موسوعة الإمام الخوئي - ج12

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
438 /
5

[تتمة كتاب الصلاة]

____________

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين و صلى الله على نبيّنا محمد و آله الطاهرين و لعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى قيام الدين.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

[فصل فيما يستقبل له]

فصل فيما يستقبل له يجب الاستقبال في مواضع: أحدها الصلوات اليومية (1)

____________

(1) لا إشكال في اعتبار الاستقبال في الصلوات اليومية، و يشهد له مضافاً إلى الإجماع من المسلمين، بل لعله من ضروريات الدين قوله تعالى فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ ...* إلخ (1) بضميمة النصوص الكثيرة الواردة في تفسير الآية المباركة، المتضمنة لكيفية تحويل القبلة و هو (صلى اللّٰه عليه و آله) في صلاة الظهر أو في صلاة العصر (2) التي لا تبعد فيها دعوى التواتر فلاحظ.

و يدلّ عليه أيضاً صحيح زرارة: «لا صلاة إلا إلى القبلة» (3) فإنّها ظاهرة في نفي حقيقة الصلاة عن الفاقدة للاستقبال على حدّ قوله (عليه السلام): لا صلاة إلا مع الطهور أو بفاتحة الكتاب (4)، بل مقتضى إطلاق هذا الظهور اعتبار الاستقبال في حالتي العجز و الاختيار كما في المثالين، فيحكم بسقوط الصلاة لدى العجز عن الشرط لانتفاء المشروط بانتفاء الشرط، لكن يرفع اليد عن هذا الظهور بمقتضى الأخبار الأُخر الدالة على سقوط هذا الشرط لدى العجز و أنّه «يجزئ المتحير أبداً أينما توجه إذا لم يعلم أين وجه القبلة» (5) كما مرّ.

____________

(1) البقرة 2: 149.

(2) منها ما في الوسائل 4: 297/ أبواب القبلة ب 2.

(3) الوسائل 4: 312/ أبواب القبلة ب 9 ح 2.

(4) الوسائل 1: 365/ أبواب الوضوء ب 1 ح 1، 6: 37/ أبواب القراءة في الصلاة ب 1.

(5) الوسائل 4: 311/ أبواب القبلة ب 8 ح 2.

8

أداءً و قضاءً (1) و توابعها من صلاة الاحتياط للشكوك (2).

____________

و يدلّ عليه أيضاً استثناء القبلة في صحيحة لا تعاد (1)، فإنّ الأمر بالإعادة عند الإخلال بالقبلة نسياناً يدلّ على اعتبارها في الصلاة و دخلها فيها كما هو ظاهر.

(1) كما يدلّ عليه بعد الإجماع و إطلاق ما تقدم ما دلّ على أنّ صلاة القضاء هي بعينها الصلاة الأدائية (2) و لا فرق بينهما إلا من حيث الوقوع في الوقت و خارجه، فكلّ ما يعتبر في الثانية بعينه معتبر في الأُولى بملاك واحد.

(2) و هذا أيضاً لا إشكال فيه، سواء قلنا بأنّ ركعة الاحتياط جزء من الصلاة حقيقة قد تأخّر ظرفها تعبداً و التسليم مغتفر، أم قلنا بأنّها ركعة مستقلة يتدارك معها النقص المحتمل.

أمّا على الأوّل فاعتبار الاستقبال فيها ظاهر. و كذا على الثاني، فإنّ التدارك و الجبر لا يكاد يتحقق إلا مع التحفظ على كلّ ما يعتبر في الركعة المنجبرة من الأجزاء و الشرائط التي منها الاستقبال.

و بالجملة: مفهوم الاحتياط الذي تتقوم به حقيقة هذه الركعة يستدعي رعاية الشرط المزبور، و إلا فليس ذلك من الاحتياط في شي‌ء كما لا يخفى.

و لا ينافيه ما في بعض الأخبار من التعبير عنها بالنفل على تقدير عدم النقص، بناءً على عدم اعتبار الاستقبال في النافلة حتى في حال الاستقرار. بداهة أنّ الحكم عليها بالنافلة فرع وقوعها على صفة الصحة على كل تقدير و مع عدم الاستقبال لا تتصف بالصحة على تقدير النقص واقعاً كما عرفت آنفاً. فلا بدّ من الفراغ عن صحتها المنوطة برعاية الشرط المزبور ثم الحكم عليها بكونها نافلة عند انكشاف عدم النقص.

____________

(1) الوسائل 4: 312/ أبواب القبلة ب 9 ح 1.

(2) [لعل نظره الى قوله (عليه السلام): «يقضي ما فات كما فات». راجع الوسائل 8: 268/ أبواب قضاء الصلوات ب 6 و غيره].

9

و قضاء الأجزاء المنسية (1) بل و سجدتي السهو [1] (2)

____________

(1) و الوجه في اعتبار الاستقبال فيها ظاهر جدّاً، فإنّ السجدة المقضية مثلًا بعينها هي السجدة الصلاتية، فهي جزء من الصلاة حقيقة و إن تأخر ظرفها لدى النسيان فيدلّ على اعتبار الشرط المزبور فيها كل ما دلّ على اعتباره في أصل الصلاة، إذ المركّب ليس إلا نفس الأجزاء بالأسر، فكلّ ما يعتبر في صحة الصلاة معتبر في أجزائها لا محالة.

(2) هذا لا دليل عليه، لعدم كونهما من أجزاء الصلاة كي يدل على اعتباره فيهما ما دل على اعتباره في الصلاة كما في الأجزاء المنسية على ما مرّ و لذا لا يكون الإخلال بهما و لو عمداً موجباً لبطلان الصلاة و إن كان آثماً، بل هما عمل مستقل شرعتا لإرغام أنف الشيطان الذي هو الموسوس في الصدر و الموقع للإنسان في السهو، فيتدارك ذلك بأبغض الأشياء إليه و هو السجود كي لا يعود، و من هنا سميتا بالمرغمتين كما صرّح بذلك في الأخبار (1)، و لا دليل على اعتبار الاستقبال في هذا العمل المستقل.

نعم، ورد في بعض الأخبار المتضمنة لسهو النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) أنّه قال (عليه السلام): «فاستقبل القبلة و كبّر و هو جالس ثم سجد سجدتين» (2) لكنّها مضافاً إلى ضعف سندها و إلى اشتمالها على ما لا يعوّل به معظم الشيعة من تجويز السهو على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) قاصرة الدلالة على المطلوب فإنّها حكاية فعل لا لسان له كي يدل على الوجوب، بل غايته الرجحان، و لا إشكال في رجحان الاستقبال في هاتين السجدتين، و إن كان الاحتياط مما لا ينبغي تركه.

____________

[1] على الأحوط.

____________

(1) الوسائل 8: 233/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 9.

(2) الوسائل 8: 233/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 9.

10

و كذا فيما لو صارت مستحبة بالعارض كالمعادة جماعة أو احتياطا (1).

و كذا في سائر الصلوات الواجبة كالآيات، بل و كذا في صلاة الأموات (2) و يشترط في صلاة النافلة في حالة الاستقرار [1] (3).

____________

(1) أمّا المعادة احتياطاً وجوباً أو استحباباً فلعدم تأدّي الاحتياط إلا بالإتيان بالفعل واجداً لجميع ما يعتبر فيه كي يرتفع معه احتمال عدم الإتيان بالواقع، و لا يتحقق ذلك إلا مع رعاية الاستقبال كما هو ظاهر جدّاً.

و أمّا المعادة جماعة فلأن معنى الإعادة هو الإتيان بالوجود الثاني للطبيعة و لا يكون ذلك إلا مع اشتراكه مع الوجود الأوّل في جميع الخصوصيات، و إلا لم يكن إعادة له كما هو واضح، و من هنا ذكر في بعض روايات الباب أنّ اللّٰه يختار أحبّهما إليه (1).

(2) لإطلاق الأدلة المتقدمة في الصلوات اليومية، و إن كان شمولها لمثل صلاة الأموات مبنياً على ضرب من التوسع كما لا يخفى، لعدم كونها من حقيقة الصلاة في شي‌ء، و إنما هي تكبير و تحميد و دعاء و تهليل، إلا أنّه تكفينا الأدلّة الخاصة الدالّة على اعتبار الاستقبال فيها بالخصوص كما تقدمت في صلاة الجنائز (2).

(3) يقع الكلام تارة في اعتبار الاستقبال في النافلة حال الاستقرار، و أُخرى في اعتباره فيها حال السير من المشي أو الركوب في السفر أو الحضر، فالكلام يقع في مقامين:

أمّا المقام الأوّل: فقد نسب إلى المشهور اعتبار الاستقبال عند الاستقرار لكن المحكي عن الشهيد في الذكرى أنّ جماعة كثيرين من القدماء و المتأخرين‌

____________

[1] على الأحوط.

____________

(1) الوسائل 8: 403/ أبواب صلاة الجماعة ب 54 ح 10.

(2) شرح العروة 9: 256.

11

..........

____________

ذهبوا إلى عدم الاشتراط (1) فيظهر من ذلك أنّ المسألة ذات قولين من دون شهرة في البين، و إن كان لا يبعد أن يكون المشهور هو الأول لكثرة القائل به و قد ذهب إلى الثاني الشهيد في الذكرى (2) و هو ظاهر إطلاق المحقق في الشرائع (3) و صريح المحقق الهمداني (4) و غيرهم.

و كيف كان، فالمتّبع هو الدليل. و يقع الكلام حينئذ تارة في وجود المقتضي للاشتراط المزبور، و اخرى في وجود المانع بعد الفراغ عن المقتضي، فهنا جهتان:

أمّا الجهة الأُولى: فقد استدلّ لاشتراط الاستقبال في المقام بوجوه:

الأوّل: أنّ العبادات توقيفيّة، فما لم يثبت ترخيص من قبل الشارع في الإتيان بها بكيفية خاصة لم يكن مساغ للحكم بمشروعيته، و المقدار الثابت من مشروعية النوافل الإتيان بها مراعياً للاستقبال دون غيره، فبمقتضى أصالة التوقيفية يحكم بعدم المشروعية.

و يندفع: بما حقق في الأُصول من جواز الرجوع إلى أصالة البراءة عند الشك في الجزئية أو الشرطية أو المانعية في الدوران بين الأقل و الأكثر الارتباطيين (5) فاعتبار الاستقبال في النوافل مشكوك يدفع بالبراءة، و بها تثبت المشروعية، و معه لا مجال لدعوى التوقيفية كما لا يخفى.

الثاني: قاعدة إلحاق النوافل بالفرائض و مشاركتهما في جميع الخصوصيات ما لم يثبت الخلاف.

و هذا الوجه جيد، و توضيحه: أنّ الفرض و النفل ليسا من الخصوصيات‌

____________

(1) الذكرى 3: 86.

(2) الذكرى 3: 188 [لعلّه استفاد ذلك من عنوان المسألة الأُولى].

(3) الشرائع 1: 80.

(4) مصباح الفقيه (الصلاة): 108 السطر 18.

(5) مصباح الأصول 2: 426.

12

..........

____________

التي تتغير معها حقيقة المأمور به و ماهيّة ما تعلّق به الطلب، بل الطبيعة الصلاتية مثلًا قد يطرؤها الوجوب و أُخرى يحكم عليها بالندب مع اتحاد الماهية في كلتيهما على حدّ سواء، فبعدما بيّن الشارع الأقدس حقيقة الصلاة الواجبة بما لها من الأجزاء و الشرائط، ثم قال: صلّ ركعتين تطوعاً أو تنفّل ثمان ركعات جوف الليل. لا ينسبق من ذلك إلى الذهن إلا إرادة نفس تلك الصلاة المعهودة التي بيّنها لدى تشريع الفريضة.

و من هنا لا يكاد يشك أحد في شرطية الطهارة في النافلة و لزوم السجدتين، و كذا الركوع قبلهما لا في الأثناء و لا بعدهما، و كذا مانعية النجاسة و لبس ما لا يؤكل و غير ذلك من سائر الأجزاء و الشرائط و الموانع، مع أنّه لم يرد تنصيص على شي‌ء من ذلك في باب النوافل بالخصوص. و ليس ذلك إلا من جهة الاعتماد في هذه الأمور على ما هو المقرّر في الشريعة المقدسة لبيان ماهية الصلاة التي لا يفرق الحال فيها بحسب الفهم العرفي بين اتصافها بالوجوب أو الاستحباب ما لم يصرّح الشارع بالفرق بينهما في بعض الأحيان بل لو لم يرد تجويز التنفل مستدبراً حال السير لم يكن مجال لتوهمه حال الاستقرار لما ذكر.

و كذا الحال في غير الصلاة من الصوم و نحوه من سائر العبادات، فاذا ورد بعد بيان حقيقة الصوم الواجب و ما يكون مفطراً له استحباب الصوم أول رجب مثلًا لم يفهم منه إلا إرادة ذلك الصوم بعينه، فلا حاجة إلى بيان انّ الارتماس مثلًا مفطر لهذا الصوم بالخصوص، بل يعتمد على البيان الأول.

و على الجملة: فالقاعدة الأولية المرتكزة في أذهان المتشرعة تقتضي مشاركة النفل مع الفرض في جميع الخصوصيات ما لم يرد تنصيص على الخلاف، و مقتضاها اعتبار الاستقبال في النافلة حال الاستقرار كما في الفريضة.

الثالث: حديث لا تعاد (1)، فانّ استثناء القبلة يكشف عن دخلها في حقيقة‌

____________

(1) الوسائل 4: 312/ أبواب القبلة ب 9 ح 1.

13

..........

____________

الصلاة كبقية المذكورات، و لذا أمر بالإعادة عند الإخلال بها و لو نسياناً و مقتضى الإطلاق عدم الفرق بين الفريضة و النافلة.

و فيه: انّ الحديث لم يرد في مقام التشريع كي ينعقد له الإطلاق، بل سيق لبيان الإطلاق و التقييد في أجزاء الصلاة و شرائطها بالإضافة إلى حالتي الاختيار و الاضطرار، و أنّها مختلفة من هذه الجهة، فما عدا الخمسة بأجمعه مختص بحال التمكّن، و أمّا الخمسة المستثناة المعتبرة بأدلتها في مواردها على ما هي عليها من عموم أو خصوص فقد لوحظ اعتبارها على سبيل الإطلاق، فالحديث وارد لبيان حكم آخر، فلا يستفاد منه أنّ مطلق الصلاة تعاد لكلّ من هذه الخمسة كما لا يخفى.

الرابع: و هو العمدة صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): «قال: لا صلاة إلا إلى القبلة، قال قلت: أين حدّ القبلة؟ قال: ما بين المشرق و المغرب قبلة كلّه، قال قلت: فمن صلّى لغير القبلة أو في يوم غيم في غير الوقت، قال: يعيد» (1). فانّ قوله (عليه السلام) في الصدر: «لا صلاة إلا إلى القبلة» الظاهر في نفي الحقيقة عن الفاقد لها شامل بمقتضى الإطلاق للفريضة و النافلة، غايته أنّه خرج عنه حال العجز مطلقاً، و حال السير في خصوص النوافل بالأدلّة الخاصة فيبقى الباقي تحت الإطلاق.

و قد نوقش فيها من وجهين:

أحدهما: أنّه لا يمكن الأخذ بإطلاق الصدر بعد اختصاص الذيل و هو قوله (عليه السلام): «يعيد» بالفريضة، لوضوح عدم وجوب إعادة النافلة الفاقدة لشرط أو جزء، فيكون ذلك قرينة على تخصيص الصدر بها. و يؤيده اشتمال الذيل على الوقت مع انّ التوقيت شأن الفريضة دون النافلة.

و يندفع: بابتناء الإشكال على ظهور قوله (عليه السلام): «يعيد» في الوجوب المولوي كي يختص بالفريضة، و ليس كذلك بل هو إرشاد إلى فساد‌

____________

(1) الوسائل 4: 312/ أبواب القبلة ب 9 ح 2.

14

..........

____________

الصلاة و بطلان العبادة من جهة فقد الشرط أو الاقتران بالمانع المشترك بين الفريضة و النافلة من دون أن يتضمّن حكماً مولوياً أصلًا، و كم له نظير في لسان الأخبار.

و أمّا التأييد فساقط جدّاً، فانّ النوافل الموقتة ليست بعزيزة كالرواتب اليومية و غيرها، فلا يختصّ التوقيت بالفرائض بالضرورة.

هذا و مع الغض عما ذكر و تسليم اختصاص الذيل بالفريضة فهو سؤال و جواب مستقل لا ربط له بالصدر، بحيث لو فرض عدم تذييله به لم يكن خلل في استفادة المراد منه و ظهوره في الإطلاق، و لما تعرض الإمام (عليه السلام) لهذا الجواب كي يكون شاهداً على المراد. فالسؤال الثاني الذي يتضمنه الذيل ليس من متممات الصدر كي يكون قرينة للتصرف فيه، بل هو مستقل برأسه غير منوط بما قبله، منفصل عما تقدمه، فلا مقتضي لتخصيص الصدر به أصلًا كما لا يخفى، فتدبّر جيداً.

ثانيهما: ما ذكره المحقق الهمداني (قدس سره) (1) من عدم ظهور للصحيحة في الإطلاق بحيث يشمل الفريضة و النافلة.

و حاصل ما أفاده (قدس سره) في المقام: أنّ تعلّق الحكم بأفراد الطبيعة على سبيل الاستغراق بنحو يتضمّن العموم الأفرادي و الأحوالي قد يكون مع تعدد الدالّ و المدلول، و اخرى مع وحدة الدالّ و إن تعدد المدلول.

فالأوّل كما في ألفاظ العموم مثل قوله: أكرم كل عالم. فإنّ أداة العموم لا تدلّ إلا على شمول الحكم و سريانه لكلّ فرد فرد، و أمّا وجوب الإكرام لكلّ فرد في كلّ حال المعبّر عنه بالعموم الأحوالي فهو خارج عن الدلالة الوضعية و لا تكاد تتكفّله أداة العام، إذ مفادها ليس إلا الوجوب في الجملة و بنحو الموجبة الجزئية، و إنّما يستفاد ذلك من دالّ آخر، و هي مقدمات الحكمة لو كانت المفيدة للإطلاق، و عليه فلو ورد في دليل آخر عدم وجوب إكرام‌

____________

(1) مصباح الفقيه (الصلاة): 110 السطر 2.

15

..........

____________

زيد أو إكرام كلّ عالم في يوم الجمعة مثلًا لم يكن ذلك مصادماً للعموم، لعدم التنافي بين الموجبة و السالبة الجزئيتين، و إنما يكون مصادماً مع الإطلاق فيتقيد به، فلا مقتضي لارتكاب التخصيص في العام و إخراج الفرد عن تحته.

و أمّا الثاني فكما في النكرة الواقعة في سياق النفي كقوله (عليه السلام): «لا صلاة إلا إلى القبلة» فإنّ العموم الأفرادي و الأحوالي كلاهما مستفاد من دالّ واحد، و هو تسليط النفي على الطبيعة على سبيل الإطلاق، فقد لوحظت الطبيعة فانية في أفرادها و عنوانا مشيراً إليها ثم تعلّق النفي بكلّ فرد فرد، و لا محالة يكون الحكم منفياً عن كلّ فرد في كلّ حال، و إلا لم يكن ذلك نفياً للطبيعة. فالعموم الأحوالي نشأ من تسليط النفي على طبيعة كلّ فرد على الإطلاق، و ليس له دالّ آخر وراء ما دلّ على العموم الأفرادي.

و من الواضح أنّ الخصوصيات الملابسة للأفراد من كون الصلاة مثلًا مستقراً أو ماشياً أو راكباً، جالساً أو قائماً، اختياراً أو اضطراراً و نحو ذلك إنّما هي من أحوال أفراد العام لا من أفراد نفس العام، إذ ليس الفرد باعتبار الحالين فردين من العام كما لا يخفى.

و عليه فاذا ثبت من الخارج عدم اعتبار الاستقبال في النافلة حال السير مثلًا فهو مصادم لدلالة الكلام، و منافٍ لظهوره الوحداني في العموم الأفرادي و الأحوالي، فلا بدّ من ارتكاب أحد التقييدين، إمّا الالتزام بأنّ المراد ب‍ «لا صلاة» الصلاة الواجبة فتخرج النافلة عنها رأساً فيخصص عمومها الأفرادي، أو الالتزام بتقييدها بحال الاستقرار فيتحفظ على العموم الأفرادي و يلتزم بالتقييد في الإطلاق الأحوالي، و ليس التقييد الثاني أولى من التقييد الأول إن لم نقل بأنّ الأوّل هو المتعيّن بمقتضى القرائن الداخلية و الخارجية.

و كيف كان، فلا أقل من إجمال الصحيحة و عدم ظهورها في الإطلاق الأفرادي بحيث يشمل الفريضة و النافلة.

ثم قال: و لقائل أن يقول: إنّ ما ذكر إنّما يتم لو كانت الصلاة الواقعة في‌

16

..........

____________

حيّز النفي في قوله (عليه السلام): «لا صلاة إلا إلى القبلة» ملحوظة بنحو النكرة، أي لوحظت الطبيعة فانية في أفرادها فيجري حينئذ ما ذكر من الدوران بين أحد التقييدين من دون ترجيح في البين، و أمّا إذا كانت ملحوظة بنحو اسم الجنس و أنّ طبيعة الصلاة من حيث هي لا تتحقق بلا استقبال فيكون الكلام مسوقاً لنفي الجنس المستلزم للعموم السرياني لا لنفي الفرد كي يكون له عموم أفرادي و أحوالي حتى يدور الأمر بين التصرف في أحدهما.

و عليه فالصحيحة تدل بظاهرها على انتفاء ماهية الصلاة مطلقاً عند انتفاء الاستقبال، فلا يرفع اليد عن إطلاقها إلا بمقدار دلالة الدليل و هو النافلة في حال المشي، و يبقى الباقي تحت الإطلاق.

و أجاب عن ذلك بأنّ الحمل على الجنس خلاف المتبادر من مثل هذا التركيب، بل المنسبق إلى الذهن عرفاً في مثل قولنا: لا رجل في الدار، أنّ الواقع في حيّز النفي إنّما هي النكرة دون الطبيعة بما هي، و المعنى أنّه لا شي‌ء من أفراد الرجل في الدار، لا أنّ طبيعة الرجل غير موجودة فيها كي يكون عمومه عموماً سريانياً. هذا محصّل كلامه (قدس سره).

أقول: يرد عليه أولًا: أنّه (قدس سره) قد اشتبه عليه الأمر مع جلالته و عظمته و تحقيقه و تدقيقه بين الجواهر و الأعراض و خلط أحدهما بالآخر فانّ الجوهر لا يتعدد باختلاف الطوارئ و الحالات، فزيد [فرد] واحد لطبيعي الإنسان في جميع حالاته و عوارضه من الزمان و المكان، و الحركة و السكون و القيام و القعود و غير ذلك مما يلحقه و يتصف به، فهو في الكلّ لا يخرج عن كونه فرداً واحداً من الطبيعة.

و هذا بخلاف العرض، فانّ طروء الحالات عليه يوجب تعدد الأفراد لا محالة، فالجلوس في الدار فرد مغاير مع الجلوس في المسجد، و هما مغايران مع الجلوس في الحمام. و التكلّم القصير مغاير مع الطويل، و مع الإخفات يغاير‌

17

..........

____________

الإجهار. و الصلاة عند السير فرد مغاير معها عند الاستقرار، و مع الاختيار يغاير الاضطرار و هكذا.

و السرّ أنّ الجوهر له ثبات و قرار فلا يتعدد بتعدد حالاته و عوارضه بخلاف العرض فإنّه لمكان تصرمه و عدم ثباته و قراره فكلّ حالة تطرأ عليه توجب إحداث فرد جديد للطبيعة مغاير للفرد السابق.

و من الواضح أنّ المقام من قبيل الثاني، فإنّ الصلاة في قوله: «لا صلاة إلا إلى القبلة» عرض من الأعراض، فجميع الخصوصيات الملابسة لها من كونها مع الاختيار أو الاضطرار، مع الاستقرار أو المشي أو الركوب إلى غير ذلك توجب تعدد الأفراد كالفرض و النفل.

و عليه فليست حالتا الاستقرار و السير الطارئتان على النافلة حالتين لفرد واحد كي يدور الأمر بين تقييد العموم الأفرادي و الأحوالي كما أُفيد، بل كلّ ذلك أفراد لطبيعة الصلاة، و العموم في مثلها أفرادي ليس إلا، فلا بدّ في التقييد من الاقتصار على مقدار دلالة الدليل و هو النافلة حال السير، فيبقى الباقي تحت الإطلاق من دون فرق في ذلك بين أن يكون الدال على العموم وقوع النكرة في سياق النفي كما في الصحيحة أو أداة العموم كأن يقال يجب الاستقبال في كلّ صلاة، كما لا يخفى. و لعمري إنّ هذا أوضح من أن يخفى على مثله (قدس سره).

و ثانياً: على تقدير التسليم فغير خفي أنّ المتبادر من مثل هذه التراكيب هو الحمل على الجنس دون النكرة، على خلاف ما أفاده (قدس سره) فانّ المنسبق إلى الذهن من الألفاظ في الجواهر و الأعراض كالإنسان و البياض إنّما هو الجنس، أعني الطبيعة و الماهية بما هي، و أمّا لحاظها فانية في الأفراد كي تكون نكرة فهي تحتاج إلى مئونة زائدة و عناية خاصة لا يصار إليها بدون القرينة كما لا يخفى.

فالإنصاف: أنّ دلالة الصحيحة على الإطلاق غير قاصرة فتشمل الفريضة‌

18

..........

____________

و النافلة، و هي سليمة عن شوائب الإشكال، و بمقتضاها يحكم باعتبار الاستقبال مطلقاً ما لم يمنع عنه مانع.

الخامس: من الوجوه التي استدل بها لاعتبار الاستقبال في المقام قوله تعالى وَ حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ (1) حيث دل بمقتضى الإطلاق على وجوب الاستقبال في عامة الصلوات و حيث ما كان المكلّف، خرج عنه النافلة حال السير بالأدلّة الخاصة فيبقى الباقي تحت الإطلاق. نعم، مورد الآية هي الفريضة، لكن المورد لا يخصص الحكم بعد انعقاد الإطلاق.

لكن الاستدلال بها بمكان من الضعف، لوضوح عدم ورود الآية المباركة في مقام بيان اعتبار الاستقبال كي يتمسك بإطلاقها، و إلا كان مقتضاها لزوم الاستقبال في كافّة الأحوال و عامّة الأفعال من الصلوات و غيرها عملًا بإطلاق قوله تعالى حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ (2) مع أنّه ضروري البطلان، بل إنّما وردت لتعيين المستقبل (بالفتح) كما يشهد به التدبّر في الآيات السابقة و اللاحقة، سيما صدر نفس هذه الآية، قال تعالى قَدْ نَرىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمٰاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضٰاهٰا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ وَ حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ... إلخ (3).

فالآية إنّما سيقت لبيان تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، و تعيين ما يجب استقباله فيما يجب فيه الاستقبال على إجماله من عموم أو خصوص و أمّا أنّ الاستقبال في أيّ مورد يعتبر فليست الآية في مقام بيانه كي يتمسك بإطلاقه، نعم المتيقن إرادة الفريضة لكونها مورد نزول الآية، و أما الاعتبار في غيرها فلا يكاد يستفاد منها بعد كونها واردة لبيان حكم آخر كما عرفت.

____________

(1) البقرة 2: 144.

(2) حيث) ظرف مكان، فمعنى حيث ما كنتم هو أينما كنتم، لا في أيّ حالة كنتم.

(3) البقرة 2: 144.

19

..........

____________

و المتحصّل من جميع ما تقدم: أنّ المقتضي لاعتبار الاستقبال في النافلة حال الاستقرار تام، لصحة بعض الوجوه المتقدمة و عمدتها الوجه الرابع، فيقع الكلام حينئذ في وجود المانع و عدمه و هي:

الجهة الثانية: و قد استدلّ المحقق الهمداني (قدس سره) (1) على عدم اعتبار الاستقبال حال الاستقرار بعدة من الأخبار، التي هي بمنزلة المانع عن الأخذ بما تقدم من المقتضي.

أحدها: صحيحة زرارة التي رواها المشايخ الثلاثة عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال له: «استقبل القبلة بوجهك، و لا تقلب بوجهك عن القبلة فتفسد صلاتك، فان اللّٰه (عز و جل) يقول لنبيه في الفريضة فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ وَ حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ...» إلخ (2) فانّ التقييد بالفريضة يكشف عن اختصاص الاعتبار بها فلا يشترط الاستقبال في النافلة مطلقاً، لاختصاص الآية حسب تصريح الامام (عليه السلام) بالفريضة.

و يتوجه عليه أوّلًا: أنّ الصحيحة مورداً و استشهاداً ناظرة إلى بيان حكم آخر أجنبي عن محل الكلام. توضيحه: أنّ هنا بحثين:

أحدهما: في اعتبار الاستقبال في الصلاة مطلقاً، أو اختصاصه بالفريضة فقط، و نعني بذلك لزوم إيقاع الأجزاء الصلاتية من التكبيرة إلى التسليم حال الاستقبال، فيبحث عن أنّ ذلك هل يختص بالفريضة أم يعم النافلة؟

ثانيهما: في قاطعية الالتفات إلى الخلف أو اليمين أو الشمال أثناء الصلاة و لو في غير حال الاشتغال بالذكر، و أنّها هل تبطل الصلاة [به] مطلقاً أو في خصوص الفريضة، و هذا بحث آخر لا يتكفله مجرد اعتبار الاستقبال في الصلاة بنفسها، بل يحتاج إلى دليل بالخصوص كما لا يخفى.

____________

(1) مصباح الفقيه (الصلاة): 108 السطر 19.

(2) الوسائل 4: 312/ أبواب القبلة ب 9 ح 3، الكافي 3: 300/ 6، الفقيه 1: 180/ 856، التهذيب 2: 286/ 1146.

20

..........

____________

و بالجملة: فهذان بحثان مستقلان. و من هنا ذكرهما الفقهاء في مقامين فذكروا الاستقبال في باب الشرائط، و الالتفات في باب القواطع. و محلّ الكلام هنا إنّما هو الأوّل، و أمّا الصحيحة فهي ناظرة إلى المقام الثاني كما يرشد اليه قوله (عليه السلام): «و لا تقلب بوجهك عن القبلة فتفسد ...» إلخ، و الاستشهاد بالآية إنّما هو لهذه الغاية، و لا نضايق من اختصاص ذلك بالفريضة عملًا بهذه الصحيحة، فنلتزم بعدم قاطعية الالتفات أثناء النافلة ما لم يخلّ برعاية الاستقبال في نفس الأجزاء. و أمّا أصل اعتبار الاستقبال في الصلاة الذي هو محلّ الكلام في المقام كما عرفت فالصحيحة غير متعرضة لذلك رأساً، و لا نظر فيها إلى إطلاقه أو تقييده، فالاستدلال بها ناشٍ من الخلط بين المقامين كما لا يخفى.

و ثانياً: أنّ الاستدلال بها يتوقف على الالتزام بمفهوم الوصف كي يدل التقييد بالفريضة على انتفاء الحكم عن النافلة، و هو ممنوع. نعم، ذكرنا في محلّه في الأُصول ثبوت المفهوم للوصف لكن في الجملة (1) دون المفهوم الاصطلاحي الدال على الانتفاء عند الانتفاء كما في الجملة الشرطية.

و ملخص ما قلناه: أن غاية ما يستفاد من التقييد بالوصف عدم ثبوت الحكم للطبيعة المهملة أينما سرت، و إلا كان التقييد به من اللغو الظاهر، فاذا ورد: أكرم الرجل العادل. دلّ التقييد على عدم كون الرجل بإطلاقه موضوعاً للحكم بحيث لو ورد في دليل آخر وجوب إكرام الرجل مطلقاً كان معارضاً لهذا الدليل، لكنه لا يدل على انتفاء الحكم عن حصة أُخرى من الطبيعة كالهاشمي مثلًا و إن لم يكن عادلًا، فلا معارضة بينه و بين قوله: أكرم الهاشمي و إن كان فاسقاً. كما كانت المعارضة لو صدرت الجملة السابقة على صورة القضية الشرطية، كأن يقول: أكرم الرجل إن كان عادلًا، بدل قوله: أكرم الرجل العادل.

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 5: 133.

21

..........

____________

و بعبارة أُخرى: الوصف مشعر بالعلية، دون العلية المنحصرة التي هي مناط الدلالة على المفهوم الاصطلاحي كما في أداة الشرط.

و عليه فغاية ما يستفاد من التقييد بالفريضة في الصحيحة عدم اعتبار الاستقبال في الصلاة على إطلاقها، و أن هذه الطبيعة أينما سرت ليست موضوعاً للحكم، و يكفي في صدق ذلك عدم اعتباره في النافلة حال السير كما دلت عليه الأدلة الخاصة على ما سيجي‌ء إن شاء اللّٰه تعالى (1) و أن عدم ثبوت الحكم في حصة أُخرى من الطبيعة و هي النافلة حال الاستقرار الذي هو محل الكلام فليس ذلك مستفاداً من مفهوم الوصف كما عرفت.

و من الغريب أن المحقق الهمداني (قدس سره) مع عدم التزامه بمفهوم الوصف رأساً كيف استدلّ بهذه الصحيحة في المقام.

ثانيها: ما رواه ابن إدريس في آخر السرائر نقلًا من كتاب الجامع للبزنطي صاحب الرضا (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يلتفت في صلاته هل يقطع ذلك صلاته؟ قال: إذا كانت الفريضة و التفت إلى خلفه فقد قطع صلاته فيعيد ما صلى و لا يعتد به، و إن كانت نافلة لا يقطع ذلك صلاته و لكن لا يعود» (2) و رواه الحميري في قرب الإسناد عن عبد اللّٰه بن الحسن عن جده علي ابن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) (3).

و هذه الرواية المروية بطريقين و إن كانت ضعيفة بالطريق الثاني، لمكان عبد اللّٰه بن الحسن، لكنها موثقة بالطريق الأول، و لا يقدح (4) فيه جهالة طريق ابن إدريس إلى كتاب الجامع، لما هو المعلوم من مسلكه من إنكاره حجية الخبر الواحد و انه لا يعتمد الا على الخبر المتواتر أو ما في حكمه مما يورث‌

____________

(1) في المقام الثاني.

(2) الوسائل 7: 246/ أبواب قواطع الصلاة ب 3 ح 8، السرائر 3: 572.

(3) قرب الإسناد: 210/ 820.

(4) و لكنّه (قدس سره) بنى أخيراً على القدح.

22

..........

____________

القطع بالصدور فيظهر أنّ الكتاب واصل اليه بالتواتر أو ما في حكمه. فالرواية صحيحة السند لكنها قاصرة الدلالة، لعين ما مرّ في الصحيحة السابقة من المناقشة الاولى، أعني ورودها في الالتفات في الأثناء إلى الخلف أو اليمين أو اليسار، لا في اعتبار أصل الاستقبال الذي هو محل الكلام.

ثالثها: ما رواه العياشي في تفسيره عن زرارة قال «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): الصلاة في السفر في السفينة و المحمل سواء؟ قال: النافلة كلّها سواء، تومئ إيماءً أينما توجهت دابّتك إلى أن قال قلت: فأتوجه نحوها في كلّ تكبيرة؟ قال: أمّا النافلة فلا، إنّما تكبّر على غير القبلة اللّٰه أكبر، ثم قال: كلّ ذلك قبلة للمتنفّل فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ» (1) فإن موردها و إن كان الصلاة في خصوص السفر، إلا أنّه يستفاد من قوله (عليه السلام) في الذيل: «كل ذلك قبلة للمتنفل» مستشهداً بالآية المباركة الذي هو بمنزلة التعليل لما تقدمه إرادة تطبيق كبرى كلية على المقام من دون خصوصية للمورد، و أن قبلة المتنفل على الإطلاق إنما هي حيث ما توجه، و التنفّل في السفر من مصاديق تلك الكبرى، و إلا فالحكم يعم المسافر و الحاضر حال السير و الاستقرار.

و الإنصاف: أنّ الرواية قوية الدلالة، فيصح الاستدلال بها لولا أنّها ضعيفة السند، فانّ الروايات التي تضمنها تفسير العياشي بأجمعها مرسلة، نشأ ذلك من حذف المستنسخ أسانيد الحديث روماً للاختصار، زعماً منه أنّه خدمة، غافلًا عما يترتب عليه من إسقاط تلك الروايات برمتها عن درجة الاعتبار، سامحه اللّٰه و غفر له.

و قد تحصّل من جميع ما تقدم: أنّ الأقوى اعتبار الاستقبال في النافلة حال الاستقرار، لتمامية المقتضي و عمدته صحيحة زرارة: «لا صلاة إلا إلى القبلة» (2) و عدم وجود المانع كما عرفت.

____________

(1) الوسائل 4: 324/ أبواب القبلة ب 13 ح 17، تفسير العياشي 2: 56/ 81.

(2) الوسائل 4: 312/ أبواب القبلة ب 9 ح 2.

23

لا في حال المشي و الركوب (1).

____________

(1) المقام الثاني: في اعتبار الاستقبال في النافلة حال السير و عدمه. و الكلام يقع تارة في التنفل حال المشي، و أُخرى حال الركوب، و على التقديرين فقد يكون في السفر، و أُخرى في الحضر، فهنا مسائل أربع:

المسألة الاولى: في التنفل في السفر حال الركوب، و لا خلاف في سقوط اعتبار الاستقبال حينئذ، بل تسالم عليه الأصحاب، و عن غير واحد دعوى الإجماع عليه.

و تدلّ عليه جملة وافرة من النصوص، بل متواترة، و فيها الصحاح و غيرها و لنقتصر على ذكر الصحاح.

فمنها: صحيحة محمد بن مسلم قال «قال لي أبو جعفر (عليه السلام): صلّ صلاة الليل و الوتر و الركعتين في المحمل» (1).

و منها: صحيحة الحلبي: «أنه سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن صلاة النافلة على البعير و الدابة، فقال: نعم، حيث كان متوجهاً، و كذلك فعل رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)» (2).

و روى الكليني عن محمد بن سنان مثله مع زيادة قوله «قلت: على البعير و الدابة؟ قال: نعم حيث ما كنت متوجهاً، قلت: أستقبل القبلة إذا أردت التكبير؟ قال: لا، و لكن تكبّر حيث ما كنت متوجهاً، و كذلك فعل رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)» (3). لكن الطريق الثاني ضعيف بمحمد بن سنان، فالعبرة إنما هو بالطريق الأول الذي رواه الشيخ عن الحلبي، و محمد بن سنان و إن كان مذكوراً في هذا الطريق أيضاً لكن الراوي جماعة هو أحدهم، و العبرة بغيره فلاحظ.

____________

(1) الوسائل 4: 329/ أبواب القبلة ب 15 ح 5.

(2) الوسائل 4: 329/ أبواب القبلة ب 15 ح 6، التهذيب 3: 228/ 581.

(3) الوسائل 4: 330/ أبواب القبلة ب 15 ح 7، الكافي 3: 440/ 5.

24

..........

____________

و منها: موثقة سماعة قال: «سألته عن الصلاة في السفر إلى أن قال: و ليتطوّع بالليل ما شاء إن كان نازلًا، و إن كان راكباً فليصلّ على دابته و هو راكب، و لتكن صلاته إيماءً، و ليكن رأسه حيث يريد السجود أخفض من ركوعه» (1).

و منها: صحيحة يعقوب بن شعيب قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يصلي على راحلته، قال: يومئ إيماءً، يجعل السجود أخفض من الركوع» الحديث (2).

و منها: صحيحة حماد بن عيسى قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: خرج رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) إلى تبوك فكان يصلّي على راحلته صلاة الليل حيث توجهت به و يومئ إيماءً» (3) إلى غير ذلك من الأخبار، و هي كما ترى تدلّ على عدم اعتبار الاستقبال إما صريحاً، أو أنّ ذلك مفهوم منها فانّ تجويز الصلاة على المحمل أو الدابة أو الراحلة مع جريان العادة بانحرافها عن القبلة بل استدبارها يقضي بعدم الاعتبار كما لا يخفى.

ثم إن مقتضى الإطلاق في هذه الأخبار عدم اعتبار الاستقبال في أيّ جزء من أجزاء الصلاة حتى التكبيرة. لكن قد يظهر من بعضها اعتباره في خصوص هذا الجزء، و هي صحيحة عبد الرحمن بن أبي نجران قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الصلاة بالليل في السفر في المحمل، قال: إذا كنت على غير القبلة فاستقبل القبلة، ثم كبر و صلّ حيث ذهب بك بعيرك، قلت: جعلت فداك في أول الليل؟ فقال: إذا خفت الفوت في آخره» (4).

و هي و إن كانت معارضة في موردها بما رواه الكليني عن محمد بن سنان‌

____________

(1) الوسائل 4: 331/ أبواب القبلة ب 15 ح 14.

(2) الوسائل 4: 332/ أبواب القبلة ب 15 ح 15.

(3) الوسائل 4: 333/ أبواب القبلة ب 15 ح 20.

(4) الوسائل 4: 331/ أبواب القبلة ب 15 ح 13.

25

..........

____________

المتضمن لعدم اعتبار الاستقبال حتى في التكبير، المتقدم نقله آنفاً، لكن هذه ضعيفة السند بمحمد بن سنان كما عرفت فلا تصلح لمعارضة الصحيحة. و قد عرفت أنّ الرواية بعينها نقلها الشيخ عن الحلبي خالية عن هذه الزيادة.

و عليه مقتضى القاعدة لزوم الأخذ بهذه الصحيحة السليمة عن المعارض و تقييد المطلقات بها، عملًا بصناعة الإطلاق و التقييد.

لكنّا مع ذلك لا نلتزم بذلك، و نحمل الصحيحة على الأفضلية.

أما أوّلًا: فلخلوّ هاتيك الأخبار على كثرتها و هي في مقام البيان عن التعرض لهذا القيد، سيما و في بعضها حكاية فعل النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فلو كان الاستقبال معتبراً حال التكبير لزم التنبيه عليه كما لا يخفى، و ليجعل هذا تأييداً للمطلوب. و العمدة هو الوجه الثاني.

و ثانياً: أنّ قانون حمل المطلق على المقيد مختص بالواجبات و لا يشمل المستحبات كما تقرر في الأُصول (1). و لعله لهذا كانت المسألة متسالماً عليها، و لم يقل أحد باعتبار الاستقبال حال التكبير.

المسألة الثانية: في التنفّل في السفر حال المشي، و هنا أيضاً لا خلاف في عدم اعتبار الاستقبال، و قد ادعي عليه الإجماع، و تشهد له طائفة من الأخبار.

عمدتها صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: لا بأس بأن يصلّي الرجل صلاة الليل في السفر و هو يمشي، و لا بأس إن فاتته صلاة الليل أن يقضيها بالنهار و هو يمشي، يتوجه إلى القبلة ثم يمشي و يقرأ، فإذا أراد أن يركع حوّل وجهه إلى القبلة و ركع و سجد ثم مشى» (2).

و نحوها صحيحة يعقوب بن شعيب قال: «سالت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام)

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 5: 381.

(2) الوسائل 4: 334/ أبواب القبلة ب 16 ح 1.

26

..........

____________

عن الصلاة في السفر و أنا أمشي، قال: أوم إيماءً و اجعل السجود أخفض من الركوع» (1).

و صحيحته الأُخرى، قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يصلّي على راحلته إلى أن قال قلت: يصلّي و هو يمشي؟ قال: نعم، يومئ إيماءً، و ليجعل السجود أخفض من الركوع» (2) فانّ تجويز الصلاة في السفر حال المشي مع استلزامه الانحراف عن القبلة عادة يقضي بعدم اعتبار الاستقبال في هذا الحال، و من الواضح أنّ إطلاق الصحيحة الأخيرة شامل لحال السفر، بل هو المتيقّن منه كما لا يخفى.

نعم، مقتضى صحيحة ابن عمار لزوم الإتيان بالركوع و السجود مراعياً للقبلة، لكنّها محمولة على الأفضلية، بقرينة الصحيحتين الأخيرتين الصريحتين في عدم وجوب الركوع و السجود و كفاية الإيماء إليهما بعد حمل الأمر به فيهما لمكان وقوعه موقع توهم الحظر على الجواز. فيستفاد من مجموع ذلك جواز ترك الركوع و السجود و الاقتصار على الإيماء حال المشي، و إن كان الأفضل أن يقف فيركع و يسجد مع مراعاة الاستقبال حينئذ لكونه في حال الاستقرار.

بقي شي‌ء: و هو أنّك قد عرفت في المسألة السابقة سقوط الاستقبال في السفر حال الركوب بالأدلّة الخاصة، و هل مقتضاها سقوط الاستقبال رأساً فيجوز التنفل إلى أي جهة شاء، و لو إلى يمين الدابة أو يسارها أو خلفها كما لو ركبها مقلوباً أو على أحد جانبيها، أو يجب استقبال الجهة التي تتوجه إليها الدابة فتكون القبلة في حقّه حينئذ رأس الدابة، و لا يجوز الاتجاه نحو سائر الأطراف؟

المعروف بين المتأخرين هو الأول، لعدم الدليل على الثاني، و الأدلة الخاصة لا تقتضيه، بل مفادها إلغاء اعتبار الاستقبال في هذا الحال على الإطلاق، و مع الشك فالأصل البراءة.

____________

(1) الوسائل 4: 335/ أبواب القبلة ب 16 ح 3، 4.

(2) الوسائل 4: 335/ أبواب القبلة ب 16 ح 3، 4.

27

..........

____________

لكن الظاهر هو الثاني، لظهور قوله (عليه السلام) في تلك الأخبار: «حيث ذهب بعيرك» (1) و «حيث كان متوجهاً» (2) و نحو ذلك في وجوب استقبال الجهة التي تتوجه إليها الدابة (3) و عدم جواز الانحراف عنها، فكأن ما تتوجه إليه الدابة هي القبلة الثانوية في حقه، و لا موجب لرفع اليد عن هذا الظهور، مضافاً إلى التصريح به في صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): «في الرجل يصلّي النوافل في السفينة، قال: يصلي نحو رأسها» (4)، و عليه فلا مجال للرجوع إلى أصالة البراءة كما لا يخفى.

المسألة الثالثة و الرابعة: في التنفّل في الحضر راكباً أو ماشياً. و المشهور هو سقوط الاستقبال حينئذ، خلافاً للمحكي عن ابن ابي عقيل فذهب إلى اعتباره في الحضر مطلقاً، أي في حالتي السير و عدمه (5) و تبعه جماعة.

و الأقوى ما عليه المشهور لجملة من النصوص:

منها: صحيحة حماد بن عثمان عن أبي الحسن الأول (عليه السلام): «في الرجل يصلّي النافلة و هو على دابته في الأمصار، فقال: لا بأس» (6) فانّ الظاهر منها أنّ النظر في السؤال إنّما هو من حيث الاستقبال لا أصل الصلاة على الدابة، فكأنّه سأل عن أنّ الصلاة على الدابة إلى غير القبلة التي هي مشروعة في السفر هل هي كذلك في المصر و الحضر فأجاب (عليه السلام) باشتراكهما في الحكم، سيما بعد ملاحظة تعذر الاستقبال في الحضر حال السير غالباً، لاشتمال البلد على الأزقّة و الطرق الضيقة فتنحرف الدابة عن القبلة لا محالة.

و منها: صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج: «أنه سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام)

____________

(1) في صحيحة عبد الرحمن بن أبي نجران المتقدمة في ص 24.

(2) في صحيحة الحلبي المتقدمة في ص 23.

(3) لا يبعد القول بأنّ الأمر واقع موقع توهّم الحظر، و مثله لا يدلّ على الوجوب.

(4) الوسائل 4: 320/ أبواب القبلة ب 13 ح 2.

(5) حكاه عنه في المختلف 2: 90.

(6) الوسائل 4: 330/ أبواب القبلة ب 15 ح 10.

28

..........

____________

عن الرجل يصلي النوافل في الأمصار و هو على دابته حيث ما توجهت به، قال: لا بأس» (1).

و صحيحته الأُخرى عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «سألته عن صلاة النافلة في الحضر على ظهر الدابة إذا خرجت قريباً من أبيات الكوفة أو كنت مستعجلًا بالكوفة، فقال: إن كنت مستعجلًا لا تقدر على النزول و تخوفت فوت ذلك إن تركته و أنت راكب فنعم، و إلا فانّ صلاتك على الأرض أحب إليّ» (2). و هي كسابقتها صريحة في الجواز، و إن دلت الأخيرة على أنّ النزول أفضل، هذا.

مضافاً إلى الإطلاق في جملة من الأخبار التي تقدمت في المسألة الاولى (3) من حيث السفر و الحضر، فان الركوب على الدابة أو البعير في الحضر لمكان المرض أو الوجاهة أو جهات أُخر أمر شائع متعارف فيشمله الإطلاق، و إن كان ذلك في السفر أكثر، هذا كلّه في التنفّل راكباً حال الحضر.

و أمّا ماشياً فلم يرد فيه نص في الحضر بالخصوص، لكن يكفي فيه الإطلاق في صحيح يعقوب بن شعيب، الوارد في من يصلّي على الراحلة، قال «قلت: يصلّي و هو يمشي؟ قال: نعم، يومئ إيماءً و ليجعل السجود أخفض من الركوع» (4) فإنه يشمل حالتي السفر و الحضر كما لا يخفى.

و بالجملة: فبمقتضى هذه النصوص يحكم بثبوت الحكم في السفر و الحضر مع الركوب و المشي.

فما عن ابن أبي عقيل من اعتبار الاستقبال حال الحضر مطلقاً لا نعرف له وجهاً عدا التقييد بالسفر في بعض النصوص المتقدمة، و ما ورد في عدة من الروايات الواردة في تفسير قوله تعالى فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ من أنّها‌

____________

(1) الوسائل 4: 328/ أبواب القبلة ب 15 ح 1.

(2) الوسائل 4: 331/ أبواب القبلة ب 15 ح 12.

(3) في ص 23.

(4) الوسائل 4: 335/ أبواب القبلة ب 16 ح 4.

29

و لا يجب فيها الاستقرار و الاستقبال و إن صارت واجبة بالعرض بنذر و نحوه (1).

____________

نزلت في النافلة في السفر خاصة (1).

و كلاهما ليسا بشي‌ء أمّا الأول فلعدم دلالة الوصف على المفهوم، سيما في القيد الجاري مجرى الغالب كما في المقام، فإنّ الحاجة إلى التنفل راكباً أو ماشياً لا يتفق غالباً إلا في السفر كما لا يخفى.

و أما الثاني فلأنّ تلك الروايات تعرّضت لبيان مورد نزول الآية لا لتخصيص الحكم به، فلا مانع من التمسك بإطلاقه، لعدم كون المورد مخصصاً. على أنها ليست بروايات كثيرة، و إنّما هي ثلاث أو أربع ذكرها العياشي في تفسيره (2) و الطبرسي في مجمع البيان (3) و الشيخ في النهاية (4) و كلها مراسيل، فلا يمكن الاعتماد عليها في قبال الصحاح المتقدمة.

(1) قد عرفت اعتبار الاستقبال في الفرائض، فهل يختص ذلك بما كانت فريضة في الأصل و بحسب الجعل الأوّلى أو يعم ما لو صارت فريضة و لو لعارض و بعنوان ثانوي بنذر و نحوه، فلو نذر الإتيان بصلاة الليل مثلًا صحيحة من دون التقييد بالاستقرار أو بحال السفر راكباً أو ماشياً و إلا فيتبع قصد الناذر و هو خارج عن محل الكلام كما لا يخفى فهل يجوز الإتيان بها في السفر ماشياً أو راكباً بلا رعاية الاستقبال، نظراً إلى كونها نافلة في الأصل و إن عرضها الوجوب، فيشملها إطلاق ما دلّ على سقوط الاستقبال في النافلة في هذا الحال، أو يجب أن يصليها مع الاستقرار و الاستقبال باعتبار وجوبها بالفعل فتندرج في عنوان الفرائض المعتبر فيها ذلك؟ فيه خلاف بين الأعلام.

____________

(1) الوسائل 4: 332/ أبواب القبلة ب 15 ح 18، 19، 23.

(2) تفسير العياشي 1: 56/ 80.

(3) مجمع البيان 1: 421.

(4) النهاية: 64.

30

..........

____________

و الأقوى هو الأوّل، لانصراف ما دلّ على اعتبار الاستقبال في الفريضة إلى الفرائض الأصلية، أي ما فرضه اللّٰه تعالى على العباد بحسب التشريع الأوّلي لا ما فرضه المكلّف على نفسه بنذر و نحوه، فانّ ذلك خارج عن منصرف تلك الأدلّة و ما ينسبق منها إلى الذهن كما لا يخفى.

و عليه فلا تصل النوبة إلى المعارضة بين تلك الأدلّة و بين ما دلّ على سقوط الاستقبال في النوافل التي تكون النسبة بينهما العموم من وجه، لشمول الاولى للفرائض الذاتية و العرضية و الثانية للنافلة المنذورة و غيرها حتى يرجع في مادة الاجتماع و هي النافلة المنذورة بعد تساقط الدليلين بالمعارضة إلى العام الفوق و هو قوله (عليه السلام): «لا صلاة إلا إلى القبلة» (1) فيحكم فيها بوجوب الاستقبال لما عرفت من عدم الإطلاق في أدلة الفرائض، فيرجع إلى إطلاق أدلة النوافل السليمة عن المعارض.

و يؤكد ذلك ما ورد في بعض الروايات المتقدمة من إتيان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) بصلاة الليل و هو على راحلته مع أنها واجبة عليه بالخصوص.

نعم، مع الغض عما ذكرناه من الانصراف و تسليم الإطلاق في أدلّة الفرائض كالنوافل و استقرار المعارضة بينهما تعين الرجوع حينئذ إلى عموم قوله (عليه السلام): «لا صلاة إلا إلى القبلة» لعدم المخرج عنه في المقام عدا ما يتوهم من خبر علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل جعل للّٰه عليه أن يصلّي كذا و كذا هل يجزئه أن يصلّي ذلك على دابته و هو مسافر؟ قال: نعم» (2).

لكن الخبر ضعيف السند، لاشتماله على محمد بن أحمد العلوي و لم يوثق، فلا يمكن الاعتماد عليه في الخروج عن العام المزبور.

و قد حاول جمع من الأفاضل و عمدتهم الوحيد البهبهاني في حاشية‌

____________

(1) الوسائل 4: 312/ أبواب القبلة ب 9 ح 2.

(2) الوسائل 4: 326/ أبواب القبلة ب 14 ح 6.

31

..........

____________

المدارك (1) لتوثيق الرجل بذكر وجوه كلها مزيّفة:

الأوّل: رواية جملة من الأجلاء عنه، فلولا وثاقته بنظرهم لم يكن مجال لروايتهم عنه.

و هذا واضح الفساد، فإنّ رواية الأجلاء عن أحد لا تدلّ على توثيقه بوجه كما تقدم في مطاوي هذا الشرح غير مرة. و هذا الكليني و هو من أعاظم الأجلاء يروي في الكافي عن الضعفاء كثيراً، و نحوه غيره. و السرّ أنّ شأن الراوي ليس إلا نقل الحديث عن كل من سمعه ثقة كان أم غيره، و لا فرق في ذلك بين الأجلاء و غيرهم، إذ هم في مقام الرواية ليسوا إلا كأحد الرواة ينقلون كلّ ما وصل إليهم من الأخبار.

الثاني: أنّ العلامة قد صحح الحديث المشتمل سنده على هذا الرجل في المختلف و المنتهى.

و فيه أولًا: أنّه لا عبرة بتوثيقات العلامة، لابتنائها على الاجتهاد و الحدس دون الحس.

و ثانياً: أنّ تصحيح السند من مثله لا يدلّ على توثيق رجاله، لما هو المعلوم من مسلكه (قدس سره) من الاعتماد على رواية كلّ شيعي إمامي لم يرد فيه قدح، عملًا بأصالة العدالة في كلّ أحد ما لم يثبت فسقه، و لا يرى ثبوت وثاقة الراوي شرطاً في الصحة.

و بالجملة: مجرد كون الرواية حجة عند أحد لصحة السند في نظره لا يدلّ على التوثيق ما لم يعلم مسلكه في التصحيح، و إلا لزم العمل بكل ما يرويه الصدوق في الفقيه، لما التزم به في صدر الكتاب من عدم روايته فيه إلا ما يكون حجة بينه و بين ربه مع ما نراه فيه من روايته عن غير واحد من الضعاف.

الثالث: أنّ القميين تبعاً لشيخهم محمد بن الحسن بن الوليد لم يستثنوا من‌

____________

(1) هامش المدارك: 133.

32

..........

____________

روايات محمد بن أحمد بن يحيى في كتاب نوادر الحكمة ما يرويه عن هذا الرجل، فيكشف ذلك عن وثاقته لديهم، و إلا لاستثنوه كما استثنوا روايته عن غيره من الضعاف.

و فيه: ما عرفت آنفاً، فان عدم الاستثناء لا يدل على التوثيق، بل غايته التصحيح، و من الجائز أن يكون مسلكهم فيه كمسلك العلامة مبنياً على أصالة العدالة.

و بالجملة: فهذه الوجوه التي ذكرها البهبهاني لتوثيق الرجل لا يرجع بشي‌ء منها إلى محصّل.

و قد يذكر لتصحيح الرواية وجهان آخران:

الأوّل: أنّ الرجل موثّق، لوصف الصدوق إياه في الباب الثاني و العشرين من كتاب إكمال الدين (1) عند التعرض له و ذكر نسبه إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) بقوله: حدثنا الشريف الديّن الصدوق أبو علي محمد بن أحمد بن زيادة بن عبد اللّٰه، و ذكر نسبه إلى الإمام (عليه السلام). و في بعض النسخ: حدثنا شريف الدين الصدوق ... إلخ، بجعل شريف الدين لقباً له لا وصفاً. و على التقديرين فقد وصفه بالصدوق، الذي لا ينطبق إلا على الثقة كما لا يخفى.

و غير خفي أنّ هذا الاستدلال من غرائب الكلام، فانّ الوصف المزبور و إن وقع الكلام بين الأعلام في دلالته على التوثيق و عدمها مع أنه لا ينبغي الالتفات إليه فإنّه من أقوى أنحاء الدلالات عليه، بل هو يتضمن التعديل فضلًا عن التوثيق بناءً على النسخة الأُولى كما لا يخفى لعدم انطباق هذه الصفات على غير العدل.

إلا أنّه أجنبي عن الرجل المزبور أعني محمد بن أحمد العلوي لعدم احتمال أن يكون هذا هو المراد من قول الصدوق: حدثنا الشريف الديّن الصدوق أبو علي محمد بن أحمد بن زيادة ... إلخ، لعدم إمكان رواية الصدوق عنه بعد‌

____________

(1) كمال الدين: 239/ ب 22 ح 239.

33

..........

____________

ملاحظة ما بينهما من اختلاف الطبقة، فانّ الكليني يروي عن أحمد بن محمد بن يحيى، و هو يروي عن محمد بن علي بن محبوب، و هو يروي عن محمد بن أحمد العلوي، فطبقة الرجل متقدمة على الكليني بثلاث مراتب، فإنّه شيخ شيخ شيخ الكليني، فكيف يمكن أن يروي عنه الصدوق بلا واسطة كما هو ظاهر قوله حدثنا، مع أنّ طبقته متأخرة عن الكليني أيضاً، فإنّه توفي سنة 329 و الصدوق ورد بغداد سنة 359 و هو بعد شابّ حدث السن و توفي سنة 381 فمن هذا نجزم بأنّ المراد بالمسمى بهذا الاسم محمد بن أحمد شخص آخر غير العلوي.

و الذي يدلّ صريحاً على ما ذكرناه من التعدد إنّ العلوي المزبور جده إسماعيل كما نص عليه النجاشي (1) فهو محمد بن أحمد بن إسماعيل، مع أن من وصفه الصدوق بما ذكر هو محمد بن أحمد بن زيادة كما عرفت. فهما رجلان يقيناً.

الوجه الثاني: ما ذكره في الجواهر (2) من أنّ الرواية لو سلّم ضعفها بهذا الطريق المشتمل على العلوي فهي مروية بطريق آخر و هو ما رواه الشيخ عن كتاب علي بن جعفر و طريقه اليه صحيح.

و لا يخفى أنّ هذا لو ثبت لصحت الرواية و تم الاستدلال بها، لكنه لم يثبت و هذا سهو من قلمه الشريف، و لعله التبس عليه الأمر لدى الكتابة فرأى رواية أُخرى عن كتاب علي بن جعفر فتخيّل أنّها هذه الرواية، و إلا فالرواية لم تنقل إلا بالطريق الأوّل المشتمل على العلوي و أما الطريق الثاني فلم يوجد قط في شي‌ء من الكتب بعد التتبع التام، فإنّ أرباب المجامع كالوسائل و الوافي و الحدائق (3) و غيرها لم ينقلوا هذه الرواية عن الشيخ بهذا الطريق، بل اقتصروا على الطريق الأول، و الشيخ بنفسه لم ينقله عن علي بن جعفر في كتابيه التهذيب‌

____________

(1) رجال النجاشي: 303/ 828 [صرح بذلك في ترجمة العمركي].

(2) الجواهر 7: 422.

(3) الوافي 11: 531/ 11260، الحدائق 6: 410.

34

[مسألة 1: كيفية الاستقبال في الصلاة قائماً]

[1246] مسألة 1: كيفية الاستقبال في الصلاة قائماً أن يكون وجهه و مقاديم بدنه إلى القبلة حتى أصابع رجليه (1) على الأحوط [1]، و المدار على الصدق العرفي، و في الصلاة جالساً أن يكون رأس ركبتيه إليها [2] مع وجهه و صدره و بطنه، و إن جلس على قدميه لا بد أن يكون وضعهما على وجه يعد مقابلًا لها [3]، و إن صلى مضطجعاً يجب أن يكون كهيئة المدفون، و إن صلى مستلقياً فكهيئة المحتضر.

الثاني: في حال الاحتضار و قد مر كيفيته. الثالث: حال الصلاة على الميت يجب أن يجعل على وجه [4] يكون رأسه إلى المغرب و رجلاه إلى المشرق. الرابع: وضعه حال الدفن على كيفية مرت. الخامس: الذبح و النحر بأن يكون المذبح و المنحر و مقاديم بدن الحيوان إلى القبلة و الأحوط [4] كون الذابح ايضاً مستقبلًا و إن كان الأقوى عدم وجوبه.

[مسألة 2: يحرم الاستقبال حال التخلي بالبول أو الغائط]

[1247] مسألة 2: يحرم الاستقبال حال التخلي بالبول أو الغائط، و الأحوط تركه حال الاستبراء و الاستنجاء كما مر.

____________

و الاستبصار، و كتاب علي بن جعفر أيضاً خال عن هذه الرواية فلاحظ.

(1) امّا اعتبار الاستقبال حال القيام بالوجه و مقاديم البدن أي الصدر و البطن و ما يتبعهما فلا إشكال فيه، لتقوّم الاستقبال بذلك كما هو واضح. و أمّا اعتباره في أصابع الرجلين فلا دليل عليه بعد كونه على خلاف طبيعة الإنسان حال الوقوف، فانّ الغالب انحراف الأصابع حينئذ إلى اليمين و اليسار إلا بتعمّد‌

____________

[1] و الأظهر عدم وجوب الاستقبال بها.

[2] لا يعتبر ذلك على الأظهر.

[3] لا تعتبر كيفية خاصة في وضع القدمين.

[4] بل على وجه يكون رأس الميت الى يمين المصلي و رجله إلى يساره كما تقدم، و ما في المتن يختص بالأماكن التي تكون القبلة فيها في طرف الجنوب.

[4] لا يترك الاحتياط بكون الذابح أيضاً مستقبلًا.

35

[مسألة 3: يستحب الاستقبال في مواضع]

[1248] مسألة 3: يستحب الاستقبال في مواضع: حال الدعاء، و حال قراءة القرآن، و حال الذكر، و حال التعقيب، و حال المرافعة عند الحاكم، و حال سجدة الشكر، و سجدة التلاوة، بل حال الجلوس مطلقاً.

[مسألة 4: يكره الاستقبال حال الجماع]

[1249] مسألة 4: يكره الاستقبال حال الجماع، و حال لبس السراويل، بل كل حالة تنافي التعظيم.

____________

و مشقة أو قسر قاسر كما في العسكر حال النظام، بل لو أراد المكلف رعاية الاحتياط و بذل جهده في تحصيل ذلك في ابتداء الصلاة فهو يغفل عنه في الأثناء غالباً، و ليس ذلك إلا لكونه على خلاف طبع البشر حال القيام كما عرفت، فلو كان واجباً و الحال هذه لزم التنبيه عليه في الأخبار لكونه مما يغفل عنه عامة الناس، مع أنّه لم ترد بذلك و لا رواية واحدة فيكشف ذلك عن عدم الوجوب قطعاً و إلا لبيّن، و لا مجال للإيكال إلى العرف بعد قصورهم عن إدراكه كما هو ظاهر.

و أوضح منه إشكالًا اعتبار الاستقبال بالركبتين حال الجلوس أو في الصلاة جالساً، فان الانحراف فيهما إلى اليمين و اليسار أظهر، سواء جلس على قدميه أو متوركاً أو متربعاً، بل الأمر في الأخيرين أفحش، لكونهما حينئذ إلى المغرب و المشرق تقريباً كما لا يخفى.

و بالجملة: فالتحديد المذكور في المتن على النحو المزبور لا يساعده العرف و لا شاهد عليه في النصّ.

ثم إنّه قد تعرّض في المتن لعدّة موارد مما يجب فيه الاستقبال كالميت في حالات الاحتضار و الصلاة عليه و الدفن، أو يحرم كحال التخلّي مستقبلًا أو مستدبراً، أو يستحب كحال الدعاء و القراءة و نحوهما، أو يكره كحال الجماع و نحوه، فهو محكوم بالأحكام الأربعة.

36

..........

____________

أمّا الأخيران فتدلّ عليهما جملة من النصوص (1) كما لا يخفى على المراجع.

و أمّا الأوّلان فقد تقدّم الكلام فيهما مفصّلًا في محالّهما (2) فلا حاجة إلى الإعادة.

نعم، ذكر في المقام من جملة ما يجب فيه الاستقبال حال الذبح و النحر، و لم يسبق الكلام فيه فنقول:

أمّا اعتباره في نفس الذبيحة بأن يكون المذبح و المنحر و مقاديم بدن الحيوان إلى القبلة فلا إشكال فيه. و يدلّ عليه بعد الإجماع بقسميه كما في الجواهر (3) نصوص مستفيضة منها صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن الذبيحة فقال: استقبل بذبيحتك القبلة ...» الحديث (4) و هذه الرواية صحيحة لا حسنة، نعم لمحمد بن مسلم رواية أُخرى تشتمل على هذا المضمون (5)، و هي أما صحيحة أو حسنة، لمكان إبراهيم بن هاشم فلاحظ.

و أمّا اعتباره في الذابح فقد جعله في المتن أحوط، لكن الأقوى وجوبه (6) فيه أيضاً، لا للصحيح المتقدم لابتنائه على كون الباء في قوله (عليه السلام) «استقبل بذبيحتك القبلة» للمصاحبة، أي استقبل مع ذبيحتك القبلة، مع أن الظاهر كونه للتعدية، نظير قوله تعالى ذَهَبَ اللّٰهُ بِنُورِهِمْ (7) أي أذهب نورهم. فالمعنى اجعل ذبيحتك نحو القبلة، لا ما ذكر، و لا أقل من الإجمال فيسقط عن الاستدلال.

____________

(1) الوسائل 14: 341/ أبواب كيفية زيارة النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) ب 6 ح 1، 2 و غيرهما، الوسائل 20: 137/ أبواب مقدمات النكاح و آدابه ب 69 [و لم نعثر على ما يدل على استحبابه حال القراءة].

(2) شرح العروة 8: 268، 9: 256، 295، 4: 333.

(3) الجواهر 36: 110.

(4) الوسائل 24: 27/ أبواب الذبائح ب 14 ح 1، 2.

(5) الوسائل 24: 27/ أبواب الذبائح ب 14 ح 1، 2.

(6) و قد أفتى (دام ظله) في المنهاج 2: 338 المسألة 1651 بعدم الوجوب.

(7) البقرة 2: 17.

37

..........

____________

بل لصحيحة علي بن جعفر في كتابه عن أخيه (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يذبح على غير قبلة، قال: لا بأس إذا لم يتعمّد ...» إلخ (1) الدالة بمفهومها على ثبوت البأس مع تعمد الذبح إلى غير القبلة، و حيث إن الذبح بنفسه فعل من الأفعال كالأكل و الجلوس و القيام و نحوها و لا معنى لاعتبار الاستقبال في الفعل نفسه، لعدم كونه جسماً شاغلًا لحيّز كي يراعى فيه الاتجاه نحو القبلة، فلا بدّ و أن يكون الاستقبال معتبراً فيما يقوم به الفعل كالآكل و الجالس و القائم و نحوها، بل هذا هو الحال في الصلاة أيضاً، فإنّ الاستقبال غير معتبر فيها بما هي لما ذكر، بل في المصلي الذي تقوم به الصلاة.

و عليه فمرجع اعتبار الاستقبال في الذبح إلى اعتباره في من يقوم به هذا العمل، و بما أنّ هذا الفعل له خصوصيّة بها يمتاز عن الأمثلة المتقدمة و هي قيامه بالطرفين الذابح و الذبيحة دون مثل الصلاة و الجلوس و نحوهما فيستفاد من إطلاق ما دلّ على اعتبار الاستقبال فيه كهذه الصحيحة اعتباره في كلا الطرفين.

فالمتحصّل من مفهوم الصحيحة بعد ملاحظة ما ذكرناه اعتبار الاستقبال في الذابح و الذبيحة معاً، فتدبر جيداً.

____________

(1) الوسائل 24: 28/ أبواب الذبائح ب 14 ح 5، مسائل علي بن جعفر 142/ 164.

38

[فصل في أحكام الخلل في القبلة]

فصل في أحكام الخلل في القبلة

[مسألة 1: لو أخلّ بالاستقبال عالماً عامداً بطلت صلاته مطلقاً]

[1250] مسألة 1: لو أخلّ بالاستقبال عالماً عامداً بطلت صلاته مطلقاً، و إن أخلّ بها جاهلًا [1] أو ناسياً أو غافلًا أو مخطئاً في اعتقاده أو في ضيق الوقت فان كان منحرفاً عنها إلى ما بين اليمين و اليسار صحت صلاته (1).

____________

(1) الإخلال بالاستقبال في الصلاة قد يكون عن علم و عمد، و اخرى عن جهل بالحكم أو بالموضوع عن تقصير أو قصور، و ثالثة عن نسيان أو غفلة و رابعة عن خطأ في الاعتقاد أو في الاجتهاد، و لعل عبارة المتن تشملهما و خامسة عن ضيق الوقت عن التحري كما لو كانت وظيفته الصلاة إلى الجهات الأربع و لم يسع الوقت لغير الواحد منها. فهنا صور لا بدّ من التكلّم في كلّ منها.

أما مع العلم و العمد فلا إشكال في البطلان، لانتفاء المشروط بانتفاء الشرط، فإنّه القدر المتيقن من دليل الاشتراط من الكتاب و السنة كما تقدم التي منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): «أنّه قال له: استقبل القبلة بوجهك، و لا تقلب بوجهك عن القبلة فتفسد صلاتك، فانّ اللّٰه (عز و جل) يقول لنبيّه (صلى اللّٰه عليه و آله) في الفريضة فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ وَ حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ» (1) فإنها و إن وردت في‌

____________

[1] لا يبعد وجوب الإعادة فيما إذا كان الإخلال من جهة الجهل بالحكم، و لا سيما إذا كان عن تقصير.

____________

(1) الوسائل 4: 312/ أبواب القبلة ب 9 ح 3.

39

..........

____________

قاطعية الالتفات في الأثناء كما تقدم سابقاً (1) إلا أنّها تدلّ على اعتبار الاستقبال فيما كان الالتفات قاطعاً كالفريضة بلا إشكال، و نحوها غيرها مما لا يخفى.

و أما غير فرض العلم و العمد من بقية الصور فقد أطلق في المتن القول بالصحة في جميعها إذا كان الانحراف إلى ما بين اليمين و اليسار تبعاً للمشهور.

و الظاهر أنّ المستند في ذلك صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: لا صلاة إلا إلى القبلة، قال قلت: أين حدّ القبلة؟ قال: ما بين المشرق و المغرب قبلة كلّه» (2). دلّت على أنّ القبلة المعتبرة في الصلاة إنّما هي ما بين المشرق و المغرب على الإطلاق، خرج عنها صورة العلم و العمد، لاعتبار استقبال الكعبة حينئذ بالإجماع و النص فيبقى الباقي تحت الإطلاق.

لكن الصحيحة غير صالحة للاستدلال، لمعارضتها بصحيحة زرارة الأُخرى المتقدمة آنفاً (3) الدالة على لزوم استقبال المسجد الحرام، الشاملة بإطلاقها لصورتي العلم و الجهل و غيرهما، بل يبعد اختصاصها بصورة العلم و العمد في حدّ نفسه، إذ مع فرض العلم لا حاجة إلى الأمر باستقبال القبلة بالوجه و عدم تقليب الوجه عنها و الحكم بالفساد المستلزم للإعادة، لوضوح أنّ العالم لا يتعمد ذلك، و أنّه لو تعمد فالإعادة واجبة عليه، فلا حاجة إلى التنبيه، و إنّما يصح ذلك لو كان الإمام (عليه السلام) بصدد اعتبار الاستقبال على الإطلاق و الإرشاد إلى اشتراط الصلاة به، فينبّه (عليه السلام) حينئذ إلى البطلان في فرض الإخلال و إن كان عن جهل و نحوه.

و كيف كان، فالصحيحتان ساقطتان بالمعارضة لو لم نقل بأنّ الترجيح مع الثانية الدالّة على اعتبار استقبال المسجد الحرام لموافقتها مع الكتاب كما لا يخفى، فتدلّ على خلاف المطلوب. و على أي حال فالصحيحة الاولى لا تصلح‌

____________

(1) في ص 19.

(2) الوسائل 4: 314/ أبواب القبلة ب 10 ح 2.

(3) في ص 38.

40

..........

____________

للاستدلال، فلا بدّ في إثبات الحكم في كلّ مورد من التماس الدليل بالخصوص فنقول:

أما في فرض الجهل بالحكم فلا دليل على الصحة و إن كان الانحراف إلى ما بين اليمين و اليسار، بل مقتضى صحيحة زرارة الموافقة للكتاب هو البطلان عند عدم استقبال المسجد الحرام، و قد عرفت أنّ صحيحته الاولى قد سقطت بالمعارضة، بل الكتاب أيضاً بنفسه يقتضي البطلان كما لا يخفى. و حديث لا تعاد (1) و إن كان شاملًا للجهل لكن القبلة مما استثني فيه.

و أما صحيحة معاوية بن عمار: «أنه سأل الصادق (عليه السلام) عن الرجل يقوم في الصلاة ثم ينظر بعد ما فرغ فيرى أنّه قد انحرف عن القبلة يميناً أو شمالًا، فقال له: قد مضت صلاته، و ما بين المشرق و المغرب قبلة» (2) و موثقة الحسين بن علوان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي (عليه السلام): «أنّه كان يقول: من صلّى على غير القبلة و هو يرى أنّه على القبلة ثم عرف بعد ذلك فلا إعادة عليه إذا كان ما بين المشرق و المغرب» (3) فلا يصح التمسك بهما في المقام أعني صورة الجهل بالحكم لظهورهما و لا سيما الموثقة في أنّ المصلّي كان عالماً بأصل اعتبار الاستقبال في الصلاة، غايته أنّه أخطأ فتخيل أنّها في جهة خاصة ثم تبيّن الانحراف عنها بعد الصلاة، فلا تشملان صورة الجهل بالحكم كما لعله ظاهر.

و عليه فالأقوى هو البطلان و وجوب الإعادة، عملًا بإطلاقات أدلّة الاستقبال السليمة عن المقيد، من غير فرق بين الجاهل القاصر و المقصر، نعم هو معذور مع القصور، لكن المعذورية لا تنافي الفساد كما هو واضح.

و يلحق به ناسي الحكم، فإنّه هو الجاهل بعينه، و لا فرق بينهما إلا من حيث‌

____________

(1) الوسائل 4: 312/ أبواب القبلة ب 9 ح 1.

(2) الوسائل 4: 314/ أبواب القبلة ب 10 ح 1.

(3) الوسائل 4: 315/ أبواب القبلة ب 10 ح 5.

41

..........

____________

سبق العلم فيه دون الجاهل، و هو غير فارق في المقام.

و أما فرض الخطأ في الاعتقاد أو الاجتهاد فلا ينبغي الإشكال في الحكم بالصحة إذا كان الانحراف ما بين اليمين و اليسار، للمعتبرتين المتقدمتين، أعني صحيحة معاوية و موثقة الحسين بن علوان، بل هذا هو المتيقن عندنا من الحكم المزبور، و إن كان فيه خلاف كما ستعرف.

و يلحق به فرض ضيق الوقت لاندراجه تحت إطلاق المعتبرتين، إذ غاية ما يستفاد منهما اعتبار أن يكون الدخول في صلاة مشروعة صحيحة، الصادق على الفرض.

و دعوى أنّ هذا الفرض و إن كان مشمولًا لإطلاق الصحيحة لكن الموثقة غير شاملة له، لاختصاصها بمن صلى على غير القبلة و هو يرى أنّه على القبلة، و من الواضح أنّ من يصلي إلى جانب عند ضيق الوقت عن التحري لا يرى أنّه على القبلة، غايته أنّه يأتي بوظيفته الفعلية من دون أن يعتقد الاستقبال فالموثقة لمكان الاشتمال على هذا القيد الدالّ بمفهومه على البطلان مطلقاً لو لم ير أنّه على القبلة يختص موردها بفرض الخطأ في الاعتقاد أو الاجتهاد، بل مقتضى صناعة الإطلاق و التقييد حمل الصحيحة على الموثقة و تقييد إطلاقها بمفهوم الموثقة المقتضي للبطلان في فاقد القيد كما عرفت، جمعاً بينهما، فلا يصح التمسك بها أيضاً بعد الحمل المزبور.

مدفوعة بأنّ المفهوم المدّعى في الموثق إن أُريد به مفهوم الشرط ففيه: أنّ القيد المزبور لم يؤخذ شرطاً في ترتب الحكم، بل أُخذ قيداً في الموضوع، و إنّما الشرط كون الانحراف ما بين المشرق و المغرب، فمفهوم الجملة الشرطية حينئذ أنّ من صلى على غير القبلة و هو يرى أنّه على القبلة تجب عليه الإعادة إذا لم يكن الانحراف ما بين الشرق و الغرب، لا أنّه تجب الإعادة إذا لم يكن يرى أنه على القبلة، لعدم ترتب الجزاء على هذا القيد كما هو واضح.

و إن أُريد به مفهوم الوصف فهو وجيه لو قلنا بثبوت المفهوم للوصف، لكنّه‌

42

..........

____________

خلاف التحقيق، و غاية ما التزمنا به في الأُصول (1) دلالة القيد على عدم كون الطبيعة المهملة أينما سرت موضوعاً للحكم، و هو كذلك في المقام، فانّ العالم العامد، و كذا الجاهل بالحكم كما عرفت غير مشمول لهذا الحكم. و أمّا الدلالة على انتفاء الحكم عن الفاقد للقيد كي يدلّ على المفهوم الاصطلاحي كما في الجملة الشرطية فكلّا، فلا منافاة بينه و بين ما دلّ و لو بإطلاقه كصحيحة معاوية بن عمار على ثبوت الحكم في فاقد القيد حتى يجمع بينهما بحمل المطلق على المقيد، و لعلّ التقييد في المقيد جارٍ مجرى الغالب، إذ الغالب في من يدخل في الصلاة أنّه يرى نفسه على القبلة كما لا يخفى.

و كيف كان، فلا قصور في شمول المعتبرتين للمقام، أعني فرض ضيق الوقت، هذا.

مع أنّ البحث عن دخول الفرض في المعتبرتين قليل الجدوى، فانّ هذا الفرض في الحقيقة خارج عن محل الكلام أعني وجوب الإعادة في الوقت و عدمه إذ المفروض ضيق الوقت عن رعاية الاستقبال بحيث لم يتمكّن من الإعادة لو انكشف الخلاف، و إلا لم يكن من الضيق، فلا بدّ في مثله أن يكون الانكشاف خارج الوقت، فالبحث لو كان إنّما هو في وجوب القضاء و عدمه دون الإعادة. و ستعرف إن شاء اللّٰه تعالى (2) أنّ مقتضى الأدلّة عدم وجوب القضاء حينئذ. فلا موضوع لهذا البحث في المقام.

و أما الغافل أي من يصلّي إلى جهة غافلا عن أنها ليست بقبلة فهو أيضاً مشمول لإطلاق صحيحة معاوية، إذ لا مانع من الشمول عدا توهم تقييد الإطلاق بمفهوم موثق الحسين بن علوان، المستتبع لعدم الانطباق حينئذ على الغافل، لعدم كونه ممن يرى أنّه يصلي إلى القبلة المأخوذ في موضوع الموثق، و قد عرفت الجواب عنه آنفاً من عدم ثبوت المفهوم للوصف، و مفهوم‌

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 5: 133.

(2) في ص 55.

43

..........

____________

الشرط لا يقتضي ذلك.

و أما الجاهل بالقبلة المتردد الذي يصلّي إلى جهة و لو رجاءً بانياً على السؤال بعد ذلك فالظاهر وجوب الإعادة إذا تبين الانحراف و إن كان يسيراً لعدم اندراجه تحت إطلاق الصحيح، فانّ وظيفته التحري بمقتضى النصوص المتقدمة سابقاً (1). فالصلاة المأتي بها من دون التحري ليست وظيفة له و غير محكومة بالصحة شرعاً. و لا ريب في انصراف الصحيح إلى من قام في الصلاة باعتقاد الصحة و أنها الوظيفة بانياً على كونها فرداً للمأمور به، فلا تشمل الفرض.

و عليه فمقتضى إطلاق اعتبار استقبال المسجد الحرام (2) السليم عن القيد في المقام وجوب الإعادة إلا إذا انكشف كونها إلى القبلة من دون انحراف فيجتزئ بها، لاشتمالها على الشرط، و عدم المقتضي للإعادة بعد صدورها على وجه قربي كما هو المفروض.

و يؤكّد ما ذكرناه من الإعادة صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «في الأعمى يؤم القوم و هو على غير القبلة، قال: يعيد و لا يعيدون، فإنّهم قد تحرّوا» (3) فانّ الحكم بإعادة الأعمى دونهم معللًا بعدم التحري من دون التفصيل بين كون الانحراف ما بين اليمين و اليسار أو أكثر شاهد على ما ذكرنا.

فتحصّل من جميع ما مرّ: أنّ الحكم بالصحة بمقتضى الصحيح و الموثق يختص بفرض الخطأ في الاعتقاد أو الاجتهاد، و بضيق الوقت على كلام في كونه داخلًا في محل الكلام كما مرّ و بالغافل، و لا يعم الجاهل بالحكم و لا الناسي و لا المتردد.

ثمّ إنّ هاتين المعتبرتين صحيح معاوية و موثق الحسين و غيرهما لم يصرح فيهما بكون انكشاف الخلاف في الوقت أو في خارجه، فمقتضى الإطلاق‌

____________

(1) [تقدمت صحيحة واحدة لزرارة في شرح العروة 11: 450].

(2) كما في صحيح زرارة المتقدم في ص 38.

(3) الوسائل 8: 339/ أبواب صلاة الجماعة ب 21 ح 6.

44

..........

____________

عدم وجوب الإعادة سواء كان الانكشاف في الوقت أم في خارجه، فتدل بالإطلاق على نفي الإعادة و القضاء، لكن موضوعها مختص بما إذا كان الانحراف ما بين اليمين و اليسار.

و بإزاء هذه طائفة أُخرى سيأتي التعرّض لها (1) دلّت على أنّ من صلّى لغير القبلة أعادها في الوقت لا في خارجه، التي منها صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: إذا صليت و أنت على غير القبلة و استبان لك أنك صليت و أنت على غير القبلة و أنت في وقت فأعد، و إن فاتك الوقت فلا تعد» (2) و الحكم بالإعادة في هذه و إن كان مختصاً بما إذا كان الانكشاف في الوقت لكن موضوعها أعني الانحراف عن القبلة أعم من أن يكون إلى اليمين و اليسار أو بنحو الاستدبار.

و كما يمكن الجمع بحمل الانحراف في هذه الطائفة على استدبار القبلة بقرينة الطائفة السابقة الحاكمة بعدم قدح الانحراف إذا كان ما بين اليمين و اليسار كما عليه المشهور، يمكن الجمع بحمل عدم الإعادة في الطائفة الأُولى بما إذا كان الانكشاف خارج الوقت، بقرينة هذه الطائفة القاضية بوجوب الإعادة إذا كان في الوقت.

و بالجملة: فكل من الطائفتين يتضمن الإطلاق من جهة و التقييد من جهة أُخرى، فالنسبة بينهما عموم من وجه، و كل من التقييدين صالح لأن يتقيّد به الإطلاق من الطرفين من دون ترجيح في البين، فيتعارضان في مادة الاجتماع و هو الانحراف إلى ما بين اليمين و اليسار مع كون الانكشاف في الوقت، فلا تجب الإعادة بمقتضى الطائفة الأُولى، و تجب بمقتضى الثانية، و بعد التساقط يرجع إلى عموم اعتبار الاستقبال، مضافاً إلى قاعدة الاشتغال.

هكذا أفاده صاحب الحدائق (قدس سره) في المقام (3)، و قد أصرّ عليه و من‌

____________

(1) في ص 55.

(2) الوسائل 4: 315/ أبواب القبلة ب 11 ح 1.

(3) الحدائق 6: 437.

45

..........

____________

أجله استشكل في إطلاق نفي الإعادة مع الانحراف اليسير كما عليه المشهور، بل خصّه بما إذا كان الانكشاف خارج الوقت، و أمّا في الوقت فتجب الإعادة سواء كان الانحراف إلى ما بين اليمين و اليسار أم أكثر كما حكى القول بذلك عن ظاهر القدماء.

و ربما يجاب عنه بلزوم تقديم الجمع الأول المتضمن للتصرف في الموضوع على الجمع الثاني الذي هو تصرف في متعلّق الحكم، و ذلك لأن المستفاد من الطائفة الأُولى كصحيح معاوية أن للانحراف ما بين الشرق و الغرب خصوصية بها يمتاز عن غيره، و لذا خصّه بالذكر.

و عليه فلو قدّمناها على الطائفة الثانية كصحيح عبد الرحمن القاضية بوجوب الإعادة في الوقت مع الانحراف على الإطلاق و قيّدناه بالانحراف الكثير البالغ حد الشرق و الغرب فما زاد، لم يلزم منه محذور عدا تقييد الإطلاق الذي هو هيّن و غير عزيز في الأخبار، و هذا بخلاف ما لو قدّمنا الطائفة الثانية و قيّدنا بها إطلاق الأُولى، فإنّ فيه محذرواً زائداً على أصل التقييد، إذ المتحصّل بعد حمل الاولى على الثانية أنّ العبرة في نفي الإعادة إنما هو بخروج الوقت كما هو مفاد صحيح عبد الرحمن، سواء كان الانحراف يسيراً أم كثيراً، فلا يكون للانحراف إلى ما بين اليمين و اليسار المأخوذ في موضوع الطائفة الأُولى خصوصية في نفي الإعادة، فلازم ذلك إلغاء هذه الخصوصية، مع أنّك عرفت أنّ المستفاد من صحيحة معاوية و غيرها أنّ لهذا القيد خصوصية بها تمتاز عن غيره، فلا مناص من تقديم الجمع الأول تحفظاً على هذه الخصوصية كي لا يلزم إلغاؤها.

أقول: لا ريب أنّه كلّما دار الأمر في مقام الجمع بين الدليلين المتعارضين بالعموم من وجه بين ارتكاب تقييد مستلزم لطرح العنوان و إلغاء الخصوصية المأخوذة في لسان الدليل، و بين ارتكاب تقييد غير مستلزم لذلك تعيّن الثاني تحفظاً على العنوان، و حذراً من اللغويّة المترتبة على الأوّل، و كم لهذه الكبرى مصاديق و نظائر، تقدم غير واحد منها في مطاوي هذا الشرح.

46

..........

____________

منها ما تقدم في بحث النجاسات (1) عند الجمع بين قوله (عليه السلام) كل طائر يطير بجناحيه فلا بأس ببوله و خرئه (2) و بين قوله (عليه السلام): «اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه» (3) حيث ذكرنا أن النسبة بين الدليلين عموم من وجه، فيتعارضان في مادة الاجتماع و هو الطائر الذي لا يؤكل لحمه كالباز و الصقر، فلا يجب الاجتناب عن بوله بمقتضى الدليل الأول، و يجب بمقتضى الثاني، لكن اللازم الأخذ بإطلاق الأول و تقييد الثاني بما لا يؤكل لحمه من غير الطيور، إذ لا يترتب عليه أي محذور بخلاف العكس، أعني التحفظ على إطلاق الثاني و تقييد الأول بالطائر المأكول اللحم، إذ لازمه إلغاء خصوصية الطيران، لبداهة عدم الفرق في طهارة بول مأكول اللحم بين الطائر و غيره.

و بالجملة: فهذه الكبرى مسلّمة لا غبار عليها، لكنها غير منطبقة على المقام، إلا بناءً على القول بعدم وجوب الإعادة إذا كان الانكشاف خارج الوقت و كان الانحراف كثيرا بالغاً حدّ المشرق و المغرب فما زاد.

و توضيحه: أنّ النسبة بين صحيحتي معاوية و عبد الرحمن عموم من وجه، و مادة الافتراق من الاولى الانحراف اليسير المنكشف خارج الوقت، و من الثانية الانحراف الكثير المنكشف في الوقت، و لا معارضة بينهما في هذين الموردين، لتطابقهما على عدم وجوب الإعادة في الأول، و وجوبها في الثاني كما هو ظاهر. و إنّما المعارضة في مادة الاجتماع، و لها موردان:

أحدهما: الانحراف اليسير المنكشف في الوقت، حيث لا يجب فيه الإعادة بمقتضى إطلاق صحيح معاوية، و يجب بمقتضى إطلاق صحيح عبد الرحمن.

ثانيهما: الانحراف الكثير البالغ حدّ المشرق و المغرب فما زاد المنكشف خارج الوقت، فإنّه تجب فيه الإعادة بمقتضى ما يفهم من إطلاق صحيح معاوية، حيث أُنيط الحكم فيه بالصحة بما إذا كان الانحراف ما بين المشرق‌

____________

(1) شرح العروة 2: 375.

(2) الوسائل 3: 412/ أبواب النجاسات ب 10 ح 1، (نقل بالمضمون).

(3) الوسائل 3: 405/ أبواب النجاسات ب 8 ح 2.

47

..........

____________

و المغرب، و لا تجب بمقتضى إطلاق صحيح عبد الرحمن لكونه في خارج الوقت.

ثم إنّ هذه المسألة أعني الانحراف الكثير المنكشف خارج الوقت ذات قولين: فالمشهور عدم وجوب الإعادة، و اختاره المحقق في الشرائع (1) و غيره. و ذهب جمع منهم الشيخان (2) و غير واحد من الأعلام إلى وجوب الإعادة.

فعلى المشهور تنطبق الكبرى المزبورة على المقام، إذ لو قدّمنا صحيح عبد الرحمن و قيّدنا عدم الإعادة في صحيح معاوية بما إذا كان الانكشاف خارج الوقت يلزم منه طرح العنوان و إلغاء خصوصية ما بين المشرق و المغرب المأخوذة في صحيح معاوية، إذ المفروض عدم وجوب الإعادة في خارج الوقت و إن كان الانحراف كثيراً فضلًا عن اليسير، فلا يبقى لهذا العنوان دخل في نفي الإعادة فتلزم اللغوية كما أُفيد.

و أما بناءً على القول الآخر أعني وجوب الإعادة حينئذ الذي ذهب إليه جمع كثير كما عرفت فلا تلزم اللغوية للتحفظ حينئذ على عنوان ما بين المشرق و المغرب، إذ المفروض اختصاص عدم الإعادة به دون الانحراف الكثير، فيتعارض الإطلاقان من دون ترجيح في البين، لعدم الموجب لتقييد أحدهما دون الآخر، و بعد التساقط يرجع في كلا موردي مادة الاجتماع إلى عمومات الفوق القاضية باعتبار الاستقبال كما لا يخفى.

و الصحيح في الجواب عن صاحب الحدائق أن يقال:

أمّا أوّلًا: فبأن الطائفة الأُولى كصحيح معاوية لا إطلاق لها بحيث يشمل الانحراف المنكشف في الوقت و خارجه حتى تقع المعارضة بينها و بين الطائفة الثانية بالعموم من وجه، بل هي ظاهرة في خصوص الأول، فإنّ المتراءى من قوله في الصحيح: «عن الرجل يقوم في الصلاة ثم ينظر بعد ما فرغ فيرى ...» إلخ (3) أن الانكشاف إنّما هو بعد الفراغ عن الصلاة، الظاهر في بقاء‌

____________

(1) الشرائع 1: 80.

(2) لاحظ المقنعة: 97، النهاية: 64، المبسوط 1: 80.

(3) تقدمت في ص 40.

48

..........

____________

الوقت بعدُ، لانصرافه إلى التبيّن الحادث عقيب الفراغ بلا فصل معتد به، فلا يشمل ما إذا كان الفراغ من الصلاة مساوقاً لخروج الوقت الذي هو فرض نادر كما لا يخفى.

و أظهر منه موثقة عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «في رجل صلّى على غير القبلة فيعلم و هو في الصلاة قبل أن يفرغ من صلاته، قال: إن كان متوجّهاً فيما بين المشرق و المغرب فليحوّل وجهه إلى القبلة ساعة يعلم، و إن كان متوجهاً إلى دبر القبلة فليقطع الصلاة ثم يحوّل وجهه إلى القبلة ثم يفتتح الصلاة» (1).

فانّ الانكشاف أثناء الصلاة كالصريح في كونه قبل خروج الوقت، فحملها على ما لو اتفق خروج الوقت في الأثناء كي يكون الانكشاف بعده الذي هو فرض نادر جدّاً في غاية البعد. و من الضروري عدم الفرق في الحكم المزبور بين أبعاض الصلاة و جملتها، لاشتراط الاستقبال في تمام الأجزاء.

و بالجملة: فهذه النصوص ظاهرة في كون الانكشاف قبل خروج الوقت فلا تعارض بينها و بين الطائفة الثانية المفصّلة بين الوقت و خارجه إلا بالإطلاق و التقييد، حيث إنّ هذه دلّت على وجوب الإعادة في الوقت مطلقاً فتحمل على الانحراف الكثير البالغ حدّ المشرق و المغرب فما زاد بقرينة الطائفة الأُولى النافية للإعادة مع كون الانحراف فيما بين المشرق و المغرب، و أمّا بالإضافة إلى القضاء فلا تعارض أصلًا، لتباين الموضوعين كما عرفت.

و الحاصل: أنّ النسبة بين الدليلين عموم و خصوص مطلق، لا من وجه حتى يتعارضان.

و أما ثانياً: و هو العمدة فبحكومة الطائفة الأُولى على الثانية فلم يرد النفي و الإثبات على موضوع واحد بل موضوعين، فلا تعارض في البين.

و ذلك لأنّ المستفاد من قوله (عليه السلام) في صحيح معاوية: «قد مضت‌

____________

(1) الوسائل 4: 315/ أبواب القبلة ب 10 ح 4.

49

..........

____________

صلاته، و ما بين المشرق و المغرب قبلة» (1) أنّ الوجه في المضي و عدم الإعادة مع الانحراف اليسير ليس هو التعبد المحض و الاجتزاء بغير الواجب عن الواجب في مقام الامتثال، بل لأجل أنّه قد أتى بالواجب على ما هو عليه لمكان الاتساع في أمر القبلة، و أنّها عبارة عما بين المشرق و المغرب، فلا مقتضي للإعادة لأنّه صلى إلى القبلة نفسها بعد الاتساع في موضوعها فيكون ذلك شارحاً للمراد من القبلة في الطائفة الثانية الواقعة في كلام الإمام (عليه السلام) نفسه في بعض تلك الأخبار كصحيح عبد الرحمن و غيره (2) و أنّ المراد بقوله (عليه السلام) في الصحيح: «إذا صليت و أنت على غير القبلة ..» إلخ هو على غير القبلة المتسعة الشاملة لما بين المشرق و المغرب، المفسّرة بذلك في تلك الأخبار، بأن صلى إلى نفس نقطتي الشرق و الغرب أو مستدبراً، فالموضوعان في الطائفتين متباينان، إذ الأُولى دلّت على نفي الإعادة لأنّه صلّى إلى القبلة و الثانية تضمنت وجوب الإعادة لمن صلّى إلى غير القبلة، فأي تعارض بينهما بعد تعدد الموضوع.

و بالجملة: فالمتحصّل من الطائفتين أنّ من صلى إلى ما بين المشرق و المغرب مخطئاً أو غافلًا على تفصيل مر (3) فلا مقتضي للإعادة لا في الوقت و لا في خارجه، لأنّه صلّى إلى القبلة المتسعة نفسها. و أمّا لو صلّى مستدبراً أو إلى نفس النقطتين فتجب عليه الإعادة في الوقت دون خارجه. فالأقوى ما عليه المشهور.

بقي شي‌ء: و هو أن مقتضى النصوص المتقدمة بأجمعها نفي القضاء كما عرفت لكن قد يحكى عن بعض وجوبه استناداً إلى خبر معمر بن يحيى قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل صلى على غير القبلة ثم تبينت القبلة و قد‌

____________

(1) تقدم ذكره ص 40.

(2) الوسائل 4: 315/ أبواب القبلة ب 11 ح 1، 3.

(3) في ص 39 فما بعد.

50

..........

____________

دخل وقت صلاة أُخرى، قال: يعيدها قبل أن يصلي هذه التي قد دخل وقتها» (1).

و فيه أوّلًا: أنّ الخبر ضعيف، فانّ الرجال المذكورين في السند و إن كانوا ثقات إلا أنّ طريق الشيخ إلى الطاطري ضعيف (2) لاشتماله على علي بن محمد ابن الزبير القرشي و لم يوثق.

و ثانياً: أنّ الوقت المذكور في الخبر إن كان المراد منه وقت الفضيلة في المترتبتين كالظهرين و العشاءين كما هو الظاهر لكون المتداول في الأزمنة السابقة توزيع الصلوات على الأوقات الخمسة، فكان يعبّر عن حلول وقت فضيلة الصلاة بدخول وقتها و يعضده عدم التصريح في الخبر بخروج وقت الاولى، و كذا قوله: «قبل أن يصلّي هذه التي ..» إلخ المشعر بترتبها على السابقة. فالرواية حينئذ أجنبية عن القضاء رأساً، بل هي متعرضة لحكم الإعادة عند الانحراف المنكشف في الوقت كما هو ظاهر، فتكون موافقة للنصوص المتقدمة.

و إن كان المراد به وقت صلاة أُخرى غير مترتبة على الاولى كالمغرب بالإضافة إلى الظهرين و إن كان ذلك بعيداً عن ظاهر الخبر كما عرفت فلا مناص من حمل الإعادة على الاستحباب (3) جمعاً بينها و بين النصوص المتقدمة و فيها الصحاح المصرحة بنفي القضاء، لعدم مقاومة هذه مع تلك النصوص‌

____________

(1) الوسائل 4: 313/ أبواب القبلة ب 9 ح 5.

(2) التهذيب 10 (المشيخة): 76.

(3) و لا ينافي ذلك ما تكرّر منه «دام ظله» من استقرار المعارضة بين قوله «يعيد» و «لا يعيد» الوارد في دليلين و امتناع الجمع بالحمل على الاستحباب، من جهة أن الأمر بالإعادة إرشاد إلى فساد العمل و بقاء الأمر الأول، و لا معنى لاستحباب الفساد، و ذلك لأنّ ما ذكر إنما هو فيما إذا كان الأمر بالإعادة في الوقت دون خارجه كما في المقام، للقطع حينئذ بسقوط الأمر المتوجه في الوقت على أي حال كما لا يخفى، و معه لا مجال لدعوى الإرشاد إلى بقاء الأمر المستتبع لفساد العمل.

و عليه فقوله «يعيد» كقوله صلّ، يتضمن الأمر المولوي القابل للحمل على الاستحباب كما أفاده (دام ظله) بعد الدرس.

51

و لو كان في الأثناء مضى ما تقدم و استقام في الباقي (1) من غير فرق بين بقاء الوقت و عدمه، لكن الأحوط الإعادة في غير المخطئ في اجتهاده مطلقاً.

____________

المستفيضة. فالقول بوجوب القضاء ساقط جدّاً.

(1) على المشهور، بل لا خلاف كما نص عليه جماعة، فلا فرق في الحكم المزبور بين أبعاض الصلاة و جملتها.

و يشهد له صريحاً موثق عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «في رجل صلّى على غير القبلة فيعلم و هو في الصلاة قبل أن يفرغ من صلاته، قال: إن كان متوجهاً فيما بين المشرق و المغرب فليحوّل وجهه إلى القبلة ساعة يعلم و إن كان متوجهاً إلى دبر القبلة فليقطع الصلاة ثم يحوّل وجهه إلى القبلة ثم يفتتح الصلاة» (1) و دلالته على انسحاب الحكم المزبور إلى الأثناء ظاهرة.

نعم، قد يتوهم منافاته لخبر القاسم بن الوليد قال: «سألته عن رجل تبيّن له و هو في الصلاة أنّه على غير القبلة، قال: يستقبلها إذا ثبت ذلك، و إن كان فرغ منها فلا يعيدها» (2) حيث دلّ بإطلاقه على البطلان و استقبال الصلاة عند الانحراف.

و فيه: مضافاً إلى ضعف سنده بقاسم بن الوليد، فإنّه مهمل في كتب الرجال، أنّ المنافاة مبنيّة على إرجاع الضمير في «يستقبلها» إلى الصلاة، أي يستفتح الصلاة إلى القبلة و يستأنفها فيدل حينئذ على البطلان، لكنّه خلاف الظاهر، بل مقتضى عود الضمير إلى الأقرب إرجاعه إلى القبلة، أي يتوجه حينئذ إلى القبلة و يتم الصلاة، فيوافق الموثق حينئذ، غايته تقييد الإطلاق بما إذا كان الانحراف ما بين المشرق و المغرب بقرينة التصريح به في الموثق. فالخبر لولا ضعف سنده معاضد للموثق لا معارض له كما لا يخفى.

____________

(1) الوسائل 4: 315/ أبواب القبلة ب 10 ح 4.

(2) الوسائل 4: 314/ أبواب القبلة ب 10 ح 3.

52

..........

____________

ثم إنّه لو التفت في الأثناء إلى استدباره أو انحرافه إلى نقطتي المشرق و المغرب لا إشكال حينئذ في البطلان و لزوم استئناف الصلاة بمقتضى الموثق المتقدم مع سعة الوقت لذلك، و أما لو لم يسع للإعادة كما لو التفت إلى استدباره و هو في التشهد الأخير من صلاة العصر مثلًا، و كان الوقت ضيقاً بحيث لو أراد الاستئناف لم يدرك الوقت حتى بمقدار ركعة فهل الصلاة حينئذ محكومة بالصحة فيتمها مستقبلًا، أو أنها باطلة فيقضيها خارج الوقت؟ وجهان بل قولان، اختار أولهما المحقق الهمداني (قدس سره) (1) و جماعة، بل ذكر (قدس سره) أنّه لو لم يتمكن من الاستقامة و رعاية الاستقبال في بقية الصلاة لمانع خارجي فاضطر إلى إيقاع الصلاة بتمامها مستدبراً صحت، و سقط اشتراط الاستقبال، فضلًا عن مثل المقام الذي يتمكن فيه من رعايته في بقية الأجزاء فيستعدل و يتم مستقبلًا.

و أفاد (قدس سره) في وجهه أنّ الأمر حينئذ دائر بين رعاية الوقت أو الاستقبال، و لا ريب أنّ الأول أولى، لما ثبت أنّ الصلاة لا تسقط بحال، فيتعين عليه إتمام الصلاة تحفّظاً على الوقت، و لا يسوغ له القطع و القضاء خارجه لإدراك القبلة، لتقدم الأول على الثاني لدى المزاحمة.

و بالجملة: اشتراط الاستقبال مختص بحال التمكن، فما صدر منه قبل استبانة الخطأ قد وقع صحيحاً، لكونه معذوراً حال الفعل من رعاية الاستقبال عذراً مستوعباً لتمام الوقت، لأجل عدم تمكنه من إعادته أداءً على الفرض، و أمّا بعد الاستبانة فتجب الاستقامة مع التمكن و تصحّ الصلاة، لعدم الإخلال بالشرط حينئذ في شي‌ء من الأجزاء.

و أمّا موثّق عمّار المتضمّن لإطلاق الأمر بالقطع فهو منصرف أو مصروف عن مثل الفرض، جمعاً بين الأدلّة.

____________

(1) مصباح الفقيه (الصلاة): 114 السطر 29.

53

..........

____________

لكن الظاهر هو الوجه الثاني فيحكم بالبطلان و وجوب القضاء، و لا يتم شي‌ء مما أُفيد، فانّ موثق عمار المتضمن للأمر بالقطع الراجع إلى فساد الأجزاء السابقة و عدم صلاحيتها لانضمام اللاحقة بها غير قاصر الشمول للفرض، و لا نعرف وجهاً للانصراف أو الصرف، فإنّه قد تضمّن حكمين (1): وجوب القطع و لزوم التوجه إلى القبلة و افتتاح الصلاة. و الحكم الثاني و إن سلّم انصرافه عن مثل المقام، لكن لا مقتضي لرفع اليد عن إطلاق الأول كما لا يخفى. و بمقتضاه يحكم بالفساد كما عرفت.

و اشتراط الاستقبال و إن كان مختصاً بحال التمكن كما ذكر لكنّه متمكن منه عند الشروع في الصلاة على الفرض، غايته أنّه غفل أو أخطأ فاستدبر بزعم القبلة، و لا دليل على تحقق العذر المسقط للتكليف بمثل ذلك ما لم يستوعب الوقت، أي تستمر هذه الحالة إلى آخر الوقت بحيث يكون الانكشاف خارجه، فانّ هذا هو الذي يسقط معه الاشتراط بمقتضى الأخبار (2) و هو منفي في مفروض البحث لكون الانكشاف قبل خروج الوقت.

و عليه فما صدر عنه قبل استبانة الخطأ غير محكوم بالصحة واقعا، و لا يجزئ عن الواجب بعد ما عرفت من بقاء الأمر بالاستقبال و عدم عروض المسقط له.

____________

(1) لعل المنساق من الموثقة انّ الحكمين مترابطان فلا يحكم بالقطع إلا في مورد محكوم فيه بالافتتاح، و بما أنّ الظاهر من افتتاح الصلاة بقاء الوقت و افتتاحها أداءً المتعذر في المقام حسب الفرض فلا جرم كانت الموثقة منصرفة عنه.

(2) الوارد في تلك الأخبار التي منها صحيحة عبد الرحمن الآتية في التعليق الآتي هكذا «و أنت في وقت فأعد و إن فاتك الوقت فلا تعد» و ظاهر المقابلة أنّ المراد بفوات الوقت ما يقابل بقاءه الذي حكم فيه بالإعادة، و بما أنّ المراد بالبقاء وجود وقت قابل للإعادة و صالح للأمر بها فيه فلا جرم يراد بالفوات فوات وقت الإعادة لا لزوم كون الانكشاف خارج الوقت، و عليه فلا قصور في شمولها للمقام.

54

و إن كان منحرفاً إلى اليمين و اليسار أو إلى الاستدبار فان كان مجتهداً مخطئاً أعاد في الوقت دون خارجه، و إن كان الأحوط الإعادة مطلقاً، لا سيما في صورة الاستدبار، بل لا ينبغي أن يترك في هذه الصورة [1]، و كذا إن كان في الأثناء، و إن كان جاهلًا أو ناسياً أو غافلًا فالظاهر وجوب الإعادة في الوقت و خارجه [2] (1).

____________

و حديث عدم سقوط الصلاة بحال لا يجدي في تصحيحه، فإنه أجنبي عن المقام، إذ ليس شأنه إلا إثبات الأمر بالصلاة الفاقدة للشرط لدى المزاحمة بينه و بين الوقت، فهو لا يتكفّل إلا لإحداث الأمر بالفاقد و إيجاده في هذا الظرف، لا لتصحيح العمل السابق الصادر حينما وقع سليماً عن المزاحمة و كان فقده للشرط لأجل الغفلة أو الخطأ و نحوهما كما لا يخفى، هذا.

و مع الغض عما ذكر و تسليم انصراف الموثق عن المقام فالمرجع حينئذ عموم قوله (عليه السلام): «لا صلاة إلا إلى القبلة» (1) المقتضي لفساد الصلاة في الفرض و لزوم إعادتها مستقبلًا، إذ الخارج عن العموم في الانحراف الكثير الذي هو محل البحث ما إذا كان الانكشاف خارج الوقت بمقتضى النصوص (2) النافية للقضاء فيما إذا استبان في غير الوقت، و لا ريب في عدم شمول ذلك لمثل الفرض، لكون الانكشاف في الوقت على الفرض، فالمرجع هو العموم المزبور المقتضي للبطلان.

(1) أمّا وجوب الإعادة في الوقت في الانحراف الكثير سواء كان إلى اليمين و اليسار أو الاستدبار فلا إشكال فيه، لجملة وافرة من النصوص التي تقدم‌

____________

[1] لا بأس بتركه.

[2] لا يبعد عدم وجوب القضاء في غير الجاهل بالحكم.

____________

(1) الوسائل 4: 312/ أبواب القبلة ب 9 ح 2.

(2) الآتية بعد قليل.