موسوعة الإمام الخوئي - ج19

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
380 /
1

[تتمة كتاب الصلاة]

[فصل في الشكوك التي لا اعتبار بها و لا يلتفت إليها]

فصل في الشكوك التي لا اعتبار بها و لا يلتفت إليها و هي في مواضع:

[الأوّل: الشكّ بعد تجاوز المحل]

الأوّل: الشكّ بعد تجاوز المحل (1)، و قد مرّ تفصيله (2).

[الثاني: الشكّ بعد الوقت]

الثاني: الشكّ بعد الوقت سواء كان في الشروط أو الأفعال أو الركعات أو في أصل الإتيان (3) و قد مرّ الكلام فيه أيضاً.

____________

(1) لقاعدة التجاوز الحاكمة على الاستصحاب.

(2) في المسألة العاشرة من فصل الشك (1) و في مطاوي الأبحاث السابقة.

(3) أي من غير فرق بين تعلّقه بأصل الصلاة أم بخصوصيّاتها من الشرائط و الأفعال و الركعات، لقاعدة الحيلولة التي لا قصور في شمول دليلها للكل المطابقة لما تقتضيه القاعدة الأوّلية مع قطع النظر عمّا دلّ على أنّ الوقت حائل (2) من أصالة البراءة عن القضاء، الّذي هو بأمر جديد حادث بعد خروج الوقت و سقوط الأمر الأوّل بانتهاء أجله، للشك في تعلّقه من أجل‌

____________

(1) شرح العروة 18: 130 و ما بعدها.

(2) الوسائل 4: 282/ أبواب المواقيت ب 60 ح 1.

2

[الثالث: الشكّ بعد السلام الواجب]

الثالث: الشكّ بعد السلام الواجب (1) و هو إحدى الصيغتين الأخيرتين سواء كان في الشرائط أو الأفعال أو الركعات، في الرباعية أو غيرها بشرط أن يكون أحد طرفي الشك الصحّة، فلو شكّ في أنّه صلّى ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً بنى على أنّه صلّى أربعاً، و أمّا لو شكّ بين الاثنتين و الخمس و الثلاث و الخمس بطلت، لأنّها إمّا ناقصة ركعة أو زائدة، نعم لو شكّ في المغرب بين الثلاث و الخمس أو في الصبح بين الاثنتين و الخمس يبني على الثلاث في الأُولى و الاثنتين في الثانية، و لو شكّ بعد السلام في الرباعية بين الاثنتين و الثلاث بنى على الثلاث، و لا تسقط عنه صلاة الاحتياط لأنّه يعدّ في الأثناء، حيث إنّ السلام وقع في غير محلّه، فلا يتوهّم أنّه يبني على الثلاث و يأتي بالرابعة من غير أن يأتي بصلاة الاحتياط لأنّه مقتضى عدم الاعتبار بالشكّ بعد السلام.

____________

الشك في تحقّق موضوعه و هو الفوت بعد أن لم يمكن إثباته بأصالة عدم الإتيان في الوقت، و قد مرّ البحث حول ذلك مستقصى في مطاوي مسائل حكم الشك (1).

(1) لكونه من الشكّ بعد الفراغ، و منه تعرف أنّ السلام لا خصوصية له، بل المدار على صدق الفراغ و الخروج و المضي عن الصلاة الأعم من الصحيحة و الفاسدة مضياً حقيقياً واقعياً لا اعتقادياً بنائياً الّذي ربما يتحقّق بغير ذلك كما لو عرض الشكّ المزبور بعد ارتكاب المنافي و إن كان شاكّاً في أصل السلام.

و كيف ما كان، فيشترط في عدم الاعتناء أن يكون أحد طرفي الشكّ الصحّة كالشك بين الثلاث و الأربع و الخمس مثلًا بحيث يحتمل معه وقوع السلام على‌

____________

(1) شرح العروة 18: 112.

3

[الرابع: شكّ كثير الشك]

الرابع: شكّ كثير الشك (1) و إن لم يصل إلى حدّ الوسواس، سواء كان في

____________

التمام، دون مثل الشكّ بين الثلاث و الخمس، الّذي يعلم معه بالزيادة أو النقصان و وقوع السلام في غير محلّه جزماً، فهو بمثابة الشكّ بينهما العارض قبل التسليم بل هو بعينه حقيقة، لكون السلام الواقع في غير محلّه في حكم العدم.

و معلوم أنّ مثله محكوم بالبطلان، لا لأجل النقص أو الزيادة ليقال بإمكان تتميم النقص بركعة و دفع الزيادة المحتملة بالأصل، بل لأجل نفس الشكّ بين الثلاث و الخمس غير المنصوص على صحّته، فيشمله إطلاق قوله (عليه السلام) في صحيحة صفوان: «إن كنت لا تدري كم صلّيت و لم يقع وهمك على شي‌ء فأعد الصلاة» (1) كما مرّ التعرّض له في محلّه (2).

و ممّا ذكرنا تعرف أنّه لو شكّ بعد السلام في الرباعية بين الاثنتين و الثلاث بنى على الثلاث و أتى بركعة الاحتياط، إذ بعد الجزم بعدم وقوع السلام في محلّه فهو بعدُ في الأثناء، فيلحقه حكم الشكّ بينهما من البناء على الثلاث و الإتيان بالرابعة ثمّ بركعة مفصولة.

فدعوى عدم الحاجة إلى الأخيرة لكونه مقتضى عدم الاعتناء بالشكّ بعد السلام ساقطة كما نبّه عليه في المتن، لما عرفت من كونه من الشك في الأثناء بعد زيادة السلام و وقوعه في غير محلّه، و عليه فاللّازم الإتيان بسجدتي السهو بعد ركعة الاحتياط من أجل السلام الزائد كما هو ظاهر.

(1) بلا خلاف فيه و لا إشكال، للنصوص الدالّة عليه كما ستعرف، التي مفادها‌

____________

(1) الوسائل 8: 225/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 15 ح 1.

(2) [أُشير إليه في شرح العروة 18: 175 176 و غيره].

4

الركعات أو الأفعال أو الشرائط، فيبني على وقوع ما شكّ فيه و إن كان في محلّه إلّا إذا كان مفسداً فيبني على عدم وقوعه، فلو شكّ بين الثلاث و الأربع يبني على الأربع، و لو شكّ بين الأربع و الخمس يبني على الأربع أيضاً، و إن شكّ أنّه ركع أم لا يبني على أنّه ركع، و إن شكّ أنّه ركع ركوعين أم واحداً بنى على عدم الزيادة [1]، و لو شكّ أنّه صلّى ركعتين أو ثلاثاً، بنى على أنّه صلّى ركعتين و هكذا.

____________

المضي في الصّلاة و عدم الاعتناء بالشكّ، و مرجع ذلك إلى إلغاء الكلفة الناشئة من قبل الشكّ التي تختلف حسب اختلاف الموارد. فقد تكون الكلفة هي الإعادة كما في الشكوك الباطلة، و قد تكون هي الإتيان أمّا بالجزء المشكوك فيه كما في الشكّ العارض في المحلّ، أو بغيره من ركعة الاحتياط أو سجدة السهو كما في الشكوك الصحيحة و نحوها. فهذه الأحكام الثابتة للشكّ بالإضافة إلى الأشخاص العاديين مُلغاة عن كثير الشكّ، و تلك الكلفة مرتفعة.

و نتيجة ذلك أنّه يبني على وقوع المشكوك فيه ما لم يكن مُفسداً، و إلّا فعلى عدمه. فهو دائماً مأمور بالأخذ بالاحتمال المصحّح و ما لا كلفة فيه من أحد طرفي الشكّ.

فلو شكّ في الركوع بنى على الإتيان و إن كان في المحل، و لو شكّ بين الثنتين و الثلاث بنى على الثنتين في الثنائية، و على الثلاث في الرّباعية من غير حاجة إلى ركعة الاحتياط، و لو شكّ بين الأربع و الخمس بنى على الأربع من غير حاجة إلى سجدة السّهو، و لو شكّ بين الأربع و الست بنى على الأربع و هكذا.

____________

[1] لا يختصّ البناء على ذلك بكثير الشكّ.

5

..........

____________

فمن جملة تلك النصوص صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا كثر عليك السهو فامض على صلاتك، فإنّه يوشك أن يدعك، إنّما هو من الشيطان» (1).

فإنّها كالصريح في المطلوب بعد وضوح أنّ المراد بالسهو هو الشكّ، الّذي يطلق عليه كثيراً في لسان الأخبار (2).

و منها: صحيحة زرارة و أبي بصير جميعاً قالا «قلنا له: الرّجل يشكّ كثيراً في صلاته حتّى لا يدري كم صلّى و لا ما بقي عليه، قال: يعيد، قلنا: فإنّه يكثر عليه ذلك، كلّما أعاد شكّ، قال: يمضي في شكّه. ثمّ قال: لا تعوّدوا الخبيث من أنفسكم نقض الصلاة فتطمعوه، فانّ الشيطان خبيث معتاد لما عوّد، فليمض أحدكم في الوهم و لا يكثرنّ نقض الصلاة، فإنّه إذا فعل ذلك مرّات لم يعد إليه الشك. قال زرارة: ثمّ قال: إنّما يريد الخبيث أن يطاع، فاذا عصي لم يعد إلى أحدكم» (3).

و قد وقع الكلام في فقه الحديث من حيث الجمع بين الصدر و الذيل، حيث حكم (عليه السلام) أوّلًا على من يشكّ كثيراً بالإعادة، و حكم أخيراً على من يكثر عليه بعدمها و المضي على الشك.

و لا ينبغي الشك في أنّ المراد بالموضوع في أحد الحكمين غير ما هو المراد في الحكم الآخر. و لا يبعد أن يراد في الأوّل من يكثر عدد شكّه بالإضافة إلى الأفراد العاديين و إن لم يبلغ مرتبة كثير الشكّ بالمعنى المصطلح المحكوم عليه‌

____________

(1) الوسائل 8: 227/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 16 ح 1.

(2) الوسائل 8: 240/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 24 ح 1، 243/ ب 25 ح 1، و غيره.

(3) الوسائل 8: 228/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 16 ح 2.

6

..........

____________

بعدم الاعتناء.

و توضيحه: أنّ الكثرة و القلّة كالكبر و الصغر ليست من الأُمور الواقعية التي لها تقرّر في حدّ ذاتها، و إنّما يتّصف الشي‌ء بهما عند ملاحظته مع شي‌ء آخر ولدي المقايسة بينهما، فهي من الصفات الإضافية كالفوقيّة و التحتيّة.

فالجسم الواحد كبير بالإضافة إلى ما هو أصغر منه حجماً، و هو بنفسه صغير بالنسبة إلى الأكبر منه، كما أنّ كمِّيّة خاصّة من المال مثلًا كثيرة بالقياس إلى ما دونها و قليلة بالإضافة إلى ما فوقها، و لا يصحّ توصيف شي‌ء بالكثرة و القلّة أو الكبر و الصغر بقول مطلق من غير ملاحظته مع شي‌ء آخر.

و عليه فاذا فرضنا أنّ أحداً يشكّ في الشهر عشر مرّات مثلًا أو عشرين فهو كثير الشك بالإضافة إلى الأفراد العاديين الّذين لا يشكّون كما هو الغالب أو في الشهر مرّة أو مرّتين، و إن لم يكن هذا بالغاً درجة كثير الشك بالمعنى الاصطلاحي المفسّر بمن لا تمرّ عليه ثلاث صلوات إلّا و يشكّ في إحداها، فهو بالإضافة إليه من قليل الشك، و وظيفته الإعادة كما حكم (عليه السلام) أوّلًا إذ الشكّ في عدد الركعات بحيث لم يدر كم صلّى موجب للبطلان كما مرّ سابقاً (1).

فلا منافاة بينه و بين نفي الإعادة في الجواب عن السؤال الثاني المفروض فيه كثرة الشك، بحيث كلّما أعاد شكّ، الّذي هو من كثير الشك بالمعنى المصطلح. فالمراد بالكثرة في أحد السؤالين غير ما هو المراد بها في السؤال الثاني.

و استظهر صاحب الحدائق (قدس سره) (2) أن يكون المراد بالكثرة في السؤال الأوّل كثرة أطراف الشكّ و محتملاته، بأن تردّدت بين الواحدة و الثنتين‌

____________

(1) شرح العروة 18: 177.

(2) الحدائق 9: 289.

7

..........

____________

و الثلاث و الأربع و هكذا، و إن كان في نفسه شكّاً واحداً. فالتكثّر باعتبار متعلّق الشك لا أفراده، بقرينة قوله: «حتّى لا يدري كم صلّى و لا ما بقي عليه» ثمّ لمّا راجعه السائل بقوله: «فإنّه يكثر عليه ذلك» أمره بما هو الحكم في كثير الشك من المضي و عدم الالتفات، لدخوله بكثرة ذاك الشكّ و تكرّر أفراده تحت عنوان كثير الشك، فيشمله حكمه.

لكنّ الأظهر ما ذكرناه، فانّ المتبادر من قولهما «قلنا له: الرجل يشكّ كثيراً في صلاته ...» إلخ أنّ الكثرة وصف لنفس الشك لا لمتعلّقه، فيكون ظاهراً في كثرة الأفراد لا كثرة الأطراف كما لا يخفى.

و كيف ما كان، فمورد الصحيحة كثرة الشكّ في عدد الركعات لا في غيرها من الأجزاء و نحوها، كما أنّ موردها خصوص الشكّ المبطل، و لا يعمّ الشكوك الصحيحة المتعلّقة بالركعات. فهي أخص من المدّعى.

بل يمكن أن يقال بخروجها عمّا نحن فيه، إذ المفروض فيها بلوغ الكثرة حدّا لا يتمكّن معها من الإتيان بصلاة خالية عن الشكّ، لقوله: «كلّما أعاد شكّ». و معلوم أنّ مثله محكوم بعدم الاعتناء عقلًا، لمكان العجز، من غير حاجة إلى التماس دليل شرعي. فالكثرة بهذا المعنى غير كثير الشكّ بالمعنى الاصطلاحي المفسّر بما عرفت. فالصحيحة أجنبية عن محلّ الكلام، إذ موردها دائم الشكّ و هو غير كثير الشكّ.

و منها: صحيحة ابن سنان عن غير واحد عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «إذا كثر عليك السهو فامض في صلاتك» (1).

و الظاهر أنّ المراد به عبد اللّٰه بن سنان، بقرينة رواية فضالة عنه، فهي صحيحة السند. و مع التشكيك فيه فتكفينا صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة‌

____________

(1) الوسائل 8: 228/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 16 ح 3.

8

..........

____________

المشتملة على عين هذا المتن بإضافة التعليل بقوله: «فإنّه يوشك أن يدعك، إنّما هو من الشيطان».

و هذه الصحيحة كما ترى عامّة لمطلق الشكّ المبطل و غيره، المتعلّق بالركعات أو الأفعال من الأجزاء و الشرائط، من حيث الزيادة أو النقص.

و يدلُّ على خصوص النقص الأعم من المبطل و غيره في الأفعال مضافاً إلى الإطلاق المزبور موثّقة عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «في الرجل يكثر عليه الوهم في الصلاة فيشكّ في الركوع فلا يدري أركع أم لا، و يشكّ في السجود فلا يدري أسجد أم لا، فقال: لا يسجد و لا يركع و يمضي في صلاته حتّى يستيقن يقيناً» (1).

و المتحصّل من هذه الروايات البناء على وقوع ما شكّ فيه و إن كان في محلّه إلّا إذا كان مفسداً فيبني على عدمه. و الضابط الأخذ بما لا كلفة فيه من طرفي الشك كما ذكرناه.

و يترتّب على ذلك أنّه لو شكّ في المحل في السجود أو الركوع بنى على الوقوع و لو شكّ في الركعة أو الثنتين بنى على الركعتين، و كذا لو شكّ بينهما و بين الثلاث في صلاة الفجر، أمّا لو كان في الصلاة الرباعية فيبني على الثلاث، و لو شكّ فيها بين الثلاث و الأربع بنى على الأربع من غير حاجة إلى ركعة الاحتياط، و هكذا.

و أمّا لو شكّ بين الأربع و الخمس، فقد ذكر في المتن أنّه يبني على الأربع أيضاً.

أقول: لهذا الشك صور ثلاث. الاولى: أن يشكّ بينهما بعد إكمال السجدتين. الثانية: أن يكون الشك قبل الإكمال كما في حال الركوع. الثالثة: أن يكون في حال القيام.

____________

(1) الوسائل 8: 229/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 16 ح 5.

9

..........

____________

و الوظيفة الأوّلية في الصورة الأُولى سجود السهو بعد البناء على الأربع، و في الثانية إعادة الصلاة و بطلانها، و كلتا الوظيفتين كلفة، فهي مرفوعة عن كثير الشك، فيبني و لا شي‌ء عليه. فالبناء على الأربع متّجه في هاتين الصورتين.

بخلاف الصورة الثالثة، إذ لازم البناء المزبور فيها تتميم الركعة التي بيده و الإتيان بالركوع و السجدتين، و هذا كما ترى كلفة محمولة على كثير الشك نشأت من الاعتناء بالشك، فلا يناسب المضي في الصلاة و عدم الاعتناء المأمور بهما.

بل المناسب أن يرفع عنه ما هو الموضوع في حقّ الشاك العادي في هذه الصورة، فإنّ وظيفته في هذه الصورة بعد هدم القيام و عود الشك إلى ما بين الثلاث و الأربع البناء على الأربع و الإتيان بركعة الاحتياط، ثمّ سجود السهو للقيام الزائد و لكلّ ما تلفّظ به من تسبيح و نحوه، بناءً على وجوبه لكلّ زيادة و نقيصة. فهذه الأحكام مرفوعة عن كثير الشك، فيبني بعد الهدم على الأربع من غير حاجة إلى ركعة الاحتياط و لا إلى سجدة السهو.

فإن أراد (قدس سره) من البناء على الأربع ما يعمّ الصورة الأخيرة، ففيه ما عرفت، و لا يمكن المساعدة عليه بوجه.

و إن أراد خصوص الأُوليين دون الأخيرة التي هي في الحقيقة من الشك بين الثلاث و الأربع، لرجوعه إلى الشك في أنّه هل أكمل الثلاث و قد قام إلى الرابعة أم الأربع و هذا قيام زائد نحو الخامسة، فنعم الوفاق، فإنّه لدى التحليل من البناء على الأربع في الشكّ بين الثلاث و الأربع، لا في الشك بين الأربع و الخمس كما لا يخفى.

10

و لو كان كثرة شكّه في فعل خاص يختص الحكم به (1) فلو شكّ اتّفاقاً في غير ذلك الفعل يعمل عمل الشك، و كذا لو كان كثير الشك بين الواحدة و الاثنتين لم يلتفت في هذا الشك و يبني على الاثنتين، و إذا اتّفق أنّه شكّ بين الاثنتين و الثلاث أو بين الثلاث و الأربع وجب عليه عمل الشك من البناء و الإتيان بصلاة الاحتياط، و لو كان كثير الشك بعد تجاوز المحل ممّا لا حكم له دون غيره فلو اتّفق أنّه شكّ في المحل وجب عليه الاعتناء، و لو كان كثرة شكّه في صلاة خاصّة أو الصلاة في مكان خاصّ و نحو ذلك اختصّ الحكم به و لا يتعدّى إلى غيره.

____________

(1) لو كان من كثير الشك في فعل خاص كالركوع أو السجود، أو ركعة خاصّة كالشكّ بين الواحدة و الثنتين، أو فريضة خاصّة كصلاة الفجر، أو مكان خاص كالصلاة في الدار، أو زمان كذلك كأوّل الوقت، أو كيفيّة خاصّة كالصلاة فرادى، و الجامع أن تكون كثرة الشك في جهة مخصوصة، أمّا في غيرها فشكّه من الشكوك المتعارفة. فلو اتّفق له عروض الشك في جهة أُخرى فهل يلحقه حكم كثير الشك من عدم الاعتناء، أو يختصّ الحكم بتلك الجهة نفسها و لا يتعدّى إلى غيرها، بل يجب حينئذ العمل بوظيفة الشك؟

نسب الأوّل إلى غير واحد، بل نسب إلى إطلاق الأصحاب الحكم بخروج كثير الشك عن أدلّة الشكوك الشامل للشكّ الاتّفاقي في غير مورد الكثرة استناداً إلى إطلاق النصوص.

و لكن الظاهر كما صرّح به في الجواهر (1) انصراف النصوص و لو بمناسبة‌

____________

(1) الجواهر 12: 420.

11

[مسألة 1: المرجع في كثرة الشك العرف]

[2116] مسألة 1: المرجع في كثرة الشك العرف، و لا يبعد تحقّقه إذا شكّ [1] في صلاة واحدة ثلاث مرّات أو في كلّ من الصلوات الثلاث مرّة واحدة (1).

____________

الحكم و الموضوع إلى إلغاء الشك في خصوص مورد الكثرة، و لا يتبادر منها عدم الالتفات في غير موردها، كما قد يعضده التعليل الوارد فيها بأنّ ذلك من الشيطان، فإنّ الّذي يستند إليه هو الشكّ الكثير غير المتعارف الّذي هو قريب من الوسوسة، و أمّا العارض الاتّفاقي في غير مورد الكثرة فهو من الشكوك المتعارفة الحاصلة لكلّ أحد، و لا يكون منشؤه الشيطان، فلا تكاد تشمله الأخبار بوجه، فيبقى مشمولًا لإطلاق أدلّة الشكوك.

و مع التنزّل و التشكيك فيما ذكرناه فغايته الإجمال في تلك الأخبار، التي هي بمثابة التخصيص للإطلاق المزبور. و من المعلوم أنّ المخصّص المجمل يقتصر فيه على المقدار المتيقّن، و هو في المقام مورد الكثرة، فيرجع فيما عداه إلى الإطلاق.

و أوضح حالًا ما إذا كانت الكثرة في مورد لا حكم له كما لو كان كثير الشك بعد تجاوز المحلّ، المحكوم بعدم الاعتناء حتّى مع عدم الكثرة، فاتّفق أنّه شكّ في المحل بشكّ عادي متعارف، فإنّه لا ينبغي الإشكال في لزوم الاعتناء بشكّه كما هو ظاهر.

(1) نقل المحقّق (قدس سره) في الشرائع (1) في مقام تحديد كثرة الشك قولًا بأنّ حدّه أن يسهو ثلاثاً في فريضة، و نقل قولًا آخر بأنّه أن يسهو مرّة في‌

____________

[1] بل هو بعيد، نعم يتحقّق ذلك بكون المصلّي على حالةٍ لا تمضي عليه ثلاث صلوات إلّا و يشكّ في واحدة منها.

____________

(1) الشرائع 1: 141.

12

..........

____________

ثلاث فرائض.

و صرّح المحقّق الهمداني (1) و غيره بعدم العثور على قائل هذين القولين، ثمّ حكى عن بعضهم حدّا يقرب ممّا ذكره المحقّق، و احتمل أن يكون التحديد المزبور إشارة إليه و أنّه من باب المسامحة في التعبير.

و كيف ما كان، فالمعروف و المشهور إناطة الحد بصدق الكثرة عرفاً بعد عدم ورود تحديد خاص من ناحية الشرع، كما هو الشأن في تعيين مداليل الألفاظ و تشخيص موضوعات الأحكام العارية عن التحديد الشرعي من الإحالة إلى الفهم العرفي، فكلّ ما يراه العرف مصداقاً لكثرة الشك شمله الحكم و دار مداره وجوداً و عدماً.

نعم، ربما يتوهّم استفادة التحديد من صحيحة محمّد بن أبي حمزة: «إنّ الصادق (عليه السلام) قال: إذا كان الرجل ممّن يسهو في كلّ ثلاث فهو ممّن كثر عليه السهو» (2).

فيقال بأنّها تدلّ بمقتضى مفهوم القضيّة الشرطية على أنّ المناط في الحد عدم خلوّ كلّ ثلاث من صلواته عن الشك، المطابق لأحد القولين المحكيين في الشرائع، فإنّ الظاهر أنّ المراد من «كل ثلاث» المذكور فيها كلّ ثلاث صلوات لا كلّ ثلاث ركعات، إذ لا صلاة أكثر من الرباعية، فمفهومها أنّ من لم يكن كذلك فهو ليس من كثير الشك.

و لكنّه بمراحل عن الواقع، لشهادة سياق المنطوق على عدم إرادة الحصر لقوله (عليه السلام) في الجزاء: «فهو ممّن ...» إلخ، الّذي هو كالصريح في وجود فرد آخر له.

____________

(1) مصباح الفقيه (الصلاة): 586 السطر 27.

(2) الوسائل 8: 229/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 16 ح 7.

13

و يعتبر في صدقها أن لا يكون ذلك من جهة عروض عارض من خوف أو غضب أو همّ أو نحو ذلك ممّا يوجب اغتشاش الحواس (1).

____________

نعم، لو كانت العبارة هكذا: فهو كثير السهو. لتمّ ما أُفيد و انعقد له المفهوم المزبور، و لكنّها مقرونة بكلمة «من» التبعيضية، فلا تدل على أكثر من أنّ الشاكّ في كلّ ثلاث من بعض أفراد كثير السهو. و هذا لا ريب في صحّته من غير حاجة إلى ورود النص، لكونه من أفراده الواضحة الظاهرة، إذ الشاك المزبور خارج عن حدّ المتعارف جزماً، فانّ غالب الناس لا يكاد يصدر منهم السهو في كلّ ثلاث و لا في كلّ خمس، بل و لا في كل عشر أو أزيد كما لا يخفى.

و على الجملة: فالشاك في كلّ ثلاث تمرّ عليه كمن يشك في صلاة الفجر ثمّ في العشاء ثمّ في صلاة العصر من اليوم الثاني و هكذا، فهو ممّن يتحقّق معه مسمّى الكثرة عرفاً بلا ريب، سواء اتّحد محلّ سهوه و متعلّق شكّه أم اختلف.

لكن الصدق العرفي لا ينحصر في هذه الصورة المفروض فيها عدم سلامته عن السهو في كلّ ثلاث صلوات متتاليات، بحيث لو سها في ضمن كلّ أربع أو خمس لم يكن من كثير الشك، بل يتحقّق الصدق بهذا أيضاً و بغيره كمن يسهو في جميع صلواته يوماً، و يوماً لا، و نحو ذلك من الفروض.

و الحاصل: أنّ العبرة بصدق الكثرة عرفاً، و هو الضابط في تشخيص هذا الموضوع، و الصحيحة غير منافية لذلك.

(1) لخروج هذا الفرض عن منصرف النصوص، الظاهرة بمقتضى التعليل في اختصاص الحكم بالشكّ المستند إلى الشيطان، الموجب ترك الاعتناء به لزواله كما في صحيحتي محمّد بن مسلم و زرارة (1) الّذي هو مرتبة ضعيفة من الوسوسة.

____________

(1) المتقدّمتين في ص 5.

14

[مسألة 2: لو شكّ في أنّه حصل له حالة كثرة الشكّ أم لا]

[2117] مسألة 2: لو شكّ في أنّه حصل له حالة كثرة الشكّ أم لا بنى على عدمه، كما أنّه لو كان كثير الشك و شكّ في زوال هذه الحالة بنى على بقائها (1).

____________

فإنّ الشك المسبّب عن الجهات الخارجية و العوارض الاتّفاقية من خوف أو غضب أو همّ و نحو ذلك ممّا يوجب تشتّت الفكر و اغتشاش الحواس ربما يحصل لغالب الناس، و لا مساس له بالوسواس الخنّاس بوجه، فلا يستند إلى الشيطان كما لا يزول بترك الاعتناء، فلا يشمله النص.

و مع التشكيك فيما ذكرناه بدعوى أنّ هذه العلل من قبيل الحِكَم التي لا يجب فيها الاطّراد، و لا تمنع عن التمسّك بالإطلاق، فلا أقل من احتمال ذلك و التردّد في أنّها علّة أو حكمة، فتصبح الروايات التي هي بمثابة التخصيص في أدلّة الشكوك مجملة من هذه الجهة.

و قد تقرّر في الأُصول (1) أنّ اللّازم في المخصّص المجمل الدائر بين الأقل و الأكثر الاقتصار على المقدار المتيقّن، الّذي هو في المقام الشك المستند إلى الشيطان، فيرجع فيما عداه إلى إطلاقات تلك الأدلّة كما مرّ نظير هذا البيان قريباً، فلاحظ (2).

(1) لا ريب في أنّ المرجع حينئذ استصحاب الحالة السابقة من الكثرة أو عدمها، فيبني على بقاء ما كان كما كان من عدم حدوث تلك الحالة أو بقائها و عدم زوالها، لكنّه خاصّ بما إذا كانت الشبهة موضوعية.

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 5: 180.

(2) ص 11.

15

..........

____________

أمّا لو كانت مفهومية كأن يشكّ في مفهوم الكثرة عرفاً و ما به يتحقّق حدّها و مسمّاها بناءً على إناطة التحديد بذلك فلا سبيل حينئذ للتمسّك بالاستصحاب، لما هو المقرّر في محلّه (1) من عدم جريانه في الشبهات المفهومية حتّى بناءً على القول بجريانه في الشبهات الحكمية، كما التزم شيخنا الأنصاري (قدس سره) (2) بالتفكيك فأجراه في الشبهة الحكمية دون المفهومية، و لذا منع عن استصحاب النهار لدى الترديد في مفهوم الغروب الّذي هو غاية للظهرين و مبدأ للعشاءين بين استتار القرص و زوال الحمرة المشرقية، كما هو موضح في الأُصول.

و عليه فلا مناص من الاقتصار في المفهوم المجمل الدائر بين الأقل و الأكثر كما في المقام على المقدار المتيقّن، و الرجوع فيما عداه إلى إطلاقات أدلّة الشكوك، السليمة عمّا يصلح للتقييد. و لكن عبارة المتن غير ناظرة إلى الشبهة المفهومية قطعاً.

ثمّ إنّ في الشبهة الموضوعية لو لم يعلم بالحالة السابقة بأن تردّدت بين الكثرة و عدمها كما في تعاقب الحالتين و الشك في المتقدّم منهما و المتأخّر لا إشكال في عدم جريان الاستصحاب، إمّا لقصور المقتضي و عدم جريانه في نفسه من أجل عدم اتصال زمان الشك بزمان اليقين كما يراه صاحب الكفاية (3)، أو لوجود المانع و سقوطه بالمعارضة كما هو الصحيح، و على التقديرين فلا مسرح له في المقام.

____________

(1) مصباح الأُصول 3: 234.

(2) فرائد الأُصول 2: 605.

(3) كفاية الأُصول: 420.

16

..........

____________

كما لا مجال للرجوع إلى إطلاق أدلّة الشكوك، لكونه من التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية كما لا يخفى. إذن ما هو المرجع حينئذ؟ و ما ذا تقتضيه الوظيفة؟

توضيح المقام يستدعي بسطاً في الكلام فنقول:

قد يفرض تعلّق الشك بالقيود الوجودية كالأجزاء و الشرائط، فيشك في تحقّق السجود مثلًا و هو في المحل، و في عين الحال يشكّ في أنّه من كثير الشك كي لا يعتني أم من قليله كي يعتني. و أُخرى بالقيود العدمية كالموانع مثل الشك في زيادة الركوع. و ثالثة بالركعات من الشكوك الباطلة أو الصحيحة.

أمّا الصورة الأُولى: فالقيود الوجودية على ضربين:

أحدهما: ما لا تقدح زيادته العمدية إذا لم تقصد بها الجزئية، مثل القراءة و ذكري الركوع و السجود و نحوها من سائر الأذكار التي لا مانع من الإتيان بها بقصد القرآن أو الذكر المطلق.

ثانيهما: ما تقدح زيادتها الصورية و إن لم يقصد بها الجزئية كالركوع و السجود و لذا لا يجوز الإتيان بسجود الشكر أو التلاوة أثناء الصلاة.

أمّا في القسم الأوّل أعني الأذكار: فقد يقال بوجوب الإتيان عملًا بقاعدة الاشتغال، للشك في كونه من كثير الشك كي لا يعتني، فلا مناص من الاعتناء خروجاً عن عهدة التكليف المعلوم.

و فيه: أنّ القاعدة لا مسرح لها في المقام، لكونه من الدوران بين المحذورين إذ كما يجب عليه الاعتناء بالشك لو لم يكن كثير الشك كذلك لا يجوز له الاعتناء لو كان متّصفاً بالكثرة، و إلّا بطلت صلاته، للزوم الزيادة العمدية كما سيجي‌ء (1).

____________

(1) في ص 24.

17

..........

____________

فالشاك في صفة الكثرة أمره دائر بين الوجود و العدم، إذ لا يجوز الإتيان بالقراءة مثلًا بقصد الجزئية إلّا مرّة واحدة لا أكثر، فان لم يكن من كثير الشك وجب الإتيان بعد كون الشك في المحلّ كما هو المفروض، و إن كان من كثيره لم يجز للزوم الزيادة كما مرّ. فلا موقع للتمسّك حينئذ بقاعدة الاشتغال.

بل الصحيح أن يقال: إذا بنينا على جواز قطع الفريضة فله رفع اليد و الإتيان بصلاة اخرى، و إلّا فلا مناص من الإتيان بالذكر بقصد الأمر الفعلي الجامع بين الجزئية و بين الذكر المطلق، فينوي به امتثال الأمر الواقعي على ما هو عليه، القابل للانطباق على الجزء و على مطلق الذكر. فليس له قصد الجزئية بخصوصها لاحتمال الزيادة القادحة.

و دعوى نفي هذا الاحتمال بأصالة عدم الزيادة، مدفوعة بأنّ دليل الاستصحاب أيضاً مقيّد بعدم كثرة الشك، فهو لا يجري في حقّ كثير الشك في الصلاة، و المفروض الشكّ و عدم إحراز عدم الكثرة. فالتمسّك به و الحال هذه من قبيل التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية كما لا يخفى.

و ممّا ذكرنا يظهر الحال في القسم الثاني، أعني ما عدا الأذكار من الأجزاء ممّا تقدح زيادته العمدية و لو بغير قصد الجزئية كالركوع و السجود، فإنّ قاعدة الاشتغال غير جارية هنا أيضاً و إن قيل بها، لما عرفت من الدوران بين المحذورين، و استصحاب عدم الزيادة غير جارٍ لكونه من الشبهة المصداقية كما مرّ.

و حيث إنّ الاحتياط بالإتيان بقصد الأمر الواقعي الجامع بين الجزئية و غيرها غير ممكن هنا، لفرض قدح الزيادة العمدية و لو لم يقصد بها الجزئية فلا مناص من رفع اليد و إعادة الصلاة، و بذلك يفترق هذا القسم عن القسم السابق.

18

..........

____________

و دعوى وجوب الجمع بين الإتمام و الإعادة، للعلم الإجمالي بأحدهما، إذ لدى ترك المشكوك فيه يجب الإتمام إن كان كثير الشك و إلّا فالإعادة، و ينعكس لدى الإتيان به كما لا يخفى، مدفوعة بأنّ وجوب الإتمام على القول به مختصّ بما إذا أمكن إتمام الصلاة صحيحة و الاكتفاء بها في مقام الامتثال، و إلّا فلا يجب و لا يحرم قطع الفريضة حينئذ جزماً، لانصراف الدليل على فرض وجوده عن مثل ذلك، و حيث لا يتيسّر الإتمام على صفة الصحّة في المقام فلا مانع من رفع اليد و الاقتصار على الإعادة كما عرفت.

فتحصّل: أنّ في هذه الصورة بقسميها لا مجال للتشبّث بقاعدة الاشتغال و الإتيان بالمشكوك فيه بعنوان الجزئية، بل لا بدّ من الاحتياط فيما أمكن و الإعادة فيما لا يمكن حسبما فصّلناه.

و أمّا الصورة الثانية: أعني الشك في وجود المانع كزيادة الركوع أو السجدتين فلا يترتّب أثر على كثرة الشك و عدمها حينئذ، و لا يختلف أحدهما عن الآخر في الحكم كي نحتاج إلى تأسيس الأصل لدى التردّد بينهما لأصالة عدم تحقّق الزيادة، سواء أ كان من كثير الشك أم قليله، كان الشك في المحل أم في خارجه.

فهذا الشك محكوم بعدم الاعتناء على كلّ تقدير، و لا يختصّ ذلك بكثير الشك ليمتاز عن غيره في هذا الحكم فيبحث عن تعيين المرجع لدى الشك في الكثرة.

و أمّا الصورة الثالثة: أعني الشك المتعلّق بالركعات فهو على قسمين، إذ قد يكون من الشكوك الباطلة و أُخرى من الصحيحة.

أمّا في القسم الأوّل: كما لو شكّ بين الواحدة و الثنتين و لم يدر أنّه من كثير‌

19

..........

____________

الشك ليمضي في صلاته أو من غيره لتبطل، فقد عرفت أنّه لا مجال للرجوع حينئذ إلى إطلاقات أدلّة الشكوك ليحكم هنا بالبطلان، إذ قد خصّصت بغير كثير الشك. فالشبهة بالإضافة إليها مصداقية.

كما لا مجال أيضاً للرجوع إلى الإطلاق في دليل كثرة الشك ليحكم بالصحّة لعدم إحراز الموضوع حسب الفرض، فالشبهة مصداقية بالإضافة إليه أيضاً. فلا سبيل للتمسّك بالإطلاقات اللّفظية و الأدلّة الشرعية. فلا جرم تنتهي النوبة إلى مراجعة حكم العقل القاضي بالإعادة، عملًا بقاعدة الاشتغال، من غير حاجة إلى الإتمام بعد عدم إمكان تصحيحها بوجه، و قد عرفت أنّ دليل حرمة القطع لو تمّ منصرف عن مثل ذلك.

و منه يظهر الجواب عن دعوى العلم الإجمالي بوجوب الإتمام أو الإعادة كما مرّ آنفاً. فيرفع اليد عنها و يعيدها.

و أمّا القسم الثاني: أعني الشكوك الصحيحة فهي على نوعين، إذ الشك قد يكون مستتبعاً لركعة الاحتياط كما في الشك بين الثلاث و الأربع، و أُخرى لسجود السهو كالشك بين الأربع و الخمس بعد إكمال السجدتين.

أمّا في النوع الأوّل: فلا ريب في لزوم البناء على الأكثر، لوجوبه على كلّ من تقديري كثرة الشك و عدمها، فهو ثابت على كلّ حال، و لا أثر للشك من هذه الجهة، و إنّما يختلفان في الحاجة إلى ركعة الاحتياط و عدمها.

و الظاهر وجوب الإتيان بها بناءً على ما هو الصحيح كما مرّ في محلّه (1) من كون الركعة جزءاً متمّماً على تقدير النقص، و أنّه يؤتي بها بالعنوان الجامع بين الجزئية على هذا التقدير و النفل على التقدير الآخر كما هو معنى الاحتياط‌

____________

(1) شرح العروة 18: 277 278.

20

..........

____________

و ليست بصلاة مستقلّة، و عليه فلا مناص من الإتيان بها، عملًا بقاعدة الاشتغال بعد احتمال الحاجة إليها واقعاً و عدم كونه من كثير الشك من غير مؤمّن يدفع الاحتمال المزبور.

و بعبارة اخرى: لم يتعلّق التكليف بشخص هذه الصلاة المقرونة بالشك، و إنّما متعلّقه الطبيعي الجامع القابل للانطباق على ما بين الحدّين من الأفراد. فمتعلّق التكليف معلوم لا إجمال فيه، و إنّما التردّد في انطباقه على هذا الفرد المقترن بالشك، و لا يكاد يحرز الانطباق إلّا بعد انضمام ركعة الاحتياط الجابرة للنقص المحتمل بتعبّد من الشرع و حكمه باغتفار التسليم و التكبير المتخلّلين في البين كما نطقت به موثّقة عمار: «إلا أُعلّمك شيئاً إذا فعلته ثمّ ذكرت أنّك أتممت أو نقصت لم يكن عليك شي‌ء ...» إلخ (1).

فخروجاً عن عهدة التكليف المعلوم و قضاءً لقاعدة الشغل المقتضية للفراغ المقطوع لا مناص من الإتيان بركعة الاحتياط، و معه لا مجال للرجوع إلى أصالة البراءة كما هو ظاهر، و أمّا في النوع الثاني: فمن حيث البناء على الأربع لا تردّد فيه، لثبوته على التقديرين كما مرّ.

و أمّا من حيث سجود السهو فبما أنّه تكليف مستقل غير مرتبط بأصل الصلاة و إن نشأ عن خلل واقع في الأثناء، و لذا لا يضرّ تركه العمدي بصحّتها و إن استتبع الإثم فضلًا عن السهوي، و المفروض الشكّ في تعلّق هذا التكليف و حدوثه بعد الصلاة لاحتمال كونه من كثير الشك، فيرجع في نفيه إلى أصالة البراءة.

____________

(1) الوسائل 8: 213/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 3 [الظاهر كونها ضعيفة السند فلاحظ].

21

..........

____________

لكن هذا البيان إنّما يتّجه بناءً على اختصاص دليل سجدتي السهو بغير كثير الشك، و أنّ ما دلّ على عدم الاعتناء بالشك لدى الكثرة شامل للصلاة و ما يلحقها من سجود السهو، إذ عليه لو شككنا في حصول صفة الكثرة، و المفروض عدم إمكان التمسّك بأدلّتها لكون الشبهة مصداقية، فلا محالة نشك في وجوب السجدتين فيدفع بأصل البراءة كما ذكر.

و أمّا بناءً على عدم الاختصاص و أنّ كثير الشك أيضاً يجب عليه سجود السهو كغيره، نظراً إلى أنّ غاية ما يستفاد من أدلّته هو المضي في الصلاة و عدم الاعتناء بالشك المتعلّق بها نفسها، و أمّا الموجب لعمل آخر مستقل واقع خارج الصلاة من غير ارتباط له بها و عدم دخل في صحّتها، فتلك الأدلّة قاصرة عن التعرّض لذلك، و غير ناظرة إلى نفيه و عدم الاعتناء به.

نعم، لو كان الوارد فيها إلغاء الشك و أنّه لدى الكثرة بحكم العدم كان ذلك دليلًا على سقوط السجدتين لا محالة. لكنّ المذكور فيها هو المضي في الصلاة أو المضي في الشك على اختلاف ألسنتها، و هو كما ترى لا يدلّ إلّا على عدم الاعتناء بالشكّ المتعلّق بنفس الصلاة بما لها من الأجزاء و الركعات، دون ما يلحقها من عمل آخر مستقل مثل سجدة السهو كما عرفت. فيبقى إطلاق دليل وجوبها للشاك بين الأربع و الخمس الشامل لكثير الشك كغيره على حاله بعد سلامته عما يصلح للتقييد.

فعليه لا تبقى ثمرة للشكّ في حصول الكثرة و عدمها، لثبوت وجوب السجدتين على التقديرين.

و لكن المشهور ظاهراً هو عدم الوجوب لدى الكثرة، لإطلاق كلامهم و يستدلّ له بوجهين:

أحدهما: دعوى انصراف الدليل المتكفّل للسجود في الشك بين الأربع‌

22

..........

____________

و الخمس عن كثير الشك. فالمقتضي للوجوب قاصر في حدّ نفسه، لاختصاصه بحكم الانصراف بالشكّ العادي المتعارف. هكذا احتمله المحقّق الهمداني (قدس سره) (1).

و لكنّه كما ترى لم يعرف قط وجه لهذا الانصراف، فإنّه لو تمّ لعمّ و شمل سائر أدلّة الشكوك بمناط واحد، و ليس كذلك جزماً، إذ لم يدّع فقيه فيما نعلم انصراف مثل دليل الشك بين الواحدة و الثنتين أو الثلاث و الأربع و نحوهما من سائر أدلّة الشكوك الباطلة أو الصحيحة عن كثير الشك، بل ارتكبوا التقييد في إطلاق أدلّتها، فاستثنوا عنها كثير الشك بمقتضى النصوص الواردة فيه، فلم ينكروا الإطلاق رأساً، بل قيّدوه جمعاً. و أين هذا من دعوى الانصراف و قصور المقتضي في حدّ نفسه. فهذه الدعوى ساقطة البتّة.

ثانيهما: ما ذكره هو (قدس سره) أيضاً من استفادته من التعليل الواقع في الأخبار، حيث يفهم منها أنّ المقصود بالأمر بالمضيّ ترك الاعتناء بالشك و كون الاعتناء به إطاعة للشيطان و تعويداً للخبيث، فنهينا عن تمكينه و تعويده من الأنفس بترتيب الأثر على الشك، من غير فرق بين تعلّق الأثر بنفس الصلاة أم بما يلحقها كسجدتي السهو.

و هذا الوجه يتلو سابقه في الضعف، فانّ مورد صحيحة زرارة و أبي بصير (2) المشتملة على التعليل المزبور هو الشكّ المبطل، و الممنوع عنه هو تطميع الخبيث و تعويده من الأنفس في نقض الصلاة، الّذي هو أمر مرغوب عنه إمّا محرّم أو لا أقل أنّه مرجوح. فلا دلالة لها على المنع عن مطلق التعويد و لو في محل آخر مستقل غير مرتبط بالصلاة. فهذا حكم خاص بالشكّ الكثير المتعلّق بنفس الصلاة.

____________

(1) مصباح الفقيه (الصلاة): 586 السطر 8.

(2) المتقدّمة في ص 5.

23

[مسألة 3: إذا لم يلتفت إلى شكّه و ظهر بعد ذلك خلاف ما بنى عليه]

[2118] مسألة 3: إذا لم يلتفت إلى شكّه و ظهر بعد ذلك خلاف ما بنى عليه و أنّ مع الشك في الفعل الّذي بنى على وقوعه لم يكن واقعاً أو أنّ ما بنى على عدم وقوعه كان واقعاً يعمل بمقتضى ما ظهر، فان كان تاركاً لركن بطلت صلاته، و إن كان تاركاً لغير ركن مع فوت محلّ تداركه وجب عليه القضاء فيما فيه القضاء و سجدتا السهو فيما فيه ذلك، و إن بنى على عدم الزيادة فبان أنّه زاد يعمل بمقتضاه من البطلان أو غيره من سجود السهو (1).

____________

و لذلك لم نتعدّ منها إلى الوضوء، فلو كان كثير الشك في وضوئه بحيث لم تمرّ عليه وضوءات ثلاثة إلّا و يشكّ في واحد منها، يعتني بشكّه الحادث في المحل و إن كان مستنداً إلى الشيطان ما لم يبلغ حدّ الوسواس، عملًا بقاعدة الشك في المحل، أمّا الحادث بعده ففي جريان قاعدة التجاوز كلام مذكور في محلّه (1).

و كيف ما كان، فسجود السهو واجب مستقل سببه نفس الشك في الصلاة بين الأربع و الخمس، لا أنّه من متمّمات الصلاة، و لا يكاد يستفاد من الأخبار سقوطه عن كثير الشك بوجه كما لا يخفى.

(1) إذا لم يعتن كثير الشك بشكّه بمقتضى وظيفته من البناء على الوقوع أو العدم حسب اختلاف الموارد و مضى ثمّ انكشف الخلاف، فقد يكون المنكشف نقصان شي‌ء و أُخرى زيادته.

أمّا في النقص: فان كان محل التدارك باقياً رجع و تدارك، من غير فرق بين الركن و غيره، كما لو شكّ في الركوع فبنى على الوقوع فانكشف الخلاف قبل الدخول في السجدة الثانية، أو في التشهّد فبان العدم قبل الدخول في الركوع.

____________

(1) شرح العروة 6: 117.

24

[مسألة 4: لا يجوز له الاعتناء بشكّه، فلو شكّ في أنّه ركع أو لا، لا يجوز له أن يركع]

[2119] مسألة 4: لا يجوز له الاعتناء بشكّه، فلو شكّ في أنّه ركع أو لا، لا يجوز له أن يركع (1)، و إلّا بطلت الصلاة، نعم في الشك في القراءة أو الذكر إذا اعتنى بشكّه و أتى بالمشكوك فيه بقصد القربة لا بأس به ما لم يكن إلى حدّ الوسواس.

____________

و إن لم يكن باقياً، فان كان الناقص ركناً بطلت صلاته، و إلّا قضاه إن كان ممّا يقضى كالسجدة الواحدة، و أتى بسجدتي السهو إن كان ممّا فيه ذلك كالتشهّد، و لا شي‌ء عليه إن لم يكن منهما كالقراءة إلّا بناءً على وجوب سجدتي السهو لكلّ زيادة و نقيصة.

و أمّا في الزيادة: فإن كان الزائد ركناً بطلت صلاته، و إلّا وجبت عليه سجدتا السهو إن قلنا بوجوبهما لكلّ زيادة و نقيصة، و إلّا فلا شي‌ء عليه. ففي جميع هذه الفروض يعمل بمقتضى ما ظهر.

و الوجه في ذلك كلّه أنّ أدلّة كثرة الشك غير ناظرة إلى الأحكام الواقعية و لا توجب تخصيصاً فيها، بل هي تنظر إلى أدلّة الشكوك التي هي أحكام ظاهرية و توجب تخصيصها بغير كثير الشك.

و من المعلوم أنّ الحكم الظاهري مغيّا بعدم انكشاف الخلاف، فمتى ظهر الحال و بان الخلاف فحيث إنّ الأحكام الواقعية الثابتة بالعناوين الأوّلية باقية على حالها فلا مناص من العمل بمقتضاها، و الجري على طبقها الّذي يختلف باختلاف الموارد حسبما فصّلناه.

(1) لظهور النصوص في وجوب المضي، و أنّ ترك الاعتناء هي الوظيفة الظاهرية التعينية المقرّرة في ظرف الكثرة، فلو اعتنى و أتى بالمشكوك فيه بطلت صلاته، للزوم الزيادة العمدية بمقتضى الوظيفة الظاهرية.

25

..........

____________

هذا فيما كانت الزيادة قادحة حتّى الصورية كما في الركوع و السجود، و أمّا ما لا تقدح إلّا مع الإتيان بعنوان الجزئية كالقراءة و الذكر فلا بأس بإتيانه بقصد القربة المطلقة ما لم يبلغ حدّ الوسواس المنهي عنه.

هذا هو المعروف و المشهور بين الأصحاب، و لكن نسب إلى الشهيد في الذكرى أنّه احتمل التخيير بين المضي و بين الاعتناء بالشك (1)، بل اختاره المحقّق الأردبيلي (قدس سره) (2)، و يستدلّ له بوجهين:

أحدهما: أنّ هذا هو مقتضى الجمع بين صدر صحيحة زرارة و أبي بصير المتقدّمة (3) و ذيلها، فيحمل الأمر بالإعادة في الأوّل و بالمضي في الثاني بعد تعلّقهما بموضوع واحد و هو كثير الشك على التخيير، هذا.

و قد أسلفنا البحث حول هذه الصحيحة مستقصى و قلنا: إنّ الكثرة و القلّة متضايفتان، و المراد بها في السؤال الأوّل أوّل مرتبة سمّاها السائل كثير الشك مع عدم بلوغها مرتبة الكثرة بالمعنى المصطلح الّذي هو المراد بها في السؤال الثاني، فلم يردا على موضوع واحد ليجمع بما ذكر.

مع أنّه بعيد في حدّ نفسه، إذ كيف يحتمل التخيير مع اقترانه بالتعليل بعدم تطميع الخبيث و تعويده من النفس، فإنّه إنّما يناسب الإلزام دون الجواز و التخيير. فنفس التعليل يشهد بأنّ الجملة الثانية ناظرة إلى موضوع آخر كما ذكرناه. فهذا الوجه ساقط جدّاً.

ثانيهما: أنّ النصوص و إن تضمّنت الأمر بالمضي و لكنّه غير ظاهر في‌

____________

(1) الذكرى 4: 56.

(2) مجمع الفائدة و البرهان 3: 146.

(3) في ص 5.

26

..........

____________

الوجوب، لوروده مورد توهّم الحظر، حيث إنّ المضي على الشك ممنوع بمقتضى قاعدة الاشتغال، مضافاً إلى أدلّة الشكوك. فغايته الدلالة على الجواز دون الوجوب.

و فيه أوّلًا: أنّ الأمر الواقع موقع توهّم الحظر و إن لم يكن ظاهراً في الوجوب في حدّ نفسه إلّا أنّ اقترانه بالتعليل بأنّه من الشيطان، و بعدم تعويد الخبيث كما في صحيحتي محمّد بن مسلم و زرارة يأبى عن حمله على الرخصة، إذ لا معنى للترخيص في إطاعة الشيطان. فلا مجال للتشكيك في ظهوره بمقتضى هذه القرينة في الوجوب.

و ثانياً: سلّمنا عدم ظهور هذه الأخبار في الوجوب لكن مجرّد الشك كافٍ في عدم جواز الاعتناء بالشك، إذ بأي مستند يسوغ له الإتيان بالمشكوك فيه بعد فرض تخصيص أدلّة الشكوك بغير كثير الشك و خروجه عن إطلاقات تلك الأدلّة، المانع عن صحّة الاستناد إليها.

فلو شكّ في الركوع مثلًا و أتى بالمشكوك فيه يحتمل وجداناً تحقّق الزيادة وقتئذ، و لا دافع لهذا الاحتمال إلّا أصالة عدم الزيادة، و المفروض عدم جريانها في حقّ كثير الشك، لتخصيص دليل الاستصحاب أيضاً كأدلّة الشكوك. فلا حاجة إلى إثبات أنّ المستفاد من النصوص هو الوجوب، بل لو كان المستفاد جواز المضي كفى في عدم جواز الطرف الآخر، فإنّه زيادة و الزيادة مبطلة.

و كذلك لو شكّ في الأُوليين فإنّه يمضي بمقتضى هذه النصوص، فلو فرضنا أنّه لم يمض ماذا يصنع؟ فانّ البناء على الأقل و الإتيان بركعة أُخرى يحتاج إلى الدليل، و معه كان الشك في نفسه مبطلًا.

و الحاصل: أنّ العبادة توقيفية يعتبر فيها عدم الزيادة، و لا بدّ من إحراز‌

27

[مسألة 5: إذا شكّ في أنّ كثرة شكّه مختص بالمورد المعيّن الفلاني أو مطلقاً]

[2120] مسألة 5: إذا شكّ في أنّ كثرة شكّه مختص بالمورد المعيّن الفلاني أو مطلقاً اقتصر على ذلك المورد (1).

[مسألة 6: لا يجب على كثير الشك و غيره ضبط الصلاة بالحصى أو السبحة]

[2121] مسألة 6: لا يجب على كثير الشك و غيره ضبط الصلاة بالحصى أو السبحة أو الخاتم أو نحو ذلك، و إن كان أحوط في من كثر شكّه (2).

____________

تعلّق الأمر بها بما لها من الأجزاء، و عليه فجواز الإتيان بالمشكوك فيه موقوف على قيام الدليل، و بدونه تشريع محرّم، و المفروض فقدان الدليل في المقام.

فان قلت: كفى دليلًا ظهور الأمر الواقع عقيب الحظر في الجواز، فانّ جواز ترك الاعتناء مساوق لجواز الاعتناء، لقيام مفهوم الجواز بالطرفين.

قلت: لا يراد بالجواز المدّعى ظهور الأمر فيه الجوازُ المصطلح بمعنى الإباحة الشرعية التي هي من أحد الأحكام الخمسة، بل المراد الجواز بالمعنى الأعم أعني مجرّد نفي البأس في المضي، و هذا لا يدل على مشروعية ترك المضي و الإتيان بالفعل كما لا يخفى، فتدبّر جيّداً.

و على الجملة: فلا حاجة إلى إثبات ظهور الأمر في الوجوب، مع أنّه لا إشكال في ظهوره فيه في المقام حسبما عرفت.

(1) أخذاً بالمقدار المتيقّن، فيرجع في الزائد المشكوك فيه إلى استصحاب عدم الكثرة.

(2) كما لا يجب عليه تخفيف الصلاة و الاقتصار على أقلّ الواجب دفعاً للشك، للأصل و إطلاق الأدلّة. و هذا هو المعروف المشهور، بل من غير خلاف يعرف.

و لكن هناك عدّة روايات قد يقال أو قيل بظهورها في الوجوب، مع أنّ‌

28

..........

____________

شيئاً منها لا تدلّ عليه.

فمنها: معتبرة حبيب الخثعمي قال: «شكوت إلى أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) كثرة السهو في الصلاة، فقال: أحص صلاتك بالحصى، أو قال احفظها بالحصى» (1).

و هي كما ترى قاصرة الدلالة على الحكم الشرعي، إذ غايتها الشكاية عن هذا المرض و طلب العلاج، فعلّمه (عليه السلام) كيفية العلاج. فالأمر محمول على الإرشاد لا محالة.

و نظيرها صحيحة عمر بن يزيد قال: «شكوتُ إلى أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) السهو في المغرب، فقال: صلّها بقُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ و قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ففعلت ذلك فذهب عنِّي» (2).

بل إنّ ذيلها شاهد على المطلب، لعدم وجوب السورتين بالضرورة. فهاتان الصحيحتان لا تدلّان لا على الوجوب و لا الاستحباب، بل هما مسوقتان للعلاج إمّا لكثرة السهو كما في الأُولى، أو لأصل السهو كما في الثانية.

و منها: رواية حبيب بن المعلّى: «أنّه سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) فقال له: إنِّي رجل كثير السهو، فما أحفظ صلاتي إلّا بخاتمي، أُحوّله من مكان إلى مكان؟ فقال: لا بأس به» (3).

و هي مضافاً إلى ضعف السند لا تدل إلّا على الجواز، كمعتبرة عبد اللّٰه بن المغيرة (4).

____________

(1) الوسائل 8: 247/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 28 ح 1.

(2) الوسائل 8: 236/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 22 ح 1.

(3) الوسائل 8: 247/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 28 ح 2.

(4) الوسائل 8: 247/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 28 ح 3.

29

..........

____________

و نحوهما صحيحة عمران الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنّه قال: «ينبغي تخفيف الصلاة من أجل السهو» (1).

بناءً على أنّ كلمة «ينبغي» التي لا تستعمل إلّا بصيغة المضارع بمعنى يتيسّر كما هو كذلك لغة (2)، و كذا في الكتاب العزيز قال تعالى لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهٰا (3) إلخ، أي لا يتيسّر لها، و عليه فلا تدل في المقام إلّا على الجواز. نعم، لو حملناها على المعنى المتعارف الدارج في العرف الحاضر فغايته الاستحباب.

و لم يبق في البين إلّا رواية واحدة قد يتوهّم ظهورها في الوجوب، و هي موثّقة عبيد اللّٰه الحلبي قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن السهو، قلت: فإنّه يكثر عليّ، فقال: أدرج صلاتك إدراجاً، قلت: و أي شي‌ء الإدراج؟ قال: ثلاث تسبيحات في الركوع و السجود» (4).

و فيه: أنّها في نفسها غير ظاهرة في الوجوب، إذ لم يعلم أنّه سئل عن حكمه أو عن علاجه، و لو سلّم فيرفع اليد عن ظهورها و تحمل على العلاج بقرينة الروايات المتقدّمة.

فتحصّل: أنّ الضبط أو التخفيف غير واجب و إن كان ذلك أحوط في من كثر شكّه كما في المتن، خروجاً عما توهمه بعض النصوص المتقدّمة.

____________

(1) الوسائل 8: 236/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 22 ح 2.

(2) المنجد: 44 مادّة بغىٰ.

(3) يس 36: 40.

(4) الوسائل 8: 236/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 22 ح 3.

30

[الخامس: الشك البدوي الزائل بعد التروّي]

الخامس: الشك البدوي الزائل بعد التروّي، سواء تبدّل باليقين بأحد الطرفين أو بالظنّ المعتبر أو بشك آخر (1).

[السادس: شك كلّ من الإمام و المأموم مع حفظ الآخر]

السادس: شك كلّ من الإمام و المأموم مع حفظ الآخر [1] فإنّه يرجع الشاك منهما إلى الحافظ، لكن في خصوص الركعات لا في الأفعال [2] حتّى في عدد السجدتين، و لا يشترط في البناء على حفظ الآخر حصول الظنّ للشاك، فيرجع و إن كان باقياً على شكّه على الأقوى (2).

____________

(1) تقدّم في مبحث الشكوك (1) أنّ أحكامها من البطلان أو البناء مترتّبة على عنوان الشك و منوطة بوجود الموضوع، كما هو الشأن في كلّ قضيّة حقيقية من ظهورها في دوران الحكم مدار الموضوع حدوثاً و بقاءً، فلا أثر لمجرّد الشك إلّا لدى استقراره و بقائه. فلو زال و تبدّل بخلافه من يقين أو ظنّ معتبر أو شك آخر لحقه حكم المبدل إليه، و ارتفع الحكم الأوّل بارتفاع موضوعه لا محالة.

و هذا من غير فرق بين البدوي و غيره، لوحدة المناط. و التقييد بالأوّل في عبارة المتن لكونه الشائع الغالب من أفراد الزائل كما هو ظاهر.

(2) هذا الحكم أعني رجوع كلّ من الإمام و المأموم إلى الآخر و عدم الاعتناء بالشك من المتسالم عليه في الجملة، للنصوص الكثيرة كما ستعرف.

إنّما الكلام في أنّه هل يختصّ بالركعات فيما إذا علم بتوافقهما في الكيفية و إلّا فلا يجري فيها أيضاً كما ستعرف، أو أنّه يعمّ الأفعال؟

____________

[1] الشاك منهما يرجع إلى الظانّ، و الظانّ منهما لا يرجع إلى المتيقّن على الأظهر.

[2] الظاهر عدم الفرق بينها و بين الركعات.

____________

(1) شرح العروة 18: 228.

31

..........

____________

نسب الثاني في المدارك إلى المشهور (1)، و لكنّ جماعة من المتأخّرين منهم صاحب الجواهر (قدس سره) (2) قالوا إنّه لا دليل عليه، لورود الروايات في الركعات، فيرجع في الأفعال إلى مقتضى القواعد. فلا بدّ إذن من النظر إلى الروايات.

فمنها: صحيحة علي بن جعفر المرويّة بطريقين معتبرين، قال: «سألته عن الرجل يصلّي خلف الإمام لا يدري كم صلّى، فهل عليه سهو؟ قال: لا» (3) و هي كما ترى خاصّة بالركعات.

و منها: ما رواه الصدوق بإسناده عن إبراهيم بن هاشم في نوادره: «أنّه سئل أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) عن إمام يصلّي بأربع أو بخمس فيسبّح اثنان على أنّهم صلّوا ثلاثاً و يسبّح ثلاثة على أنّهم صلّوا أربعاً، يقول هؤلاء قوموا و يقول هؤلاء اقعدوا، و الإمام مائل مع أحدهما أو معتدل الوهم، فما يجب عليهم؟ قال: ليس على الإمام سهو إذا حفظ عليه من خلفه سهوه باتفاق (بإيقان) منهم، و ليس على من خلف الإمام سهو إذا لم يسهُ الإمام، و لا سهو في سهو، و لا في المغرب سهو، و لا في الفجر سهو، و لا في الركعتين الأوّلتين من كلّ صلاة سهو، و لا سهو في نافلة» (4).

و رواه الكليني عن علي بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن رجل، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (5).

____________

(1) المدارك 4: 269.

(2) الجواهر 12: 411.

(3) الوسائل 8: 239/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 24 ح 1.

(4) الوسائل 8: 241/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 24 ح 8، الفقيه 1: 231/ 1028.

(5) الكافي 3: 358/ 5.

32

..........

____________

و هي أيضاً خاصّة بالركعات، و لا سيما بقرينة بقية الفقرات، فانّ السهو في الأفعال في المغرب و الفجر جارٍ قطعاً.

و لكنّ الرواية في نفسها غير صالحة للاستدلال، لقصور السند، فإنّها مرسلة بطريق الكليني، و كذا بطريق الصدوق، لوضوح أنّ إبراهيم بن هاشم لم يدرك الصادق (عليه السلام) فبينهما واسطة لا محالة. و لا يبعد أن يكون السند هو السند.

و كيف ما كان، فكلا الطريقين محكومان بالإرسال. فلا تنهض للاستدلال.

و منها: ما رواه الشيخ (1) بإسناده عن ابن مسكان عن أبي الهذيل عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «في الرجل يتّكل على عدد صاحبته في الطواف أ يجزيه عنها و عن الصبي؟ فقال: نعم، أ لا ترى أنّك تأتم بالإمام إذا صلّيت خلفه، فهو مثله» (2).

و هي أيضاً غير ظاهرة في التعميم لتدلّ على جواز الرجوع في الصلاة في غير الركعات، لعدم كونها مسوقة لبيان حكم الصلاة، و إنّما هي في مقام بيان أنّ الطواف مثل الصلاة. و أمّا أنّ المماثلة هل هي في مطلق الأحكام أو في خصوص الأعداد فليست بصدد البيان من هذه الجهة لو لم تكن ظاهرة في خصوص الثاني كما لا يخفى.

و على الجملة: فليس في شي‌ء من النصوص ما يصلح للاستدلال به على التعميم.

و العمدة إنّما هي صحيحة حفص بن البختري التي ادّعي أنّها مطلقة من حيث الركعات و الأفعال، و حاكمة على جميع أدلّة الشكوك، عن أبي عبد اللّٰه‌

____________

(1) [لعلّ الصحيح: الصدوق، رواه في الفقيه 2: 254/ 1233].

(2) الوسائل 8: 242/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 24 ح 9.

33

..........

____________

(عليه السلام) «قال: ليس على الإمام سهو، و لا على من خلف الإمام سهو و لا على السهو سهو، و لا على الإعادة إعادة» (1).

دلّت على نفي السهو عن كلّ من الإمام و المأموم، الشامل بإطلاقه لما إذا كان ذلك متعلّقاً بالركعات أم الأفعال كعدد السجدتين أو غيرهما من الأجزاء.

نعم، لا مناص من تقييدها بما إذا كان الآخر حافظاً، فلا تشمل ما لو اشتركا في السهو، فإنّ الصحيحة في نفسها منصرفة عن هذه الصورة و غير شاملة لها في حدّ ذاتها بمقتضى الفهم العرفي و مناسبة الحكم و الموضوع، و إلّا كان الأحرى أن يقول هكذا: و لا سهو في الجماعة. فإنّه أخصر و أصرح.

و على تقدير الشمول فهي مقيّدة بما عداها بالقطع الخارجي و الأدلّة الأُخرى الدالّة على عدم خروجهما عن أدلّة الشكوك لدى اشتراكهما في السهو.

كما لا مناص من تقييدها بما إذا كانا الإمام و المأموم متّحدين في الكيفية و متطابقين في العمل، بحيث يكون الشك من أحدهما ملازماً لشكّه في عمل الآخر لاتحاد السبب الموجب للشك، فانّ هذا هو المسوّغ لرجوع الشاك منهما إلى الحافظ، باعتبار أنّ حفظ أحدهما أمارة و طريق إلى إحراز عمل الآخر بعد وضوح أنّ المناط في الرجوع هو طريقية الحفظ من أحدهما و كاشفيّته، و ليس مبنياً على التعبّد المحض.

و أمّا مع احتمال الاختلاف في الكيفية كما لو احتمل المأموم الشاك أن يكون مسبوقاً بركعة، أو احتمل غفلته عن متابعة الإمام في إحدى السجدتين مثلًا و أنّه بقي مستمرّاً في سجدته الاولى إلى أن دخل الإمام في الثانية، بحيث اختلف منشأ الشك و لم يكن ملازماً للشك في عمل الآخر، فلا إشكال حينئذ‌

____________

(1) الوسائل 8: 240/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 24 ح 3، و قد أورد ذيلها في 243/ أبواب الخلل ب 25 ح 1.

34

..........

____________

في لزوم الاعتناء و عدم صحّة الرجوع إلى الآخر، لعدم الطريقية و الأمارية لحفظ الآخر حينئذ كما هو ظاهر.

و على الجملة: فبعد هذين التقييدين المستفادين من نفس الصحيحة بمقتضى الانصراف و الفهم العرفي أو لا أقل من القطع الخارجي، لا مانع من التمسّك بإطلاقها الشامل للركعات و الأفعال.

إلّا أنّه قد يناقش في دلالة الصحيحة على الإطلاق من وجوه.

أحدها: امتناع الأخذ بإطلاقها الأحوالي و الأفرادي، الكاشف عن عدم ورودها إلّا في مقام إثبات الحكم في الجملة، فلا يمكن التمسّك بها في المقام. و قد ظهر الجواب عن ذلك ممّا ذكرناه آنفا.

ثانيها: ما ذكره المحقّق الهمداني (قدس سره) من اضطراب الصحيحة و تشويشها، حيث إنّه (قدس سره) بعد أن استجود تأمّل صاحب الجواهر (قدس سره) في شمول الأدلّة للسهو في الأفعال باعتبار أنّ عمدة الدليل هو الإجماع و الأخبار، و لم يتحقّق الإجماع بالنسبة إلى محلّ الكلام، و الأخبار لا تخلو من قصور، قال (قدس سره) ما لفظه: أمّا رواية [ابن] البختري فهي في حدّ ذاتها متشابهة، و غاية ما يمكن استفادته منها ببعض القرائن الداخلية و الخارجية إنّما هو إرادة الشكّ في الركعات (1).

أقول: لا نرى أيّ تشابه و إجمال في هذه الفقرة من الصحيحة التي هي مورد الاستشهاد في محلّ الكلام، فإنّها واضحة الدلالة بعد مراعاة التقييد بما عرفت المستفاد من نفسها، أو لا أقل من الدليل الخارجي كما مرّ.

نعم، دعوى التشابه وجيهة في سائر فقرأتها الأجنبية عن محلّ الكلام أعني‌

____________

(1) مصباح الفقيه (الصلاة): 579 السطر 31.

35

..........

____________

قوله (عليه السلام): «و لا على السهو سهو» و قوله (عليه السلام): «و لا على الإعادة إعادة».

و قد تقدّم (1) نبذ من الكلام في الأوّل، و أما الثاني فهو بظاهره غير مستقيم إذ لا نعرف وجهاً لعدم الإعادة في الصلاة المعادة فيما لو اشتملت على نفس السبب المستوجب لإعادة الصلاة الأُولى أو سبب آخر يقتضيها، كما لو شكّ بين الواحدة و الثنتين في كلّ من الأصلية و المعادة، أو علم بزيادة الركوع مثلًا في كلّ منهما.

و كيف ما كان، فالإجمال و التشابه في بقية الفقرات غير مانع من صحّة الاستدلال بالفقرة الأُولى منها التي هي محلّ الكلام بعد سلامتها في نفسها عن التشابه كما عرفت.

ثالثها: دعوى أنّ السهو في هذه النصوص التي هي بلسان واحد لا يُراد منه إلّا الشك في الركعات خاصّة. فهذه الكلمة في حدِّ نفسها منصرفة إليه، فلا تعرض فيها لحكم الشك في الأفعال.

و يدفعها: أنّ لفظ السّهو الوارد في النصوص بأجمعها لم يستعمل إلّا في ذات الشك، لا في خصوص الشك في الركعات.

نعم، كثيراً ما يستعمل في هذا المورد مثل ما ورد من أنّه ليس في الركعتين الأُوليين اللّتين هما من فرض اللّٰه سهو (2)، و ليس في المغرب سهو (3)، و لا في الفجر سهو (4)، و نحو ذلك من الموارد التي يعلم و لو بالقرينة الخارجية إرادة الشك في الركعات. إلّا أنّ ذلك مورد للاستعمال، لا أنّه المستعمل فيه اللّفظ.

____________

(1) في شرح العروة 18: 301.

(2) الوسائل 8: 187/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 1 ح 1، 4 و غيرهما.

(3) 4) الوسائل 8: 194/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 2 ح 3، 4، 6، 8 و غيرها.

36

..........

____________

و كم فرق بين الأمرين.

و على الجملة: فذات الكلمة لم تستعمل إلّا في نفس الشك، و هذا مشترك فيه بين جميع موارد الاستعمالات و إن اختلف بعضها عن بعض من حيث اختصاص المورد بالركعات لقيام الدليل عليه، و مع فقده كما في المقام لا مانع من الأخذ بإطلاق اللّفظ المستعمل في طبيعي الشك، الذي لا قصور في شموله لها و للأفعال.

و المتحصّل من جميع ما قدّمناه: أنّ هذه المناقشات حول إطلاق الصحيحة بالإضافة إلى الأفعال في غير محلّها، فلا انصراف للفظ و لا تشابه في المتن، و لا محذور في الأخذ بالإطلاق الأفرادي و الأحوالي، غايته مع مراعاة القيدين المذكورين المستفادين من نفس الصحيحة حسبما عرفت. فلا ينبغي التأمّل في إطلاق الصحيحة و إن تأمّل فيه صاحب الجواهر و تبعه مَن تبعه.

بل لولا إطلاق هذه الصحيحة لأشكل الحكم فيما سيجي‌ء من جواز رجوع الإمام إلى المأموم الواحد سيما إذا كان امرأة، لقصور بقيّة النصوص عن إفادة ذلك لولا هذا الإطلاق كما ستعرف.

نعم، مورد الإطلاق كما عرفت تطابق العملين و اتحاد الصادر من كلّ من الإمام و المأموم و تساويهما من حيث النقص و الزيادة، بحيث إنّ كلا منهما يعلم لدى شكّه بين الثلاث و الأربع مثلًا بأنّ ما في يده لو كانت الثالثة فكذا ما في يد الآخر، و لو كانت الرابعة فكذلك. و هكذا في الشكّ في الأفعال، فيكون في مثله حفظ أحدهما طريقاً إلى الآخر، باعتبار أنّ الشارع كأنه يرى أنّ المجموع عمل واحد صادر من شخصين، و لأجله ألغى الشك من أحدهما و اكتفى بضبط الآخر.

أمّا مع احتمال الاختلاف فضلًا عن القطع به ما لم يكن مقدار السبق‌

37

و لا فرق في المأموم بين كونه رجلًا أو امرأة، عادلًا أو فاسقاً، واحداً أو متعدّداً (1)

____________

المقطوع معلوماً فلا رجوع حتّى في الشك في الركعات كالمأموم المسبوق فضلًا عن الأفعال كما لو احتمل تخلّفه عن الإمام في إحدى السجدتين غفلة و أنّه بقي في الأُولى مستمرّاً إلى أن دخل الإمام في الثانية، لعدم الطريقية حينئذ.

و لازم ذلك اختصاص الرجوع و عدم الاعتناء بالشك بما إذا كان الشك عائداً إلى نفس الصلاة التي هي مورد الائتمام و المتابعة، دون ما هو خارج عنها كالشك في الوضوء مثلًا أو في سائر الشرائط و الموانع، فانّ اللّازم الاعتناء بالشكّ حينئذ، لخروج ذلك عن مورد التبعية، و عدم كونه من شؤون الإمامة و المأمومية، فلا يكون الحفظ من أحدهما في مثله طريقاً إلى إحراز عمل الآخر، فلا يشمله الإطلاق كما هو ظاهر. و هذا كلّه مستفاد من نفس الصحيحة حسبما عرفت.

(1) كلّ ذلك للإطلاق في صحيحة حفص كما سبق (1)، و إلّا فبقيّة النصوص قاصرة الشمول بالإضافة إلى رجوع الإمام إلى المأموم الواحد سيما إذا كان امرأة.

أمّا رواية أبي الهذيل (2) فقد عرفت أنّها غير واردة في بيان حكم الصلاة حتّى ينعقد لها الإطلاق، و إنّما النظر فيها مقصور على بيان حكم الطواف.

____________

(1) في ص 33.

(2) المتقدّمة في ص 32.

38

و الظانّ منهما أيضاً يرجع إلى المتيقّن، و الشاك لا يرجع إلى الظانّ إذا لم يحصل له الظن (1).

____________

و أمّا صحيحة ابن جعفر (1) فغير ناظرة إلّا إلى رجوع المأموم إلى الإمام دون العكس، نعم لا تختصّ بالرجل و إن وردت فيه، للقطع بعدم الفرق بينه و بين المرأة، و عدم تعلّق اللحاظ في السؤال بخصوصية الرجولية، فيتعدّى عن موردها و لو لأجل قاعدة الاشتراك.

و أمّا مرسل يونس (2) فمورده رجوع الإمام إلى المأمومين المتعدّدين، فلا يشمل الواحد و إن كان رجلًا فضلًا عن المرأة، نعم بالإضافة إلى رجوع المأموم إلى الإمام لا قصور في شموله للواحد و المتعدّد، الرجل و المرأة، لإطلاق قوله (عليه السلام): «و ليس على من خلف الإمام سهو إذا لم يسهُ الإمام».

و كيف ما كان، فهو لمكان الإرسال غير صالح للاستدلال، فلا تصل النوبة إلى البحث عن الدلالة.

فظهر أنّ عمدة المستند بل المستند الوحيد لإطلاق الحكم من جميع تلك الجهات إنّما هي صحيحة حفص، حيث إنّ إطلاقها غير قاصر الشمول لكلّ ذلك، فهو المتّبع حسبما بيّناه.

(1) لا إشكال كما لا خلاف في رجوع الشاك منهما إلى المتيقّن، فانّ هذا هو القدر المتيقّن من النصوص المتقدّمة، من غير فرق بين الإمام و المأموم.

إنّما الكلام في رجوع الظانّ منهما إلى المتيقّن و رجوع الشاك إلى الظانّ، فقد وقع الخلاف في كلّ منهما.

____________

(1) المتقدّمة في ص 31.

(2) المتقدّمة في ص 31.

39

..........

____________

و قد جمع الشهيد الثاني في المسالك بين الأمرين فحكم بالرجوع في كلا الموردين (1)، بل ربما ينسب إلى المشهور.

أقول: الجمع بين الأمرين متعسّر بل متعذّر، فإنّه إن أُريد من السهو الوارد في صحيحة حفص «ليس على الإمام سهو، و لا على من خلف الإمام سهو» و غيرها من النصوص خصوص الشك صحّ رجوع الشاك إلى الظان، إلّا أنّه لا دليل حينئذ على رجوع الظانّ إلى المتيقّن.

و إن أُريد به الأعم منه و من الظن فالأمر بالعكس، فيصحّ رجوع الظان إلى المتيقّن، لكنّه لا دليل حينئذ على رجوع الشاك إلى الظان، فانّ كليهما من السهو بالمعنى الأعم الّذي هو خلاف اليقين.

و واضح أنّ الجمع بين المعنيين للسهو بأن يراد به خصوص الشك و الأعم منه و من الظن غير ممكن في استعمال واحد. فإمّا أن يراد به الأوّل فيشكل رجوع الظان إلى المتيقّن، بل غايته رجوع الشاك إلى من عداه سواء أ كان متيقّناً أم ظانّاً، و إمّا أن يراد به الثاني فيشكل رجوع الشاك إلى الظان كما عرفت و إن صحّ رجوع الظان إلى المتيقّن.

فالحقّ هو التفصيل و الالتزام برجوع الشاك إلى الظان، دون الظان إلى المتيقّن، على عكس التفصيل المذكور في المتن. فلنا دعويان:

أمّا الاولى: أعني رجوع الشاك إلى الظان فيكفينا إطلاق صحيحة حفص فانّ الخارج عنها إنّما هو صورة الاتحاد بين الإمام و المأموم و مشاركتهما في الشك، فإنّ الصحيحة منصرفة عن ذلك في نفسها كما مرّ (2)، لظهورها في اختصاص الإمام بالسهو أو اختصاص المأموم به، و إلّا لقال لا سهو في الجماعة.

____________

(1) مسالك الأفهام 1: 298.

(2) في ص 33.

40

..........

____________

الّذي هو أخصر و أوضح كما سبق، فلا تشمل ما إذا كان كلّ منهما شاكّاً.

و أمّا ما عدا ذلك و منه شكّ أحدهما و ظنّ الآخر فهو مشمول للإطلاق بعد فرض حجّية الظنّ الحاصل للآخر بمقتضى صحيحة صفوان (1) و غيرها و كونه بمثابة العلم في الكشف عن الواقع، و صيرورته بذلك حافظاً ضابطاً كما هو معنى الحجّية و الاعتبار التشريعي، و لا معنى لنفي السهو عن الشاك منهما مع قيام الحجّة لدى الآخر و عدم كونه مثله في الشك إلّا صحّة الرجوع إليه و التعويل عليه كما لا يخفى.

و على الجملة: لا قصور في شمول الإطلاق لهذه الصورة. و نتيجته ما عرفت من جواز رجوع الشاك إلى الظان. فما عن جماعة من عدم الجواز و منهم الماتن و احتاط فيه المحقّق الهمداني (2) لا يمكن المساعدة عليه.

و أمّا الثانية: أعني عدم رجوع الظان إلى المتيقّن فلقصور الإطلاق عن الشمول لذلك، إذ السهو لغة هو الغفلة و النسيان و عدم الالتفات (3)، فلا يشمل حتّى الشك فضلًا عن الظن، لكنّه أُطلق كثيراً على الأوّل في لسان الأخبار بضرب من العناية باعتبار الجهل بالواقع.

و أمّا إطلاقه على الظن أو ما يشمله و الشك أعني خلاف اليقين فغير معهود في شي‌ء من الاستعمالات، بل لا مصحّح لهذا الإطلاق بوجه، سيما بعد فرض اعتبار الظن و كونه بمثابة اليقين، فانّ مثل هذا الظان لا يطلق عليه الساهي قطعاً، فهو غير مشمول للإطلاق البتّة. و عليه فلا مسوّغ لتعويله على يقين صاحبه، لعدم الدليل عليه، بل يعمل هو بظنّه.

____________

(1) الوسائل 8: 225/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 15 ح 1.

(2) مصباح الفقيه (الصلاة): 578 السطر 24.

(3) المنجد: 360 مادّة سها.

41

..........

____________

و المتلخّص من جميع ما ذكرناه: أنّه لا يمكن الجمع بين إلحاق الظن باليقين و بين إلحاقه بالشك ليلتزم برجوع الشاكّ إلى الظانّ و رجوع الظانّ إلى المتيقّن كما عن غير واحد منهم صاحب المسالك (قدس سره) المصرّح بذلك، لامتناع إرادة الشك و إرادة الأعم منه و من الظن من لفظ السهو الوارد في النصوص كما مرّ.

بل لا مناص من اختيار أحد الأمرين، فإمّا أن يلحق الظن باليقين فلا وجه لرجوع الظان إلى المتيقّن، أو يلحق بالشك فلا وجه حينئذ لرجوع الشاك إلى الظان. و قد عرفت أنّ الأظهر هو الأوّل.

فيتّجه حينئذ التفصيل على النحو الّذي ذكرناه من رجوع الشاك إلى الظان و عدم رجوع الظان إلى المتيقّن، بل يعمل بظنّه بمقتضى دليل حجّيته، لعدم كونه متحيّراً متردّداً في وظيفته بعد قيام الحجّة عنده لكي يصحّ إطلاق السهو عليه و لو بالعناية كما في الشاك حتّى يشمله إطلاق النصوص المتضمّنة لرجوع الساهي إلى الحافظ من صحيحة حفص و غيرها، بل إنّ دليل حجّية الظن حاكم على مثل هذه الأدلّة كما لا يخفى.

و أمّا التفصيل المذكور في المتن المبني على إلحاق الظنّ بالشكّ الّذي هو على عكس ما اخترناه، حيث منع عن رجوع الشاك إلى الظان، و حكم برجوع الظان إلى المتيقّن، فبالإضافة إلى الشق الثاني أعني رجوع الظان إلى المتيقّن يستدل بوجوه.

الأوّل: الإطلاق في صحيحة حفص. و قد مرّ الجواب عنه من عدم صحّة إطلاق السهو على ما يشمل الظن.

الثاني: اشتمال السؤال في مرسلة يونس المتقدّمة (1) على ميل الإمام مع بعض‌

____________

(1) في ص 31.

42

..........

____________

المأمومين، بدعوى ظهور الجواب في أنّه إذا حفظ من خلفه باتفاق منهم رجع إليهم و إن كان مائلًا.

و فيه: بعد الغض عن إرسالها و عدم صحّة الاستدلال بها، أنّ الدلالة أيضاً قاصرة، فانّ صدر الجواب مبني على الإعراض و الإغماض عما افترضه السائل من الاختلاف، بل تعرّض (عليه السلام) لبيان الموارد التي لا يعتنى فيها بالسهو التي منها سهو الإمام مع حفظ المأمومين باتفاق منهم، فبيّن (عليه السلام) الحكم الكلّي من غير نظر إلى مورد السؤال.

و عليه ففرض ميل الإمام إلى بعض المأمومين المذكور في السؤال لا يكاد يجدي فيما نحن فيه، و لا ينفع لإثبات جواز رجوع الظانّ إلى المتيقّن بعد أن لم يكن الجواب جواباً عن ذلك الفرض.

نعم، الجواب عن الفرض المزبور أعني صورة الاختلاف المذكورة في السؤال قد تعرّض (عليه السلام) له في ذيل الرواية بقوله (عليه السلام): «فاذا اختلف على الإمام مَن خلفه فعليه و عليهم في الاحتياط الإعادة و الأخذ بالجزم».

و هو أيضاً غير خال عن التشويش. و لعلّ المراد العمل بمقتضى الشكّ من الإعادة إن كان من الشكوك الباطلة، و الأخذ بالجزم بالبناء على الأكثر إن كان من الصحيحة.

و كيف ما كان، فهو ظاهر في عدم جواز الرجوع في فرض الاختلاف و إن كان الإمام مائلًا. فيسقط الاستدلال من أصله كما لا يخفى.

الثالث: ما استند إليه بعضهم، و هو ما ورد من أنّ الإمام يحفظ أوهام من خلفه، بدعوى أنّ الوهم يشمل الظنّ، و ليس كالسهو في عدم الشمول، لإطلاقه عليه شرعاً (1). و معنى حفظ الإمام للأوهام عدم اعتناء المأموم بكلّ ما يعتريه‌

____________

(1) كما في صحيحة صفوان الآتية في ص 44.

43

..........

____________

من الوهم، الشامل للشك و الظن، بل يرجع في ذلك كلّه إلى يقين الإمام.

فإذا ثبت ذلك فيه ثبت في المأموم أيضاً، فيرجع الإمام إليه في وهمه، لعدم القول بالتفصيل، فيثبت الحكم في عكسه بالإجماع المركّب.

و لكنّ الظاهر أنّه لم توجد رواية بهذا المتن كما نبّه عليه المحقّق الهمداني (قدس سره) (1). و لعلّه نقلٌ بالمعنى أُريد به خبر محمّد بن سهل عن الرضا (عليه السلام) «قال: الإمام يحمل أوهام من خلفه إلّا تكبيرة الافتتاح» (2) الّذي استدلّ به في المستند (3) للمدّعى بالتقريب المزبور. و لكنّه غير ظاهر في ذلك لوضوح الفرق بين الحفظ و الحمل، فإنّ الأوّل و إن كان ظاهراً فيما ذكر، لكنّ الثاني يشير إلى معنى آخر أجنبي عمّا نحن فيه.

فانّ المنسبق إلى الذهن من هذه الرواية خصوصاً بقرينة استثناء تكبيرة الإحرام إرادة المنسيات من الأوهام. و يكون حاصل المعنى حينئذ ضمان الإمام لكلّ خلل يستطرق صلاة المأموم نسياناً بعد تحقّق الائتمام منه بالدخول معه في تكبيرة الافتتاح، بل يتناول ذلك حتّى نقص الركعة فضلًا عن أجزائها ما لم يتذكّر المنسي قبل فوات المحلّ.

غايته أنّه يرفع اليد عن هذا الإطلاق بالإضافة إلى الأركان، بمقتضى الأدلّة الخاصّة الدالّة على البطلان لدى الإخلال بها و لو سهواً، فيبقى ما عداها تحت الإطلاق. فلا يجب على المأموم شي‌ء حتّى لو استتبع الخلل سجود السهو، فإنّ الإمام ضامن لكلّ ذلك و متحمّل عن المأموم.

و على الجملة: فالظاهر من الرواية مع قطع النظر عن القرائن الخارجية‌

____________

(1) مصباح الفقيه (الصلاة): 579 السطر 6.

(2) الوسائل 8: 240/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 24 ح 2.

(3) المستند 7: 215.

44

..........

____________

المانعة عن الأخذ بظاهرها هو ما ذكرناه، و هو كما ترى أجنبي عن محلّ الكلام بالكلّية.

فتحصّل: أنّ الرواية بالمتن الأوّل و إن كانت ظاهرة فيما نحن فيه و لكنّها غير ثابتة، و بالمتن الثاني و إن ثبتت و لكنّها غير مرتبطة حينئذ بالمقام رأساً حسبما عرفت.

هذا كلّه في رجوع الظانّ إلى المتيقّن، و قد اتّضح أنّ الصحيح عدم الرجوع.

و أمّا بالإضافة إلى الشقّ الأوّل: أعني منعه (قدس سره) من رجوع الشاك إلى الظان فقد عرفت (1) أنّ الأقوى جواز رجوعه إليه، كرجوعه إلى المتيقّن.

و يدلّ على ذلك أحد وجهين على سبيل منع الخلوّ، و بهما يظهر فساد ما اختاره (قدس سره) من المنع.

أحدهما: أنّ المستفاد ممّا ورد في أدلّة الشكوك الباطلة و الصحيحة من التقييد بعدم وقوع الوهم على شي‌ء كما في صحيحة صفوان (2) و غيرها أنّ الظنّ في باب الركعات حجّة، بمعنى كونه طريقاً محرزاً و كاشفاً تعبّدياً عن الواقع قد اعتبره الشارع و جعله بمثابة العلم و بمنزلة اليقين، لا أنّه حكم بمجرّد البناء عليه تعبّداً من غير لحاظ جهة الكاشفية و الطريقية بحيث اكتفى في مرحلة الفراغ بالامتثال الاحتمالي و الفراغ الظنّي.

فإنّ هذا بعيد عن مساق الأدلّة غايته، و لا سيما موثّقة عمار المتضمّنة لقوله (عليه السلام): «أ لا أُعلّمك شيئاً ...» (3) إلخ، الّذي هو كالصريح في معالجة الشك على نحو يؤمن معه من الخلل و يقطع بحصول الامتثال على كلّ حال‌

____________

(1) في ص 39.

(2) الوسائل 8: 225/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 15 ح 1.

(3) الوسائل 8: 213/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 3 [الظاهر ضعفها سنداً].

45

..........

____________

فيظهر منه لزوم الاتّكال في مرحلة الامتثال على ما يحرز معه الواقع، و لو بإحراز تعبّدي و طريق كاشف شرعي، و عدم كفاية الامتثال الاحتمالي و لو ظنّاً.

و على الجملة: فاعتبار الظن المزبور إنّما هو بلحاظ الطريقية و الكاشفية، فهو بمثابة من قامت عنده البيّنة الشرعية، و كلاهما بمنزلة العالم بالواقع، المحرز له و لو تعبّداً.

و عليه فالظان المزبور متّصف بعنوان الحافظ، فيشمله قوله (عليه السلام) (1): «ليس على الإمام سهو إذا حفظ عليه من خلفه»، فانّ المراد بالحفظِ الأعم من الحفظ الوجداني و التعبّدي كما هو ظاهر، و نتيجة ذلك بعد لحوق الظن باليقين رجوع الشاك إلى الظان كرجوعه إلى المتيقّن.

ثانيهما: أنّا لو أغمضنا عمّا ذكرناه و سلمنا عدم دلالة النصوص إلّا على مجرّد البناء العملي على الظن لمن حصل له، من غير نظر إلى جهة الكشف و الطريقية، كما هو الحال في الأُصول العملية فنقول: يكفينا في جواز الرجوع في المقام إطلاق صحيحة حفص (2) كما أشرنا إليه فيما مرّ، فانّ السهو لغة و إن اختصّ بموارد الغفلة و النسيان لكنّه يطلق على الشكّ كثيراً، بل قد شاع استعماله فيه في لسان الأخبار (3) إمّا باعتبار كون الشاك ناسياً لصورة ما وقع أو بملاحظة كونه مسبّباً عن الغفلة و ناشئاً عنها، لكونها من مبادئ عروض الشك، فأُطلق السهو عليه من باب تسمية المسبّب باسم سببه.

و كيف ما كان، فهذا إطلاق شائع ذائع، بخلاف الظن فإنّه لا علاقة بينه و بين السهو بوجه، فلا يصحّ إطلاقه عليه أبداً.

____________

(1) في مرسلة يونس المتقدّمة في ص 31.

(2) المتقدّمة في ص 33.

(3) الوسائل 8: 239/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 24 ح 1، 243/ ب 25 ح 1.

46

[مسألة 7: إذا كان الإمام شاكّاً و المأمومون مختلفين في الاعتقاد لم يرجع إليهم]

[2122] مسألة 7: إذا كان الإمام شاكّاً و المأمومون مختلفين في الاعتقاد (1) لم يرجع إليهم إلّا إذا حصل له الظن من الرجوع إلى إحدى الفرقتين.

____________

و عليه فلو كنّا نحن و هذه الصحيحة و قطعنا النظر عن أيّة قرينة داخلية أو خارجية لحكمنا بشمولها حتّى لما إذا كان الإمام و المأموم كلاهما شاكّين و التزمنا حينئذ بخروجهما عن إطلاق أدلّة الشكوك، فلكلّ منهما البناء على ما يشاء.

إلّا أنّ هذه الصورة خارجة بالضرورة، لما مرّ من القرينة الداخلية فضلًا عن الخارجية، لظهورها في نفسها في اختصاص كلّ واحد منهما بالشكّ منفرداً عن الآخر، و لذا أُورد النفي على كلّ منهما بحياله فقال (عليه السلام): «ليس على الإمام سهو، و لا على من خلف الإمام سهو» فلو كان شاملًا حتّى لهذه الصورة كان الأولى تبديل التعبير بعبارة أخصر بأن يقال: ليس في الجماعة سهو. فإطلاق النص منصرف عن هذا الفرض في حدّ ذاته.

و أمّا إذا اختصّ أحدهما بالشك و كان الآخر ظانّاً الّذي هو محلّ الكلام فلا قصور للإطلاق في شموله للشاك منهما بعد عدم صلاحيّته للشمول للظان لعدم صحّة إطلاق السهو على الظن كما مرّ، فلا يعتني الشاك منهما بشكّه بمقتضى الإطلاق المزبور، و لا معنى لعدم الاعتناء حينئذ إلّا الرجوع إلى ظنّ الآخر، لعدم احتمال وظيفة أُخرى ما عدا ذلك كما هو ظاهر جدّاً.

فاتّضح أنّ التفصيل المذكور في المتن لا يمكن المساعدة عليه بوجه، بل الصحيح هو التفصيل على عكس ما ذكره حسبما بيّناه، فيرجع الشاك إلى الظان و لا يرجع الظان إلى المتيقّن، سواء حصل الظن للشاك أم لا.

(1) كما لو انحصر المأموم في شخصين مثلًا و اعتقد أحدهما أنّ الركعة ثالثة‌

47

[مسألة 8: إذا كان الإمام شاكّاً و المأمومون مختلفين بأن يكون بعضهم شاكّاً و بعضهم متيقّناً]

[2123] مسألة 8: إذا كان الإمام شاكّاً و المأمومون مختلفين بأن يكون بعضهم شاكّاً و بعضهم متيقّناً (1) رجع الإمام إلى المتيقّن منهم، و رجع الشاك منهم إلى الإمام [1] لكن الأحوط إعادتهم الصلاة إذا لم يحصل لهم الظن و إن حصل للإمام.

____________

و اعتقد الآخر أنّها الرابعة و الإمام شاك بينهما، و لا ينبغي الإشكال في عدم رجوع الإمام حينئذ، لا للتقييد بالاتفاق في مرسل يونس (1)، أو التصريح في ذيله بالمنع عن الرجوع إذا اختلف على الإمام مَن خلفه، فإنّه من أجل الإرسال غير صالح للاستدلال كما مرّ.

بل لتعارض الحجّتين و تساقطهما، فانّ دليل حجّية اعتقاد المأموم الحافظ بالإضافة إلى الإمام الشاك لا يمكن أن يشمل الفرقتين المختلفتين لامتناع التعبّد بالمتناقضين، و لا إحداهما معيّنةً فإنّه ترجيح بلا مرجح، و لا غير معيّنة إذ لا وجود لها في الخارج وراء كلّ منهما بخصوصه. و بعد التساقط كان المرجع إطلاق أدلّة الشكوك السليمة عما يصلح للتقييد.

هذا كلّه فيما إذا لم يحصل للإمام الظن من الرجوع، و إلّا كان هو الحجّة لا قولهم كما نبّه عليه في المتن، و هو واضح.

(1) لا ينبغي الإشكال حينئذ في جواز رجوع الإمام إلى المتيقّن منهم، عملًا بإطلاق صحيحة حفص، لعدم اعتبار الاتفاق في اليقين في جواز الرجوع و إن تضمّنته مرسلة يونس، فانّ المراد على تقدير اعتبارها أن لا يكون المأمومون مختلفين في اليقين. فلا مانع من شمولها لما إذا كان بعضهم متيقّناً‌

____________

[1] فيه إشكال إذا لم يحصل الظن للإمام.

____________

(1) المتقدّمة في ص 31.

48

..........

____________

و البعض الآخر شاكّاً، و إلّا لأشكل إحراز هذا الشرط كما لا يخفى.

فالعبرة بحصول اليقين لطبيعي المأموم، المتحقّق بيقين بعضهم كما هو الغالب المتعارف في الجماعات المنعقدة و لا سيما مع كثرة المأمومين من رجوع الإمام إلى اليقين الحاصل من بعضهم، و لا يشترط حصوله من الكل.

و بعبارة اخرى: لو كان هذا المأموم المتيقّن وحده جاز رجوع الإمام إليه بلا إشكال، فلا يحتمل أن يكون ضمّ الآخرين الشاكّين مانعاً عن هذا الرجوع كما لا يخفى.

إنّما الكلام في أنّ الإمام بعد رجوعه إلى المتيقّن هل يرجع إليه الشاك من المأمومين؟ حكم في المتن بجواز الرجوع.

و هو كما ترى مشكل جدّاً، لعدم الدليل عليه بعد أن لم يكن الإمام بنفسه مصداقاً للحافظ بمجرّد الرجوع إلى المتيقّن منهم ليرجع إليه الشاك. فشرط الرجوع و هو حفظ الإمام غير حاصل في المقام، إلّا إذا فرض حصول الظن للإمام.

على أنّ هذا لا ينسجم مع ما بنى (قدس سره) عليه فيما مرّ (1) من عدم رجوع الشاك إلى الظان، فإنّ غاية ما هناك حصول الظن للإمام من رجوعه إلى المأموم المتيقّن، و إلّا فليس هو متيقّناً في نفسه، فكيف يرجع إليه المأموم الشاك مع فرض البناء على عدم رجوع الشاك إلى الظان.

و بالجملة: إن كان شرط الرجوع حفظ الآخر و يقينه فهو غير حاصل في كلا الموردين، و إن كان مطلق قيام الحجّة فهو حاصل في الموردين معاً. فالتفكيك بين المسألتين صعب جدّاً، لكونهما من واد واحد، و ارتضاعهما من ثدي فأرد.

____________

(1) في ذيل الموضع السادس ممّا لا يلتفت إلى الشك فيه، قبل المسألة [2122].

49

..........

____________

هكذا أُورد عليه (قدس سره) في المقام.

أقول: الظاهر أنّ المناط في إحدى المسألتين مغاير لما هو المناط في المسألة الأُخرى، و ليستا من واد واحد، بل لا بدّ من التفكيك و التفصيل إمّا على النحو الّذي صنعه (قدس سره) من الالتزام بعدم الرجوع هناك و الرجوع في المقام أو على عكس ذلك، و هو الصحيح كما ستعرف.

أمّا وجه ما اختاره (قدس سره) من التفصيل فعدم رجوع الشاك إلى الظان الّذي ذكره في المسألة السابقة مبني على أنّ الشرط في الرجوع كون الآخر حافظاً على ما نطقت به مرسلة يونس المتقدّمة (1)، و الظان ليس بحافظ، بدعوى أنّ غاية ما يستفاد ممّا دلّ على حجّية الظنّ في الركعات لزوم البناء عليه في مقام العمل، و مجرّد الجري على طبقه تعبّداً لخصوص من حصل له الظن لا غيره، فلا يكون منزّلًا منزلة العلم في جميع الآثار ليصدق عليه عنوان الحافظ و لو تنزيلًا حتّى يرجع إليه الشاك في المقام.

و هذه الدعوى و إن كانت مخدوشة من جهات، التي منها ضعف المرسلة و عدم صلاحيّتها للاستناد كما أسلفناه. إلّا أنّ نظره الشريف مبني على ذلك.

و أمّا حكمه (قدس سره) برجوع الشاك من المأمومين إلى الإمام فيما نحن فيه فالوجه فيه أنّ صحيحة حفص (2) تضمّنت نفي السهو عن الإمام، المقيّد طبعاً بحفظ الآخر كما مرّ، و هذا متحقّق في المقام عند ملاحظة الإمام مع المأموم المتيقّن، فيشمله إطلاق الصحيح و يحكم بمقتضاه على الإمام بعدم كونه ساهياً لما عرفت من دلالة الصحيحة على نفي موضوع السهو في هذه الحالة.

____________

(1) في ص 31.

(2) المتقدّمة في ص 33.

50

..........

____________

و بديهي أنّ نفي السهو ملازم للحفظ، لعدم الواسطة بينهما، فلا مانع عندئذ من رجوع المأموم الشاك إليه بعد صيرورة الإمام مصداقاً للحافظ، و عدم كونه ساهياً في نظر الشارع و لو ببركة إطلاق الصحيح.

فلأجل اختصاص المقام بهذا الدليل الحاكم تفترق هذه المسألة عن المسألة السابقة، إذ لم يكن ثمّة ما يدلّ على أنّ الظان حافظ ليرجع إليه الشاك بعد فرض عدم كون الظنّ بمجرّده حفظاً كما بنى عليه (قدس سره) فلا يشمله إطلاق الصحيح. و هذا بخلاف ما نحن فيه، فانّ الدليل هنا موجود، و هو الإطلاق المزبور، الّذي هو بلسان نفي السهو، المستلزم للحفظ حسبما عرفت. فلم تكن المسألتان من واد واحد.

و لكنّ الصحيح كما عرفت البناء على عكس هذا التفصيل، فيرجع الشاك إلى الظان في المسألة السابقة، و لا يرجع الشاك من المأمومين إلى الإمام في محلّ الكلام.

أمّا الأوّل: فقد مرّ البحث حوله مستقصى (1) و لا نعيد. و عرفت أنّ الظن بمقتضى دليل اعتباره ملحق باليقين، فيشمله ما دلّ على رجوع الشاك إلى المتيقّن.

و أمّا الثاني: فلقصور صحيحة حفص عن الشمول للمقام، أعني رجوع المأموم الشاك إلى الإمام الراجع إلى المتيقّن من المأمومين، و ذلك لأنّ الصحيحة إنّما تنظر إلى نفي أحكام السهو الثابتة بالأدلّة الأوّلية من البناء على الأكثر و الإتيان بركعة الاحتياط أو بسجود السهو، أو الإتيان بالمشكوك فيه إن كان الشك في المحل بناءً على شمولها للشكّ في الأفعال كالركعات، و نحو ذلك من الآثار المترتّبة على الشكّ بمقتضى الجعل الأوّلي.

____________

(1) في ص 39 و ما بعدها.