موسوعة الإمام الخوئي - ج17

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
422 /
1

[تتمة كتاب الصلاة]

____________

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّٰه رب العالمين و الصلاة و السلام على سيدنا و نبينا محمد و آله الطيبين الطاهرين الغرّ الميامين‌

2

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

3

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

[فصل في الجماعة]

فصل في الجماعة

[فضيلة الجماعة]

و هي من المستحبّات الأكيدة في جميع الفرائض (1)، خصوصاً اليوميّة منها (2) و خصوصاً في الأدائيّة (3).

____________

فصل في الجماعة

(1) لا ريب في مشروعيّة الجماعة، بل استحبابها المؤكّد في الصلوات الخمس اليوميّة، بل في مطلق الفرائض. و قد قامت عليه سيرة المتشرّعة المتّصلة بزمن المعصومين (عليهم السلام) و النبيّ الأعظم (صلى اللّٰه عليه و آله) و نطقت به الروايات المستفيضة البالغة حدّ التواتر، المشتملة على ضروب من التأكيد حتّى كادت تلحقها بالوجوب على حدّ تعبير الماتن، كما لا يخفى على المراجع، و ستعرف ما يمكن الاستدلال به من الروايات على المشروعيّة في عامّة الفرائض.

(2) للتعرّض لها بالخصوص في بعض النصوص.

(3) فإنّها القدر المتيقّن من الأدلّة، و أمّا القضاء فربما يستدلّ لمشروعية الجماعة فيها باتّحاد ماهيتها مع الأداء، و عدم الفرق بينهما من غير ناحية الإيقاع في الوقت و في خارجه، فيشتركان في جميع الأحكام التي منها‌

8

..........

____________

مشروعيّة الجماعة، و عليه فتتبع القضاء الأداء في الكيفية من غير حاجة إلى ورود دليل بالخصوص.

و يتوجّه عليه: أنّ حديث الاتّحاد لا يستدعي أكثر من الاشتراك في الذات و ما تتألّف منه حقيقة الصلاة من الأجزاء و الشرائط المعتبرة في طبيعتها و أنّها هي تلك الطبيعة بعينها. فاذا ثبت اعتبار الركوع و الطهارة و الستر و الاستقبال و نحوها في الصلاة ثمّ ورد الأمر بالقضاء يفهم العرف أنّ المقضيّ هي تلك الصلاة المشتملة على هذه الخصوصيات، من غير حاجة إلى التنبيه على اعتبارها فيه.

و أمّا الاشتراك في الأحكام زائداً على أصل الطبيعة، من مشروعية الجماعة و أحكام الشكوك و عدم اعتناء المأموم بشكّه مع حفظ الإمام و غير ذلك من سائر الأحكام، فلا يكاد يقتضيه الاتّحاد المزبور أبداً، بل لا بدّ من قيام دليل عليه بالخصوص و لو بمثل الإجماع و نحوه.

فالأولى أن يستدلّ له بالروايات الخاصّة، و هي عدّة:

منها: الأخبار الصحيحة الواردة في رقود النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و أصحابه عن صلاة الفجر حتّى طلعت الشمس ثمّ قضائه (صلى اللّٰه عليه و آله) بهم جماعة بعد الانتقال إلى مكان آخر (1).

فإنّها و إن أشكل التصديق بمضمونها من حيث الحكاية عن نوم النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله)، و من الجائز أن تكون من هذه الجهة محمولة على التقيّة، كما مرّت الإشارة إليه سابقاً (2). لكنّها من حيث الدلالة على مشروعية الجماعة في القضاء لا مانع من الأخذ بها بعد قوّة أسانيدها، و عدم المعارض لها.

و منها: موثّقة إسحاق بن عمّار قال «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام):

____________

(1) الوسائل 4: 285/ أبواب المواقيت ب 61 ح 6، 8: 267/ أبواب قضاء الصلوات ب 5 ح 1 [و لا يخفى أن ما ورد فيه صلاته (صلى اللّٰه عليه و آله) بهم جماعة هو الرواية الاولى لا غير، و قد ناقش سندها في شرح العروة 11: 325].

(2) شرح العروة 16: 164، 168.

9

..........

____________

تقام الصلاة و قد صلّيت، فقال: صلّ و اجعلها لما فات» (1).

و الطريق و إن اشتمل على سلمة صاحب السابري و لم يوثّق، لكنّه مذكور في أسناد كامل الزيارات. على أنّ الصدوق رواها بسند آخر عن إسحاق بن عمّار (2)، و طريقه إليه (3) صحيح (4).

و منها: ما دلّ على مشروعيّة الجماعة في الفرائض كلّها، الشامل بإطلاقها لصلاة القضاء، و هي صحيحة زرارة و الفضيل قالا «قلنا له: الصلاة في جماعة فريضة هي؟ فقال: الصلاة فريضة، و ليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلّها، و لكنّها سنّة، من تركها رغبة عنها و عن جماعة المؤمنين من غير علّة فلا صلاة له» (5).

و توضيح الاستدلال بها: أنّ الراوي إنّما سأل عن وجوب الجماعة فارغاً عن مشروعيّتها و لو في الجملة، و قد تضمّن الجواب نفي الوجوب، و أنّ الفرض إنّما هو أصل الصلاة، و أمّا الاجتماع فليس بمفروض في شي‌ء من الصلوات. فقد نفىٰ (عليه السلام) وجوب الجماعة في عامّة الصلوات كما يقتضيه الجمع المحلّى باللام مؤكداً بلفظة «كل».

فإلى هنا لا تدلّ الصحيحة إلّا على مشروعيّة الجماعة في الجملة، كما كان هو المفروض في السؤال على ما عرفت، و لا دلالة لها على المشروعيّة المطلقة لعدم كونها مسوقة إلّا لنفي الوجوب كما عرفت.

ثم ذكر (عليه السلام) بعد ذلك: «و لكنّها سنّة»، و هذه الجملة بملاحظة ما‌

____________

(1) الوسائل 8: 404/ أبواب صلاة الجماعة ب 55 ح 1.

(2) الفقيه 1: 265/ 1213.

(3) الفقيه 4 (المشيخة): 5.

(4) و لكنّه أيضاً مبني على وثاقة رجال الكامل، لأنّ في الطريق علي بن إسماعيل، المنصرف إلى ابن عيسى كما نصّ عليه الأُستاذ (دام ظله) في معجمة 12: 301/ 7946، و لم يوثّق من غير ناحية وقوعه في أسناد كامل الزيارات.

(5) الوسائل 8: 285/ أبواب صلاة الجماعة ب 1 ح 2.

10

..........

____________

سبقتها كالصريحة في الاستحباب المطلق، للزوم توارد النفي و الإثبات على محلّ واحد رعاية لوحدة السياق، فتكون قد تضمّنت إثبات الاستحباب لكلّ مورد نفت الجملة السابقة عليها الوجوب عنه، فإنّ الإثبات إنّما ورد على ما ورد النفي عليه، و قد عرفت أنّ المنفي هو الجميع بمقتضى الجمع المحلّى المؤكّد بكلمة «كل»، فيكون المثبت مثله. فهذه الجملة بمثابة أن يقال: الجماعة سنّة في الصلوات كلّها.

فدلّت الصحيحة بهذا البيان على أنّ الجماعة سنّة في جميع الفرائض و منها القضاء، بمقتضى الإطلاق، فتدلّ على مشروعية الجماعة و استحبابها فيها أيضاً.

و ممّا ذكرنا تعرف إمكان التمسّك بهذا الإطلاق لإثبات المشروعيّة في غير الصلوات اليوميّة من سائر الفرائض كصلاة الآيات، و إن كنّا في غنى عن التمسّك به، لورود الروايات الخاصّة الدالّة على مشروعية الجماعة فيها، و أنّ النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) صلّاها كذلك (1)، مع قيام السيرة القطعية على ذلك المتّصلة بزمن المعصومين (عليهم السلام) كما مرّت الإشارة إليها في محلّها (2).

نعم، لا يمكن التمسّك به في صلاة الأموات، لعدم كونها من حقيقة الصلاة في شي‌ء، و إنّما هي تكبير و تهليل و تسبيح و تحميد، فلا يجري عليها أحكام الصلاة الحقيقية ذات الركوع و السجود، و إن أُطلق عليها لفظ الصلاة على سبيل الاشتراك اللفظي، و لذا لا تعتبر فيها الطهارة لا من الحدث و لا الخبث، و لا غيرها من سائر الأجزاء و الشرائط المعتبرة في الصلاة عدا ما قام الدليل عليه بالخصوص.

و عليه فالدليل المتكفّل لمشروعية الجماعة في الصلاة لا ينهض بإثباتها في‌

____________

(1) الوسائل 7: 485/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 1 ح 10، 492/ ب 7 ح 1 و غيرهما.

(2) شرح العروة 16: 57.

11

و لا سيما في الصبح (1) و العشاءين (2)

____________

مثل هذه الصلاة، لكن المشروعيّة قد ثبتت فيها بالأدلّة الخاصّة على ما سبق في محلّه (1).

و أمّا صلاة الطواف فمقتضى الصناعة الحكم بمشروعيّة الجماعة فيها أخذاً بالإطلاق المزبور، لعدم القصور في شموله لها. لكن الذي يمنعنا عن الأخذ به عدم معهوديّتها فيها عند المتشرّعة، بل المسلمين قاطبة، و لم ينقل عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و لا المعصومين و لا عن أحد من أصحابهم إقامتها جماعة، مع تأكّد استحبابها كما مرّ.

و لو أنّهم أقاموها كذلك و لو مرّة واحدة لنقل إلينا بطبيعة الحال، فيكشف عدم المعهودية عن عدم المشروعيّة، بل قد عرفت عدم الخلاف في ذلك عند عامّة المسلمين، و بذلك ترفع اليد عن الإطلاق المتقدّم و يحكم بتقييده بغير هذه الصلاة.

تأكّد الاستحباب في موارد:

(1) للتعرّض لها بالخصوص في صحيحة عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: صلّى رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) الفجر فأقبل بوجهه على أصحابه فسأل عن أُناس يسمّيهم بأسمائهم فقال: هل حضروا الصلاة؟ فقالوا: لا يا رسول اللّٰه، فقال: أغيّب هم؟ قالوا: لا، فقال: أما أنّه ليس من صلاة أشدّ على المنافقين من هذه الصلاة و العشاء، و لو علموا أيّ فضل فيهما لأتوهما و لو حبواً» (2).

(2) أما العشاء فللتعرّض لها في صحيحة ابن سنان المتقدّمة آنفاً، و أمّا‌

____________

(1) شرح العروة 9: 207.

(2) الوسائل 8: 294/ أبواب صلاة الجماعة ب 3 ح 1.

12

و خصوصاً لجيران المسجد (1)، أو من يسمع النداء (2). و قد ورد في فضلها و ذمّ تاركها من ضروب التأكيدات ما كاد يلحقها بالواجبات.

____________

المغرب فيستدلّ لها برواية أبي بصير: «من صلّى المغرب و العشاء الآخرة و صلاة الغداة في المسجد جماعة فكأنّما أحيا الليل كلّه» (1).

و لكنّها ضعيفة السند بأحمد بن محمد بن يحيى و بعلي بن أبي حمزة البطائني قائد أبي بصير، فلا يمكن الاعتماد عليها. فالأظهر اختصاص التأكّد بما عرفت.

(1) لصحيحة ابن ميمون [عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه] «قال: اشترط رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) على جيران المسجد شهود الصلاة و قال: لينتهينّ أقوام لا يشهدون الصلاة أو لآمرنّ مؤذّناً يؤذّن ثمّ يقيم، ثمّ آمر رجلًا من أهل بيتي و هو عليّ (عليه السلام) فليحرقنّ على أقوام بيوتهم بحزم الحطب لأنّهم لا يأتون الصلاة» (2).

و قد رواها الصدوق بطريقين، في أحدهما ضعف بمحمد بن علي ماجيلويه (3) شيخه، و الطريق الآخر صحيح و إن اشتمل على أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني (4)، لتصريح الصدوق بتوثيقه (5).

(2) لصحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من سمع النداء فلم يجبه من غير علّة فلا صلاة له» (6).

____________

(1) الوسائل 8: 295/ أبواب صلاة الجماعة ب 3 ح 3.

(2) الوسائل 8: 292/ أبواب صلاة الجماعة ب 2 ح 6.

(3) ثواب الأعمال: 276/ 2.

(4) أمالي الصدوق: 573/ 783.

(5) كمال الدين: 369. على أنّها رويت في المحاسن [1: 165/ 241] بطريق خالٍ عن الخدش، بناء على وثاقة رجال الكامل.

(6) الوسائل 8: 291/ أبواب صلاة الجماعة ب 2 ح 1.

13

ففي الصحيح: «الصلاة في جماعة تفضل على صلاة الفذّ أي الفرد بأربع و عشرين درجة» (1).

و في رواية زرارة: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) ما يروي الناس أنّ الصلاة في جماعة أفضل من صلاة الرجل وحده بخمس و عشرين، فقال (عليه السلام): صدقوا، فقلت: الرجلان يكونان جماعة؟ قال (عليه السلام): نعم و يقوم الرجل عن يمين الإمام» (2).

و في رواية محمد بن عمارة قال: «أرسلت إلى الرضا (عليه السلام) أسأله عن الرجل يصلّي المكتوبة وحده في مسجد الكوفة أفضل أو صلاته مع جماعة؟ فقال (عليه السلام): الصلاة في جماعة أفضل» (3) مع أنّه ورد: «أنّ الصلاة في مسجد الكوفة تعدل ألف صلاة» و في بعض الأخبار: «ألفين».

____________

بل قد يظهر من مثل هذه الصحيحة و سابقتها ممّا تضمّن نفي الصلاة عمّن لم يجب من غير علّة، أو الذمّ و الوعيد لمن لم يحضر الجماعة، كراهة الترك من غير عذر، لا سيما مع الاستمرار عليه، ما لم يكن رغبة عن فضلها الضروري أو استحقاراً و استخفافاً بشأنها، و إلّا فلا إشكال في عدم الجواز بهذا العنوان كما أشار إليه في المتن.

نعم، ربما يورد على مضمون الصحيحة السابقة الوارد في غير واحد من الأخبار أيضاً من الإنذار و العقوبة الشديدة على تارك جماعة المسلمين بأنّ ذلك ممّا لا يلائم استحباب الفعل و إن تأكّد أو كراهة الترك، ضرورة أنّ شيئاً منهما لا يستتبع التعذيب، سيما بهذه المثابة و المرتبة الشديدة من إحراق دورهم عليهم، فكيف التوفيق؟

____________

(1) الوسائل 8: 285/ أبواب صلاة الجماعة ب 1 ح 1.

(2) الوسائل 8: 286/ أبواب صلاة الجماعة ب 1 ح 3، ب 4 ح 1.

(3) الوسائل 5: 240/ أبواب أحكام المساجد ب 33 ح 4.

14

بل في خبر «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله): أتاني جبرئيل مع سبعين ألف ملك بعد صلاة الظهر فقال: يا محمد إنّ ربّك يقرئك السلام و أهدى إليك هديّتين لم يهدهما إلى نبيّ قبلك، قلت: ما تلك الهديّتان؟ قال: الوَتر ثلاث ركعات، و الصلاة الخمس في جماعة، قلت: يا جبرئيل ما لأُمّتي في الجماعة؟ قال: يا محمد إذا كانا اثنين كتب اللّٰه لكلّ واحد بكلّ ركعة مائة و خمسين صلاة، و إذا كانوا ثلاثة كتب اللّٰه لكلّ واحد بكل ركعة ستمائة صلاة و إذا كانوا أربعة كتب اللّٰه لكلّ واحد ألفاً و مائتي صلاة، و إذا كانوا خمسة كتب اللّٰه لكلّ واحد بكل ركعة ألفين و أربعمائة صلاة، و إذا كانوا ستّة كتب اللّٰه لكلّ واحد منهم بكلّ ركعة أربعة آلاف و ثمانمائة صلاة، و إذا كانوا سبعة كتب اللّٰه لكلّ واحد منهم بكلّ ركعة تسعة آلاف و ستمائة صلاة، و إذا كانوا ثمانية كتب اللّٰه لكلّ واحد منهم بكلّ ركعة تسعة عشر ألفاً و مائتي صلاة، و إذا كانوا تسعة كتب اللّٰه لكلّ واحد منهم بكلّ ركعة ستة و ثلاثين ألفاً و أربعمائة صلاة و إذا كانوا عشرة كتب اللّٰه لكلّ واحد منهم بكلّ ركعة سبعين ألفاً و ألفين و ثمانمائة صلاة، فإن زادوا على العشرة فلو صارت السماوات كلّها قرطاساً و البحار مداداً و الأشجار أقلاماً و الثقلان مع الملائكة كتّاباً لم يقدروا أن يكتبوا ثواب ركعة، يا محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) تكبيرة يدركها المؤمن مع الإمام خير من ستين ألف حجّة و عمرة، و خير من الدنيا و ما فيها بسبعين ألف مرّة، و ركعة يصلّيها المؤمن مع الإمام خير من مائة ألف دينار يتصدّق بها على المساكين، و سجدة يسجدها المؤمن مع الإمام في جماعة خير من عتق مائة رقبة» (1).

و عن الصادق (عليه السلام): «الصلاة خلف العالم بألف ركعة، و خلف القرشي بمائة» (2).

____________

(1) المستدرك 6: 443/ أبواب صلاة الجماعة ب 1 ح 3.

(2) المستدرك 6: 473/ أبواب صلاة الجماعة ب 23 ح 6.

15

و لا يخفى أنّه إذا تعدّدت جهات الفضل تضاعف الأجر، فإذا كانت في مسجد السوق الذي تكون الصلاة فيه باثنتي عشرة صلاة يتضاعف بمقداره، و إذا كانت في مسجد القبيلة الذي تكون الصلاة فيه بخمسة و عشرين فكذلك، و إذا كانت في المسجد الجامع الذي تكون الصلاة فيه بمائة يتضاعف بقدره، و كذا إذا كانت بمسجد الكوفة الذي بألف، أو كانت عند علي (عليه السلام) الذي فيه بمائتي ألف. و إذا كانت خلف العالم أو السيد فأفضل، و إن كانت خلف العالم السيد فأفضل. و كلّما كان الإمام أوثق و أورع و أفضل فأفضل. و إذا كان المأمومون ذوي فضل فتكون أفضل، و كلّما كان المأمومون أكثر كان الأجر أزيد.

و لا يجوز تركها رغبة عنها، أو استخفافاً بها، ففي الخبر: «لا صلاة لمن لا يصلّي في مسجد إلّا من علّة، و لا غيبة لمن صلّى في بيته و رغب عن جماعتنا و من رغب عن جماعة المسلمين وجب على المسلمين غيبته، و سقطت بينهم عدالته، و وجب هجرانه، و إذا دفع إلى إمام المسلمين أنذره و حذّره، فان حضر جماعة المسلمين و إلّا أُحرق عليه بيته».

و في آخر: «إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) بلغه أنّ قوماً لا يحضرون الصلاة في المسجد، فخطب فقال: إن قوماً لا يحضرون الصلاة معنا في مساجدنا، فلا يؤاكلونا و لا يشاربونا و لا يشاورونا و لا يناكحونا أو يحضروا معنا صلاتنا جماعة، و إنّي لأُوشك أن آمر لهم بنار تشعل في دورهم فأُحرقها عليهم أو ينتهون، قال: فامتنع المسلمون من مؤاكلتهم و مشاربتهم و مناكحتهم حتّى حضروا الجماعة مع المسلمين» (1).

فمقتضى الإيمان عدم الترك من غير عذر، لا سيما مع الاستمرار عليه، فإنّه كما ورد لا يمنع الشيطان من شي‌ء من العبادات منعها. و يعرض عليهم

____________

(1) الوسائل 5: 196/ أبواب أحكام المساجد ب 2 ح 9.

16

الشبهات من جهة العدالة و نحوها حيث لا يمكنهم إنكارها، لأنّ فضلها من ضروريات الدين.

[مسائل]

[مسألة 1: تجب الجماعة في الجمعة و تشترط في صحّتها]

[1868] مسألة 1: تجب الجماعة في الجمعة و تشترط في صحّتها (1)، و كذا العيدين مع اجتماع شرائط الوجوب (2)، و كذا إذا ضاق الوقت [1] عن تعلّم القراءة لمن لا يحسنها مع قدرته على التعلّم،

____________

و الجواب: أنّ الظاهر أنّ التهديد في هذه الأخبار متوجّه إلى المنافقين المبطنين للكفر المظهرين للإسلام، المتمرّدين على أوامر النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)، و لا شكّ في استحقاقهم لهذا النوع من التنبيه، و ليست ناظرة إلى من يصلّي في المسجد فرادى بمرأى من المسلمين و مسمع و إن لم يحضر جماعتهم من غير رغبة عنها و لا استخفاف بشأنها.

و قد ذكرنا في مبحث العدالة (1): أنّ الصلاة هي المائز بين المسلم و الكافر و هي رمز الإسلام، و بذلك تمتاز عن بقيّة الواجبات في عدم الحمل على الصحيح لو شكّ في أنّ المسلم يصلّي في بيته أو لا، مع عدم حضوره مساجد المسلمين، و أنّ جميع أفعال المسلم محمول على الصحّة لو شكّ فيها ما عدا الصلاة، فإنّ من شكّ في إقامته لها يدرج في سلك المنافقين المستوجبين للعقاب بمقتضى هذه النصوص، و تمام الكلام في محلّه.

وجوب الجماعة:

(1) كما مرّ الكلام حول ذلك مستقصى عند البحث عن صلاة الجمعة (2).

(2) على ما سيأتي البحث عنه في محلّه (3).

____________

[1] وجوب الجماعة فيه تكليفي محض على الأظهر.

____________

(1) شرح العروة 1: 225 226.

(2) [لم نعثر عليه فيما تقدّم].

(3) شرح العروة 19: 310.

17

و أمّا إذا كان عاجزاً عنه أصلًا فلا يجب عليه حضور الجماعة و إن كان أحوط (1).

____________

(1) فصّل (قدس سره) بين من كان عاجزاً عن التعلّم أصلًا كما لو كان أعجمياً جديد العهد بالإسلام فلا يجب عليه الائتمام و إن كان أحوط، و بين من كان قادراً عليه فتسامح في التعلّم إلى أن ضاق الوقت، فإنّه تجب عليه الجماعة حينئذ بالوجوب الشرطي على ما هو ظاهر عبارته (قدس سره)، حيث عطف هذه الصورة على الجمعة و العيدين بقوله: و كذا إذا ضاق ...، و قد صرّح فيهما بأنّ الجماعة شرط في الصحّة، و ظاهر العطف المساواة في الحكم.

على أنّه (قدس سره) تعرّض بعد ذلك لحكم نذر الجماعة و ذكر أنّها تجب به، و لكن لو خالف صحّت صلاته. و ظاهر الاستدراك بل صريحه الفرق بين الوجوبين، و أنّه هنا نفسي و فيما قبله شرطي. فمراده (قدس سره) ظاهر لا تردّد فيه.

أقول: أمّا ما ذكره (قدس سره) في الصورة الاولى من عدم الوجوب فحقّ لا محيص عنه كما ستعرف.

و أمّا وجه الاحتياط الذي ذكره حينئذ و إن كان استحبابياً فلعلّه لاحتمال أن يكون الوجوب الضمني المتعلّق بالقراءة تخييرياً بينها و بين الائتمام فانّ الوجوب النفسي المتعلّق بأصل الصلاة لا شكّ أنّه تعييني، و التخيير في تطبيقها على الأفراد الطوليّة الواقعة فيما بين المبدأ و المنتهى و كذا العرضيّة التي منها الصلاة فرادى و جماعة عقليّ محض.

إنّما الكلام في الوجوب الضمني المتعلّق بالقراءة في الركعتين الأُوليين، فإنّه من الجائز أن يكون من سنخ الوجوب التخييري الشرعي المتعلّق بأحد الأمرين من القراءة أو الائتمام، كما هو الحال في الركعتين الأخيرتين بلا إشكال حيث إنّ المصلّي مخيّر فيهما بين القراءة و التسبيح، و كلّ منهما عدل للواجب.

18

..........

____________

فعلى هذا الاحتمال يتعيّن عليه الائتمام عند تعذّر القراءة، كما هو الحال في كلّ واجب تخييري، حيث إنّه يتعيّن أحدهما عند تعذّر الآخر، و ينقلب الوجوب التخييري إلى التعييني بقاء. فرعاية لهذا الاحتمال كان الائتمام أحوط.

لكنّ الاحتمال المزبور ساقط لدى التحقيق، فإنّ الأمر بالقراءة في مثل قوله (عليه السلام): «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» (1) ظاهر بمقتضى الإطلاق في الوجوب التعييني على ما هو الأصل في ظاهر كل أمر، و ليس الائتمام عدلًا لها.

نعم، هذا الوجوب مشروط بأمرين:

أحدهما: القدرة على القراءة، فلا وجوب مع العجز، بل ينتقل حينئذ إلى البدل، و هو الإتيان بما تيسّر من القرآن أو التسبيح كما نطقت به صحيحة ابن سنان (2) المتقدّمة في مبحث القراءة (3).

ثانيهما: عدم الائتمام، فإنّها تسقط معه على ما صرّحت به أخبار باب الجماعة (4). فالائتمام مسقط للوجوب، لا أنّه عدل للواجب التخييري كي يتعيّن عند تعذّره.

و حيث إنّ المفروض في المقام هو العجز عن القراءة فوجوبها ساقط من أصله بمقتضى فقد الشرط الأول من غير حاجة إلى مسقط آخر، فينتقل إلى البدل من التسبيح أو ما تيسّر من القرآن.

و من الواضح أنّ مقتضى الإطلاق في دليل البدليّة عدم الفرق بين صورتي التمكّن من الائتمام و عدمه، بل إنّ مقتضى الإطلاق في صحيح زرارة و الفضيل‌

____________

(1) المستدرك 4: 158/ أبواب القراءة في الصلاة ب 1 ح 5 [و لا يخفى أنّ هذه الرواية مرسلة و لعل المقصود مضمونها و هو صحيحة محمد بن مسلم الواردة في الوسائل 6: 37/ أبواب القراءة في الصلاة ب 1 ح 1].

(2) الوسائل 6: 42/ أبواب القراءة في الصلاة ب 3 ح 1.

(3) شرح العروة 14: 416، 420.

(4) الوسائل 8: 353/ أبواب صلاة الجماعة ب 30، 31.

19

..........

____________

المتقدّم (1) النافي لوجوب الجماعة عن جميع الصلوات عدم وجوبها في المقام أيضاً.

و على الجملة: فعدم وجوب الائتمام في هذه الصورة ظاهر لا سترة عليه و إن كان هو الأحوط رعاية للاحتمال المزبور.

و أمّا الصورة الثانية المذكورة في كلام الماتن أولًا فغاية ما يمكن أن يقال في تقريب الوجوب الشرطي حينئذ: إنّ وجوب القراءة قد تنجّز عند دخول الوقت، لفرض تمكّنه من التعلّم، و بعد أن تسامح و ماطل إلى أن ضاق و طرأ العجز سقط التكليف بالقراءة لا محالة، لامتناع خطاب العاجز.

و لا سبيل للرجوع حينئذ إلى أدلّة البدلية مثل صحيحة ابن سنان و نحوها المتكفّلة للانتقال إلى ما تيسّر من القرآن أو إلى التسبيح لدى العجز عن القراءة، لقصورها عن الشمول لمثل المقام، لأنّ الموضوع فيها من لا يحسن القراءة، الظاهر في العجز الذاتي دون المتمكّن المعجز نفسه، كما هو الحال في غير المقام من سائر أدلّة الأبدال الاضطرارية مثل التيمم و نحوه، فإنّها لا تعمّ التعجيز الاختياري، فلو كان عنده مقدار من الماء فأراقه عامداً، أو كان متطهّراً فأحدث كذلك لم يشمله دليل التيمم، لأنّ موضوعه عدم الوجدان، الظاهر في العجز الطبيعي دون التعجيز العمدي كما لا يخفى.

كما لا مجال للرجوع إلى قاعدة الميسور، فإنّها أيضاً على تقدير تماميتها خاصّة بما إذا كان امتثال الواجب متعسّراً في حدّ ذاته، لا ما إذا أوجد العسر باختياره.

و عليه فمقتضى القاعدة الأوّلية سقوط الواجب رأساً، إذ الأمر المتعلّق بالمركّب يسقط بتعذّر بعض أجزائه بمقتضى فرض الارتباطية الملحوظة بين الأجزاء.

____________

(1) في ص 9.

20

..........

____________

إلّا أنّنا علمنا من الإجماع الضروري و من خصوص صحيحة زرارة الواردة في باب المستحاضة (1) أنّ الصلاة لا تسقط بحال، و هذا حال من الأحوال، فتجب الصلاة حينئذ قطعاً بهذا الدليل لا بأدلّة البدليّة، لما عرفت من قصورها عن الشمول لموارد التعجيز الاختياري.

و من الواضح أنّ هذا الدليل لا يسوّغ الانتقال إلى الصلاة الناقصة الفاقدة للقراءة بعد التمكّن من الإتيان بها كاملة تامة الأجزاء و الشرائط بالائتمام، إذ الاكتفاء بالناقص تفويت للمرتبة الكاملة من غير عذر، فلا يكاد يسقط الواجب المستكشف وجوبه من ذاك الدليل إلا بالائتمام، فهو شرط فيه لا محالة، و لأجله كان الوجوب شرطياً لا نفسياً، هذا غاية ما يمكن أن يقال في تقريب الوجوب الشرطي.

و لكنّه لا يتمّ، بل الظاهر جواز الصلاة فرادى، و إن وجب عليه الائتمام عقلًا دفعاً للعقاب.

أمّا الثاني: فلأنّه بعد أن تنجّز عليه التكليف عند دخول الوقت، و المفروض أنّه عجّز نفسه عن امتثاله على وجهه بسوء اختياره، فقد استحقّ العقاب لو استمر على هذه الحالة، و لكن في وسعه دفع العقاب بتسليم الفرد الكامل من المأمور به لو اختار الائتمام. فيجب عليه ذلك بحكم العقل كما هو ظاهر.

و أمّا الأوّل: فلأنّ مقتضى الإطلاق في صحيحة زرارة و الفضيل المتقدّمة النافية لوجوب الجماعة و أنّها غير معتبرة في شي‌ء من الصلوات عدم اعتبارها في المقام أيضاً، فلا يلزم الائتمام هنا بمقتضى الإطلاق المزبور.

و حينئذ يدور الأمر بين سقوط الصلاة رأساً و بين وجوبها فرادى، و حيث لا يمكن المصير إلى الأوّل لما عرفت من الإجماع و النصّ الدالّين على عدم سقوط الصلاة بحال تعيّن الثاني.

____________

(1) الوسائل 2: 373/ أبواب الاستحاضة ب 1 ح 5.

21

و قد تجب بالنذر و العهد و اليمين، و لكن لو خالف صحّت الصلاة و إن كان متعمّداً (1).

____________

فجواز الاقتصار على الصلاة فرادى و صحّتها هو مقتضى التحفّظ على دليلين و الجمع بينهما، أحدهما: ما دلّ على عدم سقوط الصلاة بحال، و الثاني: إطلاق صحيحة فضيل النافية لوجوب الجماعة عن كافّة الصلوات. و نتيجتهما بعد ضمّ أحدهما إلى الآخر هي صحّة الصلاة فرادى، سواء تمكّن من الائتمام أم لا.

(1) أمّا أصل انعقاد النذر فلا شبهة فيه بعد رجحان متعلّقه الناشئ من أفضلية الجماعة عن غيرها، فيشمله عموم أدلّة الوفاء به.

و كذا الحال في العهد و اليمين و الشرط في ضمن العقد و نحوها ممّا يقتضي الوجوب بالعنوان الثانوي، لعموم أدلّتها، و لو خالف النذر و نحوه عامداً فعليه الكفّارة كما ستعرف (1).

و إنّما الكلام في أنّ هذا الوجوب هل هو تكليفيّ محض فلا يترتّب على مخالفته إلّا الإثم و الكفّارة، أو أنّه وضعيّ و الائتمام شرط في الصحّة، فلو خالف و صلّى فرادى بطلت صلاته؟

تقدّم الكلام في نظائر المقام في غير مورد من المباحث السابقة كنذر إيقاع الفرائض في المسجد (2) و نحو ذلك و قلنا: إنّ الأظهر عدم البطلان لو خالف لعدم الدليل عليه، بل لا مقتضي له إلّا بناءً على اقتضاء الأمر بالشي‌ء للنهي عمّا لا يجتمع معه في الوجود، و المحقّق في محلّه خلافه (3).

و من الواضح: أنّ الأمر المتعلّق بالجماعة الناشئ من قبل النذر لا يستوجب‌

____________

(1) في ص 23.

(2) [لم نعثر عليه].

(3) محاضرات في أُصول الفقه 3: 8 و ما بعدها.

22

..........

____________

تقييد الإطلاق في الأمر الأوّل المتعلّق بطبيعي الصلاة الجامع بينها و بين الفرادى كي ينحصر امتثاله في الجماعة و تكون شرطاً في الصحّة، إذ لا تنافي بينهما ليلتزم بالتقييد بعد اختلاف المتعلّقين.

فإنّ الأمر الأوّل قد تعلّق بطبيعي الصلاة المرخّص في تطبيقها على أيّ فرد شاء بمقتضى الإطلاق، و الثاني تعلّق بإيقاعها في ضمن هذا الفرد بملاك الوفاء بالنذر. فهناك مطلوبان قائمان بعملين مستتبعان لأمرين لا مضادّة بينهما ليرتكب التقييد بعد أن كان المقام من قبيل تعدّد المطلوب لا وحدته، و إنّما يجب ارتكابه لو كان مفاد الأمر الثاني المنع عن تطبيق الطبيعة على الفرد الآخر، و قد عرفت أنّ الأمر بالشي‌ء لا يقتضي النهي عن ضدّه.

و مع الغضّ و تسليم التنافي الموجب لسقوط الإطلاق فغايته الالتزام بثبوته على سبيل الترتّب، بأن يؤمر أوّلًا بالصلاة جماعة، و على تقدير العصيان فهو مرخّص في تطبيق الطبيعة على أيّ فرد شاء، بل قد ذكرنا في محلّه جريان الترتّب في الأمرين (1) فما ظنّك في الأمر مع الترخيص.

فالمقام نظير المثال المعروف من الصلاة في سعة الوقت المقترنة بالإزالة فكما التزمنا هناك بعدم التنافي بين الأمر بها و بين إطلاق الأمر بالصلاة، و على تقدير التنافي يثبت الإطلاق بالخطاب الترتّبي، فكذا في المقام حرفاً بحرف.

نعم، إنّما يجب التقييد في المقام لو كان النذر متعلّقاً بترك الصلاة فرادى لتحقّق المنافاة حينئذ، لأجل امتناع الجمع بين التحفّظ على الإطلاق في الأمر المتعلّق بطبيعي الصلاة و بين المنع عن تطبيقه على هذا الفرد الناشئ من قبل النذر، فلا مناص من الالتزام بالتضييق في دائرة المأمور به و تخصيصها بغير هذا الفرد، و من هنا قلنا بأنّ النهي عن العبادة يقتضي الفساد.

لكن الشأن في صحّة مثل هذا النذر و انعقاده، بل الأقوى فساده، لاعتبار الرجحان في متعلّقه، و لا رجحان في ترك الصلاة فرادى. و مجرّد وجود‌

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 3: 94، 102 و ما بعدها.

23

و وجبت حينئذ عليه الكفارة (1).

____________

الأرجح و هي الصلاة جماعة لا يستوجب الرجحان في الترك.

فهو نظير ما لو نذر ترك زيارة مسلم (عليه السلام) ليلة عرفة، حيث لا ينبغي الإشكال في عدم انعقاده، لعدم الرجحان في هذا الترك، و إن كانت زيارة الحسين (عليه السلام) في تلك الليلة أفضل.

و على الجملة: فالصلاة فرادى كالجماعة عبادة راجحة في حدّ ذاتها، و كذا زيارة مسلم (عليه السلام)، فلا رجحان في تركها لينعقد النذر و إن كان غيرها أفضل.

فتحصّل: أنّ نذر الجماعة لا يستدعي بطلان الصلاة فرادى، و إن كان آثماً في مخالفة النذر. فالوجوب تكليفيّ محض، و لا يوجب التقييد في متعلّق الأمر كي يقتضي الاشتراط و يستتبع الفساد، بل قد ذكرنا في بحث المكاسب (1): أنّ مثل هذا النذر لا يستتبع الحقّ و لا يستوجب المنع عن سائر التصرفات.

فلو نذر التصدّق بالشاة المعيّنة فخالف و باعها صحّ البيع و إن أثم، لعدم خروجها بالنذر عن ملكه، إذ مفاد قوله: للّٰه عليّ كذا ...، جعل إلزام و حكم تكليفي من قبل اللّٰه تعالى على ذمّته، على حدّ قوله تعالى وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ (2) من غير فرق بينهما إلّا في أنّ الثاني مجعول من قبله تعالى ابتداء و الأوّل بتسبيب منه و بتوسيط النذر، و ليس مفاده سلب سلطنته عن المال، فقد باع ما يملكه، فيشمله عموم حلّ البيع.

(1) ثبوت الكفّارة حينئذ و عدمه يبتني على القول بصحّة الصلاة فرادى و فسادها، فبناء على الصحّة كما هو الأقوى على ما مرّ تجب، لعدم التمكّن من الوفاء بالنذر بعدئذ، فقد تحقّق الحنث بهذا العمل المؤدّي إلى مخالفة النذر‌

____________

(1) مصباح الفقاهة 4: 182.

(2) آل عمران 3: 97.

24

و الظاهر وجوبها أيضاً إذا كان ترك الوسواس موقوفاً عليها [1] (1).

____________

عامداً فتتبعه الكفارة.

و أمّا على القول بالبطلان من أجل اقتضاء الأمر بالشي‌ء للنهي عن ضدّه كما سبق فلا تجب، لا لبطلان الفرادى و أنّ الكفارة لا تترتّب على الصلاة الفاسدة، بل لعدم المقتضي لها رأساً، لعدم تحقّق موضوعها و هو الحنث، لتمكّنه بعدُ من الوفاء بالنذر و الإتيان بصلاة الجماعة، فإنّ الصلاة الباطلة في حكم العدم و كأنّها لم تكن، ففي وسعه أن يفي بنذره، و لا زال المحلّ قابلًا له. فإن وفىٰ بعدئذ و صلّى جماعة قبل خروج الوقت فلا كلام، و إلّا تحقّق الحنث لاحقاً من أجل ترك الجماعة المنذورة، لا سابقاً من أجل الإتيان بالصلاة فرادى.

(1) هذا إنّما يتمّ بناء على حرمة الوسواس، فيجب الائتمام حذراً عن الحرام لكنّها لم تثبت.

فإنّ عمدة ما يستدلّ به لذلك صحيحة عبد اللّٰه بن سنان قال: «ذكرت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) رجلًا مبتلى بالوضوء و الصلاة و قلت: هو رجل عاقل فقال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): و أيّ عقل له و هو يطيع الشيطان؟ فقلت له: و كيف يطيع الشيطان؟ فقال: سله هذا الذي يأتيه من أيّ شي‌ء هو، فإنّه يقول لك: من عمل الشيطان» (1).

و هي كما ترى لا دلالة لها على الحرمة بوجه، إذ ليس كلّ ما يتأتّى من قبل الشيطان و يكون من عمله حراماً، فإنّ أصل السهو من الشيطان على ما صرّح به في بعض النصوص (2)، و لا حرمة فيه قطعاً، فليست متابعته محرّمة في كلّ شي‌ء.

____________

[1] و كان الوسواس موجباً لبطلان الصلاة.

____________

(1) الوسائل 1: 63/ أبواب مقدّمة العبادات ب 10 ح 1.

(2) الوسائل 8: 227/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 16 ح 1.

25

و كذا إذا ضاق الوقت عن إدراك الركعة بأن كان هناك إمام في حال الركوع (1) بل و كذا إذا كان بطيئاً في القراءة في ضيق الوقت (2)،

____________

و التعبير الذي تضمّنته الصحيحة للرجل الوسواسي ليس لأجل إطاعته الشيطان فيما يحرم، بل فيما يؤذيه، فإنّه لا يزال في قلق و اضطراب و تشويش و انقلاب، و كلّ فكره معطوف نحو امتثال العمل، و يتحمّل أنواع المتاعب في سبيل إحراز الإتيان بالأجزاء و الشرائط على وجهها، فيوجب ذلك بطبيعة الحال تشتّت البال و عدم حضور القلب الذي هو روح العبادة.

و من ابتلي بهذا المرض الخبيث يدرك مدى تأذّي الوسواسي من حالته السيئة، و كلّ ذلك ينشأ من متابعته للشيطان في إيذائه و تسويلاته و تشكيكاته الكاشفة عن خفّة عقله، لا عن ضعف دينه كي يحرم، و لذا وصفه الإمام (عليه السلام) بأنّه لا عقل له لا أنّه لا دين له. و لو سألت الوسواسي المعترف بأنّ وسوسته من عمل الشيطان كما في الصحيح أنّه هل يرتكب الحرام لأنكره أشدّ الإنكار، و إلّا كان فاسقاً متجاهراً.

و على الجملة: فلم يظهر من الصحيحة تحريم الوسواس بما هو و في حدّ نفسه كي يستوجب بطلان العمل.

نعم، ربما يبلغ حدّا يستلزم البطلان من ناحية أُخرى، كما لو كرّر الكلمة أو الآية مرّات كثيرة جدّاً، بحيث خرجت عن هيئتها، مثل ما لو كرّر الألف و اللام في (الحمد للّٰه) عشرين مرّة، فإنّه من كلام الآدمي، و ليس من القرآن في شي‌ء، فيوجب البطلان من حيث الزيادة أو النقصان، فيجب عليه الائتمام حينئذ لو لم يتمكّن من تركه، لتوقّف امتثال الواجب عليه.

(1) لتوقّف الخروج عن عهدة فريضة الوقت على الائتمام، و انحصار الامتثال فيه، فيتعيّن بطبيعة الحال.

(2) لعين ما ذكر. و لا مجال هنا لتصحيحها بقاعدة من أدرك ... لاختصاصها بمن لم يدرك بحسب طبعه لا بتعجيز نفسه اختياراً، و بما أنّه‌

26

بل لا يبعد وجوبها بأمر أحد الوالدين [1] (1).

[مسألة 2: لا تشرع الجماعة في شي‌ء من النوافل الأصليّة]

[1869] مسألة 2: لا تشرع الجماعة في شي‌ء من النوافل الأصليّة (2)

____________

متمكّن من إدراك تمام الوقت بالاقتداء فتركه تعجيز اختياري يمنع عن شمول الحديث له، فينحصر امتثال الأمر بالصلاة فيه، و لأجله يتعيّن.

(1) بناء على وجوب إطاعتهما مطلقاً، على حدّ إطاعة العبد لسيّده. و لكنّه لم يثبت، لعدم الدليل عليه، و إنّما الثابت بمقتضى الآية المباركة (1) و غيرها وجوب حسن المعاشرة و أن يصاحبهما بالمعروف، فلا يؤذيهما و لا يكون عاقّاً لهما. و أمّا فيما لا يرجع إلى ذلك فوجوب الإطاعة بعنوانها بحيث لو أمراه بطلاق الزوجة أو الخروج عن المال وجب الامتثال فلم يقم عليه أيّ دليل.

نعم، ورد في بعض الأخبار، أنّه «إن أمراك أن تخرج من أهلك و مالك فافعل، فانّ ذلك من الإيمان» (2).

لكنّه حكم أخلاقي استحبابي قطعاً كما يومئ إليه ذيل الخبر، كيف و قد كان يتّفق النزاع بين الوالد و الولد في الأموال فكان يقضي بينهما النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) كما تضمّنه بعض النصوص (3).

(2) على المشهور، بل عن بعض دعوى الإجماع عليه. و نسب الجواز إلى بعض.

و مال إليه في المدارك (4) قائلًا: إنّ ما يمكن أن يستدلّ به على المنع روايتان:

الأُولى: رواية محمد بن سليمان حاكياً عن عبد اللّٰه بن سنان و سماعة عن الصادق (عليه السلام)، و عن إسحاق بن عمّار عن الكاظم (عليه السلام)، و هو‌

____________

[1] وجوب إطاعتهما فيما لا يرجع الى حسن المعاشرة محلّ إشكال.

____________

(1) لقمان: 31: 15.

(2) الوسائل 21: 489/ أبواب أحكام الأولاد ب 92 ح 4.

(3) الوسائل 11: 91/ أبواب وجوب الحج و شرائطه ب 36 ح 1.

(4) المدارك 4: 314.

27

..........

____________

بنفسه عن الرضا (عليه السلام) «أنّ النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) قال في نافلة شهر رمضان: أيّها الناس إنّ هذه الصلاة نافلة، و لن يجتمع للنافلة، فليصلّ كلّ رجل منكم وحده، و ليقل ما علّمه اللّٰه من كتابه، و اعلموا أن لا جماعة في نافلة» (1).

الثانية: صحيحة زرارة و محمد بن مسلم و الفضيل: «أنّهم سألوا أبا جعفر الباقر و أبا عبد اللّٰه الصادق (عليهما السلام) عن الصلاة في شهر رمضان نافلة بالليل في جماعة، فقالا: إنّ رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) كان إذا صلّى ... إلى أن قال قال (صلى اللّٰه عليه و آله): أيّها الناس إنّ الصلاة بالليل في شهر رمضان من النافلة في جماعة بدعة ...» (2).

و قد ناقش (قدس سره) في كلتا الروايتين:

أمّا الاولى: فبقصورها سنداً بمحمّد بن سليمان الديلمي و غيره، و إن كانت الدلالة تامّة، لتضمّنها المنع عن الجماعة في مطلق النوافل، و كان ذكر نوافل شهر رمضان من باب التطبيق على الصغرى كما هو ظاهر.

و أمّا الثانية: فبقصورها دلالة، لاختصاص المنع فيها بنوافل شهر رمضان دون مطلق النوافل، فهي إذن أخصّ من المدعي.

أقول: لا يبعد دعوى الإطلاق في الثانية أيضاً، و أن يكون ذكر نوافل شهر رمضان فيها من باب تطبيق الكبرى على الصغرى كما هو الحال في الأُولى و إن لم يكن الأمر في هذه بذلك الظهور. فلا قصور في دلالتها.

و مع الغضّ عن ذلك، فيكفينا لإثبات الإطلاق حسنة سليم بن قيس الهلالي قال: «خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) فحمد اللّٰه و أثنى عليه، إلى أن قال: و اللّٰه لقد أمرت الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلّا في فريضة و أعلمتهم أنّ اجتماعهم في النوافل بدعة ...» (3).

____________

(1) الوسائل 8: 32/ أبواب نافلة شهر رمضان ب 7 ح 6.

(2) الوسائل 8: 45/ أبواب نافلة شهر رمضان ب 10 ح 1.

(3) الوسائل 8: 46/ أبواب نافلة شهر رمضان ب 10 ح 4.

28

..........

____________

فانّ سليم بن قيس و إن لم يوثّق صريحاً، لكنّه من جملة خواصّ أمير المؤمنين (عليه السلام)، و قد ورد في حقّه الكثير من المدح. فالرواية معتبرة سنداً (1) و تامّة أيضاً دلالة.

على أنّها مؤيّدة بروايات أُخر لا تخلو أسانيدها من الخدش و الإشكال (2) هذا.

مضافاً إلى قيام سيرة المتشرّعة المتّصلة بزمن المعصومين (عليهم السلام) على المنع مطلقاً، حيث لم يعهد من أحد منهم إقامة الجماعة في شي‌ء من النوافل على الإطلاق، عدا ما استثني كما ستعرف.

ثمّ إنّه (قدس سره) بعد مناقشته في الروايات المانعة بما مرّ استدلّ للجواز بجملة من الأخبار:

منها: صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: صلّ بأهلك في رمضان الفريضة و النافلة، فإنّي أفعله» (3). بدعوى أنّ ظاهرها الصلاة مع الأهل جماعة، فقد دلّت على الجواز في مطلق النوافل كالفرائض.

و يتوجّه عليه: أنّ ظاهر الرواية مطروح جزماً، لأنّ موردها نوافل شهر رمضان، و لا شكّ في عدم مشروعية الجماعة فيها حتّى باعترافه (قدس سره) للنصوص المتقدّمة و غيرها المانعة عن ذلك. فلا مناص من ارتكاب التأويل بحمل الباء في قوله (عليه السلام): «بأهلك» على معنى (عند) و صرفها عن‌

____________

(1) الراوي عن سليم في هذه الرواية هو إبراهيم بن عثمان، أي أبو أيّوب الخزاز، الذي هو من أصحاب الصادق و الكاظم (عليهما السلام) و في روايته عن سليم الذي هو من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) و إن أدرك الباقر (عليه السلام) إشكال كما صرّح (دام ظلّه) به في معجم رجال الحديث 1: 233/ 208.

(2) منها ما في الوسائل 8: 335/ أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 5، 6.

(3) [سقطت هذه الصحيحة الواردة في الوسائل/ أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 13 من الطبعة الجديدة للوسائل].

29

..........

____________

ظاهرها و هو كونها بمعنى (مع) الظاهر في الجماعة، فيكون المراد بها: صلّ عند أهلك و في دارك لا في المسجد. لكونهم صائمين في شهر رمضان و بانتظار حلول وقت الإفطار، فكان الأولى حينئذ الصلاة عندهم نافلة و فريضة، دفعاً للانتظار و حذراً من التأخير.

و إن أبيت عن ذلك فلا محيص من طرحها و ردّ علمها إلى أهله، لمنافاة ظاهرها مع النصوص الكثيرة المتقدّمة، مع عدم التكافؤ بينهما، لكثرة تلك و عدم العمل بمضمون هذه الرواية أيضاً كما عرفت.

و منها: ثلاث صحاح وردت في خصوص النساء، و هي:

صحيحة هشام بن سالم «أنه سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المرأة هل تؤمّ النساء؟ قال: تؤمّهن في النافلة، فأمّا في المكتوبة فلا، و لا تتقدمهنّ، و لكن تقوم وسطهنّ» (1).

و صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: تؤمّ المرأة النساء في الصلاة، و تقوم وسطاً بينهنّ، و يقمن عن يمينها و شمالها، تؤمّهنّ في النافلة و لا تؤمّهنّ في المكتوبة» (2).

و صحيحة سليمان بن خالد قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المرأة تؤمّ النساء، فقال: إذا كنّ جميعاً أمّتهن في النافلة، فأمّا المكتوبة فلا و لا تتقدّمهنّ و لكن تقوم وسطاً منهنّ» (3).

و تتميم الاستدلال بالنصوص يتوقّف على دعوى المستدلّ القطع بعدم الفرق في الحكم المذكور بين المرأة و الرجل، لعدم القول بالفصل بينهما من أحد، كما هو كذلك جزماً، إذ لا قائل بالتفكيك بينهما جوازاً و منعاً، فهما متلازمان في هذا الحكم قطعاً.

و الجواب: أنّ هذه النصوص و إن دلّت على الجواز في النساء بالدلالة‌

____________

(1) الوسائل 8: 333/ أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 1.

(2) الوسائل 8: 336/ أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 9، 12.

(3) الوسائل 8: 336/ أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 9، 12.

30

..........

____________

المطابقية، لكنّها تدلّ عليه في الرجال أيضاً بالدلالة الالتزامية، للقطع بعدم القول بالفصل كما عرفت، كما أنّ النصوص السابقة المانعة كانت على العكس من ذلك، فإنّها دلّت على المنع في الرجال بالمطابقة يعني كان القدر المتيقّن به من موردها الرجال و في النساء بالالتزام، لما عرفت من عدم القول بالفصل بينهما في ذلك.

و عليه فتقع المعارضة بين الطائفتين، لتعارض المدلول المطابقي لكلّ منهما مع المدلول الالتزامي للآخر، و بما أنّ الترجيح مع الطائفة المانعة، لشهرتها بين الأصحاب (قدس سرهم) و لمخالفتها مع العامّة، فلذلك تحمل المجوّزة على التقيّة، فلا يعتمد عليها.

و قد أجاب المحقّق الهمداني (قدس سره) (1) عن الاستدلال بالنصوص المجوّزة بوجه آخر، و هو أنّها لا تدلّ إلا على مشروعية الجماعة في النافلة في الجملة، لعدم ورودها في مقام البيان من هذه الجهة حتّى ينعقد لها الإطلاق و إنّما وردت لبيان حكم آخر، و هو جواز إمامة النساء، فيكفي في الصحّة مشروعيتها و لو في بعض النوافل على سبيل الموجبة الجزئية كما في صلاة الاستسقاء و يوم الغدير.

ثم قال (قدس سره): و إرادة هذا البعض منها بالخصوص الذي يندر الابتلاء به و إن كان بعيداً في حدّ ذاته في الغاية، لكن ممّا يقرّب احتماله كون المقام مورد التقيّة، حيث يناسب ذلك التورية، فلا بأس به في مقام الجمع حذراً من الطرح.

أقول: ما أفاده (قدس سره) من الورود لبيان حكم آخر المانع من انعقاد الإطلاق للرواية و إن كان وجيهاً في بعض تلكم النصوص، إلّا أنّه ممّا لا يتمّ في الكلّ، و لا سيما في صحيحة الحلبي غير المسبوقة بالسؤال، فإنّ الإمام (عليه السلام) قد حكم فيها ابتداءً بمشروعية إمامتها لهنّ في النافلة، فتكون مسوقة‌

____________

(1) مصباح الفقيه (الصلاة): 625 السطر 35.

31

و إن وجبت بالعارض بنذر و نحوه (1).

____________

لبيان هذا الحكم، و هو مشروعية الجماعة في النافلة. فلا قصور في إطلاقها كما لا يخفى. و الصحيح في الجواب عنها هو ما عرفت.

فقد تحصّل: عدم مشروعية الجماعة في شي‌ء من النوافل الأصلية عدا ما استثني ممّا ستعرف، للروايات المانعة السليمة عن المعارض، مضافاً إلى قيام السيرة على المنع كما عرفت.

(1) قد يفرض تعلّق النذر و نحوه بإتيان النافلة جماعة، و قد يفرض تعلّقه بذات النافلة لكنّه في مقام الوفاء به يأتي بالمنذور جماعة، و هذا هو مفروض كلام الماتن (قدس سره) دون الأوّل كما هو ظاهر.

أمّا الفرض الأوّل: فلا إشكال في عدم انعقاد النذر، لعدم كون متعلّقه مشروعاً، و لا نذر إلّا في أمر سائغ.

و قد يتخيّل المنافاة بينه و بين ما سبق في محلّه (1) و قد تسالم عليه الأصحاب أيضاً من صحّة نذر التطوّع في وقت الفريضة، فإنّ التطوّع حينئذ كالجماعة في النافلة لم يكن مشروعاً في نفسه، فكيف صحّ تعلّق النذر بالأوّل دون الثاني مع اتّحاد ملاك المنع فيهما.

و لكنّه تخيّل فاسد، للفرق الظاهر بين المقامين، فانّ الممنوع منه هناك عنوان التطوّع، أي الإتيان بالصلاة طوعاً و رغبة من غير إلزام شرعي به. و من الواضح أنّ النذر غير متعلّق بهذا العنوان، بل يستحيل تعلّقه بذلك، لامتناع الوفاء به خارجاً، فإنّه بعد النذر يكون الإتيان به عن ملزم شرعي لا محالة و ليس هو من التطوّع في شي‌ء.

و إنّما تعلّق بذات النافلة، و هي عبادة راجحة، فإنّ الصلاة خير موضوع و من الضروري أنّه بعد انعقاد النذر تخرج النافلة عن عنوان التطوّع تكويناً‌

____________

(1) شرح العروة 11: 347.

32

..........

____________

حيث يلزم الإتيان بها حينئذ شرعاً وفاءً بالنذر كما عرفت، فلا يشمله دليل المنع عن التطوّع في وقت الفريضة، لانتفاء الموضوع.

و هذا بخلاف المقام، لكون متعلّق النذر فيه هو النافلة جماعة حسب الفرض، و هو بنفسه ممنوع منه شرعاً، فلا ينعقد نذره، إذ لا نذر إلّا في أمر مشروع سائغ.

و أمّا الفرض الثاني: فهل الأمر فيه كالأوّل، فلا يجوز الإتيان بالنافلة المنذورة جماعة، أو يجوز قياساً على نذر التطوّع في وقت الفريضة؟ الظاهر هو الأوّل، بل لا ينبغي الإشكال فيه، ضرورة أن تقسيم الصلاة إلى الفرض و النفل ناظر إلى تقسيم ذات الصلاة، و لا يتغيّر هذا العنوان باختلاف الوجوب و الاستحباب.

فانّ معنى الفريضة ما فرضه اللّٰه في حدّ ذاته، و معنى النافلة ما زاد على ما افترضه اللّٰه تعالى بالجعل الأوّلي، و ليس الوجوب أو الاستحباب معتبراً في التعنون بالعنوان المذكور.

فلو فرض طروء عنوان ثانوي على النافلة أوجب اتّصافها بالوجوب كالنذر أو الشرط ضمن العقد اللازم و نحو ذلك لم يوجب ذلك تغيّر النافلة عمّا كان لها من العنوان من قبل، و لم تنقلب به حقيقتها، غايته أنّها في الحال نافلة واجبة، فتكون بعد النذر باقية بحالها الأول قبله، و متّصفة بذلك العنوان السابق، و محكوماً عليها أيضاً بالحكم السابق، و منه عدم مشروعية الجماعة فيها.

و من الظاهر تعلّق النذر بخصوص الحصّة المشروعة من الطبيعة، فلا يتمّ الوفاء به بالإتيان بالحصّة غير المشروعة منه و هي النافلة جماعة، فلذلك لم تشرع الجماعة في النافلة مطلقاً حتّى المنذورة منها.

و هذا بخلاف التطوع، فانّ حقيقته متقوّمة بعدم الإلزام الشرعي و كون العمل ممّا يؤتى به طوعاً و رغبة كما عرفت، و واضح عدم بقاء هذه الحقيقة بعد‌

33

حتّى صلاة الغدير على الأقوى (1)

____________

تعلّق النذر تكويناً، فلا موضوع للتطوّع بعد النذر كي يشمله دليل المنع، و قد عرفت آنفاً أنّ موضوع النذر إنّما هي ذات النافلة لا بعنوان التطوّع. فالفرق بين المقامين كاد يبلغ بعد المشرقين.

(1) كما عن غير واحد. و حكي عن جملة من الأصحاب (قدس سرهم) القول بالجواز، بل نسب ذلك إلى المشهور، و إن ناقش صاحب الجواهر (قدس سره) (1) في صدق النسبة، فإنّ أكثر من تعرّض لهذه الصلاة و أحكامها لم يتعرّض للحكم المذكور. و كيف كان، فلا بد من النظر في الدليل.

و قد يستدلّ للجواز بوجوه:

أحدها: ما عن المدارك من أنّ الجواز مطابق للقاعدة من دون حاجة إلى ورود نصّ بالخصوص عليه (2)، بناء على ما سلكه (قدس سره) من مشروعيّة الجماعة في مطلق النوافل، فإنّه بعد بنائه على ذلك قال ما لفظه: و من هذا يظهر أنّ ما ذهب إليه بعض الأصحاب من استحباب الجماعة في صلاة الغدير جيّد و إن لم يرد فيها نصّ على الخصوص.

و يتوجّه عليه ما عرفت من فساد المبنى، و معه لا مجال للتفريع.

ثانيها: أنّ يوم الغدير يوم عيد، بل هو من أعظم الأعياد، فيكفي في مشروعية الجماعة في صلاته ما دلّ على مشروعيتها في صلاة العيدين.

و يتوجّه عليه أنّ الصغرى و إن كانت مسلّمة، لكنّه لا دليل على مشروعية الجماعة في كلّ عيد، و إنّما الثابت ذلك في خصوص عيدي الفطر و الأضحى. فلا وجه للتعدّي عنهما.

ثالثها: ما حكي عن أبي الصلاح من نسبته إلى الرواية مرسلًا (3)، و كذا ما‌

____________

(1) الجواهر 13: 144.

(2) المدارك 4: 316.

(3) الكافي في الفقه: 160.

34

..........

____________

عن المفيد في المقنعة (1) من حكاية فعل النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) يوم الغدير و من جملته: «أنّه (صلى اللّٰه عليه و آله) أمر بأن ينادى بالصلاة جامعة فاجتمعوا و صلّوا ركعتين، ثمّ رقى (صلى اللّٰه عليه و آله) المنبر ...».

و يتوجّه عليه: أنّ كلتا الروايتين مرسلة، و لا نعتمد المراسيل، و لم يثبت عمل الأصحاب (قدس سرهم) بهما لتصحّ دعوى الانجبار لو سلّمت الدعوى كبروياً. مع أنّ أمره (صلى اللّٰه عليه و آله) بالنداء للصلاة جامعة أعم من إقامتها جماعة، فلعلّهم صلّوا جميعاً لكن بانفراد، و إن كان هذا خلاف الظاهر. و كيف كان، فهذه الوجوه كلّها ساقط.

رابعها: و هو العمدة التمسّك بقاعدة التسامح في أدلّة السنن المستفادة من أخبار من بلغ، فإنّها تجبر ضعف سند المرسلتين، فيتمّ الاستدلال بهما للمدّعى.

قلت: إذا بنينا كما هو الصحيح تبعاً لصاحب الجواهر (قدس سره) (2) على أنّ الظاهر من الأخبار المذكورة أو منصرفها هو بلوغ الثواب فقط، دون ما إذا انضمّ إليه بلوغ عدم الثواب أيضاً، و لا سيما إذا كان دليل العدم معتبراً كانصرافها قطعاً عمّا إذا كان قد بلغ كلّ من الثواب و العقاب معاً، فعلى هذا لا مجال للاستناد إلى القاعدة في المقام، فإنّه كما بلغ الثواب على ذلك بمقتضى المرسلتين فقد بلغ عدمه أيضاً بموجب النصوص المعتبرة النافية لمشروعية الجماعة في النافلة مطلقاً كما سبق.

و أمّا إذا بنينا على التعميم كما اختاره المحقّق الهمداني (قدس سره) مدّعياً اختصاص مورد الانصراف بما إذا بلغ العقاب ذاتاً، لا بعنوان التشريع و البدعة كما في المقام (3).

فان قلنا بأنّ المستفاد من الأخبار المذكورة حجّية الخبر الضعيف‌

____________

(1) المقنعة: 203.

(2) الجواهر 13: 144.

(3) مصباح الفقيه (الصلاة): 626 السطر 4.

35

..........

____________

و تخصيص الشرائط المعتبرة في حجّيته بما تضمّن الحكم الإلزامي فقط، استناداً إلى أنّ الظاهر من قوله (عليه السلام) فيها: «فعمل به كان له أجر ذلك ...» (1) ترتّب الأجر على نفس العمل بعنوان كونه عملًا، الكاشف ذلك عن استحبابه ذاتاً، الملازم لحجيّة الخبر الضعيف حينئذ على حدّ حجّية الصحيح منه فلا مناص إذن من ارتكاب التقييد في أدلّة النفي بما دلّ من المرسل على مشروعيتها في خصوص صلاة الغدير، بعد فرضها بحكم الصحيح لما عرفت.

و إن قلنا: إنّ مفادها إنّما هو استحباب العمل بالعنوان الثانوي الطاري، أي بعنوان بلوغ الثواب عليه، لظهورها في ترتّب الأجر على العمل بالعنوان المذكور، دون عنوانه الأوّلي أعني ذات العمل لتدلّ على إسقاط شرائط الحجّية في باب المستحبّات، فلا يجري حينئذ تخصيص بالعنوان الذاتي في إطلاق أدلّة النفي كما في الفرض السابق.

و إنّما يجري فيها التخصيص بالعنوان الثانوي، حيث إنّه بعد ورود المرسلة يثبت استحباب الجماعة في صلاة الغدير بعنوان كونها ممّا بلغ الثواب عليه، فلا محالة يكون التخصيص الوارد على الإطلاقات النافية للمشروعية بالعنوان الثانوي، لا بالعنوان الأولي. فتكون النتيجة هو جواز الجماعة في صلاة الغدير.

و أمّا إذا رفضنا كلا الرأيين و بنينا كما هو الصحيح على أنّ مفادها هو الإرشاد إلى ما حكم به العقل من حسن الانقياد، و أنّها تنبئ عن تفضّله سبحانه و تعالى بإعطاء الثواب الذي بلغ و إن لم يكن الأمر كما بلغ، من دون إشعار فيها باستحباب العمل بالعنوان الثانوي، و لا بإلغاء شرائط الحجّية في الخبر حتّى يدلّ على الاستحباب الذاتي، فليس هناك أمر في البين متعلّق بالعمل بعنوانه الأوّلي و لا بعنوانه الثانوي، و حينئذ فلا موجب للتخصيص بعد عدم ثبوت استحباب الجماعة في صلاة الغدير، و لذلك لا يجوز الإتيان بها‌

____________

(1) الوسائل 1: 80/ أبواب مقدمة العبادات ب 18 ح 1.

36

إلّا في صلاة الاستسقاء (1) نعم لا بأس بها فيما صار نفلًا بالعارض كصلاة العيدين (2) مع عدم اجتماع شرائط الوجوب،

____________

كذلك إلّا رجاء، فإنّ الحرمة حينئذ تشريعية، لا ذاتية كما لا يخفى.

(1) بلا إشكال و لا خلاف، للنصوص المعتبرة (1)، مضافاً إلى السيرة المستمرّة، و بذلك تقيّد إطلاقات المنع لا محالة.

(2) بلا إشكال فيه، و هل هو من باب الاستثناء من عموم المنع كما في صلاة الاستسقاء كما قد يظهر من بعض العبائر كالمحقّق في الشرائع (2) و غيره؟ الظاهر العدم، فإنّها فريضة في أصل التشريع كسائر ما فرضه اللّٰه تعالى، و ليست من النفل في شي‌ء، و قد أُطلق عليها الفريضة في غير واحد من النصوص (3).

نعم، قد تجب عند استجماع الشرائط و منها حضور الإمام (عليه السلام) و تستحب عند فقدها، و لكن قد مرّ (4) أنّ الوجوب و الاستحباب خارجان عن حقيقة الاتّصاف بالفرض و النفل، و المستفاد من النصوص أنّ هذه الصلاة بطبعها تقتضي أن يؤتى بها جماعة، سواء اتّصفت بالوجوب أم بالاستحباب، كما يومئ إلى ذلك قوله (عليه السلام) في غير واحد من النصوص: «لا صلاة يوم الفطر و الأضحى إلّا مع إمام عادل» (5).

نعم، ورد في بعضها: «من لم يشهد جماعة الناس في العيدين إلى أن قال: و ليصلّ في بيته وحده كما يصلّي في جماعة» (6). و يستكشف من ذلك كلّه أنّ الجماعة معتبرة في المرتبة الفاضلة من هذه الصلاة.

____________

(1) الوسائل 8: 5/ أبواب صلاة الاستسقاء ب 1.

(2) الشرائع 1: 145.

(3) الوسائل 7: 419/ أبواب صلاة العيد ب 1 ح 1، 4.

(4) في ص 32.

(5) الوسائل 7: 421/ أبواب صلاة العيد ب 2 ح 1 و غيره.

(6) الوسائل 7: 424/ أبواب صلاة العيد ب 3 ح 1.

37

و الصلاة المعادة جماعة (1)، و الفريضة المتبرّع بها عن الغير، و المأتي بها من جهة الاحتياط الاستحبابي [1].

____________

و على الجملة: فهذه الصلاة ممّا لا تخرج عن عنوان كونها فريضة، و إن اتّصفت بالاستحباب عند فقد شرائط الوجوب، فهي فريضة يستحبّ الإتيان بها، كما هو الحال في الحجّ فإنّه فريضة لكنّه يتّصف بالوجوب عند تحقّق شرائطه، مستحبّ لدى فقدها.

و عليه فيشملها قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة و الفضيل المتقدّمة (1): «ليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلّها، و لكنّها سنّة»، إذ بعد كونها من مصاديق الفريضة كما عرفت تندرج في عموم الصحيحة الدالّة على استحباب الجماعة في الفرائض، و ليست هي من النوافل ليكون خروجها استثناء أو تخصيصاً في أدلّة المنع، و إنّما هو خروج بالتخصّص، فانّ المراد بالفريضة هي ما كانت كذلك في الجملة و في أصل التشريع، لا مطلقا.

(1) ممّا ذكرناه في صلاة العيدين يظهر الحال فيها و في التي تليها، فانّ الجواز في شي‌ء منهما لا يكون استثناءً من أدلّة المنع، ضرورة أنّ المعادة فريضة، و إنّما المستحبّ نفس الإعادة جماعة، للأخبار الدالّة على ذلك (2). كما أنّ المتبرّع بها فريضة أيضاً، و المستحبّ إنّما هو التبرّع و التصدّي لتفريغ ذمّة الغير، كما هو الحال أيضاً في المأتي بها احتياطاً استحبابياً، فانّ الاستحباب إنّما هو في الإعادة الاحتياطية، دون المعادة نفسها.

و الخلاصة: أنّ الكلّ داخل تحت عنوان الفريضة، التي عرفت استحباب الجماعة فيها. فلا استثناء في شي‌ء من ذلك عدا صلاة الاستسقاء كما عرفت.

____________

[1] على تفصيل يأتي إن شاء اللّٰه تعالى.

____________

(1) في ص 9.

(2) الوسائل 8: 401/ أبواب صلاة الجماعة ب 54.

38

[مسألة 3: يجوز الاقتداء في كلّ من الصلوات اليومية بمن يصلّي الأُخرى أيّاً منها كانت]

[1870] مسألة 3: يجوز الاقتداء في كلّ من الصلوات اليومية بمن يصلّي الأُخرى أيّاً منها كانت (1) و إن اختلفا في الجهر و الإخفات،

____________

نعم، في صحّة الجماعة في المأتي بها من جهة الاحتياط الاستحبابي تفصيل يأتي التعرّض له إن شاء اللّٰه في المسألة الآتية.

الاتحاد بين الإمام و المأموم في الخصوصيات:

(1) كما هو المتسالم عليه ظاهراً، و نسب إلى الصدوق (قدس سره) عدم صحّة الاقتداء في صلاة العصر بمن يصلّي الظهر إلّا إذا تخيّل أنّ الإمام يصلّي العصر فبان له الخلاف (1). و قد تنظّر غير واحد في صدق هذه النسبة، و في نسبة ما يأتي عن والده (قدس سره) أيضاً، بل قال بعضهم: إنّه على تقدير صدق كلتا النسبتين فهما شاذان و على خلاف الإجماع.

و كيف كان، فالمتّبع هو الدليل، فما هو الذي يمكن أن يستند إليه الصدوق (قدس سره) على تقدير صدق النسبة؟

احتمل الشهيد (قدس سره) في الذكرى (2) أن يكون مستنده اعتبار الترتيب بين الظهر و العصر، فإنّه لو اقتدى في عصره بظهر الإمام فكأنّهما وقعا معاً، مع أنّ العصر بعد الظهر، فيختلّ بذلك الترتيب بينهما.

لكنّه احتمال ضعيف كما صرح به (قدس سره) أيضاً، فإنّ الترتيب بين الصلاتين معتبر بالإضافة إلى كلّ شخص، لا كلّ شخص و غيره. فعصر المأموم مترتّبة على ظهره، لا على ظهر الإمام كما هو واضح جدّاً، بل لا يحتمل عادة استناد الصدوق إلى هذا الوجه الاعتباري الضعيف غايته.

و ربما يتخيّل أنّ نظره (قدس سره) في ذلك إلى صحيحة علي بن جعفر: «أنّه‌

____________

(1) الفقيه 1: 233 ذيل ح 1030.

(2) الذكرى 4: 384.

39

..........

____________

سأل أخاه موسى بن جعفر (عليهما السلام) عن إمام كان في الظهر فقامت امرأة بحياله تصلّي معه و هي تحسب أنّها العصر هل يفسد ذلك على القوم؟ و ما حال المرأة في صلاتها معهم و قد كانت صلّت الظهر؟ قال: لا يفسد ذلك على القوم، و تعيد المرأة صلاتها» (1).

و لكنّها كما ترى، فانّ مفادها عكس ما هو المنسوب إليه، لدلالتها على البطلان في المورد الذي حكم فيه بالصحة استثناءً.

و على الجملة: فلم يظهر المستند لما ذهب إليه الصدوق (قدس سره). و الصحيحة لا بدّ من حملها إمّا على التقيّة لموافقتها لما هو الأشهر من مذاهب العامّة كما أفاده صاحب الوسائل (قدس سره)، أو على أنّ الإعادة كانت لأجل وقوف المرأة بحيال الرجل. و كيف ما كان، فهذا القول لا اعتبار به بوجه.

ثمّ لا يخفى أنّ مقتضى القاعدة في كلّ مورد شكّ في الصحّة من جهة احتمال اعتبار الاتّحاد في جهة من الجهات هو الحكم بالفساد، لإطلاق دليل اعتبار القراءة كقوله (عليه السلام): «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» (2) و إطلاق أدلّة الشكوك، فانّ الخارج عنها هي الجماعة الصحيحة، فمع الشك في صحّتها و مشروعيّتها كان المحكّم هو الإطلاق المذكور.

إلّا أنّ الظاهر هو عدم وصول النوبة إلى الشكّ و لا في مورد واحد، لوفاء النصوص بالحكم بالصحّة في الجميع.

أمّا في صورة الاختلاف بينهما سفراً و حضراً فتأتي الإشارة إلى دليله قريباً.

و أمّا الاختلاف بينهما ظهراً و عصراً ففي الاقتداء ظهراً بمن يصلّي العصر تدلّ عليه صحيحة حمّاد بن عثمان قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل إمام قوم فصلّى العصر و هي لهم الظهر، قال: أجزأت عنه، و أجزأت‌

____________

(1) الوسائل 8: 399/ أبواب صلاة الجماعة ب 53 ح 2.

(2) المستدرك 4: 158/ أبواب القراءة في الصلاة ب 1 ح 5، راجع ص 18، الهامش (1).

40

و الأداء و القضاء (1)

____________

عنهم»، و نحوه موثّقة أبي بصير (1).

و في الاقتداء عصراً بالظهر يدلّ عليه صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: إذا صلّى المسافر خلف قوم حضور فليتمّ صلاته ركعتين و يسلّم، و إن صلّى معهم الظهر فليجعل الأوّلتين الظهر و الأخيرتين العصر» (2).

و صدرها يدلّ على جواز اقتداء المسافر بالحاضر، الذي تأتي الإشارة إليه قريباً. و نحوها صحيحة الحلبي (3).

و يطّرد الحكم في العشاءين في الأصل و العكس، بالقطع بعدم الفصل.

(1) و يدلّ على صحّة الائتمام في القضاء بمثله الصحاح الكثيرة الحاكية لقصة رقود النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) و أصحابه عن صلاة الفجر، ثمّ قضائها بهم جماعة بعد التحوّل من مكانه، و قد تقدّم ذكرها (4).

و قد عرفت (5) أنّ الاستشكال في أصل القصّة لا ينافي تصديق الروايات المذكورة في هذا الحكم، فلا موجب لطرحها من هذه الجهة.

و في الاقتداء في القضاء بالأداء صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل نسي صلاة حتّى دخل وقت صلاة أُخرى إلى أن قال: و إن ذكرها مع إمام في صلاة المغرب أتمّها بركعة، ثمّ صلّى المغرب، ثمّ صلّى العتمة بعدها» (6).

____________

(1) الوسائل 8: 398/ أبواب صلاة الجماعة ب 53 ح 1، 4.

(2) الوسائل 8: 329/ أبواب صلاة الجماعة ب 18 ح 1.

(3) الوسائل 4: 292 أبواب المواقيت ب 63 ح 3.

(4) تقدّمت الإشارة إليها في ص 8، راجع شرح العروة 16: 160.

(5) في ص 8.

(6) الوسائل 4: 291/ أبواب المواقيت ب 63 ح 2.

41

..........

____________

فقد دلّت على العدول عند الائتمام بمن يصلّي الحاضرة إلى الفائتة، و مقتضى إطلاقها عدم الفرق بين ما كانت الفائتة المنسيّة موافقة مع الحاضرة في الجهر و الإخفات، أو كانت مخالفة معها كما لو كانت عصراً.

و تدلّ عليه صريحاً أيضاً موثّقة إسحاق بن عمّار قال «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): تقام الصلاة و قد صلّيت، فقال: صلّ و اجعلها لما فات» (1).

و صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنّه قال: «في الرجل يصلّي الصلاة وحده ثمّ يجد جماعة، قال: يصلّي معهم و يجعلها الفريضة إن شاء» (2).

و رواها الكليني (قدس سره) عن حفص بن البختري بدون كلمة «إن شاء» (3).

فإنّ المراد جعلها الفريضة الفائتة، و لو بقرينة الموثّقة المتقدّمة، مع أنّ كلمة «إن شاء» قرينة على ذلك، لدلالتها على التخيير بين جعلها الفائتة أو احتسابها الحاضرة، فتكون من الصلاة المعادة.

نعم، ائتمام المؤدّي بالقاضي صلاته عارٍ من النصّ، و لكن يمكن تعميم الحكم الثابت في عكسه بالنصوص المتقدّمة بأحد وجهين:

أحدهما: دعوى الإجماع القطعي و التسالم و عدم القول بالفصل، فإنّ أحداً من الفقهاء لم يفرّق في الجواز بين الصورتين، فينتج ذلك القطع باتحاد الحكم فيهما. و هذه الدعوى قريبة جدّاً إن لم تكن مقطوعاً بها.

ثانيهما: التمسّك بعموم صحيحة زرارة و الفضيل المتقدّمة في صدر المبحث (4) الدالّة على أنّ الجماعة سنّة في جميع الفرائض كلّها، فإنّ ائتمام المؤدّي بالقاضي‌

____________

(1) الوسائل 8: 404/ أبواب صلاة الجماعة ب 55 ح 1.

(2) الوسائل 8: 401/ أبواب صلاة الجماعة ب 54 ح 1.

(3) الوسائل 8: 403/ أبواب صلاة الجماعة ب 54 ح 11، الكافي 3: 379/ 1.

(4) في ص 9.

42

و القصر و التمام (1)، بل و الوجوب و الندب، فيجوز اقتداء مصلّي الصبح أو المغرب أو العشاء بمصلّي الظهر أو العصر، و كذا العكس.

____________

يكون في صلاة الفريضة لا محالة، فيشمله العموم المذكور.

و يتوجّه عليه: أنّ العموم الذي تضمّنه الصحيح عموم أفرادي، بمعنى شمول الحكم بالاستحباب لكلّ فردٍ من أفراد الفريضة و منها صلاة القضاء، فتشرع فيها الجماعة أيضاً، لكن حالات هذا الفرد من كون المأموم مؤدّياً و الإمام قاضياً و بالعكس غير مشمولة للعموم، لعدم كون الحالات و الخصوصيات المذكورة مفرّدة كما لا يخفى.

نعم، لا بأس بالتمسّك بالإطلاق الأحوالي للصحيحة بتقريب: أنّ الظهر مثلًا فرد من الفريضة فيشملها عموم الصحيحة لا محالة، و مقتضى إطلاق الدليل هو عدم الفرق بين ما إذا كان الإمام مؤّدياً أيضاً أم كان قاضياً.

(1) أشرنا في صدر المسألة إلى أنّ الحكم في الجميع من المتسالم عليه، و قد نسب الخلاف في المقام إلى والد الصدوق (قدس سره) و هو عدم الجواز مع الاختلاف بين الإمام و المأموم سفراً و حضراً (1). و لكن النسبة غير ثابتة، و قد تنظّر في صدقها بعضهم كما عرفته سابقاً.

و على كلّ حال فلا دليل على ذلك، بل الدليل على خلافه، و هو صحيحة الفضل بن عبد الملك عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: لا يؤمّ الحضري المسافر، و لا المسافر الحضري، فإن ابتلي بشي‌ء من ذلك فأمّ قوماً حضريين فإذا أتمّ الركعتين سلّم ثمّ أخذ بيد بعضهم فقدّمه فأمّهم. و إذا صلّى المسافر خلف قوم حضور فليتمّ صلاته ركعتين و يسلّم، و إن صلّى معهم الظهر فليجعل الأوّلتين الظهر و الأخيرتين العصر» (2).

____________

(1) حكاه عنه في المختلف 2: 488 المسألة 348، راجع فقه الرضا: 163.

(2) الوسائل 8: 330/ أبواب صلاة الجماعة ب 18 ح 6.

43

و يجوز اقتداء المؤدّي بالقاضي و العكس، و المسافر بالحاضر و العكس، و المعيد صلاته بمن لم يصلّ و العكس (1)، و الذي يعيد صلاته احتياطاً استحبابياً أو وجوبياً بمن يصلّي وجوباً (2)، نعم يشكل اقتداء من يصلّي وجوباً بمن يعيد احتياطاً و لو كان وجوبياً (3)

____________

فانّ صدر الرواية و إن كان ظاهراً في نفسه لولا الذيل في المنع، لكنّه بقرينة الذيل الصريح في الجواز محمول على الكراهة، و أنّ فيه نوعاً من المرجوحية.

(1) يدلّ على الأصل ذيل صحيحة هشام بن سالم المتقدّمة (1)، و على العكس صحيحة ابن بزيع قال: «كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام): إنّي أحضر المساجد مع جيرتي و غيرهم، فيأمرونني بالصلاة بهم و قد صلّيت قبل أن أتاهم، و ربما صلّى خلفي من يقتدي بصلاتي و المستضعف و الجاهل، فأكره أن أتقدّم و قد صلّيت، لحال من يصلّي بصلاتي ممّن سمّيت ذلك، فمرني في ذلك بأمرك أنتهي إليه و أعمل به إن شاء اللّٰه، فكتب (عليه السلام): صلّ بهم» (2).

و الظاهر أنّ قوله: «قبل أن أتاهم» تصحيف، و الصحيح: «قبل أن آتيهم». و كيف كان، فقد دلّت على جواز اقتداء من لم يصلّ بالمعيد صلاته.

(2) لا محذور في ذلك، فإنّ صلاة المأموم المعادة إن كانت صحيحة واقعاً لأجل فساد صلاته الاولى فقد انعقدت الجماعة الصحيحة لا محالة، و إلّا كانت لغواً، بلا فرق بين الإتيان بها جماعة أو فرادى، فلا موجب للمنع من الائتمام حينئذ.

(3) مورد كلامه (قدس سره) ما إذا تمحّضت الإعادة في عنوان الاحتياط، فإنّه يشكل حينئذ اقتداء المصلّي وجوباً بمثله و إن كان الاحتياط وجوبياً، لعدم‌

____________

(1) في ص 41.

(2) الوسائل 8: 401/ أبواب صلاة الجماعة ب 54 ح 5.

44

بل يشكل اقتداء المحتاط بالمحتاط (1) إلّا إذا كان احتياطهما من جهة واحدة.

____________

إحراز كون الإمام مصلّياً، لاحتمال أن تكون صلاته الأُولى صحيحة فتكون الثانية صورة صلاة عارية عن الأمر الشرعي، و الاقتداء إنّما يكون بمن يصلّي المأمور به.

و أمّا لو فرضنا كون صلاة الإمام من المعادة المأمور بها كما إذا كان قد صلّاها أوّلًا فرادى ثم أراد إعادتها جماعة فيصحّ اقتداء من يصلّي وجوباً بمثله و إن كان الإمام حينئذ ناوياً الاحتياط أيضاً لاحتماله الخلل في صلاته الاولى.

حيث لا محذور في هذه الضميمة في القصد بعد فرض صحّة صلاته الثانية و تعلّق الأمر بها على كلّ تقدير سواء أ كانت الأُولى صحيحة أيضاً أم لا، لكون الثانية حينئذ مأموراً بها وجوباً أو استحباباً. لكن هذه الصورة خارجة عن مفروض كلام المصنّف كما لا يخفى.

(1) كما لو احتمل كلّ منهما بطلان صلاته، الموجب للإعادة احتياطاً وجوباً أم استحباباً، فإنّه لا يصحّ إعادتهما للصلاة حينئذ جماعة بائتمام أحدهما بالآخر، لاحتمال خطأ الإمام في احتماله بطلان صلاته الاولى و إصابة المأموم في احتماله ذلك.

فإنّه على هذا التقدير تكون صلاة المأموم مأموراً بها دون الإمام، حيث تكون صلاته صورية و فاقدة للأمر. و مجرّد هذا الاحتمال المقتضي لعدم إحراز صحّة صلاة الإمام يكفي للحكم بعدم مشروعية الجماعة.

هذا فيما إذا اختلف الإمام و المأموم في منشأ الاحتياط، بحيث احتملنا الانفكاك بينهما في صحّة الثانية و بطلانها.

و أمّا مع الاتحاد في المنشأ كما لو توضّأ الإمام و المأموم بماء معيّن، و بعد فراغهما من الصلاة شكّا في طهارة الماء، لشبهة اقتضت الاحتياط بالإعادة وجوباً أو استحباباً، ففي مثل ذلك لا مانع من الائتمام، لعدم احتمال البطلان في‌

45

[مسألة 4: يجوز الاقتداء في اليومية أيّاً منها كانت أداء أو قضاء بصلاة الطواف]

[1871] مسألة 4: يجوز الاقتداء في اليومية أيّاً منها كانت أداء أو قضاء بصلاة الطواف [1] كما يجوز العكس (1).

[مسألة 5: لا يجوز الاقتداء في اليوميّة بصلاة الاحتياط في الشكوك]

[1872] مسألة 5: لا يجوز الاقتداء في اليوميّة بصلاة الاحتياط في الشكوك (2)، و الأحوط ترك العكس أيضاً [2] (3) و إن كان لا يبعد الجواز،

____________

حقّ الإمام و الصحّة في حقّ المأموم، بل هما صحيحتان معاً أو باطلتان معاً. فعلى تقدير صحّة كلتا الصلاتين يتمّ الاقتداء، و إلّا كانت الصلاتان معاً باطلتين كما هو ظاهر.

(1) الحكم في كلّ من الأصل و عكسه في غاية الإشكال، لعدم دليل عليه بل عرفت فيما سبق (1) الإشكال في مشروعية الجماعة في صلاة الطواف بنفسها فضلًا عن الاقتداء في غيرها بها أو بالعكس، لعدم معهودية ذلك بين المسلمين و لم ينقل هو أيضاً عن النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) و لا أحد المعصومين (عليهم السلام)، بل و لا من أصحابهم. فهذا الالتزام بالترك الكلّي كاشف عن عدم مشروعية الجماعة كذلك، و إلّا فما الموجب لهذا الالتزام مع ما هو الثابت من فضيلة الجماعة.

و بذلك ترفع اليد عن إطلاق صحيحة زرارة و الفضيل المتقدّمة في صدر المبحث (2)، و إن كان مقتضى القاعدة الحكم بالجواز لولا ذلك، عملًا بالإطلاق كما أشرنا إليه سابقاً.

(2) لعدم الجزم بوجوب تلك الصلاة، إذ على تقدير عدم النقص فهي نافلة و لا جماعة في النافلة، فلم تحرز صحّة الاقتداء بها.

(3) بل هو الأظهر، فلا يصحّ الاقتداء في صلاة الاحتياط بمن يصلّي اليومية‌

____________

[1] فيه و في عكسه إشكال، بل مشروعية الجماعة في صلاة الطواف في نفسها محلّ إشكال.

[2] بل الأظهر ذلك.

____________

(1) في ص 11.

(2) في ص 9.

46

بل الأحوط [1] (1) ترك الاقتداء فيها و لو بمثلها من صلاة الاحتياط حتّى إذا كان جهة الاحتياط متّحدة، و إن كان لا يبعد الجواز في خصوص صورة الاتّحاد كما إذا كان الشكّ الموجب للاحتياط مشتركاً بين الإمام و المأموم.

____________

جزماً، لأنّ هذه الصلاة إمّا فريضة متمّمة للنقص أو نافلة، و الجماعة غير مشروعة على التقديرين، أمّا الأوّل فلعدم صحّة الاقتداء في الأثناء، و أمّا الثاني فلعدم مشروعية الجماعة في النافلة.

(1) بل هو الأقوى فيما إذا كان الائتمام في خصوص صلاة الاحتياط، كما لو صلّى كلّ منهما منفرداً و حصل لكلّ منهما الشكّ بين الثلاث و الأربع مثلًا، و أراد أحدهما الاقتداء بالآخر في صلاة الاحتياط.

و ذلك لعين ما تقدّم في وجه المنع آنفاً من البطلان على التقديرين، بل لو فرض علم المأموم بصحّة صلاة الإمام و عدم النقص فيها كان عدم جواز الائتمام به حينئذ أظهر، لعلمه بلغوية تلك الركعة، فكيف يقتدي بها.

و أمّا لو كان الائتمام من أوّل الأمر كما لو حصل الشكّ بين الثلاث و الأربع لكلّ من الإمام و المأموم فوجب عليهما صلاة الاحتياط لفرض عدم حفظ واحد منهما كي يرجع الآخر إليه، فلا يبعد حينئذ عدم صحّة الاقتداء في صلاة الاحتياط أيضاً، فإنّ الائتمام حينئذ و إن لم يكن في الأثناء كما كان كذلك في الفرض السابق فلا إشكال من هذه الجهة، إلّا أنّ المستفاد من أدلّة ركعات الاحتياط كموثّقة عمّار قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن شي‌ء من السهو في الصلاة، فقال: أ لا أُعلّمك شيئاً إذا فعلته ثمّ ذكرت أنّك أتممت أو نقصت لم يكن عليك شي‌ء؟ قلت: بلى، قال: إذا سهوت فابن على الأكثر، فإذا فرغت و سلمت فقم فصلّ ما ظننت أنّك نقصت، فان كنت قد أتممت لم يكن عليك في هذه شي‌ء، و إن ذكرت أنّك كنت نقصت كان ما صلّيت تمام ما‌

____________

[1] لا يترك الاحتياط، بل الأظهر عدم الجواز في بعض الصور.

47

[مسألة 6: لا يجوز اقتداء مصلّي اليومية أو الطواف بمصلّي الآيات]

[1873] مسألة 6: لا يجوز اقتداء مصلّي اليومية أو الطواف بمصلّي الآيات أو العيدين أو صلاة الأموات، و كذا لا يجوز العكس، كما أنّه لا يجوز اقتداء كلّ من الثلاثة بالآخر (1).

____________

نقصت» (1) هو أنّ جبر الصلاة على تقدير النقص فيها إنّما يكون بالإتيان بركعة محكومة بالصحّة على تقديري النقص و عدمه، و أن الصحّة على أحد التقديرين غير كافية في الجبر.

و عليه فبما أنّ الائتمام هنا يوجب فساد الصلاة على تقدير عدم النقص لكونها حينئذ من النافلة التي لا تشرع الجماعة فيها فشرط الجبر غير متحقّق لعدم صحّة المأتي بها على التقديرين، و لأجل ذلك يشكل الاقتداء فيها سواء اتحدت جهة الاحتياط فيهما أم اختلفت.

لكن الإشكال يختصّ بما إذا ترتّب على الاقتداء أحكام الجماعة من رجوع كلّ من الإمام و المأموم إلى الآخر عند الشك في أفعال الصلاة، و أمّا مع عدم ترتّبها لعدم تحقّق الشك، و المفروض عدم تحمّل الإمام القراءة أيضاً لاختصاصه بالأوّلتين، و هذه على تقدير النقص من الأخيرة التي لا تحمّل فيها فلا موجب للبطلان، لاشتراكها مع الصلاة فرادى، و عدم الفرق بينهما إلّا في نية الائتمام، و هي ممّا لا ضير فيها إذا كانت رجاء لا تشريعا.

(1) أمّا عدم جواز الاقتداء في صلاة الطواف بغيرها و بالعكس فقد ظهر ممّا مرّ في المسألة الرابعة، بل قد عرفت عدم مشروعية الجماعة فيها بنفسها فضلًا عن صورة الاختلاف.

و أمّا في صلاة الأموات بغيرها و بالعكس فالأمر أوضح، لعدم كونها صلاة حقيقية ذات ركوع و سجود، و إنّما هي تهليل و تحميد و تكبير، فلا موجب لترتيب أحكام الصلاة الحقيقية و منها الائتمام عليها، و إن ثبتت مشروعية‌

____________

(1) الوسائل 8: 213/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 3 [الظاهر كونها ضعيفة سنداً].

48

[مسألة 7: الأحوط عدم اقتداء مصلّي العيدين]

[1874] مسألة 7: الأحوط عدم اقتداء مصلّي العيدين [1] بمصلّي الاستسقاء و كذا العكس (1) و إن اتّفقا في النظم.

____________

الجماعة فيها بالاستقلال بأدلّتها الخاصّة كما سبق في محلّه (1).

و أمّا في غيرهما من الثلاثة المذكورة في المتن أعني اليوميّة و الآيات و العيدين فالوجه في عدم مشروعية الجماعة فيها بعضها مع بعض قصور المقتضي و عدم الدليل، عدا ما قد يتوهّم من عموم صحيحة زرارة و الفضيل المتقدّمة (2).

و يتوجّه عليه: ما سبق (3) من كونها بعمومها ناظرة إلى الأفراد، دون الخصوصيات و الحالات الطارئة عليها. و أمّا التمسّك بإطلاقها الأحوالي فإنّما يتّجه مع الاتّحاد في النظم و عدم الاختلاف في الكيفية كالائتمام في الأداء بالقضاء، و أمّا مع عدم الاتّحاد كما في المقام و لا سيما مع الاختلاف الفاحش في الكيفية فالإطلاق غير ناظر إليه يقيناً، هذا.

مع أنّ مفهوم الائتمام في نفسه غير منطبق على المقام، فإنّ الإمامة تتقوّم بالمتابعة و الاقتداء، و هما يستدعيان الاتّحاد في النظم كي تتحقّق المتابعة و الاقتداء في العمل، و كيف تمكن متابعة الإمام و هو يصلّي الآيات بخمسة ركوعات في صلاة العيدين المشتملة على خمسة قنوتات، و كذلك في الصلاة اليومية مع الاختلاف الفاحش بينهما في الأفعال. فاطلاقات أدلّة الائتمام في نفسها قاصرة عن شمول المقام.

(1) بل هو الأقوى و إن اتّحدا في النظم، فإنّ الجماعة غير مشروعة في النافلة‌

____________

[1] بل الأقوى.

____________

(1) شرح العروة 9: 207.

(2) في ص 9.

(3) في ص 42.

49

[مسألة 8: أقلّ عدد تنعقد به الجماعة في غير الجمعة و العيدين اثنان]

[1875] مسألة 8: أقلّ عدد تنعقد به الجماعة في غير الجمعة و العيدين اثنان أحدهما الإمام (1) سواء كان المأموم رجلًا أو امرأة (2).

____________

عدا صلاة الاستسقاء، و القدر المتيقّن من التخصيص هو ما إذا ائتمّ فيها بمثلها فيرجع في غير ذلك إلى إطلاق دليل المنع. و أمّا صلاة العيدين فقد مرّ (1) أنّ مشروعيّة الجماعة فيها ليست من باب الاستثناء، لكونها فريضة بالذات.

ما تنعقد به الجماعة:

(1) بلا خلاف، لصحيح زرارة قال «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): الرجلان يكونان جماعة؟ فقال: نعم، و يقوم الرجل عن يمين الإمام» (2).

و ما رواه الشيخ (قدس سره) بإسناده عن الحسين بن سعيد عن صفوان عن العلاء عن محمد عن أحدهما (عليهما السلام) «قال: الرجلان يؤمّ أحدهما صاحبه، يقوم عن يمينه، فان كانوا أكثر من ذلك قاموا خلفه» (3).

(2) و قد استدلّ له بخبر محمد بن يوسف عن أبيه قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إن الجهنيّ أتى النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) ... إلى أن قال فقال: يا رسول اللّٰه فإنّ ولدي يتفرّقون في الماشية فأبقى أنا و أهلي فأُؤذّن و أُقيم و أُصلّي بهم، أ فجماعة نحن؟ فقال: نعم ...» (4).

و رواية الحسن الصيقل عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سألته كم أقلّ ما تكون الجماعة؟ قال: رجل و امرأة» (5).

____________

(1) في ص 37.

(2) الوسائل 8: 296/ أبواب صلاة الجماعة ب 4 ح 1.

(3) الوسائل 8: 341/ أبواب صلاة الجماعة ب 23 ح 1، التهذيب 3: 26/ 89.

(4) الوسائل 8: 296/ أبواب صلاة الجماعة ب 4 ح 2.

(5) الوسائل 8: 298/ أبواب صلاة الجماعة ب 4 ح 7.

50

..........

____________

لكنّ الرواية الأُولى ضعيفة السند، فانّ محمد بن يوسف الصنعاني و إن كان ثقة لكن والده الذي يروي عنه لم يوثّق. و كذلك الرواية الثانية فإنّها ضعيفة السند بالحسن الصيقل و بأبي مسعود الطائي الواقع في السند. فلا يصح الاستناد إليهما.

نعم، يمكن الاستدلال له بالروايات الواردة في إمامة الرجل لأهله كصحيحة الفضيل عن أبي جعفر (عليه السلام) «أنّه قال: المرأة تصلّي خلف زوجها الفريضة و التطوّع و تأتمّ به في الصلاة» (1).

و الاستشهاد بذيل الرواية، و أمّا صدرها فناظر إلى تحديد المكان و عدم وقوفها بحيال الرجل كما لا يخفى، و قد أشار إليه صاحب الوسائل (قدس سره) أيضاً.

و صحيحته الأُخرى قال «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): أُصلّي المكتوبة بأُمّ علي؟ قال: نعم، تكون عن يمينك، يكون سجودها بحذاء قدميك» (2) المؤيّدتين بغيرهما.

و يمكن الاستدلال له أيضاً بإطلاق قوله (عليه السلام): صلّ خلف من تثق بدينه (3). فانّ الرجل غير مخاطب بما هو رجل، بل بما هو أحد المكلّفين، فيعمّ الحكم الأُنثى أيضاً كما لا يخفى.

فالمرأة أيضاً مخاطبة بالصلاة خلف من تثق بدينه، و مقتضى الإطلاق عدم الفرق بين ما إذا كان معها غيرها و ما لم يكن فليتأمّل.

بل لو بنينا على جواز إمامة المرأة للنساء في الفرائض و حملنا النهي عن ذلك على الكراهة أمكن القول بجواز إمامتها لواحدة من النساء، تمسّكاً بالإطلاق المذكور، و إن كان هذا الفرض غير منصوص عليه، لاختصاص النصوص‌

____________

(1) الوسائل 8: 332/ أبواب صلاة الجماعة ب 19 ح 1، 2.

(2) الوسائل 8: 332/ أبواب صلاة الجماعة ب 19 ح 1، 2.

(3) لم أظفر بهذا المضمون في الوسائل، و الموجود في خبر [أبي علي بن] راشد قريب منه راجع الوسائل 8: 309/ أبواب صلاة الجماعة ب 10 ح 2.