موسوعة الإمام الخوئي - ج15

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
533 /
1

[تتمة كتاب الصلاة]

[فصل في الرّكوع]

فصل في الرّكوع يجب في كل ركعة من الفرائض و النوافل ركوع واحد إلّا في صلاة الآيات ففي كل ركعة من ركعتيها خمس ركوعات كما سيأتي، و هو ركن تبطل الصلاة بتركه عمداً كان أو سهواً، و كذا بزيادته في الفريضة إلّا في صلاة الجماعة فلا تضر بقصد المتابعة (1).

____________

(1) الركوع لغة (1) هو مطلق الانحناء و تطأطؤ الرأس، يقال ركع الشيخ، أي انحنى من الكبر، سواء أ كان حسِّياً كالمثال أو معنوياً كمن أكبّه الدّهر فصار فقيراً بعد أن كان غنيّاً، فيقال ركع زيد، أي انحطّت حالته، و في الشرع انحناء مخصوص كما ستعرف.

و لا إشكال بضرورة الدين في وجوبه مرّة واحدة في كل ركعة من الفرائض و النوافل، بل باعتباره سمِّيت الركعة ركعة، ما عدا صلاة الآيات فيجب في كل ركعة من ركعتيها خمس ركوعات كما سيأتي الكلام عليها في محلّها إن شاء اللّٰه تعالى (2).

و لا ينبغي الإشكال في أنّه ركن، بل ممّا تتقوّم به حقيقة الصلاة و ماهيّتها‌

____________

(1) لسان العرب 8: 133، مجمع البحرين 4: 339.

(2) شرح العروة 16/ بعد المسألة [1752].

2

[و واجباته أُمور]

و واجباته أُمور:

[أحدها: الانحناء على الوجه المتعارف]

أحدها: الانحناء على الوجه المتعارف بمقدار تصل يداه إلى ركبتيه وصولًا لو أراد وضع شي‌ء منهما عليهما لوضعه، و يكفي وصول مجموع أطراف الأصابع التي منها الإبهام على الوجه المذكور، و الأحوط الانحناء بمقدار إمكان وصول الراحة إليها، فلا يكفي مسمّى الانحناء (1).

____________

بحيث ينتفي بانتفائه الاسم كما يشهد به حديث التثليث، «قال (عليه السلام): الصلاة ثلاثة أثلاث: ثلث طهور، و ثلث ركوع، و ثلث سجود» (1) فهو دخيل في المسمّى و ركن فيه. و مع الغض فلا شك في كونه ركناً في المأمور به، بمعنى أنّ الإخلال به من حيث النقص عمداً أو سهواً موجب للبطلان كما يشهد به حديث لا تعاد، و يأتي الكلام عليه في بحث الخلل إن شاء اللّٰه تعالى (2).

و أمّا الإخلال من حيث الزيادة، فهو و إن لم يكن معتبراً في صدق الركن لعدم إناطته إلّا بالإخلال من حيث النقص فحسب كما عرفت سابقاً، إلّا أنّه لا شك في قادحية الإخلال به من حيث الزيادة أيضاً عمداً أو سهواً كما سيجي‌ء في محلّه أيضاً (3)، إلّا في صلاة الجماعة فيغتفر فيها الزيادة بقصد المتابعة كما ستعرفه في مبحث الجماعة (4).

(1) قد عرفت أنّ الركوع لغة هو مطلق الانحناء، و في الشرع انحناء خاص فهو في إطلاق الشارع على ما هو عليه من المعنى اللّغوي غايته مع اعتبار بعض القيود كما ستعرف. و عن صاحب الحدائق (5) دعوى ثبوت الحقيقة الشرعية فيه‌

____________

(1) الوسائل 6: 310/ أبواب الركوع ب 9 ح 1.

(2) شرح العروة 18: المسألة [2015].

(3) شرح العروة 18: المسألة [2012].

(4) شرح العروة 17: المسألة [1931].

(5) الحدائق 8: 236.

3

..........

____________

في قبال اللّغة، مستشهداً له بموثقة سماعة قال: «سألته عن الركوع و السجود هل نزل في القرآن؟ قال: نعم، قول اللّٰه عزّ و جلّ يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا ... إلخ (1) و بصحيحة محمّد بن قيس (2) الواردة بهذا المضمون.

و ليت شعري أيّ دلالة في الروايتين على ثبوت الحقيقة الشرعية، فإنّ غاية مفادهما ورود الركوع في القرآن، و هل هذا إلّا كورود البيع فيه بقوله تعالى أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (3) فهل مجرّد ذلك يقتضي ثبوت الحقيقة الشرعية، و هل يلتزم بمثله في البيع و نحوه من ألفاظ المعاملات الواردة في القرآن. فالإنصاف أنّ هذه الدعوى غريبة جدّاً، بل الصحيح أنّ الركوع يطلق في لسان الشرع على ما هو عليه من المعنى اللّغوي، غايته مع اعتبار بعض القيود كما هو الحال في البيع و نحوه.

و كيف كان، فلا ينبغي الإشكال في عدم كفاية مطلق الانحناء في تحقّق الركوع الواجب في الصلاة، بل إنّ هذا مسلّم مفروغ عنه عند جميع فرق المسلمين، عدا ما ينسب إلى أبي حنيفة (4) من الاكتفاء بذلك و هو متفرِّد به.

إنّما الكلام في تحديد المقدار الواجب، فالمشهور ما ذكره في المتن من الانحناء بمقدار تصل يداه إلى ركبتيه بحيث لو أراد وضع شي‌ء منهما عليهما لوضعه، بل ادّعي الإجماع عليه في كثير من الكلمات و إن اختلف التعبير باليد تارة و بالكف اخرى، و بالراحة ثالثة. و قد استدلّ له بوجوه.

أحدها: قاعدة الاحتياط، فانّ فراغ الذمّة عن عهدة التكليف المعلوم‌

____________

(1) الوسائل 6: 312/ أبواب الركوع ب 9 ح 7.

(2) الوسائل 6: 311/ أبواب الركوع ب 9 ح 6 لكن الموجود فيه و في التهذيب [2: 97/ 362] و الوافي [8: 692/ 6880] خال عن ذاك المضمون الّذي حكاه في الحدائق [8: 235] عن الشيخ.

(3) البقرة 2: 275.

(4) المجموع 3: 410، حلية العلماء 2: 117، بدائع الصنائع 1: 162.

4

..........

____________

لا يتحقّق إلّا بالبلوغ إلى هذا الحد.

و فيه أوّلًا: أنّ المورد من دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطيين و المقرّر فيه هو البراءة دون الاشتغال.

و ثانياً: مع الغض، يدفعه إطلاقات الأدلّة، لما عرفت من صدق الركوع على مطلق الانحناء، و عدم ثبوت الحقيقة الشرعية، فلو أغضينا النظر عن بقية الأدلّة كان مقتضى الإطلاق الاجتزاء بمسمّى الانحناء كما يقول به أبو حنيفة و لا تصل النوبة إلى الأصل كي يقتضي الاشتغال.

الثاني: الإجماع المنقول كما ادّعاه غير واحد على ما مرّ. و فيه: مضافاً إلى عدم حجّيته في نفسه و إلى وهن دعواه حيث ذكر المجلسي في البحار (1) أنّ المشهور هو الاجتزاء ببلوغ أطراف الأصابع، أنّه معارض بنقل الإجماع على الخلاف كما ادّعاه بعض فيسقطان بالمعارضة.

الثالث: و هو العمدة، الروايات:

منها: صحيحة حماد قال فيها: «ثمّ ركع و ملأ كفّيه من ركبتيه مفرّجات ثمّ قال (عليه السلام) في ذيلها: يا حماد هكذا صلّ» (2) و ظاهر الأمر الوجوب.

و منها: صحيحة زرارة: «... و تمكن راحتيك من ركبتيك و تضع يدك اليمنى على ركبتك اليمنى قبل اليسرى» (3).

و منها: صحيحته الأُخرى: «... فإذا ركعت فصفّ في ركوعك بين قدميك تجعل بينهما قدر شبر و تمكّن راحتيك من ركبتيك و تضع يدك اليمنى على ركبتك اليمنى قبل اليسرى ...» إلخ (4).

____________

(1) البحار 82: 119.

(2) الوسائل 5: 459/ أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1.

(3) الوسائل 6: 295/ أبواب الركوع ب 1 ح 1.

(4) الوسائل 5: 461/ أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 3.

5

..........

____________

و منها: النبوي الّذي رواه الجمهور عن النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) قال «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) إذا ركعت فضع كفيك على ركبتيك» (1).

و الجواب: أنّ دلالة هذه النصوص على المدّعى قاصرة مضافاً إلى ضعف سند النبوي إذ لا تعرّض فيها لبيان حدّ الانحناء بالدلالة المطابقية، و إنّما مدلولها المطابقي وجوب وضع الكف أو الراحة على الركبتين المستلزم بطبيعة الحال للانحناء بهذا المقدار، فالتحديد بذلك مستفاد منها بالدلالة الالتزامية، و حيث إنّا نقطع بعدم وجوب وضع اليد على الركبتين حال الركوع لا لمجرّد الإجماع المدّعى على العدم، بل للتصريح به في نفس صحيحة زرارة الأخيرة و أنّ ذلك أحب إليه (عليه السلام) قال «و أحب إليّ أن تمكن كفّيك من ركبتيك» فالدلالة المطابقية ساقطة لا محالة، و بتبعها تسقط الدلالة الالتزامية، لمتابعتها لها في الوجود و الحجّية كما تقرّر في محلّه (2)، و عليه فلا دلالة في شي‌ء من هذه النصوص على تحديد الانحناء بهذا المقدار، هذا.

و ربّما يستدل له كما في مصباح الفقيه (3) برواية عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «عن الرجل ينسى القنوت في الوتر أو غير الوتر، فقال: ليس عليه شي‌ء، و قال: إن ذكره و قد أهوى إلى الركوع قبل أن يضع يديه على الركبتين فليرجع قائماً و ليقنت ثمّ ليركع، و إن وضع يديه على الركبتين فليمض في صلاته و ليس عليه شي‌ء» (4).

دلّت على أنّ تدارك القنوت المنسي إنّما يمكن ما لم يدخل في الركوع، و أنّ الضابط في الدخول فيه الانحناء بمقدار تصل يداه إلى الركبتين، فان بلغ هذا‌

____________

(1) المعتبر 2: 193 و فيه «على ركبتك».

(2) محاضرات في أُصول الفقه 3: 71 74.

(3) مصباح الفقيه (الصلاة): 326 السطر 34.

(4) الوسائل 6: 286/ أبواب القنوت ب 15 ح 2.

6

..........

____________

الحد فقد دخل في الركوع و فات محل التدارك حذراً عن زيادة الركن، و إلّا فلم يدخل فيه و له التدارك، قال (قدس سره) فتكون هذه الموثقة بمنزلة الشرح لموثقته الأُخرى عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1).

و الإنصاف: أنّ هذه أصرح رواية يمكن أن يستدل بها على هذا القول و لكنّها أيضاً غير صالحة للاستدلال.

أمّا أوّلًا: فلضعفها سنداً و إن عبّر المحقِّق الهمداني (قدس سره) بالموثقة لأنّ في السند علي بن خالد و لم يوثق بل هو مهمل.

و أمّا ثانياً: فلقصور الدلالة، فإنّ ظاهرها متروك قطعاً، لظهورها في أنّ الميزان في تحقّق الركوع المانع عن التدارك وضع اليدين على الركبتين حيث أُنيط فيها الرجوع إلى القنوت و عدمه بوضع اليدين و عدمه، مع أنّ الوضع غير معتبر في حقيقة الركوع قطعاً، فإنّه مهما بلغ هذا الحد لم يجز له الرجوع، سواء وضع يديه على الركبتين أم لا بلا إشكال، فظاهرها غير ممكن الأخذ، و لا دليل على تأويلها بإرادة بلوغ هذا الحد من وضع اليدين ثمّ الاستدلال بها.

فتحصّل: أنّه لم ينهض دليل يمكن المساعدة عليه على هذا القول. فالأقوى وفاقاً لجمع من الأصحاب كفاية الانحناء حدّا تصل أطراف أصابعه الركبتين و إن لم تصل الراحة إليهما، بل قد سمعت من المجلسي نسبته إلى المشهور.

و يدلُّ عليه صريحاً مضافاً إلى الإطلاقات النافية للأكثر الصحيحة الثانية لزرارة المتقدِّمة قال (عليه السلام) فيها: «فان وصلت أطراف أصابعك في ركوعك إلى ركبتيك أجزأك ذلك و أحب إليّ أن تمكن كفّيك من ركبتيك فتجعل أصابعك في عين الركبة و تفرج بينهما ...» إلخ (2) فانّ التعبير بالإجزاء صريح في كفاية هذا‌

____________

(1) الوسائل 6: 286/ أبواب القنوت ب 15 ح 3.

(2) الوسائل 5: 461/ أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 3.

7

..........

____________

المقدار في حصول الانحناء الواجب في الركوع، و أنّ الزائد عليه فضل و ندب كما صرّح به بقوله (عليه السلام) «و أحب إلىّ ...» إلخ. و بذلك يحمل الأمر في صحيحته الاولى و كذا صحيحة حماد المتقدِّمتين على الاستحباب.

و يؤيِّده ما نقله المحقِّق في المعتبر و العلّامة في المنتهي عن معاوية بن عمار و ابن مسلم و الحلبي قالوا: «و بلغ بأطراف أصابعك عين الركبة ...» إلخ (1) لكنّها مرسلة بالنسبة إلينا، و إن استظهر صاحب الحدائق (2) أنّ المحقِّق قد نقلها من الأُصول التي عنده و لم تصل إلينا إلّا منه، فإنّه لو سلّم ذلك لا تخرج الرواية عن كونها مرسلة بالإضافة إلينا كما لا يخفى. فالعمدة هي صحيحة زرارة المتقدِّمة المؤيّدة بهذه الرواية.

و لا فرق في صحّة الاستدلال بها على المطلوب بين استظهار كونها مسوقة لبيان حدّ الانحناء المعتبر في الركوع بجعل الوصول طريقاً إلى معرفة ذلك الحد كما هو الظاهر منها و بين دعوى كونها مسوقة لبيان جعل البدل و أنّ إيصال الأصابع إلى الركبة بدل عن وضع اليد عليها من غير تعرّض لبيان الحد فيها أصلًا كما قيل.

أمّا على الأوّل فواضح جدّاً كما عرفت. و أمّا على الثاني فكذلك و إن لم يكن بذلك الوضوح، إذ قد يقال بناءً عليه بعدم المنافاة بينها و بين الصحيحة الأُولى لزرارة المتضمِّنة لتحديد الانحناء بما يشتمل على وضع اليدين على الركبتين غايته أنّ المستفاد من هذه الصحيحة عدم لزوم وضع تمام اليد و الاكتفاء بوضع أطراف الأصابع بدلًا عنه، فيحمل وضع تمام اليد فيها على الاستحباب مع‌

____________

(1) الوسائل 6: 335/ أبواب الركوع ب 28 ح 2، المعتبر 2: 193، المنتهي 1: 281 السطر 36.

(2) الحدائق 8: 237.

8

..........

____________

الالتزام بلزوم الانحناء بذاك المقدار عملًا بتلك الصحيحة، لعدم المنافاة بينهما من هذه الجهة كما مرّ.

و فيه: ما عرفت من أنّ الانحناء بمقدار يتمكّن من وضع اليد على الركبة إنّما استفيد من تلك الصحيحة بالدلالة الالتزامية، فإذا بنى على سقوط الدلالة المطابقية و عدم وجوب وضع اليد عليها و لو من أجل جعل البدل المستفاد من هذه الصحيحة سقطت الدلالة الالتزامية قهراً، لما تقدّم من تبعيتها للمطابقية في الوجود و الحجّية. إذن لا دليل على التحديد ببلوغ اليد إلى الركبة، فلا فرق في صحّة الاستدلال بين الأمرين و إن كان على الأوّل أوضح و أظهر كما عرفت.

نعم، بينهما فرق من ناحية أُخرى و هو أنّه بناءً على الأوّل و استظهار كونها في مقام التحديد كما هو الصحيح فهي بنفسها تدل على نفي الزائد و عدم وجوب الانحناء أكثر من ذلك. و أمّا على الثاني فحيث إنّ النظر فيها مقصور على جعل البدل حسب الفرض فلا تعرّض فيها بالنسبة إلى الزائد نفياً و لا إثباتاً، و بما أنّ الصحيحة الأُولى أيضاً ساقطة الدلالة بالإضافة إليه كما عرفت آنفاً، فيتمسّك حينئذ بأصالة البراءة لنفيه، إذ المتيقّن إنّما هو الانحناء بمقدار تصل أطراف الأصابع إلى الركبتين لوجوب هذا المقدار على كلّ حال، و أمّا الزائد عليه فمشكوك يدفع بأصالة البراءة كما هو المقرّر في الدوران بين الأقل و الأكثر الارتباطيين.

و قد يقال بعدم التفاوت بين التحديدين، و عدم التنافي بين الصحيحتين، إذ المذكور في هذه الصحيحة بلوغ الأصابع، و هو جمع محلّى باللّام، و مقتضى دلالته على الاستغراق لزوم رعايته حتّى في الخنصر و الإبهام، و هو ملازم لوصول الكف، غايته أنّه لا يلزم وضع تمام الكف، بل يكفي وضع بعضها عملًا بهذه الصحيحة، فيتصرّف في الأُولى بهذا المقدار و تحمل على الفضل.

9

و لا الانحناء على غير الوجه المتعارف بأن ينحني على أحد جانبيه أو يخفض كفليه و يرفع ركبتيه و نحو ذلك (1)

____________

و فيه أوّلًا: منع الصغرى، فإنّ رأس الإبهام لا يساوي الراحة، بل هو أطول منها بمقدار عقد غالباً، فوصول رأس الإبهام لا يلازم وضع شي‌ء من الكف و الراحة على الركبة.

و ثانياً: مع التسليم فارادة العموم الأفرادي الشامل للإبهام متعذِّر في المقام إذ لازمه إرادته خاصّة من أطراف الأصابع، لوضوح أنّه بالإضافة إلى ما عداها من بقية الأصابع وضع لتمامها لا وصول لطرفها، للملازمة بين وصول طرف الإبهام و وضع الباقي، و إرادة خصوصه من مثل هذا التعبير مستبشع جدّاً كما لا يخفى. بل المتعيِّن حينئذ التعبير بوصول طرف الإبهام أو الراحة لا أطراف الأصابع، فلا مناص من أن يراد به العموم المجموعي الصادق على الثلاثة الوسطى، فيكون التفاوت حينئذ في مقدار الانحناء فاحشا.

هذا، مع أنّ العموم في المقام منفي من أصله، لعدم التعبير بالأصابع في الصحيحة كي يكون جمعاً محلّى باللّام و من صيغ العموم، و إنّما الموجود فيها هكذا: «فان وصلت أطراف أصابعك» و هو من الجمع المضاف الّذي لا يدل على الشمول إلّا بالإطلاق لا بالعموم الوضعي و إن كان الحال لا يفرق بذلك فيما تقدّم إلّا من حيث كون الدلالة وضعية أو إطلاقية غير المؤثر في محل الكلام كما لا يخفى.

فتحصّل: أنّ الأقوى كفاية الانحناء بمقدار تصل أطراف الأصابع إلى الركبتين فلا يجب الزائد و إن كان أحوط كما ذكره في المتن، و قد علم وجهه ممّا مرّ.

(1) قد عرفت الكلام في حدّ الانحناء، و أمّا كيفيته فلا بدّ و أن تكون عن‌

10

و غير المستوي الخلقة كطويل اليدين أو قصيرهما يرجع إلى المستوي (1)،

____________

قيام على النحو المتعارف، فلا يكفي الانحناء على أحد الجانبين أو خفض الكفلين و رفع الركبتين و نحو ذلك من الانحناءات غير المتعارفة، لما عرفت من أنّ البلوغ إلى الركبتين لا موضوعية له كي يكفي كيف ما اتّفق، بل طريقي، فهو منزّل على النهج المتعارف.

(1) ما ذكرناه لحدّ الآن كان تحديداً لمستوي الخلقة المتناسب الأعضاء، و أمّا غير المستوي الّذي يحتاج في إيصال يديه أو أصابعه إلى الركبتين إلى الانحناء أكثر من المستوي لو كان قصير اليدين، أو أقل لو كان طويلهما، فالمشهور و هو الأقوى رجوعه في ذلك إلى المستوي، فلا يجب عليه الانحناء أكثر من المتعارف كما لا يجزي الأقل.

و خالف فيه الأردبيلي (قدس سره) (1) فحكم بوجوب تطبيق الحد بالقياس إليه أيضاً فيجب إيصال يديه إلى ركبتيه و إن استوجب الانحناء أكثر من المتعارف عملًا بإطلاق النص الشامل لهذا الشخص.

و فيه: ما عرفت من أنّ وصول اليد طريق إلى معرفة الحد و لا خصوصية فيه، فاعتباره طريقي لا موضوعي كي يراعى في كل أحد، و إلّا فلو بني على الجمود على ظاهر النص كان مقتضاه عدم الانحناء في طويل اليد رأساً أو إلّا قليلًا، و هو كما ترى لا يظن أن يلتزم به الفقيه، و السرّ أنّ الخطاب الّذي تضمنه النص متوجه إلى المتعارفين الّذين منهم زرارة فالعبرة بهم، فلا مناص من رجوع غيرهم إليهم.

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان 2: 256.

11

و لا بأس باختلاف أفراد المستوين خلقة فلكل حكم نفسه بالنسبة إلى يديه و ركبتيه [1] (1).

____________

(1) لا شك في اختلاف أفراد المستوين خلقه في قصر الأيدي و طولها مع فرض تناسب الأعضاء فتختلف الانحناءات المتعارفة بطبيعة الحال قلّة و كثرة و لو بقدر نصف إصبع و نحوه.

فهل العبرة حينئذ بالانحناء الأقل أو الأكثر أو المتوسط، أم أنّ لكل مكلّف حكم نفسه بالنسبة إلى يده و ركبته؟ وجوه اختار الماتن (قدس سره) الأخير، و الأقوى الأوّل.

و توضيح المقام: أنّا إذا بنينا على أنّ وضع اليد المأخوذ في النص ملحوظ على وجه الموضوعية كما هو الحال في غسل الوجه و الأيدي في باب الوضوء بلا إشكال، اتّجه ما أفاده في المتن من أنّ لكل مكلّف حكم نفسه، فكما يجب على كل مكلّف غسل تمام وجهه و يديه و إن كانت أعرض أو أطول من الآخر، فكذا يجب في المقام وضع كل أحد يده على ركبته و إن استلزم الانحناء أكثر من غيره أو أقل، فإنّه حكم منحل على حسب آحاد المكلّفين، فيعمل كل على طبق حالته و وظيفته.

لكنّك عرفت ضعف المبنى، و أنّ الوضع المزبور مأخوذ طريقاً إلى بيان مرتبة الانحناء، فالواجب على الكل ليس إلّا مرتبة واحدة و حدّاً معيّناً يشترك فيه الجميع و لا يختلف باختلاف الأشخاص، بل الواجب في حقّ الجميع شي‌ء واحد بحسب الواقع، فهذا القول ساقط، و عليه يتعيّن الاقتصار على الأقل لوجهين:

____________

[1] لا يبعد أن يكون المدار على مقدار انحناء أقل المستوين خلقة.

12

[الثاني: الذكر]

الثاني: الذكر و الأحوط اختيار التسبيح من أفراده مخيّراً بين الثلاث من الصغرى و هي «سبحان اللّٰه»، و بين التسبيحة الكبرى و هي «سبحان ربِّي العظيم و بحمده» (1).

____________

أحدهما: إطلاق الأمر بالركوع، لما عرفت (1) من عدم ثبوت الحقيقة الشرعية له، بل يطلق على ما كان عليه من المعنى اللّغوي مع مراعاة بعض القيود، فلا يكفي مسمّى الانحناء بل لا بدّ من الزيادة و المتيقِّن منها الانحناء بأقل مقدار ينحني فيه المتعارف عند وضع يده على ركبته، و أمّا الزائد فمشكوك يدفع بأصالة الإطلاق.

الثاني: أصالة البراءة من اعتبار الانحناء الأكثر مع الغض عن الإطلاق كما هو المقرّر في باب الدوران بين الأقل و الأكثر الارتباطيين.

(1) لا إشكال في وجوب الذكر في الركوع بالإجماع و النصوص المعتبرة كما ستعرف، فلو أخلّ به عمداً بطلت صلاته، كما لا إشكال في الاجتزاء بالتسبيح في الجملة، و إنّما الكلام يقع في جهات:

الاولى: لا ينبغي الإشكال في كفاية التسبيحة الكبرى و هي سبحان ربِّي العظيم و بحمده مرّة واحدة، للنصوص الكثيرة و المعتبرة التي من أجلها يحمل الأمر بالثلاث في صحيحة حماد (2) على الفضل، فمنها: صحيحة زرارة قال «قلت له: ما يجزي من القول في الركوع و السجود؟ فقال: ثلاث تسبيحات في ترسّل، و واحدة تامّة تجزي» (3).

____________

(1) في ص 2.

(2) الوسائل 5: 459/ أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1.

(3) الوسائل 6: 299/ أبواب الركوع ب 4 ح 2.

13

..........

____________

و صحيحة عليّ بن يقطين «سألته عن الركوع و السجود كم يجزي فيه من التسبيح؟ فقال: ثلاثة، و تجزيك واحدة، إذا أمكنت جبهتك من الأرض» (1). و نحوها صحيحته الأُخرى (2).

فانّ المراد بالواحدة في هذه النصوص إنّما هي التسبيحة الكبرى، لما ستعرف من النصوص الصريحة في عدم الاجتزاء بها في الصغرى الموجبة لحمل هذه الأخبار على الكبرى خاصّة.

و تؤيِّده: رواية أبي بكر الحضرمي قال «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): أيّ شي‌ء حدّ الركوع و السجود؟ قال تقول: سبحان ربِّي العظيم و بحمده ثلاثاً في الركوع، و سبحان ربِّي الأعلى و بحمده ثلاثاً في السجود، فمَن نقص واحدة نقص ثلث صلاته، و مَن نقص اثنتين نقص ثلثي صلاته، و مَن لم يسبِّح فلا صلاة له» (3).

و دلالتها و إن كانت واضحة، فإنّ المراد من نقص الثلث و الثلثين النقصان بحسب الفضل و الثواب لا في أصل أداء الواجب بقرينة قوله (عليه السلام) في الذيل: «و من لم يسبِّح فلا صلاة له» الدال على تحقّق الصلاة و حصول المأمور به بفعل الواحدة.

لكنّها ضعيفة السند بعثمان بن عبد الملك فإنّه لم يوثق، و من هنا ذكرناها بعنوان التأييد.

الجهة الثانية: قد عرفت أنّ صورة التسبيحة الكبرى هي سبحان ربِّي العظيم و بحمده، و عن صاحب المدارك (4) جواز الاقتصار عليها بدون كلمة و بحمده،

____________

(1) الوسائل 6: 300/ أبواب الركوع ب 4 ح 3، 4.

(2) الوسائل 6: 300/ أبواب الركوع ب 4 ح 3، 4.

(3) الوسائل 6: 300/ أبواب الركوع ب 4 ح 5.

(4) المدارك 3: 393.

14

..........

____________

لخلو جملة من النصوص عنها، فيحمل الأمر بها في الباقي على الندب جمعاً و هي نصوص ثلاثة استدلّ بها على ذلك.

إحداها: رواية هشام بن سالم قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن التسبيح في الركوع و السجود، فقال: تقول في الركوع: سبحان ربِّي العظيم، و في السجود سبحان ربِّي الأعلى» (1).

الثانية: صحيحة الحلبي أو حسنته باعتبار إبراهيم بن هاشم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: إذا سجدت فكبِّر و قل اللّٰهمّ لك سجدت إلى أن قال: ثمّ قل سبحان ربِّي الأعلى ثلاث مرّات» (2).

الثالثة: خبر عقبة بن عامر الجهني أنّه قال: «لمّا نزلت فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ* قال لنا رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) اجعلوها في ركوعكم، فلمّا نزلت سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال لنا رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله): اجعلوها في سجودكم» (3).

و الجواب: أمّا عن الاولى، فبأنّها ضعيفة السند بالقاسم بن عروة. هذا مضافاً إلى احتمال أن يكون ذلك إشارة إلى ما هو المتعارف المتداول من التسبيح الخارجي المشتمل على كلمة «و بحمده»، فيكون من باب استعمال اللفظ في اللّفظ فاقتصر هنا على ذكر العظيم و الأعلى امتيازاً بين تسبيحي الركوع و السجود لا اجتزاءً بهما، فالمستعمل فيه هو ذلك اللفظ الخارجي المعهود.

و هذا استعمال متعارف كما يشهد به ما رواه الشيخ و غيره بسنده عن حمزة ابن حمران، و الحسن بن زياد قالا: «دخلنا على أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) و عنده‌

____________

(1) الوسائل 6: 299/ أبواب الركوع ب 4 ح 1.

(2) الوسائل 6: 339/ أبواب السجود ب 2 ح 1.

(3) الوسائل 6: 327/ أبواب الركوع ب 21 ح 1.

15

..........

____________

قوم فصلّى بهم العصر و قد كنّا صلّينا فعددنا له في ركوعه «سبحان ربِّي العظيم» أربعاً أو ثلاثاً و ثلاثين مرّة، و قال أحدهما في حديثه و بحمده في الركوع و السجود» (1). فانّ الصادر عنه (عليه السلام) كان مشتملًا على كلمة و بحمده كما اعترف به أحد الراويين على ما صرّح به في الذيل، و لا يحتمل تعدّد الواقعة كما هو ظاهر. و مع ذلك فقد عبّر الراوي الآخر عن تسبيحه (عليه السلام) بقوله: سبحان ربِّي العظيم، و ليس ذلك إلّا من باب استعمال اللفظ في اللفظ كما ذكرناه.

و أمّا عن الثانية، فبأنّها مضطربة المتن أوّلًا لاختلاف النسخ، فإنّ الطبعة الجديدة من الوسائل مشتملة على كلمة «و بحمده»، و طبعة عين الدولة خالية عنها، و أمّا التهذيب (2) فمشتمل عليها لكن بعنوان النسخة الكاشف عن اختلاف نسخ التهذيب. و أمّا الكافي (3) فمشتمل عليها و هو أضبط، و كيف كان فلم يحصل الوثوق بما هو الصادر عن المعصوم (عليه السلام)، فلا يمكن الاستدلال بها على شي‌ء منهما.

و ثانياً: على تقدير تسليم خلوّها عنها فهي مقيّدة بالثلاث، و لا شكّ في الاجتزاء بذلك، بل يجزي قول سبحان اللّٰه ثلاثاً فضلًا عن سبحان ربِّي الأعلى فلا يدل ذلك على الاجتزاء به مرّة واحدة كما هو المدّعى.

و أمّا عن الثالثة، فمضافاً إلى ضعف سندها بعدّة من المجاهيل، يجري فيها ما عرفت في الجواب عن الاولى من احتمال كونها من باب استعمال اللّفظ في اللّفظ و أنّ المراد به ما هو الثابت في الخارج المشتمل على «و بحمده»، فلا دلالة فيها‌

____________

(1) الوسائل 6: 304/ أبواب الركوع ب 6 ح 2، التهذيب 2: 300/ 1210.

(2) التهذيب 2: 79/ 295 [و قد أُشير إلى اختلاف النسخ في الطبعة الحجرية، راجع التهذيب 1: 188 السطر 19].

(3) الكافي 3: 321/ 1.

16

..........

____________

على نفي ذلك.

و يؤيِّده: ما رواه الصدوق مرسلًا من نقل هذا المضمون مع كلمة «و بحمده» قال «قال الصادق (عليه السلام): سبِّح في ركوعك ثلاثاً تقول سبحان ربِّي العظيم و بحمده ثلاث مرّات، و في السجود سبحان ربِّي الأعلى و بحمده ثلاث مرّات لأنّ اللّٰه عزّ و جلّ لمّا أنزل على نبيّه (صلى اللّٰه عليه و آله) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ* قال النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله): اجعلوها في ركوعكم، فلمّا أنزل اللّٰه سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال: اجعلوها في سجودكم ...» إلخ (1).

فتحصّل: عدم صحّة الاستدلال بشي‌ء من هذه الأخبار، لضعفها سنداً أو دلالة على سبيل منع الخلو، فالأقوى لزوم ضم «و بحمده» في التسبيحة الكبرى كما اشتملت عليها الروايات الكثيرة المعتبرة و غيرها مثل صحيحة حماد (2) و نحوها فلاحظ.

الجهة الثالثة: لا ريب في كفاية التسبيحة الصغرى و هي سبحان اللّٰه ثلاث مرّات بدلًا عن الكبرى، فيكون مخيّراً بين الأمرين، و تدل عليه جملة من النصوص المعتبرة كصحيحة زرارة قال «قلت: ما يجزي من القول في الركوع و السجود؟ فقال: ثلاث تسبيحات في ترسّل، و واحدة تامّة تجزي» (3). و صحيحة معاوية بن عمار قال «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): أخف ما يكون من التسبيح في الصلاة، قال: ثلاث تسبيحات مترسلًا تقول: سبحان اللّٰه، سبحان اللّٰه، سبحان اللّٰه» (4) و موثقة سماعة «... أمّا ما يجزيك من الركوع فثلاث‌

____________

(1) المستدرك 4: 437/ أبواب الركوع ب 16 ح 2.

(2) الوسائل 5: 459/ أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1.

(3) الوسائل 6: 299/ أبواب الركوع ب 4 ح 2.

(4) الوسائل 6: 303/ أبواب الركوع ب 5 ح 2.

17

..........

____________

تسبيحات تقول: سبحان اللّٰه، سبحان اللّٰه، سبحان اللّٰه ثلاثاً» (1) و الأخيرتان تفسِّران المراد من التسبيح في الأُولى و نحوها غيرها.

و هل تجزي الصغرى مرّة واحدة؟ قد يقال بل قيل بذلك، و يمكن أن يستدل له بوجهين:

أحدهما: إطلاق الأمر بالتسبيحة الواحدة في جملة من النصوص الشامل للكبرى و الصغرى، كصحيحة زرارة و صحيحتي ابن يقطين (2).

الثاني: دعوى كفاية مطلق الذكر الصادق على الواحدة من الصغرى.

و يردّ الأوّل أنّ الإطلاق يقيّد بما دلّ على عدم الاجتزاء في الصغرى بأقل من ثلاث كموثقة سماعة و صحيحة معاوية المتقدِّمتين آنفاً و غيرهما، فلا مناص من حمل التسبيح في تلك النصوص على الكبرى، بل إنّ في نفسها ما يشهد بذلك، كصحيحة زرارة الآنفة الذكر، فانّ المراد بالواحدة المجزية لا بدّ و أن يكون غير الثلاث التي حكم أوّلًا باجزائها، إذ لو كانتا من سنخ واحد لزم اللغوية بل التناقض، فان مقتضى جعل المجزي هو الثلاث عدم كفاية الأقل كما يعطيه لفظ الإجزاء الظاهر في بيان أقل الواجب، و معه كيف حكم (عليه السلام) بإجزاء الواحدة، فلو كانت العبرة بها كان التحديد بالثلاث لغواً محضا.

فلا مناص من أن يراد بالواحدة تسبيحة أُخرى مغايرة للثلاث، بأن يراد بها الكبرى، و بالثلاث الصغرى كما فسّر الثلاث بها في صحيحة معاوية بن عمار المتقدِّمة، فإنّها تؤيِّد أنّ المراد بالواحدة التامّة في هذه الصحيحة هي الكبرى في مقابل الناقصة و هي الصغرى، و أنّها المراد بالثلاث في ترسّل فيها.

و على الجملة: فصحيحة زرارة بنفسها تدل على إرادة الكبرى من الواحدة‌

____________

(1) الوسائل 6: 303/ أبواب الركوع ب 5 ح 3.

(2) الوسائل 6: 299/ أبواب الركوع ب 4 ح 2، 3، 4.

18

و إن كان الأقوى كفاية مطلق الذكر من التسبيح أو التحميد أو التهليل، أو التكبير بل و غيرها (1).

____________

التامّة فلا إطلاق لها كي تشمل الصغرى. و هكذا الحال في صحيحتي علي بن يقطين.

و أمّا الوجه الثاني، فسيتّضح الجواب عنه قريباً إن شاء اللّٰه تعالى و تعرف أنّ الذكر المطلق على القول بكفايته لا بدّ و أن يكون بقدر التسبيحات الثلاث، و لا يجزي الأقل منها.

فتحصّل: أنّ مقتضى الجمع بين الأخبار هو التخيير بين التسبيحة الكبرى مرّة واحدة أو الصغرى ثلاثاً، و لا دليل على إجزاء الواحدة منها.

(1) قد عرفت أنّ التسبيح في الجملة ممّا لا إشكال في كفايته في مقام الامتثال، كما تقدّم المراد منه كمّاً و كيفاً، و هل يتعيّن الامتثال به بالخصوص كما نسب إلى المشهور بين القدماء أم يكفي مطلق الذكر و إن كان غيره كالتحميد أو التهليل أو التكبير و نحوها كما هو المشهور بين المتأخِّرين؟ الأقوى هو الثاني.

و قد استدلّ للأوّل بعدّة من الأخبار الآمرة بالتسبيح، و ظاهر الأمر التعيين. و لا يخفى أنّ جملة منها غير صالحة للاستدلال كصحيحة علي بن يقطين (1) فإنّ السؤال فيها عمّا يجزي من التسبيح، لا عمّا يجزي من مطلق الذكر فلا يدل على نفي غيره كما هو ظاهر. نعم، لا بأس بالاستدلال بمثل صحيحة زرارة قال «قلت له: ما يجزي من القول في الركوع و السجود؟ فقال: ثلاث تسبيحات» (2) فإنّ السؤال عن مطلق القول الّذي يجزي في الركوع فالأمر بالتسبيح ظاهر في التعيين.

____________

(1) الوسائل 6: 300/ أبواب الركوع ب 4 ح 3، 2.

(2) الوسائل 6: 300/ أبواب الركوع ب 4 ح 3، 2.

19

..........

____________

إلّا أنّه لا بدّ من رفع اليد عنها و حمل الأمر فيها على بيان أفضل الأفراد أو أحدها، لمعارضتها بصحيحتين صريحتين في الاجتزاء بمطلق الذكر:

إحداهما: صحيحة هشام بن سالم: «سألته يجزي عنِّي أن أقول مكان التسبيح في الركوع و السجود لا إلٰه إلّا اللّٰه و اللّٰه أكبر؟ فقال: نعم» (1).

و الأُخرى: صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال «قلت له: يجزي أن أقول مكان التسبيح في الركوع و السجود لا إلٰه إلّا اللّٰه و الحمد للّٰه و اللّٰه أكبر؟ فقال: نعم، كل هذا ذكر اللّٰه» (2)، و رواها الكافي مصدّرة بقوله «ما من كلمة أخف على اللِّسان منها و لا أبلغ من سبحان اللّٰه» (3).

فإنّهما صريحتان في أنّ العبرة بمطلق الذكر، و أمّا تلك النصوص فغايتها الظهور في تعيّن التسبيح، و لا ريب في تقدّم الأظهر على الظاهر، فمقتضى الجمع العرفي حملها على بيان أفضل الأفراد كما عرفت. بل يظهر من صدر رواية الكافي أنّ التسبيح لا خصوصية فيه، غير أنّه أخف على اللِّسان و أبلغ، فيكشف عن أنّ الأمر به في سائر الأخبار إنّما هو لهذه النكتة، و إلّا فالاعتبار بمطلق الذكر كيف ما اتّفق. لكن الشأن في الاعتماد على هاتين الصحيحتين، فإنّه قد يقال بعدم حجّيتهما من جهة إعراض المشهور عنهما المسقط لهما عن الحجّية.

و الجواب عنه ظاهر بناءً على منع الكبرى كما هو المعلوم من مسلكنا و أنّ الإعراض غير قادح، كما أنّ العمل غير جابر. و مع التسليم فالصغرى ممنوعة في المقام، فانّ الشيخ قد أفتى بمضمونهما في بعض كتبه (4)، بل إن ابن إدريس (5)

____________

(1) الوسائل 6: 307/ أبواب الركوع ب 7 ح 2.

(2) الوسائل 6: 307/ أبواب الركوع ب 7 ح 1.

(3) الكافي 3: 329/ 5.

(4) المبسوط 1: 111.

(5) السرائر 1: 224.

20

بشرط أن يكون بقدر الثلاث الصغريات فيجزي أن يقول «الحمد للّٰه» ثلاثاً، أو «اللّٰه أكبر» كذلك أو نحو ذلك (1).

____________

ادّعى الإجماع على العمل بهما. و معه كيف يمكن دعوى الإعراض.

و لا يبعد أن يكون مراد الأصحاب من تعيّن التسبيح في فتاواهم و معاقد إجماعاتهم تعيّنه من حيث التوظيف في أصل الشرع، طعناً على أبي حنيفة و الشافعي و غيرهما المنكرين لاستحباب هذا التسبيح، و كيف كان فالأقوى الاجتزاء بمطلق الذكر و إن كان التسبيح أفضل كما عرفت، تبعاً لما هو المشهور بين المتأخِّرين.

(1) قد عرفت أنّ الأقوى هو الاجتزاء بمطلق الذكر و إن كان من غير التسبيح، فهل يجتزى فيه بمسمّاه تسبيحاً كان أم غيره، فيكفي قول: سبحان اللّٰه، أو الحمد للّٰه، أو اللّٰه أكبر مرّة واحدة، أم لا بدّ و أن يكون بقدر الثلاث الصغريات؟

قد يقال بالأوّل استناداً إلى إطلاق الصحيحتين المتقدِّمتين آنفا.

و فيه أوّلًا: منع الإطلاق فيهما، فإنّهما في مقام بين الاجتزاء بمطلق الذكر و نفي تعيّن التسبيح، فلا نظر فيهما إلى سائر الجهات من العدد و نحوه حتّى ينعقد الإطلاق.

و ثانياً: مع التسليم لا بدّ من تقييده بصحيحتين لمسمع و هو المكنّى بأبي سيار، و ما في الوسائل الطبعة الجديدة من قوله مسمع بن أبي سيار غلط فإن أبا سيار كنيته كما عرفت، أمّا اسم أبيه فهو مالك، قال الصدوق في مشيخة الفقيه (1): يُقال إنّ الصادق (عليه السلام) قال لمسمع أوّل ما رآه ما اسمك؟ فقال‌

____________

(1) الفقيه 4 (المشيخة): 45.

21

[الثالث: الطمأنينة فيه بمقدار الذكر الواجب]

الثالث: الطمأنينة فيه بمقدار الذكر الواجب (1)، بل الأحوط ذلك في الذكر المندوب أيضاً إذا جاء به بقصد الخصوصية

____________

مسمع، فقال ابن من؟ فقال: ابن مالك، فقال: بل أنت مسمع بن عبد الملك و لعلّه (عليه السلام) أشار بذلك إلى أنّ مالك من أسماء اللّٰه تعالى فلا يجوز التسمِّي به، فأضاف (عليه السلام) إليه كلمة عبد. و عليه لا يبعد أنّه عبد المالك فكتب عبد الملك، فان لفظة مالك تكتب بالنحوين.

و كيف ما كان فمسمع هذا ثقة و الروايتان صحيحتان قال في إحداهما عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «يجزيك من القول في الركوع و السجود ثلاث تسبيحات أو قدرهن مترسّلًا، و ليس له و لا كرامة أن يقول: سبِّح سبِّح سبِّح» (1) و هي ظاهرة الدلالة في عدم الاكتفاء بالأقل من هذا العدد.

و أصرح منها صحيحته الأُخرى عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: لا يجزي الرجل في صلاته أقل من ثلاث تسبيحات أو قدرهنّ» (2) حيث تضمّنت بالصراحة نفي الاجتزاء بالأقل، فلا يجزي من مطلق الذكر إلّا التسبيحات الثلاث الصغرى أو ما يعادل هذا المقدار من سائر الأذكار، فلو اختار الحمد للّٰه أو اللّٰه أكبر و نحوهما لا بدّ و أن يكرِّرها ثلاثاً حتّى يساوي هذا المقدار، و التسبيحة الكبرى أيضاً تعادله بحسب المعنى و إن لم تساو الحروف، فكأنّ سبحان ربِّي تسبيحة و العظيم تسبيحة اخرى، و بحمده تسبيحة ثالثة. و كيف كان فبهاتين الصحيحتين يقيّد الإطلاق في الصحيحتين السابقتين للهشامين لو سلم الإطلاق كما عرفت.

(1) إجماعاً كما ادّعاه غير واحد من الأصحاب كالمحقِّق في المعتبر (3) و العلّامة‌

____________

(1) الوسائل 6: 302/ أبواب الركوع ب 5 ح 1، 4.

(2) الوسائل 6: 302/ أبواب الركوع ب 5 ح 1، 4.

(3) المعتبر 2: 194.

22

..........

____________

في المنتهي (1) و غيرهما. فكأنه من المتسالم عليه، و هو العمدة في المقام.

و هل يمكن الاستدلال بوجه آخر؟ قال في الحدائق (2): و الأصحاب لم يذكروا هنا دليلًا على الحكم المذكور من الأخبار، و ظاهرهم انحصار الدليل في الإجماع ثمّ استدلّ هو (قدس سره) بصحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: بينا رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) جالس في المسجد إذ دخل رجل فقام يصلِّي فلم يتم ركوعه و لا سجوده، فقال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله): نقر كنقر الغراب لئن مات هذا و هكذا صلاته ليموتنّ على غير ديني» (3)، و رواها البرقي في المحاسن عن ابن فضّال، عن عبد اللّٰه بن بكير عن زرارة (4). و عليه تكون موثقة، كما أنّها بالطريق الأوّل صحيحة أو حسنة لمكان إبراهيم بن هاشم.

و قد روي هذا المضمون عن عبد اللّٰه بن ميمون عن علي (عليه السلام) (5) لكنّها كما ترى قاصرة الدلالة على المطلوب، إذ غايتها لزوم المكث في الركوع برهة و لو متمايلًا من جانب إلى آخر و عدم الاستعجال في رفع الرأس الّذي به يكون ركوعه كنقر الغراب، و هذا أعم من الاستقرار المدّعى كما لا يخفى.

و أمّا مرسلة الذكرى «... ثمّ اركع حتّى تطمئن راكعاً ...» إلخ (6) و النبوي المحكي عنه (7) فضعفهما ظاهر، و لا مجال للاعتماد عليهما.

____________

(1) المنتهىٰ 1: 282 السطر 5.

(2) الحدائق 8: 242.

(3) الوسائل 6: 298/ أبواب الركوع ب 3 ح 1.

(4) المحاسن 1: 158/ 222.

(5) الوسائل 4: 36/ أبواب أعداد الفرائض و نوافلها ب 9 ح 2.

(6) الذكرى 3: 363.

(7) الذكرى 3: 367.

23

..........

____________

نعم، لا بأس بالاستدلال بصحيحة بكر بن محمّد الأزدي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سأله أبو بصير و أنا جالس عنده إلى أن قال (عليه السلام) فاذا ركع فليتمكّن، و إذا رفع رأسه فليعتدل ...» إلخ (1)، و قد عبّر عنها بالخبر مشعراً بضعفها، لكن الظاهر صحّتها، فانّ بكر بن محمّد ثقة وثّقه النجاشي (2) و الراوي عنه أحمد بن إسحاق مردّد بين الرازي و الأشعري و كلاهما ثقة، و إن كان الأظهر أنّ المراد به الأشعري، لأنّ الصدوق ذكره في المشيخة في طريقه إلى بكر مصرّحاً بالأشعري (3)، فبهذه القرينة يظهر أنّ الراوي عنه هو الأشعري، و هو و إن كان من أصحاب الجواد (عليه السلام) إلّا أنّه لا مانع بحسب الطبقة من روايته عن بكر الّذي هو من أصحاب الصادق و الكاظم بل و الرِّضا (عليهم السلام).

و كيف كان، فهي صحيحة السند كما أنّها ظاهرة الدلالة، إذ التعبير بقوله: «إذا ركع فليتمكّن» ظاهر في الإرشاد إلى شرطية التمكّن في تحقّق الركوع المأمور به نظير قوله: «إذا صلّيت فاستقبل» لا أنّه واجب نفسي مستقل أو جزء ضمني للصلاة، فدلالتها على اعتبار الاطمئنان في تحقّق الركوع الواجب ممّا لا ينبغي الإشكال فيه.

و أمّا الدلالة على اعتباره في الذكر الواجب فقد تمنع بأنّ غايتها الاعتبار في مسمّى الركوع دون الأكثر، لكنّه في غير محله، بل الظاهر أنّها تدل عليه أيضاً بالدلالة الالتزامية، إذ دليل وجوب الذكر قد دلّ على الإتيان به في الركوع المأمور به لا مطلقاً، فاذا كان الركوع المأمور به متقوّماً بالاطمئنان كما دلّت عليه هذه الصحيحة بالمطابقة، فلازمه كون الاطمئنان بمقدار يتحقّق الذكر‌

____________

(1) الوسائل 4: 35/ أبواب أعداد الفرائض و نوافلها ب 8 ح 14.

(2) رجال النجاشي: 108/ 273.

(3) الفقيه 4 (المشيخة): 33.

24

فلو تركها عمداً بطلت صلاته [1] بخلاف السهو على الأصح و إن كان الأحوط الاستئناف إذا تركها فيه أصلًا و لو سهواً، بل و كذلك إذا تركها في الذكر الواجب (1).

____________

الواجب في ضمنه فلا يكفي مسمّاه.

و على الجملة ضم أحد الدليلين إلى الآخر يستوجب اعتبار الاستقرار في الركوع نفسه، و في الذكر الواجب فيه، بل إنّ مقتضى هذا البيان اعتباره حتّى في الذكر المستحب إذا قصد به الخصوصية و الورود، فإنّه كالذكر الواجب في أنّ محله الركوع المأمور به فيعتبر الاستقرار في كليهما بملاك واحد. نعم، لا يعتبر في المستحب المأتي به بقصد مطلق الذكر لا التوظيف، إذ ليس له حينئذ محل معيّن كما هو ظاهر. فما ذكره في المتن من الاحتياط في الذكر المندوب إذا جاء به بقصد الخصوصية في محلّه.

(1) لا إشكال في البطلان لو أخلّ بالاطمئنان عمداً في الذكر الواجب فضلًا عن أصل الركوع كما هو ظاهر. و هل هو ركن تبطل الصلاة بتركه حتّى سهوا؟

نسب ذلك إلى بعض كالشيخ (1)، و الإسكافي (2)، و كأنّه أخذاً بإطلاق معاقد الإجماعات، لكنّه واضح المنع كما لا يخفى، هذا.

و الصحيح في المقام هو التفصيل بين الإخلال به في أصل الركوع و بين تركه في الذكر الواجب.

ففي الأوّل، لا يبعد القول بالبطلان لما عرفت من أنّ ظاهر صحيحة الأزدي‌

____________

[1] في البطلان بترك الطمأنينة في الذكر المندوب إشكال بل منع.

____________

(1) الخلاف 1: 348 المسألة 98.

(2) حكاه عنه في مفتاح الكرامة 2: 417 السطر 3.

25

[الرابع: رفع الرأس منه حتّى ينتصب قائماً]

الرابع: رفع الرأس منه حتّى ينتصب قائماً (1)، فلو سجد قبل ذلك عامداً بطلت الصلاة.

____________

اعتباره في الركوع و الإرشاد إلى شرطيته فيه، و مقتضى الإطلاق عدم الفرق بين العمد و السهو، إذ ليس هو حكماً نفسياً حتّى ينصرف إلى حال الاختيار بل إرشاد إلى الاعتبار الشامل بإطلاقه لكلتا الصورتين، و معه لا مجال للتمسّك بأصالة البراءة، إذ لا سبيل إلى الأصل بعد إطلاق الدليل.

كما لا مجال للتمسّك بحديث لا تعاد، إذ بعد تقوّم الركوع المأمور به بالاطمئنان كما نطق به الصحيح فالإخلال به إخلال بالركوع لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه، و هو داخل في عقد الاستثناء في حديث لا تعاد.

و أمّا في الثاني، فالظاهر الصحّة لأنّه إخلال بشرط الذكر، فغايته الإخلال بالذكر نفسه فلا يزيد على تركه رأساً، و معلوم أنّ الإخلال بالذكر الواجب سهواً لا يقتضي البطلان لدخوله في عقد المستثنى منه في حديث لا تعاد. فظهر أنّ الأوجه كون الاطمئنان ركناً في أصل الركوع فلو تركه رأساً و لو سهواً بطلت صلاته، و أمّا في الذكر الواجب فليس بركن فلا يضر تركه السهوي.

و ممّا ذكرنا تعرف أنّ ما أفاده في المتن من الاحتياط في الاستئناف لو تركه أصلًا صحيح، بل هو الأظهر كما عرفت. و أمّا احتياطه (قدس سره) فيما لو تركه سهواً في الذكر الواجب فلا وجه له.

(1) بلا خلاف و لا إشكال، بل عليه دعوى الإجماع في كثير من الكلمات و تقتضيه نصوص كثيرة، بل في الجواهر (1) أنّها مستفيضة، إلّا أنّ غالبها ضعيفة السند.

____________

(1) الجواهر 10: 87.

26

[الخامس: الطمأنينة حال القيام بعد الرفع]

الخامس: الطمأنينة حال القيام بعد الرفع (1) فتركها عمداً مبطل للصلاة.

____________

نعم، يمكن الاستدلال عليه بصحيحة حماد قال فيها: «ثمّ استوى قائماً» (1) فانّ الاستواء في القيام هو الانتصاب.

و بصحيحة أبي بصير «... و إذا رفعت رأسك من الركوع فأقم صلبك حتّى ترجع مفاصلك» (2)، و يؤيِّده خبره الآخر: «إذا رفعت رأسك من الركوع فأقم صلبك فإنّه لا صلاة لمن لا يقيم صلبه» (3).

و عليه فلو سجد قبل رفع الرأس و الانتصاب عامداً بطلت صلاته. نعم لا بأس بذلك سهواً لحديث لا تعاد كما هو ظاهر.

(1) إجماعاً كما حكاه جماعة، و استدلّ له في المدارك (4) بالأمر بإقامة الصلب و الاعتدال في خبري أبي بصير المتقدِّمين و غيرهما، و هذا و إن كان ممكناً في حدّ نفسه إلّا أنّ الجزم به مشكل، إذ الاعتدال و الإقامة غير ملازم للاستقرار فانّ معناهما رفع الرأس إلى حدّ الانتصاب غير المنافي للتزلزل و عدم القرار كما لا يخفى.

فالأولى الاستدلال له بصحيحة حماد قال فيها: «فلمّا استمكن من القيام قال سمع اللّٰه لمن حمده» (5)، بضميمة ما في ذيلها من قوله (عليه السلام): «يا حماد هكذا صل»، فانّ الاستمكان ظاهره أخذ المكان المساوق للثبات‌

____________

(1) الوسائل 5: 459/ أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1.

(2) الوسائل 5: 465/ أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 9.

(3) الوسائل 6: 321/ أبواب الركوع ب 16 ح 2.

(4) المدارك 3: 389.

(5) الوسائل 5: 459/ أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1.

27

[مسائل]

[مسألة 1: لا يجب وضع اليدين على الركبتين حال الركوع]

[1581] مسألة 1: لا يجب وضع اليدين على الركبتين حال الركوع بل يكفي الانحناء بمقدار إمكان الوضع كما مرّ (1).

____________

و الاطمئنان كما لا يخفى.

و كيف كان، فلا إشكال في الحكم فلو أخلّ به عمداً بطلت صلاته، لا سهواً لحديث لا تعاد، فليس بركن كما هو ظاهر.

(1) تقدّم الكلام حول هذه المسألة سابقاً (1) و عرفت أنّ الوضع مستحب لا واجب إجماعاً كما ادّعاه غير واحد، كما عرفت أنّه الظاهر من النص أيضاً على ما مرّ.

نعم، ذكر في الحدائق بعد أن اعترف بالإجماع و عدم الخلاف بين الأصحاب ما لفظه: ثمّ لا يخفى أنّ ظاهر أخبار المسألة هو الوضع لا مجرّد الانحناء بحيث لو أراد لوضع، و أنّ الوضع مستحب كما هو المشهور في كلامهم و الدائر على رؤوس أقلامهم، فإنّ هذه الأخبار و نحوها ظاهرة في خلافه، و لا مخصّص لهذه الأخبار إلّا ما يدعونه من الإجماع على عدم وجوب الوضع (2).

و جوابه يظهر ممّا أسلفناك، فإنّ الأمر بالوضع في الأخبار محمول على الاستحباب لا محالة بقرينة قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة المتقدِّمة: «فإن وصلت أطراف أصابعك في ركوعك إلى ركبتيك أجزأك ذلك و أحبّ إليَّ أن تمكن كفّيك من ركبتيك ...» (3) فإنّه ظاهر بل صريح في عدم وجوب الانحناء حدّا يتمكّن معه من وضع اليدين على الركبتين فضلًا عن وجوب الوضع، بل‌

____________

(1) في ص 5.

(2) الحدائق 8: 240.

(3) الوسائل 5: 461/ أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 3.

28

[مسألة 2: إذا لم يتمكّن من الانحناء على الوجه المذكور]

[1582] مسألة 2: إذا لم يتمكّن من الانحناء على الوجه المذكور و لو باعتماد على شي‌ء أتى بالقدر الممكن [1] و لا ينتقل إلى الجلوس و إن تمكّن من الركوع منه، و إن لم يتمكن من الانحناء أصلًا و تمكّن منه جالساً أتى به جالساً و الأحوط صلاة أُخرى بالإيماء [2] قائماً، و إن لم يتمكّن منه جالساً أيضاً أومأ له و هو قائم برأسه إن أمكن، و إلّا فبالعينين تغميضاً له و فتحاً للرّفع منه، و إن لم يتمكّن من ذلك أيضاً نواه بقلبه و أتى بالذكر الواجب [3] (1).

____________

قد صرّح (عليه السلام) باستحبابه بقوله «و أحبّ إلىَّ ...» إلخ فليس عليه إلّا إيصال أطراف الأصابع إلى الركبتين لا وضع الكف عليهما.

بل إنّ الإيصال الخارجي أيضاً غير واجب، لما مرّ من أنّه ملحوظ على سبيل الطريقية لا الموضوعية لكونه واقعاً موقع التحديد، فاللّازم إنّما هو الانحناء حدّا يتمكّن معه من إيصال أطراف الأصابع إلى الركبتين سواء أوصلها إليهما خارجاً أم لا، إذ العبرة بالمنكشف لا الكاشف، لعدم خصوصية للوصول الخارجي بعد لحاظه طريقاً كما عرفت.

(1) للمسألة صور:

إحداها: ما إذا لم يتمكّن من الانحناء على الوجه المأمور به مع تمكّنه منه في الجملة، و المشهور حينئذ وجوب الانحناء بالمقدار الممكن، بل ادّعى غير واحد الإجماع عليه، و يستدل له بوجهين:

____________

[1] و يومئ معه أيضاً على الأحوط.

[2] الظاهر كفايتها بلا حاجة إلى الصلاة جالسا.

[3] على الأحوط.

29

..........

____________

أحدهما: التمسّك بإطلاقات الأمر بالركوع، لما مرّ (1) من عدم ثبوت الحقيقة الشرعية، و أنّ الركوع في لسان الشرع على ما هو عليه من المعنى اللّغوي أعني مطلق الانحناء، غايته ثبوت التقييد بالبلوغ إلى مرتبة خاصّة يتمكّن معها من إيصال أطراف الأصابع إلى الركبتين، و حيث إنّه كغيره من سائر التكاليف مشروط بالقدرة فلا تقييد بالإضافة إلى العاجز فتشمله الإطلاقات.

و فيه أوّلًا: أنّ دليل التقييد لم يتضمّن حكماً تكليفياً نفسياً كي يختصّ بالقادرين، و إنّما هو إرشاد إلى اعتبار المرتبة الخاصّة من الانحناء في الركوع المأمور به و كونها شرطاً فيه كأدلّة سائر الأجزاء و الشرائط كما تقدّم، و مقتضى الإطلاق في مثله عدم الفرق بين حالتي العجز و الاختيار.

و ثانياً: مع التسليم فلازمه التخيير بعد العجز عن تلك المرتبة الخاصّة بين جميع مراتب الانحناء، لصدق الركوع لغة على مطلقها كما عرفت، لا وجوب الإتيان بالمقدار الممكن كما هو المدّعى لعدم الدليل عليه.

ثانيهما: التمسّك بقاعدة الميسور المنجبر ضعفها بقيام الإجماع على العمل بها في المقام.

أقول: إن تمّ الإجماع في المسألة فهو المستند، و إلّا فالقاعدة في نفسها غير صالحة للاستدلال، لمنعها كبرى من أجل ضعف مدركها كما نقحناه في الأُصول (2). و كذا صغرى، لتوقفها على كون الهوي من أجزاء الواجب، و تركب المأمور به منه و من غيره كي يجب البعض لدى تعذّر الكل لكونه ميسوراً منه. و أمّا بناءً على ما هو التحقيق من خروجه عنه و كونه معتبراً فيه شرطاً لا شطراً، و أنّ الواجب أمر وحداني بسيط، و هي الهيئة الخاصّة الحاصلة من الانحناء البالغ‌

____________

(1) في ص 3.

(2) مصباح الأُصول 2: 477.

30

..........

____________

حدّا مخصوصاً، و الركوع الواجب اسم لتلك المرتبة الخاصّة البسيطة، و الهوي إليها مقدّمة خارجية غير داخلة في حقيقة المأمور به، فلا مجال حينئذ لتطبيق قاعدة الميسور، لوضوح أنّ المقدّمة مباينة مع ذيها و أجنبية عنه، لا أنّها من مراتبه كي تكون ميسوراً منه.

و دعوى أنّ الركوع عبارة عن الحركة من الانتصاب إلى حدّ الركوع، فكل حركة بين الحدّين جزء المجموع، أو أنّه من التأكّد في الكيف، لم نتحقّقها، بل الظاهر خلافها كما عرفت.

فما أفاده المحقِّق الهمداني (قدس سره) (1) من أنّ المقام من أظهر مصاديق القاعدة و مجاريها لا يمكن المساعدة عليه، فإنّه إنّما يتّجه بناءً على كون الهوي من أجزاء الواجب، و قد عرفت أنّه من المقدّمات، بل و مع الشك في ذلك أيضاً لا مجال لها، لعدم إحراز صغراها، فيكفينا مجرّد الشك فضلًا عن استظهار العدم كما عرفت.

و عليه، فلا دليل على الاجتزاء بالمقدار الممكن من الانحناء، بل الأقوى أنّ الوظيفة حينئذ هو الإيماء، لإطلاق ما دلّ على بدليّته عن الركوع التام لدى العجز عنه كما تقدّم البحث عنه في أحكام القيام (2)، و لا تنتقل الوظيفة إلى الركوع الجلوسي التام و إن تمكّن منه، كما نبّه عليه في المتن، لاختصاصه بالعاجز عن الصلاة قائماً بحيث كانت وظيفته الصلاة عن جلوس، و هو خارج عن محل البحث.

نعم، لا بأس بضمّ الانحناء إلى الإيماء احتياطاً حذراً عن مخالفة المشهور قاصداً بأحدهما لا بعينه ما هي الوظيفة الواقعية في حقِّه فيقع الآخر لغواً‌

____________

(1) مصباح الفقيه (الصلاة): 327 السطر 30.

(2) شرح العروة 14: 222.

31

..........

____________

غير مضر.

الصورة الثانية: ما إذا لم يتمكّن من الانحناء حال القيام أصلًا، و هي على صور، لأنّه قد يتمكّن من الركوع الجلوسي التام، و أُخرى لا يتمكّن إلّا من الناقص منه، و ثالثة لا يتمكّن منه أصلا.

أمّا في الأخير فلا ريب أنّ الوظيفة هي الإيماء، لأدلّة بدليّته عن الركوع كما مرّ التعرّض لها في بحث القيام (1).

و أمّا الفرض الأوّل، أعني صورة التمكّن من الركوع الجلوسي التام، فقد ذكر العلّامة الطباطبائي (قدس سره) في منظومته تعيّنه (2) و اختاره في المتن و كأنّه لأقربيّته إلى الصلاة التامّة من الإيماء قائماً، لكنّه كما ترى مجرّد استحسان و وجه اعتباري لا يصلح لأن يكون مدركاً لحكم شرعي، بل الظاهر عدم جوازه فضلًا عن وجوبه، فانّ الركوع الجلوسي وظيفة العاجز عن القيام، و هذا قادر عليه على الفرض، فلا يشرع في حقّه إلّا الإيماء أخذاً بدليل بدليّته لدى العجز عن الركوع الاختياري.

و على الجملة: المتحصل من الأدلّة كما فصّلنا الكلام حولها في بحث القيام (3) أنّ المتمكِّن من القيام وظيفته الصلاة قائماً، و العاجز عنه يصلِّي عن جلوس و العاجز عنه أيضاً يصلِّي مضطجعاً إلى أحد الجانبين أو مستلقياً على تفصيل تقدّم. و في كل من هذه المراحل إن تمكّن من الركوع و السجود على حسب وظيفته أتى بهما، و إلّا أومأ إليهما.

و نتيجة ذلك: أنّه لو تمكّن من الصلاة عن قيام كما هو محل الكلام، و لم‌

____________

(1) شرح العروة 14: 222.

(2) الدرّة النجفية: 125.

(3) شرح العروة 14: 211 و ما بعدها.

32

..........

____________

يتمكّن من الركوع القيامي فليست وظيفته إلّا الإيماء إليه، و لا ينتقل إلى الركوع الجلوسي، فإنّه وظيفة العاجز عن القيام الّذي يصلِّي عن جلوس و المفروض في المقام أنّه يصلِّي عن قيام لقدرته عليه.

فظهر أنّ الأقوى في هذه الصورة أيضاً هو الإيماء. فما ذكره في المتن من أنّه أحوط فيأتي بصلاة اخرى بالإيماء قائماً في غير محلّه، بل إنّ هذا هو المتعيِّن بلا حاجة إلى الصلاة جالساً كما نبّه عليه سيِّدنا الأُستاذ في التعليقة.

و أمّا ما في الجواهر (1) من الاشكال على ترجيح الركوع الجلوسي في المقام باستلزامه الإخلال بالركن و هو القيام المتّصل بالركوع، بخلاف ما لو صلّى قائماً مومئاً، فإنّه محافظ عليه.

فساقط، لما عرفت سابقاً (2) من عدم وجوب هذا القيام في نفسه فضلًا عن ركنيته، و إنّما اعتباره من أجل تقوّم الركوع به، فإنّه ليس عبارة عن مجرّد الهيئة الحاصلة من الانحناء الخاص كيف ما اتّفق، بل بشرط كونه مسبوقاً بالقيام فالمسمّى بالركوع لغة و شرعاً خصوص الحصّة الخاصّة و هي الانحناء الحاصل عن القيام لا مطلقاً، فهو دخيل في حقيقة الركوع لا أنّه واجب مستقل، و مع سقوطه لمكان العجز كما هو المفروض يسقط القيام بتبعه لا محالة، فلا يلزم الإخلال بالركن زائداً على الركوع الساقط على كلّ حال. و كيف ما كان فلا ينبغي الرّيب في تعين الإيماء قائماً و عدم الانتقال إلى الركوع جالساً للوجه الّذي عرفت.

و أمّا الفرض الثاني: أعني ما إذا لم يتمكّن إلّا من الركوع الجلوسي الناقص أي مع الانحناء إليه في الجملة، فدار الأمر بينه و بين الإيماء قائماً، و هو الّذي‌

____________

(1) لاحظ الجواهر 10: 80.

(2) شرح العروة 14: 168.

33

[مسألة 3: إذا دار الأمر بين الركوع جالساً مع الانحناء في الجملة]

[1583] مسألة 3: إذا دار الأمر بين الركوع جالساً مع الانحناء في الجملة و قائماً مومئاً لا يبعد تقديم الثاني [1]، و الأحوط تكرار الصلاة (1).

[مسألة 4: لو أتى بالركوع جالساً و رفع رأسه منه]

[1584] مسألة 4: لو أتى بالركوع جالساً و رفع رأسه منه (2) ثمّ حصل له التمكّن [2] من القيام لا يجب بل لا يجوز له إعادته قائماً، بل لا يجب عليه القيام للسجود خصوصاً إذا كان بعد السمعلة، و إن كان أحوط و كذا لا يجب إعادته بعد إتمامه بالانحناء غير التام،

____________

تعرّض (قدس سره) إليه في المسألة الآتية، فقد ذكر في المتن أنّه لا يبعد تقديم الثاني، و الأحوط تكرار الصلاة.

و قد ظهر ممّا مرّ أنّه لا ينبغي الريب في تعيّن الإيماء حينئذ و إن قلنا بتقديم الركوع الجلوسي التام عليه في الصورة السابقة بدعوى أقربيّته منه إلى الركوع القيامي المتعذِّر، إذ لا مجال لتوهّم الأقربية هنا أصلًا بعد أن لم يكن الانحناء في الجملة من الركوع الشرعي في شي‌ء كما لا يخفى.

فتحصّل: أنّ المتعيِّن في جميع صور المسألة هو الإيماء، سواء تمكّن من الانحناء في الجملة قائماً أم لا، و سواء تمكّن من الركوع الجلوسي التام أو الناقص أم لا عملًا بإطلاق أدلّة بدليّته عن الركوع القيامي لدى تعذّره كما ظهر وجهه ممّا مرّ و إن كان الاحتياط المذكور في المتن في فروض المسألة ممّا لا بأس به فإنّه حسن على كلّ حال.

(1) قد ظهر الحال ممّا قدّمناه آنفاً فلاحظ.

(2) تعرّض (قدس سره) في هذه المسألة لفروض تجدّد القدرة أثناء الصلاة‌

____________

[1] بل هو الأظهر و رعاية الاحتياط أولى.

[2] مرّ ضابط هذا الفرع في بحث القيام [في المسألة 1486].

34

و أمّا لو حصل له التمكّن في أثناء الركوع جالساً، فان كان بعد تمام الذكر الواجب يجتزئ به، لكن يجب عليه الانتصاب للقيام بعد الرفع، و إن حصل قبل الشروع فيه أو قبل تمام الذكر يجب عليه أن يقوم منحنياً إلى حدّ الركوع القيامي ثمّ إتمام الذكر و القيام بعده و الأحوط مع ذلك إعادة الصلاة، و إن حصل في أثناء الركوع بالانحناء غير التام أو في أثناء الركوع الايمائي فالأحوط الانحناء [1] إلى حدّ الركوع و إعادة الصلاة.

____________

فذكر أنّ التجدّد إن كان بعد رفع الرأس عن الركوع جالساً لا يجب، بل لا يجوز له إعادته قائماً لاستلزام زيادة الركن، كما لا يجب عليه القيام للسجود لعدم وجوبه إلّا من باب المقدّمة و قد حصلت. و يلحق بذلك ما لو تجدّدت بعد الانتهاء عن الانحناء غير التام حال القيام بناءً على الاجتزاء به عن التام.

و إن كان قبل رفع الرأس، فإن كان بعد تمام الذكر الواجب لزمه الانتصاب تحصيلًا للقيام الواجب بعد الرفع، لقدرته عليه و لم يحصل بدله كما حصل في الفرض السابق.

و إن كان قبله سواء أ كان أثناء الذكر أم قبل الشروع فيه فمن حيث نفس الركوع يجتزي به كسابقه لحصوله حال العجز غير أنّ الذكر الواجب لم يتحقّق أو لم يكمل بعد، و حيث لا اعتبار بهذا الركوع بقاءً لارتفاع العذر فلا مناص له من أن يقوم متقوّساً إلى حدّ الركوع القيامي، فيأتي بالذكر حينئذ أو يتمّه كما يأتي بالقيام بعده، و احتاط حينئذ بإعادة الصلاة.

و أمّا إذا كان التجدّد أثناء الانحناء أو الإيماء فالأحوط الانحناء إلى حدّ‌

____________

[1] بل الأظهر ذلك بلا حاجة إلى الإعادة.

35

..........

____________

الركوع ثمّ إعادة الصلاة.

أقول: قدّمنا في بحث القيام (1) ما هو الضابط العام لأمثال المقام ممّا تجدّدت فيه القدرة أثناء الصلاة.

و حاصله: أنّ التجدّد تارة يفرض في ضيق الوقت بحيث لا يتمكّن من إعادة الصلاة، و أُخرى في سعته، و على التقديرين فان لم يلزم من تدارك الفائت محذور زيادة الركن وجب ذلك كما لو قرأ جالساً و قبل الدخول في الركوع تمكن من القيام فإنّه يجب عليه حينئذ إعادة القراءة قائماً و لا محذور فيها، فان مثل هذه الزيادة غير قادحة.

و إن لزم المحذور المزبور فان لم يكن الفائت ركناً مضى في صلاته و صحّت لحديث لا تعاد، كما لو قرأ جالساً لعجزه عنها قائماً و بعد الركوع الاختياري تمكن من القراءة قائما.

و إن كان ركناً كما لو ركع جالساً و تمكن بعد ذلك من الركوع القيامي، فإن كان في ضيق الوقت صحّت صلاته أيضاً و مضى فيها، فانّ ذلك غاية ما في وسعه من الامتثال و الصلاة لا تسقط بحال.

و إن كان في سعته ففي الصحّة إشكال، بل منع لعدم الدليل على الاجتزاء بهذا الفرد الناقص بعد تعلّق الأمر بالطبيعة الجامعة المحدودة بين الحدّين و تمكنه منها بالإتيان بفرد آخر.

فتحصّل: أنّ مقتضى القاعدة هو الحكم بالصحّة في جميع فروض المسألة من غير فرق بين الضيق و السعة ما عدا صورة واحدة، و هي ما إذا كان الفائت ركناً و الوقت واسعاً، فإنّ الأقوى حينئذ البطلان كما عرفت.

هذا هو الضابط الكلِّي لكبرى هذه المسألة و نظائرها.

____________

(1) شرح العروة 14: 251 المسألة [1486].

36

..........

____________

و أمّا التطبيق على المقام فنقول: قد تكون الوظيفة هي الركوع الجلوسي و أُخرى الانحناء غير التام حال القيام بناءً على الاجتزاء به-، و ثالثة الإيماء و على التقادير فقد يكون التجدّد بعد الانتهاء عنها، و أُخرى في الأثناء، ففروض المسألة ستّة تعرّض لجميعها في المتن ما عدا صورة واحدة، و هي التجدّد بعد الانتهاء من الإيماء.

فإن تجدّدت القدرة على الركوع التام القيامي بعد رفع الرأس عن الركوع جالساً فقد ذكر في المتن أنّه لا يجب بل لا يجوز له إعادته قائماً. و هذا هو الصحيح فيجتزى به، لكن في ضيق الوقت خاصّة، و أمّا في السعة فحيث إنّ الفائت ركن و لا يمكن تداركه فالصلاة باطلة و الإعادة واجبة كما ظهر وجهه ممّا مرّ آنفاً. فما أفاده (قدس سره) لا يتم على إطلاقه.

و إن تجدّدت بعد الانتهاء عن الانحناء غير التام فقد ألحقه الماتن بسابقه.

و الأولى أن يقال: إذا بنينا على أنّ الدليل المانع من زيادة الركوع من حديث لا تعاد أو غيره يشمل ما إذا كان الزائد مثل هذا الركوع، فالإلحاق في محلّه مع مراعاة التفصيل بين السعة و الضيق كما عرفت.

و أمّا إذا بنينا على انصرافه عن الركوع الانحنائي كما لا يبعد و سيجي‌ء الكلام عليه إن شاء اللّٰه تعالى، فاللّازم تدارك الركوع مطلقاً لعدم محذور فيه، غايته أنّه تخيّل أنّ وظيفته الانحناء و الانتقال إلى البدل و اعتقد أمراً خيالياً، و مثله لا يجزي عن الواقع بعد انكشاف الخلاف، فيلغى بعد عدم ضير في زيادته و يجب الإتيان بالركوع قائما.

و أولى بذلك ما لو كان التجدّد بعد الانتهاء عن الإيماء و هو الّذي لم يتعرّض له في المتن بل لا ينبغي الإشكال في انصراف دليل الزيادة عن مثل ذلك. نعم، لو كان الزائد من سنخ المزيد عليه فكرّر الانحناء أمكن دعوى‌

37

..........

____________

زيادة الركوع، و أمّا مع الاختلاف في السنخ فكانت الوظيفة الركوع القيامي لقدرته عليه فأضاف عليه الإيماء أو الانحناء، ففي مثله يشكل صدق تعدّد الركوع سيّما في الأوّل، لعدم كون الإيماء من الركوع في شي‌ء لا شرعاً و لا لغة و إنّما هو بدل و وظيفة مقرّرة لدى العجز عنه، بل لا ينبغي الريب في عدم الصدق كما عرفت، فاللّازم إعادة الركوع قائماً و لا محذور فيها.

و إن تجدّدت أثناء الركوع جالساً، فان كان بعد تمام الذكر الواجب فقد ذكر في المتن أنّه يجتزئ به، لكن يجب عليه الانتصاب للقيام بعد الرفع.

أقول: أمّا الاجتزاء فوجيه في فرض الضيق فقط، و إلّا ففي السعة يحكم بالبطلان كما مرّ. و أمّا الانتصاب فلا دليل عليه، فانّ الانتصاب القيامي إنّما يجب بعد الركوع القيامي كي لا يهوي إلى السجود من الركوع، و لا دليل على وجوبه بعد مطلق الركوع حتّى الجلوسي منه.

و إن شئت فقل: إنّ اللّازم بعد كل ركوع الانتصاب المناسب له و عدم الهوي منه إلى السجود، فان ركع قائماً وجب الانتصاب القيامي، و إن ركع جالساً فالانتصاب الجلوسي، و بعد فرض الاجتزاء في المقام بالركوع الجلوسي إمّا مطلقاً على مسلكه، أو في خصوص الضيق على المختار كما عرفت فلا يجب إلّا الانتصاب جالساً الحاصل في المقام، فالانتصاب للقيام لا دليل على جوازه فضلًا عن وجوبه.

و إن كان قبل تمام الذكر، أو قبل الشروع فيه فقد حكم في المتن بوجوب القيام متقوّساً إلى حدّ الركوع القيامي ثمّ إتمام الذكر و القيام بعده.

و هذا أيضاً لا يمكن المساعدة عليه، لما مرّ غير مرّة من تقوّم الركوع بالانحناء عن قيام، و ليس هو عبارة عن مطلق إحداث تلك الهيئة الانحنائية كيف ما اتّفق، فالقيام متقوّساً ليس من الركوع في شي‌ء بعد عدم سبقه بالقيام‌

38

[مسألة 5: زيادة الركوع الجلوسي و الايمائي مبطلة]

[1585] مسألة 5: زيادة الركوع الجلوسي و الايمائي مبطلة و لو سهواً كنقيصته (1).

____________

فلا فائدة في ذلك. و لو فرض صدق الركوع عليه فاللّازم الحكم بالبطلان لزيادة الركن كما لا يخفى.

و بالجملة: فليس له إلّا إتمام الذكر في نفس هذا الركوع، و لا يشرع له القيام منحنياً و الإتيان بالذكر فضلًا عن وجوبه، و لا حاجة إلى إعادة الصلاة.

و إن تجدّدت أثناء الركوع بالانحناء غير التام، أو أثناء الركوع الايمائي، فقد احتاط في المتن بالانحناء إلى حدّ الركوع و إعادة الصلاة.

و قد ظهر ممّا مرّ: أنّ ذلك هو الأظهر، بلا حاجة إلى إعادة الصلاة، لعدم صدق الزيادة في الركوع سيّما في الانحناء غير التام، فإنّه من مقدّمات الركوع الشرعي و مبادئه، إذ هو زيادة في الانحناء و تشديد في الكيف، فلا يعد وجوداً مستقلا آخر في قباله كي يعد من زيادة الركوع كما هو ظاهر جدّا.

(1) أمّا البطلان في فرض النقص فظاهر، فانّ الركوع من مقوّمات الصلاة كما يشهد به ما دلّ على أنّ الصلاة ثلث طهور و ثلث ركوع، و ثلث سجود (1) فمع خلوّها عنه و عن بدله و هو الإيماء لا يصدق عنوان الصلاة، مضافاً إلى عقد الاستثناء في حديث لا تعاد، و هذا ظاهر جدّاً بلا فرق فيه بين العمد و السهو.

و أمّا في فرض الزيادة فكذلك بالإضافة إلى الركوع الجلوسي، فإنّه ركوع حقيقة لغة و شرعاً، فيشمله ما دلّ على البطلان بزيادة الركوع فإنّه بإطلاقه يعمّ الركوع القيامي و الجلوسي.

____________

(1) الوسائل 6: 310/ أبواب الركوع ب 9 ح 1.

39

[مسألة 6: إذا كان كالراكع خلقة أو لعارض فان تمكن من الانتصاب]

[1586] مسألة 6: إذا كان كالراكع خلقة أو لعارض (1) فان تمكن من الانتصاب و لو بالاعتماد على شي‌ء وجب عليه ذلك، لتحصيل القيام الواجب حال القراءة و للركوع، و إلّا فللركوع فقط فيقوم و ينحني، و إن لم يتمكّن من ذلك لكن تمكن من الانتصاب في الجملة فكذلك، و إن لم يتمكّن أصلًا، فإن تمكن من الانحناء أزيد من المقدار الحاصل بحيث لا يخرج عن حدّ الركوع وجب [1]، و إن لم يتمكّن من الزيادة أو كان على أقصى مراتب الركوع بحيث

____________

و أمّا بالنسبة إلى الايمائي فالمشهور أنّه كذلك، بل عن غير واحد دعوى الإجماع عليه، استناداً إلى سراية أحكام المبدل إلى البدل.

لكنّه كما ترى، فإنّ البدلية لا تستدعي إلّا تنزيل البدل منزلة المبدل في وجوب الإتيان به، و لا نظر في دليلها إلى بقية الأحكام كي يقتضي سرايتها إليه. و عليه فان تمّ الإجماع على الإلحاق و لم يتم فهو، و إلّا ففي الحكم بالبطلان إشكال بل منع، لعدم كون الإيماء ركوعاً لا لغةً و لا شرعاً، و إنّما هو بدل عن الركوع و وظيفة مقرّرة لدى العجز عنه، فلا يشمله ما دلّ على البطلان بزيادة الركوع (1) فانّ ذاك الدليل خاص بالركوع و لا يعم بدله الّذي ليس هو من الركوع في شي‌ء.

(1) تفصيل المقام: أنّ من كان على هيئة الراكع خلقة أو لعارض، إن تمكن من الانتصاب قليلًا و لو بالاعتماد على شي‌ء وجب ذلك على حسب طاقته رعاية للقيام الواجب حال تكبيرة الإحرام و القراءة و القيام المتّصل بالركوع، فإن أمكنه الكل فهو، و إلّا فبالمقدار الميسور، لا أقل من القيام آناً ما الّذي يتقوّم به الركوع‌

____________

[1] لا تبعد كفاية الإيماء حينئذٍ، و إن كان الجمع بينه و بين ما في المتن أحوط.

____________

(1) نعم، و لكنّه زيادة في الصلاة بعد الإتيان به بقصد الجزئية كما هو المفروض، فتقدح مع العمد و إن لم يصدق عنوان الركوع.

40

لو انحنى أزيد خرج عن حدّه فالأحوط له الإيماء بالرأس [1]، و إن لم يتمكّن فبالعينين له تغميضاً و للرفع منه فتحاً، و إلّا فينوي به قلباً و يأتي بالذكر [1].

____________

فيأتي حينئذ بالركوع الاختياري.

و إن عجز عن ذلك أيضاً فلم يتمكّن من الانتصاب أصلًا، فإن تمكن من القيام في الجملة و لو منحنياً الّذي هو حد متوسط بين الركوع و بين الانتصاب التام وجب ذلك و كان ركوعه اختيارياً أيضاً فإنّه متقوّم بمطلق القيام لا بخصوص القيام الانتصابي، فانّ الانتصاب واجب آخر حال القيام قد سقط لدى العجز غير معتبر في حقيقة الركوع، و إنّما يتقوّم بطبيعي القيام الحاصل في المقام و لو في ضمن فرد آخر و هو القيام الانحنائي فيجب مع التمكّن منه.

و إن لم يتمكّن من القيام أصلًا، فتارة يفرض تمكنه من ازدياد الانحناء و الانتقال إلى مرتبة اخرى اخفض ممّا هو عليه مع المحافظة على عدم الخروج عن أقصى مراتب الركوع، و أُخرى لا يتمكّن من الزيادة أصلًا، أو لو زاد خرج بذلك عن حدّ الركوع الشرعي، فهنا فرضان.

أمّا الفرض الأوّل ففيه وجوه بل أقوال:

أحدها: ما اختاره في المتن و لعلّه المشهور من وجوب الانحناء أزيد ممّا هو عليه، استناداً إلى لزوم الفرق بين قيامه و ركوعه، كما هو الحال في الإيماء للركوع و للسجود، فكما يومئ للثاني أخفض منه للأوّل، لمكان الفرق بينهما فكذا في المقام.

____________

[1] بل الأظهر ذلك.

[1] على الأحوط كما مرّ.

41

..........

____________

و فيه: منع ظاهر، فإنّه وجه استحساني و مجرد اعتبار لا يصلح لأن يكون مدركاً لحكم شرعي، و التفرقة في الإيماء قد دلّ عليها النص المختص بمورده فلا وجه للتعدِّي منه إلى المقام، فلم ينهض دليل شرعي على وجوب إحداث الفارق في محل الكلام، هذا.

و قد استدلّ له المحقِّق الهمداني (قدس سره) (1) بأنّ الركوع و إن كان متقوّماً بالانحناء عن القيام إلّا أنّ قيام كل شخص بحسبه، ففي القادر قيامه الاعتدال و في من كان على هيئة الراكع الاستقامة على ما هو عليه بحسب حاله، فانّ هذا هو قيامه بحسب العرف، فبطبيعة الحال يكون ركوعه هو الانحناء عن هذه الحالة بأن يزيد انحناؤه عمّا هو عليه ممّا يعد قياماً له، فانّ ذلك هو ركوعه في نظر العرف كما يشهد به جريان عادتهم في الركوع أمام الجبابرة و الملوك سيّما سيرة أهل الفرس بالنسبة إلى أُمرائهم، فان ركوع القادر هو الانحناء عن الانتصاب، و من كان منحني الظهر ركوعه الازدياد في انحنائه و لو يسيراً كل منهم على حسب حاله.

و فيه أوّلًا: منع صدق الركوع عليه عرفاً، و إنّما هو انتقال من مرتبة من الانحناء إلى أُخرى، كيف و قد عرفت أنّه متقوّم لغة و عرفاً بالانحناء عن القيام و من احدودب ظهره عاجز عن القيام و ليس هو إلّا على هيئة الراكع، فصدق الركوع في حقّه ممنوع جدّاً، و أمّا تعظيم مثله أمام الجبابرة و الملوك بزيادة الانحناء فإنّما هو تواضع و خضوع، و لا يعد من الركوع في شي‌ء كما لا يخفى.

و ثانياً: سلّمنا صدق الركوع عليه عرفاً إلّا أنّه لا دليل على وجوب الانحناء الزائد في المقام، فانّ المستفاد من الأدلّة الواردة في تحديد الركوع الشرعي وجوب الانحناء عن القيام حدّا يتمكن معه من إيصال أطراف‌

____________

(1) مصباح الفقيه (الصلاة): 328 السطر 9.

42

..........

____________

أصابعه الركبتين و يستحبّ الزيادة قليلًا بحيث تصل الراحة إليهما كما مرّ. و هذا التكليف ساقط عن هذا الشخص لعجزه عن إيجاد هذا الحد و إحداثه حسب الفرض، فبأيّ دليل يجب عليه الانحناء الزائد على هذا المقدار ممّا هو عليه فإنّه يحتاج إلى دليل بالخصوص و هو مفقود.

و دعوى انصراف هذا التحديد إلى الأفراد الشائعة دون من كان على هيئة الراكع كما ترى، فإنّه إرشاد إلى الحد المعتبر في الركوع المأمور به، و مقتضى الإطلاق (1) عدم الفرق بين الموارد كما لا يخفى. فالأقوى حينئذ لزوم الانتقال إلى البدل المقرّر لدى العجز عن الركوع و هو الإيماء لعدم قصور في شمول إطلاق دليله للمقام.

القول الثاني: ما اختاره صاحب الجواهر (قدس سره) (2) من أنّه ينوي الركوع ببقائه على هذه الحالة، لعدم الدليل على وجوب الانحناء الزائد و ليس ذلك من تحصيل الحاصل كي يكون الأمر به لغواً، لإمكان هدم تلك الهيئة الركوعية بالجلوس و نحوه فيؤمر بالبقاء على تلك الهيئة قاصداً بها الركوع المأمور به في الصلاة.

أقول: أمّا عدم الدليل على الانحناء الزائد فهو حق كما عرفت آنفاً. و أمّا الاجتزاء بقصد الركوع بتلك الهيئة فيتوقف على أمرين:

أحدهما: أنّ الركوع عبارة عن نفس تلك الهيئة الخاصّة، و الهوي مقدّمة عقلية صرفة.

____________

(1) لقائل أن يقول: إنّ الخطاب في نصوص التحديد متوجِّه إلى الأشخاص العاديين المستوين في الخلقة كزرارة و أبي بصير و نحوهما، و لعل هذا يجعله من اكتناف الكلام بما يصلح للقرينية المانع عن انعقاد الإطلاق.

(2) الجواهر 10: 81.

43

..........

____________

ثانيهما: أنّ المأمور به هو الركوع الأعم من الحدوثي و البقائي، و عليه فلا مانع من قصد الركوع بتلك الهيئة الخاصّة بقاءً، هذا.

و للمناقشة في كلا الأمرين مجال واسع.

أمّا الأوّل: فلما عرفت من أنّ الركوع متقوّم بالانحناء عن القيام، فهو معتبر في حقيقته شطراً أو شرطاً و إن كان الأظهر هو الثاني. و على أيّ حال فليست تلك الهيئة على إطلاقها و كيف ما اتّفقت ركوعاً كي يكون الهوي مقدّمة محضة. و من هنا لو جلس عن القيام ثمّ قام متقوساً إلى حدّ الركوع لا يجتزى به و لا يتحقّق معه الركوع قطعا.

و أما الثاني: فلأنّ الظاهر من الأمر بشي‌ء هو إحداثه و إيجاده بعد ان لم يكن، و لا يكفي فيه مجرّد البقاء و لو بقصد الأمر، بل كيف يمكن توجيه الخطاب نحو الراكع بقوله اركع فإنّه يعد لغواً و من تحصيل الحاصل في نظر العرف كما لا يخفى. فهذا القول يتلو سابقه في الضعف.

و من جميع ما قدّمناه يظهر أنّ الأقوى هو القول الثالث، أعني سقوط الركوع عنه، لمكان العجز و الانتقال إلى بدله و هو الإيماء، لعدم قصور دليله عن الشمول للمقام فيومئ برأسه إن أمكن و إلّا فبالعينين تغميضاً له و فتحاً للرفع منه، و مع العجز عنه أيضاً الّذي هو فرض نادر جدّاً فينوي بقلبه على الأحوط و إلّا فلا دليل عليه، و مقتضى القاعدة حينئذ سقوط الصلاة لتقوّمها بالركوع و هو عاجز عنه و عن بدله، لكن الفرض في غاية الشذوذ كما عرفت و قد مرّ تفصيل ذلك كلّه في بحث القيام.

نعم، الأحوط في المقام أن يجمع بين الإيماء و بين زيادة الانحناء قاصداً بأحدهما ما هو الركوع المأمور به في حقّه و ما هي وظيفته واقعاً، فيقع الآخر لغواً غير مضر فإنّه جامع بين الأقوال، و بذلك يخرج عن شبهة الخلاف، فإنّ‌

44

[مسألة 7: يعتبر في الانحناء أن يكون بقصد الركوع و لو إجمالًا بالبقاء على نيّته في أوّل الصلاة]

[1587] مسألة 7: يعتبر في الانحناء أن يكون بقصد الركوع و لو إجمالًا بالبقاء على نيّته في أوّل الصلاة بأن لا ينوي الخلاف، فلو انحنى بقصد وضع شي‌ء على الأرض أو رفعه، أو قتل عقرب أو حيّة، أو نحو ذلك، لا يكفي في جعله ركوعاً، بل لا بدّ من القيام ثمّ الانحناء للركوع، و لا يلزم منه زيادة الركن (1).

____________

صاحب الجواهر أيضاً لا يأبى عن ذلك و إنّما يرى جواز قصد الركوع بالبقاء على تلك الحالة، لا عدم جوازه بالانحناء الزائد كما لا يخفى.

و أمّا في الفرض الثاني فلا ينبغي الشك في تعيّن الإيماء في حقّه، لفرض عدم تمكنه من الانحناء الزائد كي يحتمل وجوبه، أو لو انحنى خرج عن أقصى مراتب الركوع. و قد عرفت ضعف مقالة صاحب الجواهر (قدس سره) لتوقّفها على مقدّمتين كلتاهما ممنوعة. فلا مناص من الانتقال إلى البدل و هو الإيماء عملًا بإطلاق دليله الّذي لا يقصر عن الشمول للمقام.

(1) لا يخفى أنّ المحتملات في حقيقة الركوع المأمور به أُمور:

أحدها: أنّه عبارة عن الحركة عن حالة الانتصاب إلى أن تبلغ أطراف أصابعه الركبتين، أو أن يضع كفّيه عليهما على الخلاف في ذلك كما مرّ (1)، فيكون في ابتداء الحركة شارعاً في الركوع، لكونه مؤلفاً من عدّة أجزاء و هي الانحناءات المتتالية المحدودة بين الحدّين، فكل مرتبة جزء من الركوع لتركبه من المجموع.

الثاني: أنّه مفهوم بسيط لا جزء له، و هو نفس الهيئة الخاصّة المنتزعة عن الانحناء البالغ حدّا يتمكّن من إيصال الأصابع أو اليدين إلى الركبتين، لكن لا‌

____________

(1) في ص 3 و ما بعدها.

45

..........

____________

على إطلاقها، بل حصّة خاصّة من تلك الهيئة و هي المسبوقة بالقيام، فالواجب هي الهيئة الحاصلة عن انحناء قيامي، فيكون الهوي عن القيام معتبراً فيه شرطاً لا شطراً و تقيّداً لا قيداً، بخلاف الوجه السابق الّذي كان عليه معتبراً قيداً و تقيّداً كما عرفت.

الثالث: أنّه عبارة عن نفس تلك الهيئة الخاصّة على إطلاقها كيف ما اتّفقت و حيثما تحقّقت، فيكون الهوي إليها مقدّمة عقلية صرفة لا دخل لها في المأمور به أصلًا بخلاف الوجه الثاني، إذ عليه كان مقدّمة شرعية كما هو الحال في سائر الشرائط من الستر و الطهور و نحوهما.

و يترتّب على الاحتمالين الأوّلين ما أفاده في المتن من لزوم كون الانحناء بقصد الركوع، و أنّه لو انحنى لغاية أُخرى من وضع شي‌ء على الأرض أو رفعه أو قتل عقرب أو حيّة، و بعد بلوغ حدّ الركوع بدا له أن يجعله ركوعاً لا يكتفي به، بل لا بدّ من القيام ثمّ الانحناء للركوع، و لا يلزم منه زيادة الركن.

أمّا مع الاحتمال الأوّل فظاهر، و كذا على الثاني، فإنّ الشرط ليس مطلق الهوي و الانحناء، بل خصوص ما كان بقصد الركوع كما لا يخفى، فالهوي العاري عن هذا القصد ليس مصداقاً للشرط فينتفي المشروط بانتفائه.

و أمّا على الاحتمال الأخير فقد يقال كما عن العلّامة الطباطبائي في منظومته (1)، و تبعه صاحب الجواهر (2) بالاكتفاء في المقام، إذ الواجب هو نفس تلك الهيئة و قد حصلت، و الهوي مقدّمة عقلية محضة لا دخل له في الركوع المأمور به بوجه عدا حيثية المقدّمية الصرفة، كما أنّه كذلك بالإضافة إلى السجود بلا خلاف و لا إشكال، لكونه متقوّماً بوضع الجبهة على الأرض‌

____________

(1) الدرّة النجفية: 123.

(2) الجواهر 10: 76.

46

..........

____________

فقط، و لا دخل للهوي فيه إلّا من باب المقدّمة، فكما أنّه لو هوى إلى الأرض لغاية أُخرى ثمّ بدا له في السجود يجتزي به من دون حاجة إلى القيام و الهوي إليه مرّة أُخرى، فكذا في المقام.

و اعترض عليه شيخنا الأنصاري (1) و قد أجاد فيما أفاد فأورد (قدس سره).

أوّلًا: بإنكار المبنى، و أنّ الركوع ليس مطلق تلك الهيئة كي يكون الهوي مقدّمة عقلية صرفة، بل خصوص المسبوق بالقيام كما هو المستفاد من ظواهر النصوص، بل من كلمات اللّغويين أيضاً، فلا يطلق الراكع إلّا على المنحني عن قيام، فهو مشروط بسبق الهوي و متقوّم بالانحناء القيامي. و من هنا لو جلس عن قيامه ثمّ قام متقوّساً إلى حدّ الركوع لا يجتزى به بلا إشكال، لعدم كونه مصداقاً للركوع، و إنّما هو على هيئة الراكع. و لا يقاس ذلك بالسجود، لما عرفت من أنّه متقوّم بوضع الجبهة على الأرض فقط، و لا دخل للهوي و الانحناء في حقيقته بوجه، فهو فيه مقدّمة عقلية محضة لا محالة، بخلاف الركوع فإنّه متقوّم بالانحناء المسبوق بالقيام المستلزم لكون الهوي شرطاً شرعياً فيه كما عرفت.

و ثانياً: سلّمنا ذلك، لكن دعوى الاكتفاء مبنية على أن يكون الأمر بالركوع متعلِّقاً بالطبيعي الجامع بين الحدوث و البقاء، فإنّه بعد ما بلغ إلى هذا الحد و لو لغاية أُخرى جاز له أن يقصد به الركوع بقاء.

لكنّه خلاف ظواهر الأدلّة قطعاً، بل المنصرف منها خصوص الإحداث و إيجاد الركوع بعد أن لم يكن، كما هو الحال في السجود أيضاً و غيره من سائر التكاليف، فلو عثر في صلاته فاتّصلت جبهته بالأرض قهراً ليس له أن يقصد به السجود بقاءً بلا إشكال، بل لا بدّ من رفع الجبهة ثمّ وضعها ثانياً بقصد‌

____________

(1) كتاب الصلاة: 157.

47

[مسألة 8: إذا نسي الركوع فهوى إلى السجود و تذكّر قبل وضع جبهته على الأرض]

[1588] مسألة 8: إذا نسي الركوع فهوى إلى السجود و تذكّر قبل وضع جبهته على الأرض رجع إلى القيام ثمّ ركع، و لا يكفي أن يقوم منحنياً إلى حدّ الركوع من دون أن ينتصب، و كذا لو تذكّر بعد الدخول في السجود أو بعد رفع الرأس من السجدة الأُولى قبل الدخول في الثانية على الأقوى و إن كان الأحوط في هذه الصورة إعادة الصلاة أيضاً بعد إتمامها و إتيان سجدتي السهو لزيادة السجدة (1).

____________

السجود كي يتحقّق الإحداث، كما أنّ الواجب في المقام هو القيام ثمّ الانحناء ثانياً بقصد الركوع. فظهر أنّ ما ذكره في المتن هو الصحيح على جميع التقادير.

(1) لا إشكال في أنّ من نسي الركوع و تذكّره بعد السجدتين أو بعد الدخول في السجدة الثانية بطلت صلاته لعدم إمكان تصحيحها بوجه، للزوم زيادة الركن من التدارك، و نقيصته مع عدمه كما لا يخفى.

كما لا إشكال في الصحّة لو كان التذكّر قبل الدخول في السجود و وضع الجبهة على الأرض، لإمكان التدارك من دون أيّ محذور، فيرجع إلى القيام ثمّ يركع، و لا يكفي القيام متقوّساً إلى حدّ الركوع من دون أن ينتصب، لاعتبار كون الركوع عن قيام متّصل به كما عرفت في المسألة السابقة و لا اتِّصال في المقام.

إنّما الكلام فيما إذا كان التذكّر بعد السجدة الأُولى أو أثناءها، فهل يلحق ذلك بالصورة الأُولى كما لعلّه المشهور فيحكم بالبطلان، أم بالصورة الثانية كما اختاره جماعة منهم الماتن فيحكم بالصحّة؟

لا ينبغي الشك في أنّ مقتضى القاعدة هو الثاني، إذ لا يلزم من تدارك الركوع أيّ محذور عدا زيادة سجدة واحدة سهواً، و لا ضير فيها بعد أن لم‌

48

..........

____________

تكن ركناً، و قد ورد أنّ الصلاة لا تعاد من سجدة واحدة، و إنّما تعاد من ركعة (1).

و إنّما المنشأ للخلاف ورود روايات في المقام ربما يتوهّم دلالتها على البطلان في خصوص المقام أعني نسيان الركوع و بذلك يخرج عن مقتضى القاعدة المزبورة، لكن الظاهر عدم دلالتها عليه، بل المستفاد منها أيضاً هي الصحّة فتكون الصحّة مطابقة للقاعدة و للنص فلا بدّ من التعرّض إليها.

فمنها: موثقة إسحاق بن عمار قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل ينسى أن يركع، قال يستقبل حتّى يضع كل شي‌ء من ذلك موضعه» (2) قالوا إنّ الموضوع نسيان الركوع مطلقاً فيشمل ما لو كان التذكّر بعد السجدة الواحدة.

و فيه: أنّ الذيل مانع عن انعقاد الإطلاق لقوله (عليه السلام): «حتّى يضع كلّ شي‌ء موضعه»، فيظهر أنّ موضوع الحكم نسيان لا يتمكّن معه من وضع كل شي‌ء موضعه، و هذا كما ترى مختص بما إذا كان التذكر بعد السجدتين، إذ لو كان بعد السجدة الواحدة يتمكّن من وضع كل شي‌ء موضعه، لما عرفت من أنّ زيادة السجدة الواحدة سهواً غير قادحة فيتمكّن من تدارك الركوع و وضعه في موضعه من دون أيّ محذور. و مع تسليم الإطلاق فلا بدّ من تقييده بما ستعرف.

و منها: صحيحة رفاعة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل ينسى أن يركع حتّى يسجد و يقوم، قال: يستقبل» (3).

____________

(1) الوسائل 6: 319/ أبواب الركوع ب 14 ح 2، 3.

(2) الوسائل 6: 313/ أبواب الركوع ب 10 ح 2.

(3) الوسائل 6: 312/ أبواب الركوع ب 10 ح 1.

49

..........

____________

و هذه أيضاً كما ترى لا إطلاق لها، لقوله: «يسجد و يقوم»، إذ من الواضح أنّ القيام إنّما هو بعد السجدتين فلا يشمل ما لو كان التذكّر بعد السجدة الواحدة لعدم القيام معها، و مع تسليم الإطلاق فيقيّد أيضاً بما سيجي‌ء.

و منها: خبر أبي بصير قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل نسي أن يركع قال: عليه الإعادة» (1).

و فيه: مضافاً إلى ضعف سنده بمحمّد بن سنان، عدم ظهوره في الإطلاق و إلّا لزم الحكم بالبطلان، و لو كان التذكّر قبل وضع الجبهة على الأرض لصدق نسيان الركوع حينئذ مع أنّها صحيحة بعد تدارك الركوع بلا خلاف و لا إشكال كما تقدّم، فيظهر أنّ المراد به نسيان لا يتمكّن معه من التدارك و وضع كل شي‌ء موضعه المختص بما إذا كان التذكّر بعد السجدتين، فيكون مفاده مساوقاً لموثقة إسحاق بن عمار المتقدِّمة.

و على تقدير تسليم الإطلاق فلا بدّ من تقييده كغيره من النصوص المتقدِّمة (2) بصحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: إذا أيقن الرجل أنّه ترك ركعة من الصلاة و قد سجد سجدتين و ترك الركوع استأنف الصلاة» (3) فإنّ الجملة الشرطية تضمّنت قيدين:

أحدهما: تيقن ترك الركعة أي الركوع كما يشهد به قوله: «و ترك الركوع» ثانيهما: أن يكون التذكّر بعد السجدتين، فمفهومها عدم وجوب الاستئناف عند‌

____________

(1) الوسائل 6: 313/ أبواب الركوع ب 10 ح 4.

(2) هذا وجيه في غير صحيحة رفاعة، أمّا فيها فالنسبة بينها على تقدير تسليم الإطلاق كما هو المفروض و بين مفهوم صحيحة أبي بصير عموم من وجه كما لا يخفى، و معه لا موجب لتقديم هذه الصحيحة.

(3) الوسائل 6: 313/ أبواب الركوع ب 10 ح 3.

50

[مسألة 9: لو انحنى بقصد الركوع فنسي في الأثناء و هوى إلى السجود]

[1589] مسألة 9: لو انحنى بقصد الركوع فنسي في الأثناء و هوى إلى السجود، فان كان النسيان قبل الوصول إلى حدّ الركوع انتصب قائماً ثمّ ركع، و لا يكفي الانتصاب إلى الحدّ الّذي عرض له النسيان ثمّ الركوع، و إن كان بعد الوصول إلى حدّه فان لم يخرج عن حدّه وجب عليه البقاء مطمئنّاً و الإتيان بالذكر، و إن خرج عن حدّه فالأحوط إعادة الصلاة بعد إتمامها بأحد الوجهين من العود إلى القيام [1] ثمّ الهويّ للركوع أو القيام بقصد الرّفع منه ثمّ الهويّ للسجود، و ذلك لاحتمال كون الفرض من باب نسيان الركوع فيتعيّن الأوّل، و يحتمل كونه من باب نسيان الذكر و الطمأنينة في الركوع بعد تحقّقه و عليه فيتعيّن الثاني، فالأحوط أن يتمّها بأحد الوجهين ثمّ يعيدها (1).

____________

فقد أحد القيدين فلا تجب الإعادة لو شكّ في ترك الركوع، لكونه مجرى لقاعدة التجاوز، كما لا تجب لو كان التذكّر قبل السجدتين الشامل لما إذا تذكّر بعد السجدة الواحدة. فبمفهوم هذه الصحيحة يقيّد الإطلاق في بقية النصوص لو كان. فما أفاده في المتن من الحكم بالصحّة في هذه الصورة بعد تدارك الركوع هو الصحيح، و إن كان الأحوط الإعادة.

(1) قد عرفت أنّ الركوع ليس عبارة عن مجرّد الهيئة الخاصّة كيف ما اتّفقت بل خصوص المسبوق بالانحناء عن القيام بحيث يكون لدى الهوي عن القيام قاصداً للركوع في جميع مراتب الانحناءات إلى أن يبلغ حدّ الركوع، و من هنا أشرنا سابقاً إلى أنّ القيام المتّصل بالركوع ليس واجباً بنفسه فضلًا عن أن يكون ركناً بحياله، بل هو تابع في الوجوب و الركنية لنفس الركوع، حيث إنّ‌

____________

[1] هذا هو الظاهر و إعادة الصلاة بعد ذلك أحوط.