يقول: اللهم صل على محمد منفرداً (8).

____________

(1) المدارك 3: 27.

(2) التوحيد: 242/ 4، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 121/ 1.

(3) مصباح الفقيه (الصلاة): 12 السطر 14.

(4) رجال النجاشي: 259/ 678.

(5) المختلف 3: 314.

(6) خلاصة الأقوال: 296/ 1103.

(7) معجم رجال الحديث 1: 73.

(8) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 279.

52

..........

____________

نعم، من كان ملتزماً بأن لا يروي بلا واسطة إلا عن الثقة كما يظهر ذلك من النجاشي فلا ريب أن روايته عنه توثيق له، لكن من الواضح أنّ الصدوق و كذلك الكشي لم يكونا كذلك.

كما أن الترضّي أو الترحم لا يكشفان عن التوثيق، بل غايته صدور عمل حسن استوجب ذلك، و لا ريب أنّ التشيع نفسه خير عمل يستوجبهما، و قد جرت عادة الصدوق على الترضّي على كل إمامي من مشايخه، كما أن الأئمة (عليهم السلام) كانوا يترحمون على شيعتهم كافة و على زوار الحسين (عليهم السلام) خاصة و فيهم البرّ و الفاجر، فترضّيه على أحد لا يكشف إلا عن تشيعه، و ترحمه لا يزيد على ترحمهم (عليهم السلام) و لا يكاد يكشف عن التوثيق بوجه.

و أما اعتماد الكشي على ابن قتيبة فلم يتضح و إن حكاه النجاشي، فإنا لم نجد بعد التتبع التام ما عدا روايته عنه في مواضع عديدة دون ما يشهد على اعتماده عليه (1) و قد عرفت أنّ مجرد الشيخوخة لا يكشف عن الوثاقة.

و أما تصحيح العلامة للحديث أو توثيقه للراوي فالظاهر أنه لا يعوّل على شي‌ء منهما.

أما الأوّل: فلبنائه على تصحيح رواية كل إمامي لم يرد فيه قدح، و تضعيفها من غير الإمامي و إن ورد فيه توثيق فضلًا عن المدح، إلا من قام الإجماع على قبول روايته، و يتضح ذلك بملاحظة عدّة مواضع من كتابه.

فمن الأوّل: ما ذكره في ترجمة إبراهيم بن هاشم حيث قال: لم أقف لأحد من أصحابنا على قول في القدح فيه، و لا على تعديل بالتنصيص، و الروايات‌

____________

(1) غير خفي أن الواصل إلينا من رجال الكشي هو خصوص ما اختاره الشيخ الطوسي و قد كان تمامه موجوداً عند النجاشي و معه كيف يسعنا إنكار ما يحكيه من الاعتماد، و العمدة في الجواب ما صرّح به سيدُنا الأُستاذ (قدس سره)، في المعجم 13: 171 من أنه يروي عن الضعفاء كثيرا، كما صرّح به النجاشي في ترجمته فلا يكشف اعتماده عن التوثيق.

53

..........

____________

عنه كثيرة، و الأرجح قبول قوله (1).

و ما ذكره في ترجمة أحمد بن إسماعيل بن سمكة حيث قال ما لفظه: لم ينص علماؤنا عليه بتعديل، و لم يرد فيه جرح، فالأقوى قبول روايته مع سلامتها عن المعارض (2).

و نحوهما غيرهما مما يجده المتتبع. راجع القسم الأول من الخلاصة في ترجمة من يعتمد على روايته.

و من الثاني موارد: منها: ما ذكره في ترجمة إسماعيل بن أبي سمّال و قيل سماك بالكاف حيث قال: قال النجاشي: إنه ثقة واقفي فلا أعتمد حينئذ على روايته (3)، و نحوه ما ذكره في ترجمة أخيه إبراهيم (4) فرفض الأخذ بروايتهما لمجرد كونهما من الواقفة و إن وثقهما النجاشي.

و منها: ما ذكره في ترجمة إسحاق بن عمّار حيث قال: كان شيخاً من أصحابنا ثقة روى عن الصادق و الكاظم (عليهما السلام) و كان فطحياً، قال الشيخ إلا أنّه ثقة واصلة معتمد عليه، و كذا قال النجاشي، و الأولى عندي التوقف فيما ينفرد به (5).

و منها: ما ذكره في أبان بن عثمان في جواب ابنه فخر المحققين على ما نقله الميرزا و السيد التفريشي (6) قال: سألت والدي عنه، فقال: الأقرب عدم قبول روايته، لقوله تعالى إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ .. (7) إلخ، و لا فسق أعظم من عدم الايمان، إلى غير ذلك مما يجده المتتبع.

____________

(1) خلاصة الأقوال: 49/ 9.

(2) خلاصة الأقوال: 66/ 86.

(3) خلاصة الأقوال: 315/ 1236.

(4) خلاصة الأقوال: 314/ 1230.

(5) خلاصة الأقوال: 317/ 1244.

(6) منهج المقال: 17، نقد الرجال 1: 46.

(7) الحجرات 49: 6.

54

..........

____________

و على الجملة: فتصحيح العلامة مبني على أصالة العدالة و من ثم يصحح رواية كل شيعي لم يظهر منه فسق، و لا يعتمد على رواية غيره و إن كان ثقة ثقة.

و بما أن الراوي في محل الكلام أعني علي بن محمد بن قتيبة و كذلك ابن عبدوس شيعيّان و لم يظهر منهما فسق فمن ثمّ صحّح حديثهما، و من البديهي أن مثل هذا التصحيح لا يجدي من لا يرى هذا المبنى و يعتبر وثاقة الراوي كما هو الأصح عندنا.

و أما الثاني: أعني توثيقه لابن عبدوس فهو أيضاً لا يركن إليه، إذ مع الغض عما عرفت من ابتناء توثيقاته على أصالة العدالة، أنها مبنية على الاجتهاد و الحدس، لعدم احتمال استنادها إلى الحس مع بُعد العهد و الفصل الطويل بين عصره و عصر الرواة، و احتمال استناد التوثيق إلى السماع ممّن رآه و هو ممن سمعه، و هكذا إلى أن ينتهي إلى عصر الراوي الذي يوثقه، فيكون التوثيق مستنداً إلى السماع من ثقة عن ثقة بعيد غايته، بل لا يكاد يحتمل عادة و لا سيما بعد ملاحظة ما ذكره الشهيد الثاني في الدراية من أن العلماء بعد عصر الشيخ إلى مدة مديدة كانوا يتّبعون آراءه و أقواله حتى سمّوا بالمقلّدة (1). فلا جرم كانت توثيقاته بل و توثيقات غيره من معاصريه فضلا عمّن تأخر عنه كالمجلسي و ابن طاوس و ابن داود و أضرابهم شهادات حدسيّة و اجتهادات وقتية. و من البيّن عدم حجية اجتهاد فقيه على مثله و عدم اعتبار الشهادة ما لم تستند إلى الحس، و إلا فلا شبهة في أن توثيق هؤلاء الإعلام لا يقصر عن توثيق الرجاليين كالنجاشي و غيره.

و المتحصل: أنّ توثيقات العلامة كتصحيحاته، و كذا توثيقات المتأخرين لا سبيل للاعتماد على شي‌ء منها. إذن فالرواية ضعيفة السند لجهالة الرجلين و مناقشة صاحب المدارك في محلها.

____________

(1) الدراية: 28.