موسوعة الإمام الخوئي - ج20

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
423 /
1

[تتمة كتاب الصلاة]

[فصل في صلاة المسافر]

فصل في صلاة المسافر لا إشكال في وجوب القصر على المسافر مع اجتماع الشرائط الآتية (1)

____________

(1) لا إشكال كما لا خلاف بين المسلمين في مشروعية التقصير للمسافر لدى استجماع الشرائط الآتية في الجملة، و إن وقع النقاش من بعضهم في بعض الخصوصيات.

كما لا إشكال و لا خلاف أيضاً بين الخاصّة في وجوب ذلك مع مراعاة تلك الشرائط على إجمالها، و أنّ التشريع على سبيل العزيمة لا الترخيص.

و يدلّ على ذلك مضافاً إلى الإجماع بل الضرورة النصوص الكثيرة المتظافرة جدّاً، التي لا يبعد دعوى بلوغها حدّ التواتر كما لا يخفى على من لاحظها (1).

و ربما يستدلّ له بالكتاب العزيز، قال تعالى وَ إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلٰاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ... الآية (2).

____________

(1) الوسائل 8: 451/ أبواب صلاة القصر ب 1، 2 و غيرهما.

(2) النِّساء 4: 101.

2

..........

____________

و فيه: أنّها غير دالّة على المشروعيّة فضلًا عن الوجوب، فإنّها ناظرة إلى صلاة الخوف و المطاردة بقرينة التقييد بقوله تعالى إِنْ خِفْتُمْ و ما ورد في الآية الأُخرى المتّصلة بها من بيان كيفيّة هذه الصّلاة، فالمراد من الضّرب في الأرض الضّرب إلى القتال و الحركة نحو العدو، و لا مساس لها بالضّرب لأجل السّفر. فهي أجنبيّة عن صلاة المسافر بالكلِّيّة.

و مع الغضّ عن ذلك و تسليم كونها ناظرة إلى صلاة المسافر فغايته الدلالة على أصل المشروعيّة، لمكان التعبير بنفي الجناح، دون الوجوب.

نعم، طبّق الإمام (عليه السلام) هذه الآية المباركة على صلاة المسافر في صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم، و بيّن أنّ المراد بها الوجوب مستشهداً بنفي الجناح الوارد في آية السّعي، قالا «قلنا لأبي جعفر (عليه السلام): ما تقول في الصلاة في السّفر كيف هي؟ و كم هي؟ فقال: إنّ اللّٰه عزّ و جلّ يقول وَ إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلٰاةِ فصار التقصير في السّفر واجباً كوجوب التمام في الحضر، قالا قلنا له: قال اللّٰه عزّ و جلّ وَ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ و لم يقل افعلوا، فكيف أوجَبَ ذلك؟ فقال: أ وَ لَيْسَ قد قال اللّٰه عزّ و جلّ في الصّفا و المروة فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمٰا أ لا ترون أنّ الطّواف بهما واجب مفروض، لأنّ اللّٰه عزّ و جلّ ذكره في كتابه و صنعه نبيّه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) و كذلك التقصير في السّفر شي‌ء صنعه النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) و ذكره اللّٰه تعالى في كتابه ...» إلخ (1).

و لعلّ التعبير بنفي الجناح في الموردين لأجل وقوعه موقع توهّم الحظر، حيث إنّ أهل الجاهلية كانوا يعبدون ما على الصفا و المروة من الأصنام، و لأجله قد‌

____________

(1) الوسائل 8: 517/ أبواب صلاة المسافر ب 22 ح 2.

3

بإسقاط الركعتين الأخيرتين من الرباعيات، و أمّا الصبح و المغرب فلا قصر فيهما (1).

____________

يتوهّم الحظر في الطواف بهما. كما أنّ الصلاة الواجبة على الحاضر أربع ركعات فربما يتوهّم الحظر في تقصير المسافر، فدفعاً للتوهّمين عبّر بنفي الجناح.

و كيف ما كان، فالآية في حدّ نفسها مع قطع النظر عن الروايات غير ظاهرة في الوجوب فيما نحن فيه كما ذكرناه، و إن كان الحكم مسلّماً، بل ضرورياً بمقتضى النصوص المتظافرة، بل المتواترة كما مرّ.

(1) لا إشكال كما لا خلاف في أنّ المراد بالتقصير الوارد في الكتاب و السنّة هو إسقاط الركعتين الأخيرتين من الرباعيات، دون غيرها من المغرب و الفجر كما نطقت به النصوص الكثيرة الواردة في المسافر.

و تدلّ عليه صريحاً صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال: «عشر ركعات ركعتان من الظهر، و ركعتان من العصر، و ركعتا الصبح، و ركعتا المغرب، و ركعتا العشاء الأخيرة لا يجوز فيهنّ الوهم إلى أن قال: فرضها اللّٰه عزّ و جلّ إلى أن قال: فزاد رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) في صلاة المقيم غير المسافر ركعتين في الظهر و العصر و العشاء الآخرة، و ركعة في المغرب للمقيم و المسافر» (1).

حيث دلّت على أنّ الفرض الأوّلي في جميع الصلوات ركعتان، و أنّ النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) زاد للمقيم فقط ركعتين في الظهر و العصر و العشاء و له و للمسافر ركعة في المغرب.

____________

(1) الوسائل 4: 49/ أبواب أعداد الفرائض و نوافلها ب 13 ح 12.

4

و أمّا

[شروط القصر]

شروط القصر فأُمور:

[الأوّل: المسافة]

الأوّل: المسافة، و هي ثمانية فراسخ امتدادية ذهاباً أو إياباً (1)

____________

و منه يظهر أنّ الوجه في إطلاق القصر على صلاة المسافر هو الاقتصار في صلاته على الفرض الأوّلي الإلهي و الاكتفاء بتلك الركعتين، و إلّا فلم يفسَّر القصر صريحاً في مورد و أنّ المراد به التقليل في الركعة أو الركعتين أو جزء معيّن.

و يدلّ عليه أيضاً الروايات الواردة في اقتداء الحاضر بالمسافر أو العكس و أنّه عند كون الإمام مسافراً يسلِّم على الركعتين و يقدِّم أحد المأمومين مكانه و يستنيبونه عنه (1). مضافاً إلى المعهودية الخارجية و التسالم المقطوع به في كيفية التقصير. هذا كلّه في أصل وجوب التقصير على المسافر، و أمّا شروطه فأُمور حسب ما ذكره في المتن.

(1) لا إشكال كما لا خلاف بين المسلمين إلّا من شذّ من العامّة (2) في اعتبار المسافة و أنّها ثمانية فراسخ لا أقل من ذلك و لا أكثر حدّا.

و النصوص بها متكاثرة، بل لعلّها متواترة و لو إجمالًا، و فيها الصحاح و الموثّقات على اختلاف ألسنتها من التعبير بثمانية فراسخ أو بريدين و كلّ بريد أربع فراسخ أو أربعة و عشرين ميلًا و كلّ فرسخ ثلاثة أميال أو السير في بياض النهار المنطبق في السير العادي على ثمانية فراسخ.

ففي موثّقة سماعة: «عن المسافر في كم يقصّر الصلاة؟ فقال: في مسيرة يوم‌

____________

(1) الوسائل 8: 330/ أبواب صلاة الجماعة ب 18 ح 6 و غيره.

(2) و هو قول داود، راجع المجموع 4: 325 326، حلية العلماء 2: 226، رحمة الأُمّة 1: 74.

5

أو ملفّقة من الذهاب و الإياب (1)

____________

و ذلك بريدان، و هما ثمانية فراسخ» (1).

و صحيح أبي أيوب: «سألته عن التقصير، قال فقال: في بريدين أو بياض يوم» (2).

و في صحيح ابن الحجاج: «ثمّ أومأ بيده أربعة و عشرين ميلًا، يكون ثمانية فراسخ» (3).

و في رواية الفضل: «إنّما وجب التقصير في ثمانية فراسخ لا أقل من ذلك و لا أكثر» (4) و غيرها.

(1) كما عليه المشهور، للنصوص الكثيرة الدالّة على إلحاق المسافة التلفيقية بالامتدادية، و أنّ الثمانية فراسخ التي هي موضوع لوجوب التقصير يراد منها ما يشمل التلفيق من بريد ذاهباً و بريد جائياً، كصحيحة معاوية بن وهب: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): أدنى ما يقصّر فيه المسافر الصلاة؟ فقال (عليه السلام): بريد ذاهباً و بريد جائياً» (5) و نحوها غيرها.

و لم ينسب الخلاف إلّا إلى الكليني من الاكتفاء بالأربعة الامتدادية مطلقاً (6) و لكنّه ضعيف جدّاً محجوج عليه بتلك النصوص.

____________

(1) الوسائل 8: 453/ أبواب صلاة المسافر ب 1 ح 8.

(2) الوسائل 8: 453/ أبواب صلاة المسافر ب 1 ح 7.

(3) الوسائل 8: 455/ أبواب صلاة المسافر ب 1 ح 15.

(4) الوسائل 8: 451/ أبواب صلاة المسافر ب 1 ح 1.

(5) الوسائل 8: 456/ أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 2.

(6) [حكاه عنه في الحدائق 11: 316 عن بعض المشايخ من متأخِّري المتأخِّرين مستظهراً ذلك من اقتصاره في الكافي على أحاديث الأربعة فراسخ].

6

..........

____________

و لا يبعد أن يكون مراده (قدس سره) بيان خط السير الذي يقع فيه الذهاب و الإياب، فيكون من القائلين بالثمانية الملفّقة، و يرتفع الخلاف في المسألة.

كما أنّ الإطلاق في بعض النصوص المتضمّن للاكتفاء بمطلق الأربعة مقيّد بذلك أيضاً، عملًا بصناعة الإطلاق و التقييد. و هذا في الجملة ممّا لا غبار عليه.

و إنّما الكلام يقع في جهات:

الجهة الأُولى: هل التقصير في الفرض المزبور ثابت على سبيل الوجوب التعييني، أو أنّه مخيّر بينه و بين التمام؟

المشهور كما في الجواهر هو الأوّل (1)، بل عن الصدوق نسبته إلى دين الإمامية فيما إذا كان من قصده الرجوع ليومه (2). و عن الشيخ في كتابي الأخبار التهذيب و الاستبصار القول بالتخيير (3). و نسب إلى جماعة التخيير مطلقاً، أي و إن لم يرجع ليومه.

و لا يخفى أنّ القول بالتخيير و إن كان له وجه غير وجيه فيما إذا لم يكن من قصده الرجوع ليومه كما ستعرف، إلّا أنّه في قاصد الرجوع ليومه لم يكن له وجه أصلًا، إذ لم يرد هنا ما يدلّ على التمام كي يكون التخيير مقتضى الجمع بين الأخبار. و ظاهر السؤال عن التقصير الوارد في أخبار المقام السؤال عن أصل التقصير لا عن جوازه كما لا يخفى.

و أمّا التعبير بنفي الجناح في الآية المباركة فقد عرفت أنّ الآية في حدّ نفسها غير ظاهرة في صلاة المسافر، بل ناظرة إلى صلاة الخوف و المطاردة، فلا تصلح للاستدلال. على أنّها مفسّرة بإرادة الوجوب، نظير نفي الجناح الوارد في آية‌

____________

(1) الجواهر 14: 206.

(2) أمالي الصدوق: 743.

(3) التهذيب 3: 208 ذيل ح 496، الاستبصار 1: 224 ذيل ح 792.

7

إذا كان الذهاب أربعة أو أزيد (1)، بل مطلقاً [1] على الأقوى و إن كان الذهاب فرسخاً و الإياب سبعة، و إن كان الأحوط في صورة كون الذهاب أقل من أربعة مع كون المجموع ثمانية الجمع،

____________

السعي، و لعل النكتة في هذا التعبير وقوعه موقع توهّم الحظر كما مرّ.

و كيف ما كان، فلا ينبغي التأمّل في تعيّن التقصير في هذا الفرض.

(1) الجهة الثانية: هل يعتبر في المسافة التلفيقية عدم كون الذهاب أقل من أربعة فراسخ، فيجب التمام لو كان أقل و إن كان المجموع الملفّق من الذهاب و الإياب ثمانية، كما لو كان الذهاب ثلاثة و الإياب خمسة. أو أنّه لا يعتبر ذلك بل يكفي التلفيق كيف ما اتّفق. و كذلك الحال في الإياب فهل يعتبر عدم كونه أقل من الأربعة، أو يكفي و لو كان ثلاثة و الذهاب خمسة مثلًا؟

قد يقال بالثاني و أنّ ذكر الأربعة ذهاباً و إياباً في النصوص من باب المثال و إلّا فالمدار على مطلق الثمانية التلفيقية كيف ما اتّفقت، و أنّها ملحقة بالثمانية الامتدادية.

و لكنّه لا يتم، فانّا لو كنّا نحن و الأدلّة الأوّلية لاقتصرنا على الثمانية الامتدادية غير أنّ الأدلّة الأُخرى من صحيحة زرارة و غيرها دلّتنا على ثبوت التقصير في بريد ذاهباً و بريد جائياً (1)، و أنّ المراد من تلك الثمانية ما يعمّ الملفّقة.

إلّا أنّ مورد هذه النصوص تلفيق خاص، و هو المشتمل على أربعة و أربعة أي بريد في بريد، فالمسافة المحكومة بالالتحاق بالثمانية الامتدادية هي خصوص‌

____________

[1] الأقوى اعتبار كون كل من الذهاب و الإياب أربعة فراسخ في تحقّق التلفيق، و إن كان الأحوط في غير ذلك هو الجمع بين القصر و الإتمام.

____________

(1) الوسائل 8: 461/ أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 14، 2، 4 و غيرها.

8

..........

____________

الملفّقة من الأربعتين كما يفصح عنه بوضوح صحيح معاوية بن وهب: «أدنى ما يقصّر فيه المسافر؟ فقال (عليه السلام): بريد ذاهباً و بريد جائياً».

فإنّ التعبير بالأدنى كالصريح في عدم كفاية الأقل من هذا الحد، و لم يعلّق الحكم في شي‌ء من الأدلّة على عنوان الثمانية التلفيقية كي يتمسّك بالإطلاق و يحكم بكفاية التلفيق كيف ما كان.

و ليس في البين ما يتوهّم منه ذلك عدا ما قد يقال من استفادته من قوله (عليه السلام) في ذيل صحيحة ابن مسلم: «إنّه ذهب بريداً و رجع بريداً فقد شغل يومه» (1) بدعوى دلالته على أنّ المدار في التقصير شغل اليوم، و أنّ كلّ سفر كان شاغلًا ليومه فهو موضوع لوجوب التقصير، فيعمّ ما لو كان الذهاب أو الإياب أقل من الأربعة بعد أن كان السفر مستوعباً ليومه، فتدلّ على كفاية الثمانية الملفقة كيف ما تحقّقت.

و لكنّه كما ترى، إذ ليس مفاد الصحيحة إلّا إلحاق السّفر المتضمِّن لبريد ذاهباً و بريد جائياً بالمسافة الامتدادية و إدراجه في ذلك الموضوع بلسان الحكومة و أنّ هذه المسافة بمثابة تلك في شغل اليوم، لا أنّ كلّ سفر شاغل لليوم موجب للتقصير.

كيف و لازمه وجوب القصر فيما لو سافر ثلاثة فراسخ ثمّ رجع فرسخين بحيث لا يرجع إلى حدّ الترخّص ثمّ سافر ثلاثة فراسخ اخرى بحيث بلغ المجموع ثمانية و استوعب يومه، أو لو سافر فرسخاً و رجع إلى ثلاثة أرباع‌

____________

(1) الوسائل 8: 459/ أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 9 [الظاهر عدم كونها صحيحة في الاصطلاح، لورود ابني فضال علي و أحمد في السند، مضافاً إلى المناقشة في طريق الشيخ إلى علي بن الحسن بن فضال كما صرّح به في ص 17، و إن تغيّر رأيه في ذلك كما ذكر في معجم رجال الحديث 1: 78].

9

و الأقوى عدم اعتبار كون الذهاب و الإياب في يوم واحد أو ليلة واحدة (1)،

____________

الفرسخ ثمّ سافر فرسخاً ثمّ عاد و هكذا إلى أن بلغ الثمانية، مع أنّه واضح الفساد.

و على الجملة: ليس شغل اليوم بعنوانه و على إطلاقه و سريانه موضوعاً لوجوب التقصير في شي‌ء من الأدلّة، بل العبرة بالثمانية الامتدادية الملازمة في السير العادي مع المركوب العادي في الوقت العادي مع شغل اليوم، و قد طبّقها الإمام (عليه السلام) تعبّداً و على سبيل الحكومة على الملفّق من الأربعتين.

فليس التعليل المذكور في ذيل الصحيحة إلّا تعليلًا تعبّدياً ناظراً إلى إلحاق صورة خاصّة من التلفيق بالامتداد، فلا يدلّ بوجه على الاكتفاء بمطلق التلفيق كما لا يخفى، هذا.

و يظهر من عبارة الماتن (قدس سره) أنّ محلّ الخلاف في اعتبار الأربعة و عدم كفاية الأقل منها إنّما هو في خصوص الذهاب، و أمّا الإياب فلا إشكال في كفاية الأقل، و أنّه لو ذهب خمسة و رجع ثلاثة لا كلام حينئذ في وجوب التقصير.

و ليس كذلك، فانّ مناط الإشكال واحد، إذ الصحيحة الدالّة على عدم كفاية الأقل من الأربعة المشتملة على التعبير بكلمة «أدنى» و هي صحيحة معاوية بن وهب المتقدّمة مشتركة بين الذهاب و الإياب.

و قد تحصّل من جميع ما مرّ: أنّ الأظهر اعتبار كون كلّ من الذهاب و الإياب أربعة فراسخ فصاعداً، فلا يجزي الأقل في شي‌ء منهما و إن بلغ المجموع ثمانية فراسخ ملفّقة.

(1) الجهة الثالثة: قد عرفت أنّ الروايات المستفيضة و فيها الصحاح دلّت على أنّ التقصير في الصلاة و كذا الإفطار لا يتوقّف على المسافة الامتدادية، بل يمكن التلفيق من أربعة و أربعة.

10

أو في الملفّق منهما مع اتصال إيابه بذهابه، و عدم قطعه بمبيت ليلة فصاعداً في الأثناء، بل إذا كان من قصده الذهاب و الإياب و لو بعد تسعة أيّام يجب عليه القصر، فالثمانية الملفّقة كالممتدّة في إيجاب القصر إلّا إذا كان قاصداً للإقامة عشرة أيّام في المقصد أو غيره، أو حصل أحد القواطع الأُخر، فكما أنّه إذا بات في أثناء الممتدة ليلة أو ليالي لا يضر في سفره فكذا في الملفّقة فيقصّر و يفطر، و لكن مع ذلك الجمع بين القصر و التمام و الصوم و قضائه في صورة عدم الرجوع ليومه أو ليلته أحوط، و لو كان من قصده الذهاب و الإياب و لكن كان متردِّداً في الإقامة في الأثناء عشرة أيام و عدمها لم يقصّر كما أنّ الأمر في الامتدادية أيضاً كذلك.

____________

و هذا فيما إذا كان في يوم واحد أو مع ليلته لا إشكال فيه، بل ذكر الصدوق في الأمالي أنّ التقصير حينئذ من دين الإمامية كما مرّ (1)، و أنّ ما نُسِبَ إلى الشيخ و جماعة من القول بالتخيير لم نعرف وجهه كما تقدّم (2).

و أمّا إذا لم يقصد الرجوع ليومه فلا إشكال في التمام فيما إذا تخلّل في سفره أحد القواطع كإقامة عشرة أيّام، لعدم تحقّق السفر الشرعي منه حينئذ إلّا بناءً على ما نُسِبَ إلى الكليني من الاكتفاء بالأربعة من غير ضمّ الإياب.

و أمّا إذا لم يتخلّل فكان عازماً على الرجوع قبل العشرة فهل يقصّر حينئذ أو يتمّ، أو يتخيّر بينهما، أو يفصّل بين الصوم فلا يفطر و بين الصلاة فيقصّر أو يتخيّر؟ فيه وجوه، بل أقوال.

____________

(1) في الجهة الأُولى.

(2) في الجهة الأُولى.

11

..........

____________

نسب إلى المشهور كما في الجواهر التخيير (1)، بل عن الأمالي نسبته إلى دين الإمامية (2).

و ذهب جماعة إلى وجوب التمام، و مال إليه شيخنا الأنصاري في بعض مؤلّفاته على ما نسبه إليه الهمداني (قدس سره) (3)، و اختاره الفاضلان (4) و السيِّد المرتضى (5) و الحلّي (6) و غيرهم.

و المعروف بين متأخِّري المتأخِّرين تعيّن القصر و أنّ حكمه حكم من يرجع ليومه. و هذا القول منسوب إلى ابن أبي عقيل أيضاً، رواه صاحب الوسائل عن كتابه نقلًا عن العلّامة و غيره، و أنّه نسب ذلك إلى آل الرسول (7).

قال صاحب الوسائل بعد هذه الحكاية ما لفظه: و كلام ابن أبي عقيل هنا حديث مرسل عن آل الرسول، و هو ثقة جليل، انتهى. هذه هي حال الأقوال في المسألة.

أمّا القول بالتمام: فقد استدلّ له بأصالة التمام، و أنّه هو الفرض الأوّلي المجعول في الشريعة المقدّسة من وجوب سبع عشرة ركعة على كلّ مكلّف في كلّ يوم خرجنا عن ذلك بما ثبت من وجوب التقصير على المسافر، ففي كلّ مورد ثبت‌

____________

(1) الجواهر 14: 216.

(2) أمالي الصدوق: 743.

(3) مصباح الفقيه (الصلاة): 727 السطر 19.

(4) المعتبر 2: 468، المختلف 2: 527/ المسألة 390.

(5) حكاه عنه في السرائر 1: 329، و يستفاد أيضاً من جمل العلم و العمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 47.

(6) السرائر 1: 329.

(7) الوسائل 8: 467/ أبواب صلاة المسافر ب 3 ح 14، المختلف 2: 526/ المسألة 390.

12

..........

____________

القصر فهو، و أمّا إذا لم يثبت أو تعارض الدليلان و لم يمكن الترجيح فالمرجع بعد التساقط أصالة التمام لا محالة.

هذا ما تقتضيه القاعدة، و قد وردت هناك روايات دلّت على التقصير في البريد مقيّداً بالرجوع، أي بريد ذاهباً و بريد جائياً.

فإن قلنا بأنّها منصرفة في حدّ نفسها إلى الرجوع ليومه فلا إشكال، إذ المقتضي للتقصير في غير مريد الرجوع ليومه قاصر في نفسه، فلا دليل على القصر فيه، و معه يكون المحكّم إطلاقات التمام.

و إن منعنا الانصراف و قلنا بانعقاد الإطلاق فيكفي في التقييد قوله (عليه السلام) في ذيل صحيحة ابن مسلم: «إنّه ذهب بريداً و رجع بريداً فقد شغل يومه» (1).

حيث يظهر منه أنّ المدار على شغل اليوم و أنّ موضوع الحكم هو السفر الشاغل ليومه فعلًا و لو ملفّقاً من الذهاب و الإياب، و أنّ هذا هو حدّ القصر فيختصّ بطبيعة الحال بما إذا رجع ليومه، فلا تقصير فيما إذا رجع لغير يومه.

و حينئذ فيعارض هذه الأخبار ما دلّ على وجوب القصر حتّى فيما إذا رجع لغير يومه، و عمدته أخبار عرفات (2)، و بعد التعارض و التساقط يرجع إلى أصالة التمام كما ذكرناه.

و فيه: مضافاً إلى أنّ ارتكاب التقييد بإرادة الرجوع ليومه من مجموع هذه الروايات بعيد جدّاً، و كيف يمكن ذلك في مثل ما رواه الصدوق قال: «و كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) إذا أتى ذباباً قصّر، و ذباب على بريد، و إنّما فعل ذلك لأنّه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ» (3).

____________

(1) الوسائل 8: 459/ أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 9 [لاحظ الهامش في ص 8].

(2) و سيأتي بعضها في ص 20.

(3) الوسائل 8: 461/ أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 15، الفقيه 1: 287/ 1304.

13

..........

____________

فانّ التعبير ب‍ «كان» الذي هو للاستمرار مشعر بأنّ ذلك كان ممّا يفعله (صلى اللّٰه عليه و آله) مستمرّاً و يصدر منه مرّات عديدة، إذ لم يقل رأيت مثلًا حتّى يقال إنّه اتّفق مرّة واحدة. و من البعيد جدّاً أنّه (صلى اللّٰه عليه و آله) في جميع أسفاره إلى ذباب كان يرجع ليومه أو ليلته، بل كان يبيت ثمّة بطبيعة الحال.

أنّ هذه الصحيحة صحيحة ابن مسلم غير صالحة للتقييد في نفسها، لأنّ شغل اليوم غير موضوع للحكم في شي‌ء من الأخبار، إذ الأخبار الواردة في مسيرة يوم إنّما وردت في مقام بيان تقدير السّير لا في فعلية المسير في اليوم فليس مفادها الدلالة على اعتبار السير الفعلي، إذ لا توجد رواية تدلّ على لزوم وقوع ثمانية فراسخ في يوم واحد.

بل لمّا سأل الراوي عن اختلاف سير القوافل و أنّ بعضها تسير عشرة فراسخ بل لعلّ الفرس في حال العدو يسير اثني عشر فرسخاً أجاب (عليه السلام) بأنّ العبرة بثمانية فراسخ المنطبقة في السير العادي مع المركوب العادي على ما يشغل يومه و يستوعب بياض النهار.

فليس مسير اليوم أو بياض النهار أو شغل اليوم بعناوينها موضوعاً للحكم حتّى يطبّقه الإمام (عليه السلام) على المسافة التلفيقية و لو بنحو الحكومة، بل المراد السفر الذي يكون شاغلًا لليوم و لو شأناً، المنطبق على ثمانية فراسخ و لو كانت ملفّقة من بريد ذاهباً و بريد جائياً، سواء وقع ذلك في يوم واحد فكان شاغلًا ليومه فعلًا أم لا.

فليس المدار على الشغل الفعلي، بل الاعتبار بالسّير الذي يكون محدوداً بكونه شاغلًا لليوم و لو شأناً و في حدّ طبعه، المنطبق على ثمانية فراسخ، و لذا عبّر بثمانية فراسخ بدل شغل اليوم في صحيحة زرارة الواردة في مورد صحيح‌

14

..........

____________

ابن مسلم المتقدّمة، أعني بريد ذاهباً و بريد جائياً (1).

فالمراد من صحيحة ابن مسلم أنّه أتى بشي‌ء شاغل ليومه، و هذا هو الحدّ الموجب للتقصير، لا أنّه شاغل فعلًا كي يختصّ بمريد الرجوع ليومه، فلا تكون مقيّدة لتلك الأخبار كي تتحقّق المعارضة بينها و بين أخبار عرفات كما أُفيد حتّى يرجع إلى أصالة التمام. و هذا الوجه هو عمدة المستند لهذا القول، و قد عرفت ضعفه.

و قد استدلّ أيضاً ببعض الروايات الأُخر:

منها: موثّقة عمار قال: «سألته عن الرجل يخرج في حاجة فيسير خمسة فراسخ أو ستّة فراسخ و يأتي قرية فينزل فيها، ثمّ يخرج منها فيسير خمسة فراسخ أُخرى أو ستّة فراسخ لا يجوز ذلك أي لا يتعدّى عن هذا المقدار ثمّ ينزل في ذلك الموضع، قال: لا يكون مسافراً حتّى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ، فليتمّ الصلاة» (2).

قالوا: إنّ العادة قاضية برجوع هذا الشخص الخارج لحاجة ما دون العشرة و عدم قصده للإقامة، و مقتضى الإطلاق لزوم التمام سواء رجع ليومه أم لغير يومه، و المتيقّن خروجه عن الإطلاق بمقتضى النصوص المتقدّمة هو الأوّل فيبقى الثاني مشمولًا للإطلاق.

و فيه: أنّ الإطلاق و إن كان مسلّماً، إلّا أنّ ما دلّ على خروج الراجع ليومه بعينه يدلّ على خروج الراجع لغير يومه، لأنّ دليل المقيّد و هي الروايات الدالّة على التقصير في بريد ذاهباً و بريد جائياً مطلق أيضاً يشمل بإطلاقه كلتا الصورتين، فلا موجب لرفع اليد عن هذا الإطلاق و تخصيصه بالراجع‌

____________

(1) الوسائل 8: 461/ أبواب المسافر ب 2 ح 14، 15.

(2) الوسائل 8: 369/ أبواب صلاة المسافر ب 4 ح 3.

15

..........

____________

ليومه. و عليه فتحمل الموثّقة القاضية بالتمام على قاصد العشرة أو المتردّد في المسافة.

و منها: ما رواه الشيخ بإسناده عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سألته عن التقصير في الصلاة فقلت له: إنّ لي ضيعة قريبة من الكوفة و هي بمنزلة القادسية من الكوفة، فربّما عرضت لي حاجة انتفع بها أو يضرني القعود عنها في رمضان فأكره الخروج إليها لأنّي لا أدري أصوم أو أفطر، فقال لي: فاخرج فأتمّ الصلاة و صم، فانّي قد رأيت القادسية» (1).

فإنّ المسافة بين القادسية و الكوفة خمسة عشر ميلًا، أي خمسة فراسخ كما هو المعلوم من الخارج المصرّح به في البحار نقلًا عن المغرب كما في الحدائق (2) و من البعيد جدّاً أن يريد السائل الرجوع ليومه بأن يقطع عشرة فراسخ ذهاباً و إياباً كما لا يخفى، و بما أنّ له حاجة فيرجع لا محالة عند قضائها بعد يوم أو يومين و نحو ذلك بطبيعة الحال كما هو الغالب.

فيكون موردها ما إذا خرج إلى ما دون المسافة قاصداً الرجوع لغير يومه و ما قبل عشرة أيام كما هو محلّ الكلام، و قد حكم (عليه السلام) بالتمام فتعارض ما دلّ على لزوم التقصير حينئذ من أخبار عرفات و غيرها، فيرجع بعد التعارض إلى أصالة التمام. و هذه هي عمدة المستند لهذا القول بعد ما عرفت من الوجه الأوّل.

و فيه أوّلًا: أنّها معارضة في موردها بموثّقة ابن بكير الواردة في نفس هذا الموضوع، أعني الخروج إلى القادسية، و قد صرّح فيها بلزوم التقصير، قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن القادسية أخرج إليها، أُتمّ الصلاة أو‌

____________

(1) الوسائل 8: 492/ أبواب صلاة المسافر ب 14 ح 4، التهذيب 4: 222/ 649.

(2) الحدائق 11: 318.

16

..........

____________

أُقصّر؟ قال: و كم هي؟ قلت: هي التي رأيت، قال: قصّر» (1).

فإنّهما وردتا في موضوع واحد و هي القادسيّة و ما ضاهاها. و مقتضى الإطلاق فيهما عدم الفرق بين ما لو قصد الرجوع ليومه أو لا، قصد الإقامة عشرة أيام أو لا، كانت الضيعة أو القادسية وطناً له و لو شرعاً أو لا، فهما متعارضتان بالإطلاق في مورد واحد.

و لا ينبغي الريب في أنّ مريد الرجوع ليومه خارج عن إطلاق الرواية الأُولى بمقتضى نصوص المسافة التلفيقية الدالّة على لزوم التقصير في بريد ذاهباً و بريد جائياً، فإنّه القدر المتيقّن منها، و مقتضى الإطلاق فيها عدم الفرق بين مريد الرجوع ليومه أو لغير يومه كما ذكرناه، إذ لا موجب للتخصيص بالأوّل.

و عليه فتكون هذه النصوص شاهدة للجمع بين الروايتين، فتحمل الموثّقة على ما لو قصد الرجوع ليومه أو غير يومه. و رواية عبد الرحمن على ما لو قصد الإقامة أو كانت الضيعة وطنه الشرعي، فيرتفع التنافي لتعدّد الموردين.

و على الجملة: الاستدلال برواية ابن الحجاج يتوقف على التمسّك بالإطلاق، فإذا رفعنا اليد عنه لأجل المعارضة مع الموثّقة فلا دلالة لها على التمام في قاصد الرجوع لغير يومه حتّى يتوهّم المعارضة مع أخبار عرفات.

و ثانياً: لو سلّمنا دلالة هذه الرواية بل و غيرها على التمام كدلالة أخبار عرفات و غيرها على القصر، فلا تعارض بينهما لتصل النوبة إلى التساقط و الرجوع إلى أصالة التمام، لإمكان الجمع الدلالي بالحمل على التخيير، فانّ كلا منهما ظاهر في الوجوب التعييني، فيرفع اليد عنه و يحمل على التخييري.

و بعبارة اخرى: اتصاف الوجوب بالتعيينية مستفاد من الإطلاق دون اللّفظ‌

____________

(1) الوسائل 8: 458/ أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 7.

17

..........

____________

كما حرّر في الأُصول (1)، فكلتاهما تدلّان على الوجوب بالمطابقة، و لا معارضة بينهما في هذه الدلالة، و إنّما تتعارضان في الدلالة الالتزامية المستفادة من الإطلاق، و هي الدلالة على كون الوجوب تعيينياً، فيرفع اليد عن كلّ منهما من أجل المعارضة، و نتيجته الحمل على الوجوب التخييري.

و على الجملة: فلا تعارض بين نفس الروايتين ليلتزم بالتساقط و يرجع إلى أصالة التمام، بل بين الإطلاقين، و مقتضى الصناعة ارتكاب التقييد المستوجب للحمل على التخيير كما عرفت.

و ثالثاً: أنّ هذه الرواية رواية عبد الرحمن بن الحجاج ضعيفة السند و إن عبّر عنها بالصحيحة في كلمات غير واحد، لضعف طريق (2) الشيخ إلى علي بن الحسن بن فضال بعلي بن محمد بن الزبير (3)، فإنّه لم يوثّق. و كأنّ التعبير المزبور ناشٍ عن ملاحظة ظاهر السند، حيث إنّه سند عال، مع الغفلة عن التدقيق في طريق الشيخ إلى ابن فضال، فانّ الفصل بينهما يقرب من مائتي سنة، فلا يمكن روايته عنه بلا واسطة، و في الطريق من عرفت. فلا جرم تكون الرواية محكومة بالضعف.

فما ذكرناه من المعارضة و سقوط الإطلاقين مبني على تسليم صحّة الرواية و إلّا فهي ضعيفة لا يعتنى بها في نفسها، فلا تصل النوبة إلى المعارضة، بل المتبع موثّقة ابن بكير السليمة عن المعارض، الصريحة في تحتّم التقصير، الموافقة مع أخبار عرفات.

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 2: 201.

(2) هكذا أفاد (دام ظلّه) سابقاً، و لكنّه بنى أخيراً على صحّته لوجود طريق آخر معتبر للنجاشي بعد فرض وحدة الشيخ حسبما أوعز إليه في معجم رجال الحديث 1: 78.

(3) الفهرست: 92/ 381.

18

..........

____________

و المتحصّل من جميع ما قدّمناه: أنّه لم توجد هناك رواية معتبرة تدلّ على التمام في محلّ الكلام، لتقع المعارضة بينها و بين أخبار عرفات و غيرها ممّا دلّ على لزوم التقصير ليتصدّى للعلاج. فالصحيح أنّ القول بالتمام ممّا لا أساس له بل الأمر دائر بين التقصير أو التخيير.

بقي شي‌ء و هو أنّ القائل بالتمام قد يدّعي أنّ أخبار عرفات معرض عنها بين الأصحاب، لعدم التزامهم بمضمونها من الحكم بالقصر، فتسقط عن الحجّية فتبقى أخبار التمام سليمة عن المعارض.

و فيه أوّلًا: أنّ الإعراض لا يوجب سقوط الصحيح عن الحجّية كما حقّقناه في محلّه (1) و لا سيما في مثل المقام، فانّ تلك الأخبار كثيرة صحاح متظافرة، بل ادّعى بعضهم تواترها إجمالًا بحيث يقطع بصدور بعضها عن المعصوم (عليه السلام).

و ثانياً: أنّ الأصحاب لم يعرضوا عن تلك الأخبار، بل حملوها على الوجوب التخييري، لزعم المعارضة بينها و بين أخبار التمام كما ذكرناه، فرفعوا اليد عن إطلاقها لا عن أصلها كما لا يخفى.

و أمّا القول بالتخيير: فمبني على أحد أمرين على سبيل منع الخلو:

أحدهما: دعوى تمامية الروايات المستدلّ بها على التمام و معارضتها مع أخبار عرفات، و الجمع بينها بالحمل على التخيير بعد سقوط الإطلاق من الطرفين كما مرّ.

و لكنّه مبني على وجود رواية معتبرة دالّة على التمام في قاصد الرجوع لغير يومه، و هي مفقودة كما عرفت. فأخبار عرفات لا معارض لها.

____________

(1) مصباح الأُصول 2: 203.

19

..........

____________

ثانيهما: أن يقال إنّ الأخبار الدالّة على ثبوت التقصير في المسافة التلفيقية و إن رجع لغير يومه كأخبار عرفات و غيرها معارضة بما دلّ من الأخبار الكثيرة على تحديد التقصير بثمانية فراسخ امتدادية لا أقل من ذلك، فإنّها ظاهرة في اختصاص لزوم التقصير بالثمانية الامتدادية و عدم ثبوته فيما دونها، كما أنّ تلك ظاهرة في تعيّن التقصير لدى التلفيق، فيرفع اليد عن هذا الظهور، و تحمل نصوص التلفيق على التخيير و أنّ المراد بها جواز القصر لا تعينه، بقرينة نصوص الامتداد النافية للزوم القصر عمّا دون الثمانية. و بذلك يتمّ التخيير المنسوب إلى المشهور.

و فيه أوّلًا: أنّه لا معارضة بين الطائفتين ليتصدّى للعلاج، فانّ نصوص التلفيق حاكمة على أخبار الامتداد و شارحة للمراد من الثمانية و أنّها أعمّ من التلفيقية، كما يكشف عنه بوضوح قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة: «و كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) إذا أتى ذباباً قصّر، و ذباب على بريد و إنّما فعل ذلك لأنّه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ» (1).

فإنّها دالّة على تحقّق الثمانية بالتلفيق، و أنّ نصوصها و إن كانت ظاهرة في السّير الامتدادي إلّا أنّ موضوع الحكم أعمّ منه و من التلفيق، و معه فلا موجب لرفع اليد عن ظهور الوجوب في التعييني. إذ لا تعارض بين الحاكم و المحكوم ليحتاج إلى الجمع كما هو ظاهر جدّاً.

و ثانياً: أنّ هذا الوجه لو تمّ لعمّ و كان سنداً لما نسب إلى الشيخ في التهذيب و الاستبصار (2) و المبسوط (3) من الحكم بالتخيير حتّى لو رجع ليومه، الذي قلنا‌

____________

(1) الوسائل 8: 461/ أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 15.

(2) تقدّم مصدرهما في ص 6.

(3) المبسوط 1: 141.

20

..........

____________

سابقاً (1) أنّه لا وجه له، فيحكم بالتخيير في التلفيق مطلقاً رجع ليومه أو لا فيبقى التفصيل المنسوب إلى المشهور من تعيّن التقصير في من رجع ليومه و التخيير في غير يومه عارياً عن الشاهد، فانّ هذه الأخبار مطلقة من حيث الرجوع ليومه أو غير يومه كما هو ظاهر، فكيف يمكن التفكيك بينهما.

و على الجملة: هذا التقرير إنّما يصحّ وجهاً لكلام الشيخ لا لمقالة المشهور من التفصيل المزبور كما هو واضح.

و ثالثاً: أنّ الروايات الواردة في من رجع لغير يومه و عمدتها أخبار عرفات آبية عن الحمل على التخيير جدّاً، فإنّها كالصريح في تعيّن القصر، و قد عرفت أنّها غير معرض عنها عند الأصحاب، بل اعتمدوا عليها و حملوها بزعمهم على التخيير، مع إباء ألسنتها عن الحمل عليه كما عرفت، فلا يكون من الجمع العرفي في شي‌ء، و هذه الأخبار كثيرة:

منها: صحيحة معاوية بن عمار: «أنّه قال لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): إنّ أهل مكّة يتمّون الصلاة بعرفات، فقال: و يلهم أو ويحهم، و أيّ سفر أشدّ منه لا تتم» (2) فانّ التعبير بالويل أو الويح لا يستقيم مع التخيير.

و دعوى أنّ الويل راجع إلى التزامهم بالتمام لعلّه خلاف صريح الرواية لظهورها في رجوعه إلى نفس العمل أي لا تعمل كعملهم، لا إلى شي‌ء آخر خارج عنه.

و منها: صحيحة زرارة المشتملة على قصّة عثمان و أمره علياً (عليه السلام) أن يصلّي بالناس بمنى تماماً، و امتناعه (عليه السلام) عن ذلك أشدّ الامتناع إلّا‌

____________

(1) في ص 6.

(2) الوسائل 8: 463/ أبواب صلاة المسافر ب 3 ح 1.

21

..........

____________

أن يصلّي قصراً كما صلّى رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) إلى آخر القصّة (1). فلو كان الحكم هو التخيير فما هو الوجه في هذا الامتناع و الإصرار عليه.

فتحصّل: أنّ الأظهر ما عليه أكثر المتأخّرين و نسبه ابن أبي عقيل إلى آل الرسول من تعيّن القصر و إن لم يرجع ليومه، و أنّ الثمانية فراسخ لا فرق فيها بين الامتداد و التلفيق مطلقاً.

نعم، تضمّن الفقه الرضوي التصريح بالتفصيل المنسوب إلى المشهور من تعيّن التقصير في الراجع ليومه، و التخيير في غير يومه (2). لكن عرفت مراراً أنّه لم يثبت كونه رواية فضلًا عن اعتبارها، و لعلّ الكتاب مجموعة فتاوى لفقيه مجهول. و لو سلّمنا كونه رواية معتبرة فلا مناص من طرحها، لمعارضتها لأخبار عرفات التي هي روايات مستفيضة مشهورة قد دلّت على تعيّن التقصير كما عرفت.

بقي الكلام في صحيحة عمران بن محمد، قال «قلت لأبي جعفر الثاني (عليه السلام): جعلت فداك إنّ لي ضيعة على خمسة عشر ميلًا خمسة فراسخ فربّما خرجت إليها فأُقيم فيها ثلاثة أيام أو خمسة أيام أو سبعة أيام، فأُتمّ الصلاة أم أُقصّر؟ فقال: قصّر في الطريق و أتمّ في الضيعة» (3).

أقول: هذه الرواية لا بدّ من ردّ علمها إلى أهله و إن كانت صحيحة، فإنّ ما تضمّنته من التفصيل بين الضيعة و الطريق لم يظهر له وجه أبداً، إذ الضيعة إن كانت وطناً له و لو شرعاً من أجل إقامته فيها ستّة أشهر و لذلك حكم (عليه السلام) فيها بالتمام، فلما ذا يقصّر في الطريق بعد إن لم يكن حينئذ قاصداً للمسافة‌

____________

(1) الوسائل 8: 465/ أبواب صلاة المسافر ب 3 ح 9.

(2) فقه الرضا: 159، 161.

(3) الوسائل 8: 496/ أبواب صلاة المسافر ب 14 ح 14.

22

..........

____________

فإنّه لا يستقيم إلّا بناءً على ما نسب إلى الكليني (1) و اختاره بعض المتأخّرين كما في الحدائق (2) من كفاية أربعة فراسخ من دون ضمّ الإياب، و لكنه مناف للروايات الكثيرة المتضمّنة لتحديد المسافة بالثمانية و لو تلفيقية كما تقدّم، فلا مناص من طرح الرواية حينئذ لمخالفتها مع الأخبار المتواترة. و إن لم تكن الضّيعة وطناً له فكان قاصداً للسفر الشرعي و لأجله يقصّر في الطريق فلما ذا يتمّ في الضّيعة.

اللّٰهمّ إلّا أن يقال كما قيل بأنّها محمولة على التقية، حيث إنّ العامّة لا يكتفون بهذا الحد أعني ثمانية فراسخ في تحقّق المسافة كما تقدّم (3)، و بما أنّه لا موجب للتقية في الطريق بطبيعة الحال لعدم الابتلاء بالمخالف غالباً فلا مناص ثمّة من التقصير، و أمّا في الضيعة فالمخالف موجود غالباً، و لا أقل من وجود فلّاح و نحوه، و من ثمّ حكم (عليه السلام) بالتمام تقية، و إلّا فلم يظهر وجه لهذا التفكيك، فإنّه خلاف المقطوع به البتّة.

نعم، إذا فرضنا ثبوت التخيير المنسوب إلى المشهور أمكن العمل حينئذ بهذه الصحيحة، بأن يقال: الحكم هو التخيير لمريد الرجوع لغير يومه و لكن القصر في الطريق أفضل، كما أنّ الإتمام في الضيعة أفضل، و إن كان مخيّراً بينهما في كلّ منهما. و لكن التخيير غير ثابت في نفسه كما تقدّم، فلا مناص من طرحها و رد علمها إلى أهله، أو حملها على التقية كما عرفت.

بقي الكلام فيما نسب إلى الشيخ و ابن البراج كما في الجواهر من التفصيل بين‌

____________

(1) راجع ص 5.

(2) الحدائق 11: 316.

(3) في ص 4.

23

..........

____________

الصوم و الصلاة فلا يجوز الإفطار، و يتخيّر في الصلاة بين القصر و التمام (1). و نسب ذلك إلى المفيد و والد الصدوق و سلار أيضاً، و لكن النسبة غير ثابتة ظاهراً كما في الجواهر. و كيف ما كان، فهل يمكن الالتزام بهذا التفصيل؟

الظاهر أنّه ممّا لا مناص من الالتزام به بناءً على القول بالتخيير، فانّا لو بنينا على تعيّن القصر كما هو الصحيح حسبما عرفت فالملازمة حينئذ ثابتة بين القصر و الإفطار، و أنّه كلّما قصّرت أفطرت، و بالعكس، و عليه لا مجال لهذا التفصيل أبداً.

و أمّا لو بنينا على التخيير كما عليه المشهور فجواز التقصير حينئذ حكم إرفاقي ثبت بدليل خاص، و إلّا فهو خارج عن موضوع السفر الشرعي حقيقة كما لا يخفى، و لم تثبت الملازمة بين جواز التقصير و بين جواز الإفطار، و إنّما مورد الملازمة ما إذا كان التقصير واجباً تعييناً لا ما إذا كان جائزاً. كما أنّه لم تثبت الملازمة بين جواز الإتمام و جواز الصيام، و من هنا يجوز الإتمام في مواطن التخيير، و لم يثبت جواز الصيام ثمّة بالضرورة، بل يتعين في حقّه الإفطار بعد كونه مسافراً حقيقة، بمقتضى الإطلاق في قوله تعالى فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ* (2).

و على الجملة: فجواز القصر لا يلازم جواز الإفطار، كما أنّ جواز التمام لا يلازم جواز الصيام، بل كلّ تابع لقيام الدليل عليه، و قد ثبت التخيير المستلزم لجواز التقصير في المقام بدليل خارجي حسب الفرض، و لم يثبت الجواز بالإضافة إلى الإفطار، فلا وجه للتعدي عن مورد الدليل، و قد عرفت أنّ مركز الملازمة‌

____________

(1) الجواهر 14: 216، 17: 140 141، النهاية للشيخ: 122، 161. [لكن الموجود في الجواهر: ابن حمزة، راجع الوسيلة: 108، و قد خصّ ابن حمزة التخيير بمن أراد الرجوع من الغد. راجع أيضاً المهذّب لابن البراج 1: 106].

(2) البقرة 2: 184.

24

..........

____________

إنّما هو وجوب التقصير لا جوازه.

فهذا التفصيل بناءً على القول بالتخيير جيّد جدّاً، بل لا مناص من الالتزام به، لما عرفت من عدم اندراج المقام بناءً على هذا القول في موضوع المسافر كي يجوز في حقّه الإفطار، و دليل جواز التقصير المبني على الإرفاق و التسهيل لا يستلزمه ما لم يقم عليه دليل بالخصوص، و لا دليل عليه في المقام كما عرفت.

و المتحصّل من جميع ما قدّمناه: أنّ الصحيح من هذه الأقوال ما اختاره المتأخّرون، بل لعلّه المتسالم عليه بينهم من تعيّن التقصير في من قصد أربعة فراسخ و إن رجع لغير يومه ما لم يتخلّل أحد القواطع من قصد الإقامة و نحوه لحكومة أخبار الباب المطلقة من حيث الرجوع ليومه أو غير يومه على أخبار الامتداد، و دلالتها على أنّ الثمانية المأخوذة موضوعاً لوجوب التقصير أعمّ من الامتداد و التلفيق، فتحتّم التقصير الثابت هناك ثابت هنا أيضاً. مضافاً إلى أخبار عرفات الصريحة في ذلك، مع أنّ المفروض فيها المبيت. فالقول بالتخيير فضلًا عن التمام لا مجال له أصلًا.

بقي شي‌ء و هو أنّ موضوع البحث في المقام و ما هو مورد للنقض و الإبرام هو من كان قاصداً للرجوع و لكن لغير يومه، فكان عازماً على العود دون عشرة أيام كما ذكره ابن أبي عقيل ناسباً له إلى آل الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) على ما تقدّم عند نقل كلامه.

فموضوع البحث عند القائل بالتخيير كالصدوق و غيره بل المشهور كما مرّ (1) هو هذا، كما أنّ القائل بالتمام يدّعيه في هذا الموضوع كالقائل بالتقصير، فمحلّ الكلام بين الأعلام و مركز الأقوال من التمام أو التقصير أو التخيير هو هذا المورد.

____________

(1) في ص 11.

25

..........

____________

كما أنّ مورد الروايات من أخبار عرفات و غيرها ممّا ورد في من ذهب بريداً و رجع بريداً، التي عرفت حكومتها على أخبار الثمانية الامتدادية و نحو ذلك من سائر الأخبار أيضاً كذلك، أي ما لو كان قاصداً للرجوع و لو لغير يومه.

و أمّا لو لم يقصد الرجوع أصلًا، بل قصد البقاء في رأس أربعة فراسخ، أو كان متردّداً في العود، فالظاهر أنّ المشهور لا يلتزمون هنا بالتخيير، لعدم قصده ثمانية فراسخ من الأوّل، فإنّ غاية ما ثبت بأخبار عرفات و غيرها هو التعدّي من الامتداد إلى التلفيق المنوط بقصد الرجوع، و أمّا من غير قصده رأساً فليس هناك أي دليل على التقصير لا تعييناً و لا تخييراً، إلّا بناءً على ما نسب إلى الكليني (قدس سره) و اختاره بعض المتأخّرين كما في الحدائق من كفاية أربعة فراسخ من غير ضمّ الإياب، و إلّا فالمشهور لم يلتزموا بذلك، بل اعتبروا في المسافة قصد ثمانية فراسخ، غايته أنّهم فرّقوا في ذلك بين الامتدادية و التلفيقية، فحكموا في الأوّل بتحتّم التقصير و في الثاني بالتخيير، و أمّا في مسافة أربعة فراسخ من غير قصد الرجوع أصلًا فلم يلتزم أحد بالتخيير، و لا ينبغي أن يلتزم به، إذ لا وجه له هنا بتاتاً، لما عرفت من أنّ التخيير مبني على أحد أمرين:

إمّا دعوى الجمع بين أخبار عرفات و روايات التمام الواردة في من يرجع دون عشرة أيام كرواية ابن الحجاج، و معلوم أنّ مورد الجميع هو قصد الرجوع.

أو دعوى الجمع بينها و غيرها ممّا دلّ على التقصير في المسافة التلفيقية و بين أخبار الثمانية الامتدادية. و هذا أيضاً مورده قصد الرجوع كما هو ظاهر. فلو فرضنا أنّ السفر لم يكن ثمانية فراسخ لا امتداداً و لا تلفيقاً فليس هناك أيّ دليل على التخيير.

26

..........

____________

و مع ذلك كلّه فقد نسب صاحب الحدائق (قدس سره) إلى القائلين بالتخيير أنّهم يقولون به سواء رجع لغير يومه أم لم يقصد الرجوع أصلًا، و زعم أنّ التخصيص بالأوّل غلط محض، و إليك نصّ عبارته.

قال (قدس سره): و ينبغي أن يعلم أنّ مرادهم بقولهم في صورة التخيير: و من لم يرد الرجوع من يومه. أنّه أعم من أن لم يرد الرجوع بالكلّية فالنفي متوجّه إلى القيد و المقيّد، أو أراد الرجوع و لكن في غير ذلك اليوم فالنفي متوجّه إلى القيد خاصّة. و ما ربّما يتوهّم من التخصيص بالصورة الثانية غلط محض كما لا يخفى على المتأمّل (1). انتهى موضع الحاجة.

و الظاهر أنّ الغلط هو ما زعمه، إذ كيف يلتزم بالتخيير من غير موجب. نعم، لو كان مستند القول بالتخيير هو الفقه الرضوي فقط و قلنا باعتباره و قطعنا النظر عن سائر الروايات الدالّة على تحديد المسافة بالثمانية و لو تلفيقية كان لهذه الدعوى حينئذ مجال، فانّ المذكور فيه هكذا: و إن سافرت إلى موضع مقدار أربعة فراسخ و لم ترد الرجوع من يومك فأنت بالخيار، فإن شئت أتممت و إن شئت قصّرت. فيدّعى أنّ إطلاق هذه العبارة شامل لما إذا لم يرد الرجوع أصلًا، بأن يتعلّق النفي بمجموع القيد و المقيّد.

و لكن ذلك كلّه فرض في فرض، فإنّ الرضوي لا نعتبره، و الروايات مطبقة على نفي التقصير في أقل من الثمانية و لو ملفّقة كما تقدّم. فهذه الدعوى سهو من صاحب الحدائق جزماً.

و يترتّب على هذا ما ذكره في المتن من أنّه لو قصد أربعة فراسخ و لكنّه كان متردّداً في العود ما دون العشرة بأن احتمل الإقامة في الأثناء عشرة أيام لم يقصر؛ لأنّه غير قاصد فعلًا لثمانية فراسخ و لو ملفّقة. كما أنّ الأمر في الثمانية‌

____________

(1) الحدائق 11: 313.

27

[مسألة 1: الفرسخ ثلاثة أميال]

[2232] مسألة 1: الفرسخ ثلاثة أميال (1)، و الميل أربعة آلاف ذراع بذراع اليد الذي طوله أربع و عشرون إصبعاً، كلّ إصبع عرض سبع شعيرات كلّ شعيرة عرض سبع شعرات من أوسط شعر البرذون.

____________

الامتدادية أيضاً كذلك، فلو خرج من النجف قاصداً كربلاء و لكنّه يحتمل توقّفه في خان النصف عشرة أيام فبما أنّه غير قاصد فعلًا للثمانية لا يحكم عليه بالتقصير.

فكما أنّه مع العلم بتخلّل الإقامة في الأثناء لا يقصّر، فكذا مع الشكّ لاشتراكهما في انتفاء قصد المسافة فعلًا. فلا مناص من التمام، من غير فرق في ذلك بين الامتداد و التلفيق.

(1) لا يخفى أنّ للميل إطلاقين:

أحدهما: ما هو منسوب إلى القدماء من أهل الهيئة، و هو الدارج بالفعل بين الغربيين من تحديده بربع الفرسخ، فكل فرسخ أربعة أميال.

و على هذا الاصطلاح جرى ما نشاهده حتّى الآن من تحديد المسافة بين كربلاء و المسيب بعشرين ميلًا، أي خمسة فراسخ الموضوعة من زمن احتلال الانگليز.

ثانيهما: ما هو الدارج بين الفقهاء و المحدِّثين المطابق للسان الروايات من تحديده بثلث الفرسخ، فكل فرسخ ثلاثة أميال. و هذا الاختلاف مجرّد اصطلاح، و لا مشاحة في الاصطلاح.

و قد ورد الإطلاق الثاني في كثير من الأخبار، مثل قوله (عليه السلام) في صحيحة ابن الحجاج: «ثمّ أومأ بيده أربعة و عشرين ميلًا يكون ثمانية فراسخ»‌

28

..........

____________

و نحوها صحيحة العيص (1). و في صحيحة الشحام: «يقصر الرجل الصلاة في مسيرة اثني عشر ميلًا» (2)، و نحوها غيرها كما لا يخفى على من لاحظها.

و أمّا تحديد الميل فلم يذكر في شي‌ء من النصوص ما عدا رواية واحدة و هي مرسلة الخزاز المشتملة على تحديده بثلاثة آلاف و خمسمائة ذراع (3)، و هو خلاف ما هو المشهور بين الفقهاء و اللّغويين (4) من تحديده بأربعة آلاف ذراع، و لعلّ المراد من الذراع في الرواية معنى آخر، فانّ لها أيضاً اصطلاحات. و كيف ما كان، فقد حدّد الفقهاء الميل بأربعة آلاف ذراع بذراع اليد، الذي طوله أربع و عشرون إصبعاً، كل إصبع عرض سبع شعيرات، كلّ شعيرة عرض سبع شعرات من أوسط شعر البرذون كما ذكره في المتن.

و لكنّك خبير بأنّ الأحكام الشرعية لا تبتني على مثل هذه التدقيقات العقلية التي لا تندرج تحت ضابط معيّن، و ربما يوجب الاختلاف اليسير بين شعرة و شعرة، أو شعيرة و مثلها، أو ذراع و ذراع اخرى الفرق الكثير بالإضافة إلى المجموع، إذ لا ريب أنّ هذه الأُمور تختلف صغراً و كبراً، طولًا و قصراً.

فإذا فرضنا أنّ ذراعاً مع ذراع اخرى و كلاهما متعارف اختلفا في جزء من مائة فطبعاً ينقص من ستّة و تسعين ألف إصبع الحاصل من ضرب أربعة آلاف في أربعة و عشرين الشي‌ء الكثير، بل لو كان الاختلاف في جزء من عشرة لنقص من هذا المجموع عشره و هو يقرب من عشرة آلاف إصبع، فيتحقق البون الشاسع بين التقديرين. و هكذا لو لوحظ الاختلاف بين الشعرتين أو الشعيرتين مع فرض كونهما متعارفتين.

____________

(1) الوسائل 8: 455/ أبواب صلاة المسافر ب 1 ح 15، 14.

(2) الوسائل 8: 456/ أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 3.

(3) الوسائل 8: 460/ أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 13.

(4) المنجد: 782 مادّة ميل.

29

[مسألة 2: لو نقصت المسافة عن ثمانية فراسخ و لو يسيراً]

[2233] مسألة 2: لو نقصت المسافة عن ثمانية فراسخ و لو يسيراً لا يجوز القصر، فهي مبنية على التحقيق لا المسامحة العرفية، نعم لا يضرّ اختلاف الأذرع المتوسطة في الجملة كما هو الحال في جميع التحديدات [1] الشرعية.

____________

و على الجملة: لا نعرف وجهاً لهذه التدقيقات، و لا يترتّب على تحقيقها أثر شرعي، بل العبرة بصدق الفرسخ أو الميل عرفاً، و النصوص تشير إلى الأمر العادي المتعارف من مسيرة يوم، أو بياض النهار، أو شغل اليوم، أو مسير الجمال، أو ثمانية فراسخ، و نحوها من العناوين التي يعرفها أهل العرف و المحاورة. فالمدار على الصدق العرفي، فكلّما علم أنّه مسافة فلا إشكال.

و إذا شكّ فان كانت الشبهة حكمية كما لو ذرع فكان مسافة بذراع و لم تبلغ المسافة بذراع آخر و كلاهما متعارف، فلا مناص حينئذ من الرجوع إلى أصالة التمام الذي هو الفرض الأوّلي المجعول على كلّ مكلّف من غير تقيّده بقيد خاص، بحيث لو خلق إنسان في مكان دفعة واحدة لوجب عليه التمام بلا كلام، و التقصير استثناء عن العام و تخصيص له شرع بعنوان آخر ولدي استجماع شرائطه. و عليه فمع الشكّ في التخصيص الزائد لا بدّ من الأخذ بالأكثر الّذي يتيقّن معه بالسفر، و الرجوع فيما عداه إلى أصالة التمام كما عرفت.

و إن كانت الشبهة موضوعية كما لو شكّ في أنّ ما بين الكوفة و الحلّة مثلًا مسافة أو لا فالمرجع حينئذ الاستصحاب، و سيجي‌ء التعرّض له إن شاء اللّٰه تعالى تبعاً للماتن. إذن لا يبقى مجال لهذه التدقيقات بوجه.

ثمّ إنّا لو أحرزنا المسافة تحقيقاً لم يجز القصر لو نقص عن ذلك بأن قصد‌

____________

[1] الميزان فيها هو الأخذ بأقلّ المتعارف.

30

[2234] مسألة 3: لو شكّ في كون مقصده مسافة شرعية (1) أو لا بقي على التمام على الأقوى،

____________

المسافر أقل من ذلك و لو يسيراً كعشر الفرسخ أو جزء من خمسين مثلًا، بل المتعيّن حينئذ هو التمام، فانّ التحديدات الشرعية مبنيّة على التحقيق و لا يتسامح فيها، كما هو الحال في الكرّ أو قصد الإقامة و نحو ذلك، فلا يكتفى بالأقل لمنافاته مع التحديد كما أشار إليه الماتن في المسألة الثانية فلاحظ و تدبّر.

(1) قد تكون الشبهة حكمية، و أُخرى موضوعية.

أمّا الحكمية فقد تقدّم الكلام فيها آنفاً، و نتعرّض إليها أيضاً عند تعرّض الماتن في بعض المسائل الآتية (1).

و أمّا الموضوعية التي هي محلّ كلامنا في هذه المسألة فهل يجب فيها البقاء على التمام عملًا بالاستصحاب، أو يجب الجمع رعاية للعلم الإجمالي بتعلّق تكليف دائر بين القصر لو كانت مسافة شرعية أو التمام لو لم تكن؟ وجهان، و أمّا احتمال القصر فساقط كما هو ظاهر.

و الأقوى هو الأوّل كما ذكره في المتن، لانحلال العلم الإجمالي المزبور باستصحاب عدم عروض ما يوجب التقصير.

و لا يتوقّف ذلك على جريان الاستصحاب في العدم الأزلي بأن يقال: إنّ الواجب على كلّ مكلّف بحسب الجعل الأوّلي هو التمام، و قد خرج عن هذا العام ما إذا كانت المسافة ثمانية فراسخ، و من المقرّر في محلّه (2) أنّ الباقي تحت‌

____________

(1) في المسألة [2238].

(2) محاضرات في أُصول الفقه 5: 326 و ما بعدها.

31

..........

____________

العام بعد التخصيص بالعنوان الوجودي هي الأفراد الواقعية غير المعنونة بشي‌ء ما عدا عدم كونها معنونة بعنوان الخاص، فاذا نفينا ذلك بمقتضى الأصل شمله حكم العام بضمّ الوجدان إلى الأصل، فوجب التمام.

فانّ الاستصحاب و إن كان حجّة في الأعدام الأزلية كما بيّناه في محلّه (1)، لكنّا في غنى عنه في المقام بجريان الاستصحاب بنحو العدم النعتي.

و توضيحه: أنّ الموضوع لوجوب التقصير لو كان هو نفس المسافة الخارجية البالغة حدّ الثمانية فراسخ و البعد الموجود بين البلدين الموصوف بذلك لاتّجه حينئذ ما أُفيد، فيقال: إنّ المسافة لم تكن ثابتة في الأزل لا ذاتها و لا وصفها و بعد العلم بتحقّق ذات المسافة يشكّ في تحقّق وصفها فيستصحب العدم، و بذلك يندرج في موضوع العام الذي هو عبارة عن كلّ من لم يكن في هذه المسافة الخاصّة.

إلّا أنّ الأمر ليس كذلك، بل الموضوع لوجوب القصر على ما يستفاد من الروايات بل الآية المباركة لو كانت ناظرة إلى صلاة المسافر لا صلاة الخوف كما تقدّم (2) هو السفر و السير بمقدار ثمانية فراسخ، لا نفس المسافة الخارجية الموصوفة بالثمانية، و يشكّ المكلّف في أنّ سيره في هذه المسافة التي يريد قطعها أو التي قطعها هل يبلغ هذا الحد، أو هل بلغ هذا أو لا، فيستصحب عدمه نعتاً حيث إنّه لم يكن سائراً هذا المقدار قبل الآن يقيناً و الآن كما كان.

فلا حاجة إلى التشبّث باستصحاب العدم الأزلي بعد أن لم يكن الموضوع نفس الأرض و المسافة الخارجية، بل السير المحدود بذلك الحد، المسبوق بالعدم نعتاً كما عرفت.

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 5: 217.

(2) في ص 2.

32

بل و كذا لو ظنّ كونها مسافة (1).

[مسألة 4: تثبت المسافة بالعلم الحاصل من الاختبار]

[2235] مسألة 4: تثبت المسافة بالعلم الحاصل من الاختبار (2) و بالشياع المفيد للعلم، و بالبيِّنة الشرعية، و في ثبوتها بالعدل الواحد إشكال [1]، فلا يترك الاحتياط بالجمع.

____________

(1) إذ لا عبرة بالظنّ، فإنّه لا يغني عن الحقّ شيئاً، بعد أن لم يقم دليل على اعتباره، فهو ملحق بالشكّ في كونه مورداً للأصل، إلّا إذا بلغ الظن من القوّة مرتبة الاطمئنان المعبر عنه بالعلم العادي، بحيث يكون احتمال الخلاف موهوماً لا يلتفت إليه العقلاء، فإنّ الاطمئنان حجّة عقلائية قاطعة للعذر كما لا يخفى.

(2) لا إشكال في ثبوتها بالعلم الحاصل من أيّ سبب كان من اختبار أو شياع و نحوهما، كما لا إشكال في ثبوتها بالبيّنة الشرعية، لعموم دليل اعتبارها كما تقدّم البحث حوله في باب النجاسات (1) إلّا ما خرج بالدليل كما في الشهادة على الزنا الذي لا يثبت إلّا بشهادة أربعة.

و أمّا العدل الواحد فالأقوى هو الثبوت به أيضاً و إن استشكل فيه الماتن، لما ذكرناه في محلّه (2) من عدم الفرق في حجّيته بين الأحكام و الموضوعات، لبناء العقلاء على العمل به بل بمطلق خبر الثقة في كلا الموردين، إلّا فيما قام الدليل عليه بالخصوص كما في الترافع الموقوف على البيِّنة، و الزنا الموقوف على الأربعة كما مرّ.

____________

[1] لا يبعد ثبوتها به، بل بإخبار مطلق الثقة و إن لم يكن عادلًا.

____________

(1) شرح العروة 3: 155، 2: 260.

(2) مصباح الأُصول 2: 196 و ما بعدها، 172.

33

[مسألة 5: الأقوى عند الشكّ وجوب الاختبار]

[2236] مسألة 5: الأقوى عند الشكّ وجوب الاختبار [1] (1) أو السؤال لتحصيل البيِّنة، أو الشياع المفيد للعلم، إلّا إذا كان مستلزماً للحرج.

____________

(1) أمّا في الشبهة الحكمية فسيتعرّض له في المسألة السابعة، و الكلام فعلًا متمحّض في الشبهة الموضوعية، فهل يجب الفحص عن المسافة لدى الشكّ بالاختبار أو السؤال؟ ذكر (قدس سره) أنّ الأقوى هو الوجوب، هذا.

و قد تقرّر في محلّه من الأُصول (1) عدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية و جواز الرجوع إلى الأصل ابتداءً، بل قد ورد النهي عن الفحص في بعض الموارد كما في باب التزويج و أنّها ذات بعل، أو تحقّق الرضاع بينه و بينها أو لا (2) و نحو ذلك.

نعم، قد يقال بوجوب الفحص في خصوص المقام و نحوه ممّا يوجب ترك الفحص و الرجوع إلى الأصل الوقوع في خلاف الواقع غالباً، كما في الفحص عن الاستطاعة في الحج، و عن بلوغ المال حدّ النصاب في الزكاة، أو الزيادة على المئونة في الخمس. و عن طلوع الفجر في الصوم، و نحو ذلك، و منه المقام أعني الفحص عن المسافة، فإنّ تركه و الاستناد إلى الأصل في أمثال هذه الموارد بما أنّه موجب للوقوع في مخالفة الواقع غالباً فلا مناص من الاختبار و التفتيش.

و لكنّه لا يتم إلّا إذا فرض حصول العلم الشخصي بترك الواقع إمّا فعلًا أو‌

____________

[1] بل الأقوى عدمه، نعم الاختبار أحوط.

____________

(1) مصباح الأُصول 2: 489.

(2) الوسائل 20: 301/ أبواب عقد النكاح و أولياء العقد ب 25 ح 1، 21: 31/ أبواب المتعة ب 10 ح 3، 4، 5، 17: 89/ أبواب ما يكتسب به ب 4 ح 4.

34

[مسألة 6: إذا تعارض البيّنتان فالأقوى سقوطهما]

[2237] مسألة 6: إذا تعارض البيّنتان فالأقوى سقوطهما (1) و وجوب التمام، و إن كان الأحوط الجمع.

____________

فيما بعد لو لم يفحص، و أنّه لو ترك الفحص عن الفجر مثلًا لأفطر يوماً من مجموع شهر رمضان، إمّا اليوم الحاضر أو غيره من الأيام اللّاحقة، فإنّه يجب الفحص حينئذ، لعدم الفرق في تنجيز العلم الإجمالي بين الدفعي و التدريجي و لكن كيف و أنّى يحصل العلم في شي‌ء من هذه الموارد حتّى في مثل الاستطاعة و النصاب.

نعم، ربما يحصل العلم بالوقوع في خلاف الواقع إمّا منه أو من غيره من سائر المكلّفين التاركين للفحص. إلّا أنّ مثل هذا العلم لا يكون منجّزاً كما لا يخفى.

على أنّه لا يختص بأمثال المقام، بل يعمّ جميع الشبهات بأسرها، فنعلم جزماً بأنّ الاستصحابات الجارية في مواردها من باب الطهارة و النجاسة و الحدث و نحوها لا تكون كلّها مطابقة للواقع، كما أنّ الفقيه يعلم بأنّ في العاملين بفتواه من البقاء على الوضوء لدى الشكّ في الحدث من يقع في خلاف الواقع قطعاً و هكذا.

فالإنصاف: عدم الفرق بين موارد الشبهات الموضوعية، و لا ميز بين مقام و مقام، و لا يجب الفحص في شي‌ء منها.

(1) على ما هو الأصل في المتعارضين ما لم يدلّ دليل على الأخذ بأحدهما ترجيحاً أو تخييراً كما في الخبرين حسبما تعرّضنا له في الأُصول في بحث التعادل و التراجيح (1)، و حيث لا دليل في البيّنتين فمقتضى القاعدة هو التساقط.

____________

(1) مصباح الأُصول 3: 365.

35

[مسألة 7: إذا شكّ في مقدار المسافة شرعاً وجب عليه الاحتياط بالجمع]

[2238] مسألة 7: إذا شكّ في مقدار المسافة شرعاً (1) وجب عليه الاحتياط بالجمع إلّا إذا كان مجتهداً و كان ذلك بعد الفحص عن حكمه، فإنّ الأصل هو الإتمام.

____________

نعم، قد يقال بلزوم تقديم بيّنة الإثبات لكشفها عن الواقع، فلا تقاومها شهادة النفي التي غايتها عدم العلم به.

و فيه: أنّ بيّنة النفي أيضاً ترجع إلى الإثبات لو كانت مستندة إلى الحسّ فتدّعي إحداهما أنّها ذرعت المسافة فكانت ثمانية فراسخ، و الأُخرى تدّعي أنّها ذرعتها فكانت سبعة فراسخ و نصف مثلًا. فكلّ منهما يثبت شيئاً و ينفي غيره، فكلتاهما ترجعان إلى بيّنة الإثبات و مشمولتان لعموم دليل حجّية الشهادة فيتعارضان.

نعم، لو كان مستند بيّنة النفي هو الأصل فكانت تخبر عن الحكم الظاهري لا الواقعي اتّجه حينئذ ترجيح بيّنة الإثبات الحاكمة عليها، لانتفاء موضوع الأصل بقيام الدليل، فتكون تلك البيّنة حجّة حتّى على نفس البيّنة النافية المعوّلة على الأصل، لما عرفت من انتفاء الموضوع بعد قيام الدليل الحاكم كما تقدّم توضيح ذلك كلّه في بحث النجاسات (1).

(1) أي بشبهة حكمية أمّا الموضوعية فقد تقدّمت في المسألة الخامسة و لا ريب حينئذ في عدم جواز الرجوع إلى الأصل قبل الفحص كما تقرّر في الأُصول (2)، فلا مناص من الاحتياط بالجمع أو الرجوع إلى الأدلّة إن كان مجتهداً أو إلى المجتهد إن كان مقلّداً. نعم، بعد ما فحص المجتهد و يئس كان المرجع‌

____________

(1) [بل في بحث المياه، شرح العروة 2: 269 270].

(2) مصباح الأُصول 2: 489.

36

[مسألة 8: إذا كان شاكاً في المسافة و مع ذلك قصّر لم يجزئ بل وجب عليه الإعادة تماماً]

[2239] مسألة 8: إذا كان شاكاً في المسافة و مع ذلك قصّر لم يجزئ بل وجب عليه الإعادة تماماً، نعم لو ظهر بعد ذلك كونه مسافة أجزأ إذا حصل منه قصد القربة مع الشكّ المفروض، و مع ذلك الأحوط الإعادة أيضاً (1).

____________

أصالة التمام كما تقدّم (1).

(1) إذا قصّر مع شكّه في المسافة رجاءً بحيث تمشّى منه قصد القربة فإن بنينا على لزوم الجزم بالنيّة في صحّة العبادة فلا إشكال في البطلان مطلقاً.

و إن بنينا على عدم لزومه كما هو الصحيح، لعدم الدليل عليه حسبما هو موضح في محلّه (2)، فتارة ينكشف الخلاف أو يبقى شاكاً، و اخرى ينكشف كونه مسافة و أنّ ما صلاه كان مطابقاً للواقع.

فعلى الأوّل: وجبت الإعادة تماماً، لأنّه الوظيفة الواقعية أو الظاهرية المقرّرة في ظرف الشكّ بمقتضى الاستصحاب كما مرّ (3) و لم يأت بها حسب الفرض. و لا دليل على إجزاء القصر غير المأمور به عمّا هو المأمور به أعني التمام. فلا مناص من الإعادة.

و على الثاني: كان مجزياً، للإتيان بالوظيفة الواقعية على وجهها، إذ لا يعتبر في حصول القربة المعتبرة في صحّة العبادة إلّا الإضافة من المولى نحو إضافة المتحقّقة بالإتيان بقصد الرجاء.

____________

(1) في ص 29.

(2) شرح العروة 1: 49 و ما بعدها.

(3) في ص 30.

37

[مسألة 9: لو اعتقد كونه مسافة فقصّر ثمّ ظهر عدمها وجبت الإعادة]

[2240] مسألة 9: لو اعتقد كونه مسافة فقصّر ثمّ ظهر عدمها وجبت الإعادة (1)، و كذا لو اعتقد عدم كونه مسافة فأتمّ ثمّ ظهر كونه مسافة فإنّه يجب عليه الإعادة [1].

[مسألة 10: لو شكّ في كونه مسافة أو اعتقد العدم ثمّ بان في أثناء السّير كونه مسافة يقصّر]

[2241] مسألة 10: لو شكّ في كونه مسافة أو اعتقد العدم ثمّ بان في أثناء السّير كونه مسافة يقصّر، و إن لم يكن الباقي مسافة (2).

____________

(1) إذ لا دليل على إجزاء الأمر الخيالي الخطأي عن الواقع، و كذا الحال لو قامت البيّنة بحيث تحقّق معه الأمر الظاهري، فانّ إجزاءه مغيا بعدم انكشاف الخلاف، و المفروض هو الانكشاف، فلا مناص من الإعادة في الوقت أو القضاء في خارجه.

و أمّا لو انعكس الفرض فاعتقد أو قامت البيّنة على عدم كونه مسافة فأتمّ ثمّ ظهر كونه مسافة، فإن كان الانكشاف في الوقت وجبت الإعادة لعين ما مرّ.

و أمّا إن كان في خارجه فالأقوى عدم وجوب القضاء، لصحيح العيص بن القاسم الصريح في ذلك، و سيجي‌ء التعرّض له إن شاء اللّٰه تعالى في مطاوي بعض المسائل الآتية (1).

(2) إذ العبرة بمقتضى إطلاق الأدلّة بقصد واقع الثمانية و إن لم يعلم به و المفروض صدور هذا القصد. فلو قصد السّير من النجف إلى الحلّة جاهلًا بكونه مسافة أو معتقداً بالعدم و هو مسافة واقعاً فقد قصد السفر في مسافة هي في الواقع ثمانية، فلا مناص من التقصير.

____________

[1] إذا كان الانكشاف في الوقت.

____________

(1) في ص 359 و ما بعدها.

38

[مسألة 11: إذا قصد الصبي مسافة ثمّ بلغ في الأثناء وجب عليه القصر]

[2242] مسألة 11: إذا قصد الصبي مسافة ثمّ بلغ في الأثناء وجب عليه القصر و إن لم يكن الباقي مسافة (1)، و كذا يقصّر إذا أراد التطوّع بالصلاة مع عدم بلوغه. و المجنون الذي يحصل منه القصد إذا قصد المسافة ثمّ أفاق في الأثناء يقصّر، و أمّا إذا كان بحيث لا يحصل منه القصد فالمدار بلوغ المسافة من حين إفاقته.

____________

نعم، لو كان موضوع الحكم بالقصر قصد عنوان الثمانية فبما أنّه موقوف على إحراز العنوان ليتمكّن من قصده فمع الشكّ لا إحراز فلا موضوع. و لكن عرفت أنّ الموضوع واقع الثمانية لا عنوانها، فقد تحقّق موضوع الحكم بالتقصير واقعاً و إن لم يعلم به، فانّ العلم إنّما يعتبر في تعلّق القصد بالعنوان دون المعنون و ما هو الواقع كما هو واضح.

(1) فانّ البلوغ أو العقل غير دخيلين في إناطة التقصير بقصد المسافة، إذ هما شرط في الحكم بالوجوب لا في متعلّقه، و القصد المزبور دخيل في نفس المتعلّق، فذات الصلاة الصادرة عن أيّ متصدّ لها على ما يقتضيه إطلاق الأدلّة يعتبر فيها التقصير مع قصد المسافة، و الإتمام مع عدمه.

غاية الأمر أنّها تتّصف بالوجوب لو صدرت من البالغ العاقل، و بالاستحباب لو صدرت من غيره، فلو تطوّع الصبي القاصد للمسافة بالصلاة تعيّن عليه القصر، و كانت صلاته محكومة بالاستحباب بناءً على شرعية عباداته، لكون قصده مشمولًا لإطلاق الأدلّة كما عرفت.

و نتيجة ذلك أنّه لو بلغ في الأثناء انقلب التطوّع بالوجوب و إن لم يكن الباقي مسافة، لتحقّق القصد الذي هو شرط في نفس القصر لا في وجوبه من أوّل الأمر كما مرّ.

39

[مسألة 12: لو تردّد في أقل من أربعة فراسخ ذاهباً و جائياً مرّات حتّى بلغ المجموع ثمانية]

[2243] مسألة 12: لو تردّد في أقل من أربعة فراسخ ذاهباً و جائياً مرّات حتّى بلغ المجموع ثمانية لم يقصّر (1)، ففي التلفيق لا بدّ أن يكون المجموع من ذهاب واحد و إياب واحد ثمانية.

____________

و منه يظهر الحال في المجنون القاصد للمسافة الذي يفيق في الأثناء، فإنّ قصده أيضاً معتبر كالصبي بمقتضى الإطلاق، فيجب عليه القصر لو أفاق و إن لم يكن الباقي مسافة، إلّا إذا بلغ جنونه حدّا لا يحصل منه القصد بحيث كان ملحقاً بالحيوانات، ففي مثله يعتبر بلوغ المسافة من حين إفاقته كما ذكره في المتن.

(1) كما لو تردّد في مسافة فرسخين أو فرسخ واحد فذهب ثمّ عاد إلى ما دون حدّ الترخص ثمّ ذهب و عاد إلى أن بلغ الثمانية، فإنّه لا يكفي في ثبوت التقصير، لما تقدّم (1) عند التكلم حول المسافة التلفيقية من أنّ العبرة ليست بمطلق شغل اليوم أو السير ثمانية كيف ما اتّفق، بل الروايات تشير إلى سير القوافل و الجمال على النحو المتعارف المقدر بالثمانية الامتدادية و ما يلحق بها من بريد ذاهباً و بريد جائياً.

فمورد التلفيق الثابت بدليل الحكومة خاصّ بما إذا تلفّقت الثمانية من ذهاب واحد و إياب واحد، إمّا بشرط أن لا يكون كلّ منهما أقل من أربعة، أو بدون هذا الشرط مع فرض بلوغ المجموع ثمانية. و على أي تقدير فالثمانية الملفّقة من تكرّر الذهاب و الإياب غير مشمولة لنصوص التلفيق جزماً، فلا جرم يتعيّن فيها التمام.

____________

(1) في ص 7.

40

[مسألة 13: لو كان لبلد طريقان و الأبعد منهما مسافة (1) فإن سلك الأبعد قصّر]

[2244] مسألة 13: لو كان لبلد طريقان و الأبعد منهما مسافة (1) فإن سلك الأبعد قصّر، و إن سلك الأقرب لم يقصّر إلّا إذا كان أربعة أو أقل و أراد الرجوع [1] من الأبعد.

[مسألة 14: في المسافة المستديرة الذهاب فيها الوصول إلى المقصد و الإياب منه إلى البلد]

[2245] مسألة 14: في المسافة المستديرة الذهاب فيها الوصول إلى المقصد و الإياب منه إلى البلد، و على المختار يكفي كون المجموع مسافة مطلقاً و إن لم يكن إلى المقصد أربعة،

____________

(1) لا ريب في وجوب التقصير حينئذ لو سلك الأبعد، و كذا الأقرب مع فرض كونه أربعة، لكفاية التلفيق من بريدين كما مرّ (1). كما لا ريب في وجوب التمام لو سلك الأقرب و كان دون الأربعة و أراد الرجوع منه، لعدم بلوغ الثمانية و لو ملفّقاً كما هو واضح.

و أمّا لو أراد الرجوع من الأبعد فالظاهر هو التقصير، لكون الرجوع هنا بنفسه مسافة، فلا ينافي ما قدّمناه (2) من اشتراط التلفيق بعدم كون كلّ من الذهاب و الإياب أقل من الأربعة، فإنّ ذلك خاص بما إذا لم يكن كلّ منهما بنفسه مسافة، و إلّا فالعبرة بها، و لا حاجة معها إلى مراعاة التلفيق كما هو ظاهر جدّاً.

____________

[1] مرّ أنّ التلفيق لا يتحقّق في الأقلّ من أربعة إلّا أنّه في مفروض المسألة يجب القصر لأنّ الرجوع بنفسه مسافة.

____________

(1) في ص 5 و ما بعدها.

(2) في ص 7.

41

و على القول الآخر يعتبر أن يكون من مبدأ السّير إليه أربعة [1] مع كون المجموع بقدر المسافة (1).

____________

(1) قد عرفت أنّ المستفاد من النصوص لزوم التقصير على المسافر الذي يريد قطع مسافة تبلغ ثمانية فراسخ امتدادية، أو ملفّقة من الذهاب و الإياب إمّا مطلقاً أو شريطة أن لا يكون كلّ منهما أقل من أربعة فراسخ كما تقدّم.

و لا ينبغي الشكّ في عدم اعتبار كون المسافة بالخط المستقيم، إذ كثيراً ما يكون الطريق معوجاً موجباً للانحراف يميناً و شمالًا بحيث يتشكّل منه الخط المنكسر مرة أو مرتين بل مرات عديدة كما في الجبال و الأودية.

فلو فرضنا مثلثاً و أراد السير من زاوية إلى زاوية أُخرى لا بنحو الاستقامة، بل على سبيل الانكسار بحيث كان الطريق واقعاً في ضلعين منه فكان بلده في زاوية و مقصده في زاوية أُخرى و الطريق إليها مار على الزاوية الثالثة الموجب بطبيعة الحال لتضاعف البعد عما لو كان السير بنحو الاستقامة.

أو فرضنا نصف دائرة و أراد الانتقال من نقطة إلى أُخرى مسامتة لها و لكن لا بالخط المستقيم، بل بنحو الانحراف و الاستدارة، إمّا لمانع من وجود بحر و نحوه أو لغرض آخر، فتوقّف الوصول إلى المقصد على قطع تلك المسافة.

ففي جميع ذلك إذا كان السير بالغاً حدّ المسافة الشرعية أعني ثمانية فراسخ‌

____________

[1] لا يعتبر ذلك، فانّ الظاهر كفاية كون مجموع الدائرة ثمانية فراسخ في وجوب القصر سواء في ذلك وجود المقصد في البين و عدمه، و الأحوط فيما إذا كان ما قبل المقصد أو ما بعده أقل من الأربعة هو الجمع.

42

..........

____________

لزمه التقصير، و إن كان البعد الواقع بين بلده و مقصده أقل من ذلك بكثير لو كان بنحو الخط المستقيم، كلّ ذلك لإطلاق الروايات الشامل لما تضمّن الانحراف بل هو الغالب في سير الجمال و القوافل التي هي مورد النصوص و لا سيما في البلاد الجبلية.

و الروايات تشير إلى هذا السير العادي المتعارف، و إلّا فقلّما تجد طريقاً سليماً عن الانحراف عارياً عن نوع من الاستدارة أو الانكسار إلّا في الطرق البحرية أو الجوية كما لا يخفى.

أمّا طريق البر و هو مورد الروايات فشذّ ما يسلم عن الاعوجاج الموجب لازدياد السير، و قد كانت المسافة بين النجف و كربلاء مقداراً معيّناً، و أخيراً بعد ما غيّر الطريق و جعل من حي الحسين (عليه السلام) زاد الانحراف فاضيف على المسافة ما يقرب من نصف الفرسخ، فخرج آخر الطريق من الخط المستقيم إلى الخط المنكسر.

و كيف ما كان، فالمدار في وجوب التقصير بصدق أمرين: كونه مسافراً و أن يكون مسيره ثمانية فراسخ و إن كان البعد لو قدّر بنحو الاستقامة لعلّه لا يزيد على ثلاثة فراسخ مثلًا، إذ لا عبرة بالخط المستقيم كما عرفت.

فعليه إذا فرضنا أنّ حركة هذا المسافر كانت في دائرة تامّة فسار في مسافة مستديرة فلها صورتان:

إذ تارة تكون الدائرة خارجة عن البلد فيكون واقعاً على جانب منها ملاصقاً لنقطة من نقاطها أو داخلًا أو خارجاً شيئاً ما، كما لو خرج من النجف إلى الديوانية ثمّ الحلّة ثمّ كربلاء ثمّ رجع إلى النجف بحيث تشكّلت من سيرة دائرة حقيقية أو ما يشبهها.

43

..........

____________

و اخرى تكون الدائرة حول البلد بحيث يكون البلد مركزاً لها.

أمّا الصورة الاولى: فلا ينبغي الشكّ في وجوب القصر إذا بلغ به السير ثمانية فراسخ و لو ملفّقة من الذهاب و الإياب.

و لا فرق في ذلك بين أن يكون له مقصد يروم السفر إليه، أم لم يكن له مقصد أصلًا كما لو سافر لامتحان فرسه، أو اختبار سيارته أو غاية أُخرى من الغايات المباحة من غير أن يكون له أيّ مقصد ما عدا نفس السير. فوجود المقصد و عدمه سيّان، و لا يناط به ملاحظة الذهاب و الإياب، بل هما ينتزعان من مراعاة البعد و القرب بالإضافة إلى البلد.

فإنّه لدى خروجه منه يتباعد عنه شيئاً فشيئاً إلى أن يبلغ نصف الدائرة المحاذي للبلد و النقطة المسامتة له التي هي منتهى البعد، و بعدئذ يسير في النصف الثاني فيأخذ في الاقتراب و يدنو شيئاً فشيئاً إلى أن يصل إلى البلد.

فكلّما يتباعد فهو ذهاب، و كلّما يتقارب فهو إياب، سواء أ كان له مقصد أم لا، و سواء أ كان مقصده على تقدير وجوده واقعاً على رأس منتهى البعد أم قبله أم بعده، فانّ ذلك كلّه أجنبي عن ملاحظة الذهاب و الإياب المعلّق عليهما التلفيق في لسان الروايات، إذ لا يفرق ذلك في واقع الذهاب و الإياب المنتزع ممّا عرفت.

نعم، قد يطلق الإياب على مجرّد الخروج من المقصد و إن كان قبل ذلك، كما لو كان مقصده في فرسخين و المفروض أنّ منتهى البعد أربعة مثلًا، فيقال حينئذ أنّه يرجع.

لكنّه مبني على المسامحة، يراد منه أنّه يرجع من مقصده لا أنّه يرجع عن سفره، و الاعتبار بالثاني دون الأوّل كما لا يخفى. و إلّا فكلّما يبعد فهو ذاهب و كلّما يقرب فهو راجع آئب.

44

..........

____________

فما في المتن من جعل المدار على الوصول إلى المقصد في غير محلّه، بل قد عرفت عدم لزوم فرض مقصد من أصله، فإذا كان كلّ منهما أعني من مبدأ السير إلى منتهى البعد و العود عنه أربعة فراسخ فقد تحقّقت المسافة التلفيقية الموجبة للتقصير، و إذا كان كلّ منهما بنفسه ثمانية فراسخ فلا إشكال.

و على الجملة: بعد أن لم يعتبر في السفر أن يكون بالخط المستقيم، بل لعلّه لا يتّفق في البر إلّا نادراً كما مرّ فحال السير في الدائرة حال السير في غيرها من غير أي إشكال فيه، كما هو الحال في المثلث، فإنّه يقصّر إذا بلغ مجموع الضلعين ثمانية فراسخ. فالمسافة المستديرة و المسافة المستقيمة و المسافة المنكسرة كلّها شرع سواء فيما هو مناط للتقصير حسبما عرفت.

و أمّا الصورة الثانية: أعني ما لو كان البلد مركزاً للدائرة، فخرج عن بلده بالخط المستقيم مثلًا إلى أن بلغ الدائرة فسار فيها و طاف حول البلد، بحيث تكون نسبته إلى البلد في جميع الحالات على حد سواء إلى أن وصل إلى المكان الذي شرع منه في السير، فهل يكون حكمه التقصير أيضاً إذا كانت المسافة ثمانية فراسخ كما في الصورة الأُولى؟ الظاهر هو التفصيل.

إذ تارة تكون الدائرة قريبة من البلد جدّاً بحيث لا يصدق معها عنوان السفر لكونها من توابعه و ملحقاته، كما لو خرج من النجف إلى آخر ضواحيه ثمّ طاف حوله لغاية الزراعة أو التفرّج و نحوهما من الغايات المشروعة.

فحينئذ لا إشكال في لزوم التمام و إن بلغ به السير عشرة فراسخ، بل عشرين لفرض كبر البلد، لأنّ سيره خارج البلد كسيرة داخل البلد في عدم صدق عنوان المسافر عليه، و لا بدّ في التقصير من صدق هذا العنوان، لما تقدّم (1) من‌

____________

(1) في ص 8، 13.

45

..........

____________

عدم كون العبرة بمطلق شغل اليوم كيف ما اتّفق.

و لذا قلنا إنّه لو ذهب فرسخاً و رجع ثمّ ذهب و رجع إلى أن بلغ المجموع ثمانية لا يكفي في التقصير، لما عرفت من لزوم أمرين في وجوب القصر: صدق السفر، و كونه ثمانية فراسخ، فاذا لم يصدق المسافر كما في المقام لكون بعده عن البلد بمقدار نصف الفرسخ مثلًا لم يجب التقصير.

و أُخرى تكون الدائرة بعيدة بمقدار يصدق معه عنوان المسافر، كما لو بعد عن البلد مقدار ثلاثة فراسخ مثلًا ثمّ دار حول البلد، فالظاهر حينئذ وجوب التقصير فيما إذا بلغ مجموع سيره ثمانية فراسخ و لو ملفّقاً.

فإنّه حينما يشرع في البعد فهو ذاهب و يمتد ذلك إلى أن يصل منتهاه، و هي النقطة المقابلة من الدائرة مع النقطة التي دخل فيها، و حينما يتجاوز عن هذه النقطة يشرع في القرب و يتحقّق معه الرجوع و الإياب إلى أن يصل سيره في الدائرة إلى النقطة التي دخل فيها، فاذا كان كلّ منهما أربعة فراسخ بحيث تلفّقت منهما الثمانية وجب التقصير، لما عرفت من عدم اعتبار كون السير في الخط المستقيم، و أنّ العبرة بمطلق الثمانية، سواء أ كانت الخطوط مستقيمة أم مستديرة، بشرط صدق عنوان المسافر عليه، و المفروض تحقّقه في المقام. فلا مناص من التقصير حسبما عرفت.

فإذا فرضنا أنّ مجموع سيره في الدائرة ست ساعات فالسير في الثلاث الاولى ذهاب و في الثلاث الثانية إياب، فإذا بلغ كلّ منهما أربعة فراسخ وجب عليه القصر.

46

[مسألة 15: مبدأ حساب المسافة سور البلد أو آخر البيوت]

[2246] مسألة 15: مبدأ حساب المسافة سور البلد أو آخر البيوت فيما لا سور فيه في البلدان الصغار و المتوسطات، و آخر المحلّة في البلدان الكبار [1] الخارقة للعادة، و الأحوط مع عدم بلوغ المسافة من آخر البلدان الجمع و إن كانت مسافة إذا لوحظ آخر المحلّة (1).

____________

(1) المستفاد من نصوص التحديد بالثمانية أنّ مبدأ الاحتساب هو أوّل زمان يتلبّس المسافر بالوصف العنواني، و يتّصف عرفاً بكونه مسافراً، و هو بحسب المتفاهم العرفي إنّما يتحقّق بالخروج من البلد، و إلّا فعند ما يسير في البلد و لم يخرج بعدُ عنه فهو مريد للسفر و ليس بمسافر، فانّ السفر هو البروز و الخروج و منه المرأة السافرة، أي البارزة الكاشفة لما لا ينبغي كشفه.

فصدق عنوان السفر متقوّم بالخروج من البلد، و يختلف صدقه حسب اختلاف الموارد، ففيما له سور يتحقّق بالخروج عن السور، و فيما لا سور له بالتجاوز عن آخر البيوت، و في من كان من سكنة البوادي القاطنين في بيت من شعر أو قصب يتحقّق بالخروج من المنزل.

فمبدأ الاحتساب يكون هو السور أو آخر البيوت أو المنزل حسب اختلاف الموارد كما ذكره في المتن. هذا ما يقتضيه التبادر و الفهم العرفي من نصوص التحديد. و يستفاد ذلك أيضاً من بعض النصوص الخاصّة.

ففي صحيحة زرارة: «و قد سافر رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) إلى ذي خشب و هو مسيرة يوم من المدينة» (1) حيث جعل مبدأ الاحتساب بلد‌

____________

[1] إذا كانت البلدة الكبيرة متّصلة المحلّات فالظاهر اعتبار المبدأ من سور البلد أو من آخر البيوت فيما لا سور له.

____________

(1) الوسائل 8: 452/ أبواب صلاة المسافر ب 1 ح 4.

47

..........

____________

المدينة، أي أوّل نقطة من حدودها، لا منزله (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) أو غير ذلك.

و لا يخفى أنّ هذه الرواية رواها الصدوق في الفقيه في ذيل رواية يرويها عن زرارة و محمد بن مسلم (1)، و طريقه إلى ابن مسلم و إن كان ضعيفاً لكن طريقه إلى زرارة صحيح (2)، و لا يقدح ضمّ غيره معه. فالرواية موصوفة بالصحّة.

و لكن صاحب الوسائل كأنه تخيّل أنّ هذه العبارة من كلام الصدوق فنسبها إليه، حيث قال: قال: و قد سافر رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) إلى آخر ما مرّ.

و ليس كذلك قطعاً، فانّ في ذيل هذه العبارة قرينة واضحة تشهد بأنّها من كلام الإمام (عليه السلام) حيث قال بعد ذلك: «و قد سمّى رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) قوماً صاموا حين أفطر العصاة، قال: فهم العصاة إلى يوم القيامة، و إنّا لنعرف أبنائهم و أبناء أبنائهم إلى يومنا هذا» (3).

فانّ هذه الدعوى أعني معرفة العصاة و أبنائهم و أبناء أبنائهم لا تكاد تصدر من غير الإمام (عليه السلام) كما هو ظاهر. و كيف ما كان، فهي رواية صحيحة عن الإمام (عليه السلام) كما ذكرناه، دلّت على أنّ المبدأ نفس البلد هذا.

و يستفاد من موثّقة عمار أنّ المدار على أحد الأمرين من القرية أو المنزل قال (عليه السلام): «لا يكون مسافراً حتّى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ ...» إلخ (4).

____________

(1) الفقيه 1: 278/ 1266.

(2) الفقيه 4 (المشيخة): 6، 9.

(3) الفقيه 1: 278/ 1266.

(4) الوسائل 8: 469/ أبواب صلاة المسافر ب 4 ح 3.

48

..........

____________

و لكن بما أنّ التخيير بين الأقل و الأكثر لا معنى له كما لا يخفى، فهي محمولة على أنّ المسافر إن كان في قرية فالعبرة بقريته، و إلّا كما في أهل البوادي الساكنين في بيوت الشعر فمن منزله.

فالعبرة بأحد الأمرين حسب اختلاف الموردين على ما يقتضيه طبع السفر عرفاً بمقتضى سير الجمال و الدواب، فانّ الساكنين في القرى أو البلدان يتحقّق الركوب منهم للسفر في آخر القرية أو البلد غالباً، و أمّا سكنة البر فمن منازلهم.

و كيف ما كان، فالمستفاد من الروايات و من نفس نصوص التحديد هو ما عرفت، و لا شكّ أنّ مقتضى الإطلاق عدم الفرق في البلدان بين الصغيرة و المتوسطة و الكبيرة، و أنّ العبرة في جميعها بنفس البلدة.

و لكن الماتن (قدس سره) تبعاً لغيره جعل المدار في البلدان الكبار الخارقة للعادة بآخر المحلّة. و ليس له وجه ظاهر، بل هو مخالف للإطلاق كما عرفت و قد كانت الكوفة في زمانهم (عليهم السلام) كبيرة جدّاً كما يشهد به التاريخ و غيره، و مع ذلك كان مبدأ الاحتساب نفس البلدة كما يشهد به حديث القادسية حسبما تقدّم (1).

و على الجملة: مقتضى الجمود على ظواهر النصوص تعميم الحكم لما إذا كانت البلدة صغيرة كالمدينة، أو كبيرة كالكوفة، أو متوسطة كغيرهما، بعد أن لم يكن دليل على التقييد بالمحلّة في البلدان الكبيرة.

نعم، ربّما يفرض بلوغ البلدة من الكبر حدّا خارقاً للعادة جدّاً بحيث يصدق على السير فيها عنوان السفر، كما لو بلغ طولها خمسين فرسخاً أو مائة أو مائتين و إن لم يوجد مصداق لها لحدّ اليوم، و ربّما يتّفق في الأجيال القادمة-

____________

(1) [الظاهر عدم تقدّم ما يدلّ على ذلك فلاحظ].

49

[الشرط الثاني: قصد قطع المسافة من حين الخروج]

الشرط الثاني: قصد قطع المسافة من حين الخروج (1) فلو قصد أقل منها

____________

ففي مثل ذلك لا مناص من الالتزام بالتقصير من لدن صدق عنوان المسافر عليه، المتحقّق بالخروج من محلّته أو نواحيها، لأنّ موضوع الحكم صدق هذا العنوان كما تقدّم (1)، و مقتضى الإطلاق عدم الفرق بين ما لو اتّفق الصدق على السير في نفس البلدة أو في خارجها، فمتى صدق هذا العنوان و كان قاصداً للثمانية امتدادية أو تلفيقية وجب التقصير و إن كان مورد الصدق هو السير في نفس البلد.

و أمّا إذا لم يبلغ الكبر هذا الحد، بحيث لا يصدق معه عنوان السفر كالبلدان الكبار في عصرنا الحاضر مثل بغداد و طهران و بعض البلاد الغربية، فلا موجب للالتزام فيها بالاحتساب من آخر المحلّة، إذ لا دليل عليه بوجه، مع أنّه لا ضابط له، إذ قد يكون منزله في أوّل المحلّة، و اخرى في وسطها، و ثالثة في آخرها، و يلزم في الفرض الأخير أن يكون المبدأ حيطان الدار، و لا شاهد عليه أصلًا كما لا يخفى.

و على الجملة: فالميزان الكلّي في الاحتساب أوّل نقطة يصدق معها عنوان المسافر، و هو في البلاد المتعارفة بل الكبار الحاضرة إنّما يتحقّق بالخروج عن البلد إمّا عن سورة أو آخر بيوته، و في غيره عن منزله حسبما عرفت، و لا اعتبار بالخروج عن المحلّة بوجه، إذ لا شاهد عليه في شي‌ء من الأخبار.

(1) هل المدار في التقصير على مجرّد قطع المسافة خارجاً من غير اعتبار القصد بوجه، أو على نفس القصد على نحو تمام الموضوع، سواء أبلغ سيره خارجاً حدّ المسافة الشرعية أم لا، نظير قصد الإقامة الذي هو الموضوع للتمام‌

____________

(1) في ص 13 و غيرها.

50

و بعد الوصول إلى المقصد قصد مقداراً آخر يكون مع الأوّل مسافة لم يقصّر نعم لو كان ذلك المقدار مع ضمّ العود مسافة قصّر من ذلك الوقت بشرط أن يكون عازماً على العود، و كذا لا يقصّر من لا يدري أيّ مقدار يقطع كما لو طلب عبداً آبقاً أو بعيراً شارداً، أو قصد الصيد و لم يدر أنّه يقطع مسافة أو لا، نعم يقصّر في العود إذا كان مسافة، بل في الذهاب إذا كان مع العود بقدر المسافة و إن لم يكن أربعة [1]، كأن يقصد في الأثناء أن يذهب ثلاثة فراسخ و المفروض أنّ العود يكون خمسة أو أزيد، و كذا لا يقصر لو خرج ينتظر رفقة إن تيسّروا سافر معهم و إلّا فلا، أو علّق سفره على حصول مطلب في الأثناء قبل بلوغ الأربعة إن حصل يسافر و إلّا فلا، نعم لو اطمأنّ بتيسّر الرفقة أو حصول المطلب بحيث يتحقّق معه العزم على المسافة قصّر بخروجه عن محلّ الترخّص.

____________

سواء أكمل العشرة أم لا، فكما أنّ العبرة هناك بقصد العشرة لا واقعها فكذا في المقام بقصد المسافة لا وقوعها. أو على مجموع الأمرين منضمّاً من القصد المقترن بالقطع الخارجي، فلا يكفي أحدهما منعزلًا عن الآخر؟ وجوه و احتمالات ثلاثة تتطرّق في المسألة، و لا رابع لها كما لا يخفى.

مقتضى الجمود على ظواهر غير واحد من النصوص المتضمّنة للتحديد بثمانية فراسخ امتدادية أو بريد ذاهباً و بريد جائياً هو الأوّل، فلو كنّا نحن و هذه الأخبار لالتزمنا بأنّ المدار على واقع الثمانية، سواء أ كانت مقصودة أم لا.

____________

[1] تقدّم اعتبار كون كلّ من الذهاب و الإياب أربعة.